← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

منها نوع صحح الباقي وأثبته، وهكذا إذا حصل ضعف في نوع دلَّ على أن هناك ضعفًا في النوعين الآخرين ولا بد. يبيّن الإمام ابن القيم استلزام أنواع التوحيد بعضها لبعض: "فعلم أن اسمه (الله) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم الله، واسم الله دال على كونه مألوهًا معبودًا تألهه الخلائق؛ محبة، وتعظيمًا، وخضوعًا، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب، وذلك مستلزم لكمال ربوبيته، ورحمته، المتضمنين لكمال الملك، والحمد. وإلهيته، وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير، ولا قادر، ولا متكلم، ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أفعاله" (١). وهكذا من نفى صفات الرب ﵎ وعطلها وأشرك فيها فإن ذلك يستلزم إشراكه في ربوبية الله تعالى، ونفي ذاته، يقول الإمام ابن تيمية: "وفي خصوم إبراهيم ومحمد ﷺ معطلة ومشركة، لكن التعطيل المحض للذات قليل، وأما الكثير فهو تعطيل صفات الكمال، وهو مستلزم لتعطيل الذات، فإنهم يصفون واجب الوجود بما يوجب أن يكون ممتنع الوجود" (٢). ويقول أيضًا مبينًا ارتباط الشرك في التوحيد العلمي بالشرك في التوحيد العملي: "لكن المقصود هنا هو التوحيد العملي، وهو إخلاص الدين لله، وإن كان أحد النوعين مرتبطًا بالآخر، فلا يوجد أحد من أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة إلا وفيه نوع من الشرك العملي، إذ أصل قولهم فيه شرك وتسوية بين الله وبين خلقه، أو بينه وبين المعدومات في الصفات السلبية التي لا تستلزم مدحًا ولا ثبوت كمال، أو يسوون بينه وبين

стр. 422

الناقص من الموجودات في صفات النقص، وكما يسوون إذا أثبتوا هم ومن ضاهاهم من الممثلة بينه وبين المخلوقات في حقائقها، حتى قد يعبدونها فيعدلون بربهم ويجعلون له أندادًا، ويسوون المخلوقات برب العالمين" (١). ويقول الإمام ابن القيم مبينًا علاقة التلازم بين الإلحاد في الأسماء والصفات وبين الشرك الأكبر المخرج عن الملة سواء كان في الربوبية أم في الألوهية: "إن التوحيد الذي دعا إليه هؤلاء الملاحدة وذكروا أنه التوحيد الحق هو من أعظم الإلحاد في أسماء الرب وصفاته وأفعاله، وهو حقيقة الكفر به، وتعطيل العالم عن صانعه، وتعطيل الصانع الذي أثبتوه عن صفات كماله، فشرك عباد الأصنام، والأوثان، والكواكب، والشمس، والقمر، خير من توحيد هؤلاء بكثير، فإنه شرك في الإلهية مع إثبات صانع العالم، وصفاته، وأفعاله، وقدرته، ومشيئته، وعلمه بالكليات والجزئيات، وتوحيد هؤلاء تعطيل الربوبية، والإلهية، وسائر صفاته، وهذا التوحيد ملازم لأعظم أنواع الشرك ولهذا كلما كان الرجل أعظم تعطيلًا كان أعظم شركًا ولا تجد معطلًا نافيًا إلا وفيه من الشرك بقدر ما فيه من التعطيل" (٢). ولذا صرح ﵀ في نونيته بتلازم الشرك والتعطيل فقال: "واعلم بأن الشرك والتعطيل مذ كانا هما لا شك مصطحبان أبدًا فكل معطل هو مشرك حتمًا وهذا واضح التبيان" (٣). ولذا يبين الإمام ابن تيمية تلازم التعطيل لأسماء الله وصفاته مع الشرك في الربوبية فيقول: "وهذان المحذوران التعطيل والإشراك في الربوبية لازمان لكل من أثبت فاعلًا مستقلًّا غير الله؛ كالفلاسفة الذين

стр. 423

يقولون: إن الفلك يتحرك حركة اختيارية بسببها تحدث الحوادث من غير أن يكون قد حدث من جهة الله ما يوجب حركته" (١). ويقول الإمام ابن القيم مبينًا تلازم التعطيل والشرك، وأن الأول أصل للثاني وأساسه ومبدأه: "بل كل شرك في العالم فأصله التعطيل؛ فإنه لولا تعطيل كماله، أو بعضه، وظن السوء به لما أشرك به ... والمقصود: أن التعطيل مبدأ الشرك، وأساسه، فلا تجد معطلًا إلا وشركه على حسب تعطيله فمستقل ومستكثر" (٢). ويقول ﵀ أيضًا: "فالشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن -أي: الشرك- لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته ولكن عطل حق التوحيد" (٣). ويبيّن الإمام ابن القيم السبب الذي قاد أهل التعطيل لأسماء الله وصفاته إلى الوقوع في الشرك الأكبر فيقول: "ولهذا كان مرض التعطيل ومرض الشرك أخوين متصاحبين، لا ينفك أحدهما عن صاحبه، فإن المعطل قد جعل آراء الرجال، وعقولهم ندًا لكتاب الله، والمشرك قد جعل ما يعبده من الأوثان ندًا له، ومما يبين تلازم التعطيل والشرك: أن القلوب خلقت متحركة، طالبة للتأله، والمحبة، فهي لا تسكن إلا لمحبوب تطمئن إليه، وتسكن عنده، يكون هو غاية محبوبها، ومطلوبها، ولا قرار لها، ولا طمأنينة، ولا سكون بدون هذا المطلوب، والظفر به، والوصول إليه، ولو ظفرت بما ظفرت به سواه لم يزدها ذلك إلا فاقة، وفقرًا، وحاجة، وقلقًا، واضطرابًا. فطلب هذا المراد المطلوب كامن مستقر فيها وإن أعرضت عنه، واشتغلت بغيره، ولم تشعر به، فوجود الشيء لا يستلزم الشعور به، بل

стр. 424

وجوده شيء، والشعور به شيء، وهذا الطلب والإرادة هو بحسب الشعور، والمعرفة بالمطلوب المراد، وصفات كماله، ونعوت جلاله وجماله ... فالرسل جاؤوا بكمال الأمرين على أتم الوجوه، فإنهم ذكروا من فات هذا الرب الذي تألهه القلوب وتطمئن إليه الأرواح ما يكون داعيًا إلى محبته، وأمروا الناس من توحيده وعبادته وحده لا شريك له بما إذا فعلوه أحبهم عليه، فجاءت النفاة المعارضون للوحي بعقولهم، وآرائهم، فوقفوا في طريق الرسل، وأتوا بما يضاد دعوتهم، فنفوا صفاته التي تعرَّف بها إلى عباده، وجعلوا إثباتها تجسيمًا وتشبيهًا، ووصفوه من السلوب والنفي بما حال بين القلوب وبين معرفته، وأكدوا ذلك بأنه لا يُحِب ولا يُحَب، ولا له وجه يراه العابدون المحبون له يوم القيامة فضلًا عن أن يحصل لهم لذة هناك بالنظر إليه، ولا يكلمهم، ولا يخاطبهم، ولا يسلم عليهم من فوقهم، فلما استقر هذا النفي في قلوبهم تعلقت بغيره من أصناف المحبوبات، فأشركت به في المحبة، ولا بد، وكان أعظم الأسباب الحاملة لها على الشرك هو التعطيل، فانظر إلى تلازم الشرك والتعطيل وتصادقهما وكونهما: رضيعَي لِبانٍ ثَدْيَ أمٍّ تقاسما ... بأسْحَمَ داجٍ عَوْضَ لا نتفرّقُ (١) " (٢)

стр. 425

* المسألة الثالثة* أدلة القاعدة يمكن الاستدلال لتلازم أنواع التوحيد وأضدادها بأدلة عامة تشمل التدليل على قضية التلازم بين جميع الأنواع، كما أن هناك أدلة تدل على التلازم بين نوع وآخر، فهي بمجموعها تشير إلى التلازم بين أنوع التوحيد وأضدادها: أولًا: الفطرة التي فطر الله عليها الخلق، فإنها في أصلها متضمنة للإقرار باللّه تعالى، ومعرفته، وكونه متصفًا بأجمل الصفات وأكملها، كما أنها متضمنة لمحبته، والخضوع له، والذل لعظمته، فكل نفس تضمنت فطرتها الإقرار بالخالق وعبادته، وهذا تلازم في أصل الفطرة بين التوحيد القولي العلمي، وبين التوحيد الإرادي العملي، فلا ينفك أحدهما عن الآخر أبدًا، لكن إذا حصل الانحراف ووقع الشرك وصار هو الغالب طغى على أصل الفطرة فطمسها وغيرها، مع وجود أصلها في النفس، ولذا إذا تاب ورجع عن شركه رجع إلى فطرته الأولى التي فطر عليها، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ كان يحدث قال النبي ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الآية (١). ثانيًا: ومما يدل على صحة التلازم بين أنواع التوحيد أن دعوة

стр. 426

المشركين على اختلاف أديانهم ومذاهبهم إنما تكون بدعوتهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ سواء كانوا من المعطلين، أو من المشركين، أو من أي نحلة كانوا، وهذا يدل على تضمن واستلزام كلمة التوحيد لتوحيدي الربوبية والأسماء والصفات. ولذا جاء في الحديث المتفق عليه عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما أنَّ رسول الله ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ عَلَى اليَمَنِ قال: "إنَّكَ تَقْدُمُ عَلَى قَوْمٍ أهْلِ كِتَابِ فلْيَكُنْ أوَّلَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ الله، فإذَا عَرَفُوا الله فأخْبِرْهُم أنَّ الله قَد فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَواتٍ في يَوْمِهِمْ ولَيْلَتِهِمْ، فإذَا فَعَلُوا فأخْبِرْهُمْ أنَّ الله فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكاةً تُؤْخَذُ مِنْ أمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فإذَا أطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أمْوَالِ النَّاسِ" (١). والذين بعث إليهم معاذ ﵁ باليمن هم أهل الكتاب كما جاء التنصيص عليهم في الحديث، وكانوا من اليهود والنصارى كما نص على ذلك بعض أهل العلم (٢)، ولا شك أن فيهم من ألوان الشرك وأنواعه المتعددة ما لا يخفى، ففيهم الشرك والتعطيل ونسبة الولد إلى الله ﵎، ومع ذلك فالنبي ﵇ أرشد معاذًا آمرًا له بالبداءة بالتوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، مع ما عند هؤلاء من الشرك في الربوبية، فدلَّ

стр. 427

هذا على أن كلمة التوحيد -أي: توحيد العبادة- لا تنفك في مدلولها عن بقية الأنواع؛ فإن الدعوة إليها تتضمن بلا شك الدعوة إلى التوحيد العلمي الخبري. يقول الإمام ابن تيمية: "وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين وعلماء المسلمين، فإنهم مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول: أن كل كافر فإنه يدعى إلى الشهادتين؛ سواء كان معطلًا، أو مشركًا، أو كتابيًا، وبذلك يصير الكافر مسلمًا، ولا يصير مسلمًا بدون ذلك ... والمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ، والشهادة تتضمن الإقرار بالصانع تعالى، وبرسوله، لكن مجرد المعرفة بالصانع لا يصير به الرجل مؤمنًا، بل ولا يصير مؤمنًا بأن يعلم أنه رب كل شيء حتى يشهد أن لا إله إلا الله، ولا يصير مؤمنًا بذلك حتى يشهد أن محمدًا رسول الله" (١). ثالثًا: ومما يدل على التلازم بين الشرك في العبادة وتعطيل أسماء الله وصفاته: أن العبادة لا بد فيها من القصد والإرادة للمعبود والتوجه إليه، وعليه فلا بد أن يكون المعبود في جهة يتوجه إليه العابد، فإذا انتفت الجهة بحيث لم يوجد المعبود في جميع الجهات كان في حكم المعدوم، وكانت النتيجة ولا بد انتفاء العبادة، لكن لا بد للقلب من تعلق فرجع به الأمر فتعلق بغير الله تعالى حبًا وتألهًا وخضوعًا فوقع الشرك في العبادة ولا بد بسبب ما قام بقلبه من التعطيل، فثبت بذلك التلازم بين التعطيل وبين الشرك في العبادة. يقول شيخ الإسلام: "كون الرب إلهًا معبودًا يستلزم أن يكون بجهة من عابده بالضرورة، وذلك أن العبادة تتضمن قصد المعبود وإرادته

стр. 428

وتوجه القلب إليه، وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه في جميع مراداته ومقصوداته ومطلوباته ومحبوباته التي قصدها وأحبها وطلبها دون قصده وحبه وطلبه للآلهة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥]. والإنسان يحس من نفسه أنه إذا قصد شيئًا أو أحبه غير نفسه فلا بد وأن يكون بجهة منه، وأنه إذا قيل له: اقصد أو اطلب أو اعبد أو أحب من لا يكون بجهة منك، ولا هو فيك، ولا فوقك، ولا تحتك، ولا أمامك، ولا وراءك، ولا عن يمينك، ولا عن شمالك كان هذا أمرًا بالممتنع لذاته ليس هو أمرًا بممكن لا يطيقه، والممتنع لذاته يمتنع الأمر الشرعي به باتفاق المسلمين، ويكون حقيقة الأمر: اعبد من يمتنع أن تعبد، واقصد من يمتنع أن تقصد، وادع من يمتنع أن يدعى، ووجه وجهك إلى من يمتنع التوجه إليه، وهذا أمر بالجمع بين النقيضين. وقد ذكرنا نظير هذا غير مرة، وبينا أن قول الجهمية يستلزم الجمع بين النقيضين، وأن يكون موجودًا معدومًا، معبودًا غير معبود، مأمورًا بعبادته منهيًا عنها. فحقيقته أمر بعبادة العدم المحض، والنفي الصرف، وترك عبادة الله سبحانه، وهذا رأس الكفر وأصله، وهو لازم لهم لزومًا لا محيد عنه" (١). ويقول ﵀ أيضًا: "وقالوا -أي: الجهمية-: إنه مجهول لا يعرف بصفة، عرف المسلمون أنهم لا يعبدون شيئًا؛ لأن العبادة أصلها قصد المعبود وإرادته، والقصد والإرادة مستلزمة للعلم بالمراد المقصود، فما يكون مجهولًا لا يعرف بصفة يمتنع أن يكون مقصودًا، فيمتنع أن يكون معبودًا، والعبادة هي أمر ديني أمر الله بها ورسوله، وهي أصل دين

стр. 429

المسلمين" (١). رابعًا: من المعلوم أن التساوي في الذوات والأوصاف يوجب التساوي في الأحكام والخصائص والحقوق؛ فإن المستويين ذاتًا ووصفًا يستويان في الحكم والحق والاختصاص؛ وذلك لتحقيق التساوي (٢). يقول الشيخ الدكتور عبد الله الجربوع في تقرير هذا الدليل: "إن المتقرر في دلالة العقول: أن المساواة في الذات والصفات تعني المساواة في الاستحقاق العام والأحكام، فكل من أثبت مشابهًا ونظيرًا لله في ذاته أو شيء من صفاته وأفعاله، فقد جعل له شيئًا من الألوهية، وأوجب له العبادة تعالى الله عن ذلك. وعلى هذه القاعدة جاء قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١]. ومعنى الآية: (قل يا محمد إن ثبت لله ولد، فأنا أول من يعبد هذا الولد الذي تزعمون ثبوته. ولكنه يستحيل أن يكون له ولد. وفيه نفي للولد على أبلغ وجه، وأتم عبارة، وأحسن أسلوب. وهذا هو الظاهر من النظم القرآني ... ومثل هذا قول الرجل لمن يناظره: إن ثبت ما تقول بالدليل فأنا أول من يعتقده ويقول به) (٣). فتبيَّن بهذا الدليل الذي يحس به كل أحد، ولا ينكره بشر التلازم وعدم الانفكاك بين شرك التعطيل لأسماء الله وصفاته وبين الشرك في العبادة" (٤).

стр. 430

* المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة اهتم العلماء بقضية التلازم بين أنواع التوحيد، والتلازم بين أضداده من أنواع الشرك باللّه العظيم؛ والسبب في هذا أنه لا يكمل إيمان أحد إلا باجتماعها جميعًا، فإذا وجد بعضها ولم يوجد الآخر دلَّ ذلك على عدم اعتباره وتمامه وصحته، إذ لو كان صحيحًا تامًا لاستلزم بقية الأنواع، إضافة إلى أنهم احتاجوا إلى هذا التلازم في الرد على المنحرفين في أبواب التوحيد، فألزموا أهل الباطل بما هو لازم قولهم، وإن لم يقروا بما ألزموا به، ولكنه لازم لمذهبهم الفاسد لزومًا لا محيد لهم عنه. وفيما يلي أنقل ما وقفت عليه من أقوال العلماء في تأييد معنى القاعدة، وكلامهم قد يكون في اعتماد القاعدة بجملتها، وقد يكون متعلقًا ببعض أجزائها فيستفاد منه في تقرير معنى القاعدة: وكما ذكرت من قبل بأن التلازم بين أنواع التوحيد وأضدادها تلازم كلي عام من الطرفين، لكن من أهل العلم من يعبّر أحيانًا بما يفهم أنه تلازم من طرف واحد بمعنى أن ثبوت الملزوم يستلزم ثبوت اللازم بلا عكس، وانتفاء اللازم يستلزم انتفاء الملزوم بلا عكس، أو يجعل التلازم من جهة والتضمن من جهة، وهم إنما قرروا هذا باعتبار تعلق هذه الأنواع بالمخلوقين، فإنه قد يوجد في البعض -كمشركي العرب- الإقرار بالربوبية العامة ويتخلف عندهم توحيد العبادة، كما أنه قد يوجد الشرك في العبادة ولا يستلزم الشرك في أصل الربوبية العامة؛ ولذا جعلوا التلازم من طرف واحد، فتوحيد الربوبية والأسماء والصفات يستلزم توحيد الإلهية، فيكون الأول ملزوم والثاني لازم، وإذا ثبت الملزوم اقتضى اللازم، وإذا انتفى اللازم اقتضى انتفاء الملزوم، هذه هي قاعدة التلازم من طرف واحد.

стр. 431

أما بالنسبة لتضمن توحيد الإلهية للنوعين الآخرين وشموله لهما فهي موضع اتفاق بين أهل العلم ولذا نصَّ عليها غير واحد منهم كما سيأتي بعد. وفيما يلي أنقل ما وقفت عليه من أقوال العلماء في تأييد معنى القاعدة أو بعض أجزائها: يقول الشيخ حافظ الحكمي: "وبقية المشركين يقرون بالربوبية باطنًا وظاهرًا كما صرح بذلك القرآن فيما قدمنا من الآيات وغيرها، مع أن الشرك في الربوبية لازم لهم من جهة إشراكهم في الإلهية، وكذا في الأسماء والصفات؛ إذ أنواع التوحيد متلازمة لا ينفك نوع منها عن الآخر، وهكذا أضدادها، فمن ضاد نوعًا من أنواع التوحيد بشيء من الشرك فقد أشرك في الباقي" (١). والمقصود: أنه رغم إقرارهم واعترافهم بالربوبية فإن الشرك فيها وفي الأسماء والصفات لازم لهم وإن لم يلتزموه هم. ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "لأن القرآن إما خبر عن الله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وهو توحيد الربوبية، وتوحيد الصفات فذاك -أي: توحيد العبادة- مستلزم لهذا متضمن له، وإما دعاء إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، أو أمر بأنواع من العبادات، ونهي عن المخالفات، فهذا هو توحيد الإلهية، والعبادة، وهو مستلزم للنوعين الأولين متضمن لهما أيضًا" (٢). فجعل التوحيد العملي الطلبي مستلزمًا للتوحيد العلمي الخبري ومتضمنًا له. ويبيِّن الإمام ابن تيمية استلزام توحيد العبادة لإثبات صفات الكمال لله ﵎ فيقول: "والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب؛

стр. 432

وكونه يستحق الإلهية مستلزمًا لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودًا محبوبًا لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره، وحب غيره يوجب الفساد" (١). ويقول أيضًا: "فالتوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، هو أن يعبد الله وحده لا شريك له، فهو توحيد الألوهية وهو مستلزم لتوحيد الربوبية، وهو أن يعبد الحق رب كل شيء. فأما مجرد توحيد الربوبية، وهو شهود ربوبية الحق لكل شيء، فهذا التوحيد كان في المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦] " (٢). ويقول ﵀: "إن الإلهية تستلزم الربوبية" (٣). ويقول الإمام ابن القيم: "لأن الرضا بتجريد ربوبيته يستلزم تجريد عبادته، كما أن العلم بتوحيد الربوبية يستلزم العلم بتوحيد الإلهية" (٤). ويقول أيضًا: "والإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها: هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج الله عليهم به؛ فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية" (٥). ويقول ﵀ مبينًا استلزام الربوبية التامة الصحيحة لتوحيد العبادة: "والربوبية التامة تستلزم توحيده، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له" (٦). ولذا نص -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب على أن الخلل في الإلهية ناتج عن خلل وانحراف في الربوبية، إذ لو كانت كاملة

стр. 433

وتامة وصحيحة لأنتجت الإلهية التامة الصحيحة فقال ﵀ في جواب سؤال عن الربوبية والألوهية، وعن السبب في أن مشركي العرب لم يوصلهم توحيد الربوبية إلى توحيد العبادة وغيرها من الأسئلة فقال: "سرني ما ذكرت من الإشكال، وانصرافك إلى الفكرة في توحيد الربوبية، ولا يخفاك: أن التفصيل يحتاج إلى أطول، ولكن ما لا يدرك كله، لا يترك كله، فأما توحيد الربوبية، فهو: الأصل ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه، كما قال تعالى، فيمن أقر بمسألة منه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ [العنكبوت: ٦١]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف: ٨٧]. ومما يوضح لك الأمر: أن التوكل من نتائجه، والتوكل من أعلى مقامات الدين، ودرجات المؤمنين؛ وقد تصدر الإنابة والتوكل من عابد الوثن بسبب معرفته بالربوبية، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨] وأما عبادته سبحانه بالإخلاص دائمًا، في الشدة والرخاء، فلا يعرفونها وهي نتيجة الإلهية، وكذلك الإيمان باللّه واليوم الآخر، والإيمان بالكتب، والرسل وغير ذلك؛ وأما الصبر والرضا، والتسليم والتوكل، والإنابة، والتفويض، والمحبة، والخوف، والرجاء، فمن نتائج توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الإلهية، هو: أشهر نتائج توحيد الربوبية" (١). فبيّن ﵀ علاقة التلازم بين الشرك في الإلهية والشرك في الربوبية، وأن الأول يستلزم الثاني، فلا يحصل خلل في الإلهية قط وتكون الربوبية تامة كاملة هذا لا يحصل؛ بل كل خلل وانحراف في الإلهية إنما هو نتيجة لخلل في الربوبية أو في الأسماء والصفات ولا بد.

стр. 434

ويؤكد الإمام ابن تيمية حقيقة التلازم والارتباط بين توحيد الربوبية وتوحيد العبادة، وأنه إذا دخل الخلل والانحراف في الأول فمن باب أولى أن يحصل في الثاني، فيقول ﵀: "وذلك أن كثيرًا من كلامهم أخذوه من كلام المعتزلة، والمعتزلة مقصرون في هذا الباب فإنهم لم يفوا توحيد الربوبية حقه فكيف بتوحيد الإلهية" (١). ويبيّن الإمام سليمان بن عبد الله آل الشيخ التلازم بين الشرك في العبادة والإلحاد في أسمائه ، فيقول ﵀: "قوله: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]: يشركون؛ أي: يشركون غيره في أسمائه؛ كتسميتهم الصنم إلهًا، ويحتمل أن المراد الشرك في العبادة؛ لأن أسماءه تعالى تدل على التوحيد، فالإشراك بغيره إلحاد في معاني أسمائه ، لا سيما مع الإقرار بها كما كانوا يقرون بالله ويعبدون غيره، فهذا الاسم وحده أعظم الأدلة على التوحيد، فمن عبد غيره فقد ألحد في هذا الاسم وعلى هذا بقية الأسماء" (٢). ويقول الشيخ العثيمين مبينًا التلازم من طرف واحد بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية فيقول: "فقوله: (الملك) من توحيد الربوبية، والألوهية من توحيد الربوبية أيضًا؛ لأن إثبات الألوهية، متضمن لإثبات الربوبية، وإثبات الربوبية مستلزم لإثبات الألوهية، ولهذا لا تجد أحدًا يوحد الله في ألوهيته إلا وقد وحَّده في ربوبيته، لكن من الناس من يوحد الله في ربوبيته، ولا يوحده في ألوهيته وحينئذٍ نلزمه، ونقول: إذا وحدت الله في الربوبية، لزمك أن توحده في الألوهية، ولهذا فإن عبارة العلماء محكمة حيث قالوا: (توحيد الربوبية مسلتزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية) " (٣).

стр. 435

فإن توحيد الألوهية ها هنا يكون ملزومًا لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية هو اللازم له، فإذا ثبت الملزوم ثبت لازمه، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، ولا يلزم من انتفاء الملزوم وهو توحيد العبادة انتفاء لازمه من توحيد الربوبية، وهذا كما علمنا في حال ما إذا كان توحيد الربوبية غير تام، وإلا فلا يحصل خلل في توحيد العبادة ويكون توحيد الربوبية تامًا. ولذا يقول أبو البقاء في بيان التلازم من طرف واحد: "اتصال اللازم بالملزوم أشد عن عكسه؛ لأن الملزوم لما لم يوجد بدون اللازم كان اللازم متصلًا به لا محالة، واللازم لما وجد بدون الملزوم تصور انفكاك الملزوم عنه، كالحيوانية اللازمة للإنسان فإنها لا تنفك عنه، وتنفك الإنسانية التي هي ملزوم الحيوانية في الفرس ونحوه" (١). * المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها دلَّت قاعدة التلازم بين أنواع التوحيد وأضدادها على فوائد عديدة منها: أولًا: من المعلوم أن أعظم أركان الإيمان بالله تعالى هو توحيده، وهو متضمن للقول والعمل كما هو اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة، وعليه فلا يصح إيمان أحد إلا باجتماع القول والعمل والاعتقاد، ولا يمكن تصور هذا الاجتماع إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فهي متلازمة هي وأضدادها كذلك فإذا اختل واحد منها سرى الخلل في الجميع ولا بد. فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، كما لا ينفع توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، فإن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئًا

стр. 436

في عبادته، ولكنه اعتقد مع ذلك أن لغير الله تعالى تأثيرًا في شيء، أو قدرة على ما لا يقدر عليه إلا لله، أو أنه يملك ضر العباد أو نفعهم ونحو ذلك، فهذا لا تصح عبادته؛ لأن أساسها يجب أن يكون الإيمان بالله ربًّا متفردًا بخصائص الربوبية جميعًا. ثانيًا: من دعا غير الله تعالى فلا شك أنه أشرك في العبادة، وهذا الشرك يستلزم إشراكه في الربوبية وفي الأسماء والصفات؛ فإن أضداد أنواع التوحيد متلازمة. يقول الشيخ الحكمي بعد أن قرَّر قاعدة التلازم: "مثال ذلك في هذا الزمن: عُباد القبور إذا قال أحدهم: يا شيخ فلان لذلك المقبور أغثني، أو افعل لي كذا ونحو ذلك، يناديه من مسافة بعيدة، وهو مع ذلك تحت التراب، وقد صار ترابًا، فدعاؤه إياه عبادة صرفها له من دون الله؛ لأن الدعاء مخ العبادة، فهذا شرك في الإلهية، وسؤاله إياه تلك الحاجة، من جلب خير، أو دفع ضر، أو رد غائب، أو شفاء مريض، أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله معتقدًا أنه قادر على ذلك هذا شرك في الربوبية، حيث اعتقد أنه متصرف مع الله تعالى في ملكوته، ثم إنه لم يدعه هذا الدعاء إلا مع اعتقاده أنه يسمعه على البعد والقرب، في أي وقت كان، وفي أي مكان ويصرحون بذلك، وهذا شرك في الأسماء والصفات، حيث أثبت له سمعًا محيطًا بجميع المسموعات، لا يحجبه قرب ولا بعد، فاستلزم هذا الشرك في الإلهية الشرك في الربوبية والأسماء والصفات" (١). ويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: "أما الحي فيطلب منه ما يقدر عليه، إذا كان حاضرًا يسمع كلامك، أو من طريق الكتابة، أو من طريق الهاتف، وما أشبه ذلك من الأمور الحسية، تطلب منه ما يقدر

стр. 437

عليه، تبرق له أو تكتب له أو تكلمه في الهاتف، تقول ساعدني على عمارة بيتي، أو على إصلاح مزرعتي؛ لأن بينك وبينه شيئًا من المعرفة أو التعاون. وهذا لا بأس به، كما قال الله في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] أما أن تطلب من الميت، أو الغائب، أو الجماد كالأصنام، شفاء مريض، أو النصر على الأعداء، أو نحو ذلك، فهذا من الشرك الأكبر. وهكذا طلبك من الحي الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله يعتبر شركًا به ؛ لأن دعاء الغائب بدون الآلات الحسية معناه: اعتقاد أنه يعلم الغيب، أو أنه يسمع دعاءك وإن بعد، وهذا اعتقاد باطل يوجب كفر من اعتقده، يقول الله جلَّ وعلا: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] أو تعتقد أن له سرًا يتصرف به في الكون، فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء، كما يعتقده بعض الجهلة في بعض من يسمونهم بالأولياء، وهذا شرك في الربوبية أعظم من شرك عباد الأوثان" (١).

стр. 438

المبحث الثاني قاعدة توحيد الربوبية لا يصير الإنسان به مسلمًا حتى يأتي بأنواع التوحيد الأخرى وفيه مسائل: * المسألة الأولى* معنى القاعدة لقد بيَّنتُ في قاعدة سابقة إقرار المشركين واعترافهم بتوحيد الربوبية، بل وإقرار البشرية عامة بهذا التوحيد، وأنه لم ينكره أحد من البشر إلا الشواذ منهم على وجه الاستكبار والعناد، وهذه القاعدة دلَّت على أن هذا الاعتراف بهذا النوع من التوحيد لا يفيدهم شيئًا إذا لم يقترن به توحيد العبادة، ولا يخلصهم من شركهم، ولا يدخلهم فيما دعاهم له الأنبياء من التوحيد الخالص، وليس بمبعدهم من عذاب الله الذي توعَّد به الكافرين، كما أن هذا الإقرار منهم لا يعتبر عاصمًا لدمائهم وأموالهم، ولا يدخلهم في دين الإسلام، بل هو من أعظم الحجج التي حجَّهم بها الرب ﵎ في القرآن: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٩]. يقول الإمام ابن تيمية: "وهذا التوحيد توحيد الربوبية العامة كان المشركون يقرون به، فهو وحده لا ينجي من نار ولا يدخل الجنة، بل

стр. 439

التوحيد المنجي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، بحيث يقر بأن الله هو المستحق للعبادة دون ما سواه، وأن محمدًا رسوله" (١). ويقول الإمام ابن القيم مؤكدًا هذا المعنى: "وأما ما فيه من التوحيد، وانتهاء الأمور إلى مشيئة الرب ﷻ ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فذلك عقد نظام الإيمان، ومع ذلك فلا يكفي وحده، إذ غايته تحقيق توحيد الربوبية الذي لا ينكره عباد الأصنام، وإنما الشأن في أمر آخر وراء هذا، هذا بابه، والمدخل إليه، والدليل عليه، ومنه يوصل إليه، وهو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، وعليه الثواب" (٢). فكلام ابن القيم: يدل على أهمية توحيد الربوبية، وأنه الأصل والأساس الذي يقوم عليه توحيد العبادة، كما سيأتي بيان ذلك مفصلًا في قاعدة مستقلة، ولكنه مع كل هذه المكانة إلا أنه لا يكفي ولا يفيد شيئًا إذا لم يقرن بتوحيد العبادة الذي هو غاية الله من بعثة الرسل. يقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "وقد عرفوا معنى لا إله إلا الله وأبوا على النطق والعمل بها، فلم ينفعهم توحيد الربوبية مع الشرك في الإلهية، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦] " (٣). * المسألة الثانية * أدلة القاعدة أذكر فيما يلي بعض الأدلة التي تدلل على صحة القاعدة وشرعيتها:

стр. 440

١ - إقرار المشركين بتوحيد الربوبية لا يدخلهم في الإسلام؛ لأن الإسلام هو التوحيد، وإفراده بالعبادة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، فالذي أقرَّ لله بالربوبية ولم يأت بلازمه من توحيد العبادة لم يحقق الإسلام الذي سمى الله تعالى أهله مسلمين، ووعدهم بالحسنى. يقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد سواه كما قال النبي ﷺ : "بُني الاسلامُ على خَمْس شَهَادةِ أنْ لَا إله إلّا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاةِ، وَصَوْم رَمَضَانَ، وحَج البَيتِ"" (١). فأخبر أن دين الإسلام مبني على هذه الأركان الخمسة: وهي الأعمال، فدل على أن الإسلام: هو عبادة الله وحده لا شريك له بفعل المأمور وترك المحظور، والإخلاص في ذلك لله، وقد تضمن ذلك جميع أنواع العبادة، فيجب إخلاصها لله تعالى، فمن أشرك بين الله تعالى وبين غيره في شيء فليس بمسلم" (٢). ٢ - أن توحيد الربوبية الذي أقرَّ به المشركون لم يقبله الله منهم، بل هو مردود عليهم، ولو كان إقرارهم هذا كافيًا عند الله تعالى لما أرسل الرسل وأنزل الكتب التي فيها الأمر بإفراده بالعبادة، كما قال عزَّ من قائل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. يقول الإمام الصنعاني: "الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يفردوه بتوحيد العبادة كل الإفراد؛ من اتخاذ الأنداد، فلا يتخذون له ندًا، ولا يدعون معه أحدًا، ولا يتكلون إلا عليه، ولا

стр. 441

يفزعون في كل حال إلا إليه، ولا يدعونه بغير أسمائه الحسنى، ولا يتوصلون إليه بالشفعاء" (١). ولذا من اتخذ غير عبادة الله وتوحيده دينًا، كان ولا بد متخذًا غير الله معبودًا، فكان ممن ابتغى غير دين الإسلام دينًا، فلا يقبل الله منه، ولذا يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. يقول الإمام ابن تيمية: "فبيَّن سبحانه أنه بهذا التوحيد بعث جميع الرسل، وأنه بعث إلى كل أمة رسولًا به، وهذا هو الإسلام الذي لا يقبل الله من الأولين ولا من الآخرين دينًا غيره" (٢). ٣ - أن إقرار المشركين بتوحيد الربوبية دون توحيد العبادة لم يعصم دماءهم ولم يحرّم أموالهم، بل أمر الله نبيه بقتالهم، فأوجب سفك دمائهم، وأحلَّ له أخذ أموالهم، وأباح سبي نساءهم، ولو كان اعترافهم وإيمانهم بربوبية الله تعالى نافعًا لهم لما أمر الله بقتالهم حتى يوحدوه ويفردوه بالعبادة، ولكان قتال النبي ﷺ لهم، وسفكه لدمائهم، وسبيه لذراريهم ونسائهم، هو عين الظلم والجور. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥]. يقول الإمام الطبري في تفسير الآية: "فإن رجعوا عما نهاهم عليه من الشرك بالله، وجحود نبوة نبيه محمد ﷺ إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد، والإقرار بنبوة محمد ﷺ ﴿وَأَقَامُواْ اَلصَّلَوةَ﴾، يقول: وأدوا ما فرض الله عليهم من الصلاة بحدودها، وأعطوا الزكاة التي أوجبها الله عليهم في أموالهم أهلها، ﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾،

стр. 442

يقول: فدعوهم يتصرفون في أمصاركم ويدخلون البيت الحرام" (١). ٤ - ثم لو كان اعترافهم هذا نافعًا لهم عند الله تعالى لما حجَّهم الله ﵎ به، وألزمهم بتوحيد الألوهية بسبب إقرارهم هذا، ولكنهم لما لم يأتوا بتوحيد العبادة صار إقرارهم هذا حجة عليهم (٢). * المسألة الثالثة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة نبَّه على هذه القاعدة، وقرر معناها جملة من أهل العلم، وفيما يأتي أنقل ما وقفت عليه من ذلك: يقول الإمام ابن القيم: "وأما توحيد الربوبية الذي أقرَّ به المسلم والكافر، وقرره أهل الكلام في كتبهم فلا يكفي وحده بل هو الحجة عليهم كما بيَّن ذلك سبحانه في كتابه الكريم في عدة مواضع، ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا" (٣). ويقول ﵀: "وكان توحيد الإلهية الذي كلمته (لا إله إلا الله) رأس الأمر، فأما توحيد الربوبية الذي أقر به كل المخلوقات فلا يكفي وحده وإن كان لا بد منه، وهو حجة على من أنكر توحيد الألوهية، فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقهم عليه إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم، وأن يكرمهم إذا قدموا عليه، وهذا كما أنه غاية محبوب العبد ومطلوبه، وبه سروره ولذته ونعيمه، فهو أيضًا محبوب الرب من عبده، ومطلوبه الذي يرضى به، ويفرح بتوبة عبده -إذا رجع إليه وإلى عبوديته وطاعته- أعظم من فرح من وجد راحلته التي عليها

стр. 443

طعامه وشرابه" (١). فأشار إلى أن توحيد الربوبية لا يكفي في اعتبار الإسلام، وإن كان لا بد منه، إذ لا يصح توحيد الألوهية إلا به، فهو كالأساس الذي يبنى عليه. ويؤكد -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا المعنى بقوله: "وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله تعالى بهم هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وهذا التوحيد هو معنى قولك لا إله إلا الله؛ فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور؛ سواء كان ملكًا أو نبيًا أو وليًا أو شجرة أو قبرًا أو جنيًا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرزاق المدبر" (٢). بل إن مشركي العرب مع إقرارهم بتوحيد الربوبية كانت لهم عبادات يفعلونها لله تعالى كالحج والصدقة وإخلاص الدعاء حال الشدة، وكان لهم نصيب من محبة الله ﵎ كما قال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥]. قال الزجاج في معنى الآية: "يحبون الأصنام كما يحبون الله؛ لأنهم أشركوها مع الله فسووا بين الله وبين أوثانهم في المحبة" (٣). لكن هذا الإقرار وهذه العبادات التي يفعلونها لم تنفعهم عند الله ﵎؛ لأنَّهم لم يخلصوا العبادة له .

стр. 444

يقول -الإمام المجدد-: الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ومنها آية البقرةِ في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٧] ذكر أنهم يُحبُّون أندادهم كحبِّ الله، فدلَّ عَلى أنهم يحبون الله حبًا عظيمًا ولم يُدْخلهم في الإسلام فكيف بمن أحبَّ النِّدَّ أكبر من حُبِّ الله!، فكيف بمن لم يُحِبَّ إلا النِّدَّ وحده ولم يُحِبَّ اللّه! " (١). ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "توحيد الربوبية، واعتقاد الفاعلية له تعالى لا يكفي في السعادة والنجاة، ولا يكون به الرجل مسلمًا حتى يعبد الله وحده، ويتبرأ مما سواه من الأنداد والآلهة" (٢). ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "ومجرد الإقرار بتوحيد الربوبية من أَن اللّه هو الخالق الرازق المدبر وحده لا يكفي في عصمة الدم والمال، ولا يكون به الرجل مسلمًا حتى يوحد الله تعالى في العبادة؛ فإن المشركين الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ كانوا مقرين بتوحيد الربوبية" (٣). ويقول الشيخ الشنقيطي: "والآيات الدالة على أن المشركين مقرون بربوبيته جلَّ وعلا ولم ينفعهم ذلك لإشراكهم معه غيره في حقوقه جلَّ وعلا كثيرة". ثم ذكر جملة منها ثم قال: "والآيات المذكورة صريحة في أن الاعتراف بربوبيته جلَّ وعلا لا يكفي في الدخول في دين الإسلام إلا

стр. 445

بتحقيق معنى لا إله إلا الله نفيًا وإثباتًا" (١). ويقول الشيخ الألباني مصرحًا بما تضمنته القاعدة: "فإن هذا التوحيد وهو المعروف عند العلماء بتوحيد الربوبية، كان يؤمن به المشركون الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]، ومع ذلك فلم ينفعهم هذا التوحيد شيئًا، لأنهم كفروا بتوحيد الألوهية والعبادة، وأنكروه على النبي ﷺ أشد الإنكار بقولهم فيما حكاه الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥]. ومن مقتضيات هذا التوحيد الذي أنكروه ترك الاستغاثة بغير الله، وترك الدعاء والذبح لغير الله، وغير ذلك مما هو خاص بالله تعالى من العبادات، فمن جعل شيئًا من ذلك لغير الله ﵎ فقد أشرك به، وجعل له ندًا وإن شهد له بتوحيد الربوبية، فالإيمان المنجي إنما هو الجمع بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وإفراد الله بذلك" (٢). * المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها من الفوائد التي دلت عليها القاعدة: أولًا: عظم مكانة توحيد الألوهية عند الله تعالى، وأنه رأس الأمر وأساس الملة، وهو الذي رضيه الله ﵎ لعباده، وأعدَّ لمن حققه جنات النعيم، والفوز المقيم، والسعادة في الدنيا والآخرة، وهذا لا يعني إهمال توحيد الربوبية، بل هو الأصل لتوحيد العبادة، ودليله الأكبر، وهو الباب الذي يدخل منه إلى عبادة الله ﵎.

стр. 446

ثانيًا: أن عدم انتفاع المشركين بإقرارهم بتوحيد الربوبية بسبب أنهم لم يأتوا بلازمه؛ إذ إن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية كما سيأتي بيانه، فإذا تخلف توحيد العبادة ولم يحصل دلَّ ذلك على عدم اعتبار توحيد الربوبية، إذ لو كان نافعًا لأتى بلازمه من توحيد العبادة. يقول الإمام الصنعاني: "ومع هذا كله فهم مقرون لله تعالى بالربوبية، وأنه الخالق، ولكنهم لما أشركوا في عبادته جعلهم مشركين ولم يعتد بإقرارهم هذا؛ لأنَّه نافاه فعلهم، فلم ينفعهم الإقرار بتوحيد الربوبية، فمن شأن من أقر لله تعالى بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة، فإذا لم يفعل ذلك فالإقرار الأول باطل. وقد عرفوا ذلك وهم في طبقات النار فقالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء:٩٧، ٩٨] مع أنهم لم يسووهم به من كل وجه، ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين، لكنهم علموا إذ صاروا في النار وهم في قعر جهنم أن خلطهم الإقرار بذرة من ذرات الإشراك وعدم توحيد العبادة صيرهم كمن سوى بين الأصنام وبين ربّ الأنام. ثالثًا: في القاعدة رد على أهل الكلام والتصوف الذين جعلوا من أتى بتوحيد الربوبية فقد أتى بالإسلام التام، وصار من المؤمنين الذين يستحقون الجنة والنجاة من النار، ولا شك في بطلان هذا الزعم؛ لأن هذا التوحيد لو كان كافيًا في أصل الإسلام لكفى المشركين الذين أقروا به. يقول شيخ الإسلام في معرض رده على المتكلمين: "وأدخلوا في التوحيد والإسلام أمورًا باطلة ظنوها من التوحيد وهي تنافيه، وأخرجوا من الإسلام والتوحيد أمورًا عظيمة لم يظنوها من التوحيد وهي أصله، فأكثر هؤلاء المتكلمين لا يجعلون التوحيد إلا ما يتعلق بالقول والرأي واعتقاد ذلك دون ما يتعلق بالعمل والإرادة واعتقاد ذلك، بل التوحيد الذي لا بد منه لا يكون إلا بتوحيد الإرادة والقصد، وهو توحيد العبادة،

стр. 447

وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله أن يقصد الله بالعبادة ويريده بذلك دون ما سواه" (١). ويقول الإمام اللغوي ابن منظور (٢): "اللَّهُمَّ إنا نسألك صحة التوحيد، والإخلاص في الإيمان؛ انظر إلى هؤلاء: لم ينفعهم طوافهم، ولا تلبيتهم، ولا قولهم عن الصنم: (هو لك)، ولا قولهم: (تملكه وما ملك)، مع تسميتهم الصنم شريكًا، بل حبط عملهم بهذه التسمية، ولم يصح لهم التوحيد مع الاستثناء، ولا نفعتهم معذرتهم بقولهم: إلا ليقربونا إلى الله زلفى" (٣).

стр. 448

المبحث الثالث قاعدة توحيد الربوبية أقرت به الخلائق مؤمنها وكافرها ولم ينكره إلا الشذاذ من العالم وفيه مسائل: * المسألة الأولى* بيان بعض ألفاظ القاعدة معنى توحيد الربوبية: توحيد الربوبية معناه: الاعتقاد الجازم، والإيمان القاطع بإفراد الله يختص به من أفعاله ، هو وحده ربُّ كلّ شيء ومليكه، وهو الخالق لهذا الكون والمدبّر له، لم يشركه في خلقه أحد؛ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا منازع له في شيء من خصائص ربوبيته، ولا شريك له في شيء من ملكه، وبهذه المعاني السالفة أو بعضها عرَّفه أهل العلم، وفيما يلي أذكر ما وقفت عليه من ذلك: عرَّفه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "فتوحيد الربوبية: أنه لا خالق إلا الله، فلا يستقل شيء سواه بإحداث أمر من الأمور، بل ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن" (١).

стр. 449

وعرَّفه -الإمام المجدد- محمد بن عبد الوهاب: "توحيد الربوبية: فعل الرب مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة وإنزال المطر وإنبات النبات وتدبير الأمور" (١). وعرَّفه سليمان آل الشيخ بقوله: "توحيد الربوبية والملك: وهو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء، ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر" (٢). وعرَّفه الإمام الصنعاني بقوله بعد ما ذكر أن التوحيد قسمان: "القسم الأول: توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها؛ ومعناه: أن الله تعالى وحده هو الخالق للعالم، وهو الرب لهم والرازق لهم" (٣). وعرَّف الزَّبِيدِي (٤) مَنْ حَقَّق (توحيد الربوبية) بقوله: "التَّوْحِيدُ تَوْحِيدَانِ: تَوْحِيد الرُّبُوبِيَّة وتَوْحِيدُ الإلهِية؛ فصاحِبُ تَوْحِيد الرَّبَّانيَّةِ: يَشْهَد قَيُّومِيَّةَ الرَّبِ فَوْقَ عَرْشِه يُدَبِّرُ أَمْرَ عِبادِهِ وَحْدَه، فلا خالِقَ ولا رَازِقَ ولا

стр. 450

مُعْطِيَ ولا مَانِعَ ولا مُحْيِيَ ولا مُمِيتَ، ولا مُدَبِّرَ لأَمْرِ المَمْلَكَةِ ظَاهِرًا وباطِنًا غيرُه، فما شاءَ كانَ وما لم يَشَأ لم يَكُنْ، ولا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، ولا يَجُوز حادِثٌ إِلا بِمَشِيئَتِهِ، ولا تَسْقُط وَرَقَةٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ، ولا يَعْزُب عنه مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأَرْضِ ولا أَصْغَرُ مِن ذلك ولا أَكْبَرُ إِلَّا وقد أَحْصَاهَا عِلْمُه، وأَحاطتْ بها قُدْرَتُه، ونَفَذَتْ فيها مَشِيْئَتُه، واقْتَضَتْهَا حِكْمَتُه" (١). وعرَّفه الشيخ السعدي بقوله: "توحيد الربوبية: بأن يعتقد العبد أن الله هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير، الذي ربى جميع الخلق بالنعم، وربى خواص خلقه وهم الأنبياء وأتباعهم بالعقائد الصحيحة، والأخلاق الجميلة، والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة، وهذه التربية النافعة للقلوب والأرواح المثمرة لسعادة الدارين" (٢). وعرَّفه الشيخ الحكمي بقوله: "فإذا عرفت أن توحيد الربوبية هو الإقرار بأن الله تعالى هو الخالق الرازق، المحي المميت، المدبر لجميع الأمور، المتصرف في كل مخلوقاته، لا شريك له في ملكه، فضد ذلك: هو اعتقاد العبد وجود متصرف مع الله غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله " (٣). ومما سبق يتبين لنا معنى توحيد الربوبية، وهو إفراد الله تعالى بأفعاله، ولا شك أن أفعال الله كثيرة، كالخلق والرَّزق، والإحياء، والإماتة، وتدبير الكون، والنفع والضر، والشفاء، والإجارة، وإجابة دعوة المضطر، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، فيعتقد المسلم اعتقادًا جازمًا بأن هذه الأفعال خاصة بالله ﵎، لا يشركه فيها أحد من

стр. 451

خلقه لا ملك مقرَّب ولا نبيّ مرسل (١). ومما ينبغي التنبيه عليه أن ربوبية الله تعالى على خلقه قسمان: ١ - ربوبية عامة، وهي شاملة لجميع ما خلقه الله تعالى في هذا الكون، من الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير وغير ذلك مما فيه صلاح دنياهم، واستقامة معايشهم، وسلامة أبدانهم، وهذا مما يشترك فيه المؤمن والكافر، والبرّ والفاجر. ٢ - ربوبية خاصة، وهي ربوبية الهداية والرشاد، والتأييد والنصر على الأعداء، وهي متعلقة بخواص الخلق من الأنبياء وأتباعهم من أهل الإيمان والصلاح، فيربيهم بالإيمان والطاعة، وبالعلوم النافعة، والعقائد الصحيحة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، وهذه هي التربية النافعة للقلوب والأرواح، المثمرة للسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة (٢). ولما كانت حاجة الأنبياء والأولياء من المؤمنين إلى ربوبيته تعالى الخاصة ملحةً وعظيمةً، بحيث لا يستغنون عنها طرفة عين ناسب أن تكون غالب أدعيتهم بلفظ (الرب) دون لفظ (الإله)، إذ إن مطالبهم كلها مندرجة تحت ربوبيته الخاصة (٣). يقول الإمام ابن تيمية: "ونظيرها من بعض الوجوه: الربوبية والعبودية؛ فإنهما وإن اشتركتا في أصل الربوبية والعبودية، فلما قال: ﴿ ... بِرَبِّ اَلعَلَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ (١٢٢) [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]، كانت ربوبية موسى وهارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق؛ فإن من أعطاه الله من الكمال أكثر مما أعطى غيره فقد ربه ورباه ربوبية وتربية

стр. 452

أكمل من غيره" (١). ويقول أيضًا: "فالعبد مع شهوده الربوبية العامة الشاملة للمؤمن والكافر والبر والفاجر؛ عليه أن يشهد ألوهيته التي اختص بها عباده المؤمنين الذين عبدوه وأطاعوا أمره واتبعوا رسله" (٢). ويقول - الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "السابعة عشرة: فى أول اقرأ: الربوبية العامة، وأول المدثر: الربوبية الخاصة" (٣). وكلاهما من فعل الرب ﵎ لا يخرج منهما شيء عن خلقه وتدبيره . * المسألة الثانية* معنى القاعدة دلَّت القاعدة على إقرار واعتراف جميع الخلائق بربوبية الله تعالى العامة، وأنه الخالق لهذا الكون فلا تخرج مثقال ذرة منه عن خلقه وعلمه وتدبيره وإحاطته ﵎، كما أنه المالك لهذا الكون الملك التام الذي لا ينازعه فيه أحد من الخلق لا ملك مقرَّب، ولا نبيّ مرسل، أحكم كل شيء خلقه، وأتقنه بعلمه وحكمته، فكل مشرك وملحد يقرّ بذلك في نفسه، وإن جحده بلسانه. يقول الإمام ابن تيمية: "فالكفار المشركون مقرون أن الله خالق السماوات والأرض، وليس في جميع الكفار من جعل لله شريكًا مساويًا له في ذاته، وصفاته، وأفعاله، هذا لم يقله أحد قط، لا من المجوس الثنوية، ولا من أهل التثليث، ولا من الصابئة المشركين الذين يعبدون

стр. 453

الكواكب والملائكة، ولا من عُباد الأنبياء والصالحين، ولا من عُباد التماثيل والقبور، وغيرهم؛ فإن جميع هؤلاء وإن كانوا كفارًا، مشركين، متنوعين في الشرك، فهم مقرون بالرب الحق الذي ليس له مثل في ذاته، وصفاته، وجميع أفعاله، ولكنهم مع هذا مشركون به في ألوهيته بأن يعبدوا معه آلهة أخرى يتخذونها شفعاء أو شركاء، أو في ربوبيته بأن يجعلوا غيره رب بعض الكائنات دونه، مع اعترافهم بأنه رب ذلك الرب، وخالق ذلك الخلق" (١). ويقول ابن أبي العز الحنفي: "وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] " (٢). كما أن القاعدة دلَّت على أنه لم ينكر إفراد الله بالربوبية، واختصاصه بالخلق والملك والتدبير إلا من شذَّ من أهل الأرض. ثم إن من أشهر من أنكر توحيد الله تعالى جملة وتفصيلًا في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته هو فرعون -عليه لعنة الله-. يقول الإمام محمد الأمين الشنقيطي: "أما تجاهل فرعون لعنه الله لربوبيته جلَّ وعلا في قوله: ﴿قَالَ فِرغَوْنُ وَمَا رَبُّ اَلْعلمِينَ (٢٣)﴾ [الشعراء: ٢٣]، فإنه تجاهل عارف؛ لأنَّه عبد مربوب كما دل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] " (٣).

стр. 454

ويقول الإمام ابن أبي العز: "وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنًا به في الباطن كما قال له موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾، وقال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، ولهذا لما قال: ﴿وَمَا رَبُّ اَلعلَمِينَ (٢٣)﴾ على وجه الإنكار له تجاهل العارف قال له موسى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٨] " (١). يقول الشيخ حافظ الحكمي: "توحيد الربوبية لم ينكره أحد إلا مكابرة؛ كفرعون، ونمرود، والثنوية الذين اعتقدوا للوجود خالقين اثنين تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا" (٢). والمقصود هنا: أن من أنكر توحيد الربوبية إنما أنكره مكابرة وعنادًا، ومنهم من أسند الخلق إلى النور أو الظلمة أو غير ذلك، ولكنهم على اختلاف فرقهم لم يثبتوا صانعين للعالم متماثلين في الصفات والأفعال. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وذلك أن المشركين من جميع الأمم لم يكن أحد منهم يقول إن للمخلوقات خالقين منفصلين متماثلين في الصفات، فإن هذا لم يقله طائفة معروفة من بني آدم، ولكن الثنوية (٣)

стр. 455

من المجوس ونحوهم يقولون: إن العالم صادر عن أصلين؛ النور والظلمة، والنور عندهم هو إله الخير المحمود، والظلمة هي الإله الشرير المذموم، وبعضهم يقول: إن الظلمة هي الشيطان؛ وهذا ليجعلوا ما في العالم من الشر صادرًا عن الظلمة" (١). ويقول ﵀ أيضًا في بيان شرك قوم إبراهيم وأنهم ممن أقرَّ بالخالق: "والمقصود هنا: أن المشركين لم يكونوا يثبتون مع الله إلهًا آخر مساويًا له في الصفات والأفعال، بل ولا كانوا يقولون: إن الكواكب والشمس والقمر خلقت العالم، ولا أن الأصنام تخلق شيئًا من العالم، ومن ظن أن قوم إبراهيم الخليل كانوا يعتقدون أن النجم أو الشمس أو القمر رب العالمين، أو أن الخليل ﵇ لما قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾، أراد به (رب العالمين)، فقد غلط غلطًا بينًا، بل قوم إبراهيم كانوا مقرين بالصانع وكانوا يشركون بعبادته كأمثالهم من المشركين، قال تعالى عن الخليل: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ [الشعراء: ٧٧]، فأخبر تعالى عن الخليل: أنه عدو لكل ما يعبدونه إلا لرب العالمين، وأخبر أنهم يقولون يوم القيامة: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: [٩٧، ٩٨] ... وقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٩]، ولم يقل: من المعطلين؛ فإن قومه كانوا يشركون ولم يكونوا معطلين كفرعون اللعين، فلم يكونوا جاحدين للصانع، بل عدلوا به وجعلوا له أندادًا في العبادة والمحبة والدعاء" (٢).

стр. 456

* المسألة الثالثة* أدلة القاعدة دلَّ على صحة القاعدة أدلة كثيرة أذكر بعضًا منها فيما يلي: أولًا: ما ذكره في كتابه الكريم من إقرار المشركين بكونه الخالق والرازق وأن المُلْكَ بيده، والكون تحت قهره وقدرته، وأنه المحيي المميت، وكونه يجير ولا يجار عليه، إلى غير ذلك من صفات الربوبية، وأفعال الرب ﵎، ومن ذلك الآيات: قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ [العنكبوت:٦١]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان: ٢٥]، وقوله : ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]، وقوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ [العنكبوت: ٦٣]، وقال عزَّ من قائل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ [الزمر: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف:٨٧]،و قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦].

стр. 457

فجميع ما سبق من آيات فيها إقرار المشركين بربوبية الله تعالى وكونه الخالق والمالك والمدبر لكل ما في الكون، وفيما يلي بعض أقوال المفسرين في هذه الآيات: روى الإمام الطبري عن ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]: "قال من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماء، ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال، قالوا: الله، وهم مشركون" (١). ويقول الإمام ابن جرير: "يقول تعالى ذكره ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله: من خلق السماوات والأرض فسواهن وسخر الشمس والقمر لعباده يجريان دائبين لمصالح خلق الله، ليقولن الذي خلق ذلك وفعله الله، ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف: ٨٧] يقول جلَّ ثناؤه: فأنى يصرفون عمن صنع ذلك فيعدلون عن إخلاص العبادة له" (٢). ويقول الرازي في تفسيره: "الأصل الأول: هو أن هؤلاء المشركين مقرون بوجود الإله القادر العالم الحكيم الرحيم، وهو المراد بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] " (٣). ويقول يحيى العمراني: "وقد علمنا أن الكفار عرفوا بعقولهم أن الله خلقهم وأنه خلق السموات والأرض، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]، ويعرفون أيضًا أنه لا ينجيهم من ظلمات البر والبحر إلا الله، ويدعون إلى الله أن ينجيهم، وبذلك أخبر الله عنهم" (٤). ويقول الإمام ابن تيمية: "وأما قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ

стр. 458

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، فالاستفهام عن عين الخالق للتمييز بينه وبين الآلهة التي تعبد؛ فإن المستفهمين بها كانوا مقرين بصفة الخالق، وإنما طلب بالاستفهام تعيينه وتمييزه ولتقام عليهم الحجة باستحقاقه وحده العبادة" (١). ويقول ﵀: "وقد أخبر عن الكفار أنهم يعرفونه مع ردهم على رسله قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف: ٨٧]، مع آيات كثيرة وذلك موجود منهم ضرورة، وهم في الجاهلية يعرفونه ولا ينكرونه ويقولون: إلهنا القديم والعتيق، وإله الآلهة، ورب الأرباب، وغير ذلك من كفرهم" (٢). ويقول ابن كثير: "ثم قال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾؛ أي: ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره من خلقهم ليقولن الله؛ أي: يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعًا وحده لا شريك له في ذلك" (٣). ويقول الإمام ابن أبي العز: "فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السموات والأرض واحد كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥]، ومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام: أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم؛ من الهند والترك والبربر وغيرهم" (٤).

стр. 459

ويقول الشيخ المعلمي (١): "وأما الفريق الثاني فمنهم مشركو العرب، فإنهم كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق والرازق والمدبر إلى غير ذلك، وفي كتاب الله تعالى الشهادة عليهم بذلك في مواضع كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١، ٣٢] ثم ذكر آيات كثيرة ثم قال: "ففي هذه الآيات أن المشركين كانوا معترفين بوجود الله ، وأنه الذي يرزقهم من السماء والأرض، والذي يملك السمع والأبصار، والذي يخرج الحيّ من الميت، ويخرج الميّت من الحيّ، والذي يدبر الأمر، والذي له السموات والأرض، وأنه رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، وأنه بيده ملكوت كل شيء، وأنه يجير ولا يجار عليه، وأنه الذي خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر، وأنه الذي ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها، وأنه العزيز العليم، وفي القراَن آيات كثيرة تشهد على المشركين باعترافهم بتفرد الله بما تقدم من الصفات وغيرها، وإن لم يكن ذلك مثل ما تقدم في الصراحة" (٢).

стр. 460

يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]، قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعامر الشعبي، وأكثر المفسرين (١): إن معنى هذه الآية أن أكثر الناس وهم الكفار ما كانوا يؤمنون بالله بتوحيدهم له في ربوبيته، إلا وهم مشركون به غيره في عبادته. فالمراد بإيمانهم: اعترافهم بأنه ربهم الذي هو خالقهم، ومدبر شؤونهم، والمراد بشركهم: عبادتهم غيره معه، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدًا" (٢). ثانيًا: أن الله تعالى حجَّ المشركين بإقرارهم بتوحيد الربوبية، وألزمهم بتوحيد الألوهية، فلو لم يكونوا مقرين به لما كان للاحتجاج معنى؛ فإن توحيد الربوبية هو الأصل الذي ينبني عليه توحيد العبادة، ولكانت مجرد دعوى: يقول الشيخ المعلمي: "فإن كل آية ذكر الله تعالى بها نفسه بأنه الخالق أو الرازق، أو غير ذلك من نعوت الكمال، وكان مساق الكلام على إقامة الحجة على المشركين، فهي من هذا القبيل، إذ لو لم يكن المشركون يقرون بأن الله هو وحده فالق الإصباح وجاعل الليل سكنًا إلخ، لكان ذكر ذلك دعوى فقط لا تكون حجة عليهم في إبطال شركهم، والحكيم لا يحتج بما هو دعوى مجردة، ومن هذا القبيل (الفاتحة) فلولا أن المشركين يعترفون بأن الله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لما كان في ذلك حجة عليهم يثبت بها ما تضمنه قوله: ﴿إيَّاكَ
следующие страницы →