← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الخاصة الجامعة بين النفي والإثبات ليدل على حصر الإلهية لله تعالى؛ فإن الجمع بين النفي والإثبات أبلغ صيغ الحصر، وقد ثبت العلم الضروري بالاكتفاء بهذه الكلمة الشريفة في إثبات التوحيد لله تعالى، من غير نظر إلى واسطة بين النفي والإثبات، ولا انضمام لفظ آخر إليه" (١). ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "اعلم أن (لا إله إلا اللّه)، هي كلمة التقوى، والعروة الوثقى، وأصل دين الإسلام، ومفتاح دار السلام؛ قد دلت بمنطوقها وموضوعها، على نفي استحقاق الإلهية عن غيره تعالى، والبراءة من كل معبود سواه، قولًا وفعلًا، وإثبات استحقاق الإلهية على وجه الكمال لله تعالى. فالأول: وهو النفي، يستفاد من: (لا) واسمها، وخبرها المقدر، والإثبات: يستفاد من الاستثناء؛ لأن الإثبات بعد النفي المتقدم، أبلغ من الإثبات بدونه، وهذه طريقة القرآن، يقرن بين النفي والإثبات غالبًا؛ -كما في هذا الموضع- لأن المقصود لا يحصل إلا بهما" (٢). ثانيًا: من المعلوم مجيء جميع الأنبياء والرسل بالدعوة إلى (لا إله إلا اللّه)، وإخلاص العبادة لله تعالى، وقد جاءت النصوص القرآنية تبين وتوضح اشتمال دعوة الرسل جميعًا على النفي والإثبات، ومعناه كما سبق: الأمر بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، فهذا هو المقصود من النفي والإثبات، فإن دلالة (لا إله إلا اللّه) اللفظية على صورة الخبر، والمقصود منه الأمر والنهي -كما سيأتي تفصيل ذلك في تطبيقات القاعدة- ومن تلك الآيات التي جاءت مفسرة لكلمة التوحيد ما يأتي: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].

стр. 527

يقول الشيخ سليمان آل الشيخ في معنى الآية: "وهذه الآية هي معنى (لا إله إلا اللّه)، فإنها تضمنت النفي والإثبات كما تضمنته (لا إله إلا اللّه) ففي قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ الإثبات، وفي قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ النفي، فدلت الآية على أنه لا بد في الإسلام من النفي والإثبات، فيثبت العبادة لله وحده، وينفي عبادة ما سواه" (١). ويقول الشيخ الأمين الشنفيطي في تفسير الآية: "ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه بعث في كل أمة رسولًا بعبادة اللّه وحده، واجتناب عبادة ما سواه، وهذا هو معنى (لا إله إلا اللّه)؛ لأنها مركبة من نفي وإثبات، فنفيها: هو خلع جميع المعبودات غير الله تعالى، في جميع أنواع العبادات، وإثباتها: هو إفراده جلَّ وعلا بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله -عليهم صلوات اللّه وسلامه-" (٢). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقوله تعالى في براءة إبراهيم ﵇ من معبودات أبيه وقومه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]. يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ومعنى (لا إله): نفي و (إلا الله): إثبات. فإذا قيل لك إيش أنت ناف؟ وإيش أنت مثبت؟ فقل: ناف جميع ما يعبد من دون اللّه، ومثبت العبادة لله وحده لا شريك له، فإذا قيل لك: إيش الدليل على ذلك؟ فقل: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ هذا دليل النفي، ودليل

стр. 528

الإثبات: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ " (١). * المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة لا يكاد يخلو كلام أحد من أهل العلم -ممن تكلم في معنى كلمة التوحيد- من تقرير قاعدة النفي والإثبات في لا إله إلا اللّه؛ فمنهم من عبَّر عنهما بالأصل، وآخر بالركن، وغير ذلك، وفيما يأتي أذكر بعضًا مما وقفت عليه من تلك التقريرات: يقول الإمام ابن أبي العز الحنفي في قول الإمام الطحاوي: (ولا إله غيره): "هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم كما تقدم ذكره، وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر؛ فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال، ولهذا والله أعلم لما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] قال بعده: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]؛ فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد فلغيرنا إله غيره، فقال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ " (٢). ويقول الإمام ابن تيمية: "من سَوَّغَ أن يُدْعَى المخلوق، ومنع من دعاء الخالق الذي فيه تحقيق صمديته، وإلهيته فقد ناقض الإسلام في النفي والإثبات، وهو شهادة أن لا إله إلا اللّه" (٣). ويقول الإمام ابن القيم: "ونظير هذا اشتمال كلمة الإسلام وهي شهادة أن لا إله إلا اللّه على النفي والإثبات، فكان في الإتيان بالنفي في صدر هذه الكلمة من تقرير الإثبات، وتحقيق معنى الإلهية، وتجريد

стр. 529

التوحيد الذي يقصد بنفي الإلهية عن كل ما ادعيت فيه سوى الإله الحق ﵎، فتجريد هذا التوحيد من العقد واللسان بتصور إثبات الإلهية لغير اللّه -كما قاله أعداؤه المشركون- ونفيه وإبطاله من القلب واللسان من تمام التوحيد، وكماله، وتقريره، وظهور أعلامه، ووضوح شواهده، وصدق براهينه" (١). وقال أيضًا في حقيقة كلمة التوحيد: "وهي حقيقة التجريد والتفريد؛ فيتجرد عن عبادة ما سواه، ويفرده وحده بالعبادة، فالتجريد نفي، والتفريد إثبات، ومجموعهما هو التوحيد" (٢). وقال الإمام القرطبي: "قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، نفي وإثبات، أولها كفر وآخرها إيمان" (٣). ويقول الإمام العينٍ: "قوله: (لا إله إلَّا اللّه) إلى آخره: كلمة توحيد بالإجماع، وهي مشتملة على النفي والإثبات، فقوله: (لا إله): نفي الألوهية عن غير الله، وقوله: (إلا الله): إثبت الألوهية لله تعالى، وبهاتين الصفتين صار هذا كلمة التوحيد والشهادة، وقد قيل: إن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي" (٤). ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فاعلموا أن قول الرجل (لا إله إلا الله): نفي وإثبات؛ إثبات الألوهية كلها لله وحده، ونفيها عن الأنبياء، والصالحين وغيرهم" (٥). ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله: "فـ (لا إله إلا اللّه) اشتملت على نفي وإثبات، فنفت الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، فكل ما

стр. 530

سواه من الملائكة، والأنبياء، فضلًا عن غيرهم، فليس بإله، ولا له من العبادة شيء، وأثبتت الإلهية للّه وحده: بمعنى أن العبد لا يَألَه غيره: أي: لا يقصده بشيء من التأله، وهو تعلق القلب الذي يوجب قصده بشيء من أنواع العبادة" (١). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "و (لا إله إلا اللّه) خير الكلام وأفضله، وتناولت الدين كله، ودلت عليه مطابقة وتضمنًا والتزامًا، وتضمنت أمرين هما أساس الدين: الأول: نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى نفيًا عامًا، وهي العبادة كما نطق به القرآن في مواضع كثيرة فـ (لا): هي أداة النفي، دخلت على المنفي بها، فينتفي إذا قاله الموحد. الأمر الثاني: المستثنى بـ (إلا): وهو اللّه وحده دون كل ما سواه؛ من قبر، أو وثن، أو شجر، أو حجر، أو غير ذلك، فلا يقصد بشيء من أنواع العبادة شيئًا سوى اللّه تعالى وحده. فدلت على هذين الأمرين مطابقة" (٢). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: "فبهذا ونحوه تعرف أن معنى (لا إله إلا اللّه): النفي والإثبات، والولاء والبراء، والتجريد والتفريد، وهذه التفاسير ونحوها ترجع إلى معنى واحد، وهو: تجريد غير اللّه عن الألوهية وتفريدها للّه وحده دون كل من سواه، والبراءة من تأله غير اللّه بالكلية، ومن اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة يدخل الجنة، ولا يدخل النار فهو ضال، مخالف للكتاب، والسُّنَّة، وإجماع الأمة" (٣). ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "تحقيق معنى (لا إله إلا اللّه)،

стр. 531

وهي متركبة من نفي وإثبات، فمعنى النفي منها خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت، ومعنى الإثبات منها إفراد اللّه جلَّ وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله -عليهم الصلاة والسلام-" (١). ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "فمعنى (لا إله إلا اللّه): لا معبود بحق إلا اللّه (لا إله) نافيًا جميع ما يعبد من دون اللّه، فلا يستحق أن يعبد (إلا اللّه)، مثبتًا العبادة للّه، فهو الإله الحق المستحق للعبادة" (٢). * المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها بعض فوائد القاعدة: أولًا: دلت القاعدة على تضمن كلمة التوحيد -لا إله إلا اللّه- على النفي والإثبات معًا؛ إذ لا تصح هذه الكلمة العظيمة بواحد منهما دون الآخر، ولا يدخل الكافر في الإسلام إلا إذا جمع بين النفي والإثبات، فالنفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجبًا للمدح والثناء، بل لا يكون مدحًا إلا إذا تضمن أمرًا ثبوتيًا؛ فإن من أثبت الألوهية لله تعالى بدون نفيها عن غيره لم يأت بالتوحيد الذي دلت عليه كلمة لا إله إلا اللّه حتى يجمع بين النفي والإثبات. يقول الإمام ابن تيمية: "وهذا أصل مستمر: وهو أن العدم المحض الذي لا يتضمن ثبوتًا لا مدح فيه ولا كمال" (٣). ويقول الإمام ابن القيم: "طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي

стр. 532

بالإثبات، فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد، والنفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات بدون النفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنًا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة (لا إله إلا الله) فلم جاءت هذه السورة بالنفي المحض وما سر ذلك" (١). بل لا يمكن تحقيق الإثبات الكامل العاري عن كل نقص بدون اعتقاد النفي، ولذا قُدّم النفي على الإثبات، فينفي النقص والباطل أولًا ثم يثبت بعد ذلك الكمال. يقول أبو المظفر الإسفرايني (٢): "وأمر سبحانه الكافة بكلمة الإيمان (لا إله إلا اللّه)، جمع فيها بين النفي والإثبات، وقدم النفي على الإثبات ليعلم أن الإثبات لا يحصل إلا بصيانته عن كل ما يتضمن مخالفته، وهكذا جمع في سورة الإخلاص بين النفي والإثبات، فوصف نفسه بأوصاف الكمال في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ١، ٢]، ونفى عن نفسه النقصان بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٣، ٤]، ... وتقرَّر بهذه الجملة وجوب المعرفة بالنفي والإثبات، والتمييز بين الحق والباطل، ومن لم يتحقق له معرفة نفي صفة الباطل لم يتحقق له معرفة إثبات صفة المعرفة بالحق، وقد كان أصحاب رسول اللّه ﷺ يسألونه عن الحق لصحة الاعتقاد والمعرفة، وعن الباطل والشر للتمكن من المجانبة" (٣).

стр. 533

ثانيًا: جاءت كلمة التوحيد (لا إله إلا اللّه) بما تضمنته من نفي وإثبات على صورة الخبر، والمقصود بذلك الأمر والنهي؛ النهي عن عبادة غيره ، وإفراده بالعبادة والخضوع والتعظيم، فهي أمر ونهي لكن بصيغة الإخبار. يقول الإمام ابن تيمية: "وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِي دَلَالَةِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَقَدْ أَخْبَرَ وَبَيَّنَ وأَعْلَمَ أَنَّ مَا سَوَاهُ لَيْسَ بِإِلَهِ فَلَا يُعْبَدُ، وَأَنَّهُ وَحْدَهُ الْإِلَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِعِبَادَتِهِ، وَالنَّهْيَ عَنْ عِبَادَةِ مَا سَواهُ؛ فَإِنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ فِي مِثْلِ هَذَا يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، كَمَا إِذَا اسْتَفْتَى شَخْصٌ شَخْصًا فَقَال لَهُ قَائِلٌ: هَذَا لَيْسَ بِمُفْتٍ هَذَا هُوَ الْمُفْتِي فَفِيهِ نَهْيٌ عَنْ اسْتِفْتَاءِ الْأَوَّلِ، وأَمْرٌ وَإِرْشَادٌ إِلَى اسْتِفْتَاءِ الثَّانِي. وَكَذَلِكَ إِذَا تَحَاكَمَ إِلَى غَيْرِ حَاكِمٍ، أَوْ طَلَبَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ وَليِّ الْأَمْرِ فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذَا حَاكِمًا وَلَا هَذَا سُلْطَانًا؛ هَذَا هُوَ الْحَاكِمُ، وَهَذَا هُوَ السّلْطَانُ، فَهَذَا النَّفْيُ وَالْإِثْباتُ يَتَضَمَنُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الطَّالِبَ إِنَّمَا يَطْلُبُ مَنْ عِنْدَهُ مُرادُهُ وَمَقْصُودُهُ، فَإِذَا ظَنَّهُ شَخْصًا فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ مُرَادُك عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا مُرَادُكَ عِنْدَ هَذَا كَانَ أَمْرًا لَهُ بِطَلَبِ مُرَادِهِ عِنْدَ هَذَا دُونَ ذَاكَ. وَالْعَابِدُونَ إنَّمَا مَقْصُودُهُمْ أَنْ يَعْبُدُوا مَنْ هُوَ إِله يَسْتَحِق الْعِبَادَةَ؛ فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ كُلُّ مَا سَوَى اللّهِ لَيْسَ بِإِلَهِ، إِنَّمَا الْإِلَهُ هُوَ اللّهُ وَحْدَهُ كَانَ هَذَا نَهْيًا لَهُمْ عَنْ عِبَادَةِ مَا سَوَاهُ وأَمْرًا بِعِبَادَتِهِ" (١). ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "فتضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى اللّه ليس بإله، وأن إلهية ما سواه أبطل الباطل، وإثباتها أظلم

стр. 534

الظلم، فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح الإلهية لغيره، فتضمنت نفي الإلهية عما سواه، وإثباتها له وحده لا شريك له، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه إلهًا وحده، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلهًا، وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات، كما إذا رأيت رجلًا يستفتي أو يستشهد من ليس أَهْلًا لذلك، ويدع من هو أَهْلٌ له، فتقول: هذا ليس بمفتٍ، ولا شاهدٍ، المفتي فلان، والشاهد فلان؛ فإن هذا أمر منه ونهي" (١). ثالثًا: لا بد من اعتقاد النفي والإثبات الذي دلت عليه كلمة التوحيد، وإلا فمجرد النطق بها باللسان لا يعتد به، ولا يكون المتلفظ بها داخلًا في الإسلام إذا لم يعتقد ويعلم ويتيقن بما دلت عليه من النفي والإثبات، فمن لم يعتقد ذلك ويوقن به فلا اعتبار لقوله، وإن نطق بها ليله ونهاره، فإن مدار نفع هذه الكلمة بعد النطق بها على معرفة معناها، واعتقاد ما دلت عليه من نفي الإلهية عن غيره سبحانه، واثباتها له خالصة دون ما سواه. يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن في شرحه لكلام جدّه - الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب- رحمها اللّه: "وقوله ﵀: (ومنهم من لم يعرف الشرك، ولم ينكره) قلت: من لم يعرف الشرك، ولم ينكره لم ينفه؛ ولا يكون موحدًا إلا من نفى الشرك، وتبرأ منه، وممن فعله، وكفرهم، وبالجهل بالشرك لا يحصل شيء مما دلت عليه لا إله إلا اللّه، ومن لم يقم بمعنى هذه الكلمة، ومضمونها فليس من الإسلام في شيء؛ لأنه لم يأت بهذه الكلمة، ومضمونها عن علم، ويقين، وصدق، وإخلاص، ومحبة، وقبول، وانقياد، وهذا النوع ليس معه من ذلك شيء، وإن قال لا إله إلا اللّه، فهو لا يعرف ما دلت

стр. 535

عليه، ولا ما تضمنته" (١). رابعًا: النفي الذي تضمنته كلمة التوحيد والمتمثل في قولنا (لا إله) يتناول آلهة حقيقية، لها أفراد في هذا العالم، عبدت وصرفت لها العبادة من دون اللّه تعالى، من الأصنام والأوثان، والطواغيت، والأحجار، والأشجار، وغير ذلك مما عُبِدَ وأُلِّه من دون اللّه . وفي هذا إبطال لقول من جعل المنفي بلا إله إلا اللّه كلي منوي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد هو المستثنى، فهو المنفي وهو المستثنى. يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "واعلم أنني لما كتبت قبل هذا في رد قول هذا الملحد: أن المنفي بلا إله إلا اللّه كلي منوي، لا يوجد منه في الخارج إلا فرد وهو المستثنى، فأجبت بما حاصله: إذا كانت لا إله إلا اللّه لم تنف إلا كليًا منويًا، فعلى هذا القول الباطل لم تنف لا إله إلا اللّه صنمًا، ولا وثنًا، ولا طاغوتًا، وصار النفي مُنْصبًّا على الفرد، فهو المنفي وهو المستثنى، وتناقض هذا لا يخفى على من له عقل وفهم. وقد عرفت أن هذه دعوى منه مخالفة لما بعث اللّه به رسله من توحيده، وعلى قول هذا لم يكن لـ (لا إله إلا اللّه) مدخل في الكفر بالطاغوت، والبراءة من الأوثان التي صرح القرآن بنفيها بكلمة الإخلاص -لا إله إلا اللّه-" (٢). وقال ﵀ أيضًا: "وكل ما نفته (لا إله إلا اللّه) من الأصنام والأنداد فليس كليًا لا يوجد إلا ذهنًا، كما يقوله المفتري أفلاطون الفيلسوف وشيعته، وإنما كانت أشخاصًا متعددة، يباشرها عبادها بالعبادة

стр. 536

بالدعاء، والاستغاثة والاستشفاع بها، والعكوف عندها، والتبرك بها كأصنام قوم نوح، وأصنام قوم عاد" (١). وقال ﵀: "ثم إن هذا الرجل انتهى أمره في ما كتبه إلى أن زعم: أن المنفي بـ (لا) كلي، وهذا الكلي منوي ذهنًا لا يوجد منه في الخارج إلا فرد، وذلك الفرد المنفي بلا هو المستثنى بعينه، وهذا صريح كلامه، وأتى فيه بثلاث عظام هي إلى الكفر أقرب منها إلى الإيمان: الأولى: أنه زعم أن المنفي بلا كلي لا يوجد إلا ذهنًا، فعنده أنها لم تنف طاغوتًا، ولا وثنًا، ولا صنمًا، ولا غيرها مما يعبد من دون اللّه. كما أنه خالف أيضًا أهل المنطق؛ فإن الكلي عندهم مقول على كثيرين، مختلفين بالعدد دون الحقيقة، ولم يقولوا: إنه منوي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد. الثانية: أنه زعم أن ذلك الفرد الذي لا يوجد غيره، لما كان منفيًا بـ (لا) صار ثابتًا بـ (إلا)، وهو فرد واحد، فصار الإله عنده متصفًا بالنفي والإثبات، والنفي والإثبات في فرد نقيضان، ومقتضاه أن هذا الفرد صار أولًا باطلًا؛ لأنه منفي بـ (لا) ثم صار حقًا؛ لأنه استثني بـ (إلا)، فاجتمع فيه الوصفان. نعوذ باللّه من هذا التهافت والإلحاد، والتناقض والعناد. والثالثة: أنه صرح أن المنفي كلي، والفرد الموجود في الخارج جزئي، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، وهذا هو حقيقة قول هذا؛ ولهذا مثّله بقوله: (لا شمس إلا الشمس) " (٢).

стр. 537

المبحث الثالث قاعدة الكفر بالطاغوت ركن التوحيد ويشتمل على ما يأتي من مسائل: * المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة معنى الطاغوت: الطاغوت مشتق من أصل لغوي ثلاثي هو (طَغَى يَطْغَى أو يَطْغُو) (١) على وزن (فَعَلُوتٌ)، وليس (فَاعُوْل)، يدل على ذلك الاشتقاق، وأن (طوغ وطيغ) مهملان في العربية، وأصله (طَغَيُوت أو طَغَوُوت)، من الياء أو الواو؛ لأن (طغى يطغى ويطغو) كلاهما ثابتان في العربية، ثم وقع فيه قلب مكاني بتقديم لام الكلمة على عينها، فصار (طَيَغُوت أو طَوَغوت) على وزن (فَلَعُوت)، والقصد من هذا القلب تأتّي إبدال الواو ألفًا

стр. 538

بتحرّكها وانفتاح ما قبلها، والعرب قد يقلبون حروف الكلمة ليتأتّى الإبدال، كما قلبوا (أرْءَام) جمع ريم إلى (آرام) ليتأتى إبدال الهمزة الثانية الساكنة ألفًا بعد الأولى المفتوحة، وقد ينزلون هذا الاسم منزلة المفرد فيجمعونه جمع تكسير على (طواغيت) ووزنه (فَعَالِيل) (١). و (طَغَى) سواء كان اعتلاله بالواو أو الياء فهو أصل واحد يدل على معنى واحد، وهو مجاوزة الحد في العصيان، وكل مجاوز حدَّه في العصيان فهو طاغ، والطَغْوَى مثل الطُغْيَان، وكذا الطُغْوَانُ (٢). وفي معنى الطاغوت أقوال كثيرة لأهل العلم، فقيل: هو الشيطان، وهو قول عمر بن الخطاب وابن عباس ﵃ ومجاهد وقتادة والشعبي، وقيل: هو الكاهن، قاله سعيد بن جبير، وقيل: الساحر، قاله أبو العالية، وقيل: الأصنام، وقيل: مردة الجن والإنس وكل ما يطغى (٣). وهذا تفسير له ببعض أفراده، وإلا فالطاغوت يطلق على كل من طغى وتجاوز حده بعبادة أو طاعة، كما سيأتي بيانه في أقوال أهل العلم (٤). قال الإمام مالك بن أنس: "الطاغوت: كل ما عبد من دون اللّه؛

стр. 539

من صنم، أو كاهن، أو ساحر، أو كيفما تصرف الشرك فيه" (١). ويقول الإمام الطبري: "والصواب من القول عندي في الطاغوت: أنه كل ذي طغيان على الله، فَعُبِدَ من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنسانًا كان ذلك المعبود، أو شيطانًا، أو وثنًا، أو صنمًا، أو كائنًا ما كان من شيء" (٢). ويقرِّر الرازي عموم معنى الطاغوت وأن ما ذكر عن السلف من معانٍ إنما هي أسباب حصل بسببها الطغيان، وليس بمنحصر فيها، فقد يوجد الطغيان بصور أخرى غيرها (٣)، وحصر ابن عطية: معنى الطاغوت فيمن عُبِدَ وأطيع من دون الله تعالى (٤). وحقق الألولسي عمومه في سائر ما يطغى، وأن ما ذكر عن السلف هو من باب التمثيل فقط (٥). ويقول الإمام ابن القيم: "والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده؛ من معبود، أو متبوع، أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته" (٦). ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "والطاغوت عام؛ فكل ما عبد من دون الله، ورضي بالعبادة، من معبود،

стр. 540

أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله فهو طاغوت" (١). يقول الشيخ سليمان بن عبد الله: "والطاغوت كل باطل ليس من الدين وكل ما طغى من شيطان جني أو أنسي" (٢). وقال الشيخ سليمان بن سحمان (٣) معقبًا على تعريف الإمام ابن القيم للطاغوت ومبينًا لأفراده: "وحاصله: أن الطاغوت ثلاثة أنواع: طاغوت حكم، وطاغوت عبادة، وطاغوت طاعة ومتابعة" (٤). وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي مبينًا عموم معنى الطاغوت: "وهو كل ما ينافي الإيمان بالله من الشرك وغيره" (٥). ويقول الشيخ الأمين الشنقيطي: "واعلم أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، ولا تنفع عبادة الله إلا بشرط اجتناب عبادة ما سواه" (٦). "والذي يستخلص من كلام السلف ﵃، أن الطاغوت: كل ما صرَف العبد وصدّه عن عبادة الله، وإخلاص الدين والطاعة لله ولرسوله ﷺ ، سواء في ذلك الشيطان من الجن، والشيطان من الإنس، والأشجار، والأحجار، وغيرها" (٧). فظهر مما سبق من أقوال أهل العلم أن لفظ الطاغوت اسم جنس

стр. 541

عام يشمل كل ما تجاوز به المخلوق حدَّه، فادعى لنفسه أو لغيره شيئًا من خصائص الربوبية أو الألوهية، مما تفرد الله ﵎ به، أو نُسِبَ إليه شيء من هذه الخصائص فرضي بها ولم ينكرها، ويدخل فيه كل ما عبد من دون الله تعالى، ومن يتسبب في ضلال الناس وصدهم من الشياطين وبني آدم فيفسد عليهم فطرهم التي خلقهم الله عليها (١). ويمكن إرجاع جميع الأقوال السابقة عن أهل العلم في معنى الطاغوت إلى قول عمر بن الخطاب وابن عباس ﵃ ومن قال بقولهم بأن الطاغوت هو الشيطان، وذلك لأن الشيطان هو الداعي في الأصل إلى عبادة ما عبد من دونه، وكل من وقع وذلك لأن الشيطان هو الداعي في الأصل إلى عبادة ما عبد من دونه، وكل من وقع في الكفر بالله العظيم فبسبب دعوته وتسويله وتزيينه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا

стр. 542

الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣]، فمن عبد غير الله كائنًا ما كان فإنما عبد في الحقيقة الشيطان كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ [يس: ٦٠]. وقال عن مجادلة إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ [مريم: ٤٤]، مع ما صرح الله به من عبادة أبيه للأصنام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾ [الأنعام: ٧٤]. فالشيطان هو أصل الطغيان في الأرض، وكل من طغى وتجاوز الحد بعده فهو إمامه وقائده، يستمد منه الكفر والطغيان، ويستقي منه الضلال والبهتان، فكان حقيقًا بأن يسمى الطاغوت الأكبر. يقول ابن عطية معقبًا على الأقوال التي قيلت في معنى الطاغوت: "وبين أن هذه أمثلة في الطاغوت؛ لأن واحد منها له طغيان، والشيطان أصل ذلك كله" (١). ولذا قال الإمام ابن كثير عقب ذكره لقول عمر ﵁ في الطاغوت بأنه الشيطان: "ومعنى قوله في الطاغوت إنه الشيطان قوي جدًا؛ فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان، والتحاكم إليها، والاستنصار بها" (٢). * المسألة الثانية * معنى القاعدة جاءت هذه القاعدة في بيان مكانة الكفر بالطاغوت من الإسلام، وأنه عمود من أعمدته، وركن من أركانه، ولا يبقى مع الإيمان

стр. 543

بالطاغوت إسلام ولا دين، وهو أصل متين، وأساس مكين يقوم عليه ركن النفي في كلمة الإخلاص لا إله إلا الله (١)، ولا نصيب لأحد بدونه في نجاة ولا سعادة، إذ كيف ينال السعادة من لم يحقق كلمة الإخلاص التي هي أساس النجاة والخلاص. يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمنًا بالله إلا بالكفر بالطاغوت" (٢). وقال الإمام عبد الرحمن بن حسن: "إن لم ينكر الشرك لم يعرف التوحيد، ولم يأت به، وقد عرفت أن التوحيد لا يحصل إلا بنفي الشرك، والكفر بالطاغوت" (٣). ويقول الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: "وأعظم حق الإسلام وأصله الأصيل: هو عبادة الله وحده، والكفر بما يعبد من دونه، وهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص" (٤). وأما كيفية الكفر بالطاغوت فإنه يشمل الاعتقاد، والقول، والعمل، فيعتقد بطلان جميع الآلهة والمعبودات من دن الله تعالى، وأنها لا تملك خيرًا ولا شرًا، ولا نصرًا ولا عزًا، ويوقن ببطلان كل عبادة صرفت لغيره ، مع بغض الشرك وعداوة أهله وأنصاره، والبراءة منهم، ثم لا بد من التصريح باللسان بنفي هذه المعبودات نفيًا قاطعًا حاسمًا، وأنه ليس لها أدنى مثقال ذرة من الحق في الألوهية والعبادة والتعظيم من دون الله تعالى، والحكم عليها بالكفر والخسران، والضلال والخذلان، ويلزمه بعد ذلك اجتناب المعبودات من دونه سبحانه، ومفارقتها، ومجاهدتها وأهلها بالقول والعمل، وإزالتها باليد عند القدرة وانعدام

стр. 544

المفسدة، وفيما يأتي تقرير أهل العلم لكيفية الكفر بالطاغوت: يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فأما صفة الكفر بالطاغوت فهو أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغضها، وتكفر أهلها، وتعاديهم" (١). ويقول ﵀: "ومعنى الكفر بالطاغوت: أن تبرأ من كل ما يعتقد فيه غير الله؛ من جني، أو إنسي، أو شجر، أو حجر، أو غير ذلك، وتشهد عليه بالكفر والضلال، وتبغضه، ولو كان أنه أبوك أو أخوك" (٢). ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله: "ومعنى الكفر بالطاغوت: هو خلع الأنداد والآلهة التي تدعى من دون الله من القلب، وترك الشرك بها رأسًا، وبغضه وعداوته" (٣). وقال ﵀ أيضًا: "ويدخل في الكفر بالطاغوت: بغضه، وكراهته، وعدم الرضا بعبادته بوجه من الوجوه" (٤). ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: "بل لا بد من الكفر بما عبد من دون الله، والكفر فيه بغضه، وتركه، وردَّه، والبراءة منه، ومعرفة بطلانه، وهذا لا بدَّ منه في الإسلام، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] " (٥). وبين الشيخ سليمان بن سحمان كيفية الكفر بالطاغوت، وأنه يتضمن القول والعمل، والاعتقاد فيقول عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ... وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى

стр. 545

فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧)﴾ [الزمر: ١٧]: "ففي هذه الآيات من الحجج على وجوب اجتنابه وجوه كثيرة؛ والمراد من اجتنابه هو بغضه، وعداوته بالقلب، وسبه وتقبيحه باللسان، وإزالته باليد عند القدرة، ومفارقته، فمن ادعى اجتناب الطاغوت ولم يفعل ذلك فما صدق" (١). ويقول الشيخ أبا بطين: "لان معنى الكفر بما يعبد من دونه: البراءة منه، واعتقاد بطلانه، وهذا معنى الكفر بالطاغوت" (٢). * المسألة الثالثة * أدلة القاعدة دلت أدلة كثيرة على اعتبار الكفر بالطاغوت من أركان الإيمان، وأصول التوحيد، وأنه شرط في أصل الإيمان لا يصح إيمان إنسان بدونه، ومن تلك الأدلة ما يلي: أولًا: قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]. دلالة الآية: أن من كفر بالطاغوت قولًا وعملًا واعتقادًا، وآمن بالله تعالى قولًا وعملًا واعتقادًا كان ممن استمسك بالعروة الوثقى؛ التي لا انقطاع لها، وهي كلمة التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله. فلا يصح الإيمان والتوحيد إذا لم يتقدمه كفر بالطاغوت، بل لا يتصور وجود إيمان صحيح، وتوحيد نافع بدون تحقيق هذا الركن؛ ولذا قرن الله تعالى بينهما فلا يفترقان أبدًا. يقول الإمام ابن كثير في معنى الآية: "أي: من خلع الأنداد،

стр. 546

والأوثان، وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله، فعبده وحده، وشهد أن لا إله إلا هو فقد استمسك بالعروة الوثقى، أي: فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريقة المثلى، والصراط المستقيم" (١). وقال الإمام عبد الرحمن بن حسن: "فدلت الآية على أنه لا يكون مستمسكًا بلا إله إلا الله إلا إذا كفر بالطاغوت، وهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن لم يعتقد هذا فليس بمسلم، لأنه لم يتمسك بلا إله إلا الله" (٢). وقال الإمام سليمان بن سحمان: "فبين تعالى أن المستمسك بالعروة الوثقى هو الذي يكفر بالطاغوت، وقدم الكفر على الإيمان بالله؛ لأنه قد يدعي المدعي أنه يؤمن بالله وهو لا يتجنب الطاغوت، فتكون دعواه كاذبة" (٣). وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "فدلت هذه الآية وما قبلها على أن الكفر بالطاغوت شرط لا يحصل الإسلام بدونه" (٤). ويقول الأمين الشنقيطي: "وأشار إلى أنه لا يؤمن أحد حتى يكفر بالطاغوت بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، ومفهوم الشرط أن من لم يكفر بالطاغوت لم يستمسك بالعروة الوثقى وهو كذلك، ومن لم يستمسك بالعروة الوثقى فهو بمعزل عن الإيمان؛ لأن الإيمان بالله هو العروة الوثقى، والإيمان بالطاغوت

стр. 547

يستحيل اجتماعه مع الإيمان بالله؛ لأن الكفر بالطاغوت شرط في الإيمان بالله، أو ركن منه كما هو صريح قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ " (١). وقال في موضع آخر مستدلًا بالآية: "فيفهم منه أن من لم يكفر بالطاغوت لم يتمسك بالعروة الوثقى، ومن لم يستمسك بها فهو مترد مع الهالكين" (٢). ثانيًا: قوله ﵇: "مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ" (٣). يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفُّظَ بها عاصِمًا للدَّم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لَفْظها، بل ولا الإقرارَ بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك به، بل لا يَحْرُمُ ماله ودمُه حتى يُضِيفَ إلى ذلك الكفْرَ بما يعْبُدُ من دون الله، فإن شَك أو توقّفَ لم يَحْرُمْ ماله ودمُه، فيا لها من مسألةٍ ما أعْظَمها وأجَلّها، ويا لَهُ من بيانٍ ما أوْضَحَهُ، وحجّةٍ ما أقطَعَهَا للمنازع" (٤). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "اعلم أن النبي ﷺ في هذا الحديث علق عصمة المال والدم بأمرين؛ الأول: قول لا إله إلا الله، والثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لا بد من قولها والعمل بها" (٥).

стр. 548

ويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم بعد ذكره لكلام الإمام المجدد في حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه: "وهذا -أي: الكفر بالطاغوت- هو الشرط المصحح لقول لا إله إلا الله، فلا يصح قولها بدون هذه الخمس التي ذكر أصلًا" (١). * المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة من الواضح المستبين لمن ناظر أقوال أهل العلم، وتأمَّل تقريراتهم في هذا الباب اهتمامهم البالغ، وحرصهم العظيم على تجلية مسائل الكفر بالطاغوت، وبيان مكانته من الدين، ولا يبعد ذلك عليهم بعد أن عرفنا مكانة هذا الركن الأكبر، والأصل الأعظم لدين الإسلام؛ إذ هو المتمثِّل في جانب النفي في كلمة التوحيد، وفيما يأتي أذكر بعض أقوالهم التي وقفت عليها في ذلك: يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد كما في آية البقرة، فإذا لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدًا" (٢). وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن أبا بطين: "ومن المعلوم أنّه لا يصحّ إسلام إنسان حتّى يكفر بالطّاغوت وهو كلّ ما عبد من دون الله ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وفي الحديث الصحيح: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه"، والكفر بذلك: البراءة منه، واعتقاد

стр. 549

بطلانه، نسأل الله لنا ولكم الهدي والسّداد والله أعلم" (١). وقال الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى النجدي (٢): "وقد علمنا أن الله قد شرط في صحة الإيمان به الكفر بالطاغوت؛ لقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فصار الكفر بالطاغوت شرطًا في صحة الإيمان بالله واجبًا لا يمكن وجود الإيمان إلا بوجوده (٣) ". وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله-: "فالإيمان بالله لا يصح إلا بعد الكفر بالطاغوت، فالكفر بالطاغوت ركن الإيمان، فلا يصح أن يجمع بين الإيمان بالله والإيمان بالطاغوت؛ لأن هذا جمع بين نقيضين، والله قدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله" (٤). * المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها يمكن الاستفادة من هذه القاعدة وتطبيقها في نواح شتى، ومجالات عديدة، وفيما يأتي أنقل بعض ما ظهر من تلك الفوائد: أولًا: عدم صحة الإيمان والتوحيد بدون تحقيق الكفر بالطاغوت، إذ هو ركنه الأصيل، وإذا فقد ركن الشيء زالت ماهيته، وبطل وجوده، وتحول عن مسماه الشرعي، فلا يبقى بدون تحقيقه إيمان شرعي في القلب.

стр. 550

ثانيًا: ركنية الكفر بالطاغوت وشرطيته في صحة الإيمان، وقيام الإسلام منشؤه من التلازم الكلي التام -الذي لا ينفك أبدًا- بينه وبين الإيمان الشرعي الصحيح بالله تعالى، وبين بغض الطاغوت وعداوته، وبين محبة الرب ، ولذا لا يوجد إيمان صحيح في القلب بالله تعالى بدون الكفر بالطاغوت، ولا محبة شرعية مقبولة عند الله تعالى بدون بغض وعداوة للطاغوت. يقول أبو حيان: "لأن الكفر بها هو رفضها ورفض عبادتها ولم يكتف بالجملة الأولى؛ لأنها لا تستلزم الجملة الثانية إذ قد يرفض عبادتها ولا يؤمن بالله لكن الإيمان يستلزم الكفر بالطاغوت" (١). يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: في جواب سؤال عمن كان في سلطان المشركين، وعرف التوحيد وعمل به، ولكن ما عاداهم، ولا فارق أوطانهم؟ فأجاب ﵀ بقوله: "هذا السؤال صدر عن عدم التعقل لصورة الأمر، والمعنى المقصود من التوحيد والعمل به؛ لأنه لا يتصور أنه يعرف التوحيد ويعمل به، ولا يعادي المشركين؛ ومن لم يعادهم لا يقال له: عرف التوحيد وعمل به. والسؤال متناقض -وحسن السؤال مفتاح العلم-. وأظن مقصودك: من لم يظهر العداوة، ولم يفارق؛ ومسألة إظهار العداوة غير مسألة وجود العداوة، فالأول: يعذر به مع الخوف والعجز، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، والثاني: لا بد منه؛ لأنه يدخل في الكفر بالطاغوت، وبينه وبين حبِّ الله ورسوله تلازم كُليِّ لا ينفك عن المؤمن" (٢). ثالثًا: سبقت الإشارة إلى أن تحقيق الكفر بالطاغوت يكون بالقلب

стр. 551

واللسان والجوارح، ولكن لا يلزم من تحقيق الكفر به إزالته عن الوجود، وإن كانت إزالته من أعظم القربات، وأجل الطاعات، وهو أمر مطلوب شرعًا؛ لما في وجوده من الشر المستطير، والفتنة العظيمة، ولكن ذلك حسب الاستطاعة والقدرة، ومراعاة المصالح والمفاسد التي يقدرها أهل العلم والأمانة، الراسخين في الفهم والديانة. ولا أدل على هذا من وجود ثلاثِ مائة وستون صنمًا حول الكعبة، في أيام الجاهلية تعبدها قريش والعرب من دون الله تعالى، والرسول ﷺ يدعوهم إلى إفراد الله بالعبادة، ونبذ هذه الطواغيت، وترك عبادتها، والكفر بها، والبراءة منها، بل سفهها لهم، وبين لهم فقرها وضعفها، ومع ذلك فإنه ﵇ لم يتعرض لهدمها أو تكسيرها وإزالتها في أول الدعوة؛ لعدم قدرته على ذلك مع تحقيقه ﷺ هو وأصحابه للكفر بهذه الطواغيت بالقلب واللسان أعظم تحقيق، وبعدما مكنه الله تعالى من قريش فظفر بهم، وفتحت مكة على يديه، كانت إزالة هذه الطواغيت هي أولى مهامه التي قام بها في مكة، فلم يترك فيها صنمًا واحدًا إلا كسره وأباده، بل أرسل بعض أصحابه إلى هدم ما بَعُدَ منها عن مكة؛ كاللات والعزى وغيرها من الأوثان. يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "إن الله تعالى لما أرسل محمدًا ﷺ يدعو الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنه رسول الله، وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا تعبدها قريش، وكانوا يعبدون اللات، والعزى، ومناة، وهي أكبر الطواغيت التي يعبدها أهل مكة والطائف ومن حولهم، فاستجاب للنبي ﷺ من استجاب من السابقين الأولين، وهاجر من هاجر منهم إلى الحبشة، وكل من آمن منهم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، رغبة عن الشرك وعبادة الأوثان، وكفرًا بها، وبراءة منها، ومسبة لها، فصح إسلامهم وإيمانهم بذلك مع كونها موجودة يعبدها من يعبدها ممن لم يرغب عنها وعن عبادتها.

стр. 552

فبهذا يتبين أنه ليس المراد من نفي الأوثان والأصنام وغيرها في كلمة الإخلاص زوال ماهية الأصنام ونفي وجودها، وإنما المراد إنكار عبادتها، والكفر بها، وعداوتها كما تقدم بيانه، وكل من تبرأ منها ورغب عنها فقد نفاها بقول لا إله إلا الله، وأثبت الألوهية لله تعالى دون كل ما يعبد من دونه، فلما تمكن ﷺ من إزالة هذه الأصنام كسرها وبعث من يزيل ما بعد عنه منها فخلت الجزيرة من أعيانها، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] " (١). رابعًا: أن من لوازم الكفر بالطاغوت الكفر بأهله وأنصاره، وبغضهم وعدم موادتهم، والبراءة منهم ومن أعمالهم، وجهادهم باللسان والسنان في ذات الله تعالى، نصرة للتوحيد، ولتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى. والحاصل أنه يلزم الكفر بالفعل والفاعل، والعمل والعامل، والشرك والمشرك؛ وهذا أمر بين. قال : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦)﴾ [الزخرف: ٢٦]،، وقال : ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ [التوبة: ٣]. وهكذا أعلنها إبراهيم ﵇ لقومه مصرحًا لهم بكفره بهم وبما

стр. 553

عبدوه من دون الله من الطواغيت فقال لهم: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ وقبلها: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. يقول الإمام الطبري: " ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾: أيها المعبودون من دون الله، ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ أيها العابدون ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ " (١). قال البيضاوي: " ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾: أي: بدينكم أو بمعبودكم، أو بكم وبه فلا نعتد بشأنكم وآلهتكم" (٢). يقول الإمام ابن كثير: " ﴿قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾: أي: تبرأنا منكم ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾: أي: بدينكم وطريقكم ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾؛ يعني: وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم ما دمتم على كفركم فنحن أبدًا نتبرأ منكم ونبغضكم ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾: أي: إلى أن توحدوا الله فتعبدونه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد" (٣). ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: " ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا﴾؛ أي: ظهر وبان ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾؛ أي: البغض بالقلوب وزوال مودتها، والعداوة بالأبدان، وليس لتلك العداوة والبغضاء وقت ولا حد، بل ذلك ﴿أَبَدًا﴾ ما دمتم مستمرين على كفركم ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾؛ أي: فإذا آمنتم بالله وحده زالت العداوة والبغضاء وانقلبت مودة وولاية" (٤).

стр. 554

المبحث الرابع قاعدة محبة الله هي أصل الدين والمحبة فيه أو له تبع لمحبته والمحبة معه تضاده وتناقضه وفيه مسائل: * المسألة الأولى * شرح معاني مفردات القاعدة معنى المحبة: المَحَبَّةُ مصدر مشتق من أصل لغوي هو (حب)، يقال: أَحَبَّهُ وحَبَّه حُبًا ومَحَبَّةً، ولا فرق، هذا هو اشتقاقها من حيث اللفظ، أما من حيث المعنى فقد ذُكرت في معنى هذه المادة أقوال كثيرة في كتب اللغة، وساقها الإمام ابن القيم مبينًا ارتباط هذه المعاني وعلاقتها بالمحبة، وفيما يلي أسوق هذه المعاني بشيء من الاختصار والتصرف: مادة (حب) تدور في اللغة على خمسة أشياء: أحدها: الصفاء والبياض. الثاني: العلو والظهور. الثالث: اللزوم والثبات. الرابع: اللب.

стр. 555

الخامس: الحفظ والإمساك (١). يقول الإمام ابن القيم بعد ذكره هذه المعاني: "ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة؛ فإنها صفاء المودة، وهيجان إرادات القلب للمحبوب، وعلوها وظهورها منه، لتعلقها بالمحبوب المراد، وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزومًا لا تفارقه، ولإعطاء المحب محبوبه لبه وأشرف ما عنده وهو قلبه، ولاجتماع عزماته وإراداته وهمومه على محبوبه" (٢). وأصل المحبة الإرادة والميل إلى المحبوب، ولذا فسرها جمع من أهل العلم بذلك: يقول ابن عطية: "والمحبة إرادة يقترن بها إقبال من النفس وميل بالمعتقد" (٣). وقال ابن عرفة: "المحبة عند العرب: إرادة الشيء على قصد له" (٤). ويقول الحافظ ابن حجر: "والمحبة إرادة ما يعتقده خيرًا" (٥). وقيل هي: "ميل إلى الأشخاص، أو الأشياء العزيزة، أو الجذابة، أو النافعة" (٦). هذا هو معنى المحبة في اللغة؛ أما معناها في الشرع فهي ميل

стр. 556

مخصوص، يقود إلى طاعة المحبوب وتعظيمه، وابتغاء مرضاته، والبعد عما يغضبه ويسخطه، ولذا يقول الإمام ابن القيم: "ولما كانت المحبة التامة ميل القلب بكليته إلى المحبوب كان ذلك الميل حاملًا على طاعته وتعظيمه، وكلما كان الميل أقوى كانت الطاعة أتم، والتعظيم أوفر، وهذا الميل يلازم الإيمان (١)، بل هو روح الإيمان ولبه، فأي شيء يكون أعلى من أمر يتضمن أن يكون الله سبحانه أحب الأشياء إلى العبد، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحق الأشياء بالطاعة" (٢). وقد أكثر أهل العلم ﵏ الكلام في بيانها وشرحها وتوضيحها وتجليتها، ومع كثرة الأقوال التي قيلت فيها يرى بعض المحقِقين أنها لم تُصِبْ حقيقتها إذ ليست المحبة من الأمور المحسوسة، وإنما هي من الأمور القلبية الوجدانية التي تعلم بالذوق والوجدان. يقول الإمام ابن القيم في معنى المحبة: "فحدها وجودها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة، وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها، فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة، وتنوعت بهم العبارات، وكثرت الإشارات بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله وملكه للعبارة" (٣). والسبب في ذلك أن المحبة ليست من الأمور الملموسة التي يشترك الناس في معرفتها ووصفها، ولا تكشف حقيقتها إلا بذوقها ووجودها، وفرق بين ذوق الشيء ووجوده، وبين تصوره والعلم به، فالحدود التي قيلت في المحبة صحيحة ولكنها غير وافية بحقيقتها، بل هي علامات وتنبيهات، وتجري هذه القاعدة على أسماء أخرى تشترك مع المحبة؛ كالمصيبة، والبلية، والشدة، والألم، واللذة، والفرح، والخوف، وغيرها

стр. 557

من الأمور التي لا يطلب من قامت به شاهدًا عليها من سوى أنفسها (١). ويقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: "ولا تُحَد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاءً، وهذه الأشياء الواضحة لا تحتاج إلى تحديد؛ كالماء، والهواء، والتراب، والجوع، ونحو ذلك" (٢). ويقول الحافظ ابن حجر: "وحقيقة المحبة عند أهل المعرفة من المعلومات التي لا تُحَد، وإنما يعرفها من قامت به وجدانًا لا يمكن التعبير عنه" (٣). ويقول الإمام ابن القيم بعد أن ساق جملة من الأقوال التي قيلت في معنى المحبة: "ولا توصف المحبة ولا تحد بحد أوضح من المحبة، ولا أقرب إلى الفهم من لفظها، وأما ذكر الحدود والتعريفات فإنما يكون عند حصول الإشكال والاستعجام على الفهم، فإذا زال الإشكال وعدم الاستعجام فلا حاجة إلى ذكر الحدود والتعريفات، كما قال بعض العارفين: إن كل لفظ يعبر به عن الشيء فلا بد أن يكون ألطف وأرق منه، والمحبة ألطف وأرق من كل ما يعبر به عنها" (٤). * المسألة الثانية * معنى القاعدة من المعلوم أن المحبة من حيث تعلقها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: محبة دينية شرعية تتعلق بالله ﵎، وهذه على نوعين: الأول: محبة أصلية تتعلق بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.

стр. 558

الثاني: محبة تابعة تتعلق بمحبوبات الرب ﵎. القسم الثاني: محبة دينية غير شرعية، وهي المحبة مع الله ، وهذه على نوعين: الأول: محبة شركية تقدح في أصل التوحيد وتضاده وتناقضه، بل تذهبه بالكلية، ويخرج بسببها المرء عن دينه، ويصبح كافرًا بالله العظيم. الثاني: محبة محرمة تقدح في كمال التوحيد الواجب، وتنقص من كمال الإخلاص، ولكنها لا تخرج من الإسلام. القسم الثالث: محبة طبيعية خلقها الله في قلوب العباد وجبلهم عليها، وهذه إذا لم توصل إلى خير، ولا تسببت في شر لا يتعلق بها ثواب ولا عقاب، وكانت في حيز المباح. والقاعدة أشارت إلى المحبة الدينية سواء كانت شرعية أو غير شرعية. فأما المحبة الدينية الشرعية فأصلها وأساسها محبة الرب ﵎، فهي الأصل الذي تنبني عليه جميع المحاب، والأساس الذي يقوم عليه دين الإسلام، بل هي أصل كل خير في الدنيا والآخرة (١). يقول الإمام ابن تيمية: "فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة هي محبة الله ، إذ العمل الصادر عن محبة مذمومة عند الله لا يكون عملًا صالحًا، بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله" (٢). ويقول الإمام ابن القيم: "فمحبته تعالى، بل كونه أحب إلى العبد من كل ما سواه على الإطلاق من أعظم واجبات الدين، وأكبر أصوله، وأجلّ قواعده، ومن أحب معه مخلوقًا مثل ما يحبه فهو من الشرك الذي

стр. 559

لا يغفر لصاحبه، ولا يقبل معه عمل" (١). فنفس محبته أصل لعبادته، والشرك في محبته أصل الإشراك في عبادته (٢). بل هي أعظم الغايات، وأجلّ المقامات، وأكبر الأصول، وأعلى الدرجات، بل ما من مقام بعد إدراك المحبة إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها؛ كالشوق، والأنس، والرضا، والإنابة، ولا من مقام قبلها إلا وهو مقدمة من مقدماتها؛ كالتوبة، والصبر، والزهد، وغيرها من المقامات (٣). فثبت بذلك أن محبة الله تعالى هي أصل الدين وأساس الملة، فلا يقوم دين ولا يصح إيمان بدون هذه المحبة، كما سيأتي بيان ذلك بأدلة الكتاب والسُّنَّة، كما أنها أصل لجميع المحاب الشرعية، إذ جميع المحاب الشرعية غيره لا بد أن تكون محبة الله هي أصلها وأساسها الذي تنبني عليه هذه المحاب، فهي تابعة لمحبته سبحانه، ومحبة الله هي محبة لذاته لا لشيء آخر، فهي محبة أصلية ترجع إليها جميع المحاب التابعة، فالله هو منتهى الحب والعبادة والتعظيم والذل والخضوع. يقول الإمام ابن القيم فيما يجب أن يتحقق به العبد حتى يكون الله تعالى أحب إليه من كل شيء: "الثالث: أن تكون محبة غيره تابعة لمحبته، فيكون هو المحبوب بالذات والقصد الأول وغيره محبوبًا تبعًا لحبه كما يطاع تبعًا لطاعته، فهو في الحقيقة المطاع المحبوب" (٤).

стр. 560

ويقول الإمام ابن رجب: "ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسلة" (١). أما المحبة مع الله تعالى فهي أن يحب غيره سبحانه معه محبة ذاتية، وهذا كما سبق على ضربين؛ إما أن يحب غيره محبة كحبه وهي المحبة الخاصة التي تستوجب قصد المعبود بالعبادة والذل التام والخضوع للمعبود، وكمال التعظيم، والانقياد له بالطاعة، وهذه هي المحبة الشركية التي توقع صاحبها في الشرك الأكبر الذي لا يبقى معه مثقال ذرة من الإيمان، فبوجود هذه المحبة يزول أصل الإيمان والتوحيد، ويخرج بها الإنسان عن دين الإسلام. ومعلوم أن المحبة تتبع العلم والمعرفة والاعتقاد كما سبق بيانه، فهؤلاء الذين وقعوا في المحبة الشركية مع الله تعالى قد صرفوا لمعبوداتهم بعض صفات الرب تعالى؛ كعلم الغيب، والاستقلال بالنفع والضر، فصاروا يدعون أندادهم من دون الله لما اعتقدوا فيهم من صفات الرب، ومالت قلوبهم إليهم وصرفوا لهم أنواع العبادة من دون الله تعالى من الحب والخوف والخضوع والذل، وبذلك وقعوا في المحبة الشركة مع الله تعالى. فمن أحب ما سوى الله تعالى، معتقدًا فيه بعض صفات الرب فهذا يكون قد أشرك به في المحبة، فالذي يحب الرسول ﷺ لأنه يعلم الغيب (٢)، فقد عبده بالمحبة حبًّا يخرجه من الإسلام بالكلية؛ لأن علم

стр. 561

الغيب من خصائص الرب تعالى، أو أحب الأولياء لأنهم يسمعون دعاء الغائبين فيشفعون لهم عند الله، أو أنهم ينفعون استقلالًا عن الله فقد عبدهم بالمحبة. والنوع الثاني، وهي المحبة التي تؤدي إلى ترك الأوامر، وتضييع الواجبات، وارتكاب المنكرات، وإيثار محاب النفس والهوى والشيطان، على محاب الرب تعالى، وهذه المحبة لا يزول الإيمان بها، وإنما ينقص كماله الواجب، وهي مؤشر إلى الضعف في محبة الله تعالى الواجبة. يقول الإمام ابن القيم: "وأما المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب العبد بها غيره كان شركًا لا يغفره الله، فهي محبة العبودية المستلزمة للذل، والخضوع، والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره، فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا، وهي التي سوى المشركون بين آلهتهم وبين الله فيها كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وأصح القولين أن المعنى: يحبونهم كما يحبون الله، وسووا بين الله وبين أندادهم في الحب، ثم نفى ذلك عن المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، فإن الذين آمنوا وأخلصوا حبهم لله لم يشركوا به معه غيره، وأما المشركون فلم يخلصوا لله" (١). ويقول ﵀ في بيان المحبة الخاصة: "وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس، والمال، والولد، وتقتضي كمال اللذة،

стр. 562

والخضوع، والتعظيم، والإجلال، والطاعة، والانقياد ظاهرًا وباطنًا، وهذا لا نظير له في محبة مخلوق ولو كان المخلوق من كان. ولهذا من أشرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة كان مشركًا شركًا لا يغفره الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، والصحيح أن معنى الآية: والذين آمنوا أشد حبًّا لله من أهل الأنداد لأندادهم كما تقدم بيانه؛ فإن محبة المؤمنين لربهم لا يماثلها محبة مخلوق أصلًا، كما لا يماثل محبوبهم غيره، وكل أذى في محبة غيره فهو نعيم في محبته، وكل مكروه في محبة غيره فهو قرة عين في محبته" (١). فكل من اتخذ من دون الله ندًا وصرف له شيئًا من العبادة فقد أحبه محبة مع الله كالذين اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، ففرق بين الحب لله والحب مع الله، فأهل التوحيد والإخلاص يحبون غير الله لله، والمشركون يحبون غير الله مع الله كحب المشركين لآلهتهم، وحب النصارى للمسيح، وحب أهل الأهواء لرؤسائهم وكبرائهم (٢). يقول الإمام ابن تيمية: "فإن هذا التوحيد يتضمن محبة الله وحده، وترك محبة المخلوق مطلقًا، إلا إذا أحبه الله فيكون داخلًا في محبة الله، بخلاف من يحبه مع الله، فإن هذا شرك" (٣). وكل من كان حبه مصروفًا لغير الله وهوى النفس؛ إما من أجل الدنيا، أو الجاه، أو المال، أو العصبية، فإنه واقع في المحبة مع الله تعالى، وهذه المحبة إن لم توقعه في الكفر بالله العظيم، فهو مقترف

стр. 563

لأعظم المنكرات، وقد تقوده إلى الكفر والشرك الأكبر، فإن مثل هذه المحاب مع ما فيها من الإثم، فإنها غالبًا ما توصل الإنسان إلى الكفر والفسوق والعصيان. يقول الإمام ابن تيمية: "فإن المتحابين يحب أحدهما ما يحب الآخر بحسب الحب، فإذا اتبع أحدهما صاحبه على محبته ما يبغضه الله ورسوله نقص من دينهما بحسب ذلك إلى أن ينتهي إلى الشرك الأكبر، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. الذين قدموا محبة المال الذي كنزوه، والمخلوق الذي اتبعوه على محبة الله ورسوله، كان فيهم من الظلم والشرك بحسب ذلك. . . فهؤلاء أهل الشرك الأكبر. وأما عبيد المال الذين كنزوه، وعبيد الرجال الذين أطاعوهم في معاصي الله فأولئك يعذبون عذابًا دون عذاب أولئك المشركين؛ إما في عرصات القيامة، وإما في جهنم، ومن أحب شيئًا دون الله عذب به" (١). وبهذا يظهر أن المحبة الخاصة لا ينبغي أن تصرف لغيره ؛ إذا هي حقيقة الإلهية، وحقيقة كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وهذه المحبة تتميّز عن باقي المحاب في عدة أمور: أولًا: في قدر هذه المحبة، فمحبة الله لا نهاية لها، ومهما بلغ العبد من محبة الله الشرعية ما بلغ فإن ما يستحقه الله من المحبة لعظيم كماله، وكبير جلاله فوق ذلك بكثير. ثانيًا: في صفة هذه المحبة، فمحبة الله الخاصة مستلزمة للذل والخضوع، والخوف والرجاء، والطاعة الكاملة، والانقياد التام للرب ﵎. ثالثًا: في وجوب إفراد الله بهذه المحبة، فلا يجوز أن يشركه فيها

стр. 564

أحد من البشر مهما كان، ومهما بلغ من الصلاح والديانة، حتى ولو كان ملكًا مقربًا، أو نبيًا مرسلًا. يقول الإمام ابن القيم: "ومحبة الرب تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها، وصفتها، وإفراده سبحانه بها، فإن الواجب له من ذلك كله أن يكون إلى العبد أحب إليه من ولده ووالده، بل من سمعه، وبصره، ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق ومعبوده أحب إليه من ذلك كله، والشيء قد يحب من وجه دون وجه، وقد يحب بغيره، وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده، ولا تصلح الألوهية إلا له، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع" (١). فالمحبة الخاصة بالله تعالى يجب ألا تصرف لغيره سبحانه، والمشركون قد أثبت الله لهم محبته العظيمة، ولكنهم أشركوا معه غيره فيها، فأبطل الله عليهم جميع محابهم، ولم يتقبل منهم شيئًا، كما قال سبحانه في مآل المشركين يوم القيامة: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في شرحه لكلام الإمام محمد بن عبد الوهاب: "قلت: مراده أن معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله هو إفراد الله بأصل الحب الذي يستلزم إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وعلى قدر التفاضل في هذا الأصل وما ينبني عليه من الأعمال الصالحة يكون تفاضل الإيمان، والجزاء عليه في الآخرة، فمن أشرك بالله تعالى في ذلك فهو المشرك لهذه الآية" (٢). والقاعدة ذكرت أنواع المحبة الدينية المتعلقة بالثواب والعقاب، والمدح والذم، وبقيمت المحبة الطبيعية، وهي محبة فطرية، وميل يلائم طبع الإنسان جَبَلَ الله خلقه عليه؛ لما فيه من المنافع العظيمة، والمقاصد

стр. 565

الشرعية، والحكم المرعية، ولكن قد يدخل ما هو محبوب لله في هذه المحبة فتكون محمودة، وقد يلابسها ما هو مبغوض لله فتكون مذمومة، كل ذلك بحسب نية صاحبها وقصده، وبحسب ما تؤول إليه هذه المودة والمحبة؛ فإن كانت نتائجها وما تؤدي إليه مما يحبه الله ويرضى عنه كانت محمودة، وأثيب عليها صاحبها، وإن أدت إلى محرم لا يرضاه الله ولا رسوله ﷺ كانت مذمومة، واستحق صاحبها العقاب، فإن لم تؤد إلى هذا ولا ذاك، كانت في حيّز المباح، وتحت حكم الجواز، فلم يتعلق بها مدح ولا ذم، ولا ثواب ولا عقاب، وبعض أهل العلم يعبّر عنها بالمحبة المشتركة؛ أي: يشترك فيها جميع الخلق، فجعلها في مقابل المحبة الخاصة بالله ﵎، وهي على أنواع كما سيأتي بيانها. يقول الإمام ابن تيمية: "والله تعالى خلق في النفوس حب الغذاء، وحب النساء، لما في ذلك من حفظ الأبدان، وبقاء الإنسان؛ فإنه لولا حب الغذاء لما أكل الناس ففسدت أبدانهم، ولولا حب النساء لما تزوجوا فانقطع النسل، والمقصود بوجود ذلك بقاء كل منهم ليعبدوا الله وحده، ويكون هو المحبوب المعبود لذاته الذي لا يستحق ذلك غيره" (١). ويقول الإمام ابن القيم: "وبقي قسم خامس ليس مما نحن فيه وهي: المحبة الطبيعية: وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه؛ كمحبة العطشان للماء، والجائع للطعام، ومحبة النوم، والزوجة، والولد، فتلك لا تذم مالًا (٢)، إن ألهت عن ذكر الله، وشغلته عن محبته كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩]، وقال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] " (٣).
следующие страницы →