* المسألة الثالثة* أدلة القاعدة
دلَّ على صحة القاعدة أدلة كثيرة أذكر بعضًا منها فيما يلي:
أولًا: ما ذكره في كتابه الكريم من إقرار المشركين بكونه الخالق والرازق وأن المُلْكَ بيده، والكون تحت قهره وقدرته، وأنه المحيي المميت، وكونه يجير ولا يجار عليه، إلى غير ذلك من صفات الربوبية، وأفعال الرب ﵎، ومن ذلك الآيات:
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ [العنكبوت:٦١]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان: ٢٥]، وقوله : ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]، وقوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ [العنكبوت: ٦٣]، وقال عزَّ من قائل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ [الزمر: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف:٨٧]،و قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦].
стр. 457
فجميع ما سبق من آيات فيها إقرار المشركين بربوبية الله تعالى وكونه الخالق والمالك والمدبر لكل ما في الكون، وفيما يلي بعض أقوال المفسرين في هذه الآيات:
روى الإمام الطبري عن ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]: "قال من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماء، ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال، قالوا: الله، وهم مشركون" (١).
ويقول الإمام ابن جرير: "يقول تعالى ذكره ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله: من خلق السماوات والأرض فسواهن وسخر الشمس والقمر لعباده يجريان دائبين لمصالح خلق الله، ليقولن الذي خلق ذلك وفعله الله، ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف: ٨٧] يقول جلَّ ثناؤه: فأنى يصرفون عمن صنع ذلك فيعدلون عن إخلاص العبادة له" (٢).
ويقول الرازي في تفسيره: "الأصل الأول: هو أن هؤلاء المشركين مقرون بوجود الإله القادر العالم الحكيم الرحيم، وهو المراد بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] " (٣).
ويقول يحيى العمراني: "وقد علمنا أن الكفار عرفوا بعقولهم أن الله خلقهم وأنه خلق السموات والأرض، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]، ويعرفون أيضًا أنه لا ينجيهم من ظلمات البر والبحر إلا الله، ويدعون إلى الله أن ينجيهم، وبذلك أخبر الله عنهم" (٤).
ويقول الإمام ابن تيمية: "وأما قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ
стр. 458
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، فالاستفهام عن عين الخالق للتمييز بينه وبين الآلهة التي تعبد؛ فإن المستفهمين بها كانوا مقرين بصفة الخالق، وإنما طلب بالاستفهام تعيينه وتمييزه ولتقام عليهم الحجة باستحقاقه وحده العبادة" (١).
ويقول ﵀: "وقد أخبر عن الكفار أنهم يعرفونه مع ردهم على رسله قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف: ٨٧]، مع آيات كثيرة وذلك موجود منهم ضرورة، وهم في الجاهلية يعرفونه ولا ينكرونه ويقولون: إلهنا القديم والعتيق، وإله الآلهة، ورب الأرباب، وغير ذلك من كفرهم" (٢).
ويقول ابن كثير: "ثم قال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾؛ أي: ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره من خلقهم ليقولن الله؛ أي: يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعًا وحده لا شريك له في ذلك" (٣).
ويقول الإمام ابن أبي العز: "فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السموات والأرض واحد كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥]، ومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام: أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم؛ من الهند والترك والبربر وغيرهم" (٤).
стр. 459
ويقول الشيخ المعلمي (١): "وأما الفريق الثاني فمنهم مشركو العرب، فإنهم كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق والرازق والمدبر إلى غير ذلك، وفي كتاب الله تعالى الشهادة عليهم بذلك في مواضع كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١، ٣٢] ثم ذكر آيات كثيرة ثم قال: "ففي هذه الآيات أن المشركين كانوا معترفين بوجود الله ، وأنه الذي يرزقهم من السماء والأرض، والذي يملك السمع والأبصار، والذي يخرج الحيّ من الميت، ويخرج الميّت من الحيّ، والذي يدبر الأمر، والذي له السموات والأرض، وأنه رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، وأنه بيده ملكوت كل شيء، وأنه يجير ولا يجار عليه، وأنه الذي خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر، وأنه الذي ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها، وأنه العزيز العليم، وفي القراَن آيات كثيرة تشهد على المشركين باعترافهم بتفرد الله بما تقدم من الصفات وغيرها، وإن لم يكن ذلك مثل ما تقدم في الصراحة" (٢).
стр. 460
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]، قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعامر الشعبي، وأكثر المفسرين (١): إن معنى هذه الآية أن أكثر الناس وهم الكفار ما كانوا يؤمنون بالله بتوحيدهم له في ربوبيته، إلا وهم مشركون به غيره في عبادته.
فالمراد بإيمانهم: اعترافهم بأنه ربهم الذي هو خالقهم، ومدبر شؤونهم، والمراد بشركهم: عبادتهم غيره معه، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدًا" (٢).
ثانيًا: أن الله تعالى حجَّ المشركين بإقرارهم بتوحيد الربوبية، وألزمهم بتوحيد الألوهية، فلو لم يكونوا مقرين به لما كان للاحتجاج معنى؛ فإن توحيد الربوبية هو الأصل الذي ينبني عليه توحيد العبادة، ولكانت مجرد دعوى:
يقول الشيخ المعلمي: "فإن كل آية ذكر الله تعالى بها نفسه بأنه الخالق أو الرازق، أو غير ذلك من نعوت الكمال، وكان مساق الكلام على إقامة الحجة على المشركين، فهي من هذا القبيل، إذ لو لم يكن المشركون يقرون بأن الله هو وحده فالق الإصباح وجاعل الليل سكنًا إلخ، لكان ذكر ذلك دعوى فقط لا تكون حجة عليهم في إبطال شركهم، والحكيم لا يحتج بما هو دعوى مجردة، ومن هذا القبيل (الفاتحة) فلولا أن المشركين يعترفون بأن الله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لما كان في ذلك حجة عليهم يثبت بها ما تضمنه قوله: ﴿إيَّاكَ
стр. 461
نَعبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، فإن قلت: فإنهم لا يؤمنون بيوم الدين، قلت: لكنهم لو قيل لهم إذا فرض أن يوم الدين حق فمن يكون مالكه لقالوا الله فتدبر هذا المعنى حق تدبّره ثم اقرأ القرآن تجده مملوء بالحجج على أن المشركين كانوا يعترفون بالله وصفاته، وإنما زاغوا في انفراده باستحقاق العبادة، والله أعلم" (١).
ثالثًا: أن الله تعالى أقرَّ المشركين على هذا الاعتراف بربوبيته، ولو كان باطلًا لأكذبهم ، فلما صدقهم دلَّ على صدق ما اعترفوا به:
يقول الإمام ابن حزم في شأن اعتراف المشركين بربوبية الله تعالى، وإقرار الله ﵎ لهم: "قال أبو محمد: ولم يكذبهم في ذلك أصلًا، بل حكى هذا القول عنهم كما حكى تعالى أيضًا قولهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ولو أنكر قولهم ذلك لأكذبهم، فإذ لم يكذبهم فلقد صدقهم في ذلك والحمد لله رب العالمين" (٢).
رابعًا: دلَّ على ثبوت إقرار المشركين بتوحيد الربوبية دلالة الفطرة التي فطروا عليها، فإنهم فطروا على الإقرار بالله ﵎، ولذلك كان من ضرورة كل نفس الإيمان بوجود الخالق؛ لأن تلك هي الفطرة التي لا يستطيع أحد من البشر إنكارها بقلبه وإن أنكرها بلسانه:
يقول الإمام ابن القيم في بيان كون إقرار المشركين بالربوبية من مقتضيات فطرتهم التي فطروا عليها: "ثم قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وهذا يقتضي إقرارهم بربوبيته إقرارًا تقوم عليهم به الحجة، وهذا إنما هو الإقرار الذي احتج به عليهم على ألسنة رسله كقوله تعالى: ﴿قَالَت رُسُلُهُم أَفِى اللهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقوله: ﴿وَلَئِن
стр. 462
سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اَللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥]، ونظائر ذلك كثيرة يحتج عليهم بما فطروا عليه من الإقرار بربهم وفاطرهم" (١).
ويقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: "فإن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل، فإنه مركوز في الفطر" (٢).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "الأول: توحيده في ربوبيته وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء" (٣).
* المسألة الرابعة* أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة
تضافرت أقوال أهل العلم على تأييد هذه القاعدة، كما اعتبرها بعض العلماء من أهم قواعد الدين، إذ فيها التفريق بين أهل التوحيد والإيمان وأهل الشرك والكفران:
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد توحيد الربوبية" (٤).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ونحن نُعَلِّمُه أكثر من سنة: أن هذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، فالله الله في التفطن لهذه المسألة، فإنها الفارقة بين الكفر والإسلام" (٥).
ويقول -الإمام المجدد- في بيان القواعد الأربع: "وذلك بمعرفة أربع قواعد ذَكرها اللهُ تعالى في كتابه: القاعدة الأولى: أن تَعْلَم أنَّ
стр. 463
الكفار الذين قاتلهم رسولُ الله ﷺ مُقِرُّون بأنَّ اللهَ تعالى هو الخالقُ المدَبِّر، وأنَّ ذلك لم يدخلهم في الإسلام، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١] " (١).
وذكر هذه القاعدة الإمام المحدث محمد بن إسماعيل الصنعاني اليمني وجعلها من أصول التوحيد، فقال: الأصل الرابع: أن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم مقرون أن الله خالقهم. قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وأنه الذي خلق السموات والأرض: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩].
وبأنه الرّازق الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وأنه الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس:٣١]، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].
وهذا فرعون مع غلوه في كفره ودعواه أقبح دعوى ونطقه بالكلمة الشنعاء، يقول الله في حقه حاكيًا عن موسى ﵇: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقال إبليس
стр. 464
اللعين: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ [الحشر: ١٦]، وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩]، وقال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ [الحجر: ٣٦].
وكل مشرك مقر بأن الله خالقه وخالق السموات والأرض وربهن ورب ما فيهما ورازقهم، ولهذا تحتج عليهم الرسل بقولهم: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، وبقولهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]، والمشركون مقرون بذلك لا ينكرونه" (١).
ويقول الإمام ابن جرير الطبري عقب ذكره لتفسير مجاهد لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] وتقييده ذلك باليهود والنصارى: "وأحسب أن الذي دعا مجاهدًا إلى هذا التأويل، وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دون غيرهم، الظن منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أن الله خالقها ورازقها بجحودها وحدانية ربها، وإشراكها معه في العبادة غيره.
وإن ذلك لقول؛ ولكن الله جلَّ ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها: أنها كانت تقر بوحدانيته، غير أنها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها، فقال جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١].
فالذي هو أولى بتأويل قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾: إذ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانية الله، وأنه مبدع الخلق، وخالقهم، ورازقهم نظير الذي كان من ذلك عند أهل الكتابين، ولم يكن في الآية
стр. 465
دلالة على أن اللّه جلَّ ثناؤه عنى بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ أحد الحزبين بل مخرج الخطاب بذلك عام للناس كافة لهم" (١).
ويقول الرازي في تفسيره: "دلائل وجود الله تعالى ظاهرة، وهي دلائل الآفاق والأنفس، وقلما توجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله تعالى؛ ولذلك قال تعالى في صفة الكفار: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥].
قال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي ﵀ وختم له بالحسن-: دخلت بلاد الهند فرأيت أولئك الكفار مطبقين على الاعتراف بوجود الإله، وأكثر بلاد الترك أيضًا كذلك، وإنما الشأن في عبادة الأوثان؛ فإنها آفة عمت أكثر أطراف الأرض، وهكذا الأمر كان في الزمان القديم؛ أعني: زمان نوح وهود وصالح ﵈ فهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يمنعونهم من عبادة الأصنام، فكان قوله: ﴿اعْبُدُواْ اَللَّهَ﴾ [المائدة: ١١٧]؛ معناه: لا تعبدوا غير الله (٢)، والدليل عليه أنه قال عقيبه: ﴿مَا لَكُم مِّن إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وذلك يدل على أن المقصود من هذا الكلام منعهم عن الاشتغال بعبادة الأصنام" (٣).
ويؤيد الإمام المقريزي هذه القاعدة بقوله: "ولا ريب أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، بل أقروا بأنه سبحانه وحده خالقهم وخالق السموات والأرض والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا توحيد الإلهية والمحبة، كما حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن
стр. 466
يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] ... فتوحيد الربوبية هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الإلهية مفرق الطرق بين المؤمنين والمشركين" (١).
ويقول ﵀ أيضًا: "فالعبادة هي التي ما وجدت الخلائق كلها إلّا لأجلها" (٢).
ويقول الشيخ النعمي (٣): "وتتبعنا في كتاب الله فصول تراكيبه، وأصول أساليبه، فلم نجده تعالى حكى عن المشركين أن آلهتهم وشركاءهم التي عبدوها من دونه: تخلق، ترزق، تحيي، تميت، تنزل من السماء ماء، تخرج الحي من الميت، والميت من الحي، تأتي بالضياء والظلمة، تنبت حدائق ذات بهجة، أو أنها جعلت الأرض قرارًا، وخلالها أنهارًا، ولها رواسي، وبين البحرين حاجزًا، أو تجيب المضطر إذا دعا، وتكشف السوء والبلوى، أو تؤتي الملك من تشاء، وتنزعه ممن تشاء، وتعز وتذل وتهدي في ظلمات البر والبحر، وترسل الرياح بشرًا بين يدي المطر.
بل إذا سئلوا دانوا وأذعنوا له تعالى بالاختصاص والانفراد فيما حكى عنهم بقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ
стр. 467
الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٧]، فهذا شرك القوم واتخاذهم الآلهة الذي كان سببًا أن سجّل عليهم ربهم الكريم بالشرك والغي والضلالة والكفر والظلم والجهالة" (١).
* المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
فيما يأتي بعض الفوائد التي ظهرت لي من خلال دراسة هذه القاعدة:
أولًا: أن الإقرار بتوحيد الربوبية أمر فطري فطر الله عليه عباده، وهو مستقر في نفس كل إنسان ولذا لم تكن خصومة الرسل مع أقوامهم في تقريره وإثباته؛ إذ إنه لا يحتاج إلى دليل.
ثانيًا: إقرار المشركين بتوحيد الربوبية لا يصح منهم ولا يقبل منهم، ولا يثابون عليه يوم القيامة؛ لأنَّهم لم يأتوا به على الوجه الصحيح، وهو القيام بلازمه من توحيد العبادة، وعليه فلا يقال: إن المشركين وحدوا الله في ربوبيته؛ إذ إن إقرارهم لا قيمة له عند الله ﵎.
стр. 468
المبحث الرابع
قاعدة الربوبية والألوهية مفهومان متغايران فإذا اقترنا افترقا وإذا افترقا اقترنا
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى* شرح ألفاظ القاعدة
بيان معنى الرب والاله في القاعدة:
أولًا .. معنى الرب:
يتبين معنى الربوبية ببيان معنى الرب في اللغة، وهو يطلق على عدة معانٍ:
الأول: السيد المطاع.
الثاني: المصلح للشيء المدبر له.
الثالث: المالك للشيء.
الرابع: المعبود.
وقد تطلق كلمة (رب) على غير هذه المعاني، ولكنها عند التأمل تعود إليها.
стр. 469
يقول الإمام الأزهري (١): "الرّبّ هو الله ﵎، هو رَبُّ كُلّ شيء؛ أي: مالكه وله الرّبُوبيّة على جَميع الخَلْق لا شَريك له، ويقال: فلانٌ رَبّ هذا الشيء؛ أي: مِلْكه له، ولا يُقال: الرّب بالألف واللام لغير الله، وهو رَبّ الأَرْباب، ومالك المُلوك والأمْلاك، وكُل مَن مَلك شيئًا فهو رَبُّه، والعَرب تقول: لأن يَرُبَّني فلانٌ أَحَبّ إليّ من أن يَرُبّني فلان؛ يعني: أن يَكون رَبًّا فوقي وسَيّدًا يَمْلكني، والرَّبّ يَنْقسم على ثلاثة أَقْسام؛ يكون الرَّبُّ المالك، ويكون الرَّبّ السيِّدُ المُطاع، ويكون الرَّبُّ المُصْلح، رَبَّ الشيءَ؛ أي: أَصْلحه" (٢).
ويقول الإمام الطبري: "وقد يتصرف أيضًا معنى الرب في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة، فربنا جلَّ ثناؤه السيد الذي لا شبه له ولا مثل في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر" (٣).
وأما الرب المعرَّف بالألف واللام بدون إضافة فلا يطلق إلا على الله ﵎، لكن يطلق على المخلوق ما كان مضافًا كرب الدار، ورب البئر، وربة البيت.
قال أبو السعود في تفسيره لقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ (٢)﴾: "أي: مالكهم ومربيهم، والكل تحت ملكوته مفتقر إليه في ذاته ووجوده وسائر أحواله جميعًا" (٤).
ويقول المقريزي: "فالرب: مصدر رب يرب ربًّا فهو رابّ، فمعنى
стр. 470
قوله: ﴿رَبِّ اَلعَلَمِينَ (٢)﴾: رابّ العالمين، فإن الرب هو الخالق الموجد لعباده القائم بتربيتهم وإصلاحهم، المتكفل بصلاحهم من خلق ورزق وعافية وإصلاح دين ودنيا" (١).
ويقول الإمام ابن القيم: "فإن الرب هو القادر، الخالق، البارئ، المصور، الحي، القيوم، العليم، السميع، البصير، المحسن، المنعم، الجواد، المعطي، المانع، الضار، النافع، المقدم، المؤخر، الذي يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته" (٢).
وعليه فربوبية الله تعالى هي صفة من صفاته بكونه الخالق والموجد لهذا الكون، وهو المالك لجميع ما سواه، وهو المصلح أمر خلقه، المدبر لشؤونهم، المعبود المطاع في أمره ونهيه، وبهذه المعاني تواردت تفسيرات العلماء للفظة الرب (٣).
يقول ابن أبي العز الحنفي: "والرب يقتضي معاني كثيرة: وهي الملك، والحفظ، والتدبير، والتربية، وهي تبليغ الشيء كماله بالتدريج، فلا جرم أتى بلفظ يشمل هذه المعاني وهي الربوبية" (٤).
ويقول الشيخ علي القارئ: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾؛ أي: مالكهم، وخالقهم، ومربيهم، ومصلح أمورهم، ومعطي حاجاتهم، ومجيب دعواتهم" (٥).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وأما الرب: فمعناه: المالك المتصرف، وأما العالمين: فهو اسم لكل ما سوى الله ﵎، فكل ما سواه من ملك ونبي وإنسي وجني وغير
стр. 471
ذلك مربوب مقهور يتصرف فيه، فقير محتاج" (١).
ويقول الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦]: "أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلق حيث خلقهم، ورباهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة" (٢).
ويقول الكفوي: "الرب: المالك والمصلح والسيد والمعبود" (٣).
فجميع ما سبق من تفسيرات لكلمة الرب لا تخرج عن تلك المعاني الثلاثة التي ذكرها أهل العلم، وبهذا يتبين لنا معنى الرب والربوبية في اللغة وفي تعبيرات العلماء.
أما الألوهية:
فهي مصدر للفعل أَلَهَ بالفتح، تقول: أَلَهَ يألَهَ إِلَاهة؛ أي: عبد يعبد عبادة. قال ابن فارس (٤): "الهمزة واللام والهاء أصل واحد وهو التعبد، فالإله الله تعالى وسمي بذلك لأنه معبود ويقال: تأله الرجل إذا تعبد" (٥).
و (الإِلاهُ: الله ، وكل ما اتُّخذ من دونه معبودًا إلاهٌ عند متخذه، والجميع آلِهَة، والإلاهَة والأُلوهَة والأُلُوهِيَّةُ: العبادة.
وأَلَهَ إلاهَةً بالكسْرِ وأُلُوهَةً وأُلُوهِيَّةً بضمِّهِما: عَبَدَ عِبادَةً، وإلاهٌ: كفِعالٍ بمعَنْى مَألُوهٍ؛ لأنَّه مَألُوهٌ؛ أَي: مَعْبودٌ، كَقَوْلِنا: إمامٌ فِعَالٌ بمعنَى
стр. 472
مَفْعولٍ لأنَّه مُؤْتَمٌّ به، والتَّأَلُّه: التَّنَسُّكُ والتَّعَبُّدُ، والتَّأْلِيه: التَّعْبِيدُ قالَ رُؤْبَة:
لِلَّهِ دَرُّ الغَانِياتِ المُدَّهِ ... سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ من تأَلُّهِي (١)
وكانت العَرَب في جاهليتها يَدعُون مَعبُوداتهم من الأصنام والأوْثان: آلهة وهي جمعُ إلاهة قال الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ وهي أصنامٌ عَبَدها قومُ فرعون معه، ورُوِي عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلاهَتَكَ﴾ ويُفسِّره: وعِبادَتك، واعتلّ بأنّ فرعون كان يُعبَد ولا يَعْبُد، فهو على هذا ذو إلاهَةٍ لا ذو آلهَةٍ ... والقراءة الأولى أكثر وأشهَر وعليها قراءة الأمصار) (٢).
يتبين مما سبق أن الإله مصدر للفعل أَلَهَ إلهة وألوهية إذا عبد عبادة وعبودية، فالإله هو المعبود والألوهية هي العبادة، وبهذا المعنى للإله وهو المعبود فسر العلماء النصوص الواردة في الشرع.
يقول الإمام الطبري: "فإن قال وما دل على أن الألوهية هي العبادة، وأن الإله هو المعبود، وأن له أصلًا في فعل ويفعل. قيل: لا تمانع بين العرب في الحكم لقول القائل يصف رجلًا بعبادة ويطلب مما عند الله جلَّ ذكره: تأله فلان بالصحة ولا خلاف، ولا شك أن التأله التَّفَعُّل من أَلَه يَأْلَه، وأن معنى أَلَه إذا نطق به: عبد الله" (٣).
ويقول الإمام ابن تيمية: "والإله: هو المعبود الذي هو المقصود بالإرادات والأعمال كلها" (٤).
стр. 473
ويقول الإمام ابن رجب: "فإن الإله: هو المعبود الذي يطاع فلا يعصى خشية وإجلالًا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلًا ودعاء" (١).
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "إذا عرفت أن معنى الله هو الإله وعرفت أن الإله هو المعبود" (٢).
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "وهذا كثير جدًا في كلام العلماء، وهو إجماع منهم أن الإله هو المعبود خلافًا لما يعتقده عباد القبور وأشباههم في معنى الإله أنه الخالق أو القادر على الاختراع أو نحو هذه العبارات" (٣).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "وهو الإله المعبود في السموات والأرض؛ لأنه جلَّ وعلا هو المعبود وحده بحق في الأرض والسماء" (٤).
فالإله في اللغة كما مرَّ هو المعبود؛ فإن سمي به الله تعالى فهو المعبود بالحق المستحق للعبادة، وإن أطلق على غيره سبحانه كان معبودًا بالباطل، لكن عند تعريفه بالألف واللام وإطلاقه فلا يطلق إلا على الإله الحق المبين ، ولذا فإن بعض أهل العلم عندما عرَّفوا الإله قيّدوه بأنه المعبود بحق، أو بأنه المستحق للعبادة، وهذا واضح؛ فإن مقصودهم بالإله الحق: هو الله تعالى، بخلاف الآلهة الباطلة فإن الله قد سماها آلهة؛ أي: معبودة، ولكنها عبدت بالباطل ولم تعبد بالحق، والله هو المعبود الحق المتفرد بالعبادة دون ما سواه.
ولذا قال ابن فارس: "فالإله: الله تعالى، وسمي بذلك لأنه معبود" (٥).
стр. 474
ويقول أبو بكر الدمياطي (١): "وأصله إله: أي: أصله الأول إله كإمام، وهو اسم جنس لكل معبود؛ أي: سواء كان بحق أو باطل، ثم بعد تعريفه غلب استعماله في الله المعبود بحق غلبة تقديرية، وهي اختصاص اللفظ بمعنى مع إمكان استعماله (٢) في غيره بحسب الوضع، لكن لم يستعمل فيه بالفعل كما هنا، فإن لفظ الإله صالح لأن يستعمل في غير الله بحسب الوضع لكن لم يستعمل إلا في الله " (٣).
ولذا يقول الإمام ابن تيمية: "والإله هو بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة ليس هو الإله بمعنى القادر على الخلق" (٤).
ولا شك أن الذي يستحق العبادة هو الإله الحق، وهو الله ، بخلاف غيره من المعبودات فإن ألوهيتها ألوهية باطلة، فهي مجرد تسمية لا حقيقة لها في الخارج، كما قال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠]، وإنما الألوهية الحقة التامة الشاملة هي الثابتة لله وحده لا شريك له، ولذلك استحق العبادة دون ما سواه.
يقول الإمام ابن تيمية: "أخبر -سبحانه- أن الأسماء التي سماها المشركون أسماء ابتدعوها: لا حقيقة لها، فهم إنما يعبدون أسماء لا مسميات لها؛ لأنه ليس في المسمى من الألوهية، ولا العزة، ولا التقدير شيء، ولم ينزل الله سلطانًا بهذه الأسماء؛ إن يتبع المشركون إلا ظنًا لا
стр. 475
يغني من الحق شيئًا؛ في أنها آلهة تنفع وتضر، ويتبعوا أهواء أنفسهم" (١).
ويقول ابن القيم: "فإنهم سموها آلهة وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها، وليس لها من الألوهية إلا مجرد الأسماء لا حقيقة المسمى، فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها، وهذا كمن سمى قشور البصل لحمًا وأكلها فيقال: ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه، وكمن سمى التراب خبزًا وأكله يقال: ما أكلت إلا اسم الخبز، بل هذا النفي أبلغ في آلهتهم؛ فإنَّه لا حقيقة لإلهيتها بوجه" (٢).
والخلاصة مما سبق: أن الربوبية والألوهية صفتان لله ﵎، وقد تفرَّد بهما دون أحدٍ من خلقه؛ فهو الرب الذي خلق عباده وملكهم ودبّرهم ورباهم بنعمه العظيمة، وآلائه الجليلة، كما أنه هو معبودهم الحق فليس لهم معبود سواه.
* المسألة الثانية* بيان معنى القاعدة
بيَّنت القاعدة العلاقة بين الربوبية والألوهية، وأن لكل واحدٍ منهما مفهومًا خاصًا به؛ فالربوبية، من الملك والتربية بالنعم، والإله من التأله وهو القصد بالعبادة.
وهذا الاختلاف في المفهوم دلّت عليه اللغة كما سبق ذلك مفصلًا من كلام أرباب العربية، كما جاءت النصوص الشرعية وأقوال علماء الإسلام مؤيدة لهذا التباين في المعنى والمفهوم.
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب -الإمام المجدد- في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ
стр. 476
أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]: "واعلم رحمك الله: أنه لا يعرف هذه الآية المعرفة التي تنفعه إلا من يميّز بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية" (١).
كما أفادت القاعدة علاقة الربوبية بالألوهية في النصوص الشرعية، وبيّنت حقيقة التداخل والتلازم بينهما، فالألوهية تتضمن الربوبية، والربوبية تستلزم الألوهية، وعبَّرت القاعدة عن ذلك بقاعدة (الاقتران والافتراق) في الذكر، فالألوهية والربوبية، أو الرب والإله إذا اقترنا في الذكر وسياق الكلام افترقا في المعنى، فصار لكل واحد منهما معنى يخصُّه وينفرد به، وإذا افترقا في الذكر، بحيث ذكر كل واحد منهما في سياق منفردًا: اجتمعا وتداخلا، وأصبح كل واحد منهما يحمل معنى الربوبية والألوهية.
وقاعدة (الاقتران والافتراق) (٢) من القواعد المقررة عند أهل العلم، وهي تعتمد على استقراء النصوص الشرعية في معاني هذه الأسماء واستعمالاتها، في حالة اجتماعها وافتراقها.
يقول الإمام ابن تيمية: "وذلك أن الاسم الواحد تختلف دلالته بالإفراد والاقتران، فقد يكون عند الإفراد فيه عموم لمعنيين، وعند الاقتران لا يدل إلا على أحدهما" (٣).
ويقول الإمام ابن رجب في مسألة دخول الأعمال في مسمى الإسلام دون الإيمان في بعض النصوص النبوية، ثم أوضح ذلك بقوله: "فإنه يتضح بتقرير أصل: وهو أن من الأسماء ما يكون شاملًا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالًّا على
стр. 477
بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دال على باقيها، وهذا كاسم الفقير والمسكين؛ فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر دل الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها، فكهذا اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قُرِنَ بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده، ودل الآخر على الباقي، وقد صرح بهذا المعنى جماعة من الأئمة" (١).
فخلاصة القاعدة: أنها دلت على تغاير مفهومي الربوبية والألوهية، وأنه في حال اجتماعهما في النصوص فلكل واحد منهما معنى، وعند افتراقهما فكل واحد منهما يتضمن معنى الآخر ويشمله.
* المسألة الثالثة* أدلة القاعدة
دلَّ على صحة القاعدة أدلة متعددة منها:
١ - تفريق أهل اللغة وأرباب العربية بين مدلول كلمة (رب) ومدلول كلمة (إله)، فذكروا أن معنى الرب الخالق المالك المدبر شؤون عباده ومصلحها، وأن الإله هو المألوه المعبود الذي تألهه القلوب خضوعًا وحبًا وخوفًا ورجاء كما سبق بيان ذلك.
٢ - النصوص الشرعية أيدت هذا التباين، وقررت هذا الفرق، فالمتأمل لنصوص الشرع يجدها قد دلَّت على عدم اتحاد معنى (الرب) و (الإله)، وذلك بما ورد فيها من اجتماع كلمة (الرب) و (الإله) في سياق واحد، مما يدل على أن لكل كلمة معنى خاصًا بها وإلا كان تكرارًا يتنزه الشرع عنه، ومن تلك النصوص:
стр. 478
أ- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ١ - ٣]، فهنا ذكر الرب والإله في سياق واحد مما يدل على أن لكل من (الرب) و (الإله) معنى يخصه وإلا كان تكرارًا مخرجًا للكلام عن حد البلاغة، مدخلًا له في حد الركاكة، وهذا مما يتنزّه عنه كلام الرب الذي هو في قمّة الفصاحة، وقوة البلاغة، وعظم الإعجاز، ولذا وصف سبحانه كتابه العزيز بقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢].
ولذا اتفق أهل التفسير على التفريق بين الرب الخالق المدبر، وبين الإله المعبود إذا اجتمع ذكرهم في النصوص (١).
يقول ابن القيم: "فإن الإله: هو الذي تألهه القلوب محبة وإنابة وإجلالًا وإكرامًا وتعظيمًا وذلًا وخضوعًا وخوفًا ورجاءً وتوكلًا، والرب: هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى مصالحه، فلا إله إلا هو، ولا رب إلا هو، فكما أن ربوبية ما سواه أبطل الباطل فكذلك إلهية ما سواه" (٢).
ويقول الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣ ضض)﴾: "هذه ثلاث صفات من صفات الرب الربوبية، والملك، والإلهية، فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له مملوكة عبيد له" (٣).
ب- قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، فجمع في هذه الآية بين (الله) وبين (الرب) مما يدل على أن لكل واحد منهما معنى يخصه.
стр. 479
يقول -الإمامِ المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾: "فذكر في أول هذه السورة التي هي أول المصحف الألوهية والربوبية والملك، كما ذكره في آخر سورة في المصحف: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ " (١).
والآيات التي اقترن فيها لفظ الرب بالإله كثيرة جدًا لمن تأمل كتاب الله تعالى، وكلها قاطعة بالفرق في المعنى بين الرب والإله وإلا صار تكرارًا مخلًا بأسلوب الكلام وبلاغته يتنزه عنه كلام الله تعالى.
٣ - ومما يدل على التفريق في المعنى بين (الرب) و (الإله): أن كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله هي كلمة الإسلام التي يدخل بها الكافر في الإسلام، وأنه لا يقبل إسلام من قال: لا رب إلا الله، أو لا خالق إلا الله، أو لا موجود إلا الله وخاصة مع وجود الاشتباه في إسلامه؛ إذ ليس في هذه الكلمات تفريق بين الإسلام والكفر، ولو كان مدلول معنى كلمة (الرب) هو نفسه مدلول كلمة (الإله) لصح إسلام الشخص بها وبدون أن يتلفظ بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله.
ولذا جاء عن النبي ﷺ من رواية عبد الله بن ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" (٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ففاتحة دعوة الرسل: الأمر
стр. 480
بالعبادة. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]، وقال ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله"، وذلك يتضمن الإقرار به، وعبادته وحده، فإن الإله هو المعبود، ولم يقل: حتى يشهدوا أن لا رب إلا الله، فإن اسم الله أدل على مقصود العبادة له، التي لها خلق الخلق، وبها أمروا" (١).
ويقول العلامة المعصومي: "اعلم أن (لا إله إلا الله) هي الكلمة الفارقة بين الكفر والإسلام، فمن قالها -عالمًا بمعناها، ومعتقدًا إياها- فقد دخل في الإسلام وصار من أهل دار السلام (الجنة)، وأما من قال: (لا خالق إلا الله)، أو (لا رازق إلا الله)، أو (لا رب إلا الله)، أو (لا موجود إلا الله)، أو (الله موجود)، أو نحو ذلك فلا يكون مسلمًا، ولا يكون من أهل دار السلام، وهذه الكلمات- وإن كانت حقًا لكن يشترك في القول بها سائر الناس، من المشركين والمجوس، والنصارى، واليهود، وغيرهم ... فما يتداوله العوام، ومن يدعي العلم والدين من الطغام من قولهم: (اللّه موجود)، أو (لا رب إلا الله)، أو (لا خالق إلا الله)، أو نحو ذلك، فليس من خصائص دين الإسلام، ولا من خصائص المسلمين، بل يشترك فيه المشركون، واليهود، والنصارى، والمجوس، فتنبه وتدبر، ولا تكن أعمى، وأصم، تقلّد كل ناعق وناهق" (٢).
فبيَّن ﵀ أن: لا إله إلا الله هي الفارقة بين الإسلام والشرك، فلا يعتبر إسلام الكافر إلا بقولها، ولو كان الرب بمعنى الإله، أو كان الإله بمعنى الخالق، أو الرازق، أو الموجود لم يكن لـ (لا إله إلا الله) خاصية في اعتبار الدخول في الإسلام دون غيرها.
стр. 481
وأما ما ذكره أهل العلم من علاقة الاقتران والافتراق بين الربوبية والألوهية بأنهما إذا اقترنا افترقا وإذا افترقا اجتمعا فإنما أخذوا ذلك من دلالة النصوص الشرعية، إذ قد وردت نصوص ذكر فيها اسم الرب متضمنًا معنى الربوبية والألوهية ولا يصح حمله على الربوبية فقط دون الألوهية، وقد تطلق الربوبية في بعض النصوص ويراد بها الألوهية، ولكن تدخل فيها الربوبية من باب التضمن، وقد تطلق الربوبية وتدخل فيها الألوهية من باب الاستلزام، ولذا جمع أهل العلم بين هذه النصوص بتطبيق قاعدة (الاقتران والافتراق) بين كلمة (الرب) و (الإله) ومن ذلك:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ [آل عمران: ٨٠].
فكلمة الأرباب جمع رب ومعناها: الإله والمعبود؛ لأن الآية قيل نزلت في اليهود والنصارى، وهم لم يدعوا أن الملائكة والنبيين خالقين لهم ولا خالقين للعالم، وقيل: نزلت في وفد نجران عندما قالوا للنبي ﷺ : (أتريد أن نعبدك) (١)، فهذا يدل على أن كلمة الأرباب المقصود منها أنهم اتخذوهم آلهة ومعبودين صرفوا لهم العبادة، أو أنهم صرفوا لهم الطاعة في الحلال والحرام وكلاهما عبادة لله ﵎.
يقول الإمام الطبري: "لأن الآية نزلت في سبب القوم (٢) الذين قالوا لرسول الله ﷺ : (أتريد أن نعبدك)، فأخبرهم الله جلَّ ثناؤه أنه ليس لنبيه ﷺ أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه، ولا إلى اتخاذ الملائكة والنبيين
стр. 482
أربابًا، ولكن الذي له أن يدعوهم إلى أن يكونوا ربانيين ... فتأويل الآية إذًا: وما كان للنبي أن يأمر الناس أن يتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا؛ يعني بذلك: آلهة يعبدون من دون الله، كما ليس له أن يقول لهم: كونوا عبادًا لي من دون الله" (١).
ويقول الإمام السمعاني: "ولا يأمركم ذلك البشر أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا؛ فالنصارى هم الذين اتخذوا النبيين أربابًا، والصابئون هم الذين اتخذوا الملائكة أربابًا" (٢).
ومن المعلوم أن النصارى تؤمن بربوبية الله تعالى وكونه رب العالمين، وخالقهم لكنهم يشركون بالله تعالى بعبادة الأحبار، وقولهم في عيسى ﵇ أنه ابن الله.
يقول الإمام ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ [آل عمران: ٨٠]: "فبيَّن أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر، ومعلوم أن أحدًا من الخلق لم يزعم: أن الأنبياء والأحبار والرهبان والمسيح ابن مريم شاركوا الله في خلق السماوات والأرض، بل ولا زعم أحد من الناس: أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهًا مساويًا لله في جميع صفاته.
بل عامة المشركين بالله: مقرون بأنه ليس شريكه مثله، بل عامتهم يقرون أن الشريك مملوك له؛ سواء كان ملكًا أو نبيًا أو كوكبًا أو صنمًا كما كان مشركوا العرب يقولون في تلبيتهم: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك) فأهلَّ رسول الله ﷺ بالتوحيد وقال: "لبيك اللَّهُمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".
стр. 483
وقد ذكر أرباب المقالات: ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين، في الملل والنحل، والآراء والديانات، فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل له في جميع الصفات" (١).
فدل ذلك على أن اتخاذهم كان للعبادة وليس لاعتقاد الربوبية في الملائكة أو الأنبياء.
ويقول ابن كثير في الآية: "أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾: أي: لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير الله، ومن دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان وهو عبادة الله وحده لا شريك له" (٢).
ويقول الألوسي: "والمعنى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله تعالى ذلك، ويرسله للدعوة إلى اختصاصه بالعبادة، وترك الأنداد، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادًا له" (٣).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "كما قال للصحابة: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ [آل عمران: ٨٠]، فتأمل هذه الآية، واعرف ما ذكرت لك في الربوبية (٤): أنها التي نسبت إلى تاج ومحمد بن شمسان، فإذا كان الصحابة لو يفعلونها مع الرسل كفروا بعد إسلامهم، فكيف بمن فعلها في تاج وأمثاله" (٥).
стр. 484
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسير الآية: "يمتنع ويستحيل كل الاستحالة لبَشَرٍ مَنَّ الله عليه بالوحي، والكتاب والنبوة، وأعطاه الحكم الشرعي، أن يأمر الناس بعبادته، وبعبادة النبيين والملائكة، واتخاذهم أربابًا؛ لأن هذا هو الكفر، فكيف وقد بعث بالإسلام المنافي للكفر من كل وجه، فكيف يأمر بضده، هذا هو الممتنعح لأن حاله وما هو عليه، وما منَّ الله به عليه من الفضائل والخصائص تقتضي العبودية الكاملة، والخضوع التام لله الواحد القهار" (١).
وبهذا يتبين لنا أن المقصود من الأرباب في الآية هم الآلهة المعبودة من دون الله تعالى.
٢ - ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].
ذكرت الأرباب في هذه الآية والمقصود بها الآلهة المعبودة؛ فإنهم لم يعتقدوا الأحبار والرهبان أربابًا خالقين ومدبرين، بل ما حصل منهم من الكفر هو عبادتهم، وهذه العبادة هي طاعتهم ومتابعتهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، ولذا قال سبحانه في آخر الآية مؤكدًا أن هذا الاتخاذ للأرباب هو عبادة الأحبار والرهبان: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]، كما بيَّن النبي ﷺ هذه الطاعة في التحليل والتحريم بأنها عبادة لهم في حديث عدي بن حاتم الآتي، وعليه يكون معنى الأرباب؛ أي: المعبودون بمتابعتهم في التحليل والتحريم.
وتفسير النبي ﷺ للأرباب جاء في حديث عدي بن حاتم ﵁
стр. 485
قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "يا عدي اطرح عنك هذا الوثن"، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه" (١).
فسمى النبي ﷺ هذه الطاعة في التحليل والتحريم عبادة وأنها من اتخاذ الأرباب، فدل على أن معنى الأرباب في الآية هم المعبودون بسبب الطاعة واتباعهم في التحليل والتحريم.
يقول الإمام الطبري: " ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: يعني: سادة لهم من دون الله، يطيعونهم في معاصي الله، فيحلون ما أحلوه لهم مما قد حرمه الله عليهم، ويحرمون ما يحرمونه عليهم مما قد أحله الله لهم" (٢).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "فإن عدي بن حاتم ﵁ لما قال للنبي ﷺ : كيف اتخذوهم أربابًا؟ قال له النبي- ﷺ : "إنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم" وذلك هو معنى اتخاذهم إياهم أربابًا" (٣).
٣ - ومن ذلك حديث سؤال الملكين في القبر (من ربك وما دينك ومن نبيك) (٤)، والمراد بالرب في الحديث: من إلهك ومن معبودك؛ فإن الربوبية لم ينكرها أحد من المشركين كما مرَّ تقرير ذلك من قبل.
стр. 486
* المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
قرر أهل العلم هذه القاعدة إما في ثنايا كلامهم في تقرير العلاقة بين الربوبية والألوهية، وبعضهم يقررها في رده على بعض شبه أهل الضلال، وفيما يلي أنقل ما وقفت عليه من ذلك:
يقول العلامة الألوسي: "وقد يقال: إنهم أشاروا بالجملة الأولى إلى توحيد الربوبية، وبالجملة الثانية إلى توحيد الألوهية، وهما أمران متغايران وعبدة الأوثان لا يقولون بهذا ويقولون بالأول" (١).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فاعلم أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان كما في قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس:١ - ٣] وكما يقال: رب العالمين وإله المرسلين، وعند الإفراد يجتمعان كما في قول القائل: من ربك مثاله الفقير والمسكين نوعان في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] ونوع واحد في قوله: (افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم).
إذا ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر: (من ربك)؛ معناه: من إلهك لأن الربوبية التي أقر بها المشركون ما يمتحن أحد بها، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] فالربوبية في هذا هي الألوهية ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة لها عند الاقتران فينبغي التفطن لهذه المسألة" (٢).
ويقول الإمام ابن تيمية موضحًا لهذه القاعدة: "وفي لفظ الفقير
стр. 487
والمسكين إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر وإذا اقترن اختص، وكذا الإله والرب مثل قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢] فإن الإله هو المعبود والرب هو الذي يرب غيره فَيُدَبِّرُه" (١).
ويقول ﵀ أيضًا مقررًا لمعنى القاعدة: "وإن كانت الإلهية تتضمن الربوبية، والربوبية تستلزم الإلهية؛ فإن أحدهما إذا تضمن الآخر عند الانفراد لم يمنع أن يختص بمعناه عند الاقتران، كما في قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس:١ - ٣]، فجمع بين الاسمين؛ اسم الإله، واسم الرب؛ فإن الإله هو المعبود الذي يستحق أن يعبد، والرب هو الذي يرب عبده فيدبره" (٢).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "والمقصود: أن الربوبية والإلهية متلازمان لا ينفك نوع منهما عن الآخر" (٣).
* المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
فيما يأتي بعض الفوائد المستفادة من القاعدة:
أولًا: في القاعدة رد على من جعل الربوبية هي نفس الألوهية ولا فرق بينهما، فجعلوا معنى لا إله إلا الله هو لا خالق إلا الله أو لا رب إلا الله، وأن التوحيد هو إفراد الله بالربوبية، وأن من وحّد الله في الربوبية فهو المسلم الموحد الناجي يوم القيامة، ولا شك أن ذلك مخالف لما هو مقرر في النصوص الشرعية، والقاعدة دلت على الفرق بين الربوبية والألوهية وأن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله.
стр. 488
ثانيًا: الألوهية والربوبية صفتان للرب ﵎، وهي متلازمة وغير مترادفة كما سبق تقرير ذلك، لكن جاء في القرآن الكريم تسمية معبودات المشركين أربابًا، وذلك لأن العرب استعملت الرب بمعنى المعبود، فأطلقت على المعبود ربًّا كما سبق بيانه في معاني كلمة الرب في لغة العرب، وعليه فجميع ما ورد في القرآن أو في السُّنَّة من وصف آلهة المشركين بأنها أرباب هو من هذا القبيل، والمقصود بها الآلهة المعبودة.
يقول ابن عطية: "ويسمون الله ربًّا، ويسمون أوثانهم أربابًا ونحو هذا" (١).
ويقول الشهرستاني: "وكانوا يسمونها أربابًا آلهة، والله تعالى هو رب الأرباب، وإله الآلهة" (٢).
وقد أوضح هذا -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب لما سئل: ما قول الشيخ في تسمية المعبودات أربابًا؟ إذ الرب يطلق على المالك، والمعبود على الإله، وكل اسم من أسمائه جل وعلا له معنى يخصه بالتخصيص دون التداخل بالتعميم؟ فقال ﵀: "الجواب: الرب والإله في صفة الله ﵎ متلازمة غير مترادفة، الرب من الملك والتربية بالنعم، والإله من التأله؛ وهو القصد لجلب النفع ودفع المضرة بالعبادة، ولذلك صارت العرب تطلق الرب على الإله؛ فسمُّوا معبوداتهم أربابًا من دون الله؛ لأجل ذلك؛ أي: لكونهم يسمُّون الله ربًا بمعنى إلهًا" (٣).
ثالثًا: أفادت القاعدة علاقة الربوبية بالألوهية، وأنهما متلازمان،
стр. 489
ومع ذلك فهما مفهومان متغايران؛ ولزوم أحدهما للآخر في بعض الصور لا يدل على اتحادهما (١).
يقول العلامة العلائي (٢) في كلامه على العطف الواقع في قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]: "قد يظن أنهما يجريان مجرى الوصف الواحد لتلازمهما، فمن غفر الذنب قبل التوب فبين الله سبحانه بعطف أحدهما على الآخر أنهما مفهومان متغايران ووصفان مختلفان يجب أن يعطى لكل واحد حكمه وذلك مع العطف أبين وأوضح" (٣).
стр. 490
الفصل الرابع
القواعد المتعلقة بأصل التوحيد
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: قاعدة: أصل الإيمان وقاعدته التي عليها
مدار أعمال العباد هو تحقيق معنى
الشهادتين قولًا وعملًا وعقيدة.
المبحث الثاني: قاعدة: شهادة أن لا إله إلا اللّه مشتملة
على النفي والإثبات.
المبحث الثالث: قاعدة: الكفر بالطاغوت ركن التوحيد.
المبحث الرابع: قاعدة: محبة الله هي أصل الدين
والمحبة فيه أو له تبع لمحبته والمحبة
معه تضاده وتناقضه.
المبحث الخامس: قاعدة: الحنيفية من موجبات الفطرة
ومقتضياتها.
стр. 491
المبحث الأول
قاعدة
أصل الإيمان وقاعدته التي عليها مدار أعمال العباد هو تحقيق معنى الشهادتين قولًا وعملًا وعقيدة
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * معنى القاعدة
أشارت القاعدة إلى الأصلين العظيمين من أصول الإسلام، وهما تحقيق شهادة أن لا إله الله، وأن محمدًا رسول الله، فتحقيق هاتين الكلمتين ينبني عليهما دين الإسلام، وعليهما تقوم الملة، ويثبت بهما أصل الإيمان، وعمود الإسلام، ولا يُعتد بعمل من الأعمال إذا لم يتم تحقيق هذين الأصلين، إذ مدار الأعمال على صحة العقيدة، وسلامة الأصول، وهذا التحقيق لهذين الأصلين لا بد أن يجتمع فيه قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فينطق اللسان أولًا بما أضمره القلب بهاتين الشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأنَّ محمدًا رسول الله، فيطابق قول اللسان ما اعتقده القلب وصدَّق به، ولا بد من اقتران جميع ذلك بأعمال القلب، وكذا بأعمال الجوارح، التي هي موجب ذلك القول والاعتقاد ولازمه، وأكبر دلائله، وأعظم علاماته، وأظهر شواهده، وأجلّ ثمراته (١).
стр. 492
يقول الإمام ابن تيمية مبينًا معنى القاعدة: "فلا بد من الكلام في هذين الأصلين: الأصل الأول: توحيد الإلهية؛ فإنه سبحانه أخبر عن المشركين كما تقدم بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله، يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون إذن الله، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس:١٨]، فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذوا هؤلاء شفعاء مشركون.
ومن تحقيق التوحيد أن يعلم أن الله تعالى أثبت له حقًا لا يشركه فيه مخلوق؛ كالعبادة والتوكل، والخوف، والخشية، والتقوى، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء:٢٢].
الأصل الثاني: حق الرسول ﷺ فعلينا أن نؤمن به، ونطيعه، ونتبعه، ونرضيه، ونحبه، ونسلم لحكمه، وأمثال ذلك قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وأمثال ذلك" (١).
ويقول ﵀ أيضًا: "وهذان الأصلان: هما تحقيق الشهادتين اللتين هما رأس الإسلام؛ شهادة أن لا إله إلا الله (٢)، وشهادة أن محمدًا
стр. 493
رسول اللّه؛ فإن الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الألوهية له، فلا يجوز أن يتأله القلب غيره؛ لا بحب، ولا خوف، ولا رجاء، ولا إجلال، ولا إكبار، ولا رغبة، ولا رهبة، بل لا بد أن يكون الدين كله للّه.
والشهادة بأن محمدًا رسول اللّه تتضمن تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، كما يجب على الخلق أن يثبنوا ما أثبته الرسول لربه، وينفوا عنه ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات، وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به، وأن ينتهوا عما نهاهم عنه، ويحللوا ما أحله، ويحرموا ما حرمه، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله" (١).
كما دلت القاعدة على أن جميع الأعمال مدارها على الشهادتين، وذلك لأن جميع أعمال الدين داخلة في الشهادتين، فما من طاعة أو عبادة أو شعبة من شعب الإسلام إلا وأصلها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللّه.
يقول الإمام ابن تيمية: "وإذا كانت الشهادتان هي أصل الدين؛ وفرعه، وسائر دعائمه، وشعبه داخلة فيهما، فالعبادة متعلقة بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] " (٢).
стр. 494
ويقول ﵀ أيضًا: "وهذا الذكر يتضمن التوحيد والاستغفار؛ فإن صدره الشهادتان اللتان هما أصلًا الدين وجماعه؛ فإن جميع الدين داخل في الشهادتين؛ إذ مضمونهما أن لا نعبد إلا الله، وأن نطيع رسوله، والدين كله داخل في هذا؛ في عبادة الله بطاعة الله وطاعة رسوله، وكل ما يجب أو يستحب داخل في طاعة الله ورسوله" (١).
* المسألة الثانية * أدلة القاعدة
المتأمل في القاعدة يراها قد اشتملت على عدة مسائل تحتاج إلى دليل وحجة، وفيما يأتي أذكر ما وقفت عليه من أدلة لمسائل هذه القاعدة، ويمكن تصنيف الأدلة إلى أقسام متعددة حسب ما دلت عليه القاعدة، مع ملاحظة أن بعض الأدلة قد يكون جامعًا لأكثر من مسألة:
القسم الأول:
الأدلة العامة التي تدل على الأمر بعبادة الله، واتباع أنبيائه، وطاعتهم، والتحذير من عبادة غيره، أو مخالفة أنبيائه، ومعصيتهم:
ومن تلك الأدلة ما يأتي:
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ [نوح: ١ - ٣].
يقول الإمام السمعاني: "وقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾: وهذا هو الذي بعث الله لأجله الرسل؛ فإن الله تعالى ما بعث رسولًا إلا ليعبدوه، ويتقوه، ويطيعوا رسوله" (٢).
стр. 495
وقال الرازي في معنى الآية: "ثم إنه أمر القوم بثلاثة أشياء: بعبادة اللّه، وتقواه، وطاعة نفسه، فالأمر بالعبادة يتناول جميع الواجبات والمندوبات من أفعال القلوب، وأفعال الجوارح، والأمر بتقواه يتناول الزجر عن جميع المحظورات والمكروهات، وقوله: ﴿وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ يتناول أمرهم بطاعته، وجميع المأمورات والمنهيات، وهذا وإن كان داخلًا في الأمر بعبادة اللّه وتقواه، إلا أنه خصه بالذكر تأكيدًا في ذلك التكليف ومبالغة في تقريره" (١).
ولذا جاء عن قتادة (٢) في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾: "قال: بها أرسل الله المرسلين؛ أن يعبد الله وحده، وأن تتقى محارمه، وأن يطاع أمره" (٣).
ويقول الإمام ابن تيمية: "وقد قالت الرسل كلهم مثل نوح، وهود، وصالح، وغيرهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾، فكل الرسل دعوا إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له، وإلى طاعتهم، والإيمان بالرسل هو الأصل الثاني من أصلي الإسلام، فمن لم يؤمن بأن محمدًا رسول الله إلى جميع العالمين، وأنه يجب على جميع الخلق متابعته، وأن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه فهو كافر مثل هؤلاء المناففين، ونحوهم ممن يجوز الخروج عن دينه، وشرعته، وطاعته؛ إما عمومًا وإما خصوصًا" (٤).