стр. 316
← Акыда следующие страницы →
Акыда · id 604
القواعد في توحيد العبادة
محمد بن عبد الله باجسير
Полный текст (1 131 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 317
الفصل الثاني
القواعد المتعلقة
بحقيقة العبادة وضابطها
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: قاعدة العبادة لا تسمى عباده إلا مع التوحيد.
المبحث الثاني: مناط العبادة غاية الحب مع غاية الذل.
المبحث الثالث: صلاح الأعمال بصلاح النيات وكل عمل تابع لنية عامله وقصده.
стр. 318
المبحث الأول
قاعدة العبادة لا تسمى عيادة في حكم الشرع إلا مع التوحيد
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى* معنى القاعدة
سبق معنا في دراسة القواعد السابقة تفصيل الكلام على معنى العبادة الشرعية، بشمولها للاعتقادات والأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وأنها متضمنة للمحبة والذل للمبعود بحق ، وإلا لم تكن عبادة شرعية ولا نافعة، وهذه القاعدة متعلقة بأعظم ما يجب أن تتضمنه العبادة المعتبرة شرعًا عند الله ﵎، فإنَّها دلت على أنه لا تكون ولا تحصل عبادة بدون التوحيد فهو الركن الأعظم لأي عبادة يتقرب بها إلى المولى ، وبدونه تخرج العبادة عن حدّ العبادة الشرعية المقبولة عند اللّه.
فالتوحيد في حد نفسه عبادة، بل هو من أعظم العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى، كما أنه ركن في جميع العبادات الباقية لا تنفك عنه عبادة من العبادات وإلا خرجت عن كونها عبادة لله، وخرج فاعلها عن كونه عَبَدَ الله، أو عَبْدُهُ المستقيم على عبادته؛ فإن من لم يفرد الله بالعبادة فإنَّه لم يعبده.
стр. 319
والقاعدة نصت على أن العبادة -التي أمر الله بها- لا تسمى عبادةً إلا مع توحيده تعالى، فلا تصح عبادة مع الشرك، ولا يوصف أحد بأنه عَبَدَ الله تعالى إلا من حقق التوحيد، وأفرد الله تعالى بالعبادة، فمن عَبَده وأشرك معه غَيْرَه فليس عبدًا لله (١).
وبذلك يتضح لنا تفسير -من فسر من السلف- العبادة بالتوحيد، إذ هو أعظم المقصود، وأجلُّ الغايات، كما أنه ركن في جميع العبادات لا تنفك عبادة شرعية عنه بحال من الأحوال مهما كان.
فالتجرد من الشرك لا بد منه في العبادة، وإلا فلا يكون العبد آتيًا بعبادة الله، بل مشرك، حتى يفرد الله بالعبادة ويتجرد من الشرك، ويعبده سبحانه وحده دون من سواه (٢).
ولا يعني ذلك أن من عَبَدَ مع الله غيره وأشرك في عبادته ليس فاعلًا للعبادة اللغوية، بل هي واقعة منه لغة؛ لأنَّها في اللغة من الذل والتطامن والخضوع، والمقصود من القاعدة العبادة الشرعية؛ أي: أن فعله لا يسمى عبادة شرعًا.
* المسألة الثانية* أدلة القاعدة
من أدلة القاعدة ما يأتي:
١ - من المعلوم أن النصوص الشرعية قد دلت على أنه لا اعتبار للأعمال والعبادات في ميزان الشرع بدون توحيده ، وأن من عبد الله وكان متلبسًا بالشرك فإن عبادته هباء منثور، ذاهبة أدراج الرياح، وهدر لا خير فيها، وما دام الأمر كذلك فهي خارجة عن كونها عبادة لله تعالى لفقدها لأعظم أركانها، وأكبر شروطها ألا وهو توحيد الله تعالى وإفراده
стр. 320
سبحانه بها، فهي صورة بلا مضمون، ومظهر لا حقيقة له.
يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)﴾ [التوبة: ١٧]، وقال : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥].
قال أهل العلم في معنى ذلك: أي: بطلت أعمالهم الصالحة في الدنيا والآخرة فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها (١).
يقول الإمام ابن تيمية ﵀ في بيان استحالة عمارة المشركين للمساجد: "فبيَّن الله تعالى أن المشركين ما كان لهم عمارة مساجد الله مع شهادتهم على أنفسهم بالكفر، وبيَّن إنما يعمرها من آمن بالله، واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله، وهذه صفة أهل التوحيد وإخلاص الدين لله، الذين لا يخشون إلا الله، ولا يرجون سواه، ولا يستعينون إلا به، ولا يدعون إلا إياه" (٢).
أما أهل الشرك والتنديد فلا إخلاص لهم ولا توحيد، فلا يعتبرون من عمارها أبدًا وإن أقاموا فيها الليل والنهار.
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ ﵀: "لا تصح الأعمال إلا به -يقصد التوحيد-، فهو أصلها الذي تبنى عليه، ومتى لم يوجد لم ينفع العمل، بل هو حابط؛ إذ لا تصح العبادة مع الشرك" (٣).
وإذا لم تكن العبادة صحيحة -لفقدها لأعظم أركانها- خرجت عن حقيقتها الشرعية، فلا تسمى عبادة شرعًا.
стр. 321
٢ - أن الله تعالى نفى عن المشركين العبادة، ونفى أن يكونوا من العابدين لله ، فقال : ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣] مع عبادتم لله تعالى، وربما أخلصوا الدعاء في أوقات الشدة، ولكن لما كانت تلك العبادة مشوبة بالشرك بالله العظيم، وكانت فاقدة لأعظم أركانها -وهو توحيده سبحانه- نفيت عنهم العبادة، ونفي وصفهم بأنهم من العابدين لله تعالى.
يقول الإمام ابن تيمية في بيان معنى الآية: "قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ نفى عنهم عبادة معبوده، فهم إذا عبدوا الله مشركين به لم يكونوا عابدين معبوده، وكذلك هو إذا عبده مخلصًا له الدين لم يكن عابدًا معبودهم" (١).
ويقول الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ في بيان الفروق بين الطاعة والعبادة: "ومما يزيد الأمر وضوحًا أن من أطاع الله في بعض الأمور وهو متلبس بالشرك يستحق أن تنفى عنه العبادة، كما قال الله سبحانه في حق المشركين: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣]، فنفى عنهم العبادة من أجل شركهم، ومعلوم أنهم يعبدون الله في الشدة بالتوحيد، وبالحج والعمرة، وبالصدقات في بعض الأحيان، ونحو ذلك، ولكن لما كانت هذه العبادة مشوبة بالشرك في الرخاء، وعدم الإيمان بالآخرة، إلى غير ذلك من أنواع الكفر جاز أن تنفى عن أصحابها" (٢).
٣ - يبيّن ذلك وصفه سبحانه لـ "عبادة المشركين" بأنها عبادة من دونه وعبادة لغيره مع تلبسهم بعبادته ، وتقربهم بشركهم وشركائهم إليه سبحانه رجاء القربة والشفاعة، ولكن لما كانت عبادتهم لله مختلطة
стр. 322
بالشرك به سبحانه وصفها الله بأنها عبادة من دونه وعبادة لغيره، ومن تلك الأدلة ما يأتي: يقول سبحانه: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦]، وقال : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥]، ولذلك استنكر عليهم النبي ﷺ طلبهم منه أن يعبد آلهتهم، كما حكى الله ذلك بقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ [الزمر: ٦٤]، مع أنهم لم يطلبوا منه أن يترك عبادة الله ، ولكن لما كانت عبادته المطلقة لا تتحقق إلا بترك الشرك مطلقًا، كان من عَبَدَ الله بهذه الحالة الشركية عابدًا لغيره.
٤ - ومما يزيد الأمر بيانًا ووضوحًا أيضًا أن الله تعالى أمر المشركين بعبادته سبحانه وحده دون من سواه، وأرسل جميع رسله بدعوتهم إلى عبادته هافراده بالتوحيد، بل عاب وتوعَّد من ترك عبادته وعَبَدَ غيره، كل ذلك مع أن المشركين كانوا يعبدون الله تعالى، بل ربما أخلصوا له العبادة وقت الشدة، فلو كان ما قاموا به عبادة شرعية لما أمرهم الله بها، وتوعدهم على تركها، ولما أرسل رسله بالأمر بها والجهاد في سبيلها.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]، وقوله : ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى
стр. 323
قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ [الأعراف: ٥٩]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾ [قريش: ٣]، والآيات في هذا الباب يصعب حصرها إلا بجهد الأنفس.
٥ - ومما يدل على معنى القاعدة قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٣]، فهنا قالوا: (نعبد إلهك وإله آبائك)، ثم قالوا: (إلهًا واحدًا) فهذا بدل من الأول في أظهر الوجهين؛ فإن النكرة تبدل من المعرفة، فقالوا: (نعبد إلهك)، فعرفوه ثم قا لوا: (إلهًا واحدًا) فوصفوه، والبدل في الحكم تكرير العامل أحيانًا، فالتقدير: نعبد إلهك نعبد إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون، فجمعوا بين الخبرين بأمرين؛ بأنهم يعبدون إلهه، وأنهم إنما يعبدون إلهًا واحدًا، فمن عَبَدَ إلهين لم يكن عابدًا لإلهه وإله آبائه، وإنما يعبد إلهه من عبد إلهًا واحدًا، ولو كان من عبد الله وعبد معه غيره عابدًا له لكانت عبادته نوعين؛ عبادة إشراك، وعبادة إخلاص (١).
٦ - أن العبادة من الألفاظ الشرعية التي جاء الشرع بتخصيصها عن مدلولها اللغوي إلى حقيقتها الشرعية، مشتملة على أركان وشروط شرعية، ومن المقرر أن الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ تَنْتَفِي بِانْتِفاءِ رُكْنِهَا أَوْ شَرْطِهَا (٢)، ولا شك أن التوحيد وإفراد الله بالعبادة هو ركنها الأعظم، وأساسها الذي لا قوام لها بدونه.
стр. 324
* المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد قرر أهل العلم ﵏ هذه القاعدة بلفظها ومعناها، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من ذلك:
يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "فإذا عرفت أنّ الله خلقك لعبادته فاعلم: أنّ العبادة لا تسمّى عبادة إلا مع التوحيد، كما أنّ الصلاة لا تسمّى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدتْ كالحدَث إذا دخل في الطهارة" (١).
وإذا كانت العبادة فاسدة شرعًا خرجت عن حقيقتها الشرعية لفقدها لأعظم ركائزها، وعندها فلا يطلق عليها عبادة شرعًا، وإن كانت هي في صورة العبادة.
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "التجرد من الشرك لا بد منه في العبادة، وإلا فلا يكون العبد آتيًا بعبادة الله، بل مشرك، وهذا هو معنى قول المصنف: إن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه" (٢).
ويقول أيضًا: "وأنها -أي: العبادة- لا تنفع مع الشرك بل لا تسمى عبادة شرعًا" (٣).
ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣]: "لعدم إخلاصكم في عبادته، فعبادتكم له المقترنة بالشرك لا تسمى عبادة، وكرر ذلك ليدل الأول على عدم وجود الفعل، والثاني على أن ذلك قد صار وصفًا لازمًا؛ ولهذا ميز بين الفريقين وفصل بين الطائفتين فقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦] " (٤).
стр. 325
* المسألة الرابعة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
بعض ما ظهر لي من فوائد للقاعدة:
أولًا: بناء على القاعدة فقد عرَّف بعض أهل العلم العبادة بأنها التوحيد؛ كما جاء ذلك عن ابن عباس ﵄: "قال: قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين؛ أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم" (١).
يقول الإمام الطبري مفسرًا لقول ابن عباس ﵄: "والذي اراد ابن عباس -إن شاء الله- بقوله في تأويل قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: وحدوه، أي: أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه" (٢).
وقال الإمام البخاري عند قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]: "مَا خَلَقْتُ أهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أهْلِ الفَرِيقَيْنِ إلَّا لِيُوحِّدُونِ" (٣).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسائله على كتاب التوحيد: "الثانيةُ: أن العبادة هي التوحيدُ؛ لأن الخصومة فيه" (٤).
والمقصود: أن الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم كانت في التوحيد؛ لأنَّهم جاؤوا بأشياء كثيرة غير التوحيد فلم ينكرها المشركون وإنما جادلوا في شأن التوحيد.
стр. 326
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "وهكذا قال جميع العلماء: إن العبادة هي التوحيد، إذ هو المقصود، والأمم الكافرة تعبد الله وتعبد معه سواه" (١).
وذلك باعتبار أن التوحيد هو أعظم أركان العبادة، وأجل أفرادها، وأن جميع العبادات مبنية عليه، وأنه هو مقصود الرسل، وغاية الخلق، والحق أن العبادة شاملة للاعتقادات والأقوال والأعمال، وعليه فتعريف العبادة بالتوحيد هو من باب إطلاق الاسم على بعض مسمياته، وتعريف الشيء بأهم أركانه، ولا يعني ذلك حصر العبادة في التوحيد، وإنما يدل على أنه أصل وركن في العبادة، فهو كقول النبي ﷺ -يمّ: "الْحَجُّ عَرَفَةٌ" (٢).
فهذا الحصر لا ينفي اعتبار غيره، بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود، وأنه هو الأصل والباقي تابع له، والخبر عن الشيء يصدق ببعض أركانه وأهم مقاصده (٣).
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرحه لكتاب التوحيد: "العبادة هي التوحيد؛ أي: أن العبادة مبنية على التوحيد، فكل عبادة لا توحيد فيها ليست بعبادة، لا سيما أن بعض السلف فسروا قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: إلا ليوحدون، وهذا مطابق تمامًا لما استنبطه
стр. 327
المؤلف ﵀ من أن العبادة هي التوحيد؛ فكل عبادة لا تبنى على التوحيد فهي باطلة" (١).
ثانيًا: المقصود من القاعدة عدم إطلاق العبادة على من تلبَّس بالشرك؛ أي: بدون تقييد، أما مع التقييد فلا إشكال في ذلك؛ فإن "نفي العبادة مطلقًا ليس هو نفي لما قد يسمى عبادة مع التقييد، والمشرك إذا كان يعبد الله ويعبد غيره فيقال: إنه يعبد الله وغيره، أو يعبده مشركًا به، لا يقال إنه يعبد مطلقًا، والمعطل الذي لا يعبد شيئًا شر منه، والعبادة المطلقة المعتدلة هي المقبولة، وعبادة المشرك ليست مقبولة" (٢).
ثالثًا: يستفاد من القاعدة عدم وصف الكافر أو المشرك بأنه عابد لله تعالى، وإن كان يوصف بالفعل مع التقييد فيقال يعبد الله مع غيره، أو يعبده مشركًا به، أما وصفه بأنه عابد فهذا لا يصلح إطلاقه على المشرك أبدًا؛ لأن اسم الفاعل وصف دال على الثبوت والاستمرار، والكافر لا يستمر أبدًا على عبادة الله تعالى.
يقول الإمام ابن القيم في علة مجيء النفي في قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣] بصيغة اسم الفاعل دون الفعل: "وأما في حقهم -أي: الكافرين- فإنما أتى بالاسم الدال على الوصف والثبوت، دون الفعل؛ أي: أن الوصف الثابت اللازم العائد لله منتفٍ عنكم، فليس هذا الوصف ثابتًا لكم، وإنما ثبت لمن خص الله وحده بالعبادة لم يشرك معه فيها أحدًا، وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه، وإن عبدوه في بعض الأحيان؛ فإن الشرك يعبد الله ويعبد معه غيره كما قال الله عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦]؛ أي: اعتزلتم معبودهم إلا الله فإنكم لم تعتزلوه.
стр. 328
وكذا قوله تعالى عن قول المشركين عن معبوداتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، فلم ينتف عنهم الفعل لوقوعه منهم، ونفي الوصف، لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتًا على عبادة الله، موصوفًا بها.
فتأمل هذه النكتة البديعة كيف تجد في طيها: أنه لا يوصف بأنه عابد الله وعبده المستقيم على عبادته إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلًا لم يلتفت إلى غيره ولم يشرك به أحدًا في عبادته، وأنه وإن عبده وأشرك به غيره فليس عابدًا لله ولا عبدًا له، وهذا من أسرار هذه السورة العظيمة الجليلة" (١).
ولذا قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣]: "فإن زعمتم أنكم تعبدونه فأنتم كاذبون؛ لأنكم تعبدونه مشركين، فأنا لا أعبد ما عبدتم؛ أي: مثل عبادتكم" (٢).
والمعنى: ولا أنتم عابدون مثل عبادتي التي هي توحيد وإفراد (٣).
стр. 329
المبحث الثاني
قاعدة مناط العبادة غاية الحب مع غاية الذل ولا تنفع عبادة بواحد دون الآخر
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى* شرح معاني مفردات القاعدة
معنى المناط: المناط مشتق من الأصل الثلاثي (نوط)، والنوط مصدر ناط ينوط نوطًا؛ تقول: نطت القربة بنياطها نوطًا؛ أي: علقتها، وأصل المناط: موضع النوط؛ أي: التعليق، وأصله منوط كمنور، والنوط علق شيء يجعل فيه تمر ونحوه أو ما كان يعلق من محمل وغيره، والمنوط جراب صغير يجعل فيه التمر وما شاكله، والمناط: موضع التعليق، ومناط الحكم عند الأصوليين علته؛ يقال: مناط الحكم بتحريم الخمر هو الإسكار (١).
معنى العبادة:
العبادة في اللغة مشتقة من أصل لغوي ثلاثي هو (عبد)، وقد ورد لهذا الأصل عدة معانٍ في اللغة، ومنها:
стр. 330
١ - الخضوع.
٢ - الذُّل.
٣ - الانقياد والاستسلام.
٤ - الطاعة.
٥ - التعبُّد والتنسُّك.
٦ - القوة والصلابة (١).
ولقد أرجع ابن فارس هذه المعاني وغيرها إلى أصلين صحيحين تجتمع فيهما هذه المعاني، فقال: " (العين والباء والدال): أصلان صحيحان كأنهما متضادان، والأول من ذينك الأصلين يدل على لين وذل، والآخر على شدة وغلظ؛ فالأول العبد، وهو المملوك والجماعة العبيد ... قال -الخليل-: وأما عَبَدَ يَعْبُدُ عِبَادَة فلا يقال إلا لمن يعبد الله تعالى، يقال منه: عبد يعبد عبادة، وتعبد يتعبد تعبدًا، فالمتعبد المتفرد بالعبادة، واستعبدت فلانًا اتخذته عبدًا ... ويقال: أعبد فلان فلانًا؛ أي: جعله عبدًا، ويقال للمشركين: عبدة الطاغوت والأوثان، وللمسلمين: عباد يعبدون الله تعالى ... ومن الباب البعير المعبد؛ أي: المهنوء بالقطران، وهذا أيضًا يدل على ما قلناه؛ لأن ذلك يذله ويخفض منه ... والمُعَبَّد: الذلول يوصف به البعير أيضًا، ومن الباب: الطريق المعبد، وهو المسلوك المذلل، والأصل الآخر: العبدة، وهي القوة والصلابة، يقال: هذا ثوب له عبدة إذا كان صفيقًا قويًا" (٢).
стр. 331
والأصل الأول هو الأكثر والأشهر في استعمال العرب، وهو كلّ ما دلَّ على اللين والذُّل؛ ولذا يقول الإمام ابن جرير الطبري مقررًا ومؤيدًا كون معنى الذل والخضوع هو الأشهر عند العرب، فقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]: "وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه: بمعنى نخشع، ونذل، ونستكين، دون البيان عنه بأنه بمعنى: نرجو، ونخاف، وإن كان الرجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة؛ لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة ... والشواهد من أشعار العرب وكلامها على ذلك أكثر من أن تحصى، وفيما ذكرناه كفاية لمن وفق لفهمه إن شاء الله تعالى" (١).
ويقول الشيخ ابن عاشور: "ومعنى العبادة في اللغة العربية قبل حدوثِ المصطلحات الشرعية دقيق الدلالة، وكلمات أئمة اللغة فيه خفية، والذي يُستخلص منها أنها: إظهار الخضوع للمعبود، واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضرّه ملكًا ذاتيًا مستمرًا، فالمعبود إله للعابد" (٢).
أما معناها في الشرع فقد تنوعت تعريفات العلماء وتعددت بحسب تعدد الاعتبارات التي ترجع إليها تعريفاتهم؛ فبعضهم نظر إلى أصل العبادة وأساسها وما تنبني عليه، وبعضهم نظر إلى شروطها وأركانها، والبعض نظر إلى أفرادها، وهكذا، وفيما يلي بعض ما وقفت عليه من تلك التعاريف:
عرَّفها سعيد بن جبير (٣) بقوله وقد سئل عنها: "والعبادة هى الطاعة" (٤)
стр. 332
ثم بيَّن ﵀ وجه ذلك بقوله: "وذلك أنه من أطاع الله فيما أمره به وفيما نهاه عنه فقد أتم عبادة الله، ومن أطاع الشيطان في دينه وعمله فقد عبد الشيطان، ألم تر أن الله قال للذين فرطوا: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ [يس: ٦٠]، وإنما كانت عبادتهم الشيطان أنهم أطاعوه في دينهم؛ فمنهم من أمرهم فاتخذوا أوثانًا أو شمسًا أو قمرًا أو بشرًا أو ملكًا يسجدون له من دون الله، ولم يظهر الشيطان لأحد منهم فيتعبد له أو يسجد له، ولكنهم أطاعوه فاتخذوها آلهة من دون الله" (١).
وعرَّفها الطبري بقوله: "العبادة: الخضوع لله بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة" (٢).
ويقول الإمام السمعاني: "والعبادة هي الطاعة مع التذلل والخضوع" (٣).
ويقول الرازي: "العبادة: هي التذلل والخضوع للمعبود على غاية ما يكون" (٤)
ويقول أيضًا في معنى العبادة: "والعبادة: عبارة عن إظهار
стр. 333
الخضوع، والخشوع، ونهاية التواضع، والتذلل، وهذا لا يليق إلا بالخالق المدبر الرحيم المحسن، فثبت أن عبادة غير الله منكرة، والإعراض عن عبادة الله منكر" (١).
وعرَّفها ابن الجوزي (٢) بقوله: "وعبادة الله تعالى الذل له بالانقياد لما أمر والانتهاء عما نهى" (٣).
وقيل: هي ما يأتيه العبد تذللًا وتخشعًا لله تعالى على مخالفة الهوى تعظيمًا (٤).
وعرَّفها الإمام ابن تيمية بقوله: "والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته وكمال الذل ونهايته" (٥).
وقال ﵀ في معنى العبادة: "العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه؛ من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة" (٦).
وعرَّفها الإمام ابن القيم بقوله: "والعبادة تجمع أصلين غاية الحب بغاية الذل والخضوع" (٧).
وعرَّفها الإمام ابن كثير بقوله: "وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف" (٨).
стр. 334
وعرَّفها الإمام ابن أبي العز (١) بقوله: "فإن العبادة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، وكمال الذل ونهايته" (٢).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "العبادة: ما أمر به شرعًا من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي" (٣).
وقال ﵀ أيضًا: "فالعبادة كمال المحبة وكمال الخضوع والخوف والذل" (٤).
وعرَّفها الإمام الشوكاني بقوله: "والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل" (٥).
ويقول الألوسي في معناها: "العبادة: هي الطاعة والانقياد والخضوع" (٦).
وعرَّفها الإمام المعلمي بقوله: "وتحرير العبارة في معنى العبادة أن يقال: خضوع اختياري يطلب منه نفع غيبي" (٧).
стр. 335
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في بيان ما تتضمنه العبادة: "وهي تشمل جميع ما أمر الله أن يتقرب إليه به من جميع القربات، فيخلص تقربه بذلك إلى الله، ولا يصرف شيئًا منه لغير الله كائنًا ما كان" (١).
هذا بعض ما وقفت عليه من أقوال العلماء في بيان معنى العبادة، والمتأمل فيها يجدها قد تنوعت وتعددت عباراتهم في تقرير معناها بحسب نظر كل منهم؛ فمنهم من نظر إلى أصل العبادة وما تقوم عليه من معاني الخضوع والذل والمحبة، وهي ها هنا مصدر بمعنى التعبد، ومنهم من نظر إلى شروط صحتها وقبولها عند الله ﵎، ومنهم من نظر إلى أفرادها ومفرداتها إلى غير ذلك.
والمهم في الأمر هو التنبيه إلى أن المحبة التي هي ركن في العبادة الشرعية لم يذكرها أهل اللغة في ضمن تعريفهم للعبادة، وإنما عُرف ذلك بالشرع، فالشرع دلَّ على أن أصل العبادة هو المحبة، وأن الشرك فيها هو أصل الشرك؛ ولذلك صرح إبراهيم ﵇ بنفي هذه المحبة التي هي روح العبادة عن الكوكب السماوي فقال تعالى حاكيًا عنه: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام: ٧٦] (٢).
فهي أصل الإيمان العملي؛ فلا يقبل عمل من الأعمال بدونها، ولذا حكم الله تعالى على من لم تتحقق فيه هذه المحبة الشرعية بالكفر وحبوط العمل، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨].
يقول الإمام الطبري: "وقوله: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾: يقول فأبطل الله
стр. 336
ثواب أعمالهم وأذهبه؛ لأنَّها عملت في غير رضاه، ولا محبته، فبطلت، ولم تنفع عاملها" (١).
وعليه فكل من عرَّف العبادة الشرعية بذكر أصلها، فذكر الخضوع، والتذلل، والخوف، ولم يذكر المحبة، فإن ذلك ليس إهمالًا لها، أو عدم اعتبارها -كيف وهي أصل الإيمان العملي وأساسه- بل إن مقام المحبة لا يتحقق إلا إذا تحقق في القلب الخوف، والرجاء، والخضوع، والتذلل لله ﵎، فهم ذكروا في التعريف ما يلتئم منه معنى المحبة وتجتمع عليه (٢).
فالخضوع والذل الذي عرفوا به العبادة إنما هو خضوع وذل خاص مقيّد بمحبوبهم وهو الرب ﵎، لا غيره، ولذا يقول الإمام ابن القيم: "وحقيقة التعبد الذل والخضوع للمحبوب" (٣).
ولذا تعقَّب الشيخ تقي الدين الهلالي (٤) تعريف الإمام الشوكاني
стр. 337
بقوله: "قول الشوكاني: والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل، إن كان يريد المعنى اللغوي فهو صحيح، قال تعالى في سورة المؤمنين حكاية عن موسى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)﴾ [المؤمنون: ٤٧]؛ أي: خاضعون، متذللون، خادمون، وأما إن أراد المعنى الشرعي، فهو ناقص، إذ لا تتمّ العبادة بالخضوع والتذلل فقط، حتى يصحبها الحب، والتعظيم، والإجلال، وتوحيد الله بذلك" (١).
* المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة
دلَّت القاعدة على أن العبادة تنبني على ركنين أساسيين؛ هما: محبة المعبود، والذل والخضوع له، فلا تقوم عبادة إلا بهذين الركنين، بل لا تسمى العبادة عبادة إذا خلت من إحدى هاتين الركيزتين العظيمتين؛ محبة الرب ﵎، والذل له، وكلاهما لا يحصل تمامه إلا بالآخر، فلا يكون حب بدون ذل للمعبود، ولا ينفع ذل بدون محبة المعبود، (فمتى استحكم الذل والحب صار عبودية، فيصير القلب المحب معبدًا لمحبوبه، وهذه الرتبة لا يليق أن تتعلق بمخلوق، ولا تصلح إلا لله وحده) (٢).
يقول ابن القيم: "والحب مبناه على الذل والخضوع للمحبوب" (٣).
ويقول أيضًا: "المرتبة الثالثة: ذُلُّ المحبة؛ فإن المحب ذليل بالذات، وعلى قدر محبته له يكون ذُلُّه، فالمحبة أسست على الذِّلة للمحبوب" (٤).
стр. 338
فالذُّل والخضوع للرب ﵎ هو أساس المحبة، وهو في حقيقته عزة النفس وشرف العبودية، (ولا يأنف العزيز الذي لا يذل لشيء من ذُله لمحبوبه، ولا يعده نقصًا ولا عيبًا، بل كثير منهم يعد ذله عزًا) (١).
يقول الإمام ابن تيمية في بيان ما يتضمنه لفظ العبادة: "ولفظ العبادة يتضمن كمال الذل، بكمال الحب، فلا بد أن يكون العابد محبًا للإله المعبود كمال الحب، ولا بد أن يكون ذليلًا له كمال الذل، فمن أحب شيئًا ولم يذل له لم يعبده، ومن خضع له ولم يحبه لم يعبده، وكمال الحب والذل لا يصلح إلا لله وحده، فهو الإله المستحق للعبادة التي لا يستحقها إلا هو، وذلك يتضمن كمال الحب، والذل، والإجلال، والإكرام، والتوكل، والعبادة، فالنفوس محتاجة إلى الله من حيث هو معبودها" (٢).
ومن المعلوم أن محبة المعبود ومعرفته هما أصل الإيمان في القلب، فمعرفته والعلم به أصل الإيمان القولي، ومحبته أصل الإيمان العملي، والإيمان القولي هو الذي ينبني عليه الإيمان العملي؛ فإن من عرف معبوده حق المعرفة، وعلم به تمام العلم، استلزم ذلك محبته، والذل له والخوف منه والرجاء فيه.
يقول الإمام ابن القيم: "والمعرفة تثمر المحبة والخوف والرجاء" (٣).
فالمحبة فرع المعرفة والعلم بالله ﵎، فالحب يتبع العلم، بل هو شرط صحة المحبة، وكل من المحبة والمعرفة يستلزم الذل
стр. 339
للمعبود والخضوع له والخوف منه والرجاء فيه، والانقياد له وطاعته، فلا تقوم محبة في القلب بدون الخوف والرجاء، وبدون الرغب والرهب.
يقول ابن القيم: "ومقام المحبة جامع لمقام المعرفة، والخوف، والرجاء، والإرادة، فالمحبة معنى يلتئم من هذه الأربعة وبها تحققها" (١).
ويقول ﵀ أيضًا: "وهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم، وأصنامهم، وآلهتهم مع الله كما يحبون الله، فهذه: محبة تأله، وموالاة، يتبعها الخوف، والرجاء، والعبادة، والدعاء، وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفره الله، ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد، وشدة بغضها، وبغض أهلها، ومعاداتهم، ومحاربتهم، وبذلك أرسل الله جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، وخلق النار لأهل هذه المحبة الشركية، وخلق الجنة لمن حارب أهلها، وعاداهم فيه، وفي مرضاته" (٢).
وهذه المراتب من المحبة والخوف والرجاء هي مراتب الإيمان التي يقوم عليها، وهي المحرك لسير العبد إلى ربه ﵎، إذ هي قوام العبودية وقطبها الذي لا تقوم بدونه.
يقول الإمام ابن تيمية: "ولا بد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله ، فتعتصم به، فتقل آفاتها، أو تذهب عنها بالكلية، بحول الله وقوته.
فنقول: اعلم أن محركات القلوب إلى الله ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها؛ لأنَّها تراد في الدنيا والآخرة، بخلاف الخوف، فإنَّه يزول في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس: ٦٢]، والخوف: المقصود منه الزجر، والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقى العبد في السير إلى محبوبه؛ وعلى قدر ضعفها
стр. 340
وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنَّه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبدًا لله لا لغيره" (١).
ويقول ابن القيم: "وهذه الثلاثة التي تضمنتها هذه الدرجة، وهي الحب، والخوف، والرجاء، هي التي تبعث على عمارة الوقت بما هو الأولى لصاحبه، والأنفع له، وهي أساس السلوك والسير إلى الله، وقد جمع الله سبحانه الثلاثة في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧]، وهذه الثلاثة هي قطب رحى العبودية، وعليها دارت رحى الأعمال والله أعلم" (٢).
بل حصول هذه الثلاثة وتحققها هو أصل الخيرات، وانعدامها أصل كل شر وفساد، فحصول الخير في النفوس يستوجب وجود القلب المتأله لربه ﵎، بالمحبة، والخوف، والرجاء.
يقول الشيخ السعدي: "وهذه الأمور الثلاثة: الخوف، والرجاء، والمحبة، التي وصف الله بها هؤلاء المقربين عنده هي الأصل، والمادة في كل خير، فمن تمت له تمت له أموره، وإذا خلا القلب منها، ترحلت عنه الخيرات، وأحاطت به الشرور" (٣).
فالحاصل في معنى القاعدة: أن العبادة الشرعية لا بد أن تتضمن الحب والخوف والرجاء، وإلا كانت عبادة باطلة غير مقبوله عند الله ﵎، بل تكون خارجة عن مسمى العبادة الشرعي الذي اعتبره الله ﵎، فلا بد من اجتماع المحبة مع الرغب والرهب.
стр. 341
يقول ابن الوزير (١): "والجمع بين الخوف والرجاء سُنّة الله وسُنّة رسله ﵇ وسُنّة دين الإسلام، والأولى للإنسان تغليب الخوف في حق نفسه إلا عند اقتراب الأجل الاقتراب الخاص: أعني عند ظهور أمارات الموت في المرض الشديد" (٢).
* المسألة الثالثة* أدلة القاعدة
من أدلة القاعدة ما يلي:
أولًا: من المعلوم أنه ما من حركة في العالم العلوي أو السفلي إلا وأصلها المحبة والإرادة، ولا شك أن العبادة مما يدخل في تلك الحركات سواء كانت عبادة حقة، أم باطلة فإن أصلها الذي تقوم عليه هو المحبة والإرادة، لكن الإرادة هي الأصل الذي تنبني عليه المحبة، وعليهما تنبني سائر الحركات من عبادة وغيرها.
يبيّن الإمام ابن تيمية هذا بقوله: "وهذا القدر الذي ذكرناه من أن المحبة والإرادة أصل كل حركة في العالم، فقد بينا في القواعد وغيرها أن هذا يندرج فيه كل حركة وعمل، فإن ما في الأجسام من حركه طبعية فإنما أصلها السكون، فإنَّه إذا خرجت عن مستقرها كانت بطبعها تطلب مستقرها، وما فيها من حركة قسرية فأصلها من القاسر القاهر، فلم تبق حركة اختيارية إلا عن الإرادة.
стр. 342
والحركات: إما إرادية، وإما طبعية، وإما قسرية؛ لأن الفاعل المتحرك إن كان له شعور بها فهي الإرادية، وإن لم يكن له شعور؛ فإن كانت على وفق طبع المتحرك فهي الطبعية، وإن كانت على خلاف ذلك فهي القسرية.
وبينا أن ما في السموات والأرض وما بينهما من حركة الأفلاك، والشمس، والقمر، وا نجوم، وحركة الرياح، والسحاب، والمطر، والنبات، وغير ذلك، فإنما هو بملائكة الله تعالى الموكلة بالسموات والأرض، الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]، ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ٤]، وكما دل الكتاب والسُّنَّة على أصناف الملائكة، وتوكلهم بأصناف المخلوقات.
ولفظ المَلَك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره، فليس لهم من الأمر شيء بل: كَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضى، ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٤، ٦٥]، وإذا كان كذلك فجميع تلك المحبات، والإرادات، والأفعال، والحركات، هي عبادة لله رب الأرض والسموات كما قد بيناه في غير هذا الموضع.
وإذا كان كذلك، فأصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها وخلق خلقه لأجلها هي ما في عبادته وحده لا شريك له، إذ العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية الذل" (١).
ويزيد ﵀ الأمر وضوحًا بقوله: "ولما كانت كل حركة وعمل في العالم فأصلها المحبة والإرادة، وكل محبة وإرادة لا يكون أصلها
стр. 343
محبة الله، وإرادة وجهه، فهي باطلة فاسدة، كان كل عمل لا يراد به وجهه باطلًا، فأعمال الثقلين الجن والإنس منقسمة؛ منهم من يعبد الله، ومنهم من لا يعبده، بل قد يجعل معه إلهًا آخر.
وأما الملائكة فهم عابدون لله، وجميع الحركات الخارجة عن مقدور بني آدم، والجن، والبهائم، فهي من عمل الملائكة وتحريكها لما في السماء والأرض وما بينهما، فجميع تلك الحركات والأعمال عبادات لله، متضمنة لمحبته، وإرادته، وقصده" (١).
ويقول أيضًا: "ومن المعلوم أن كل حي فله إرادة وعمل بحسبه، وكل متحرك فأصل حركته المحبة والإرادة، ولا صلاح للموجودات إلا أن يكون كمال محبتها وحركتها لله تعالى، كما لا وجود لها إلا أن يبدعها الله" (٢).
فجميع الحركات أصلها المحبة والإرادة، وهذه المحبة والإرادة لا بد أن تكون لمحبوب مراد لنفسه، ليس محبوبًا لغيره وإلا لزم التسلسل في المحبوبين، وهو باطل.
يقول ابن تيمية: "وإذا كانت كل حركة فأصلها الحب والإرادة من محبوب مراد لنفسه لا يحب لغيره، إذ لو كان كل شيء محبوبًا لغيره لزم الدور، أو التسلسل، والشيء قد يحب من وجه دون وجه، وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده، ولا تصلح الإلهية إلا له، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" (٣).
ويقول الإمام ابن القيم مؤيدًا لما قرره شيخه ابن تيمية -رحمهم الله تعالى-: "والمقصود: أن حركات الأفلاك، وما حوته تابعة للحركة الإرادية المستلزمة للمحبة، فالمحبة والإرادة أصل كل فعل ومبدأه، فلا يكون الفعل
стр. 344
إلا عن محبة وإرادة، حتى دفعه للأمور التي يبغضها ويكرهها فإنما يدفعها بإرادته ومحبته لأضدادها، واللذة التي يجدها بالدفع كما يقال: شفى غيظه، وشفى صدره، والشفاء والعافية يكون للمحبوب، وإن كان كريهًا مثل شرب الدواء الذي يدفع به ألم المرض، فإنَّه وإن كان مكروهًا من وجه، فهو محبوب؛ لما فيه من زوال المكروه، وحصول المحبوب.
وكذلك فعل الأشياء المخالفة للهوى، فإنها وإن كانت مكروهة، فإنما تفعل لمحبة وإرادة، وإن لم تكن محبوبة لنفسها، فإنها مستلزمة للمحبوب لنفسه، فلا يترك الحي ما يحبه ويهواه، إلا لما يحبه ويهواه، ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة، ولذلك كانت المحبة والإرادة أصلًا للبغض والكراهة؛ فإن البغيض المكروه ينافي وجود المحبوب، والفعل؛ إما أن يتناول وجود المحبوب، أو دفع المكروه المستلزم لوجود المحبوب، فعاد الفعل كله إلى وجود المحبوب.
والحركة الاختيارية: أصلها الإرادة، والقسرية والطبيعية تابعتان لها، فعاد الأمر إلى الحركة الإرادية، فجميع حركات العالم العلوي والسفلي تابعة للإرادة والمحبة، وبها تحرك العالم ولأجلها، فهي العلة الفاعلية والغائية، بل هي التي بها ولأجلها وجد العالم، فما تحرك في العالم العلوي والسفلي حركة إلا والإرادة والمحبة سببها وغايتها، بل حقيقة المحبة حركة نفس المحب إلى محبوبه، فالمحبة حركة بلا سكون، وكمال المحبة هو العبودية، والذل، والخضوع، والطاعة للمحبوب، وهو الحق الذي به وله خلقت السموات والأرض، والدنيا والآخرة" (١).
وإذا ثبت أن المحبة والإرادة أصل كل عمل وحركة، فإن كانت محبة الله، وإرادة وجهه، وقصده سبحانه وحده دون ما سواه، فهي من أعظم الحق الذي قامت عليه السموات والأرض، وإن كانت لغير الله
стр. 345
تعالى فهي من أعظم الباطل، وهي من اتخاذ أنداد مساوية لله رب العالمين، ويعرف من هذا أن المحبة والإرادة هي أصل جميع الأديان، سواء كان دينًا حقًا، أم باطلًا، فإن الدين يشتمل على الأعمال الباطنة والظاهرة، والمحبة والإرادة أصل ذلك كله (١).
يقول الإمام ابن تيمية: "محبة الله بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين، كما أن مجموع التصديق به أصل كل قول من أقوال الإيمان والدين، فإن كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة؛ إما عن محبة محمودة، أو عن محبة مذمومة ... فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة هي محبة الله- ، إذ العمل الصادر عن محبة مذمومة عند الله لا يكون عملًا صالحًا، بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا فأشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو كله للذي أشرك" (٢)، وثبت في الصحيح حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: القارئ المرائي، والمجاهد المرائي، والمتصدق المرائي (٣) " (٤).
стр. 346
ثانيًا: دلَّ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥] على أن التشريك في المحبة مناف لأصل التوحيد، فدلَّ ذلك على أن حصول المحبة أصل في تحقق التوحيد والعبادة، فكل من عَبَدَ الله تعالى فمحبته هي أصل هذه العبادة، كما أن كل من اتخذ ندًا من دونه لا بد أن يكون محبًا لهذا الند مشركًا بالله تعالى في هذه المحبة، ولذا حكم الله عليهم بالكفر والخلود في النار وأنهم لا يخرجون منها بسبب هذا التشريك وهذه التسوية في المحبة وتوابعها من الخوف والرجاء، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٧].
يقول الإمام ابن تيمية: "والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته، وكمال الذل ونهايته؛ فالمحبوب الذي لا يُعَظَّم، ولا يُذَلُّ له لا يكون معبودًا، والمُعَظَّم الذي لا يحب لا يكون معبودًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، فبيَّن سبحانه أن المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادًا، وإن كانوا يحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشد حبًا لله منهم لله ولأوثانهم؛ لأن المؤمنين أعلم بالله، والحب يتبع العلم، ولأن المؤمنين جعلوا جميع حبهم لله وحده، وأولئك جعلوا بعض حبهم لغيره، وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم أن ذلك أكمل " (١).
لقد ذكر الله تعالى في هذه الآية ما يدل على أن العبادة لا بد أن تتضمن المحبة، سواء كانمت لله تعالى، أم للأوثان والأنداد، فالمحبة
стр. 347
ركن فيها، وإلا لم تكن عبادة، ولذا نصت الآية على أن هؤلاء المشركين يحبون أندادهم كحبهم لله ﵎، ثم إن محبتهم لله تعالى لم تكن نافعة لهم، ولا منجية من الخلود في النار؛ لأن محبة الأوثان قد خالطتها وشابتها، والله تعالى لا يقبل من المحبة إلا المحبة الخالصة له دون ما سواه.
يقول الإمام ابن تيمية: "فدعاء إله آخر مع الله هو اتخاذ ند من دون الله يحب كحب الله؛ إذ أصل العبادة المحبة" (١).
ولذا بوَّب (٢) الإمام البخاري في "صحيحه" لهذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] ثم ذكر تحتها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (قال النبي ﷺ كلمة وقلت أخرى، قال النبي ﷺ : "من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار" وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندًا دخل الجنة (٣).
فالآية فيها شرك المحبة، والحديث فيه شرك الدعاء، والإمام جعل الآية ترجمة للحديث؛ مما يدل على أن، كل من اتخذ من دون الله ندًا بأي شكل كان، كان واقعًا حتمًا في شرك المحبة، مما يؤكد أن المحبة أصل العبادة سواء كانت عبادة شرعية، أم عبادة شركية.
ويبيِّن الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ التلازم الحاصل بين عبادة غير الله تعالى وبين محبة ذلك المعبود فيقول في معنى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾: "فكل من اتخذ ندًا لله يدعوه من دون الله، ويرغب إليه، ويرجوه لما يؤمله منه من قضاء حاجاته، وتفريج كرباته -كحال عباد القبور والطواغيت والأصنام-،
стр. 348
فلا بد أن يعظموهم، ويحبوهم لذلك، فإنهم أحبوهم مع الله، وإن كانوا يحبون الله تعالى، ويقولون: لا إله إلا الله، ويصلون، ويصومون، فقد أشركوا بالله في المحبة بمحبة غيره، وعبادة غيره، فاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله يبطل كل قول يقولونه، وكل عمل يعملونه؛ لأن المشرك لا يقبل منه عمل، ولا يصح منه" (١).
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]: "قلت: مراده أن معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: هو إفراد الله بأصل الحب الذي يستلزم إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وعلى قدر التفاضل في هذا الأصل وما ينبني عليه من الأعمال الصالحة يكون تفاضل الإيمان، والجزاء عليه في الآخرة، فمن أشرك بالله تعالى في ذلك، فهو المشرك لهذه الآية" (٢).
فتبين من ذلك أن إفراد الله بأصل الحب هو أصل العبادة الشرعية المستوجبة للذل له والخوف منه، والرجاء فيه وجميع العبادات الظاهرة والباطنة.
ومما يوضح الأمر أن كراهية الله أو بغضه، أو بغض شيء من دينه، وشرعه، تنافي أصل الإيمان القلبي وتناقضه، وما ذلك إلا لمناقضتها لأصل المحبة، إذ لا تجتمع المحبة والبغض في القلب لذات واحدة؛ ولذلك حكم الله تعالى على من وجد في قلبه شيء من هذه الكراهية، أو هذا البغض لله، أو لشرع الله بالكفر المخرج عن ملة الإسلام، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨].
стр. 349
يقول الإمام ابن تيمية: "والذين كرهوا ما أنزل الله: كفار، وأعمال القلوب؛ مثل حب الله ورسوله، وخشية الله، ونحو ذلك: كلها من الإيمان، وكراهة ما أنزل الله كفر، وأوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، وقد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] " (١).
ويقول الإمام ابن كثير في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: "أي: لا يريدونه، ولا يحبونه، ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ " (٢).
ثالثًا: ومما يدل على أن المحبة أصل في كل عبادة أن إبراهيم ﵇ نفى هذه المحبة عن نفسه للشمس والقمر والكواكب، وهو في مقام المناظرة والإلزام لقومه، وكانوا قد عبدوا الكواكب والشمس والقمر، مما يدل على أن أصل إشراكهم هو محبتهم لهذه الآلهة من دون الله تعالى كعادة المشركين، فإنهم يعبدون ما يهونه ويحبونه (٣)، ولذا أنكر الله عليهم بقوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾ [الفرقان: ٤٣].
يقول الإمام ابن تيمية: "ومما يبين ذلك: أن أصل العبادة: هي المحبة، وأن الشرك فيها أصل الشرك، كما ذكره الله في قصة إمام الحنفاء إبراهيم الخليل حيث قال: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا
стр. 350
رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام: ٧٦]، وقال في القمر: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾ [الأنعام: ٧٧]، فلما أفلت الشمس قال: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٨، ٧٩]، ولهذا تبرأ إبراهيم من المشركين، وممن أشركوا بالله قال: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾ [الممتحنة: ٤] " (١).
رابعًا: أن محبة الله تعالى ورجاءه والخوف منه متلازمة، لا ينفك أحدها عن الآخر، فالقلب متى ما تحقق بالمحبة لله ﵎، فإن ذلك يقتضي ويستوجب الرجاء والخوف من المعبود، فإن من أحب شيئًا طمع في حصوله وقربه، وخاف من فقده وبعده، الذي أحب الله تعالى طمع في قربه وإحسانه ونعيمه، وخاف من بعده وعذابه.
يقول الإمام ابن تيمية: "وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني؛ فالخوف، والرجاء، وغيرهما يستلزم المحبة ويرجع إليها، فإن الراجي الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه، والخائف يفر من الخوف؛ لينال المحبوب" (٢).
ويقول الإمام ابن القيم: "ومنها أن المحبة لا تنفك عن الرجاء كما تقدم، فكل واحد منهما يمد الآخر ويقويه، ومنها أن الخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف، فكل راج خائف، وكل خائف راج،
стр. 351
ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف، قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٣]، قال كثير من المفسرين: المعنى: ما لكم لا تخافون لله عظمة، قالوا: والرجاء بمعنى الخوف.
والتحقيق أنه ملازم له، فكل راج خائف من فوات مرجوه، والخوف بلا رجاء يأس وقنوط، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [الجاثية: ١٤]، قالوا في تفسيرها: لا يخافون وقائع الله بهم كوقائعه بمن قبلهم من الأمم.
ومنها: أن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربه فأعطاه ما رجاه كان ذلك ألطف موقعًا، وأحلى عند العبد، وأبلغ من حصول ما لم يرجه، وهذا أحد الأسباب والحكم في جعل المؤمنين بين الرجاء والخوف في هذه الدار، فعلى قدر رجائهم وخوفهم يكون فرحهم في القيامة بحصول مرجوهم، واندفاع مخوفهم" (١).
* المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
تضافرت أقوال العلماء في تقرير القاعدة، سواء بلفظها أو بمعناها، وفيما يلي أذكر بعض ما وقفت عليه من تلك الأقوال:
يقول الإمام ابن تيمية: "والعبادة تجمع كمال المحبة، وكمال الذل، فالعابد محب خاضع، بخلاف من يحب من لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب اَخر، وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه، كما يخضع للظالم، فإن كُلًّا من هذين ليس عبادة محضة" (٢).
стр. 352
ويقول الإمام ابن القيم: "والعبادة: تجمع أصلين؛ غاية الحب، بغاية الذل والخضوع ... فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له، حتى تكون محبًا خاضعًا" (١).
ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "فإن العبادة لا تقوم إلا بقطب رحاها الذي لا تدور إلا عليه: وذلك غاية الذل في غاية المحبة، وكمال الذل يقتضي الخضوع، والخشية، والاستكانة لله تعالى، وأن لا يرى نفسه إلا في مقام الذم لها، والمعاتبة لها في حق ربه، وكذلك الحمب لا تحصل غايته إلا إذا كان يحب ما يحبه الله، ويكره ما يكرهه الله؛ من الأقوال والأعمال والإرادات" (٢).
ويقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين بعد ذكره لأبيات ابن القيم:
ليس العبادة غير توحيد المحبة ... مع خضوع القلب والأركان
والحب نفس وفاقه فيما يحب ... وبغض ما لا يرتضي بجنان
ووفاقه نفس اتباعك أمره ... والقصد وجه الله ذي الإحسان
فقال ﵀: "فعرف العبادة: بتوحيد المحبة، مع خضوع القلب، والجوارح؛ فمن أحب شيئًا، وخضع له، فقد تعبد قلبه له، فلا تكون المحبة المنفردة عن الخضوع عبادة، ولا الخضوع بلا محبة عبادة؛ فالمحبة والخضوع: ركنان للعبادة، فلا يكون أحدهما عبادة بدون الآخر، فمن خضع لإنسان مع بغضه له، لم يكن عابدًا له؛ ولو أحب شيئًا، ولم يخضع له، لم يكن عابدًا له؛ كما يحب ولده، وصديقه؛ ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون أعظم عنده من كل شيء، بل لا
стр. 353
يستحق المحبة الكاملة، والذل التام إلا الله سبحانه" (١).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "ثم اعلم أنها لا تقبل الأعمال الظاهرة ما لم يساعدها عمل القلب، ومناط العبادة هي غاية الحب مع غاية الذل ولا تنفع عبادة بواحد من هذين دون الآخر، ولذا قال من قال من السلف (٢): من عَبَدَ الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد" (٣).
* المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
لا تخفى أهمية هذه القاعدة، لتعلقها بالغاية التي خلق الله الخلق من أجلها، وهي عبادة الله ﵎، وبعد إنعام النظر، واستقصاء التأمل فيها، بدت لي بعض الفوائد الإيجابية لها أذكرها فيما يلي:
الفائدة الأولى: أن المحبة والذل والخضوع لله تعالى أصل العبادة، فلا تصح عبادة ظاهرة ولا باطنة بدون المحبة والخضوع، بل لا تسمى عبادة؛ لأن العبادة هي توجه إلى المعبود على غاية الحب والخضوع.
يقول الإمام ابن تيمية: "والعبادة أصلها عبادة القلب المستتبع للجوارح؛ فإن القلب هو الملك، والأعضاء جنوده، وهو المضغة الذي إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، وإنما ذلك بعلمه وحاله، كان هذا الأصل الذي هو عبادة الله بمعرفته، ومحبته، هو أصل الدعوة" (٤).
стр. 354
ويقول ﵀: "وإذا كان أصل الإيمان العملي هو حب الله تعالى ورسوله ﷺ ، وحب الله أصل التوحيد العملي، وهو أصل التأليه الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له؛ فإن العبادة أصلها أكمل أنواع المحبة، مع أكمل أنواع الخضوع وهذا هو الإسلام" (١).
ويقول الشيخ حافظ حكمي: "ثم اعلم أنها لا تقبل الأعمال الظاهرة ما لم يساعدها عمل القلب، ومناط العبادة: هي غاية الحب مع غاية الذل، ولا تنفع عبادة بواحد من هذين دون الآخر" (٢).
ثانيًا: قررت القاعدة أصول التعبد لله ﵎، التي يسير بها العبد إلى ربه ﵎، وهي المحبة والخوف والرجاء، فلا تصح عبادة بدون هذه الأصول الثلاثة، فإن المحبة تستوجب الذل والخوف والرجاء، ولا بد، فلا تنفع محبة بدون أصل الخوف والرجاء، ولا ينفع كل من الرجاء والخوف بدون محبة، ومثال ذلك: الطائر الذي يطير في جو السماء، فإن المحبة هي رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فلا يستقر سيره وطيرانه بدون واحد من الثلاثة.
يقول الإمام ابن القيم: "الخوف أحد أركان الإيمان والإحسان الثلاثة التي عليها مدار مقامات السالكين جميعها؛ وهي الخوف، والرجاء، والمحبة، وقد ذكره سبحانه في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧] فجمع بين المقامات الثلاثة؛ فإن ابتغاء الوسيلة إليه: هو التقرب إليه بحبه، وفعل ما يحبه، ثم يقول: ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، فذكر الحب والخوف والرجاء؛ والمعنى: إن الذين تدعونهم من دون الله؛ من الملائكة، والأنبياء،
стр. 355
والصالحين، يتقربون إلى ربهم، ويخافونه، ويرجونه، فهم عبيده كما أنكم عبيده، فلماذا تعبدونهم من دونه، وأنتم وهم عبيد له، وقد أمر سبحانه بالخوف منه في قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]، فجعل الخوف منه شرطًا" (١).
ويقول ﵀ أيضًا: "فصل: القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر" فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد، وكاسر، ولكن السلف: استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف ... فالمحبة هي المركب، والرجاء حاد، والخوف سائق، والله الموصل بمنه وكرمه" (٢).
ويقول- الإمام المجدد- محمد بن عبد الوهاب في تفسير قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]: "هذه الآيات الثلاث تضمنت ثلاث مسائل؛ (الآية الأولى): فيها المحبة؛ لأن الله منعم، والمنعم يحب على قدر إنعامه ... (الآية الثانية): فيها الرجاء، و (الآية الثالثة): فيها الخوف، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي: أعبدك يا رب بما مضى بهذه الثلاث؛ بمحبتك، ورجائك، وخوفك، فهذه الثلاث (أركان العبادة)، وصرفها لغير الله شرك، وفي هذه الثلاث الرد على من تعلق بواحدة منهن، كمن تعلق بالمحبة وحدها، أو تعلق بالرجاء وحده، أو تعلق بالخوف وحده، فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك، وفيها من الفوائد: الرد على (الثلاث الطوائف) التي كل طائفة تتعلق بواحدة منها، كمن عَبَدَ الله تعالى بالمحبة وحدها، وكذلك من عَبَدَ الله بالرجاء