← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ومنهم من عرَّف النية بالإخلاص، ومن ذلك: قول الزبيدي ﵀ في معنى حديث: "ولكن جهاد ونية": "والمراد بالنِّيّة: إِخلاصُ العَمَلِ لله تعالى" (١). وقال الإمام ابن تيمية: "وأما النية: التي هي إخلاص الدين لله، فقد تكلم الناس في حدها، وحد الإخلاص" (٢). ومما ينبغي التنبيه عليه أن كلا النيّتين واجبة ومقصودة للشارع، سواء نية قصد العبادة، التي تتضمن تمييز العبادة عن العادة، وتمييز مراتب العبادات. أو نية قصد المعبود التي يتميز فيها المعبود عن المعبود. أما بالنسبة لنية قصد العبادة التي تتضمن تمييز العبادة عن العادة، أو عن غيرها من العبادات، فهي واجبة في الجملة، على خلاف وتفصيل في بعض الصور يرجع إليه في كتب الفقه. وأما الثانية: وهي نية قصد المعبود فهي واجبة بالجملة، فلا توجد عبادة؛ سواء كانت قولية، أو فعلية، أو اعتقادية إلا ويشترط في صحتها قصد المعبود، وإفراده بالعبادة دون ما سواه، وإلا كانت فاسدة وباطلة. يقول الإمام ابن تيمية: "والذي يجب أن يكون العمل له هو الله سبحانه وحده لا شريك له، فإن هذه النية-[أي: نية قصد المعبود]- فرض في جميع العبادات، بل هذه النية أصل جميع الأعمال، ومنزلتها منها منزلة القلب من البدن، ولا بد في جميع العبادات أن تكون خالصة لله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ [الزمر: ٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: ١١] ... " (٣).

стр. 387

ويقول ﵀: "والكلام في هذه النية وتفاصيلها لا يختص بعبادة دون عبادة، إذ الفعل بدون هذه النية ليس عبادة أصلًا" (١). وعمومًا فلا تكاد تنفصل نية قصد العبادة عن نية قصد المعبود، إذ لا يمكن إفراد المعبود بإرادة العبادة دون ما سواه، بدون تمييز العبادة عن غيرها من العبادات أو العادات. يقول الإمام ابن تيمية: "وقد اتفق الفقهاء على أن نية نوع العمل الواجب لا بد منها في الجملة، فلا بد أن يقصد الصلاة، أو الحج، أو الصيام، ولهم في فروع ذلك تفصيل وخلاف ليس هذا موضعه" (٢). ويقول ﵀ في بيان دليل وجوب كلا النيّتين: "وإنما وجب كل واحد من النيّتين؛ لأن الله فرض علينا أن نقيم دينه بالشريعة التي بعث بها رسوله محمدًا ﷺ ، إذ لا يقبل منا أن نعبده بشريعة غيرها. والأعمال المشروعة مؤلفة من: أقوال، وأعمال مخصوصة، قد يعتبر لها أوقات وأمكنة مخصوصة، وصفات، كلما كان فرضًا علينا أن نعبد الله، وأن تكون العبادة على وصف معين، كان فرضًا علينا أن نقصده القصد الذي نكون به عابدين، والقصد الذي به نكون عابدين بنفس العمل الذي أمر به" (٣). ويقول الإمام ابن القيم في بيان التلازم بين نوعي النية: "وهي -أي: النية بنوعيها- مرادة للشارع، بل هي وظائف العبودية، فكيف يؤدي وظائف العبودية من لا يخطر بباله التمييز بين العبادات والعادات، ولا التمييز بين مراتب تلك الوظائف، ومنازلها من العبودية، هذا أمر ممتنع عادة، وعقلًا، وشرعًا، فالنية هي سر العبودية، وروحها، ومحلها من العمل محل الروح من الجسد" (٤).

стр. 388

ويقول أيضًا في بيان الارتباط بين قصد المعبود، وقصد التعبد: "فكما أنه يجب في العبادات إفراد المعبود تعالى بها لا سواه، فكذلك يجب فيها تمييز العبادة عن العادة، ولا يقع التمييز بين النوعين -اتحاد صورة العملين- إلا بالنية، فعمل لا يصحبه إرادة المعبود غير مقبول، ولا يعتد به، وكذلك عمل لا تصحبه إرادة التعبد له، والتقرب إليه غير مقبول، ولا [معتد] (١) به، بل نية التقرب والتعبد جزء من نية الإخلاص، ولا قوام لنية الإخلاص للمعبود إلا بنية التعبد، فإذا كان نية الإخلاص شرطًا في صحة أداء العبادة فاشتراط نية التعبد أولى وأحرى" (٢). ويقول ﵀: "فالمتفق على وجوبه؛ كالإخلاص، والتوكل، والمحبة، والصبر، والإنابة، والخوف، والرجاء، والتصديق الجازم، والنية في العبادة، وهذه قدر زائد على الإخلاص؛ فإن الإخلاص هو إفراد المعبود عن غيره. ونية العبادة لها مرتبتان: إحداهما: تمييز العبادة عن العادة. والثانية: تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض. والأقسام الثلاثة واجبة" (٣). * المسألة الثانية* بيان معنى القاعدة من المعلوم أنه ما من حركة متحرك في هذا الكون إلا بإرادة ومحبة، والنية أصلها الإرادة، فهي إرادة مخصوصة بإمالة الفعل إلى إحدى جهاته، فكل متحرك لا بد له من إرادة، فإذا تحرك بالإرادة كانت

стр. 389

النية لازمة لذلك، فلا يخلو متحرك من نية يتحرك بها، وعليه فتكون جميع الأعمال الصادرة من الحي المتحرك صادرة عن نية وإرادة كانت سببًا في تحركه، ولولا هذه الإرادة وتلك النية لما تحرك حي. فجميع الأعمال الصادرة من الحي المتحرك سواء كانت صالحة، أم فاسدة لا توجد بدون النية، فالنية هي شرط حصولها، سواء كانت نية شرعية، أم نية مباحة. ثم لا بد لهذه الإرادة والنية أن تكون متوجهة ومائلة إلى المعبود الحق، المقصود لذاته دون ما سواه، وهو الرب ﵎، فذلك شرطها لتكون نافعة لصاحبها، مصلحة لأحواله وشؤونه، فإن مالت إلى غيره فلا أضر على العبد من ذلك. يقول الإمام ابن تيمية في بيان ذلك: "فالإنسان متحرك بالإرادة، وكل مريد لا بد له من مراد، والذي يجب أن يكون هو المراد المقصود بالحركات هو الله، فصلاح النفوس وسعادتها وكمالها في ذلك، ... وكل إرادة لا يكون الله هو المراد المقصود بالقصد الأول بها، كانت ضارة لصاحبها، مفسدة له غير نافعة، ولا مصلحة له، وليس ما يستحق أن يكون هو المحبوب لذاته، المراد لذاته، المطلوب لذاته، المعبود لذاته: إلا الله، كما أنه ليس ما هو بنفسه مبدع، خالق إلا الله، فكما أنه لا رب غيره، فلا إله إلا هو" (١). ويقول ﵀: "ولهذا كان من أجمع الكلام وأبلغه قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، وهذا يعم كل عمل، وكل نية. فكل عمل في العالم هو بحسب نية صاحبه، وليس للعامل إلا ما نواه، وقصده، وأحبه، وأراده بعمله، ليس في ذلك تخصيص، ولا

стр. 390

تقييد، كما يظنه طوائف من الناس، حيث يحسبون أن النية المراد به (١) النية الشرعية المأمور بها، فيحتاجون أن يحصروا الأعمال بالأعمال الشرعية، فإن النية موجودة لكل متحرك، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "أصدق الأسماء الحارث وهمام" (٢)، فالحارث: هو العامل الكاسب، والهمام: هو القاصد المريد، وكل إنسان متحرك بإرادته حارث همام" (٣). ويقول الإمام ابن حزم: "ولا بد لكل عمل من نية، وكل شيء يتصرف فيه المرء، فلا يخلو من أحد وجهين: إما حركة، وإما إمساك عن حركة، وإنما يفرق بين الطاعة من هذين الوجهين، وبين المعصية منهما، وبين اللغو منهما النيات فقط، ولا فرق بين الطاعة والمعصية، واللغو في الحركات، والإمساك عن الحركات، إلا بالنيات فقط، وإلا فكل واحد فهو إما: واقع تحت جنس الحركة، وإما واقع تحت جنس الإمساك عن الحركة. فوجب بالضرورة أن لا يتم عمل، ولا يصح أن يكون حركة، إو إمساك، متوجهين إلى الطاعة المأمور بها، خارجين عن المعصية، وعن اللغو إلا بنية، هذا أمر لا محيد عنه أصلًا، إلا لجاهل لا معرفة له بحقائق الأمور" (٤). ويقول ابن الحاج: "فلا يكون عمل من الأعمال إلا عن إرادة،

стр. 391

ولا تكون الإرادة إلا عن نية، وقد نهى الله ﵎ عن إضاعة شيء من ذلك، وأي عمل أكبر من الإرادة والنية، وقد وجدنا الإنسان لا يخلو من حركة أو سكون، والحركة والسكون جميعها عمل" (١). ويقول الإمام ابن تيمية: "ولما كان العمل لا بد فيه من شيئين: النية والحركة، كما قال النبي ﷺ : "أصدق الأسماء حارث وهمام" فكل أحد حارث وهمام له عمل ونية" لكن النية المحمودة التي يتقبلها الله ويثيب عليها: أن يراد الله بذلك العمل، والعمل المحمود: الصالح؛ وهو المأمور به، ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه: "اللَّهُمَّ اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا" (٢) " (٣). والمقصود: أن جميع أعمال العبد وحركاته لا بد لها من غاية هي نهاية مقصوده وإلا لما تحرك، ولما كان فاعلًا، ولا تكون هذه الحركات نافعة إلا أن يكون مقصوده وغاية مطلبه هو الله ﵎، بأن يكون هو معبوده، ومقصوده، ومحبوبه، وإلا كانت فاسدة غير نافعة، كما أن ما كان لغيره لا يدوم ولا يستمر، فالعبد مفتقر إلى ربه في وجوده، وكماله، فكما لا وجود له إلا بالله، فكذلك لا كمال له، ولا نفع لأعماله وحركاته إلا بأن تكون لله، فهو مفتقر إلى الله لذاته في الأسباب والغايات (٤).

стр. 392

يقول الإمام ابن تيمية: "وكل الأعمال إن لم تكن لأجله؛ فيكون هو المعبود، المقصود، المحبوب، لذاته، وإلا كانت أعمالًا فاسدة؛ فإن الحركات تفتقر إلى العلة الغائية، كما افتقرت إلى العلة الفاعلية، بل العلة الغائية بها صار الفاعل فاعلًا ولولا ذلك لم يفعل. فلولا أنه المعبود المحبوب لذاته لم يصلح قط شيء من الأعمال والحركات بل كان العالم يفسد وهذا معنى قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] ولم يقل لعدمتا وهذا معنى قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل" (١). فكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل لا منفعة فيه؛ فإن ما لا يكون بالله لا يكون؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا به، وما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، وإنما ذلك لكونه لم يكن لله فجعله الله هباء لا فائدة فيه، وكما قال سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾ [إبراهيم: ١٨]، فحكم الله عليهم بالضلال، وجعل أعمالهم كالرماد لا فائدة فيها؛ إذ كان مقصودًا بها غير الرب ﵎ (٢). ويقول الإمام ابن القيم: "ولا صلاح له إلا أن تكون غاية حركته، ونهاية مطلبه، هو الله وحده، كما لا وجود له إلا أن يكون الله وحده هو ربه، وخالقه، فوجوده بالله وحده، وكماله أن يكون لله وحده، فما لا يكون به لا يكون، وما لا يكون له لا ينفع، ولا يدوم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ولم يقل: لعدمتا

стр. 393

إذ هو سبحانه قادر على أن يبقيهما على وجه الفساد، لكن لا يمكن أن تكونا صالحتين إلا بأن يكون فاطرهما، وخالقهما هو المعبود وحده لا شريك له" (١). والحاصل: أن من كان باعثه في جميع أعماله وحركاته صالحًا، متضمنًا لرضا الله تعالى، ومن أجله سبحانه، وفي ذاته ، استجابة لأمره، وانتهاء عن نهيه، وحبًا وتعظيمًا، وخوفًا، ورجاء، كان العمل صالحًا ومقبولًا ومثابًا عليه، والعبادة صحيحة، ومعتبرة، وصالحة، فالعمل يتبع النية في الصحة، والاعتبار والصلاح، والثواب عند الله ﵎. يوضح ذلك أن اتصاف الأعمال، والحكم عليها بالصحة أو الفساد، لا تخلو إما أن تكون في ذاتها صحيحة، أو فاسدة، فيحكم عليها بحسب ما قام بذاتها من الوصف، صحة وفسادًا، فإذا ثبتت صحتها في ذاتها، فينظر بعد ذلك إلى المرجح الآخر، وهو النية والقصد الباعث على فعله؛ فإن كان قصدًا شرعيًا، وصحيحًا محمودًا، كان العمل صالحًا، ومثابًا عليه، وإن كانت النية فاسدة، والقصد سيئًا، كان العمل بحسب ذلك، فظهر بذلك أن صلاح الأعمال وفسادها هو باعتبار ذواتها تارة، وباعتبار نياتها ومقاصدها تارة أخرى (٢). وأعمال العباد من منظورها الشرعي لا تخرج عن وصفها بالأمر، أو التحريم، أو الإباحة، فالمأمورات داخلة في العبادة، سواء كان أمر إيجاب أو استحباب، فلا يخلص فاعلها من عهدة تكليفه بها، بأن تقع صحيحة، ومجزئة، ومثابًا عليها، إلا مع النية، وهذا شامل لجميع ما يدخل تحت مسماها؛ كطهارة الحدث، والصلاة، والزكاة، والصيام،

стр. 394

والحج، والعمرة، والأضحية، والهدي، والعقيقة، والكفارة، والجهاد، والصدقات، وقضاء حوائج الناس، وعيادة المرضى، واتباع الجنائز، وابتداء السلام، ورده، وتشميت العاطس، وجوابه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإجابة الدعوى، وحضور مجلس العلم، والأذكار، وزيارة الإخوان، والقبور، والنفقة على الأهل، والضيفان، وإكرام أهل الفضل، وذوي الأرحام، ومذاكرة العلم، والمناظرة فيه، وتكريره، وتدريسه، وتعلمه، وتعليمه، ومطالعته، وكتابته، وتصنيفه، والفتوى، والقضاء، وإماطة الأذى عن الطريق، والنصيحة، والإعانة على البر والتقوى، وقبول الأمانات، وأداؤها. وأما المحرمات فلا تفتقر إلى نية في اعتبار تركها، بل مجرد تركها يخرج العبد من عهدة التكليف بها، ولكنها تفتقر إلى النية في اعتبار الثواب وتحصيله. فالذي يترك المحرم ابتغاء لوجه الله تعالى، وقصدًا لطاعته، ونيلًا لمرضاته، وتحصيلًا لثوابه، فهذا يثاب على هذه النية القلبية التي نواها. يقول الإمام ابن القيم: "كل ترك لا يكون عبادة ولا يثاب عليه إلا بالنية" (١). والحاصل: أن ترك المحرمات لا يكون عبادة يثاب عليها إلا بما يقترن بها من أعمال قلبية كالبغض لها، وتركها من أجل الله ، وتعظيمًا لجلال الله وشعائره. وقد قرر هذا الأمر الإمام ابن القيم تقريرًا مبسوطًا رأيت ذكره هنا باختصار لما فيه من مزيد الفائدة، يقول ﵀: "وقد جعل ﷺ البغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وهو أصل الترك، وجعل المنع لله من كمال الإيمان، وهو أصل الترك، وجعل إنكار المنكر بالقلب من مراتب

стр. 395

الإيمان، وهو بغضه وكراهته المستلزم لتركه، فلم يكن الترك من الإيمان إلا بهذه الكراهة، والبغض، والامتناع، والمنع لله، وكذلك براءة الخليل وقومه من المشركين ومعبودهم ليست تركًا محضًا، بل تركًا صادرًا عن بغض ومعاداة وكراهة، وهي أمور وجودية هي عبودية للقلب يترتب عليها خلو الجوارح من العمل، فلا يكفي أن يعبد الله، ويحبه، ويتوكل عليه، وينيب إليه، ويخافه، ويرجوه، حتى يترك عبادة غيره، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وخوفه، ورجائه، ويبغض ذلك، وهذه كلها أمور وجودية، وهي الحسنات التي يثيب الله عليها، وأما مجرد ترك السيئات من غير أن يعرف أنها سيئة، ولا يكرهها بقلبه، ويكف نفسه عنها، بل يكون تركها لعدم خطورها بقلبه، فلا يثاب على هذا الترك. فالترك ثلاثة أقسام: قسم يثاب عليه. وقسم يعاقب عليه. وقسم لا يثاب ولا يعاقب عليه. فالأول: ترك العالم بتحريمها، الكاف نفسه عنها لله مع قدرته عليها. والثاني: كترك من يتركها لغير الله لا لله، فهذا يعاقب على تركه لغير الله كما يعاقب على فعله لغير الله؛ فإن ذلك الترك والامتناع فعل من أفعال القلب، فإذا عبد به غير الله استحق العقوبة. والثالث: كترك من لم يخطر على قلبه علمًا ولا محبة ولا كراهة. ثم قال ﵀ بعد ذلك: فإن قيل: كيف يعاقب على ترك المعصية حياء من الخلق، وإبقاء على جاهه بينهم، وخوفًا منهم أن يتسلطوا عليه، والله سبحانه لم يذم على ذلك ولم يمنع منه؟ قيل: لا ريب أنه لا يعاقب على ذلك، وإنما يعاقب على تقربه إلى

стр. 396

الناس بالترك، ومرآتهم به، وأنه تركها خوفًا من الله، ومراقبة، وهو في الباطن بخلاف ذلك، فالفرق بين ترك يتقرب به إليهم ومرآتهم به، وترك يكون مصدره الحياء منهم، وخوف أذاهم له، وسقوطه من أعينهم، فهذا لا يعاقب عليه، بل قد يثاب عليه إذا كان له فيه غرض يحبه الله؛ من حفظ مقام الدعوة إلى الله، وقبولهم منه، ونحو ذلك، وقد تنازع الناس في الترك هل هو أمر وجودي أم عدمي والأكثرون على أنه وجودي" (١). ويقول أبو العباس القرطبي: "الترك للسيئة لا يكتب حسنة إلا إذا كان خوفًا من الله أو حياءً من الله" (٢). والمباحات كذلك لا تفتقر إلى النية في الاعتبار الشرعي، ولكن ينبغي استحضار النية فيها لتحصيل الثواب، فينوي عند الأكل، والشرب، والنوم، بأن يقصد بهم التقوي على الطاعة، وعند الجماع بأن يقصد به المعاشرة بالمعروف، والعفة، وتحصيل ولد صالح ليعبد الله، وعند عمل حرفة كالزراعة، بأن يقصد بها إقامة فرض الكفاية، ونفع المسلمين (٣). يقول الإمام الشاطبي: "وأما الأعمال العادية وإن لم تفتقر في الخروج عن عهدتها إلى نية، فلا تكون عبادات، ولا معتبرات في الثواب، إلا مع قصد الامتثال، وإلا كانت باطلة" (٤). فظهر بهذا أن النية الشرعية المتعلقة بأعمال العبد تدخل فيها المأمورات، والمباحات، والمحرمات، بل جميع حركات العبد وسكناته يستحب أن تكون بنية حتى يتحقق له تحصيل الأجر والثواب. يقول الإمام ابن تيمية: "لأن النية مشروعة في جميع الواجبات

стр. 397

والمستحبات، بل يستحب أن تكون جميع حركات العبد وسكناته بنية صالحة" (١). * المسألة الثالثة * أدلة القاعدة دلَّ على صحة هذه القاعدة العظيمة أدلة عديدة أذكر بعضها فيما يلي: أولًا: ما ورد من الأدلة الآمرة بعبادة الله تعالى على وجه الإخلاص، وعدم الالتفات إلى غيره ، وأن العمل الصالح المقبول عند الله تعالى هو ما كان بنية خالصة من جميع الشوائب، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. دلَّت الآيات على أن العبادة الخالية من إخلاص النية للمعبود وحده هي عبادة لم يأمر الله بها عباده، فالله إنما أمر عباده بالعبادة المتضمنة للإخلاص والنية الصالحة، فما خلا من ذلك فليس بعبادة، إذ العبادة المأمور بها لا بد أن تتضمن النية الخالصة، وعليه فلا يكون العمل معتبرًا، ولا مقبولًا عند الله ﵎، في حال خلوه عن النية، إذ هو خارج عن حكم العبادة، فظهر توقف العمل على النية. يقول الإمام ابن القيم في معنى الآية: "فإذا لم يأمرهم إلا بعمل هو عبادة قد أخلص عاملها النية فيها لربه ، ومعلوم أن النية جزء من العبادة، بل هي روح العبادة كما تبين، علم أن العمل الذي لم ينو ليس

стр. 398

بعبادة، ولا مأمور به، فلا يكون فاعله متقربًا إلى الله تعالى، وهذا مما لا يقبل نزاعًا" (١). ومن ذلك قوله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ [الزمر: ٢]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: ١١]، وقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ [غافر: ١٤]. يقول الإمام القرطبي في آية الزمر: "وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات؛ فإن الإخلاص من عمل القلب، وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره" (٢). وقال الشوكاني: "وفي الآية دليل على وجوب النية، وإخلاصها عن الشوائب؛ لأن الإخلاص من الأمور القلبية، التي لا تكون إلا بأعمال القلب، وقد جاءت السُّنَّة الصحيحة: أن ملاك الأمر في الأقوال، والأفعال النية" (٣). ثانيًا: ما ورد من الأدلة الدالة على أن العمل المعتبر المقبول هو ما كان لوجهه سبحانه، وابتغاء مرضاته والدار الآخرة، وأن من أراد بعمله غير ذلك من متاع الدنيا فلا اعتبار بعمله ولا ثواب فيه. كما قال : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]، والمراد بتلك الإرادة هي النية (٤). ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ

стр. 399

إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥، ١٦]. قال مجاهد في معنى الآية: "من عمل عملًا مما أمر الله به من صلاة، أو صدقة، لا يريد بها وجه الله أعطاه الله في الدنيا ثواب ذلك مثل ما أنفق" (١). وقال الإمام ابن العربي (٢) في الآيات: "بيان لما قال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات"؛ وذلك لأن العبد لا يعطى إلا على وجه قصده، وبحكم ما ينعقد ضميره عليه، وهذا أمر متفق عليه في الأمم من أهل كل ملة" (٣). وقال القرطبي: "وتدلُّك هذه الآية على أن من صام في رمضان لا عن رمضان، لا يقع عن رمضان، وتدل على أن من توضأ للتبرد، والتنظف، لا يقع قربة عن جهة الصلاة، وهكذا كل ما كان في معناه" (٤). ويقول الشيخ السعدي في تفسيرها: "أي: كل إرادته مقصورة على الحياة الدنيا، وعلى زينتها؛ من النساء، والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث، قد صرف رغبته، وسعيه، وعمله في هذه الأشياء، ولم يجعل لدار القرار من إرادته شيئًا، فهذا لا يكون إلا كافرًا؛ لأنه لو كان مؤمنًا لكان ما معه من

стр. 400

الإيمان يمنعه أن تكون جميع إرادته للدار الدنيا، بل نفس إيمانه، وما تيسر له من الأعمال، أثر من آثار إرادته الدار الآخرة، ولكن هذا الشقي الذي كأنه خلق للدنيا وحدها" (١). ومن ذلك قوله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ [الإسراء: ١٨]. يقول الإمام ابن العربي في معنى الآية: "قد قدمنا أن الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى، وبينا أن من أراد غير الله فهو متوعد" (٢). ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠]. يقول الإمام ابن القيمِ بعد ذكره للآيات الثلاثة السابقة "فهذه ثلاث آيات يشبه بعضها بعضًا، وتدل على معنى واحد، وهو أن من أراد بعمله الدنيا، وزينتها دون الله، والدار الآخرة فحظه ما أراد، وهو نصيبه ليس له نصيب غيره" (٣). وقال ﵀ أيضًا عن نفس هذه الآيات: "فهذه ثلاث مواضع من القرآن، يشبه بعضها بعضًا، ويصدق بعضها بعضًا، وتجتمع على معنى واحد، وهو: أن من كانت الدنيا مراده، ولها يعمل في غاية سعيه، لم يكن له في الآخرة نصيب، ومن كانت الآخرة مراده، ولها عمل، وهي غاية سعيه فهي له" (٤). ومن ذلك قوله جلَّ وعلا: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾ [الروم: ٣٨]،

стр. 401

وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ١٩، ٢٠]، فعلَّق الأجر والخير والثواب والنعمة على النية الصالحة التي تتضمن إرادة وجه الله سبحانه دون ما سواه. ومن ذلك قوله عزَّ من قائل: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. يقول الإمام ابن رجب في معنى الآية: "فنفى الخير عن كثير مما يتناجى الناس به إلا في الأمر بالمعروف، وخصَّ من أفراده الصدقة، والإصلاح بين الناس لعموم نفعهما، فدل ذلك على أن التناجي بذلك خير. وأما الثواب عليه من الله فخصَّه بمن فعله ابتغاء مرضات الله. وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة، والإصلاح بين الناس وغيرهما خيرًا، وإن لم يُبْتَغَ به وجه الله لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي، فيحصل به الناس إحسان وخير، وأما بالنسبة إلى الأمر، فإن قصد به وجه الله، وابتغاء مرضاته، كان خيرًا له، وأثيب عليه، وإن لم يقصد ذلك، لم يكن خيرًا له، ولا ثواب له عليه. وهذا بخلاف من صلى وصام وذكر الله، يقصد بذلك عرض الدنيا، فإنه لا خير له فيه بالكلية؛ لأنه لا نفع في ذلك لصاحبه؛ لما يترتب عليه من الإثم فيه، ولا لغيره؛ لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، اللَّهُمَّ إلا أن يحصل لأحد اقتداء به في ذلك (١). ثالثًا: ما ورد من الأحاديث النبوية المصرحة بأن العمل لا اعتبار

стр. 402

له بدون النية، وأن العمل الخالي عن النية يكون فاسدًا لا ثواب فيه ولا أجر، وصاحبه متوعد بالعذاب والعقاب، ومن ذلك: ١ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الأَعْمَالُ بالنِّيَّةِ ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ ومَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ لدنْيَا يُصِيبُهَا أو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إِليهِ" (١). فهذا الحديث يعتبر نصًا في القاعدة، لتضمنه معنى القاعدة، إذ فيه التنصيص على أن لكل عامل من الأجر والثواب وصحة العمل بحسب نيته التي نواها، ثم قرَّب ذلك بالهجرة، وأن من هاجر ونيته الله ورسوله، فهجرته واقعة ومنصرفة إلى الله ورسوله، صحة وأجرًا، وأما من هاجر ونيته الدنيا أو النكاح فهجرته واقعة ومنصرفة إلى ما نواه؛ أي: لا صحة لهجرته، ولا ثواب فيها. يقول الإمام ابن العربي: "وهذا حديث غريب اجتمعت فيه فائدتان: إحداهما: تأسيس القاعدة. والثانية: عموم اللفظ في كل حكم منوي" (٢). ويقول الإمام الشاطبي: "الأحكام الخمسة إنما تتعلق بالأفعال والتروك بالمقاصد، فإذا عريت عن المقاصد لم تتعلق بها، والدليل على ذلك أمور: أحدها: ما ثبت من أن الأعمال بالنيات، وهو أصل متفق عليه في

стр. 403

الجملة، والأدلة عليه لا تقصر عن مبلغ القطع؛ ومعناه: أن مجرد الأعمال من حيث هي محسوسة فقط غير معتبرة شرعًا على حال، إلا ما قام الدليل على اعتباره في باب خطاب الوضع خاصة، أما في غير ذلك فالقاعدة مستمرة، وإذا لم تكن معتبرة حتى تقترن بها المقاصد، كان مجردها في الشرع بمثابة حركات العجماوات والجمادات، والأحكام الخمسة لا تتعلق بها عقلًا ولا سمعًا، فكذلك ما كان مثلها" (١). فالنيات هي الأصل، المصحح للأعمال، فمع إنفرادها عنها لا تقع مواقع القبول والإجزاء (٢). يقول الإمام الخطابي (٣): "معناه: أن صحة الأعمال، ووجوب أحكامها إنما تكون بالنية، وأن النية هي المصرفة لها إلى جهاتها، ولم يرد به أعيان الأعمال؛ لأن أعيانها حاصلة بغير نية، "وإنما لامرئ ما نوى" أشار به إلى أن تعيين المنوي شرط" (٤). وقال الإمام نور الدين السندي (٥) في معنى الحديث: "أفردت النية لكونها مصدرًا، ووجه الاستدلال: أن الجار والمجرور خبر، والظاهر

стр. 404

من جهة القواعد تعلقه بكون عام، والمعنى: أعمال المكلفين لا تتحقق ولا تكون إلا بالنية، وهذا يؤدي إلى أن وجود العمل يتوقف على النية، والواقع يشهد بخلافه، فإن الوجود الحسي لا يحتاج إلى نية، وأيضًا الأنسب بكلام الشارع هو الوجود الشرعي، فلا بد من تقدير كون خاص هو: الوجود الشرعي، ومرجعه إلى الصحة، أو الاعتبار، فالمعنى: الأعمال لا تتحقق شرعًا، ولا تصح، فلا تعتبر إلا بالنية" (١). * المسألة الرابعة* أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة بعض أقوال العلماء التي وقفت عليها في تقرير معنى القاعدة: يقول الإمام ابن تيمية: "فإن صلاح الحي إنما هو صلاح مقصوده، ومراده، وصلاح الأعمال، والحركات بصلاح إرادتها، ونياتها؛ ولهذا كان من أجمع الكلام، وأبلغه قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، وهذا يعم كل عمل، وكل نية" (٢). ويقول الإمام ابن القيم: "فإن صلاح الأعمال، والحركات، بصلاح نياتها ومقاصدها، فكل عمل فهو تابع لنية عامله، وقصده، وإرادته، وتقسيم الأعمال إلى صالح وفاسد، هو باعتبارها في ذواتها تارة، وباعتبار مقاصدها ونياتها تارة" (٣). ويقول الإمام ابن رجب في معنى حديث: "إنما الأعمال بالنيات": "فإن الجملة الأولى: دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية: دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة، وقد تكون

стр. 405

نيته مباحة فيكون العمل مباحًا، فلا يحصل له ثواب ولا عقاب، فالعمل في نفسه صلاحه، وفساده، وإباحته، بحسب النية الحاملة عليه، المقتضية لوجوده، وثواب العامل، وعقابه، وسلامته، بحسب النية التي صار بها العمل صالحًا، أو فاسدًا، أو مباحًا" (١). ويقول ﵀ في معنى حديث: "أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ" (٢): "فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه المحرمات، واتقاءه للشبهات، بحسب صلاح حركة قلبه، فإذا كان قلبه سليمًا ليس فيه إلا محبة الله، ومحبة ما يحبه الله، وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقي للشبهات حذرًا من الوقوع في المحرمات، وإن كان القلب فاسدًا، قد استولى عليه اتباع الهوى، وطلب ما يحبه ولو كرهه الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات، بحسب اتباع هوى القلب، ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له، منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك، فإن كان الملك صالحًا، كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا، كانت جنوده بهذه المشابهة فاسدة، ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] " (٣).

стр. 406

ويقول الإمام الشوكاني: "فتقرر بمجموع ما ذكرنا: أن حصول الأعمال وثبوتها لا يكون إلا بالنية، فلا حصول، أو لا ثبوت لما ليس كذلك، فكل طاعة من الطاعات، وعبادة من العبادات، إذا لم تصدر عن إخلاص نية، وحسن طوية، لا اعتداد بها، ولا التفات إليها، بل هي إن لم تكن معصية فأقل الأحوال أن تكون من أعمال العبث واللعب، التي هي بما يصدر عن المجانين أشبه منها بما يصدر عن العقلاء" (١). ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الكلام على قصة آدم وإبليس: "ومنها الشهادة للقاعدة المعروفة في الشريعة: أن كل عمل لا يقصد به وجه الله فهو باطل لاستثنائه المخلصين" (٢). * المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها مما سبق من تقرير لهذه القاعدة يتبين لنا عظم ومكانة هذه القاعدة، وذلك لعمومها إذ لا يكاد يخلو باب من أبواب الشريعة إلا وكان له حظ منها؛ ولهذا كان اعتبار المقاصد والنيات في الأعمال من القواعد العظيمة في الشريعة، فالنيةُ أصل الشريعة، وعماد الأعمال، وعيار التكليف، فهي رأس الأمر، وعموده، وأساسه، وأصله الذي عليه يبنى، فإنها روح العمل، وقائده، وسائقه، والعمل تابع لها، يبنى عليها، يصح بصحتها، ويفسد بفسادها، وبها يستجلب التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة، فقد يعمل العمل الواحد شخصان، ولا فرق بينهما في الصورة، ويكون بينهما من الفرق كما بين المشرق والمغرب (٣)، ولذا اعتبر الفقهاء قاعدة المقاصد

стр. 407

والنيات إحدى القواعد الخمسة الكبرى وعبَّروا عنها بقولهم: (الأمور بمقاصدها) (١). وفيما يلي أذكر بعض ما ظهر لي من فوائد وتطبيقات يمكن أخذها من القاعدة: الفائدة الأولى: أشارت القاعدة إلى التلازم والارتباط الحاصل بين صلاح الظاهر وصلاح الباطن، فلا اعتبار بالظاهر إلا بتحقق الباطن وصلاحه، وهذا مما يدلى على أهمية وعظم أعمال القلوب، وأنها هي الأصل الذي تقوم عليه جميع الأعمال. يقول الإمام ابن تيمية: "وكلما أوجبه الله على العباد لا بد أن يجب على القلب؛ فإنه الأصل، وإن وجب على غيره تبعًا، فالعبد المأمور المنهي إنما يعلم بالأمر والنهي قلبه، وإنما يقصد الطاعة والامتثال القلب، والعلم بالمأمور، والامتثال يكون قبل وجود الفعل المأمور به؛ كالصلاة، والزكاة، والصيام، وإذا كان العبد قد أعرض عن معرفة الأمر، وقصد الامتثال، كان أولى المعصية منه، بل كان هو العاصي وغيره تبع له في ذلك، ولهذا قالى في حق الشقي: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢] الآيات، وقال في حق السعداء: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] في غير موضع. والمأمور نوعان: نوع هو عمل ظاهر على الجوارح، وهذا لا يكون إلا بعلم القلب وإرادته، فعلم القلب وعمله هو الأصل فيه؛ كالوضوء، والاغتسال، وكأفعال الصلاة، من القيام، والركوع، والسجود، وأفعال الحج من الوقوف والطواف.

стр. 408

وإن كانت أقوالًا، فالقلب أخص بها، فلا بد أن يعلم القلب وجود ما يقوله، أو بما يقول ويقصده؛ ولهذا كانت الأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول، ويقصده، فأما المجنون، والطفل الذي لا يميز، فأقواله كلها لغو في الشرع لا يصح منه إيمان، ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين" (١). ويقول الإمام ابن القيم: "الكلام في مسألة النية شديد الارتباط بأعمال القلوب، ومعرفة مراتبها، وارتباطها بأعمال الجوارح، وبنائها عليها، وتأثيرها فيها صحة وفسادًا، وإنما هي الأصل المراد المقصود، وأعمال الجوارح تبع، ومكملة، ومتممة، وأن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح فموات، وكذلك العمل إذا لم تصحبه النية فحركة عابث، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح؛ إذ هي أصلها، وأحكام الجوارح متفرعة عليها" (٢). ويقول ﵀: "ومن تأمل الشريعة في مصادرها، ومواردها، علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يميز المؤمن عن المنافق، إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميزت بينهما، وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه، وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح، وأكثر، وأدوم، فهي واجبة في كل وقت؛ ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام، والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان، فمركب الإيمان القلب، ومركب الإسلام الجوارح" (٣).

стр. 409

الفائدة الثانية: عرفنا مما سبق في تقرير معنى القاعدة أن الأعمال يحكم عليها بالصحة والفساد إما بسبب ذواتها، أو بسبب نياتها ومقاصدها، ولا شك أن المحرمات؛ سواء كانت في نفسها محرمة، أو كانت تؤدي إلى المحرم، كل ذلك مما يوصف بالفساد والبطلان بذاته، إذ الوسيلة إلى المحرم محرمة، ولو كانت المحرمات أو وسائلها صالحة، وكان نفعها غالب لما حرمت، وعليه فالنية مهما كانت صالحة وخالصة لله ﵎، فإنها لا تؤثر في المحرمات صحة وصلاحًا، لأن الله أمرنا بترك المحرم والابتعاد منه، وهذا هو الواجب نحو كل ما حرمه الله تعالى، أو حرمه رسوله ﷺ ، إذ لا يحلُّ لأحد أن يفعل المحرم بحجة أن نيته فيه صالحة، وأنه ما أراد من ورائه إلا الخير، وكل ذلك من تلبيس إبليس عليه لعنة الله. يقول الرازي في "تفسيره": "اعلم أن الأعمال على ثلاثة أقسام: طاعات، ومعاصي، ومباحات، أما المعاصي: فهي لا تتغير عن موضوعاتها بالنية، فلا يظن الجاهل أن قوله ﵊: "إنما الأعمال بالنيات" يقتضي انقلاب المعصية طاعة بالنية؛ كالذي يطعم فقيرًا من مال غيره، أو يبني مسجدًا من مال حرام" (١). الفائدة الثالثة: دلت القاعدة على أن الأعمال تكون فاسدة إذا كانت نيتها فاسدة، حتى لو كانت الأعمال في أصلها صحيحة، وجائزة، ومباحة، فإنها تنتقل إلى حكم الفساد والمنع والتحريم بسبب النية الفاسدة التي قارنتها، وهذا يفيد في إبطال الحيل التي قد تكون في أصلها عملًا حلالًا، وكانت النية في العمل فاسدة تؤدي إلى محرم، وهذا عكس مفهوم القاعدة، مما يدل على علاقة التلازم بين الأعمال والنيات. يقول الإمام ابن القيم: "فالنية روح العمل، ولبه، وقوامه، وهو

стр. 410

تابع لها يصح بصحتها، ويفسد بفسادها، والنبي ﷺ قد قال كلمتين؛ كفتا، وشفتا، وتحتهما كنوز العلم، وهما: قوله: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مما نوى" فبيَّن في الجملة الأولى: أن العمل لا يقع إلا بالنية، ولهذا لا يكون عمل إلا بنية، ثم بيَّن في الجملة الثانية: أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات، والمعاملات، والأيمان، والنذور، وسائر العقود، والأفعال، وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة البيع، وأن من نوى بعقد النكاح التحليل، كان محللًا، ولا يخرجه من ذلك صورة عقد النكاح؛ لأنه قد نوى ذلك "وإنما لامرئ ما نوى"، فالمقدمة الأولى معلومة بالوجدان، والثانية معلومة بالنص، وعلى هذا فإذا نوى بالعصر حصول الخمر، كان له ما نواه، ولذلك استحق اللعنة، وإذا نوى بالفعل التحليل على ما حرمه الله ورسوله، كان له ما نواه، فإنه قصد المحرم، وفعل مقدوره في تحصيله، ولا فرق في التحيل على المحرم بين الفعل الموضوع له، وبين الفعل الموضوع لغيره، إذا جعل ذريعة له، لا في عقل، ولا في شرع، ولهذا لو نهى الطبيب المريض عما يؤذيه، وحماه منه، فتحيل على تناوله عد متناولًا لنفس ما نهى عنه، ولهذا مسخ الله اليهود قردة لما تحيلوا على فعل ما حرمه الله، ولم يعصمهم من عقوبته إظهار الفعل المباح، لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه" (١). ويقول ﵀ أيضًا: "وقد فصل قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى" الأمر في هذه الحيل، وأنواعها، فأخبر أن الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها، وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله، إلا ما نواه وأبطنه، لا ما أعلنه وأظهره، وهذا نص في أن من نوى التحليل كان محللًا، ومن نوى الربا بعقد التبايع كان مرابيًا، ومن نوى المكر والخداع

стр. 411

كان ماكرًا مخادعًا، ويكفي هذا الحديث وحده في إبطال الحيل، ولهذا صدَّر به حافظ الأمة: محمد بن إسماعيل البخاري (إبطال الحيل) والنبي ﷺ أبطل ظاهر هجرة مهاجر أم قيس بما أبطنه ونواه من إرادة أم قيس" (١). الفائدة الرابعة: دلت القاعدة على ضرورة اجتماع العمل الظاهر والنية، فلا يغني عمل بلا نية، ولا تغني نية ليس معها ما يستطاع من العمل، فإذا كان العمل غير مقدور عليه، أو حصل عائق يمنع حصوله ثبت عند ذلك أجر النية، ولو استقلت عن العمل، فقد وسع الله تعالى على هذه الأمة، وأنعم عليهم بإعطائهم الأجر والثواب بالنية الصالحة، ولو لم يتبعها عمل، فكل فعل لم يقسم الله تعالى لهم مباشرته، والقيام به، -مع عزمهم على فعله- فإنهم يحوزون فضله وثوابه بالنية، ولذا قال ﵇: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، ولم يقل ﷺ : وإنما لكل امرئ ما عمل ونوى، بل ربط الأجر بالنية فقط، مع أن النية أيضًا عمل قلبي، فدلَّ ذلك على أن النية الصالحة يثاب عليها إذا خلت من العمل غير المقدور عليه، أما إذا كان العمل مقدورًا عليه وتركه تكاسلًا، ورغبة عنه اكتفاء وتعويلًا على النية، فالحاصل والحالة هذه أن النية الشرعية لم تتحقق، إذ لو وجدت النية الصادقة، وعزيمة القلب، مع القدرة على العمل الظاهر لأثمر ذلك حصول العمل. يقول الإمام ابن القيم: "وهذا لأن قاعدة الشريعة: أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل، أو مقدمات الفعل، نُزِّل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام، كما دلى عليه قوله ﷺ : "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل فما بال

стр. 412

المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (١) " (٢). ويقول الشيخ السعدي: "لأن النية الجازمة إذا اقترن بها مقدورها، من القول، أو الفعل ينزل صاحبها منزلة الفاعل" (٣). الفائدة الخامسة: القاعدة فيها الرد على طائفة من أهل الإرجاء الذين يقولون: بأن الإيمان هو قول باللسان فقط، ولا عبرة بالقلب، ولا بأعمال الجوارح، والقاعدة أفادت بأن صلاح جميع الأعمال والحركات بصلاح النيات، والنيات من أعمال القلوب، فلا فائدة من قول وإقرار باللسان لا ينبني على اعتقاد القلب وعمله، فالأصل كما علمنا من قبل هو القلب في جميع حركات الإنسان وأعماله، فهو كالملك، والجوارح جنوده. ولذا بوَّب (٤) الإمام البخاري في "صحيحه"، في كتاب الإيمان: باب: ما جاءَ أنّ الأعْمَال بالنِّيَّةِ والحِسْبَةِ، ولِكُلِّ امرِئ ما نَوَى، فَدَخَلَ فيهِ الإيمانُ والوضُوء والصَّلاةُ والزَّكاةُ والحَجُّ والصَّوْم والأحْكامُ، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] على نيَّتِهِ، قال النَّبيُّ ﷺ : "وَلَكِنْ جهادٌ ونِيَّةٌ". وذكر أهل العلم أن قصد الإمام البخاري هو الرد على طائفة المرجئة القائلين بأن الإيمان هو مجرد قول اللسان، فبيَّن لهم أن النية من عمل القلب، وهي مشترطة في صحة جميع الأعمال.

стр. 413

قال ابن المنبر (١): "المرجئة (٢) تزعم أن المعتبر الإيمان باللسان، ولا حظ للقلب فيه، فردّ عليهم باعتبار نية القلب في الأعمال مطلقًا، فدخل الإيمان وغيره من العبادات" (٣). والمقصود: أن الإيمان وجميع شعبه لا بد فيه من نية، بل النية ركن فيه، فإن أصل النية هو محبة الله تعالى وإرادة قصده بالعبادة، فالنية في جميع الأعمال القلبية جزء مسماها، فلا عبرة بها، بل تعتبر خارجة عن حدها ومسماها بدون النية. يقول الإمام ابن تيمية: "والمحبة لا تستلزم نقصًا، بل هي صفة كمال، بل هي أصل الإرادة، فكل إرادة فلا بد أن تستلزم محبة، فإن الشيء إنما يراد لأنه محبوب، أو لأنه وسيلة إلى المحبوب، ولو قدر عدم المحبة لامتنعت الإرادة، فإن المحبة لازمة للإرادة، فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، وكذلك المحبة" (٤).

стр. 414

الفصل الثالث القواعد المتعلقة بأنواع التوحيد وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: قاعدة: أنواع التوحيد وأضدادها متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر. المبحث الثاني: قاعدة: توحيد الربوبية لا يصير الإنسان به مسلمًا حتى يأتي بأنواع التوحد الأخرى. المبحث الثالث: قاعدة: توحيد الربوبية أقرت به الخلائق مؤمنها وكافرها ولم ينكره إلا الشذاذ من العالم. المبحث الرابع: قاعدة: الربوبية والألوهية مفهومان متغايران فإذا اقترنا افترقا وإذا افترقا اقترنا. المبحث الخامس: قاعدة: الحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها.

стр. 415

المبحث الأول قاعدة أنواع التوحيد وأضدادها متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر وفيه مسائل: * المسألة الأولى * شرح معاني مفردات القاعدة بيان معنى التلازم في القاعدة: التلازم في اللغة مشتق من الفعل الثلاثي (لَزِمَ)، وهو أصل واحد صحيح يدل على مصاحبة الشيء للشيء دائمًا، والفِعل لَزِم يَلزم، والفاعل لازم، والمفعولُ به ملزوم، ولزم الشيء لزومًا، ثبت ودام، ولَزِمَ كذا من كذا: نشأ عنه وحصل منه، ولازمه ملازمة ولزامًا: داوم عليه، واستلزم الشيء عده لازمًا واقتضاه، واللَّازِمُ ما يَمْتَنِعُ انفِكَاكُهُ عن الشَّيء، والجَمْعُ لَوَازِمُ وهو مَلْزُومٌ بِهِ (١). ومعنى اللزوم للشيء: عدم مفارقته، يقال: لزم فلان بيته إذا لم يفارقه، ولم يوجد في غيره، ومنه قولهم: (الباء) لازمة للحرفية والجر،

стр. 416

و (قد) من لوازم الأفعال، وإطلاق الملازمة والتلازم أيضًا على معنى اللزوم كثير، وقد يراد بلازم الشيء ما يتبعه ويرادفه، وبلزومه إياه أن يكون له تعلق ما، والملزوم أصل ومتبوع من حيث إن منه الانتقال، واللازم فرع وتبع، من جهة أن إليه الانتقال (١). فالتلازم إذن لغة: امتناع انفكاك الشيء عن الشيء، ويأتي اللزوم والتلازم بمعنى الملازمة (٢). أما معنى التلازم واللزوم في اصطلاح العلماء؛ فإنه أحد الدلالات اللفظية التي تدل على المعنى، فإنَّه ليس خافيًا أن دلالة الألفاظ على المعنى تنحصر في ثلاث دلالات؛ المطابقة، والتضمن، واللزوم؛ فالمطابقة: كدلالة لفظ البيت على معنى البيت، والتضمن: كدلالته على السقف، ودلالة لفظ الإنسان على الجسم، واللزوم: كدلالة لفظ السقف على الحائط إذ ليس هو جزءًا من السقف، ولكنه لا ينفك عنه، فهو كالرفيق الملازم (٣). يقول الجرجاني: "واصطلاحًا كون الحكم مقتضيًا للآخر، على معنى أن الحكم بحيث لو وقع يقتضي وقوع حكم آخر اقتضاء ضروريًا؛ كالدخان للنار في النهار، والنار للدخان في الليل" (٤). والتلازم إما أن يكون تلازمًا من الطرفين، أو يكون تلازمًا من طرف واحد، فالأول يسمى تلازم تساو، والثاني تلازمًا مطلقًا، وقد بيَّن الإمام الشوكاني هذين النوعين بقوله: "التلازم: وهو أربعة أقسام؛ لأن التلازم إنما يكون بين حكمين، وكل واحد منهما إما مثبت أو منفي،

стр. 417

وحاصله: إذا كان تلازم تساو فثبوت كل يستلزم ثبوت الآخر، ونفيه نفيه، وإن كان مطلق اللزوم فثبوت الملزوم يستلزم ثبوت اللازم من غير عكس، ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم من غير عكس" (١). وتلازم التساوي هو التلازم من الطرفين بحيث أنه إذا ثبت أحدهما ثبت الآخر، وإذا انتفى أحدهما انتفى الآخر، أما مطلق التلازم فإن ثبوت الملزوم يستلزم ثبوت اللازم، لكن ثبوت اللازم لا يستلزم ثبوت الملزوم، كما أن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم، ونفي الملزوم لا يستلزم نفي اللازم. يبيّن الإمام ابن تيمية هذه العلاقة بين اللازم والملزوم في حالتي التلازم من الطرفين أو من طرف واحد فيقول ﵀: "ومعلوم أنه إذا كان اللزوم من أحد الطرفين لزم من وجود الملزوم وجود اللازم، ومن نفي اللازم نفي الملزوم، فكيف إذا كان التلازم من الجانبين، فإن هذا التلازم يستلزم أربع نتائج؛ فيلزم من ثبوت هذا اللازم ثبوت هذا، ومن نفيه نفيه، ومن ثبوت الملزوم الآخر ثبوت ذلك ومن نفيه نفيه" (٢). ويقرر الإمام ابن القيم ما قرره شيخه فيقول: "الشرع والعقل متلازمان، ويمتنع تعارض المتلازمين، إن العقل ملزوم لعلمنا بالشرع ولازم له، ومعلوم أنه إذا كان اللزوم من أحد الطرفين لزم من وجود الملزوم وجود اللازم، ومن نفي اللازم نفي الملزوم، فكيف إذا كان التلازم من الجانبين، فإن هذا التلازم يستلزم أربع نتائج، إذ يلزم من ثبوت هذا الملزوم ثبوت لازمه، ومن ثبوت لازمه المساوي ثبوته، ومن نفي اللازم نفي ملزومه، ومن نفي ملزومه المساوي نفيه، وهذا شأن كل شيئين بينهما تلازم من الطرفين" (٣).

стр. 418

وبهذا يتبين لنا معنى التلازم وأنواعه. * المسألة الثانية* بيان معنى القاعدة أشارت القاعدة إلى العلاقة بين أنواع التوحيد الثلاثة، توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وأضدادها من أنواع الشرك، وأنها علاقة تلازم، فلا ينفك نوع منها عن الآخر، بل ثبوت بعضها وصحته يستلزم ثبوت البقية، ونفي بعضها يستلزم نفي الباقي. فهي متكافلة متلازمة يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح، ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله (١). ومما ينبغي التنبيه عليه قبل الدخول في تقرير معنى القاعدة، أن التلازم الحاصل بين أنواع التوحيد الذي أشارت إليه القاعدة هو بالنظر إلى ذات أنواع التوحيد، مع قطع النظر عن تعلق هذه الأنواع بالعباد؛ إذ إن تعلقها بهم مما يختلفون فيه اختلافًا عظيمًا، ويتباينون فيه تباينًا كبيرًا فلا يمكن ضبطه، كما أن غالب مسائل التوحيد -بأنواعه الثلاثة- يكون تعلقها بالمخلوقين مختصًا بأعمال وأقوال القلوب، وهذه مرجعها إلى الله ﵎، كما قال عزَّ من قائل: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ

стр. 419

وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾ [النحل: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾ [الملك: ١٣]، وعليه فيكون تطبيق القاعدة وطردها على جميع العباد جملة وتفصيلًا من العسر بمكان؛ إذ لا يمكننا الوقوف على حقيقة ما تضمنته القلوب، وانعقدت عليه الضمائر. والحاصل في معنى القاعدة: أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية والأسماء والصفات؛ فإن علة اختصاصه ﵎ بالألوهية هي كونه ربًّا خالقًا عالمًا محيطًا بكل شيء، وأنه على كل شيء قدير، كما أن خلقه تعالى متضمن لكمال قدرته، وإرادته، وعلمه، وحكمته، وحياته، وذلك مسلتزم لسائر صفات كماله، ونعوت جلاله، فتضمن ذلك إثبات صفاته، وأفعاله، ووحدانيته في صفاته (١). وتوحيد الأسماء والصفات يستلزم توحيد الربوبية والألوهية ويشملهما؛ فإن من أعظم صفاته ﵎، صفتي الألوهية والربوبية، فتوحيد الأسماء والصفات يتضمن ويشمل إفراد الله تعالى في أعظم صفاته التي اتصف بها وهما الألوهية والربوبية. يقول الشيخ عبد العزيز السلمان: "وأما توحيد الأسماء والصفات وأنه شامل للنوعين فهو يقوم على إفراد الله سبحانه بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا التي لا تنبغي إلا له، ومن جملتها كونه ربًّا واحدًا لا شريك له في ربوبيته، وكونه إلهًا واحدًا لا شريك له في إلهيته، فاسم (الرب) لا ينصرف إلا إليه عند الإطلاق، فله وحده الربوبية المطلقة الشاملة لجميع خلقه، وكذلك اسم الجلالة (الله) لا يطلق إلا عليه وحده، فهو ذو الألوهية على جميع خلقه ليس لهم إله غيره" (٢) ..

стр. 420

وهكذا إلهية الله تعالى تستلزم النوعين الآخرين وتتضمنهما؛ فإنهما الأصل والأساس الذي ينبني عليه (١) إذ لا يتصور وجوده بدونهما؛ فإن عبادة المعبود مبنية على وجوده وثباته، فإذا لم يثبت فكيف تصرف له العبادة، ولا يثبت الشيء إلا بثبوت ذاته وصفاته، إضافة إلى أن صفة الألوهية مستتبعة لسائر صفات الكمال، ونعوت الجمال والجلال، نافية لسمات النقصان (٢)، وعليه فكل نوع منها لازم وملزوم للنوعين الآخرين، لا ينفك أحدهما عن الآخر أبدًا. يقول الإمام ابن أبي العز: "فلما كان هذا الشرك في الربوبية موجودًا في الناس بيّن القرآن بطلانه كما في قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز الظاهر؛ فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقًا فاعلًا يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر" (٣). وهكذا أضداد هذه الأنواع من الشرك فإنها أيضًا متلازمة، فالإشراك في الربوبية يستلزم الإشراك في الإلهية إذ هو أصله وأساسه ومقدمته، ولا شك أن الخلل والانحراف في الأساس يدل على الانحراف في الفرع القائم عليه، وهكذا فالشرك في الإلهية يستلزم الشرك في الربوبية والأسماء والصفات، وكذلك الأمر في حال الشرك في الأسماء والصفات، فجميع أنواع الشرك متلازمة، فكل واحد منها لازم وملزوم للنوعين الآخرين لا ينفك أحدهما عن الآخر، فالخلل والانحراف في أي نوع من أنواع التوحيد إنما هو دليل ومؤشر إلى خلل ولا بد في النوعين الآخرين؛ فإن هذه الأنواع يصحح بعضها البعض ويقوي بعضها البعض فإذا ثبت وصح

стр. 421

منها نوع صحح الباقي وأثبته، وهكذا إذا حصل ضعف في نوع دلَّ على أن هناك ضعفًا في النوعين الآخرين ولا بد. يبيّن الإمام ابن القيم استلزام أنواع التوحيد بعضها لبعض: "فعلم أن اسمه (الله) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم الله، واسم الله دال على كونه مألوهًا معبودًا تألهه الخلائق؛ محبة، وتعظيمًا، وخضوعًا، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب، وذلك مستلزم لكمال ربوبيته، ورحمته، المتضمنين لكمال الملك، والحمد. وإلهيته، وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير، ولا قادر، ولا متكلم، ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أفعاله" (١). وهكذا من نفى صفات الرب ﵎ وعطلها وأشرك فيها فإن ذلك يستلزم إشراكه في ربوبية الله تعالى، ونفي ذاته، يقول الإمام ابن تيمية: "وفي خصوم إبراهيم ومحمد ﷺ معطلة ومشركة، لكن التعطيل المحض للذات قليل، وأما الكثير فهو تعطيل صفات الكمال، وهو مستلزم لتعطيل الذات، فإنهم يصفون واجب الوجود بما يوجب أن يكون ممتنع الوجود" (٢). ويقول أيضًا مبينًا ارتباط الشرك في التوحيد العلمي بالشرك في التوحيد العملي: "لكن المقصود هنا هو التوحيد العملي، وهو إخلاص الدين لله، وإن كان أحد النوعين مرتبطًا بالآخر، فلا يوجد أحد من أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة إلا وفيه نوع من الشرك العملي، إذ أصل قولهم فيه شرك وتسوية بين الله وبين خلقه، أو بينه وبين المعدومات في الصفات السلبية التي لا تستلزم مدحًا ولا ثبوت كمال، أو يسوون بينه وبين

стр. 422

الناقص من الموجودات في صفات النقص، وكما يسوون إذا أثبتوا هم ومن ضاهاهم من الممثلة بينه وبين المخلوقات في حقائقها، حتى قد يعبدونها فيعدلون بربهم ويجعلون له أندادًا، ويسوون المخلوقات برب العالمين" (١). ويقول الإمام ابن القيم مبينًا علاقة التلازم بين الإلحاد في الأسماء والصفات وبين الشرك الأكبر المخرج عن الملة سواء كان في الربوبية أم في الألوهية: "إن التوحيد الذي دعا إليه هؤلاء الملاحدة وذكروا أنه التوحيد الحق هو من أعظم الإلحاد في أسماء الرب وصفاته وأفعاله، وهو حقيقة الكفر به، وتعطيل العالم عن صانعه، وتعطيل الصانع الذي أثبتوه عن صفات كماله، فشرك عباد الأصنام، والأوثان، والكواكب، والشمس، والقمر، خير من توحيد هؤلاء بكثير، فإنه شرك في الإلهية مع إثبات صانع العالم، وصفاته، وأفعاله، وقدرته، ومشيئته، وعلمه بالكليات والجزئيات، وتوحيد هؤلاء تعطيل الربوبية، والإلهية، وسائر صفاته، وهذا التوحيد ملازم لأعظم أنواع الشرك ولهذا كلما كان الرجل أعظم تعطيلًا كان أعظم شركًا ولا تجد معطلًا نافيًا إلا وفيه من الشرك بقدر ما فيه من التعطيل" (٢). ولذا صرح ﵀ في نونيته بتلازم الشرك والتعطيل فقال: "واعلم بأن الشرك والتعطيل مذ كانا هما لا شك مصطحبان أبدًا فكل معطل هو مشرك حتمًا وهذا واضح التبيان" (٣). ولذا يبين الإمام ابن تيمية تلازم التعطيل لأسماء الله وصفاته مع الشرك في الربوبية فيقول: "وهذان المحذوران التعطيل والإشراك في الربوبية لازمان لكل من أثبت فاعلًا مستقلًّا غير الله؛ كالفلاسفة الذين

стр. 423

يقولون: إن الفلك يتحرك حركة اختيارية بسببها تحدث الحوادث من غير أن يكون قد حدث من جهة الله ما يوجب حركته" (١). ويقول الإمام ابن القيم مبينًا تلازم التعطيل والشرك، وأن الأول أصل للثاني وأساسه ومبدأه: "بل كل شرك في العالم فأصله التعطيل؛ فإنه لولا تعطيل كماله، أو بعضه، وظن السوء به لما أشرك به ... والمقصود: أن التعطيل مبدأ الشرك، وأساسه، فلا تجد معطلًا إلا وشركه على حسب تعطيله فمستقل ومستكثر" (٢). ويقول ﵀ أيضًا: "فالشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن -أي: الشرك- لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته ولكن عطل حق التوحيد" (٣). ويبيّن الإمام ابن القيم السبب الذي قاد أهل التعطيل لأسماء الله وصفاته إلى الوقوع في الشرك الأكبر فيقول: "ولهذا كان مرض التعطيل ومرض الشرك أخوين متصاحبين، لا ينفك أحدهما عن صاحبه، فإن المعطل قد جعل آراء الرجال، وعقولهم ندًا لكتاب الله، والمشرك قد جعل ما يعبده من الأوثان ندًا له، ومما يبين تلازم التعطيل والشرك: أن القلوب خلقت متحركة، طالبة للتأله، والمحبة، فهي لا تسكن إلا لمحبوب تطمئن إليه، وتسكن عنده، يكون هو غاية محبوبها، ومطلوبها، ولا قرار لها، ولا طمأنينة، ولا سكون بدون هذا المطلوب، والظفر به، والوصول إليه، ولو ظفرت بما ظفرت به سواه لم يزدها ذلك إلا فاقة، وفقرًا، وحاجة، وقلقًا، واضطرابًا. فطلب هذا المراد المطلوب كامن مستقر فيها وإن أعرضت عنه، واشتغلت بغيره، ولم تشعر به، فوجود الشيء لا يستلزم الشعور به، بل

стр. 424

وجوده شيء، والشعور به شيء، وهذا الطلب والإرادة هو بحسب الشعور، والمعرفة بالمطلوب المراد، وصفات كماله، ونعوت جلاله وجماله ... فالرسل جاؤوا بكمال الأمرين على أتم الوجوه، فإنهم ذكروا من فات هذا الرب الذي تألهه القلوب وتطمئن إليه الأرواح ما يكون داعيًا إلى محبته، وأمروا الناس من توحيده وعبادته وحده لا شريك له بما إذا فعلوه أحبهم عليه، فجاءت النفاة المعارضون للوحي بعقولهم، وآرائهم، فوقفوا في طريق الرسل، وأتوا بما يضاد دعوتهم، فنفوا صفاته التي تعرَّف بها إلى عباده، وجعلوا إثباتها تجسيمًا وتشبيهًا، ووصفوه من السلوب والنفي بما حال بين القلوب وبين معرفته، وأكدوا ذلك بأنه لا يُحِب ولا يُحَب، ولا له وجه يراه العابدون المحبون له يوم القيامة فضلًا عن أن يحصل لهم لذة هناك بالنظر إليه، ولا يكلمهم، ولا يخاطبهم، ولا يسلم عليهم من فوقهم، فلما استقر هذا النفي في قلوبهم تعلقت بغيره من أصناف المحبوبات، فأشركت به في المحبة، ولا بد، وكان أعظم الأسباب الحاملة لها على الشرك هو التعطيل، فانظر إلى تلازم الشرك والتعطيل وتصادقهما وكونهما: رضيعَي لِبانٍ ثَدْيَ أمٍّ تقاسما ... بأسْحَمَ داجٍ عَوْضَ لا نتفرّقُ (١) " (٢)

стр. 425

* المسألة الثالثة* أدلة القاعدة يمكن الاستدلال لتلازم أنواع التوحيد وأضدادها بأدلة عامة تشمل التدليل على قضية التلازم بين جميع الأنواع، كما أن هناك أدلة تدل على التلازم بين نوع وآخر، فهي بمجموعها تشير إلى التلازم بين أنوع التوحيد وأضدادها: أولًا: الفطرة التي فطر الله عليها الخلق، فإنها في أصلها متضمنة للإقرار باللّه تعالى، ومعرفته، وكونه متصفًا بأجمل الصفات وأكملها، كما أنها متضمنة لمحبته، والخضوع له، والذل لعظمته، فكل نفس تضمنت فطرتها الإقرار بالخالق وعبادته، وهذا تلازم في أصل الفطرة بين التوحيد القولي العلمي، وبين التوحيد الإرادي العملي، فلا ينفك أحدهما عن الآخر أبدًا، لكن إذا حصل الانحراف ووقع الشرك وصار هو الغالب طغى على أصل الفطرة فطمسها وغيرها، مع وجود أصلها في النفس، ولذا إذا تاب ورجع عن شركه رجع إلى فطرته الأولى التي فطر عليها، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ كان يحدث قال النبي ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الآية (١). ثانيًا: ومما يدل على صحة التلازم بين أنواع التوحيد أن دعوة
следующие страницы →