المبحث الأول
قاعدة
أصل الإيمان وقاعدته التي عليها مدار أعمال العباد هو تحقيق معنى الشهادتين قولًا وعملًا وعقيدة
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * معنى القاعدة
أشارت القاعدة إلى الأصلين العظيمين من أصول الإسلام، وهما تحقيق شهادة أن لا إله الله، وأن محمدًا رسول الله، فتحقيق هاتين الكلمتين ينبني عليهما دين الإسلام، وعليهما تقوم الملة، ويثبت بهما أصل الإيمان، وعمود الإسلام، ولا يُعتد بعمل من الأعمال إذا لم يتم تحقيق هذين الأصلين، إذ مدار الأعمال على صحة العقيدة، وسلامة الأصول، وهذا التحقيق لهذين الأصلين لا بد أن يجتمع فيه قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فينطق اللسان أولًا بما أضمره القلب بهاتين الشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأنَّ محمدًا رسول الله، فيطابق قول اللسان ما اعتقده القلب وصدَّق به، ولا بد من اقتران جميع ذلك بأعمال القلب، وكذا بأعمال الجوارح، التي هي موجب ذلك القول والاعتقاد ولازمه، وأكبر دلائله، وأعظم علاماته، وأظهر شواهده، وأجلّ ثمراته (١).
стр. 492
يقول الإمام ابن تيمية مبينًا معنى القاعدة: "فلا بد من الكلام في هذين الأصلين: الأصل الأول: توحيد الإلهية؛ فإنه سبحانه أخبر عن المشركين كما تقدم بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله، يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون إذن الله، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس:١٨]، فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذوا هؤلاء شفعاء مشركون.
ومن تحقيق التوحيد أن يعلم أن الله تعالى أثبت له حقًا لا يشركه فيه مخلوق؛ كالعبادة والتوكل، والخوف، والخشية، والتقوى، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء:٢٢].
الأصل الثاني: حق الرسول ﷺ فعلينا أن نؤمن به، ونطيعه، ونتبعه، ونرضيه، ونحبه، ونسلم لحكمه، وأمثال ذلك قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وأمثال ذلك" (١).
ويقول ﵀ أيضًا: "وهذان الأصلان: هما تحقيق الشهادتين اللتين هما رأس الإسلام؛ شهادة أن لا إله إلا الله (٢)، وشهادة أن محمدًا
стр. 493
رسول اللّه؛ فإن الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الألوهية له، فلا يجوز أن يتأله القلب غيره؛ لا بحب، ولا خوف، ولا رجاء، ولا إجلال، ولا إكبار، ولا رغبة، ولا رهبة، بل لا بد أن يكون الدين كله للّه.
والشهادة بأن محمدًا رسول اللّه تتضمن تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، كما يجب على الخلق أن يثبنوا ما أثبته الرسول لربه، وينفوا عنه ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات، وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به، وأن ينتهوا عما نهاهم عنه، ويحللوا ما أحله، ويحرموا ما حرمه، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله" (١).
كما دلت القاعدة على أن جميع الأعمال مدارها على الشهادتين، وذلك لأن جميع أعمال الدين داخلة في الشهادتين، فما من طاعة أو عبادة أو شعبة من شعب الإسلام إلا وأصلها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللّه.
يقول الإمام ابن تيمية: "وإذا كانت الشهادتان هي أصل الدين؛ وفرعه، وسائر دعائمه، وشعبه داخلة فيهما، فالعبادة متعلقة بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] " (٢).
стр. 494
ويقول ﵀ أيضًا: "وهذا الذكر يتضمن التوحيد والاستغفار؛ فإن صدره الشهادتان اللتان هما أصلًا الدين وجماعه؛ فإن جميع الدين داخل في الشهادتين؛ إذ مضمونهما أن لا نعبد إلا الله، وأن نطيع رسوله، والدين كله داخل في هذا؛ في عبادة الله بطاعة الله وطاعة رسوله، وكل ما يجب أو يستحب داخل في طاعة الله ورسوله" (١).
* المسألة الثانية * أدلة القاعدة
المتأمل في القاعدة يراها قد اشتملت على عدة مسائل تحتاج إلى دليل وحجة، وفيما يأتي أذكر ما وقفت عليه من أدلة لمسائل هذه القاعدة، ويمكن تصنيف الأدلة إلى أقسام متعددة حسب ما دلت عليه القاعدة، مع ملاحظة أن بعض الأدلة قد يكون جامعًا لأكثر من مسألة:
القسم الأول:
الأدلة العامة التي تدل على الأمر بعبادة الله، واتباع أنبيائه، وطاعتهم، والتحذير من عبادة غيره، أو مخالفة أنبيائه، ومعصيتهم:
ومن تلك الأدلة ما يأتي:
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ [نوح: ١ - ٣].
يقول الإمام السمعاني: "وقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾: وهذا هو الذي بعث الله لأجله الرسل؛ فإن الله تعالى ما بعث رسولًا إلا ليعبدوه، ويتقوه، ويطيعوا رسوله" (٢).
стр. 495
وقال الرازي في معنى الآية: "ثم إنه أمر القوم بثلاثة أشياء: بعبادة اللّه، وتقواه، وطاعة نفسه، فالأمر بالعبادة يتناول جميع الواجبات والمندوبات من أفعال القلوب، وأفعال الجوارح، والأمر بتقواه يتناول الزجر عن جميع المحظورات والمكروهات، وقوله: ﴿وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ يتناول أمرهم بطاعته، وجميع المأمورات والمنهيات، وهذا وإن كان داخلًا في الأمر بعبادة اللّه وتقواه، إلا أنه خصه بالذكر تأكيدًا في ذلك التكليف ومبالغة في تقريره" (١).
ولذا جاء عن قتادة (٢) في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾: "قال: بها أرسل الله المرسلين؛ أن يعبد الله وحده، وأن تتقى محارمه، وأن يطاع أمره" (٣).
ويقول الإمام ابن تيمية: "وقد قالت الرسل كلهم مثل نوح، وهود، وصالح، وغيرهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾، فكل الرسل دعوا إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له، وإلى طاعتهم، والإيمان بالرسل هو الأصل الثاني من أصلي الإسلام، فمن لم يؤمن بأن محمدًا رسول الله إلى جميع العالمين، وأنه يجب على جميع الخلق متابعته، وأن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه فهو كافر مثل هؤلاء المناففين، ونحوهم ممن يجوز الخروج عن دينه، وشرعته، وطاعته؛ إما عمومًا وإما خصوصًا" (٤).
стр. 496
وقوله تعالى عن جملة من الأنبياء: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وكل من الرسل يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)﴾ [الشعراء: ١٠٨]، وقال سبحانه عن أمة محمد ﷺ : ﴿(٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [النور: ٤٦، ٤٧]، وغير ذلك من الآيات (١).
القسم الثاني: الأدلة على أن النطق بالشهادتين والتكلم بهما أصل لا بد منه، ولا تصح لا إله إلا اللّه بدونه، وهذه على أنواع كذلك:
أولًا: الأمر من اللّه بالقول والإقرار الذي يتضمن الإيمان والتوحيد، ولا شك أن التكلم بالشهادتين هما الأصل والأساس في هذا الإقرار؛ إذ بهما يحصل الإسلام، ويصح الإيمان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [آل عمران: ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٢).
ومن المعلوم أن الإيمان عند أهل السُّنَّة والجماعة هو قول وعمل؛ فالقول قول القلب واللسان، والعمل عمل القلب واللسان والجوارح، فإذا تخلف النطق بالشهادتين عن الإيمان بدون عذر لم يكن إيمانًا مقبولًا عند اللّه ﵎ كما سيأتي إيضاحه.
يقول أبو السعود في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا
стр. 497
فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾ [المنافقون: ٣]: "أي: بسبب أنهم ﴿آمَنُوا﴾؛ أي: نطقوا بكلمة الشهاة كسائر من يدخل في الإسلام" (١).
ثانيًا: ما جاء من سيرة النبي ﷺ في دعوته بأمره من أراد الدخول في الإسلام بالشهادتين، وأنه لم يعتبر إسلام من لم يتكلم بها، وهذا كثير في سُنته وسيرته ﵇، بل أخبر أنه قد أُمِرَ بقتال من كفر وأشرك بالله تعالى حتى يشهد وينطق ويتكلم بهاتين الشهادتين، ومن ذلك:
ما رواه سعيد بن المسيب عن أبيه ﵁ أنه أخبره: أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول اللّه ﷺ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة قال رسول اللّه ﷺ لأبي طالب: "يا عم قل: لا إله إلا الله كلمةً أشهد لك بها عند الله ... " (٢).
ومعنى قوله ﷺ : (قل لا إله إلا اللّه)؛ أي: انطق وتكلم بهذه الكلمة الفارقة بين المؤمن والكافر، والمسلم والمشرك (٣).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال ﵁: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللّه" (٤).
стр. 498
ومن ذلك حديث ابن عباس ﵄ (قال: قال رسول اللّه ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن اللّه قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين اللّه حجاب) (١).
فالكفار لم يكن النبي ﷺ يأمرهم بالفروع قبل الشهادتين والدخول في الإسلام (٢).
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: "ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلمًا" (٣).
وقال الإمام ابن تيمية: "وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر" (٤).
وقال أيضًا: "فأما الشهادتان: إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة،
стр. 499
وأئمتها، وجماهير علمائها" (١).
وقال العينٍ في شرح حديث معاذ هذا: "لا يحكم بإسلام الكافر إلَّا بالنطق بالشهادتين، وهذا مذهب أهل السُّنَّة لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلَّا به" (٢).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (٣): "لا يحكم بإسلام شخص إلا بالنطق بالشهادتين، كما هو مذهب أهل السُّنَّة. وقال الشيخ: قد علم بالاضطرار من دين الرسول، واتفقت الأمة أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، فبذلك يصير الكافر مسلمًا، وإذا لم يتكلم مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين" (٤).
ثالثًا: أن نطق اللسان والتكلم بالشهادتين من لازم تصديق القلب وعمله وإرادته، فلا يتصور وجود تصديق القلب وحبه وانقياده لهذه الكلمة ثم لا ينطق بها مطلقًا، هذا لا يتصور إلا ممن خلا قلبه من التصديق أو المحبة والخضوع لله تعالى، فثبت بذلك أن النطق بالشهادتين أصل من أصول الدين لا تتحقق الشهادتان بدونه، وأنه ملازم لتصديق
إرادة جازمة نطق بهما قطعًا لوجود القدرة والداعي التام ومن لم ينطق علم أنه لم يرد ومن لم يرد الطاعة فيمتنع أن يطلب من الرسول أن يخلقها فيه فإنَّه إذا طلب من الرسول أن يخلقها الله فيه كان مريدًا لها ولا يتصور أن يقول مثل ذلك إلا مريدًا ولا يكون مريدًا للطاعة إلا ويفعلها" (١).
القسم الثالث:
الأدلة على أن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله لا بد أن يتضمن العمل بشرائع الإسلام الظاهرة، فمن لم يعمل بشرائع الإسلام الظاهرة فهذا يدل على عدم إيمانه أو على ضعفه؛ وذلك كمن ينتفي عنه الإيمان لعدم نطقه بالشهادتين مع القدرة إجماعًا، أو مع الخلاف كما في الصلاة، وقد لا ينتفي أصل الايمان، ولكن ينتفي تمامه وكماله لعدم أدائه ذلك الواجب المعين، ومن تلك الأدلة ما يأتي:
حديث عبد الله بن عمر ﵄: "بني الإسلامي على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة الحج وصوم رمضان" (٢)، فذكر قواعد الإسلام وأصوله الخمسة التي ينبني عليها، وهذا يدل على أن هذه المباني لا يحصل تحقيق الشهادتين إلا بها، فمنها ما ينتفي الإيمان بانتفائه، كالشهادتين إجماعًا، وكالصلاة على الخلاف، وأما بقية الأركان فإن الإيمان لا يكون تامًا بدونها؛ إذ الإيمان الصحيح التام لا يحصل بدون تحقق العبد بشعائر الإسلام وأعماله الظاهرة.
стр. 502
يقول الإمام ابن تيمية: "وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وإن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع؛ سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزءًا من الإيمان" (١).
ويقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: "وهكذا من ادعى الإيمان بهذه الأصول ثم لم يؤد شرائع الإسلام الظاهرة، فلم يشهد أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، أو لم يصل، أو لم يصم، أو لم يزك، أو لم يحج، أو ترك غير ذلك من شعائر الإسلام الظاهرة التي أوجبها اللّه عليه، فإن ذلك دليل على عدم إيمانه، أو على ضعف إيمانه، فقد ينتفي الإيمان بالكلية كما ينتفي بترك الشهادتين إجماعًا، وقد لا ينتفي أصله، ولكن ينتفي تمامه وكماله لعدم أدائه ذلك الواجب المعين" (٢).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب" (٣).
وسيأتي مزيد بيان لهذا التلازم فيما يأتي:
القسم الرابع:
الأدلة على أن تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه لا بد أن يتضمن معرفة القلب وعلمه وتصديقه وإقراره، وأن هذا هو أصل الإيمان، وأساس الإسلام:
أولًا: ما دلَّ من النصوص أن كفر الكافرين والمنافقين كان بسبب خلو قلوبهم من الأقوال والأعمال، وبذلك حكم الله عليهم بالكفر باللّه العظيم، ومن تلك الأدلة ما يأتي:
قوله سبحانه: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ
стр. 503
ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ [المائدة:٤١]، وقوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾ [النحل: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].
فدلت هذه النصوص على أن الإيمان الصحيح والمعتبر هو ما كان أصله حاصلًا في القلب؛ من التصديق، والإقرار، والانقياد، والتعظيم، والمحبة، وغير ذلك من أعمال القلوب التي هي ركن في صحة الإيمان.
ولذلك كان ذكر الإيمان في القرآن غالبًا ما يكون مقرونًا بالقلب، ومضافًا إليه؛ وذلك لأنه الأصل لبقية أعمال الجوارح كما لا يخفى.
يقول الإمام ابن كثير في معنى قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]: "أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم وقلوبهم خراب، خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون" (١).
وقال الشوكاني في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾
стр. 504
[الحجرات: ١٤]: "أي: لم يكن ما أظهرتموه بألسنتكم عن مواطأة قلوبكم، بل مجرد قول باللسان من دون اعتقاد صحيح، ولا نية خالصة" (١).
* المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
نظرًا لما لهذه القاعدة من أهمية بالغة، ومكانة عظيمة إذ هي أصل الدين كما سبق بيان ذلك، وعليها تنبني جميع الشرائع والأعمال، فقد أولاها أهل العلم اهتمامًا كبيرًا، وحرصًا بالغًا، ولا يكاد يخلو كلام واحد من أهل العلم من تقريرها، أو تقرير جزء منها، وفيما يأتي أذكر بعضًا مما وجدته من أقوالهم المؤيدة لهذه القاعدة.
يقول الإمام ابن تيمية في أثناء تقريره لهذين الأصلين: "ولهذا يقرر الله هذين الأصلين في غير موضع من القرآن، بل يقدمهما على كل ما سواهما؛ لأنهما أصل الأصول" (٢).
ويقول ﵀ أيضًا: "وهذان الأصلان: توحيد الرب، والإيمان برسله لا بد منهما، ولهذا لا يدخل أحد في الإسلام حتى يشهد أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه ﷺ ، وهذا يتضمن الإسلام والإيمان، وهو الدين الذي بعث الله به جميع النبيين، فكلهم كانوا مسلمين، مؤمنين، قائمين بهذين الأصلين" (٣).
ويقول الإمام ابن رجب في معنى الشهادتين: "وهما أصل الإسلام كله" (٤).
ويقول الإمام ابن القيم في أثناء تقريره لتوحيد العبادة: "والجامع لهذا كله: تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله علمًا، ومعرفةً، وعملًا،
стр. 505
وحالًا، وقصدًا" (١).
وقال المناوي: "والشهادتان: هما الأساس الكلي الحامل لجميع ذلك البناء، ولبقية تلك القواعد" (٢).
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "إن هاتين الشهادتين هما أصل الدين وأساس الملة وقاعدة الإسلام التي عليها مداره" (٣).
ويقول ﵀: "ومعلوم أن أصل الدين وأساسه وقاعدته التي عليها مدار أعمال العباد، هي تحقيق معنى شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه؛ قولًا: وعملًا، وعقيدة" (٤).
* المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
لا يخفى علينا مكانة هذه القاعدة ومنزلتها من الدين، إذ لا يكاد يخلو باب من أبواب الدين إلا وله تعلق بهذه القاعدة، ولذا بنى أهل العلم على هذه القاعدة كثيرًا من التطبيقات والفوائد، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من ذلك:
أولًا: إن جميع الفرق، والمذاهب، والطوائف، بل وسائر المعتقدات، والأديان المحرفة الباطلة التي خالفت منهج أهل السُّنَّة والجماعة، وضلت الصراط المستقيم فإنما حصل ذلك بسبب إخلالها بهذين الأصلين العظيمين اللذين تضمنتهما القاعدة، أو بأحدهما، وما من صاحب بدعة أو شَرّ أو ضلال إلا وسبب ضلاله وانحرافه عدم تحقيقه
стр. 506
لأحد هذين الأصلين اللذين يتميّز بهما أهل الإسلام والإيمان والسُّنَّة، وأصحاب الصراط المستقيم عن غيرهم من أهل الكفر، والبدعة، وأصحاب الضلالة والغواية.
يقول الإمام ابن تيمية: "فهذا أصل عظيم على المسلم أن يعرفه، فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر، وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة؛ شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدًا رسول اللّه، وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين أو أحدهما، مع ظنه أنه في غاية التحقيق، والتوحيد، والعلم، والمعرفة.
فإقرار المشرك بأن اللّه رب كل شيء، ومليكه، وخالقه لا ينجيه من عذاب اللّه إن لم يقترن به إقراره بأنه: لا إله إلا اللّه، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمدًا رسول اللّه، فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، فلا بد من الكلام في هذين الأصلين" (١).
بل من كان من أهل السُّنَّة والجماعة، ومن أهل الإيمان والطاعة، قد تصدر منه بعض المخالفة لمنهج أهل السُّنَّة والجماعة، والسبب هو عدم تحقيقه لهذين الأصلين كمال التحقيق قولًا وعملًا واعتقادًا.
يقول الإمام ابن تيمية: "ودليل هذا الأصل كثير في الكتاب والسُّنَّة، وهو أصل الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول اللّه، وهو متفق عليه بين الذين أوتوا العلم والإيمان؛ قولًا، واعتقادًا، وإن خالفه بعضهم عملًا، وحالًا، فليس عالم من المسلمين يشك في أن الواجب على الخلق طاعة الله ورسوله، وأن ما سواه إنما تجب طاعته حيث أوجبها الله ورسوله ﷺ " (٢).
ثانيًا: إن هذين الأصلين -تحقيق الشهادتين- هما أول ما يسأل
стр. 507
عن تحقيقهما العبد في الآخرة، وعليه يُصَنَّفُ العِبَادُ إلى سعداء وأشقياء؛ فمن أتى بهما ووفى بحقوقهما كان من الناجين السعداء، ومن عارضهما وناقضهما كان من أهل النار الهالكين، والقاعدة دلت على أنهما أصل الإسلام وقاعدته التي عليها مدار الأعمال.
وهذا باب واسع؛ فإن الناس مضطرون إلى هذين الأصلين، فلا ينجون من العذاب، ولا يسعدون إلا بهما، فعليهم أن يؤمنوا بالأنبياء وما جاؤوا به، وأصل ما جاؤوا به: أن لا يعبدوا إلا اللّه وحده كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] (١).
يقول الإمام ابن تيمية: "والذين يحجون إلى القبور، ويدعون الموتى من الأنبياء وغيرهم عصوا الرسول، وأشركوا بالرب، ففاتهم ما أمروا به من تحقيق التوحيد، والإيمان بالرسول، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، وجميع الخلق يأتون يوم القيامة فيسألون عن هذين الأصلين: ماذا كنتم تعبدون، وبما أجبتم المرسلين، كما بسط هذا في موضعه" (٢).
ويقول ﵀: "قال أبو العالية (٣) في قوله: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، قال: (خلتان يسأل عنهما كل أحد؛ ماذا كنت تعبد؟ وماذا أجبن المرسلين؟)؛ فالأولى: تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، والثانية: تحقيق الشهادة بأن محمدًا رسول اللّه" (٤).
стр. 508
ويقول أيضًا: "فلهذا كانت السعادة متضمنة لهذين الأصلين: الإسلام والإيمان، عبادة الله وحده وتصديق رسله، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه" (١).
ويقول ابن القيم: "وعنها -أي: عن لا إله إلا اللّه- يسأل الأولون والآخرون، فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون، وماذا أجبتم المرسلين، فجواب الأولى: بتحقيق لا إله إلا اللّه؛ معرفة، وإقرارًا، وعملًا، وجواب الثانية: بتحقيق أن محمدًا رسول اللّه، معرفة، وإقرارًا، وانقيادًا، وطاعة" (٢).
ثالثًا: تحقيق الشهادتين قولًا وعملًا واعتقادًا لا يحصل بدون العلم بهما، وفهم ما دلتا عليه من النفي والإثبات، إذ النطق بالشهادتين، والعمل بما تضمنتاه لا يوجد، بل لا يتصور من جاهل لمعنى هاتين الشهادتين، ولذا كان العلم بهما من أول ما يجب على المكلف من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكما سبنق فإنه يستحيل تحقيقهما بدون العلم ومعرفة ما دلتا عليه من العلم والعمل.
قال اللّه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]، وقال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢﴾ [إبراهيم: ٥٢]، وقال : ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزخرف: ٨٦] (٣)، وقال تعالى:
стр. 509
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].
وفي "الصحيح" عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا اللّه دخل الجنة" (١).
وقد تضمنت هذه النصوص الأمر أولًا بالعلم بلا إله إلا اللّه، وأن الذين يملكون الشفاعة في الآخرة هم أهل العلم بالحق وهو لا إله إلا اللّه، كما خص اللّه تعالى أهل العلم دون بنية الناس بالشهادة بالقسط وبلا إله إلا اللّه، وأن الجنة لا يدخلها إلا من كان عالمًا بلا إلي إلا اللّه.
يقول الشيخ السعدي: " ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾: أي: نطق بلسانه مقرًا بقلبه، عالمًا بما يشهد به، ويشترط أن تكون شهادته بالحق: وهي الشهادة لله تعالى بالوحدانية، ولرسله بالنبوة والرسالة، وصحة ما جاءوا به من أصول الدين وفروعه، وحقائقه وشرائعه" (٢).
ويقول الشيخ عبد الله أبا بطين: "أول واجب على الإنسان: معرفة معنى هذه الكلمة، قال الله تعالى، لنبيه ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وقال: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] أي: بلا إله إلا اللّه ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم، فأفرض الفرائض: معرفة معنى هذه الكلمة، ثم التلفظ بها والعمل بمقتضاها" (٣).
ولذا بوب البخاري في "صحيحه" فقال: "باب العلم قبل القول
стр. 510
والعمل لقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فبدأ بالعلم" (١).
قال ابن المنير في توجيه تبويب البخاري: "أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية المصححة للعمل، فنبه المصنف على ذلك حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: (إن العلم لا ينفع إلا بالعمل) تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه" (٢).
يقول قوام السُّنَّة الإمام الأصبهاني (٣): "قال بعض العلماء: أول فرض فرضه الله على خلقه: معرفته، فإذا عرفه الناس عبدوه، قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] " (٤).
وقال الغزالي (٥) فيما يجب على المكلف: "فأول واجب عليه:
стр. 511
تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناهما، وهو قول لا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه" (١).
ويقول الشيخ الإمام سليمان بن عبد الله آل الشيخ في معنى قوله ﵇: "من شهد أنه لا إله إلا اللّه": "أي: من تكلم بهذه الكلمة عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها، باطنًا وظاهرًا كما دل عليه قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزخرف: ٨٦]، أما النطق بها من غير معرفة لمعناها، ولا عمل بمقتضاها فإن ذلك غير نافع بالإجماع، وفي الحديث ما يدل على هذا وهو قوله: (من شهد)؛ إذ كيف يشهد وهو لا يعلم (٢)، ومجرد النطق بشيء لا يسمى شهادة به" (٣).
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "وكل من عقل عن الله يعلم علمًا ضروريًا: أن المقصود من الشهادتين ما دلَّتا عليه من الحقيقة والمعنى، وما اشتملتا عليه من العلم والعمل، وأما مجرد اللفظ من غير علم بمعناهما، ولا اعتقاد لحقيقتهما فهذا لا يفيد العبد شيئًا، ولا يخلِّصه من شعب الشرك وفروعه ...
فالإيمان بمعناهما، والانقياد له لا يتصور ولا يتحقق إلا بعد العلم، والحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ فإذا لم يعلم، ولم يتصور فهو كالهاذي، وكالنائم، وأمثالهما ممن لا يعقل ما يقول، بل لو حصل
стр. 512
له العلم، وفاته الصدق لم يكن شاهدًا، بل هو كاذب، وإن أتى بهما صورة" (١).
رابعًا: دلت القاعدة على أن تحقيق الشهادتين لا بد أن يكون بالقول والعمل والاعتقاد، فلا بد من التصديق والمعرفة، ثم النطق مع الإقرار، والانقياد والالتزام والقبول للطاعات ظاهرًا وباطنًا.
يقول الإمام ابن القيم في قصة الكاهن الذي أقرَّ للنبي ﷺ بالنبوة: "وفيها أن إقرار الكاهن الكتابي لرسول الله ﷺ بأنه نبي لا يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته، فإذا تمسك بدينه بعد هذا الإقرار لا يكون ردة منه، ونظير هذا قول الحبرين له وقد سألاه عن ثلاث مسائل، فلما أجابهما قالا: نشهد أنك نبي، قال: فما يمنعكما من اتباعي؟ قالا نخاف أن تقتلنا اليهود، ولم يلزمهما بذلك الإسلام، ونظير ذلك شهادة عمه أبي طالب له بأنه صادق هو، وأن دينه من خير أديان البرية دينًا، ولم تدخله هذه الشهادة في الإسلام.
ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب، والمشركين له ﷺ بالرسالة، وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفة، والإقرار، والانفياد، والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا" (٢).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "فاعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئًا من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول اللّه وصلى وصام إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين أن لا يعبد إلا الله فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله
стр. 513
فما أتى بهما حقيقة وإن تلفظ بهما كاليهود الذين يقولون لا إله إلا اللّه وهم مشركون ومجرد التلفظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعًا" (١).
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: "أولًا لا بد من النطق بالشهادتين، فلو أمكنه النطق ولكنه امتنع من النطق لم يدخل في الإسلام حتى ينطق بالشهادتين، وهذا محل إجماع من أهل العلم، ثم مع النطق لا بد من اعتقاد معنى الشهادتين والصدق في ذلك، وذلك بأن يعتقد بأنه لا معبود حق إلا الله، ولو قالها كاذبًا كالمناففين يقولونها وهم يعتقدون أن مع الله آلهة أخرى لم تنفعهم هذه الكلمة، ولم يدخلوا في الإسلام باطنًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]، وقال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨]، فلا بد من التصديق بالقلب، واليقين بأنه لا معبود حق إلا الله؛ فإن استكبر عن الانقياد لشرع الله كفر ولم ينفعه النطق بالشهادتين. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢]، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]، وهكذا لو استكبر عن الشهادة بان محمدًا رسول الله، أو قالها كاذبًا فإنه يكون كافرًا حتى يؤمن بأن محمدًا رسول الله، وينقاد لشرعه، وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم، والله المستعان" (٢).
خامسًا: ومما ينبني على القاعدة من تفريعات قاعدة التلازم بين الظاهر والباطن بحيث إنه إذا صلح الباطن فلا بد من استقامة الظاهر،
стр. 514
وإذا فسد الظاهر فليس فساده إلا من فساد الباطن، فمن صلح باطنه بقول القلب وعمله فلا بد من نطقه بالشهادتين، وعمله بالجوارح، فإذا لم ينطق بالشهادتين مع القدرة، ولم يعمل شيئًا من الأعمال دلَّ ذلك على فساد إيمانه الباطن، وهذا ما سبق تقريره مرارًا.
يقول الإمام ابن تيمية: "وإذا أفرد الإيمان أدخل فيه الأعمال الظاهرة؛ لأنها لوازم ما في القلب؛ لأنه متى ثبت الإيمان في القلب، والتصديق بما أخبر به الرسول ﷺ وجب حصول مقتضى ذلك ضرورة؛ فإنه ما أسرَّ أحد سريرة إلا أبداها اللّه على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، فإذا ثبت التصديق في القلب لم يتخلف العمل بمقتضاه البتة، فلا تستقر معرفة تامة، ومحبة صحيحة ولا يكون لها أثر في الظاهر، ولهذا ينفي الله الإيمان عمن انتفت عنه لوازمه؛ فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٨١]، وقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ونحوها، فالظاهر والباطن متلازمان، لا يكون الظاهر مستقيمًا إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلا بد أن يستقيم الظاهر (١)؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "أَلا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّه، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ" (٢) " (٣).
стр. 515
ويقول ﵀ في معنى الحديث: "فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان؛ علمًا، وعملًا قلبيًا لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر، والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل؛ قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن، لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد" (١).
ويقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: "ولا شك أنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب وانقاد لأطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة قال ﷺ : "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب"، فمن صلح قلبه صلح جسده قطعًا بخلاف العكس" (٢).
ويقول ابن الحاج في تقرير معنى الحديث: "فالأصل الذي تتفرع عنه العبادات على أنواعها هو الإخلاص، وذلك لا يكون إلا بالقلب، فعلى هذا الجوارح الظاهرة تبع للباطنة، فإن استقام الباطن استقام الظاهر جبرًا، وإذا دخل الخلل في الباطن دخل في الظاهر من باب أولى، فعلى هذا ينبغي للمؤمن أن تكون همته وكليته في تخليص باطنه واستقامته؛ إذ أن أصل الاستقامة منه تتفرع، وهو معدنها، وقد نص الحديث على هذا وبيَّنه أتم بيان" (٣).
سادسًا: تحقيق الشهادتين لا يتم إلا بإخلاص العبادة لله وحده دون غيره من المعبودات والمألوهات، ومتابعة نبيه محمد ﷺ ، فمن لم
стр. 516
يخلص عبادته لله تعالى، وتعبَّد لله تعالى بما يخالف الطريقة المحمدية لم يكن ممن حقّق الشهادتين عملًا واعتقادًا، بل إن ذلك من صفات أهل البدع والفرقة الذين يعبدون مع الله غيره، وإذا عبدوه عبدوه بالبدع.
يقول الإمام ابن تيمية: "وأصل الإسلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللّه؛ فمن طلب بعباداته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله، ومن خرج عما أمره به الرسول ﷺ من الشريعة، وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمدًا رسول اللّه، وإنما يحقق هذين الأصلين: من لم يعبد إلا اللّه، ولم يخرج عن شريعة رسول اللّه ﷺ التي بلغها عن الله، فإنه قال: "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك" (١) " (٢).
стр. 517
ويقول ﵀: "ودين الإسلام مبنى على أصلين؛ وهما: تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، وأول ذلك أن لا تجعل مع اللّه إلهًا آخر؛ فلا تحب مخلوقًا كما تحب اللّه، ولا ترجوه كما ترجو اللّه، ولا تخشاه كما تخشى الله، ومن سوى بين المخلوق والخالق في شيء من ذلك فقد عدل بالله، وهو من الذين بربهم يعدلون، وقد جعل مع الله إلهًا آخر وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خلق السماوات والأرض.
الأصل الثاني: أن نعبده بما شرع على ألسن رسله ﵈ لا نعبده إلا بواجب أو مستحب، والمباح إذا قصد به الطاعة دخل في ذلك" (١).
ويقول ﵀ أيضًا: "فلا ينفع المريد القاصد أن يعبد؛ أي معبود كان، ولا أن يعبد الله بأي عبادة كانت، بل هذه طريقة المشركين المبتدعين الذين لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به اللّه؛ كالنصارى ومن أشبههم من أهل البدع الذين يعبدون غير الله، بغير أمر اللّه، وأما أهل الإسلام والسُّنَّة فهم يعبدون اللّه وحده، ويعبدونه بما شرع، لا يعبدونه بالبدع إلا ما يقع من أحدهم خطأ" (٢).
سابعًا: ومما ينبني على القاعدة أن لا يُعْتقد في غير الله تعالى شيءٌ من خصائص الألوهية أو الربوبية، ولا في غير رسوله ﷺ شيءٌ من خصائص النبوة والرسالة، فمن وُجِدَ في قلبه أو حاله شيءٌ من ذلك لم يكن قد تحقق بالشهادتين قولًا وعملًا واعتقادًا، بل يشهد عليه لسان حاله إقراره بألوهية إله غير الله -تعالى وتنزه- وبنبوة رسول غير محمد بن عبد الله ﷺ .
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا اللّه،
стр. 518
وأن محمدًا عبده ورسوله، فلا بد من إخلاص الدين لله حتى لا يكون في القلب تأله لغير اللّه، فمتى كان في القلب تأله لغير اللّه فذاك شرك يقدح في تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، ولا بد من الشهادة بأن محمدًا رسول اللّه، وذلك يتضمن تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته فيما أمر به، ومن ذلك الإيمان بأنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، فمتى جعل لغيره نصيبًا من خصائص الرسالة والنبوة كان في ذلك نصيب من الإيمان بنبي بعده، ورسول بعده؛ كالمؤمنين بنبوة مسيلمة، والعنسي، وغيرهما من المتنبئين الكذابين، كما قال ﷺ : "إن بين يدي الساعة ثلاثين دجالين كذابين كلهم يزعم أنه رسول الله" (١).
فمن أوجب طاعة أحد غير رسول الله ﷺ في كل ما يأمر به، وأوجب تصديقه في كل ما يخبر به، وأثبت عصمته أو حفظه في كل ما يأمر به، ويخبر من الدين فقد جعل فيه من المكافأة لرسول اللّه، والمضاهاة له في خصائص الرسالة بحسب ذلك؛ سواء جعل ذلك المضاهي لرسول اللّه ﷺ بعض الصحابة، أو بعض القرابة، أو بعض الأثمة والمشايخ، أو الأمراء من الملوك وغيرهم" (٢).
ثامنًا: تضمنت القاعدة التعريف بأصلي الإسلام الذين ينبني عليهما هذا الدين، الأصل الأول: معرفة المعبود والتعرف على أسمائه وصفاته،
стр. 519
واستحقاقه للعبادة دون ما سواه، وأن جميع ما عبد بالتنديد من دونه لا يستحق شيئًا من العبادة والخضوع، والأصل الثاني: معرفة الطريق المؤدية والموصلة إلى رضوان ذلك المعبود العظيم الذي اتصف بجميع صفات الكمال، ونعوت الجلال، وهو طريق الرسول ﷺ ؛ إذ هو أعظم من عبده ووحده وأخلص له.
يقول الشيخ حافظ الحكمي: "الشهادتان؛ وهما شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللّه، ... فبالشهادة الأولى يعرف المعبود وما يجب له، وبالثانية يعرف كيف يعبده، وبأي طريق يصل إليه، وكيف يؤمن بالعبادة أحد قبل تعريفه بالمعبود، وكيف يؤديها من لم يعرف كيف أمر الله أن يعبد، ففي الشهادة الأولى توحيد المعبود الذي ما خلق الخلق إلا ليعبدوه وحده لا شريك له، وفي الشهادة الثانية توحيد الطريق الذي لا يوصل إلى الله تعالى إلا منه، ولا يقبل دينًا ممن ابتغى غيره، ورغب عنه" (١).
تاسعًا: تحقيق الشهادتين لا يحصل إلا باجتماعهما؛ أي: تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه لا يصح ولا يقبل لا حقيقة ولا حكمًا إلا بعد أن ينضم إليه تحقيق شهادة أن محمدًا رسول اللّه ﷺ ، فهما قرينتان لا ينفك أحدهما عن الآخر في حال الإسلام وصحة الإيمان.
ولذلك لم يقبل الرسول ﷺ من أهل الكتاب كاليهود مثلًا قولهم: لا إله إلا اللّه، وقاتلهم، وحكم بكفرهم لعدم إيمانهم وتصديقهم وإقرارهم بأن محمدًا رسول اللّه ﷺ .
يقول الإمام ابن تيمية: "وأما الإيمان بالرسول ﷺ فهو المهم؛ إذ لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، ولا تحصل النجاة والسعادة بدونه؛ إذ هو الطريق إلى الله سبحانه؛ ولهذا كان ركنا الإسلام: أشهد أن لا إله
стр. 520
إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ " (١).
عاشرًا: ومما يستفاد من القاعدة أنه لا يجوز أن يحكم على شخص بأنه حقق الشهادتين، أو حقق التوحيد؛ لما سبق بيانه في معنى القاعدة أن التحقيق لا يحصل إلا بمطابقة القول مع العمل الصادر عن اعتقاد صحيح، وانقياد قلبي سليم.
يقول الإمام ابن القيم: "وفيه معنى آخر: وهو أن الاستعانة، والاستعاذة، والاستغفار: طلب وإنشاء، فيستحب للطالب أن يطلبه لنفسه، ولإخوانه المؤمنين. وأما الشهادة فهي إخبار عن شهادته لله بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة، وهي خبر يطابق عقد القلب، وتصديقه، وهذا إنما يخبر به الإنسان عن نفسه؛ لعلمه بحاله، بخلاف إخباره عن غيره، فإنه إنما يخبر عن قوله، ونطقه، لا عن عقد قلبه والله أعلم" (٢).
стр. 521
المبحث الثاني
قاعدة شهادة أن لا إله إلا الله مشتملة على النفي والإثبات
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * شرح مفردات القاعدة
الشهادة مشتقة من الأصل الثلاثي (شَهِدَ)، فالشين والهاء والدال أصل يدل على حضور، وعلم، وإعلام، لا يخرج شيء من فروعه عن ذلك، يقال: شَهِدَ يَشْهَدُ شَهَادَةً، وَشَهِدَ الرجل على كذا يشهد عليه شهادة: إذا أخبر به قطعًا، والأصل في الشهادة الإخبار عما شاهد المخبر بحسه، ثم قد تطلق على ما يحققه الإنسان ويتقنه معرفة وعلمًا، وإن لم يكن شاهدًا للحس؛ لأن المحقَّق علمًا كالمدرك حسًّا ومشاهدة (١).
وشهادة أن لا إله إلا الله هي شهادة التوحيد التي يُدْخَلُ بها في الإسلام، فهي أول الواجبات، وأصل الأصول، ولا يعتد بدخول الكافر في الإسلام إلا بعد أن ينطق بها ويقرَّ للنبي ﷺ بالرسالة.
стр. 522
والنَّفي: مصدر نَفَيْتُ الشيءَ أَنْفِيه نَفْيًا، وأصله من الفعل الثلاثي (نفى)، فالنون والفاء والحرف المعتلّ: أُصَيلٌ يدلُّ على تعْرِيةِ شيء من شيءٍ وإبعاده منه، تقول: نَفَيتُ الشّيءَ أَنفيه نَفْيًا ونُفَاية: إذا رددته، وأزلته، وجحدته (١).
وأما الإثْباتُ: فهو ضد النفي، وهو مصدر للفعل الرباعي (أَثْبَتَ) وأصله (ثَبَتَ) صحيح سالمٌ، قال أهل اللغة: الثاء والباء والتاء كلمةٌ واحدة، وهي دَوامُ الشيء، وَثَبَتَ الشَّيْءُ يَثْبُتُ ثُبُوتًا دَامَ وَاسْتَقَرَّ فَهُوَ ثَابِتٌ، وَثَبَتَ الْأَمْرُ صَحَّ، وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وَالتَّضْعِيفِ، فَيُقالُ: أَثْبَتَهُ وَثَبَّتَهُ وَالِاسْمُ الثَّبَاتُ (٢).
وقال المناوي في معناه: "الإثبات: ضد الإزالة؛ ثم تارة يقال بالفعل، فيقال لما يخرج من العدم نحو: أثبت الله كذا، وتارة لما ثبت بالحكم، فيقال: أثبت الحاكم كذا، وتارة لما يكون بالقول؛ سواء كان صدقًا أم كذبًا، فيقال: أَثْبَتَ التوحيد، وَصَدَّقَ النبوة، وفلان أثبت مع الله إِلَهًا آخر" (٣).
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
القاعدة أفادت اشتمال شهادة أن لا إله إلا الله على معنيين
стр. 523
عظيمين، بل على أصلين كبيرين لا تقوم الشهادة إلا عليهما؛ وهما النفي والإثبات؛ فالنفي في شقها الأول: (لا إله)، والإثبات في الشق الثاني: (إلا الله)، والمقصود بالنفي: نفي جميع الآلهة المعبودة من دون الله تعالى، ونفيها يستلزم إبطالها، والكفر بها، وبغضها، وإزالتها عند القدرة، وبيان ضعفها وحقارتها، وأنها لا تستحق مثقال ذرة من العبادة ولا أدنى من ذلك.
والمقصود بالإثبات هو إثبات الألوهية لله تعالى وحده دون ما سواه، ثم إفراده بأنواع العبادة.
يقول الإمام الصنعاني: "قوله: (لا إله إلا اللّه) للتوحيد؛ أي: وضع لإفادته، ومعناه: النفي والإثبات، فلو كان تكلمًا بالباقي لكان نفيًا لغيره؛ أي: نفيًا لما سوى الله تعالى؛ لأنه هو الباقي بعد الاستثناء؛ لإثباته للألوهية لله، فيصح من كونها كلمة التوحيد بالإجماع" (١).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "والمقصود أن نفي الأوثان الذي دلت عليه كلمة الإخلاص يحصل بتركها، والرغبة عنها، والبراءة منها، والكفر بها وبمن يعبدها، واعتزالها واعتزال عابديها، وبغضها وعداوتها، وكل هذا في القرآن مبينًا، وقد انتفت عبادة كل ما عبد من دون الله مما هو موجود في الخارج مما يعبده المشركون سلفًا وخلفًا بهذه الكلمة كما تقدم" (٢).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "لأن (لا إله إلا اللّه): نفي وإثبات؛ فمعنى النفي منها هو البراءة من جميع المعبودات غير اللّه في جميع أنواع العبادات، وهذا المعنى جاء موضحًا في قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ
стр. 524
مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦]، ومعنى الإثبات منها: هو إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله، وهذا المعنى جاء موضحًا في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ [الزخرف: ٢٧] " (١).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "فقولك: (لا إله إلا اللّه): فـ (لا): نافية للجنس، و (الإله) هو: المألوه بالعبادة، وهو الذي تألهه القلوب، وتقصده رغبة إليه في حصول نفع، أو دفع ضر، كحال من عبد الأموات، والغائبين، والأصنام، فكل معبود مألوه بالعبادة، والخبر المرفوع محذوف تقديره: حق، وقوله: (إلا الله): استثناء من الخبر المرفوع، فاللّه سبحانه هو الحق، وعبادته وحده هي الحق، وعبادة غيره منتفية بلا في هذه الكلمة.
قال اللّه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان:٣٠]، فإلهية ما سواه باطلة، فدلت الآية على أن صرف الدعاء الذي هو مخ العبادة عنه لغيره باطل؛ فتبيَّن أن الإلهية هي العبادة؛ لأن الدعاء من أفرادها، فمن صرف منها شيئًا لغيره تعالى فهو باطل" (٢).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
دلَّ على صحة القاعدة ما يلي:
أولًا: لفظ الشهادة نفسه مشتمل على دلالة النفي والإثبات؛ فإن (لا إله) نفي لجميع ما يوجد أو سيوجد من آلهة في هذا العالم، و (إلا اللّه) استثناء للإله الحق الواحد، والاستثناء بعد النفي إثبات كما هو
стр. 525
مقرر عند جمهور أهل العلم من أهل اللغة والأصول، وعليه فتكون كلمة التوحيد (لا إله إلا اللّه) دالة ومشتملة على النفي والإثبات.
يقول الإمام ابن قدامة: "فإن هذا صريح في الإثبات والنفي فمن قال: (لا إله إلا اللّه): مثبت للإلهية نافٍ لها عمن سواه" (١).
وقال القرطبي: "لا خلاف بين أهل اللسان وغيرهم أن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي" (٢).
وقال الآمدي (٣): "الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، خلافًا لأبي حنيفة، ودليلنا في ذلك أن القائل إذا قال (لا إله إلا اللّه) كان موحدًا مثبتًا للألوهية لله ، ونافيًا لها عما سواه، ولو كان نافيًا للألوهية عما سوى الرب تعالى، غير مثبت لها بالنسبة إلى الرب تعالى لما كان ذلك توحيدًا لله تعالى؛ لعدم إشعار لفظه بإثبات الألوهية لله تعالى وذلك خلاف الإجماع" (٤).
وقال الزركشي (٥): "قول (لا إله إلا اللّه)؛ أي: على هذه الصيغة
стр. 526
الخاصة الجامعة بين النفي والإثبات ليدل على حصر الإلهية لله تعالى؛ فإن الجمع بين النفي والإثبات أبلغ صيغ الحصر، وقد ثبت العلم الضروري بالاكتفاء بهذه الكلمة الشريفة في إثبات التوحيد لله تعالى، من غير نظر إلى واسطة بين النفي والإثبات، ولا انضمام لفظ آخر إليه" (١).
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "اعلم أن (لا إله إلا اللّه)، هي كلمة التقوى، والعروة الوثقى، وأصل دين الإسلام، ومفتاح دار السلام؛ قد دلت بمنطوقها وموضوعها، على نفي استحقاق الإلهية عن غيره تعالى، والبراءة من كل معبود سواه، قولًا وفعلًا، وإثبات استحقاق الإلهية على وجه الكمال لله تعالى.
فالأول: وهو النفي، يستفاد من: (لا) واسمها، وخبرها المقدر، والإثبات: يستفاد من الاستثناء؛ لأن الإثبات بعد النفي المتقدم، أبلغ من الإثبات بدونه، وهذه طريقة القرآن، يقرن بين النفي والإثبات غالبًا؛ -كما في هذا الموضع- لأن المقصود لا يحصل إلا بهما" (٢).
ثانيًا: من المعلوم مجيء جميع الأنبياء والرسل بالدعوة إلى (لا إله إلا اللّه)، وإخلاص العبادة لله تعالى، وقد جاءت النصوص القرآنية تبين وتوضح اشتمال دعوة الرسل جميعًا على النفي والإثبات، ومعناه كما سبق: الأمر بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، فهذا هو المقصود من النفي والإثبات، فإن دلالة (لا إله إلا اللّه) اللفظية على صورة الخبر، والمقصود منه الأمر والنهي -كما سيأتي تفصيل ذلك في تطبيقات القاعدة- ومن تلك الآيات التي جاءت مفسرة لكلمة التوحيد ما يأتي:
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
стр. 527
يقول الشيخ سليمان آل الشيخ في معنى الآية: "وهذه الآية هي معنى (لا إله إلا اللّه)، فإنها تضمنت النفي والإثبات كما تضمنته (لا إله إلا اللّه) ففي قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ الإثبات، وفي قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ النفي، فدلت الآية على أنه لا بد في الإسلام من النفي والإثبات، فيثبت العبادة لله وحده، وينفي عبادة ما سواه" (١).
ويقول الشيخ الأمين الشنفيطي في تفسير الآية: "ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه بعث في كل أمة رسولًا بعبادة اللّه وحده، واجتناب عبادة ما سواه، وهذا هو معنى (لا إله إلا اللّه)؛ لأنها مركبة من نفي وإثبات، فنفيها: هو خلع جميع المعبودات غير الله تعالى، في جميع أنواع العبادات، وإثباتها: هو إفراده جلَّ وعلا بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله -عليهم صلوات اللّه وسلامه-" (٢).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وقوله تعالى في براءة إبراهيم ﵇ من معبودات أبيه وقومه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧].
يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ومعنى (لا إله): نفي و (إلا الله): إثبات. فإذا قيل لك إيش أنت ناف؟ وإيش أنت مثبت؟ فقل: ناف جميع ما يعبد من دون اللّه، ومثبت العبادة لله وحده لا شريك له، فإذا قيل لك: إيش الدليل على ذلك؟ فقل: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ هذا دليل النفي، ودليل
стр. 528
الإثبات: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ " (١).
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لا يكاد يخلو كلام أحد من أهل العلم -ممن تكلم في معنى كلمة التوحيد- من تقرير قاعدة النفي والإثبات في لا إله إلا اللّه؛ فمنهم من عبَّر عنهما بالأصل، وآخر بالركن، وغير ذلك، وفيما يأتي أذكر بعضًا مما وقفت عليه من تلك التقريرات:
يقول الإمام ابن أبي العز الحنفي في قول الإمام الطحاوي: (ولا إله غيره): "هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم كما تقدم ذكره، وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر؛ فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال، ولهذا والله أعلم لما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] قال بعده: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]؛ فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد فلغيرنا إله غيره، فقال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ " (٢).
ويقول الإمام ابن تيمية: "من سَوَّغَ أن يُدْعَى المخلوق، ومنع من دعاء الخالق الذي فيه تحقيق صمديته، وإلهيته فقد ناقض الإسلام في النفي والإثبات، وهو شهادة أن لا إله إلا اللّه" (٣).
ويقول الإمام ابن القيم: "ونظير هذا اشتمال كلمة الإسلام وهي شهادة أن لا إله إلا اللّه على النفي والإثبات، فكان في الإتيان بالنفي في صدر هذه الكلمة من تقرير الإثبات، وتحقيق معنى الإلهية، وتجريد
стр. 529
التوحيد الذي يقصد بنفي الإلهية عن كل ما ادعيت فيه سوى الإله الحق ﵎، فتجريد هذا التوحيد من العقد واللسان بتصور إثبات الإلهية لغير اللّه -كما قاله أعداؤه المشركون- ونفيه وإبطاله من القلب واللسان من تمام التوحيد، وكماله، وتقريره، وظهور أعلامه، ووضوح شواهده، وصدق براهينه" (١).
وقال أيضًا في حقيقة كلمة التوحيد: "وهي حقيقة التجريد والتفريد؛ فيتجرد عن عبادة ما سواه، ويفرده وحده بالعبادة، فالتجريد نفي، والتفريد إثبات، ومجموعهما هو التوحيد" (٢).
وقال الإمام القرطبي: "قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، نفي وإثبات، أولها كفر وآخرها إيمان" (٣).
ويقول الإمام العينٍ: "قوله: (لا إله إلَّا اللّه) إلى آخره: كلمة توحيد بالإجماع، وهي مشتملة على النفي والإثبات، فقوله: (لا إله): نفي الألوهية عن غير الله، وقوله: (إلا الله): إثبت الألوهية لله تعالى، وبهاتين الصفتين صار هذا كلمة التوحيد والشهادة، وقد قيل: إن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي" (٤).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فاعلموا أن قول الرجل (لا إله إلا الله): نفي وإثبات؛ إثبات الألوهية كلها لله وحده، ونفيها عن الأنبياء، والصالحين وغيرهم" (٥).
ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله: "فـ (لا إله إلا اللّه) اشتملت على نفي وإثبات، فنفت الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، فكل ما
стр. 530
سواه من الملائكة، والأنبياء، فضلًا عن غيرهم، فليس بإله، ولا له من العبادة شيء، وأثبتت الإلهية للّه وحده: بمعنى أن العبد لا يَألَه غيره: أي: لا يقصده بشيء من التأله، وهو تعلق القلب الذي يوجب قصده بشيء من أنواع العبادة" (١).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "و (لا إله إلا اللّه) خير الكلام وأفضله، وتناولت الدين كله، ودلت عليه مطابقة وتضمنًا والتزامًا، وتضمنت أمرين هما أساس الدين:
الأول: نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى نفيًا عامًا، وهي العبادة كما نطق به القرآن في مواضع كثيرة فـ (لا): هي أداة النفي، دخلت على المنفي بها، فينتفي إذا قاله الموحد.
الأمر الثاني: المستثنى بـ (إلا): وهو اللّه وحده دون كل ما سواه؛ من قبر، أو وثن، أو شجر، أو حجر، أو غير ذلك، فلا يقصد بشيء من أنواع العبادة شيئًا سوى اللّه تعالى وحده. فدلت على هذين الأمرين مطابقة" (٢).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: "فبهذا ونحوه تعرف أن معنى (لا إله إلا اللّه): النفي والإثبات، والولاء والبراء، والتجريد والتفريد، وهذه التفاسير ونحوها ترجع إلى معنى واحد، وهو: تجريد غير اللّه عن الألوهية وتفريدها للّه وحده دون كل من سواه، والبراءة من تأله غير اللّه بالكلية، ومن اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة يدخل الجنة، ولا يدخل النار فهو ضال، مخالف للكتاب، والسُّنَّة، وإجماع الأمة" (٣).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "تحقيق معنى (لا إله إلا اللّه)،