ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف، قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٣]، قال كثير من المفسرين: المعنى: ما لكم لا تخافون لله عظمة، قالوا: والرجاء بمعنى الخوف.
والتحقيق أنه ملازم له، فكل راج خائف من فوات مرجوه، والخوف بلا رجاء يأس وقنوط، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [الجاثية: ١٤]، قالوا في تفسيرها: لا يخافون وقائع الله بهم كوقائعه بمن قبلهم من الأمم.
ومنها: أن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربه فأعطاه ما رجاه كان ذلك ألطف موقعًا، وأحلى عند العبد، وأبلغ من حصول ما لم يرجه، وهذا أحد الأسباب والحكم في جعل المؤمنين بين الرجاء والخوف في هذه الدار، فعلى قدر رجائهم وخوفهم يكون فرحهم في القيامة بحصول مرجوهم، واندفاع مخوفهم" (١).
* المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
تضافرت أقوال العلماء في تقرير القاعدة، سواء بلفظها أو بمعناها، وفيما يلي أذكر بعض ما وقفت عليه من تلك الأقوال:
يقول الإمام ابن تيمية: "والعبادة تجمع كمال المحبة، وكمال الذل، فالعابد محب خاضع، بخلاف من يحب من لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب اَخر، وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه، كما يخضع للظالم، فإن كُلًّا من هذين ليس عبادة محضة" (٢).
стр. 352
ويقول الإمام ابن القيم: "والعبادة: تجمع أصلين؛ غاية الحب، بغاية الذل والخضوع ... فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له، حتى تكون محبًا خاضعًا" (١).
ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "فإن العبادة لا تقوم إلا بقطب رحاها الذي لا تدور إلا عليه: وذلك غاية الذل في غاية المحبة، وكمال الذل يقتضي الخضوع، والخشية، والاستكانة لله تعالى، وأن لا يرى نفسه إلا في مقام الذم لها، والمعاتبة لها في حق ربه، وكذلك الحمب لا تحصل غايته إلا إذا كان يحب ما يحبه الله، ويكره ما يكرهه الله؛ من الأقوال والأعمال والإرادات" (٢).
ويقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين بعد ذكره لأبيات ابن القيم:
ليس العبادة غير توحيد المحبة ... مع خضوع القلب والأركان
والحب نفس وفاقه فيما يحب ... وبغض ما لا يرتضي بجنان
ووفاقه نفس اتباعك أمره ... والقصد وجه الله ذي الإحسان
فقال ﵀: "فعرف العبادة: بتوحيد المحبة، مع خضوع القلب، والجوارح؛ فمن أحب شيئًا، وخضع له، فقد تعبد قلبه له، فلا تكون المحبة المنفردة عن الخضوع عبادة، ولا الخضوع بلا محبة عبادة؛ فالمحبة والخضوع: ركنان للعبادة، فلا يكون أحدهما عبادة بدون الآخر، فمن خضع لإنسان مع بغضه له، لم يكن عابدًا له؛ ولو أحب شيئًا، ولم يخضع له، لم يكن عابدًا له؛ كما يحب ولده، وصديقه؛ ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون أعظم عنده من كل شيء، بل لا
стр. 353
يستحق المحبة الكاملة، والذل التام إلا الله سبحانه" (١).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "ثم اعلم أنها لا تقبل الأعمال الظاهرة ما لم يساعدها عمل القلب، ومناط العبادة هي غاية الحب مع غاية الذل ولا تنفع عبادة بواحد من هذين دون الآخر، ولذا قال من قال من السلف (٢): من عَبَدَ الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد" (٣).
* المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
لا تخفى أهمية هذه القاعدة، لتعلقها بالغاية التي خلق الله الخلق من أجلها، وهي عبادة الله ﵎، وبعد إنعام النظر، واستقصاء التأمل فيها، بدت لي بعض الفوائد الإيجابية لها أذكرها فيما يلي:
الفائدة الأولى: أن المحبة والذل والخضوع لله تعالى أصل العبادة، فلا تصح عبادة ظاهرة ولا باطنة بدون المحبة والخضوع، بل لا تسمى عبادة؛ لأن العبادة هي توجه إلى المعبود على غاية الحب والخضوع.
يقول الإمام ابن تيمية: "والعبادة أصلها عبادة القلب المستتبع للجوارح؛ فإن القلب هو الملك، والأعضاء جنوده، وهو المضغة الذي إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، وإنما ذلك بعلمه وحاله، كان هذا الأصل الذي هو عبادة الله بمعرفته، ومحبته، هو أصل الدعوة" (٤).
стр. 354
ويقول ﵀: "وإذا كان أصل الإيمان العملي هو حب الله تعالى ورسوله ﷺ ، وحب الله أصل التوحيد العملي، وهو أصل التأليه الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له؛ فإن العبادة أصلها أكمل أنواع المحبة، مع أكمل أنواع الخضوع وهذا هو الإسلام" (١).
ويقول الشيخ حافظ حكمي: "ثم اعلم أنها لا تقبل الأعمال الظاهرة ما لم يساعدها عمل القلب، ومناط العبادة: هي غاية الحب مع غاية الذل، ولا تنفع عبادة بواحد من هذين دون الآخر" (٢).
ثانيًا: قررت القاعدة أصول التعبد لله ﵎، التي يسير بها العبد إلى ربه ﵎، وهي المحبة والخوف والرجاء، فلا تصح عبادة بدون هذه الأصول الثلاثة، فإن المحبة تستوجب الذل والخوف والرجاء، ولا بد، فلا تنفع محبة بدون أصل الخوف والرجاء، ولا ينفع كل من الرجاء والخوف بدون محبة، ومثال ذلك: الطائر الذي يطير في جو السماء، فإن المحبة هي رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فلا يستقر سيره وطيرانه بدون واحد من الثلاثة.
يقول الإمام ابن القيم: "الخوف أحد أركان الإيمان والإحسان الثلاثة التي عليها مدار مقامات السالكين جميعها؛ وهي الخوف، والرجاء، والمحبة، وقد ذكره سبحانه في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧] فجمع بين المقامات الثلاثة؛ فإن ابتغاء الوسيلة إليه: هو التقرب إليه بحبه، وفعل ما يحبه، ثم يقول: ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، فذكر الحب والخوف والرجاء؛ والمعنى: إن الذين تدعونهم من دون الله؛ من الملائكة، والأنبياء،
стр. 355
والصالحين، يتقربون إلى ربهم، ويخافونه، ويرجونه، فهم عبيده كما أنكم عبيده، فلماذا تعبدونهم من دونه، وأنتم وهم عبيد له، وقد أمر سبحانه بالخوف منه في قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]، فجعل الخوف منه شرطًا" (١).
ويقول ﵀ أيضًا: "فصل: القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر" فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد، وكاسر، ولكن السلف: استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف ... فالمحبة هي المركب، والرجاء حاد، والخوف سائق، والله الموصل بمنه وكرمه" (٢).
ويقول- الإمام المجدد- محمد بن عبد الوهاب في تفسير قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]: "هذه الآيات الثلاث تضمنت ثلاث مسائل؛ (الآية الأولى): فيها المحبة؛ لأن الله منعم، والمنعم يحب على قدر إنعامه ... (الآية الثانية): فيها الرجاء، و (الآية الثالثة): فيها الخوف، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي: أعبدك يا رب بما مضى بهذه الثلاث؛ بمحبتك، ورجائك، وخوفك، فهذه الثلاث (أركان العبادة)، وصرفها لغير الله شرك، وفي هذه الثلاث الرد على من تعلق بواحدة منهن، كمن تعلق بالمحبة وحدها، أو تعلق بالرجاء وحده، أو تعلق بالخوف وحده، فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك، وفيها من الفوائد: الرد على (الثلاث الطوائف) التي كل طائفة تتعلق بواحدة منها، كمن عَبَدَ الله تعالى بالمحبة وحدها، وكذلك من عَبَدَ الله بالرجاء
стр. 356
وحده كالمرجئة، وكذلك من عبد الله بالخوف وحده كالخوارج" (١).
ثالثًا: تضمنت القاعدة الرد على كل من تعبد لله بواحد من هذه الثلاثة، كمن ادعى محبة الله تعالى بدون الخوف والرجاء، أو تعبَّد لله بالخوف وحده، أو بالرجاء وحده، فاعلم أنه لا تصح محبة ولا تكمل إلا إذا قارنها أصل الخوف من الله تعالى، والرغبة فيه ، وهكذا كل واحد من الثلاثة لا يصح بدون البقية، فهي متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر.
قال وهب بن منبه (٢): "قال حكيم من الحكماء: إني لأستحي من الله أن أعبده رجاء ثواب الجنة قط فأكون كالأجير السوء، إذا أعطي عمل، وإذا لم يعط لم يعمل، وإني لأستحي من الله أن أعبده مخافة النار قط فأكون كالعبد السوء، إن خاف عمل، وإن لم يخف لم يعمل، وأنه يستخرج حبه مني ما لا يستخرجه مني غيره" (٣).
يقول الإمام ابن رجب بعد أن ذكر أثر وهب بن منبه هذا: "وفي تفسير لهذا الكلام من بعض رواته: وهو أنه ذم العبادة على وجه الرجاء وحده، أو على وجه الخوف وحده، وهذا حسن، وكان بعض السلف يقول: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق (٤)، ومن عبده
стр. 357
بالخوف، والرجاء، والمحبة، فهو موحد مؤمن، وسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء، ولا بد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإيمان.
وهؤلاء العارفون لهم ملحظان، أحدهما: أن الله تعالى يستحق لذاته أن يطاع، ويحب، ويبتغي قربه، والوسيلة إليه، مع قطع النظر عن كونه يثيب عباده، ويعاقبهم كما قال القائل:
هب لبعث لم تأتنا رسله ... وجاحمة النار لم تضرم
أليس من الواجب المستحق ... حياء العباد من المنعم
وقد أشار هذا إلى أن نعمه على عباده تستوجب منهم شكره عليها، وحياءهم منه، وهذا هو الذي أشار إليه النبي ﷺ : "لما قام حتى تورمت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا" (١).
والملحظ الثاني: أن أكمل الخوف والرجاء ما تعلق بذات الحق سبحانه دون ما تعلق بالمخلوقات في الجنة والنار، فأعلى الخوف خوف البعد، والسخط، والحجاب عنه سبحانه، كما قدم سبحانه ذكر هذا العقاب لأعدائه على صليهم النار في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
стр. 358
لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ [المطففين: ١٥، ١٦].
كما أن أعلى الرجاء: ما تعلق بذاته سبحانه من رضاه، ورؤيته، ومشاهدته، وقربه، ولكن قد يغلط بعض الناس في هذا، فيظن: أن هذا كله ليس بداخل في نعيم الجنة، ولا في مسمى الجنة إذا أطلقت، ولا في مسمى عذاب النار، أو في مسمى النار إذا أطلقت، وليس كذلك.
وبقي ها هنا أمر آخر وهو أن يقال: ما أعده الله في جهنم من أنواع العذاب المتعلق بالأمور المخلوقة، لا يخافها العارفون، كما أن ما أعده الله في الجنة من أنواع النعيمِ المتعلق بالأمور المخلوقة، لا يحبه العارفون، ولا يطلبونه، وهذا أيضًا غلط، والنصوص الدالة على خلافه كثيرة جدًا، ظاهرة.
وهو أيضًا مناقض لما جبل الله عليه الخلق من محبة ما يلائمهم، وكراهة ما ينافرهم، وإنما صدر مثل هذا الكلام ممن صدر منه في حال سكره، واصطلامه، واستغراقه، وغيبة عقله، فظن أن العبد لا يبقى له إرادة أصلًا، فإذا رجع إليه عقله، وفهمه، علم أن الأمر على خلاف ذلك.
ويستمر الإمام ابن رجب في توضيح هذه المسألة فيقول: ونحن نضرب لذلك مثلًا يتضح به هذا الأمر -إن شاء الله تعالى- وهو: أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة، واستدعاهم الرب سبحانه إلى زيارته، ومشاهدته، ومحاضرته يوم المزيد، فإنَّهم ينسون عند ذلك كل نعيم عاينوه في الجنة قبل ذلك، ولا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من نعيم الجنة، حتى يحتجب عنهم سبحانه، ويحقرون كل نعيم في الجنة حين ينظرون إلى وجهه ﷻ " (١).
ويقول الإمام ابن تيمية: "والمحبة ما لم تقترن بالخوف فإنها لا
стр. 359
تنفع صاحبها، بل تضره؛ لأنَّها توجب التواني والانبساط، وربما آلت بكثير من الجهال المغرورين إلى أن استغنوا بها عن الواجبات، وقالوا: المقصود من العبادات إنما هو عبادة القلب، وإقباله على الله، ومحبته له، فإذا حصل المقصود فالاشتغال بالوسيلة باطل" (١).
ويقول أيضًا: "وقال بعضهم: (من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عَبَدَ الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد) (٢)؛ وذلك لأن الحب المجرد تنبسط النفوس فيه حتى تتوسع في أهوائها إذا لم يزعها وازع الخشية لله، حتى قالت اليهود والنصارى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، ويوجد في مدعي المحبة من مخالفة الشريعة ما لا يوجد في أهل الخشية، ولهذا قرن الخشية بها في قوله: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾ [ق: ٣٢ - ٣٤] " (٣).
ويقول الشيخ الحكمي: "ولذا قال من قال من السلف: (من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد).
قلت: وبيان كلامهم هذا: أن دعوى الحب لله بلا تذلل، ولا خوف، ولا رجاء، ولا خشية، ولا رهبة، ولا خضوع دعوى كاذبة: ولذا ترى من يدعي ذلك كثيرًا ما يقع في معاصي الله ويرتكبها، ولا يبالي، ويحتج في ذلك بالإرادة الكونية، وأنه مطيع لها، وهذا شأن
стр. 360
المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠] وغير ذلك، وإمامهم في ذلك الاحتجاج: هو إبليس.
وكذلك الرجاء وحده إذا استرسل فيه العبد تجرأ على معاصي الله، وأمن مكر الله، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩].
وكذلك الخوف وحده إذا استرسل فيه العبد ساء ظنه بربه، وقنط من رحمته، ويئس من روحه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧]، وقال: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ [الحجر: ٥٦]، فالأمن من مكر الله خسران، واليأس من روحه كفران، والقنوط من رحمة الله ضلال وطغيان، وعبادة الله بالحب، والخوف، والرجاء، توحيد وإيمان؛ فالعبد المؤمن بين الخوف والرجاء كما قال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وبين الرغبة والرهبة كما قال تعالى في آل زكريا ﵇: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠] " (١).
رابعًا: ومما سبق يتبين بطلان قول من قال: ما عبدتك شوقًا إلى جنتك، ولا خوفًا من نارك، وإنما عبدتك شوقًا إلى رؤيتك، أو حبًا لذاتك، فهذا وأمثاله مما زيَّنه الشيطان لأرباب العبادة والسلوك، فخرج بهم عن المنهج المحمدي الذي سار عليه ﷺ هو وأصحابه، بل هو منهج جميع الأنبياء والمرسلين، وكان من جملة الأسباب في ضلال
стр. 361
هؤلاء المنحرفين في هذا الباب خطؤهم في مفهوم الجنة الشرعي، حيث قصروا ذلك المفهوم على المآكل والمشارب واللباس، والنكاح، والتمتع بالمخلوقات، ونفوا أن يكون الخالق نفسه من النعيم في الجنة، وأن رؤيته ومحبته، والقرب منه من مفهوم الجنة.
يقول الإمام ابن تيمية: "ومن هنا يتبين زوال الاشتباه في قول من قالى: ما عبدتك شوقًا إلى جنتك، ولا خوفًا من نارك، وإنما عبدتك شوقًا إلى رؤيتك، فإن هذا القائل ظن هو ومن تابعه: أن الجنة لا يدخل في مسماها إلا الأكل، والشرب، واللباس، والنكاح، والسماع، ونحو ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات، كما يوافقه على ذلك من ينكر رؤية الله من الجهمية، أو من يقر بها ويزعم أنه لا تمتع بنفس رؤية الله، كما يقوله طائفة من المتفقهة، فهؤلاء متفقون على أن مسمى الجنة والآخرة لا يدخل فيه إلا التمتع بالمخلوقات، ولهذا قال بعض من غلط من المشائِخ لما سمع قوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، قال: فأين من يريد الله، وقال آخر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، قال: إذا كانت النفوس والأموال بالجنة فأين النظر إليه، وكل هذا لظنهم أن الجنة لا يدخل فيها النظر.
والتحقيق: أن الجنة: هي الدار الجامعة لكل نعيم، وأعلى ما فيها النظر إلى وجه الله، وهو من النعيم الذي ينالونه في الجنة كما أخبرت به النصوص، وكذلك أهل النار فإنهم محجوبون عن ربهم، يدخلون النار، مع أن قائل هذا القول إذا كان عارفًا بما يقولى فإنما قصده: أنك لو لم تخلق نارًا، أو لم تخلق جنة، لكان يجب أن تعبد، ويجب التقرب إليك، والنظر إليك، ومقصوده بالجنة هنا: ما يتمتع فيه المخلوق.
ولكن تارة يقوم بالقلب من محبة الله ما يدعوه إلى طاعته، ومن إجلاله، والحياء منه، ما ينهاه عن معصيته، كما قالى عمر ﵁: (نعم
стр. 362
العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه) (١)؛ أي: هو لم يعصه، ولو لم يخفه فكيف إذا خافه؛ فإن إجلاله، وإكرامه لله يمنعه من معصيته.
فالراجي الخائف إذا تعلق خوفه، ورجاؤه، بالتعذب باحتجاب الرب عنه، والتنعم بتجليه له، فمعلوم أن هذا من توابع محبته له، فالمحبة: هي التي أوجبت محبة التجلي، والخوف من الاحتجاب، وإن تعلق خوفه ورجاؤه بالتعذب بمخلوق، والتنعم به، فهذا إنما يطلب ذلك بعبادة الله المستلزمة محبته، ثم إذا وجد حلاوة محبة الله وجدها أحلى من كل محبة، ولهذا يكون اشتغال أهل الجنة بذلك أعظم من كل شيء، كما في الحديث: "إن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس" (٢)، وهو
стр. 363
يبين غاية تنعمهم بذكر الله، ومحبته، فالخوف من التعذب بمخلوق، والرجاء له يسوقه إلى محبة الله التي هي الأصل، وهذا كله ينبني على أصل المحبة" (١).
وبذلك يتبين بطلان الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ عن شداد بن أوس قال: (بكى شعيب النبي ﷺ من حب الله حتى عمي، فرد الله إليه بصره، وأوحى إليه: يا شعيب ما هذا البكاء؟ أشوقًا إلى الجنة، أم خوفًا من النار، قال: إلهي وسيدي أنت تعلم ما أبكي شوقًا إلى جنتك، ولا خوفًا من النار، ولكني اعتدت حبك بقلبي، فإذا نظرت إليك فما أبالي ما الذي يصنع بي، فأوحى الله إليه: يا شعيب إن يك ذلك حقًا فهنيئًا لك لقائي يا شعيب؛ لذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي) (٢).
ويتبيَّن ضعف الحديث بما يلي:-
١ - مخالفة الحديث لنص القرآن، حيث ذكر الله تعالى حال جملة من الأنبياء في عبادتهم ودعائهم لله ﵎، وأنهم كانوا يدعونه خوفًا من عذابه، وطمعًا ورجاء في ثوابه، كما قال سبحانه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]، ونبي الله شعيب شأنه شأن هؤلاء الأنبياء ممن عبد الله حبًا لذاته وخوفًا من عقابه، وطمعًا في ثوابه؛ ولذا عندما أعرض قومه عن دعوته حذرهم من عذاب الله كما قال : ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ
стр. 364
تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)﴾ [هود: ٩٣].
٢ - كما أن الحديث ضعيف من ناحية السند لا يثبت، وحكم عليه أهل العلم بالنكارة والضعف (١).
يقول الشيخ الألباني بعد ذكره للحديث وتضعيفه: "ومما ينكر في هذا الحديث قوله: (ما أبكي شوقًا إلى جنتك، ولا خوفًا من النار)!، فإنَّها فلسفة صوفية، اشتهرت بها رابعة العدوية، إن صح ذلك عنها، فقد ذكروا أنها كانت تقول في مناجاتها: (رب! ما عبدتك طمعًا في جنتك، ولا خوفًا من نارك). وهذا كلام لا يصدر إلا ممن لم يعرف الله ﵎ حق معرفته، ولا شعر بعظمته وجلاله، ولا بجوده وكرمه، وإلا لتعبده طمعًا فيما عنده من نعيم مقيم، ومن ذلك رؤيته ﵎، وخوفًا مما أعده للعصاة والكفار من الجحيم والعذاب الأليم، ومن ذلك حرمانهم النظر إليه كما قال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، ولذلك كان الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وهم
стр. 365
العارفون بالله حقًا لا يناجونه بمثل هذه الكلمة الخيالية، بل يعبدونه طمعًا في جنته، وكيف لا وفيها أعلى ما تسمو إليه النفس المؤمنة، وهو النظر إليه سبحانه، ورهبة من ناره، ولما لا، وذلك يستلزم حرمانهم من ذلك، ولهذا قال تعالى بعد أن ذكر نخبه من الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]؛ ولذلك كان نبينا محمد ﷺ أخشى الناس لله كما ثبت في غير ما حديث صحيح عنه. هذه كلمة سريعة حول تلك الجملة العدوية، التي افتتن بها كثير من الخاصة فضلًا عن العامة، وهي في الواقع ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور: ٣٩] " (١).
خامسًا: وكان من آثار هذه العقيدة: أن ترك أصحابها دعاء الله تعالى؛ فلا يسألونه الجنة، ولا يستعيذون به من النار، بل يعبدونه لذاته، وما يستحقه من الكمال والجلال، ولا شك أن هذا غلط مخالف لهدي النبي ﷺ الثابت عنه، وهدي أصحابه ﵃ بل مخالف لهدي جميع الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-، كما حكى الله عنهم ذلك بقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠] وكما قال عز من قائل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧]، فأخبر سبحانه بأنهم كانوا يعبدونه بالرغب والرهب، وأنهم كانوا يرجون رحمته وجنته سبحانه، ويخافون من عذابه وناره وأليم عقابه.
فحال نبينا محمد ﷺ ، أنه كان دائم الدعاء والخضوع لربه ﵎، يدعوه، ويسأله الجنة، ويستعيذ به من النار، خلافًا لما عليه من
стр. 366
اعتقد أن العبادة لا تكون إلا لحصول نفع، أو دفع شر، ولذا ثبت عنه أنه كان يعلم أصحابه ذلك، كما جاء عن عائشة أن رسول الله ﷺ علمها هذا الدعاء "اللَّهُمَّ إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، اللَّهُمَّ إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك، اللَّهُمَّ إني أسألك الجنة، وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار، وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرًا" (١).
كما جاء في "الصحيح" من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: يقول: اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال" (٢).
بل كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن كما ثبت عن عبد الله بن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) (٣).
وثبت عنه ﵇ أنه: (قال لرجل: كليف تقول في الصلاة؟ قال:
стр. 367
أتشهد، وأقول: اللَّهُمَّ إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك (١)، ولا دندنة معاذ، فقال النبي ﷺ : "حولها ندندن") (٢).
يقول الإمام ابن تيمية: (وطلب الجنة والاستعاذة من النار طريق أنبياء الله، ورسله، وجميع أولياء الله السابقين المقربين، وأصحاب اليمين، كما في "السُّنن": أن النبي ﷺ سأل بعض أصحابه، "كيف تقول في دعائك؟ " قال: أقول: اللَّهُمَّ إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي ﷺ : "حولها ندندن"، فقد أخبر أنه هو ﷺ ومعاذ، وهو أفضل الأئمة الراتبين بالمدينة في حياة النبي ﷺ ، إنما يدندنون حول الجنة، أفيكون قول أحد فوق قول رسول الله ﷺ ومعاذ، ومن يصلي خلفهما من المهاجرين والأنصار" (٣).
ويتبين بذلك أن طلب الجنة والاستعاذة من النار لا يعارض محبة الله تعالى، وكونه يستحق العبادة لما اتصف من صفات الجمال والكمال، كما أن النظر إلى الثواب والعقاب لا يعتبر مما ينقص رتبة
стр. 368
الإنسان عند الله تعالى، بل هذا مما يحبه الله تعالى من عباده أن يفعلوه، ولهذا طلب الله منهم ودعاهم إلى الجنة، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥].
ويسوق الإمام ابن القيم عددًا من الأدلة في بيان أن سؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار هو من صفات عباد الله المؤمنين، وأوليائه المتقين فيقول: "أما إذا كان مطلوبهم الأعظم الذاتي: هو قربه، والوصول إليه، والتنعم بحبه، والشوق إلى لقائه، وانضاف إلى هذا طلبهم لثوابه المخلوق المنفصل، فلا علة في هذه العبودية بوجه ما، ولا نقص، وقد قال النبي ﷺ : "حولها ندندن"؛ يعني: الجنة، وقال: "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة" (١)، ومعلوم أن هذا: مسكن خاصة الخاصة، وسادات العارفين، فسؤالهم إياه ليس علة في عبوديتهم، ولا قدحًا فيها" (٢).
ويقول ﵀ أيضًا: "والقرآن والسُّنَّة مملوءان من الثناء على عباده، وأوليائه بسؤال الجنة، ورجائها، والاستعاذة من النار، والخوف منها ...
والعمل على طلب الجنة والنجاة من النار مقصود الشارع من أمته؛ ليكونا دائمًا على ذكر منهم، فلا ينسونهما؛ ولأن الإيمان بهما شرط في النجاة، والعمل على حصول الجنة، والنجاة من النار هو محض الإيمان ...
وقد حض النبي عليها أصحابه وأمته، فوصفها وجلَّاها لهم؛ ليخطبوها وقال: "ألا مشمر للجنة، فإنها ورب الكعبة: نور يتلألأ،
стр. 369
وريحانة تهتز، وزوجة حسناء، وفاكهة نضيجة، وقصر مشيد، ونهر مطرد، ... " الحديث، فقال الصحابة ﵃: يا رسول الله، نحن المشمرون لها، فقال: "قولوا: إن شاء الله" (١) ".
ولو ذهبنا نذكر ما في السُّنَّة من قوله: من عمل كذا وكذا أدخله الله الجنة؛ تحريضًا على عمله لها، وأن تكون هي الباعثة على العمل، لطال ذلك جدًا، وذلك في جميع الأعمال، فكيف يكون العمل لأجل الثواب، وخوف العقاب معلولًا ..
وأيضًا فالله سبحانه يحب من عباده أن يسألوه جنته، ويستعيذوا به من ناره، فإنَّه يحب أن يسأل، ومن لم يسأله يغضب عليه، وأعظم ما سئل الجنة، وأعظم ما استعيذ به من النار، فالعمل لطلب الجنة محبوب للرب، مرضي له، وطلبها عبودية للرب، والقيام بعبوديته كلها أولى من تعطيل بعضها.
وإذا خلا القلب من ملاحظة الجنة والنار، ورجاء هذه، والهرب
стр. 370
من هذه، فترت عزائمه، وضعفمت همته، ووهى باعثه، وكلما كان أشد طلبًا للجنة، وعملًا لها، كان الباعث له أقوى، والهمة أشد، والسعي أتم، وهذا أمر معلوم بالذوق.
ولو لم يكن هذا مطلوبًا للشارع، لما وصف الجنة للعباد، وزينها لهم، وعرضها عليهم، وأخبرهم عن تفاصيل ما تصل إليه عقولهم منها، وما عداه أخبرهم به مجملًا، كل هذا تشويقًا لهم إليها، وحثًا لهم على السعي لها سعيها.
وقد قال الله : ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، وهذا حث على إجابة هذه الدعوة، والمبادرة إليها، والمسارعة في الإجابة.
والتحقيق أن يقال: الجنة ليست اسمًا لمجرد الأشجار، والفواكه، والطعام، والشراب، والحور العين، والأنهار، والقصور، وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنة، فإن الجنة، اسم لدار النعيم المطلق الكامل، ومن أعظم نعيم الجنة التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، وقرة العين بالقرب منه، وبرضوانه، فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول، والمشروب، والملبوس، والصور، إلى هذه اللذة أبدًا، فأيسر يسير من رضوانه أكبر في الجنان وما فيها من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]، وأتى به منكرًا في سياق الإثبات؛ أي: أي شيء كان من رضاه عن عبده فهو أكبر من الجنة:
قليل منك يقنعني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل (١)
وكذلك النار، أعاذنا الله منها، فإن لأربابها من عذاب الحجاب
стр. 371
عن الله، وإهانته، وغضبه، وسخطه، والبعد عنه أعظم من التهاب النار في أجسامهم، وأرواحهم، بل التهاب هذه النار في قلوبهم هو الذي أوجب التهابها في أبدانهم، ومنها سرت إليها.
فمطلوب الأنبياء، والمرسلين، والصديقين، والشهداء، والصالحين هو الجنة، ومهربهم من النار، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل" (١).
سادسًا: كما أنه يستفاد من القاعدة في الرد على من جعل الإيمان هو مجرد التصديق بالقلب بدون إقرار اللسان، وبدون عمل القلب من المحبة والخضوع والخوف والرجاء وبدون الانقياد إلى الله بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، بل المحبة والخضوع أصل وركن في الإيمان لا يصح إيمان بدون محبة الله تعالى، بل هي شرطه الأعظم، ولا يقبل من أحد إيمان ولا إسلام بدون هذه المحبة لله تعالى.
يقول الإمام أبو الحسن الأشعري في بيان مقالات أهل الفرق في حقيقة الإيمان: "فالفرقة الأولى منهم: يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله، وبرسله، وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وإن ما سوى المعرفة؛ من الإقرار باللسان، والخضوع بالقلب، والمحبة لله، ولرسوله، والتعظيم لهما، والخوف منهما، والعمل بالجوارح، فليس بإيمان، وزعموا أن الكفر بالله: هو الجهل به، وهذا قول يحكى عن جهم بن صفوان، وزعمت الجهمية: أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعض، ولا يتفاضل أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب، دون غيره من الجوارح" (٢).
ثم إن مقتضى كونهم مشركين أنهم يعبدونه سبحانه أيضًا لكن على
стр. 372
طريق الإشراك بل قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] كما قص سبحانه عنهم يقتضي أنه جل مجده المعبود الحقيقي عندهم وقد يقال: إن الشارع أسقط مثل هذه العبادة عن درجة الاعتبار فهم غير عابدين الله جلَّ وعلا شرعًا بل قيل: إنهم غير عابدين لغة أيضًا؛ لأن العبادة لغة غاية الخضوع والتذلل ولا يتحقق ذلك مع الشركة ولو على الوجه الذي زعموه فتأمل (١).
стр. 373
المبحث الثالث
قاعدة صلاح الأعمال بصلاح النيات وكل عمل تابع لنية عامله وقصده
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * شرح معاني مفردات القاعدة
معنى النية لغة وشرعًا:
أصل النية مشتق من الفعل الثلاثي المعتل (نوى)، يقال: نَوَى الشَيءَ يَنْوِيهِ نِيَّةً بالكَسْر مع تَشْدِيدِ ذلك النَّوَى: وهو التَّحَوُّل من دار إلى دار، هذا هو الأصل، ثم حمل عليه البابُ كلُّه، ومنه النِّيَّةُ فإنَّها: عزمُ القَلْب وتَوَجُّهه وقَصْدُه إلى الشيءِ وقيل: أصل فقالوا: نوَى الأمرَ يَنوِيه، إذا قَصَدَ له، ومنه قولهم: نَوَاه الله، كأنَّه قَصَدَه بالحِفْظِ والحِياطة. قال الشاعر:
يا عَمرُو أحسِنْ نَواكَ اللّهُ بالرَّشَدِ ... واقرأْ سلامًا على الذَّلْفاءِ بالثَّمَدِ (١)
стр. 374
أي: قصَدَك بالرَّشَد، وقيلَ: النَّوَى: البُعْد، كأنَّ النَّاوِي يَطْلبُ بعَزْمِه ما لم يَصِل إليه، والنِيَّةُ بالكسر: الوجهُ الذي يُذْهَبُ فيه مِن سَفَرٍ أَو عَمَلٍ، أو الوجهُ الذي يَنْوِيه المُسافِرُ مِن قُرْبٍ أَو بُعْدٍ (١)، وبناء على ما سبق يكون معنى النية لغةً: انبعاث القلب، وقصده نحو ما يراه موافقًا لغرضه؛ من جلب نفع ودفع ضر حالًا ومآلًا (٢).
وحقيقة النية ترجع إلى الإرادة، فالإرادة أصل النية، وهي -أي: الإرادة- صفة تقتضي التخصيص لذاتها عقلًا، شاهدًا وغائبًا، كما يقتضي العلم الكشف لذاته عقلًا، شاهدًا وغائبًا، وترتب الكشف عليه، والتخصيص على الإرادة ليس بمعنى زائد أوجب له ذلك، بل التخصيص مع الإرادة، والكشف مع العلم، نحو: كون العشرة زوجًا، والخمسة فردًا، ليس معللًا بشيء.
ثم إن هذه الإرادة متنوعة إلى: العزم، والهم، والنية، والشهوة، والقصد، والاختيار، والقضاء، و القدر، والعناية، والمشيئة، فهي عشرة ألفاظ (٣).
وهذه الألفاظ غير مترادفة وبينها فروق دقيقة (٤).
يقول القرافي في بيان حقيقة النية: "وأما النية فهي إرادة تتعلق بإمالة الفعل إلى بعض ما يقبله، لا بنفس الفعل من حيث هو فعل، ففرق بين قصدنا لفعل الصلاة، وبين قصدنا لكون ذلك قربة، أو فرضًا، أو نفلًا، أو أداء، أو قضاء، إلى غير ذلك مما هو جائز على الفعل بالإرادة المتعلقة بأصل الكسب والإيجاد، وهي المسماة: بالإرادة، من جهة أن
стр. 375
هذه الإرادة مميلة للفعل إلى بعض جهاته الجائزة عليه، فتسمى من هذا الوجه: نية، فصارت الإرادة إذا أضيف إليها هذا الاعتبار صارت نية، وهذا الاعتبار هو تمييز الفعل عن بعض رتبه (١) ...
هذا، إن اقتصر على الاعتبار العام، وهو مطلق إمالة الفعل إلى بعض جهاته، والصحيح: أنه لا يقتصر عليه، وأن يؤخذ معنى أخص منه، وهو: إمالة الفعل إلى جهة حكم شرعي يشمل الإباحة، فينوي إيقاع الفعل على الوجه الذي أمر الله به، ونهى عنه، أو أباحه.
ومنهم من يقول: بل أخص من هذا، وهو: أن يميل الفعل إلى جهة التقرب، والعبادة" (٢).
ويقول أيضًا في بيان حقيقة النية: "حقيقتها: وهى قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله، فهي من باب العزوم والإرادات، لا من باب العلوم والاعتقادات، والفرق بينها وبين الإرادة المطلقة: أن الإرادة قد تتعلق بفعل الغير، بخلافها، كما نريد مغفرة الله جلا جلاله ... والفرق بينها وبين العزم: أن العزم تصميم على إيقاع الفعل، والنية تمييز له، فهي أخفض منه رتبة، وسابقة عليه" (٣).
وقال ﵀ بعد أن بيَّن الفروق التي بين النية وغيرها من الألفاظ -القريبة منها في المعنى-: "فتلخص: أن النية غير التسعة الباقية؛ لما ذكر فيها من الخصوصية المتقدمة، وخصوصيات كل واحد من التسعة المفقودة في النية، فيجزم الناظر بالفرق حينئذٍ، ولا يضر كون الاستعمال قد يتوسع فيه، فيستعمل: أراد، ومراده نوى، أراد ومراده عزم، أو
стр. 376
قصد، أو عنى، فإنَّها متقاربة المعاني حتى يكاد يجزم بينها بالترادف" (١).
وبهذا يتضح أن النية الشرعية هي إرادة متوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله، وامتثالًا لحكمه، فهي قصد العبادة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل (٢).
هذا هو معناها في الشرع، وفيما يلي أنقل بعض ما وقفت عليه من تعريفات العلماء لها: قيل: هي العزم على فعل الشيء تقربًا إلى الله (٣).
وعرَّفها البهوتي (٤) بأنها: "عزم القلب على فعل العبادة، تقربًا إلى الله تعالى، بأن يقصد بعمله الله تعالى دون شيء آخر؛ من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح منهم، أو نحوه" (٥).
وقال القرطبي ﵀ في بيان حقيقة النية: "وحقيقتها: قصد التقرب إلى الآمر، بفعل ما أمر به، على الوجه المطلوب منه" (٦).
وقال الشوكاني: "والمراد بالنية: قصد تأدية تلك العبادة التي شرعها الله سبحانه لعباده، على الوجه المطلوب منهم" (٧).
ويقول الشيخ أحمد الدهلوي: "أقول النية: القصد والعزيمة، والمراد ههنا: العلة الغائية التي يتصورها الإنسان فيبعثه على العمل؛ مثل طلب ثواب من الله، أو طلب رضا الله، والمعنى ليس للأعمال أثر في
стр. 377
تهذيب النفس، وإصلاح عوجها، إلا إذا كانت صادرة من تصور مقصد، مما يرجع إلى التهذيب، دون العادة، وموافقة الناس، أو الرياء والسمعة، أو قضاء جبلة؛ كالقتال من الشجاع الذي لا يستطيع الصبر عن القتال، فلولا مجاهدة الكفار لصرف هذا الخلق في قتال المسلمين" (١).
وقال ﵀ أيضًا: "وأعني بالنية المعنى الباعث على العمل، من التصديق بما أخبر به الله على ألسنة الرسل، من ثواب المطيع، وعقاب العاصي، أو حب امتثال حكم الله فيما أمر ونهى، ولذلك وجب أن ينهى الشارع عن الرياء والسمعة، ويبين مساويهما أصرح ما يكون" (٢).
وعمومًا فإطلاق النية في كلام أهل العلم يتضمن نوعين هما:
الأول: قصد العبادة، وهذا يشتمل على مرتبتين:
١ - تمييز عبادة عن عبادة.
٢ - تمييز عبادة عن عادة.
الثاني: قصد المعبود، وبهذه النية يتميز المعبود المستحق للعبادة عن غيره.
وهما بمثابة الركنين لنية العبادة.
يقول الإمام ابن تيمية: "وأصل ذلك أن النية المعهودة في العبادات تشتمل على أمرين: على قصد العبادة، وقصد المعبود، وقصد المعبود هو الأصل الذي دلَّ عليه قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وقول النبي ﷺ : "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرف إلى ما هاجر إليه" (٣)، فإنه ﵀ ميز بين مقصود ومقصود ...
стр. 378
وأما قصد العبادة: فقصد العمل الخاص، فإن من أراد الله والدار الآخرة بعمله؛ فقد يريده بصلاة، وقد يريده بحج، وكذلك من قصد طاعته بامتثال ما أمره به، فقد أطاعه في هذا العمل، وقد يقصد طاعته في هذا العمل، فهذا القصد الثاني مثل: قصد الصلاة دون الصوم، ثم صلاة الظهر دون صلاة العصر، ثم الفرض دون النفل، وهذه النية التي تذكر غالبًا في كتب الفقه المتأخرة، وكل واحدة من النيتين فرض في الجملة.
أما الأولى: فبها يتميز من يعبد الله مخلصًا له الدين ممن يعبد الطاغوت، أو يشرك بعبادة ربه، ومن يريد حرث الآخرة ممن يريد حرث الدنيا، وهو الدين الخالص لله -الذي تشترك فيه جميع الشرائع- الذي نهى الأنبياء عن التفرق فيه كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] " (١).
ويزيد الإمام ابن تيمية الأمر وضوحًا بقوله: "ولفظ النية يجري في كلام العلماء على نوعين؛ فتارة يريدون بها: تمييز عمل من عمل، وعبادة من عبادة، وتارة يريدون بها: تمييز معبود عن معبود، ومعمول له عن معمول له.
стр. 379
فالأول: كلامهم في النية هل هي شرط في طهارة الأحداث، وهل تشترط نية التعيين والتبييت في الصيام، وإذا نوى بطهارته ما يستحب لها هل تجزيه عن الواجب، أو أنه لا بد في الصلاة من نية التعيين ونحو ذلك.
والثاني: كالتمييز بين إخلاص العمل لله، وبين أهل الرياء والسمعة، كما سألوا النبي ﷺ -ص عن الرجل يقاتل شجاعة، وحمية، ورياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قماتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١).
وهذا الحديث يدخل فيه سائر الأعمال، وهذه النية تميز بين من يريد الله بعمله والدار الآخرة، وبين من يريد الدنيا؛ مالًا، وجاهًا، ومدحًا، وثناء، وتعظيمًا، وغير ذلك، والحديث دل على هذه النية بالقصد -وإن كان قد يقال: إن عمومه يتناول النوعين- فإنه فرق بين من يريد الله ورسوله، وبين من يريد دنيا أو امرأة، ففرق بين معمول له ومعمول له، ولم يفرق بين عمل وعمل" (٢).
ويقول الإمام ابن القيم مبينًا الفرق بين النيّتين: "ويفرق بين النية المتعلقة بالمعبود، التي هي من لوازم الإسلام، وموجباته، بل هي روحه، وحقيقته التي لا يقبل الله من عامل عملًا بدونها البتة، وبين النية المتعلقة بنفس العمل، التي وقع فيها النزاع في بعض المواضع، ثم يعرف ارتباطها بالعمل، وكيف قصد به تمييز العبادة عن العادة، إذ كانا في الصورة واحدًا، وإنما يتميزان بالنية، فإذا عدمت النية كان العمل
стр. 380
عاديًا، لا عباديًا، والعادات لا يتقرب بها إلى بارئ البريات، وفاطر المخلوقات.
فإذا عري العمل عن النية، كان كالأكل، والشرب، والنوم الحيواني البهيمي، الذي لا يكون عبادة بوجه، فضلًا أن يؤمر به، ويرتب عليه الثواب، والعقاب، والمدح، والذم، وما كان هذا سبيله لم يكن من المشروع للتقرب به إلى الرب ﵎، ولذلك يقصد بها تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض، فيميز فرضها عن نفلها، ومراتبها بعضها عن بعض، وهذه أمور لا تَحَقُّقَ لها إلا بالنية، ولا قوام لها بدونها البتة" (١).
ومن أهل العلم من اعتبر مراتب النوع الأول للنية -وهو قصد العبادة- هي الحكمة في إيجاب النية ومنهم القرافي ﵀ فقال: "حكمة إيجابها وهي تمييز العبادات عن العادات؛ ليتميز ما لله عن ما ليس له، أو تمييز مراتب العبادات في أنفسها؛ لتتميز مكافأة العبد على فعله، ويظهر قدر تعظيمه لربه، فمثال الأول: الغسل يكون تبردًا، وعبادة، ودفع الأموال يكون صدقة شرعية، ومواصلة عرفية، والإمساك عن المفطرات، يكون عبادة، وحاجة، وحضور المساجد، يكون مقصودًا للصلاة، وتفرجًا، يجري مجرى اللذات.
ومثال القسم الثاني: الصلاة؛ تنقسم إلى فرض ومندوب، والفرض ينقسم إلى الصلوات الخمس؛ قضاء، أو أداء، والمندوب ينقسم إلى راتب كالعيدين، والوتر، وغير راتب كالنوافل، وكذلك القول في قربات المال، والصوم، والنسك، فشرعت النية لتمييز هذه الرتب، ولأجل هذه الحكمة تضاف صلاة الكسوف، والاستسقاء، والعيدين، إلى أسبابها؛ لتمييز رتبتها، وكذلك تتعين إضافة الفرائض إلى أسبابها؛ لتتميز لأن تلك
стр. 381
الأسباب قرب في نفسها" (١).
فذكر ﵀ النوع الأول للنية وهو قصد العبادة، وذكر مراتبه وهي: تمييز عبادة عن عادة، أو تمييز عبادة عن عبادة، ولم يتطرق إلى النوع الثاني وهو قصد المعبود وتمييزه عن غيره، والأول هو المشهور عن الفقهاء عند كلامهم في أبواب الطهارة والصلاة وغيرها.
فالنية كما أنها أصل في حصول الأعمال الشرعية وصلاحها، ومع ذلك فهي تميّز الأعمال عن بعضها البعض، وإن اتفقت في الصورة، وعليه فتختلف أحكامها، فالذي يذبح شاة مثلًا، يحتمل فعله هذا عدة صور، فربما ذبحه تقربًا لله تعالى، وربما كان الذبح لغير الله، وربما كان لمجرد الأكل والاستمتاع باللحم، وأحكام هذه الصور تختلف بحسب اختلاف نية الذابح.
يقول الإمام ابن تيمية: "وقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات": كلمة جامعة كاملة؛ فإن النية للعمل كالروح للجسد، وإلا فكل واحد من الساجد لله، والساجد للشمس والقمر، قد وضع جبهته على الأرض، فصورتهما واحدة، ثم هذا أقرب الخلق إلى الله تعالى، وهذا أبعد الخلق عن الله" (٢).
ويقول الشاطبي: "ويكفيك منها: أن المقاصد تفرق بين ما هو عادة، وما هو عبادة، وفي العبادات بين ما هو واجب، وغير واجب، وفي العادات بين الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والمحرم، والصحيح، والفاسد، وغير ذلك من الأحكام، والعمل الواحد يقصد به أمر فيكون عبادة، ويقصد به شيء آخر فلا يكون كذلك، بل يقصد به شيء فيكون إيمانًا، ويقصد به شيء آخر فيكون كفرًا؛ كالسجود لله أو للصنم.
стр. 382
وأيضًا فالعمل إذا تعلق به القصد تعلقت به الأحكام التكليفية، وإذا عرى عن القصد لم يتعلق به شيء منها، كفعل النائم، والغافل، والمجنون" (١).
ويقول الإمام ابن رجب مبينًا إطلاقات النية في النصوص الشرعية، وفي كلام أهل العلم: "والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين:
أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض؛ كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلًا، وتمييز رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات؛ كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظيف، ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيرًا في كلام الفقهاء في كتبهم.
والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو لله وحده لا شريك له، أم لله وغيره، وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيرًا في كلام السلف المتقدمين.
وقد صنَّف أبو بكر بن أبي الدنيا (٢) مصنفًا سماه كتاب "الإخلاص والنية"، وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي ﷺ ، تارة بلفظ النية، وتارة بلفظ الإرادة، وتارة بلفظ مقارب لذلك" (٣).
وبناء على ذلك فإن لفظ النية الشرعي يتضمن معنى الإخلاص
стр. 383
إضافة إلى معنى قصد التعبد والتقرب، فهو يتضمن معنى الإخلاص وزيادة.
يقول الإمام العز بن عبد السلام (١): "الرياء والإخلاص: إرادتان زائدتان على إرادة العبادة، فإرادة العبادة أن يريد إيقاع تلك الطاعة، والإخلاص: أن يريد بها ثواب الله تعالى، دون شيء من الأغراض الدنيوية، والرياء: أن يريد بعمله التعظيم، والمدح، وغير ذلك من أغراض الرياء" (٢).
فالنية شاملة لهذين المعنيين، قصد العبادة بتمييزها عن غيرها، أو عن العادة، وقصد المعبود بتمييزه عن غيره مما لا يستحق العبادة، ومن الناس من جعل المعنى الأول هو المختص بلفظ النية -فلا يستعمل لفظ النية إلا فيه- مع أن المعنى الثاني هو الغالب، وهو الأكثر في كلام النبي ﷺ ، وسلف الأمة.
يقول الإمام ابن رجب: "وقد جاء ذكرها كثيرًا في كتاب الله بغير لفظ النجة أيضًا- من الألفاظ المقاربة لها، وإنما فرق من فرق بين النية، وبين الإرادة والقصد ونحوهما؛ لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء، ... وقد ذكرنا أن النية في كلام النبي ﷺ وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعنى الثاني غالبًا، فهى حينئذٍ بمعنى الإرادة" (٣).
стр. 384
أما النية في القرآن الكريم، فإنها لم ترد بلفظها، لكن ورد معناها وعُبِّر عنها بلفظ الإرادة، وبلفظ الابتغاء، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقوله : ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود: ١٥]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٨]، وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩].
وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤] (١).
والحاصل: أن الغالب في استعمالات النية في النصوص الشرعية هو المعنى الثاني، وهو قصد المعبود وتمييزه عن غيره، وهذا هو
стр. 385
الإخلاص المذكور في النصوص، وكما سبق التعبير عنه في القرآن الكريم، والسُّنَّة النبوية، بالإرادة والابتغاء.
ولذا عبَّر كثير من أهل العلم بالنية عن الإخلاص، أو العكس، فإن النية تتضمن إخلاص العمل لله، والإخلاص لا يحصل بدون النية (١)، فكلاهما يحصل به تمييز المعبود الذي يستحق أن يعبد ممن لا يستحق ذلك، ولذلك عرَّفوا الإخلاص بالنية، والنية بالإخلاص:
ومن ذلك قولهم في معنى الإخلاص: "تصفية النية في طاعة الله تعالى" (٢).
ويقول الإمام ابن حزم: "والإخلاص: هو القصد بالقلب إلى ذلك، وهو النية نفسها" (٣).
وقال الإمام الماوردي (٤): "والإخلاص في كلامهم: النية" (٥).
وقال الإمام ابن عبد البر: "والإخلاص: النية في التقرب إليه، والقصد بأداء ما افترض على المؤمن" (٦).
ويقول الإمام ابن قدامة: "والإخلاص: عمل القلب، وهو النية، وإرادة الله وحده دون غيره" (٧).
ويقول الشيخ السعدي: "والإخلاص: معناه: تخليص القصد لله تعالى في جميع العبادات، الواجبة والمستحبة" (٨).
стр. 386
ومنهم من عرَّف النية بالإخلاص، ومن ذلك:
قول الزبيدي ﵀ في معنى حديث: "ولكن جهاد ونية": "والمراد بالنِّيّة: إِخلاصُ العَمَلِ لله تعالى" (١).
وقال الإمام ابن تيمية: "وأما النية: التي هي إخلاص الدين لله، فقد تكلم الناس في حدها، وحد الإخلاص" (٢).
ومما ينبغي التنبيه عليه أن كلا النيّتين واجبة ومقصودة للشارع، سواء نية قصد العبادة، التي تتضمن تمييز العبادة عن العادة، وتمييز مراتب العبادات.
أو نية قصد المعبود التي يتميز فيها المعبود عن المعبود.
أما بالنسبة لنية قصد العبادة التي تتضمن تمييز العبادة عن العادة، أو عن غيرها من العبادات، فهي واجبة في الجملة، على خلاف وتفصيل في بعض الصور يرجع إليه في كتب الفقه.
وأما الثانية: وهي نية قصد المعبود فهي واجبة بالجملة، فلا توجد عبادة؛ سواء كانت قولية، أو فعلية، أو اعتقادية إلا ويشترط في صحتها قصد المعبود، وإفراده بالعبادة دون ما سواه، وإلا كانت فاسدة وباطلة.
يقول الإمام ابن تيمية: "والذي يجب أن يكون العمل له هو الله سبحانه وحده لا شريك له، فإن هذه النية-[أي: نية قصد المعبود]- فرض في جميع العبادات، بل هذه النية أصل جميع الأعمال، ومنزلتها منها منزلة القلب من البدن، ولا بد في جميع العبادات أن تكون خالصة لله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ [الزمر: ٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: ١١] ... " (٣).
стр. 387
ويقول ﵀: "والكلام في هذه النية وتفاصيلها لا يختص بعبادة دون عبادة، إذ الفعل بدون هذه النية ليس عبادة أصلًا" (١).
وعمومًا فلا تكاد تنفصل نية قصد العبادة عن نية قصد المعبود، إذ لا يمكن إفراد المعبود بإرادة العبادة دون ما سواه، بدون تمييز العبادة عن غيرها من العبادات أو العادات.
يقول الإمام ابن تيمية: "وقد اتفق الفقهاء على أن نية نوع العمل الواجب لا بد منها في الجملة، فلا بد أن يقصد الصلاة، أو الحج، أو الصيام، ولهم في فروع ذلك تفصيل وخلاف ليس هذا موضعه" (٢).
ويقول ﵀ في بيان دليل وجوب كلا النيّتين: "وإنما وجب كل واحد من النيّتين؛ لأن الله فرض علينا أن نقيم دينه بالشريعة التي بعث بها رسوله محمدًا ﷺ ، إذ لا يقبل منا أن نعبده بشريعة غيرها.
والأعمال المشروعة مؤلفة من: أقوال، وأعمال مخصوصة، قد يعتبر لها أوقات وأمكنة مخصوصة، وصفات، كلما كان فرضًا علينا أن نعبد الله، وأن تكون العبادة على وصف معين، كان فرضًا علينا أن نقصده القصد الذي نكون به عابدين، والقصد الذي به نكون عابدين بنفس العمل الذي أمر به" (٣).
ويقول الإمام ابن القيم في بيان التلازم بين نوعي النية: "وهي -أي: النية بنوعيها- مرادة للشارع، بل هي وظائف العبودية، فكيف يؤدي وظائف العبودية من لا يخطر بباله التمييز بين العبادات والعادات، ولا التمييز بين مراتب تلك الوظائف، ومنازلها من العبودية، هذا أمر ممتنع عادة، وعقلًا، وشرعًا، فالنية هي سر العبودية، وروحها، ومحلها من العمل محل الروح من الجسد" (٤).
стр. 388
ويقول أيضًا في بيان الارتباط بين قصد المعبود، وقصد التعبد: "فكما أنه يجب في العبادات إفراد المعبود تعالى بها لا سواه، فكذلك يجب فيها تمييز العبادة عن العادة، ولا يقع التمييز بين النوعين -اتحاد صورة العملين- إلا بالنية، فعمل لا يصحبه إرادة المعبود غير مقبول، ولا يعتد به، وكذلك عمل لا تصحبه إرادة التعبد له، والتقرب إليه غير مقبول، ولا [معتد] (١) به، بل نية التقرب والتعبد جزء من نية الإخلاص، ولا قوام لنية الإخلاص للمعبود إلا بنية التعبد، فإذا كان نية الإخلاص شرطًا في صحة أداء العبادة فاشتراط نية التعبد أولى وأحرى" (٢).
ويقول ﵀: "فالمتفق على وجوبه؛ كالإخلاص، والتوكل، والمحبة، والصبر، والإنابة، والخوف، والرجاء، والتصديق الجازم، والنية في العبادة، وهذه قدر زائد على الإخلاص؛ فإن الإخلاص هو إفراد المعبود عن غيره.
ونية العبادة لها مرتبتان:
إحداهما: تمييز العبادة عن العادة.
والثانية: تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض. والأقسام الثلاثة واجبة" (٣).
* المسألة الثانية*
بيان معنى القاعدة
من المعلوم أنه ما من حركة متحرك في هذا الكون إلا بإرادة ومحبة، والنية أصلها الإرادة، فهي إرادة مخصوصة بإمالة الفعل إلى إحدى جهاته، فكل متحرك لا بد له من إرادة، فإذا تحرك بالإرادة كانت
стр. 389
النية لازمة لذلك، فلا يخلو متحرك من نية يتحرك بها، وعليه فتكون جميع الأعمال الصادرة من الحي المتحرك صادرة عن نية وإرادة كانت سببًا في تحركه، ولولا هذه الإرادة وتلك النية لما تحرك حي.
فجميع الأعمال الصادرة من الحي المتحرك سواء كانت صالحة، أم فاسدة لا توجد بدون النية، فالنية هي شرط حصولها، سواء كانت نية شرعية، أم نية مباحة.
ثم لا بد لهذه الإرادة والنية أن تكون متوجهة ومائلة إلى المعبود الحق، المقصود لذاته دون ما سواه، وهو الرب ﵎، فذلك شرطها لتكون نافعة لصاحبها، مصلحة لأحواله وشؤونه، فإن مالت إلى غيره فلا أضر على العبد من ذلك.
يقول الإمام ابن تيمية في بيان ذلك: "فالإنسان متحرك بالإرادة، وكل مريد لا بد له من مراد، والذي يجب أن يكون هو المراد المقصود بالحركات هو الله، فصلاح النفوس وسعادتها وكمالها في ذلك، ... وكل إرادة لا يكون الله هو المراد المقصود بالقصد الأول بها، كانت ضارة لصاحبها، مفسدة له غير نافعة، ولا مصلحة له، وليس ما يستحق أن يكون هو المحبوب لذاته، المراد لذاته، المطلوب لذاته، المعبود لذاته: إلا الله، كما أنه ليس ما هو بنفسه مبدع، خالق إلا الله، فكما أنه لا رب غيره، فلا إله إلا هو" (١).
ويقول ﵀: "ولهذا كان من أجمع الكلام وأبلغه قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، وهذا يعم كل عمل، وكل نية.
فكل عمل في العالم هو بحسب نية صاحبه، وليس للعامل إلا ما نواه، وقصده، وأحبه، وأراده بعمله، ليس في ذلك تخصيص، ولا
стр. 390
تقييد، كما يظنه طوائف من الناس، حيث يحسبون أن النية المراد به (١) النية الشرعية المأمور بها، فيحتاجون أن يحصروا الأعمال بالأعمال الشرعية، فإن النية موجودة لكل متحرك، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "أصدق الأسماء الحارث وهمام" (٢)، فالحارث: هو العامل الكاسب، والهمام: هو القاصد المريد، وكل إنسان متحرك بإرادته حارث همام" (٣).
ويقول الإمام ابن حزم: "ولا بد لكل عمل من نية، وكل شيء يتصرف فيه المرء، فلا يخلو من أحد وجهين: إما حركة، وإما إمساك عن حركة، وإنما يفرق بين الطاعة من هذين الوجهين، وبين المعصية منهما، وبين اللغو منهما النيات فقط، ولا فرق بين الطاعة والمعصية، واللغو في الحركات، والإمساك عن الحركات، إلا بالنيات فقط، وإلا فكل واحد فهو إما: واقع تحت جنس الحركة، وإما واقع تحت جنس الإمساك عن الحركة.
فوجب بالضرورة أن لا يتم عمل، ولا يصح أن يكون حركة، إو إمساك، متوجهين إلى الطاعة المأمور بها، خارجين عن المعصية، وعن اللغو إلا بنية، هذا أمر لا محيد عنه أصلًا، إلا لجاهل لا معرفة له بحقائق الأمور" (٤).
ويقول ابن الحاج: "فلا يكون عمل من الأعمال إلا عن إرادة،