← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الغيب من خصائص الرب تعالى، أو أحب الأولياء لأنهم يسمعون دعاء الغائبين فيشفعون لهم عند الله، أو أنهم ينفعون استقلالًا عن الله فقد عبدهم بالمحبة. والنوع الثاني، وهي المحبة التي تؤدي إلى ترك الأوامر، وتضييع الواجبات، وارتكاب المنكرات، وإيثار محاب النفس والهوى والشيطان، على محاب الرب تعالى، وهذه المحبة لا يزول الإيمان بها، وإنما ينقص كماله الواجب، وهي مؤشر إلى الضعف في محبة الله تعالى الواجبة. يقول الإمام ابن القيم: "وأما المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب العبد بها غيره كان شركًا لا يغفره الله، فهي محبة العبودية المستلزمة للذل، والخضوع، والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره، فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا، وهي التي سوى المشركون بين آلهتهم وبين الله فيها كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وأصح القولين أن المعنى: يحبونهم كما يحبون الله، وسووا بين الله وبين أندادهم في الحب، ثم نفى ذلك عن المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، فإن الذين آمنوا وأخلصوا حبهم لله لم يشركوا به معه غيره، وأما المشركون فلم يخلصوا لله" (١). ويقول ﵀ في بيان المحبة الخاصة: "وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس، والمال، والولد، وتقتضي كمال اللذة،

стр. 562

والخضوع، والتعظيم، والإجلال، والطاعة، والانقياد ظاهرًا وباطنًا، وهذا لا نظير له في محبة مخلوق ولو كان المخلوق من كان. ولهذا من أشرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة كان مشركًا شركًا لا يغفره الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، والصحيح أن معنى الآية: والذين آمنوا أشد حبًّا لله من أهل الأنداد لأندادهم كما تقدم بيانه؛ فإن محبة المؤمنين لربهم لا يماثلها محبة مخلوق أصلًا، كما لا يماثل محبوبهم غيره، وكل أذى في محبة غيره فهو نعيم في محبته، وكل مكروه في محبة غيره فهو قرة عين في محبته" (١). فكل من اتخذ من دون الله ندًا وصرف له شيئًا من العبادة فقد أحبه محبة مع الله كالذين اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، ففرق بين الحب لله والحب مع الله، فأهل التوحيد والإخلاص يحبون غير الله لله، والمشركون يحبون غير الله مع الله كحب المشركين لآلهتهم، وحب النصارى للمسيح، وحب أهل الأهواء لرؤسائهم وكبرائهم (٢). يقول الإمام ابن تيمية: "فإن هذا التوحيد يتضمن محبة الله وحده، وترك محبة المخلوق مطلقًا، إلا إذا أحبه الله فيكون داخلًا في محبة الله، بخلاف من يحبه مع الله، فإن هذا شرك" (٣). وكل من كان حبه مصروفًا لغير الله وهوى النفس؛ إما من أجل الدنيا، أو الجاه، أو المال، أو العصبية، فإنه واقع في المحبة مع الله تعالى، وهذه المحبة إن لم توقعه في الكفر بالله العظيم، فهو مقترف

стр. 563

لأعظم المنكرات، وقد تقوده إلى الكفر والشرك الأكبر، فإن مثل هذه المحاب مع ما فيها من الإثم، فإنها غالبًا ما توصل الإنسان إلى الكفر والفسوق والعصيان. يقول الإمام ابن تيمية: "فإن المتحابين يحب أحدهما ما يحب الآخر بحسب الحب، فإذا اتبع أحدهما صاحبه على محبته ما يبغضه الله ورسوله نقص من دينهما بحسب ذلك إلى أن ينتهي إلى الشرك الأكبر، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. الذين قدموا محبة المال الذي كنزوه، والمخلوق الذي اتبعوه على محبة الله ورسوله، كان فيهم من الظلم والشرك بحسب ذلك. . . فهؤلاء أهل الشرك الأكبر. وأما عبيد المال الذين كنزوه، وعبيد الرجال الذين أطاعوهم في معاصي الله فأولئك يعذبون عذابًا دون عذاب أولئك المشركين؛ إما في عرصات القيامة، وإما في جهنم، ومن أحب شيئًا دون الله عذب به" (١). وبهذا يظهر أن المحبة الخاصة لا ينبغي أن تصرف لغيره ؛ إذا هي حقيقة الإلهية، وحقيقة كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وهذه المحبة تتميّز عن باقي المحاب في عدة أمور: أولًا: في قدر هذه المحبة، فمحبة الله لا نهاية لها، ومهما بلغ العبد من محبة الله الشرعية ما بلغ فإن ما يستحقه الله من المحبة لعظيم كماله، وكبير جلاله فوق ذلك بكثير. ثانيًا: في صفة هذه المحبة، فمحبة الله الخاصة مستلزمة للذل والخضوع، والخوف والرجاء، والطاعة الكاملة، والانقياد التام للرب ﵎. ثالثًا: في وجوب إفراد الله بهذه المحبة، فلا يجوز أن يشركه فيها

стр. 564

أحد من البشر مهما كان، ومهما بلغ من الصلاح والديانة، حتى ولو كان ملكًا مقربًا، أو نبيًا مرسلًا. يقول الإمام ابن القيم: "ومحبة الرب تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها، وصفتها، وإفراده سبحانه بها، فإن الواجب له من ذلك كله أن يكون إلى العبد أحب إليه من ولده ووالده، بل من سمعه، وبصره، ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق ومعبوده أحب إليه من ذلك كله، والشيء قد يحب من وجه دون وجه، وقد يحب بغيره، وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده، ولا تصلح الألوهية إلا له، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع" (١). فالمحبة الخاصة بالله تعالى يجب ألا تصرف لغيره سبحانه، والمشركون قد أثبت الله لهم محبته العظيمة، ولكنهم أشركوا معه غيره فيها، فأبطل الله عليهم جميع محابهم، ولم يتقبل منهم شيئًا، كما قال سبحانه في مآل المشركين يوم القيامة: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في شرحه لكلام الإمام محمد بن عبد الوهاب: "قلت: مراده أن معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله هو إفراد الله بأصل الحب الذي يستلزم إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وعلى قدر التفاضل في هذا الأصل وما ينبني عليه من الأعمال الصالحة يكون تفاضل الإيمان، والجزاء عليه في الآخرة، فمن أشرك بالله تعالى في ذلك فهو المشرك لهذه الآية" (٢). والقاعدة ذكرت أنواع المحبة الدينية المتعلقة بالثواب والعقاب، والمدح والذم، وبقيمت المحبة الطبيعية، وهي محبة فطرية، وميل يلائم طبع الإنسان جَبَلَ الله خلقه عليه؛ لما فيه من المنافع العظيمة، والمقاصد

стр. 565

الشرعية، والحكم المرعية، ولكن قد يدخل ما هو محبوب لله في هذه المحبة فتكون محمودة، وقد يلابسها ما هو مبغوض لله فتكون مذمومة، كل ذلك بحسب نية صاحبها وقصده، وبحسب ما تؤول إليه هذه المودة والمحبة؛ فإن كانت نتائجها وما تؤدي إليه مما يحبه الله ويرضى عنه كانت محمودة، وأثيب عليها صاحبها، وإن أدت إلى محرم لا يرضاه الله ولا رسوله ﷺ كانت مذمومة، واستحق صاحبها العقاب، فإن لم تؤد إلى هذا ولا ذاك، كانت في حيّز المباح، وتحت حكم الجواز، فلم يتعلق بها مدح ولا ذم، ولا ثواب ولا عقاب، وبعض أهل العلم يعبّر عنها بالمحبة المشتركة؛ أي: يشترك فيها جميع الخلق، فجعلها في مقابل المحبة الخاصة بالله ﵎، وهي على أنواع كما سيأتي بيانها. يقول الإمام ابن تيمية: "والله تعالى خلق في النفوس حب الغذاء، وحب النساء، لما في ذلك من حفظ الأبدان، وبقاء الإنسان؛ فإنه لولا حب الغذاء لما أكل الناس ففسدت أبدانهم، ولولا حب النساء لما تزوجوا فانقطع النسل، والمقصود بوجود ذلك بقاء كل منهم ليعبدوا الله وحده، ويكون هو المحبوب المعبود لذاته الذي لا يستحق ذلك غيره" (١). ويقول الإمام ابن القيم: "وبقي قسم خامس ليس مما نحن فيه وهي: المحبة الطبيعية: وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه؛ كمحبة العطشان للماء، والجائع للطعام، ومحبة النوم، والزوجة، والولد، فتلك لا تذم مالًا (٢)، إن ألهت عن ذكر الله، وشغلته عن محبته كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩]، وقال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] " (٣).

стр. 566

ويبيّن ﵀ أنواع المحبة الطبيعية المشتركة فيقول: "والمحبة المشتركة ثلاثة أنواع؛ أحدها: محبة طبيعية مشتركة، كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، وغير ذلك، وهذه لا تستلزم التعظيم، والنوع الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل ونحوها، وهذه أيضًا لا تستلزم التعظيم، والنوع الثالث: محبة أنس وإلف؛ وهي محبة المشتركين في صناعة، أو علم، أو مرافقة، أو تجارة، أو سفر بعضهم بعضًا، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضًا، فهذه الأنواع الثلاثة هي المحبة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركًا في محبة الله سبحانه؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان أحب اللحم إليه الذراع، وكان يحب نساءه، وكانت عائشة ﵂ أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق" (١). * المسألة الثالثة * أدلة القاعدة كما سبق معنا في معنى القاعدة أنها تضمنت المحبة الدينية سواء كانت شرعية أم غير شرعية، وفيما يلي أذكر من الأدلة ما يناسب هذه الأنواع، وهذه الأدلة على أنواع حسب ما دلت عليه القاعدة؛ فإن القاعدة دلت في الجملة على أربعة أنواع من المحبة: الأول: محبة هي أصل الدين، وأساس الإسلام، وقاعدة الإيمان، وقوام الملة، وعليها تقوم جميع الأعمال الإيمانية، الظاهرة والباطنة. الثاني: محبة شركية هي أساس الشرك، وأصل الكفر، بل ما من شرك في الأرض إلا وهذه المحبة أساسه وقوامه، وبها ينهدم الإيمان ولا يبقى منه حبة خردل.

стр. 567

الثالث: محبة واجبة، تبعث على فعل الواجبات وترك المحرمات. الرابع: محبة محرمة تبعث على فعل المحرمات وترك الواجبات. وفيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي من أدلة حسب هذه الأنواع مع ملاحظة أن من الأدلة ما هو عام شامل لأكثر من نوع: أولًا: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٥ - ١٦٧]. فالآية أشارت إلى المحبتين الأصليتين؛ الإيمانية والشركية، فالأولى هي محبة المؤمنين لربهم المستلزمة لقصده بالتأله والخضوع وكمال الذل والطاعة، وهذه أصل الإيمان والتوحيد، وأساس الإسلام والملة، فإن صرف منها لغير الرب ﵎ شيئًا تحولت إلى المحبة الشركية، وهي أصل الشرك، وأساس الكفر بالله العظيم، وما من تنديد في الأرض، واتخاذ آلهة مع الله تعالى إلا وأساسه هذه المحبة الشركية، بل ما من عبادة لغير الله إلا وأساسها الحب لذلك المعبود، فكل عابد محب لمعبوده، والمشركون يحبون آلهتهم كما بيَّن الله ذلك بقوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وهذا التشبيه الذي في الآية فيه قولان للعلماء: الأول: إثبات محبة المشركين للأنداد كمحبتهم لله تعالى فساووا بين حبهم للآلهة وبين حبهم للرب ﵎، هذا اختيار الزجاج ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ﵏. والقول الثاني: أنهم يحبون آلهتهم كحب الذين آمنوا لله، وهذا

стр. 568

قول ابن عباس وعكرمة، وأبي العالية، وابن زيد، ومقاتل والفراء (١)، والأول أرجح (٢). يقول الإمام البغوي: "قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾؛ يعني: المشركين ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾؛ أي: أصنامًا يعبدونها ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾؛ أي: يحبون آلهتهم كحب المؤمنين الله، وقال الزجاج: يحبون الأصنام كما يحبون الله لأنهم أشركوها مع الله فسووا بين الله وبين أوثانهم في المحبة، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾؛ أي: أثبت وأدوم على حبه من المشركين لأنهم لا يختارون على الله ما سواه" (٣). ويقول الإمام ابن تيمية: "فالمشركون اتخذوا مع الله أندادًا يحبونهم كحب الله، واتخذوا شفعاء يشفعون لهم عند الله، ففيهم محبة لهم وإشراك بهم، وفيهم من جنس ما في النصارى من حب المسيح وإشراك به. والمؤمنون أشد حبًا لله، فلا يعبدون إلا الله وحده، ولا يجعلون معه شيئًا يحبونه كحبه لا أنبياءه ولا غيرهم، بل أحبوا ما أحبه بمحبتهم لله، وأخلصوا دينهم لله، وعلمو أن أحدًا لا يشفع لهم إلا بإذن الله، فأحبوا عبد الله ورسوله محمدًا ﷺ لحب الله،. . . فعلى المسلم أن يفرق بين محبة النصارى والمشركين ودينهم، ويتّبع أهل التوحيد والإيمان، ويخرج عن مشابهة المشركين وعبدة الصلبان" (٤). ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسائله

стр. 569

عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾: "الحادية عشرة: أدن من اتخذ ندًا تُساوِي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر" (١). وسياق الآيات دل على أنهم -بصرف هذه المحبة لغير الله- مشركون شركًا أكبر مخرجًا عن ملة الإسلام بدليل ما لهم من العذاب والخلود في نار جهنم (٢). فمن لم يخلص في محبة الله التي هي أصل الإيمان وأشرك معه غيره كان من المشركين الذين حبطت أعمالهم وحرمت عليهم الجنة؛ ولذا حكم الله عليهم بالخلود في النار وعدم الخروج منها بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ (٣). وهذه المحبة الشركية تظهر آثارها على المشركين وإن انتفوا منها وأنكروها، فهم يغضبودن لآلهتهم إذا انتهكت، ويفرحون بها ويستبشرون بذكرها، ويوالون عليها، ويعادون من أجلها (٤). يقول الشيخ ابن عثيمين: "قوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾؛ أي: في كيفيته ونوعه، فالنوع أدن يحب غير الله محبة عبادة، والكيفية: أن يحبه كمحبة الله أو أشد، حتى إن بعضهم يعظِّم محبوبه ويغار له أكثر مما يعظِّم الله ويغار له، فلو قيل: احلف بالله، لحلف، وهو كاذب ولم يبال، ولو قيل: احلف بالند، لم يحلف، وهو كاذب، وهذا شرك أكبر" (٥). ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ

стр. 570

يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٢ - ٩٨]. بيَّن تعالى في هذه الآيات حقيقة عبادة المشركين لمعبوداتهم، وأنهم ساووا هذه المعبوات بالله ﵎ في المحبة والتعظيم والخضوع، فحكم الله عليهم بالشرك والخلود في النار بسبب هذه المحبة الشركية التي لا يبقى بعدها من الإيمان حبة خردل. يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "وقال تعالى حاكيًا عن أهل النار أنهم يقولون لأَلهتهم التي عبدت مع الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾، ومعلوم أنهم ما سووهم بالله في الخلق والرزق والتدبير، وإنما هو في المحبة والخضوع والتعظيم والخوف والرجاء، ونحو ذلك من العبادات، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، هذا حب عبادة وتأله وتعظيم؛ ولهذا ونحوه كفَّرهم الله تعالى، وأباح دماءهم وأموالهم ونساءهم لعباده المؤمنين حتى يسلموا ويكون الدين كله لله" (١). ثالثًا: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩]، وقوله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)﴾ [محمد: ٢٦]، وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨]، وحبوط الأعمال لا يكون إلا بسبب الكفر والخروج عن الدين. ومما يدل على أن محبة الله ورسوله أصل أصيل، وركن في الدين

стр. 571

أن الله تعالى قد حكم بالكفر وحبوط الأعمال على من وُجِدَ في قلبه كراهية وبغض لشيء من الدين الذي جاء به النبي ﷺ بعد معرفته بذلك، وعلمه بأنه من عند الله تعالى أنزله على نبيه ﵇، فهذا إذا كان في شيء من الدين، فكيف بمن وُجِدَ في قلبه شيء من بغض النبي ﷺ وبغض القرآن بل وبغض الرب ﵎. يقول الإمام الطبري: "وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [محمد: ٩] يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعلنا بهم من الإتعاس وإضلال الأعمال من أجل أنهم كرهوا كتابنا الذي أنزلناه إلى نبينا محمد ﷺ ، وسخطوه فكذبوا به، وقالوا: هو سحر مبين. وقوله: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ يقول: فأبطل أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وذلك عبادتهم الآلهة لم ينفعهم الله بها في الدنيا ولا في الآخرة، بل أوبقهم بها فأصلاهم سعيرًا، وهذا حكم الله ﷻ في جميع من كفر به من أجناس الأمم" (١). ويقول الإمام السمعاني: "قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾؛ أي: كرهوا نبوة محمد وما أنزله الله من القرآن" (٢). فكل من أبغض شيئًا من الكتاب والسُّنَّة، عالمًا بأنه كلام الله وشرعه ودينه، فكرهه من أجل ذلك فإنه بذلك يكون قد نقض أصل المحبة؛ إذ البغض يدل على عدم الرضى والتسليم والقبول للشرع، وجميع ذلك من النفاق الأكبر المخرج عن الملة. يقول الإمام ابن تيمية: "فقد دل الكتاب والسُّنَّة على أن من في قلبه

стр. 572

الكفر، وبغض الرسول وبغض ما جاء به أنه كافر بالله ورسوله" (١). ويقول الإمام ابن القيم: "كل من أبغض شيئًا من نصوص الوحي ففيه من عداوة الله ورسوله بحسب ذلك، ومن أحب نصوص الوحي ففيه من ولاية الله ورسوله بحسب ذلك، وأصل العداوة البغض، كما أن أصل الولاية الحب، قال عبد الله بن مسعود: (لا يسأل أحدكم عن نفسه غير القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله) (٢) " (٣). ولزيد الإمام ابن تيمية الأمر بيانًا وتفصيلًا فيقول: "فمن اعتقد قبح ما أمر الله به أمر إيجاب أو استحباب، أو أبغض ذلك وكرهه بحيث يتألم على فعله، ويتأذى بوجوده، ففيه من النفاق بحسب ذلك، وهو إما نفاق أكبر يخرجه من أصل الإيمان، وإما نفاق أصغر يخرجه من كماله الواجب عليه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾. . . بل إذا علم العبد أن هذا الفعل قد أمره الله به وأحبه فاعتقد هو أن ذلك ليس مما أمر الله به، وأبغضه وكرهه فهو كافر بلا ريب" (٤). ولذا عدَّ -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب بغض شيء من الدين ناقضًا من نواقض الإسلام فقال: "الخامس: من أبغض

стр. 573

شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به كفر إجماعًا، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩] " (١). فانعدام المحبة من القلب دليل الكراهية والبغض في القلب. يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن في شرحه لكلام الشيخ -المجدد- محمد بن عبد الوهاب: "ثم قال ﵀: ومنهم من لم يحب التوحيد، ولم يبغضه؛ فالجواب: أن من لم يحب التوحيد، لم يكن موحدًا؛ لأنه هو الدين الذي رضيه الله تعالى لعباده، كما قال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] فلو رضي بما رضي به الله، وعمل به لأحبه. ولا بد من المحبة لعدم حصول الإسلام بدونها، فلا إسلام إلا بمحبة التوحيد،. . . وبالمحبة يترتب عليها ما تقتضيه كلمة الإخلاص من شروط التوحيد" (٢). رابعًا: قوله سبحانه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾ [الفرقان: ٤٣]، وقول الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [الأنعام: ٥٦]. ذكر الله في هذه الآيات الهوى، وبيَّن أن اتباع هوى النفس -وهو الحب وميل النفس- كان سببًا في ضلال من ضلَّ وانحرف عن منهج الله

стр. 574

تعالى، بل هو أصل الزيغ عن الصراط المستقيم، فالهوى إما أن يعمي بصيرة صاحبه فيرى الحق باطلًا، والباطل حقًا، وإما أن يظهر له الحق ويستبينه فيتركه لأجل هواه، فمن سلم من هوى نفسه وفق للحق وهدي إلى الصراط المستقيم، فإن الحق لا يجتمع مع اتباع الهوى أبدًا، بل هو صارف عن الحق معرفة وقصدًا. وأصل ذلك كله من خلو القلب من محبة الله تعالى، والإخلاص له، وتعظيمه والخضوع والذل له، والوقوف مع أمره ونهيه، ومحابه ومساخطه، والتشريك بينه وبين غيره في المحبة، ومن محبة ما يحبه لغير الله، فيقول ذلك بالقلب، ويعمل بموجبه بالجوارح، وإلا لو كان في القلب وجدان حلاوة الإيمان، وذوق طعمه أغناه ذلك عن محبة الأنداد وتأليهها، وإذا خلا القلب من ذلك احتاج إلى أن يستبدل به ما يهواه ويتخذه إلهه، وهذا من تبديل الدين وتغيير فطرة الله التي فطر عباده عليه، وهذا هو حقيقة اتباع الهوى (١). ولذا جاء ذمه في القرآن الكريم، فلم يأت ذكره إلا في معرض الذم والتقبيح (٢)، ومما ذكره الله تعالى في شأن الهوى واتباعه. يقول الإمام الطبري في معنى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] بعد ذكره للخلاف: "معنى ذلك: أفرأيت يا محمد من اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما هوي من شيء دون إله الحق الذي له الألوهة من كل شيء" (٣). فكل من عَبَدَ مع الله غيره فهو في الحقيقة عَبْدٌ لهواه، بل كل ما

стр. 575

عصي الله به من الذنوب فإنما هو بسبب تقديم العبد هواه على أوامر الله تعالى. ويقول الشيخ يحيى العمران في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾: "وهذه الآية نزلت في قوم هووا الأوثان فعبدوها، فأخبر الله أنه أضلهم: أي: حرمهم التوفيق والتسديد على ما سبق في علمه أنه يخلقهم ضلالًا" (١). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الآية: "فهو لا يتأله من يستحق التأله، بل يتأله ما يهواه، وهذا المتخذ إلهه هواه له محبة كمحبة المشركين لآلهتهم، ومحبة عباد العجل له، وهذه محبة مع الله لا محبة لله، وهذه محبة أهل الشرك" (٢). ويقول ﵀: "وأما من أحب شخصًا لهواه؛ مثل أن يحبه لدنيا يصيبها منه، أو لحاجة يقوم له بها، أو لمال يتآكله به، أو بعصبية فيه، ونحو ذلك من الأشياء فهذه ليست محبة لله، بل هذه محبة لهوى النفس، وهذه المحبة هي التي توقع أصحابها في الكفر، والفسوق، والعصيان، وما أكثر من يدّعي حب مشايخ لله، ولو كان يحبهم لله لأطاع الله الذي أحبهم لأجله؛ فإن المحبوب لأجل غيره تكون محبته تابعة لمحبة ذلك الغير، وكيف يحب شخصًا لله من لا يكون محبًا لله، وكيف يكون محبًا لله من يكون معرضًا عن رسول الله، وسبيل الله، وما أكثر من يحب شيوخًا، أو ملوكًا، أو غيرهم فيتخذهم أندادًا يحبهم كحب الله" (٣). ويقول الإمام ابن القيم: "التوحيد واتباع الهوى متضادان؛ فإن الهوى صنم ولكل عبد صنم في قلبه بحسب هواه، وإنما بعث الله رسله

стр. 576

بكسر الأصنام وعبادته وحده لا شريك له، وليس مراد الله سبحانه كسر الأصنام المجسدة وترك الأصنام التي في القلب، بل المراد كسرها من القلمب أولًا. . . وتأمل قول الخليل ﷺ لقومه: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون كيف تجده مطابقًا للتماثيل التي يهواها القلب ويعكف عليها ويعبدها من دون الله، قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٣، ٤٤] " (١). خامسًا: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]. بيَّن سبحانه في هذه الآية الكريمة أن من كانت محبته لمحبوباته أكثر من محبته لله ورسوله والجهاد في سبيله فإنه من الذين توعدهم الله تعالى بالعذاب بسبب هذه المحبة، والواجب على أهل الإيمان الحق ألا يقدِّموا على محبة الله ورسوله محبة أحد سواهما. يقول الإمام البيهقي في معنى الآية: "فأبان بهذا أن حب الله وحب رسوله والجهاد في سبيله فرض، وأنه لا ينبغي أن يكون شيء سواه أحب إليهم منه، وبمثل ذلك جاءت السُّنَّة" (٢). ويقول الإمام ابن تيمية في توضيحه لمعنى الآية: "فانظر إلى هذا الوعيد الشديد الذي قد توعد الله به من كان أهله وماله أحب إليه من الله، ورسوله، وجهاد في سبيله، فعلم أنه يجب أن يكون الله ورسوله، والجهاد في سبيله أحب إلى المؤمن من الأهل، والمال، والمساكن،

стр. 577

والمتاجر، والأصحاب، والأخوان، وإلا لم يكن مؤمنًا حقًا" (١). والمقصود بالحب هو الديني الشرعي المستلزم لتقديم طاعة الله ورسوله على طاعة كل أحد، أما الحب الطبيعي فإن الإنسان مجبول عليه ولا يمكنه تركه فلا تكليف فيه كما سبق بيانه. ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله: "المحبة الصادقة تستلزم تقديم مراضي الله على هذه الثمانية كلها فكيف بمن أَثر بعضها على الله ورسوله وجهاد في سبيله، فإن قلت قد قال شيخ الإسلام: إن كثيرًا من المسلمين أو أكثرهم بهذه الصفة. قيل مراده أن كثيرًا من المسلمين قد يكون ما ذكر أحب إليه من الله ورسوله؛ أي: في إيثار ذلك على فعل أمر الله وأمر رسوله الذي ينشأ عن المحبة، لا في الحب الذي يوجب قصد المحبوب بالتأله، فإن من ساوى بين الله وبين غيره في هذا الحب فهو مشرك، فكيف إذا كان غير الله أحب إليه كما هو الواقع من عبَّاد القبور، فإنهم يحبون أندادهم أعظم من حب الله" (٢). ولذا استدل بهذه الآية بعض أهل العلم على وجوب محبة الله ورسوله؛ لأن الله توعدهم على تفضيل محبتهم لغيره على محبته، والوعيد لا يقع إلا على فرض لازم" (٣). سادسًا: قوله ﷺ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإيمَانِ مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ

стр. 578

أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ" (١). فأما كون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فإن هذا من الإيمان الواجب الذي فرضه الله على عباده المؤمنين، وهو أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد -محبة دينية شرعية وهي المحبة المتضمنة لأصل الحب وكماله الواجب- فيميل إلى الله ورسوله بقلبه أكثر من ميله إلى ما سواهما. وأما محبته للمرء لا يحبه إلا من أجل الله، وبغضه للكفر وكراهيته له فإن ذلك من لوازم كون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. يقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "بل المراد في الحديث أن يكون الله ورسوله عند العبد أحب إليه مما سواهما: حبًا قلبيًا. . . فيميل بكليته إلى الله وحده حتى يكون وحده محبوبه ومعبوده، وإنما يحب من سواه تبعًا لمحبته كما يحب الأنبياء والمرسلين والملائكة والصالحين لما كان يحبهم رَبُّه سبحانه" (٢). وعدم تحقق هذه المحبة الواردة في الحديث لا يدل على انعدام أصل المحبة من القلب، لكن انعدامها تمامًا يدل على خلو القلب من العلم والتصديق والمعرفة، فإن المحبة تبع لهذه الأمور، بل المنفي في الحديث هو كمال المحبة الواجبة. ويقول الإمام ابن تيمية: "وقد يكون مسلمًا يعبد الله كما أمر ولا يعبد غيره، ويخافه ويرجوه، ولكن لم يَخْلُص إلى قلبه أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولا أن يكون الله ورسوله والجهاد في

стр. 579

سبيله أحب إليه من جميع أهله وماله، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يخاف الله لا يخاف غيره، وأن لا يتوكل إلا على الله، وهذه كلها من الإيمان الواجب، وليست من لوازم الإسلام،. . . وأما طمأنينة القلب بمحبته وحده، وأن يكون أحب إليه مما سواهما، وبالتوكل عليه وحده، وبأن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه، فهذه من حقائق الإيمان التي تختص به، فمن لم يتصف بها لم يكن من المؤمنين حقًا، وإن كان مسلمًا، وكذلك وجل قلبه إذا ذكر الله، وكذلك زيادة الإيمان إذا تليت عليه آياته" (١). ويقول الإمام ابن القيم في بيان كون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما: "وهذا النوع من الحب لا يمكن أن يكون إلا لله ورسوله شرعًا ولا قدرًا، وإن وجد في الناس من يؤثر محبوبه بنفسه وماله فذاك في الحقيقة إنما هو لمحبة غرضه منه، فحمله محبة غرضه على أن بذل فيه نفسه وماله، وليست محبته لذلك المحبوب لذاته، بل لغرضه منه، وهذا المحبوب له مثل ولمحبته مثل، وأما محبة الله ليس لها مثل، ولا للمحبوب مثل، ولهذا حَكَّمَ الصحابة ﵃ رسول الله ﷺ في أنفسهم وأموالهم" (٢). ويقول الإمام ابن رجب في بيان معنى الحديث: "فهذه الثلاث خصال من أعلى خصال الإيمان، فمن كملها فقد وجد حلاوة الإيمان وطَعِمَ طعمه، فالإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم، فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها كما أن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها، وكما أن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته، فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة لغلبة السقم عليه،

стр. 580

فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان من أسقامه وآفاته، فإذا سَلِمَ من مرض الأهواء المضلة، والشهوات المحرمة وجد حلاوة الإيمان حينئذٍ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان، بل يستحلي ما فيه هلاكه من الأهواء والمعاصي. ومن هنا قال ﷺ : "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (١)؛ لأنه لو كمل إيمانه لوجد حلاوة الإيمان فاستغنى بها عن استحلاء المعاصي. الخصلة الثانية: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، والحب في الله من أصول الإيمان وأعلى درجاته، وإنما كانت هذه الخصلة تالية لما قبلها؛ لأن من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فقد صار حبه كله له، ويلزم من ذلك أن يكون بغضه لله وموالاته له ومعاداته له، وأن لا تبقى له بقية من نفسه وهواه، وذلك يستلزم محبة ما يحبه الله من الأقوال والأعمال، وكراهة ما يكرهه من ذلك، وكذلك من الأشخاص، ويلزم من ذلك معاملتهم بمقتضى الحب والبغض، فلا تتم محبة الله ورسوله إلا بمحبة أوليائه وموالاتهم وبغض أعدائه ومعاداتهم. الخصلة الثالثة: أن يكره الرجوع إلى الكفر كما يكره الرجوع إلى النار؛ فإن علامة محبة الله ورسوله: محبة ما يحبه الله ورسوله، وكراهة ما يكرهه الله ورسوله -كما سبق-، فإذا رسخ الإيمان في القلب وتحقق به ووجد حلاوته وطعمه: أحبه وأحب ثباته ودوامه والزيادة منه، وكره مفارقته وكان كراهته لمفارقته أعظم عنده من كراهة الإلقاء في النار، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ

стр. 581

الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ [الحجرات: ٧]. واعلم أن القدر الواجب من كراهة الكفر والفسوق والعصيان هو أن ينفر من ذلك ويتباعد منه جهده، ويعزم على أن لا يلابس شيئًا منه جهده لعلمه بسخط الله له وغضبه على أهله، فأما ميل الطبع إلى ما يميل من ذلك -خصوصًا لمن اعتاده ثم تاب منه- فلا يؤاخذ به إذا لم يقدر على إزالته، ولهذا مدح الله من نهى النفس عن الهوى، وذلك يدل على أن الهوى يميل إلى ما هو ممنوع منه، وأن من عصى هواه كان محمودًا عند الله " (١). سابعًا: قوله ﷺ في حديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (٢). فهذا الحديث نفى فيه النبي ﷺ إطلاق الإيمان عمن أحب غيره أكثر من محبته ﵇، والمقصود كمال الإيمان لا أصل الإيمان؛ لأنه باق ما بقي أصل الحب في القلب، كما أن المقصود بالمحبة هي المحبة الشرعية الدينية لا المحبة الطبيعية، وهي محبة تابعة لمحبة الرب تعالى إذ هي الأصل لجميع المحاب، والحديث دلَّ على وجوب محبته ﷺ ؛ لأن الإيمان الواجب لا ينفى إلا لانتفاء واجب أو فعل محرم. يقول الإمام ابن رجب: "محبة النبي ﷺ من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبة الله ، وقد قرنها الله بها، وتوعد من قدَّم عليها شيئًا من الأمور المحبوبة طبعًا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك، فيجب تقديم محبة الرسول ﷺ على النفوس والأولاد والأقارب والأهلين

стр. 582

والأموال والمساكن، وغير ذلك مما يحبه الناس غاية المحبة، وإنما تتم المحبة بالطاعة كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، فعلامة تقديم محبة الرسول على محبة كل مخلوق: أنه إذا تعارض طاعة الرسول ﷺ في أوامره وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة، فإن قدَّم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي: كان دليلًا على صحة محبته للرسول وتقديمها على كل شيء، وإن قدَّم على طاعته وامتثال أوامره شيئًا من هذه الأشياء المحبوبة طبعًا: دلَّ ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التام الواجب عليه. وكذلك القول في تعارض محبة الله ومحبة داعي الهوى والنفس، فإن محبة الرسول تبع لمحبة مرسله . هذا كله في امتثال الواجبات وترك المحرمات، فإن تعارض داعي النفس ومندوبات الشريعة، فإن بلغت المحبة على تقديم المندوبات على دواعي النفس كان ذلك علامة كمال الإيمان، وبلوغه إلى درجة المقربين والمحبوبين، المتقربين بالنوافل بعد الفرائض، وإن لم تبلغ هذه المحبة إلى الدرجة فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبتهم ولم يزيدوا عليها" (١). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "قوله: (لا يؤمن أحدكم): أي: الإيمان الواجب، والمراد كماله، حتى يكون الرسول أحب إلى العبد من ولده ووالده والناس أجمعين، بل ولا يحصل هذا الكمال إلا بأن يكون الرسول أحب إليه من نفسه، كما في الحديث: "أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنك الآن أحب إلي من نفسي، فقال: الآن

стр. 583

يا عمر"" (١). فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويعرض للعقوبة فقد صدق، وإنه أراد أن المنفي الكمال المستحب، فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله ﷺ ، قاله شيخ الإسلام ﵀ (٢). وكما سبق فإن المقصود بالمحبة في الحديث هي المحبة الشرعية الدينية الاختيارية لا المحبة الطبيعية، ولذا نقل الإمام النووي في شرح الحديث عن بعض أهل العلم أنه قال: "لم يرد به حب الطبع بل أراد به حب الاختيار؛ لأن حب الإنسان نفسه طبع، ولا سبيل إلى قلبه، قال فمعناه: لا تصدق في حبي حتى تُفْنِي في طاعتي نفسك، وتؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه هلاكك" (٣). ويقول الإمام ابن الجوزي في إيضاح معنى الحديث: "اعلم أن المراد بهذه المحبة: المحبة الشرعية فإنه يجب على المسلمين أن يقوا رسول الله ﷺ بأنفسهم وأولادهم، وليس المراد بهذا المحبة الطبيعية فإنهم قد فروا عنه في القتال وتركوه، وكل ذلك لإيثار حب النفس" (٤). وقال ﵀ أيضًا: "ففي الأول أن عمر قال يا رسول الله: لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي فقال رسول الله ﷺ : "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك": إن قال قائل: كيف كلفه بما لا يدخل تحت طوقه فإن المحبة في الجملة ليست إلى الإنسان، ثم إن حبه لنفسه أشد من حبه لغيرها ولا يمكنه تغيير ذلك، فالجواب: إنه إنما كلفه

стр. 584

الحب الشرعي، وهو إيثاره على النفس وتقديم أوامره على مراداتها فأما الحب الطبعي فلا وقد سبق بيان هذا" (١). * المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة تضافرت أقوال أهل العلم في بيان أنواع المحبة الدينية سواء كانت شرعية، أم غير شرعية، وهي: محبة الله ﵎ محبة ذاتية، والمحبة في الله ولله المستلزمة لمحبة ما يحب الله، والمحبة مع الله، فالأولى هي الأصل لجميع المحاب، والثانية مكملة ومتممة لأصل المحبة، أما الثالثة فهي إما ناقضة لأصل المحبة فتزول بسببها جميع المحاب الشرعية، بل تبطل بوجودها جميع الأعمال الدينية، أو تكون منقصة لتمامها وكمالها. وقد تعددت أقوال أهل العلم في بيان هذه الأنواع، وتنوعت تعبيراتهم وتقسيماتهم لأنواع المحبة الدينية، وكلها ترجع إلى هذه المعاني الثلاثة، وفيما يلي أسوق بعضًا مما ذكره العلماء من هذه الأنواع التي تضمنتها القاعدة: يقول الإمام ابن تيمية: "ثم إنه كما بَيَّن أن محبته أصل الدين، فقد بَيَّن أن كمال الدين بكمالها ونقصه بنقصها" (٢). ويقول ﵀: "محبة الله، بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجلّ قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين، كما أن التصديق به أصل كل قول من أقوال الإيمان والدين" (٣).

стр. 585

ويقول الإمام ابن القيم: "فمحبة الله أصل المحاب المحمودة وأصل الإيمان والتوحيد" (١). ويقول ﵀: "فإن المحبة ثلاثة أقسام: محبة الله، والمحبة له وفيه، والمحبة معه؛ فالمحبة له وفيه من تمام محبته وموجباتها لا من قواطعها؛ فإن محبة الحبيب تقتضي محبة ما يحب، ومحبة ما يعين على حبه، ويوصل إلى رضاه وقربه، وكيف لا يحب المؤمن ما يستعين به على مرضاة ربه، ويتوصل به إلى حبه وقربه. وأما المحبة مع الله فهي المحبة الشركية، وهي كمحبة أهل الأنداد لأندادهم كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وأصل الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك في هذه المحبة، فإن المشركين لم يزعموا أن آلهتهم وأوثانهم شاركت الرب سبحانه في خلق السموات والأرض، وإنما كان شركهم بها من جهة محبتها مع الله، فوالوا عليها، وعادوا عليها، وتألهوها، وقالوا هذه آلهة صغار تقربنا إلى الإله الأعظم. ففرق بين محبة الله أصلًا والمحبة له تبعًا والمحبة معه شركًا، وعليك بتحقيق هذا الموضع فإنه مفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك" (٢). ويقول أيضًا: "وها هنا أربعة أنواع من الحب يجب التفريق بينها، وإنما ضلَّ من ضلَّ بعدم التمييز بينها: أحدهما: محبة الله، ولا تكفي وحدها في النجاة من الله من عذابه، والفوز بثوابه، فإن المشركين، وعُبّاد الصليب، واليهود، وغيرهم يحبون الله. الثاني: محبة ما يحب الله، وهذه هي التي تدخله في الإسلام، وتخرجه من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة، وأشدهم فيها.

стр. 586

الثالث: الحب لله وفيه، وهي من لوازم محبة ما يحب الله، ولا تستقيم محبة ما يحب الله إلا بالحب فيه وله. الرابع: المحبة مع الله وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئًا مع الله لا لله، ولا من أجله ولا فيه فقد اتخذه ندًا من دون الله، وهذه محبة المشركين" (١). ويقول ﵀: "وأصل العبادة، وتمامها، وكمالها: هو المحبة، وإفراد الرب سبحانه بها، فلا يشرك العبد به فيها غيره" (٢). فجعل ﵀ المحبة على أقسام بالنسبة للعبادة؛ منها ما هو أصل في العباة لا تصح بدونها، ومنها ما هو واجب لا تتم العبادة إلا به، ويأثم من لا يتحقق فيه هذا، ومنها ما هو كمال تنقص به العبادة عن درجة الكمال، وإن كان صاحبها لا يأثم بفقدها، وهذا الأخير هو معترك التفضيل بين أهل الإيمان. ويقول ﵀ في بيان أنواع المحبة وتصنيفها إلى نافعة وضارة: "فالمحبة النافعة ثلاث أنواع: محبة الله، ومحبة في الله، ومحبة ما يعين على طاعة الله تعالى اجتناب معصيته، والمحبة الضارة ثلاثة أنواع: المحبة مع الله، ومحبة ما يبغضه الله تعالى، ومحبة ما تقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها، فهذه ستة أنواع عليها مدار محاب الخلق، فمحبة الله أصل المحاب المحمودة، وأصل الإيمان والتوحيد، والنوعان الآخران تبع لها" (٣). ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "لما كانت محبة الله سبحانه: هي أصل دين الإسلام الذي يدور عليه قطب رحاها، فبكمالها يكمل الإيمان، وبنقصانها ينقص توحيد الإنسان، نبه المُصَنِّف ﵀

стр. 587

على وجوبها على الأعيان" (١). ويقول الشيخ محمد العثيمين: "والمحبة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: محبة عبادة، وهي التي توجب التذلل والتعظيم، وأن يقوم بقلب الإنسان من إجلال المحبوب وتعظيمه ما يقتضي أن يمتثل أمره ويجتنب نهيه، وهذه خاصة بالله، فمن أحب مع الله غيره محبة عبادة، فهو مشرك شركًا أكبر، ويعبر العلماء عنها بالمحبة الخاصة. القسم الثاني: محبة ليست بعبادة في ذاتها، وهذه أنواع: النوع الأول: المحبة لله وفي الله، وذلك بأن يكون الجالب لها محبة الله؛ أي: كون الشيء محبوبًا لله تعالى من أشخاص، كالأنبياء، والرسل، والصديقين، والشهداء، والصالحين، أو أعمال، كالصلاة، والزكاة، وأعمال الخير، أو غير ذلك. وهذا النوع تابع للقسم الأول الذي هو محبة الله. النوع الثاني: محبة إشفاق ورحمة، وذلك كمحبة الولد، والصغار، والضعفاء، والمرضى. النوع الثالث: محبة إجلال وتعظيم لا عبادة، كمحبة الإنسان لوالده، ولمعلمه، ولكبير من أهل الخير. النوع الرابع: محبة طبيعية، كمحبة الطعام، والشراب، والملبس، والمركب، والمسكن. وأشرف هذه الأنواع النوع الأول، والبقية من قسم المباح، إلا إذا اقترن بها ما يقتضي التعبد صارت عبادة، فالإنسان يحب والده محبة إجلال وتعظيم، وإذا اقترن بها أن يتعبد لله بهذا الحب من أجل أن يقوم ببر والده صارت عبادة، وكذلك يحب ولده محبة شفقة، وإذا اقترن بها

стр. 588

ما يقتضي أن يقوم بأمر الله بإصلاح هذا الولد صارت عبادة. وكذلك المحبة الطبيعية، كالأكل والشرب والملبس والمسكن إذا قصد بها الاستعانة على عبادة صارت عبادة، ولهذا (حبب للنبي ﷺ النساء والطيب) من هذه الدنيا، فحبب إليه النساء، لأن ذلك مقتضى الطبيعية، ولما يترتب عليه من المصالح العظيمة، وحبب إليه الطيب؛ لأنه ينشط النفس ويريحها ويشرح الصدر، ولأن الطيبات للطيبين والله طيب لا يقبل إلا طيبًا. فهذه الأشياء إذا اتخذها الإنسان بقصد العبادة صارت عبادة، قال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (١)، وقال العلماء: إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقالوا: الوسائل لها أحكام المقاصد، وهذا أمر متفق عليه" (٢). * المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها لا يخفى بما سبق ذكره من مسائل: أهمية هذه القاعدة العظيمة التي بيَّنت أصل الدين، وأساس الملة الحنيفية، وفرَّقت بين أصول التوحيد وأصول الشرك، وبعد تأمّل أقوال أهل العلم في هذا الباب يمكننا استخراج العديد من الفوائد والتطبيقات من خلال القاعدة، ومن ذلك ما يلي: أولًا: دلت القاعدة على إثبات المحبة الحقيقية للرب تعالى، وهذا هو اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة، وهو الذي دلت عليه نصوص القرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة؛ أي: كون الله يُحِب ويُحَب حقيقة، فهو يُحِب

стр. 589

نفسه ﵎، ويحب عباده المؤمنين، ويحب جميع ما أمر به عباده المخلصين، كما أن أهل الإيمان يحبونه ، فالقاعدة أثبتت المحبة في قلوب المؤمنين لربهم ، وأنها أصل جميع الأعمال الإيمانية، وفي ذلك إبطال لأقوال أهل البدعة والفرقة الذين تجرؤوا على الله تعالى، وتجاسروا على نصوص الشريعة فأنكروا حقيقة المحبة وأوَّلوها بتأويلات باطلة خالفوا بها نصوص القرآن الصريحة والسُّنَّة النبوية الشريفة (١). يقول الإمام ابن تيمية في بيان أقوال الطوائف في مسألة المحبة: "وقد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام في محبة الله، وذكرنا أن للناس في هذا الأصل العظيم ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن الله تعالى يُحِب ويُحَب كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] فهو المستحق أن يكون له كمال المحبة دون ما سواه، وهو سبحانه يُحِب ما أمر به ويُحِب عباده المؤمنين، وهذا قول سلف الأمة وأئمتها، وهذا قول أئمة شيوخ المعرفة. والقول الثاني: أنه يستحق أن يُحَب لكنه لا يُحِب إلا بمعنى أن

стр. 590

يريد، وهذا قول كثير من المتكلمين ومن وافقهم من الصوفية. والثالث: أنه لا يُحِب ولا يُحَب وإنما محبة العباد له إرادتهم طاعته، وهذا قول الجهمية ومن وافقهم من متأخري أهل الكلام" (١). ويقول ﵀: "وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين، ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ﵇" (٢). ثانياً: فرَّقت القاعدة بين محبة الله تعالى ومحبة غيره، فمحبته لا يشترك معه أحد من الناس فيها مهما كانت مكانته ومنزلته، فهي محبة خاصة بالرب ﵎، ولذا كان التعبير عن محبة الله -في الغالب- يأتي بما يختص بالله تعالى دون غيره كلفظ العبادة والإنابة والتبتل والاستكانة والتوبة فإن جميعها متضمن لمحبة الله تعالى. يقول الإمام ابن تيمية: "واسم المحبة فيه إطلاق وعموم؛ فإن المؤمن يحب الله، ويحب رسله، وأنبياءه، وعباده المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره؛ ولهذا جاءت محبة الله مذكورة بما يختص به سبحانه من العبادة، والإنابة إليه، والتبتل له، ونحو ذلك، فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله " (٣). ثالثاً: المقارنة -مع عظم الفارق- بين محبة المؤمنين لربهم سبحانه وبين محبة المشركين لأوثانهم وأندادهم، وكون الأولى أشد وأقوى وأثبت وأعظم من الثانية، فمن ذلك: أن محبة المؤمنين متصلة بالله تعالى لا تنقطع أبداً ما داموا على الإيمان والتوحيد، بخلاف محبة الأنداد فإنها لأغراض فاسدة موهومة

стр. 591

تزول بأدنى سبب؛ ولذلك كانوا يعدلون عن اَلهتهم إلى الله تعالى عند الشدائد، ويعبدون الصنم زمانًا ثم يرفضونه إلى غيره (١). كما أن محبة المؤمنين لربهم ثابتة لا تتزعزع؛ لأنهم على يقين من ربهم، قد عرفوه بأسمائه وصفاته وأفعاله، بلا شك ولا ريب، فأيقنت قلوبهم بذلك واطمأنت به، فلا يختارون على الله ما سواه، والمشركون إذا اتخذوا صنمًا ثم رأوا أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني (٢). رابعًا: من خلال القاعدة يمكن تقسيم المحبة الدينية الشرعية إلى قسمين: القسم الأول: محبة هي ركن الحب وأصل الدين وأساس الإسلام، وأعظمها محبة الرب ﵎ الناشئة عن معرفة ذاته المقدسة، وأسمائه الحسنى، وصفاته المجيدة، وأفعاله الحميدة، وأقداره الحكيمة. ثم محبة رسوله ﷺ محبة تابعة ولازمة لمحبة مرسلة وهذه ناشئة عن التصديق بكونه رسولًا نبيًا أرسله الله تعالى، وبما اتصف به ﵇ من صفات الكمال البشري، وبما جاء به من التنزيل والقرآن، كما أنه يدخل في ذلك محبة جميع ما أنزل على الرسول ﷺ مما يتعلق بهذا الأصل فيحب الإيمان ويبغض الكفر، وهذه كالقاعدة التي تنبني عليها جميع شرائع الإسلام وجميع المحاب الدينية الشرعية. القسم الثاني: محبة هي كمال في الدين وهذه على نوعين: الأول: محبة هي كمال واجب وفرض لازم على كل مسلم، وهي

стр. 592

تتضمن محبة جميع الأوامر الدينية الشرعية محبة تامة والقيام بها، وبغض جميع ما نهى عنه الرب ﵎ أو رسوله الكريم ﵇. الثاني: محبة هي كمال مستحب، وندب وفضيلة، ويتضمن ذلك محبة ما يحبه الله ورسوله من نوافل الطاعات، وفضائل الأعمال، ويدخل في ذلك محبة اتباعه ﷺ في سننه وآدابه والتخلق بأخلاقه الظاهرة والباطنة. يقول الإمام ابن تيمية في بيان القسم الثاني من المحبة: "ومحبة الله ورسوله على درجتين: واجبة وهي درجة المقتصدين، ومستحبة وهي درجة السابقين: فالأولى تقتضي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما بحيث لا يحب شيئًا يبغضه كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وذلك يقتضي محبة جميع ما أوجبه الله تعالى، وبغض ما حرَّمه الله تعالى وذلك واجب؛ فإن إرادة الواجبات إرادة تامة تقتضي وجود ما أوجبه كما تقتضي عدم الأشياء التي نهى الله عنها وذلك مستلزم لبغضها التام. فيجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨]. وأما محبة السابقين بأن يحب ما أحبه الله من النوافل والفضائل محبة تامة، وهذه حال المقربين الذين قربهم الله إليه" (١). فالواجب على كل من وقر الإيمان في قلبه أن يحب ما أحبه الله محبة تامة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه، فإن زادت المحبة حتى أتي بما ندب إليه منه كان ذلك فضلًا وسبقًا، وأن يكره ما كرهه الله

стр. 593

تعالى كراهة تامة توجب له الكف عما حرم عليه منه، فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كرهه تنزيهًا كان ذلك فضلًا وسبقًا (١). سادسًا: دلت القاعدة على أن محبة الرب تعالى هي الأصل، وعليه قرَّر أهل العلم من سلف هذه الأمة وأئمتها: أنه لا يحب لذاته إلا هو سبحانه، وكل من سواه من محبوباته فإنما يحب تبعًا لمحبته ، فالمحبة الذاتية لا تكون إلا للمعبود الذي يستحق أن يعبد دون ما سواه، فكما أنه لا يكون وجود غيره سبحانه لذاته كذلك لا يحب غيره لذاته (٢). فلا يستحق أن يحب لذاته -محبة مطلقة من كل وجه- إلا الرب العظيم، وهذا هو معنى كونه إلهًا معبودًا ومقصودًا بالتأله. يقول الإمام ابن تيمية: "بل لا يجوز أن يحب شيء من الموجودات لذاته إلا هو سبحانه وبحمده، فكل محبوب في العالم إنما يجوز أن يحب لغيره لا لذاته، والرب تعالى هو الذي يجب أن يحب لنفسه، وهذا من معاني إلهيته، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا؛ فإن محبة الشيء لذاته شرك، فلا يحب لذاته إلا الله؛ فإن ذلك من خصائص إلهيته، فلا يستحق ذلك إلا الله وحده، وكل محبوب سواه إن لم يحب لأجله، أو لما يحب لأجله فمحبته فاسدة" (٣). ويقول ﵀ أيضًا: "وقد قررنا في مواضع من القواعد الكبار أنه لا يجوز أن يكون غير الله محبوبًا مرادًا لذاته، كما لا يجوز أن يكون غير الله موجودًا بذاته، بل لا رب إلَّا الله ولا إله إلا هو المعبود الذي يستحق أن يحب لذاته، ويعظم لذاته كمال المحبة والتعظيم" (٤).

стр. 594

ويقول ابن القيم: "وليس في الوجود ما يحب لذاته ويحمد لذاته إلا هو سبحانه، وكل ما يُحَب سواه؛ فإن كانت محبته تابعة لمحبته سبحانه بحيث يُحَب لأجله فمحبته صحيحة، وإلا فهي محبة باطلة، وهذا هو حقيقة الإلهية؛ فإن الإله الحق هو الذي يحب لذاته ويحمد لذاته" (١). فظهر بذلك أن جميع محاب العباد الشرعية تابعة لمحبة ذات الله ﵎، بل إن جميع محاب الرب تعالى تابعة في الأصل لمحبته لنفسه ، إذ محبته سبحانه لنفسه هي أعظم محبوباته، وكل ما أحبه سبحانه سواه فإنما أحبه لمحبته لنفسه ، وهذا يدل على أن محبة ذات الرب هي أصل جميع المحاب، وأساس جميع الأعمال الإيمانية في هذا الكون. يقول ابن تيمية: "فلا ثناء من مثنٍ أعظم من ثناء الرب على نفسه، ولا ثناء إلا بحب، ولا حب من محبوب لمحبوب أعظم من محبة الرب لنفسه، وكل ما يحبه من عباده فهو تابع لحبه لنفسه، فهو يحب المقسطين، والمحسنين، والصابرين، والمؤمنين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويفرح بتوبة التائبين، كل ذلك تبعًا لمحبته لنفسه، فإن المؤمن إذا كان يحب ما يحبه من المخلوقات لله، فيكون حبه للرسول والصالحين تبعًا لحبه لله" (٢). وبناء عليه فإن محبة النبي ﷺ لا تكون لذاته ﵇، فإن محبة الشيء لذاته شرك؛ -كما سبق تقرير ذلك- إذ هي من خصائص إلهيته ، ولكن تكون تبع لمحبة الله ﷻ ، وليس في هذا تنقيص له- ﵊، ولا غضٌ من مكانته العالية، ومنزلته الرفيعة، بل هذا مما يعظم شأن نبينا ويعلي مكانته ﵇. يقول الإمام ابن تيمية: "ومحبة الرسول هي من محبة الله، فهي

стр. 595

حب لله وفي الله، ليست محبة محبوب مع الله كالذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] " (١). ويقول أيضًا: "وليس للخلق محبة أعظم ولا أكمل ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم، وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته -من كل وجه- إلا الله تعالى وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه؛ فإن الرسول- ﵊ إنما يُحَب لأجل الله، ويُطَاع لأجل الله، ويتبع لأجل الله كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ " (٢). ويقول الإمام ابن القيم: "فإن محبة رسول الله ﷺ ، بل تقديمه في الحب على الأنفس، وعلى الآباء، والأبناء، لا يتم الإيمان إلا بها، إذ محبته من محبة الله، وكذلك كل حب في الله ولله" (٣). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "محبة الرسول ﷺ واجبة تابعة لمحبة الله لازمة لها، فإنها لله ولأجله، تزيد بزيادة محبة الله في قلب المؤمن وتنقص بنقصها، وكل من كان محبًا لله فإنما يحب في الله ولأجله كما يحب الإيمان والعمل الصالح. وهذه المحبة ليس فيها شيء من شوائب الشرك؛ كالاعتماد عليه ورجائه في حصول مرغوب منه أو دفع مرهوب منه، وما كان فيها ذلك فمحبته مع الله لما فيها من التعلق على غيره والرغبة إليه من دون الله، فبهذا يحصل التمييز بين المحبة في الله ولأجله، التي هي من كمال التوحيد، وبين المحبة مع الله التي هي محبة الأنداد من دون الله لما يتعلق في قلوب المشركين من الإلهية التي لا تجوز إلا لله وحده" (٤).

стр. 596

ويقول الشيخ ابن عثيمين: "فمحبة الرسول ﷺ تابعة لمحبة الله، وتعظيمنا له ﷺ تابع لتعظيم الله وهو دون تعظيم الله؛ ولهذا نهى النبي ﷺ أن نغلو فيه وأن نجعل له حقًا مساويًا لحق الله . والخلاصة: أنه يجب على الإنسان أن يكون تعظيم الله تعالى ومحبته في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل أحد، وأن تكون محبة النبي ﷺ وتعظيمه في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل مخلوق، وأما أن يساوي بين حق الرسول ﷺ ، وحق الله تعالى فيما يختص الله به فهذا خطأ عظيم" (١). سابعًا: الأصل المعتبر عند الله تعالى هو المحبة الدينية الشرعية، فهي التي يترتب عليها صحة الإسلام وتمام الإيمان، وعليها يقوم الثواب والعقاب، وذلك بخلاف المحبة الطبيعية، فهي كما سبق لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، ولكن قد تتحول إلى محبة شرعية بحسب نية صاحبها وقصده، وعليه فمن أحب الرسول ﷺ محبة طبيعية لا يقبل منه حتى يحبه محبة شرعية تابعة لمحبة الرب تعالى. يقول الحافظ ابن كثير في نصرة أبي طالب للنبي ﷺ : "ومن عصمة الله لرسوله: حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها؛ مع شدة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلًا ونهارًا بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه" (٢).

стр. 597

ويقول الشيخ العثيمين في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]: "ويجوز أن يحبه محبة قرابة، ولا ينافي هذا المحبة الشرعية، وقد أُحِبُّ أن يهتدي هذا الإنسان، وإن كنت أبغضه شخصيًا لكفره، ولكن لأني أحب أن الناس يسلكون دين الله" (١). ويقول ابن الجاج: "فليس الإنسان مكلفًا بأن لا يقع له محبة الشيء، وإنما هو مكلف بأن لا يرضى به وإن كانت نفسه تحبه فيكرهه لكراهية الشرع الشريف" (٢). ثامنًا: كان هدي النبي ﷺ في جميع محابّه -سواء الدينية أو الطبيعية- أنها تابعة لمحبة خالقه ومرسله ؛ وهذا يدل على عظم محبة النبي ﷺ لربه، وكمال توحيده وإخلاصه، ورسوخ إيمانه ويقينه، وشدة تعظيمه وإجلاله لربه، وكبير تعلقه به سبحانه، ولذا كان حبه لأبي بكر الصديق ﵁ أكثر من غيره لما علم من محبة الله لأبي بكر، وكذلك عائشة ﵂ كانت أحب نسائه إليه ﷺ لما كان لها من المنزلة والمكانة عند ربها ﵎. يقول الإمام ابن تيمية: "وأيضًا فالنبي ﷺ محبته تابعة لمحبة الله، وأبو بكر أحبهم إلى الله تعالى، فهو أحبهم إلى رسوله، وإنما كان كذلك لأنه أتقاهم وأكرمهم، وأكرم الخلق على الله تعالى أتقاهم بالكتاب والسُّنَّة" (٣). ويقول ابن الحاج: "فكان ﷺ يزيد لكل شخص في المحبة بحسب ما كانت منزلته عند الله تعالى، ليس للنفس فيه حظ، ولا للهوى فيه مطمع، ولا للعادة فيه مدخل" (٤).

стр. 598

وهذا يدل على أن عظم محبته ﷺ لعائشة ﵂ ولأبي بكر الصديق ﵁ إنما هي محبة دينية تابعة لمحبة الله، ولم تكن محبة لمجرد الهوى، أو الطبيعية والجبلة (١). ولذا يرى بعض أهل العلم أن إخباره ﷺ بحبه لعائشة وأبي بكر ﵄ وحيٌ من الله ﵎ أوحاه إليه ليتحقق بتلك المحبة (٢). كما أنه من الممكن أن تكون محبة النبي ﷺ الطبيعية تابعة للمحبة الشرعية بحيث يكون تناوله لهذه المحبوبات من باب الإذن من الله والتشريع للأمة كما ذكره بعض أهل العلم. يقول الإمام الشاطبي: "وأيضًا فإنه لا يلزم من حب الشيء أن يكون مطلوبًا بحظ؛ لأن الحب أمر باطن لا يملك، وإنما ينظر فيما ينشأ عنه من الأعمال، فمن أين لك أنه كان ﵊ يتناول تلك الأشياء لمجرد الحظ دون أن يتناوله من حيث الإذن وهذا هو عين البراءة من الحظ، وإذا تبين هذا في القدوة الأعظم ﷺ تبين نحوه في كل مقتدى به ممن اشتهرت ولايته" (٣). عاشرًا: ويتفرع على ذلك قاعدة ذكرها أهل العلم وهي أن المحبة الدينية لازمة للأفضلية فمن كان أفضل من غيره كانت محبتنا الدينية له أعظم، وعكس الحب البغض، وكلاهما يتبع الفضل والمكانة والمنزلة. فمن كان إثم بغضه في الشرع عظيمًا كان ذلك دليلًا على فضله ومكانته، فليست محبة النبي ﷺ كمحبة غيره من أصحابه، كما أنه ليس بغض النبي ﷺ كبغض أبي بكر، أو عمر، وليس بغض الصحابة كبغض

стр. 599

غيرهم، فكلما عظم إثم البغض دلَّ ذلك على عظم الفضل. يقول الإمام ابن تيمية: "لأن الحب والبغض يتبع الفضل فمن كان بغضه أعظم دلَّ على أنه أفضل، ودل حينئذٍ على أن محبته دين لأجل ما فيه من زيادة الفضل، ولأن ذلك ضد البغض، ومن كان بغضه سببًا للعذاب لخصوصه كان حبه سببًا للثواب، وذلك دليل على الفضل" (١). وقد نقل الإمام الذهبي فتوى أبي زرعة العراقي (٢) في تقرير هذه القاعدة فقال: "سئل شيخ الإسلام، محقق عصره: أبو زرعة الولي العراقي ﵀ عمن اعتقد في الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم ولكنه يحب أحدهم أكثر هل يأثم؟. فأجاب بأن المحبة قد تكون لأمر ديني وقد تكون لأمر دنيوي، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية، فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له أكثر، فمتى اعتقدنا في واحد منهم أنه أفضل ثم أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضًا، نعم إن أحببنا غير الأفضل أكثر من محبة الأفضل لأمر دنيوي كقرابة وإحسان ونحوه فلا تناقض في ذلك ولا امتناع، فمن اعترف بأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي لكنه أحب عليًا أكثر من أبي بكر مثلًا، فإن كانت المحبة المذكورة محبة دينية فلا معنى لذلك؛ إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما قررناه، وهذا لم يعترف بأفضلية أبي بكر إلا بلسانه، وأما

стр. 600

بقلبه فهو مفضل لعلي لكونه أحبه محبة دينية زائدة على محبة أبي بكر، وهذا لا يجوز، وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية لكونه من ذرية علي أو لغير ذلك من المعاني فلا امتناع فيه" (١). ويقول الشيخ علي القاري: "ثم لا يلزم من أكثرية المحبة تحقق الأفضلية؛ إذ محبة الأولاد وبعض الأقارب أمر جبلي مع العلم القطعي بأن غيرهم قد يوجد أفضل منهم، وأما بالنسبة إلى الأجانب فالأفضلية توجب زيادة المحبة، وبهذا يندفع الإشكال والله أعلم بالأحوال" (٢). الحادي عشر: إن من لوازم محبة الله أو المحبة فيه أو له بغض ما أبغضه الله تعالى، من الأقوال، والأعمال، والأشخاص، وغير ذلك، فلا تستقيم هذه المحبة الدينية الإيمانية إلا بوجود هذا البغض لكل ما يُبْغِضُهُ الرب تعالى، والعداوة لأعداء الله تعالى، وأعداء رسوله ﷺ ، ودينه، وعباده المؤمنين، فلا يجتمع في قلب المؤمن إيمان كامل بالله تعالى وحب أعدائه وأعداء رسله ودينه. يقول الإمام ابن تيمية: "وفي الإنسان قوتان: قوة الحب، وقوة البغض، وإنما خَلَقَ ذلك فيه ليحب الحق الذي يحبه الله، ويُبْغِض الباطل الذي يبغضه الله، وهؤلاء هم الذين يحبهم الله ويحبونه" (٣). ويقول ﵀: "فهذا هو الأصل الذي يجب على كل أحد أن يعتصم به، فلا بد أن يكون مريدًا محبًا لما أمره الله بإرادته ومحبته، كارهًا مبغضًا لما أمره الله بكراهته وبغضه، والناس في هذا الباب أربعة أنواع:
следующие страницы →