← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ويقول الشيخ ابن عثيمين: "فمحبة الرسول ﷺ تابعة لمحبة الله، وتعظيمنا له ﷺ تابع لتعظيم الله وهو دون تعظيم الله؛ ولهذا نهى النبي ﷺ أن نغلو فيه وأن نجعل له حقًا مساويًا لحق الله . والخلاصة: أنه يجب على الإنسان أن يكون تعظيم الله تعالى ومحبته في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل أحد، وأن تكون محبة النبي ﷺ وتعظيمه في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل مخلوق، وأما أن يساوي بين حق الرسول ﷺ ، وحق الله تعالى فيما يختص الله به فهذا خطأ عظيم" (١). سابعًا: الأصل المعتبر عند الله تعالى هو المحبة الدينية الشرعية، فهي التي يترتب عليها صحة الإسلام وتمام الإيمان، وعليها يقوم الثواب والعقاب، وذلك بخلاف المحبة الطبيعية، فهي كما سبق لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، ولكن قد تتحول إلى محبة شرعية بحسب نية صاحبها وقصده، وعليه فمن أحب الرسول ﷺ محبة طبيعية لا يقبل منه حتى يحبه محبة شرعية تابعة لمحبة الرب تعالى. يقول الحافظ ابن كثير في نصرة أبي طالب للنبي ﷺ : "ومن عصمة الله لرسوله: حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها؛ مع شدة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلًا ونهارًا بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه" (٢).

стр. 597

ويقول الشيخ العثيمين في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]: "ويجوز أن يحبه محبة قرابة، ولا ينافي هذا المحبة الشرعية، وقد أُحِبُّ أن يهتدي هذا الإنسان، وإن كنت أبغضه شخصيًا لكفره، ولكن لأني أحب أن الناس يسلكون دين الله" (١). ويقول ابن الجاج: "فليس الإنسان مكلفًا بأن لا يقع له محبة الشيء، وإنما هو مكلف بأن لا يرضى به وإن كانت نفسه تحبه فيكرهه لكراهية الشرع الشريف" (٢). ثامنًا: كان هدي النبي ﷺ في جميع محابّه -سواء الدينية أو الطبيعية- أنها تابعة لمحبة خالقه ومرسله ؛ وهذا يدل على عظم محبة النبي ﷺ لربه، وكمال توحيده وإخلاصه، ورسوخ إيمانه ويقينه، وشدة تعظيمه وإجلاله لربه، وكبير تعلقه به سبحانه، ولذا كان حبه لأبي بكر الصديق ﵁ أكثر من غيره لما علم من محبة الله لأبي بكر، وكذلك عائشة ﵂ كانت أحب نسائه إليه ﷺ لما كان لها من المنزلة والمكانة عند ربها ﵎. يقول الإمام ابن تيمية: "وأيضًا فالنبي ﷺ محبته تابعة لمحبة الله، وأبو بكر أحبهم إلى الله تعالى، فهو أحبهم إلى رسوله، وإنما كان كذلك لأنه أتقاهم وأكرمهم، وأكرم الخلق على الله تعالى أتقاهم بالكتاب والسُّنَّة" (٣). ويقول ابن الحاج: "فكان ﷺ يزيد لكل شخص في المحبة بحسب ما كانت منزلته عند الله تعالى، ليس للنفس فيه حظ، ولا للهوى فيه مطمع، ولا للعادة فيه مدخل" (٤).

стр. 598

وهذا يدل على أن عظم محبته ﷺ لعائشة ﵂ ولأبي بكر الصديق ﵁ إنما هي محبة دينية تابعة لمحبة الله، ولم تكن محبة لمجرد الهوى، أو الطبيعية والجبلة (١). ولذا يرى بعض أهل العلم أن إخباره ﷺ بحبه لعائشة وأبي بكر ﵄ وحيٌ من الله ﵎ أوحاه إليه ليتحقق بتلك المحبة (٢). كما أنه من الممكن أن تكون محبة النبي ﷺ الطبيعية تابعة للمحبة الشرعية بحيث يكون تناوله لهذه المحبوبات من باب الإذن من الله والتشريع للأمة كما ذكره بعض أهل العلم. يقول الإمام الشاطبي: "وأيضًا فإنه لا يلزم من حب الشيء أن يكون مطلوبًا بحظ؛ لأن الحب أمر باطن لا يملك، وإنما ينظر فيما ينشأ عنه من الأعمال، فمن أين لك أنه كان ﵊ يتناول تلك الأشياء لمجرد الحظ دون أن يتناوله من حيث الإذن وهذا هو عين البراءة من الحظ، وإذا تبين هذا في القدوة الأعظم ﷺ تبين نحوه في كل مقتدى به ممن اشتهرت ولايته" (٣). عاشرًا: ويتفرع على ذلك قاعدة ذكرها أهل العلم وهي أن المحبة الدينية لازمة للأفضلية فمن كان أفضل من غيره كانت محبتنا الدينية له أعظم، وعكس الحب البغض، وكلاهما يتبع الفضل والمكانة والمنزلة. فمن كان إثم بغضه في الشرع عظيمًا كان ذلك دليلًا على فضله ومكانته، فليست محبة النبي ﷺ كمحبة غيره من أصحابه، كما أنه ليس بغض النبي ﷺ كبغض أبي بكر، أو عمر، وليس بغض الصحابة كبغض

стр. 599

غيرهم، فكلما عظم إثم البغض دلَّ ذلك على عظم الفضل. يقول الإمام ابن تيمية: "لأن الحب والبغض يتبع الفضل فمن كان بغضه أعظم دلَّ على أنه أفضل، ودل حينئذٍ على أن محبته دين لأجل ما فيه من زيادة الفضل، ولأن ذلك ضد البغض، ومن كان بغضه سببًا للعذاب لخصوصه كان حبه سببًا للثواب، وذلك دليل على الفضل" (١). وقد نقل الإمام الذهبي فتوى أبي زرعة العراقي (٢) في تقرير هذه القاعدة فقال: "سئل شيخ الإسلام، محقق عصره: أبو زرعة الولي العراقي ﵀ عمن اعتقد في الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم ولكنه يحب أحدهم أكثر هل يأثم؟. فأجاب بأن المحبة قد تكون لأمر ديني وقد تكون لأمر دنيوي، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية، فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له أكثر، فمتى اعتقدنا في واحد منهم أنه أفضل ثم أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضًا، نعم إن أحببنا غير الأفضل أكثر من محبة الأفضل لأمر دنيوي كقرابة وإحسان ونحوه فلا تناقض في ذلك ولا امتناع، فمن اعترف بأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي لكنه أحب عليًا أكثر من أبي بكر مثلًا، فإن كانت المحبة المذكورة محبة دينية فلا معنى لذلك؛ إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما قررناه، وهذا لم يعترف بأفضلية أبي بكر إلا بلسانه، وأما

стр. 600

بقلبه فهو مفضل لعلي لكونه أحبه محبة دينية زائدة على محبة أبي بكر، وهذا لا يجوز، وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية لكونه من ذرية علي أو لغير ذلك من المعاني فلا امتناع فيه" (١). ويقول الشيخ علي القاري: "ثم لا يلزم من أكثرية المحبة تحقق الأفضلية؛ إذ محبة الأولاد وبعض الأقارب أمر جبلي مع العلم القطعي بأن غيرهم قد يوجد أفضل منهم، وأما بالنسبة إلى الأجانب فالأفضلية توجب زيادة المحبة، وبهذا يندفع الإشكال والله أعلم بالأحوال" (٢). الحادي عشر: إن من لوازم محبة الله أو المحبة فيه أو له بغض ما أبغضه الله تعالى، من الأقوال، والأعمال، والأشخاص، وغير ذلك، فلا تستقيم هذه المحبة الدينية الإيمانية إلا بوجود هذا البغض لكل ما يُبْغِضُهُ الرب تعالى، والعداوة لأعداء الله تعالى، وأعداء رسوله ﷺ ، ودينه، وعباده المؤمنين، فلا يجتمع في قلب المؤمن إيمان كامل بالله تعالى وحب أعدائه وأعداء رسله ودينه. يقول الإمام ابن تيمية: "وفي الإنسان قوتان: قوة الحب، وقوة البغض، وإنما خَلَقَ ذلك فيه ليحب الحق الذي يحبه الله، ويُبْغِض الباطل الذي يبغضه الله، وهؤلاء هم الذين يحبهم الله ويحبونه" (٣). ويقول ﵀: "فهذا هو الأصل الذي يجب على كل أحد أن يعتصم به، فلا بد أن يكون مريدًا محبًا لما أمره الله بإرادته ومحبته، كارهًا مبغضًا لما أمره الله بكراهته وبغضه، والناس في هذا الباب أربعة أنواع:

стр. 601

أكملهم الذين يحبون ما أحبه الله ورسوله، ويبغضون ما أبغضه الله ورسوله، فيريدون ما أمرهم الله ورسوله بإرادته، ويكرهون ما أمرهم الله ورسوله بكراهته، وليس عندهم حب ولا بغض لغير ذلك، فيأمرون بما أمر الله به ورسوله ولا يأمرون بغير ذلك، وينهون عما نهى الله عنه ورسوله ولا ينهون عن غير ذلك، وهذه حال الخليلين أفضل البرية محمد وإبراهيم -صلى الله عليهما وسلم-" (١). الثاني عشر: القاعدة عند أهل السُّنَّة والجماعة أن الشخص الواحد يجتمع فيه الكفر والإيمان، والسُّنَّة والبدعة، والطاعة والمعصية، والبر والفجور، فيُحَب على قدر ما فيه من طاعة ومحبة لله وقرب منه، ويبغض على قدر ما فيه من بعد عن الله واقتراف للذنوب وارتكاب للمعاصي. فمن ثبت إيمانه وكثرت طاعته وعبادته وجب له من المحبة والموالاة بقدر ما فيه من الإيمان وإن ظلمك واعتدى عليك في نفسك أو مالك أو عرضك، كما أنه يعادى ويبغض بقدر ما فيه من المعاصي والذنوب، ومن الظلم والجور وإن كان محسنًا إليك، مثنيًا عليك، وهذا هو مقتضى العدل الإلهي الذي أمر الله به، فالسارق الفقير تقطع يده ويعطى من زكاة المسلمين. يقول الإمام ابن تيمية مقررًا لهذا الأصل العظيم: "فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالَاخر وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه، والعقاب لأعدائه. وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة ومعصية،

стр. 602

وسُنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السُّنَّة والجماعة، وخالفهم الخوارج، والمعتزلة ومن وافقهم ... " (١). ويقول الإمام ابن القيم في علامة المحبة الدينية الإيمانية في الله تعالى: "وعلامة هذا الحب والبغض في الله أنه لا ينقلب بغضه لبغيض الله حبًا لإحسانه إليه، وخدمته له، وقضاء حوائجه، ولا ينقلب حبه لحبيب الله بغضًا إذا وصل إليه من جهته من يكرهه ويؤلمه، إما خطأ، وإما عمدًا مطيعًا لله فيه، أو متأولًا أو مجتهدًا، أو باغيًا نازعًا تائبًا، والدين كله يدور على أربع قواعد حب وبغض ويترتب عليهما فعل وترك" (٢). ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "وكذلك من كره دخول الناس في التوحيد، وأحب بقاءهم على الشرك فقد خالف الكتاب والسُّنَّة والإجماع. وبهذا تعلم أن المحبة ذات مراتب، لا يلزم من وجود بعضها وجود غيره، وكذلك المتابعة، ومن لم يستكمل الإيمان الواجب في الحب والمتابعة قد يقع منه ما ينافيهما فيجتمع الضدان، ولا يستحيل ذلك لا عقلًا ولا شرعًا؛ أما العقل فقد جوَّز اجتماع الأضداد كافة النظار والمتكلمين ومثلوا لذلك. وأما الشرع فإجماع السلف والأئمة على أن الشخص يجتمع فيه مادتان متضادتان: كفر وإسلام، توحيد وشرك، طاعة وفسق، إيمان

стр. 603

ونفاق. وهو لأيهما غلب ولو عقل المعترض لعرف المراد، لكنه جهل فاعترض، وجعل جهله وعقله الضال ميزانًا يزن به، فلا أحكم ممن قضي له بالخذلان وعدم العلم بحقائق الإسلام والإيمان" (١). فالواجب على المسلم أن يجعل المحبة والبغض ميزانًا دينيًا يفرق به بين أعداء الله وأوليائه، ولا يجعله ميزانًا دنيويًا يحكم فيه بالهوى، فمن أعطاه شيئًا من الدنيا أحبه ووالاه ولو كان من أبعد الناس عن الله، وأشدهم كفرًا وفسوقًا، وإن لم يعطه شيئًا منها أبغضه وأبعده ولو كان من أقرب الناس إلى الله، وأشدهم إيمانًا وتوحيدًا، وأكثرهم طاعة وعبادة. ولذا فالمحبة الدينية التابعة لمحبة الرب تعالى لا تزيد بالوفاء والبر والعطاء الدنيوي، بل المقياس فيها الإيمان والطاعة، ولو أنها ازدادت بالوفاء والبر لكان المحبوب هو النصيب والحظ.

стр. 604

المبحث الخامس قاعدة الحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها وفيه مسائل: * المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة أولًا: معنى الحنيفية: الحَنِيفيّة مشتقة من الأصل اللغوي الثلاثي (حَنِفَ) على وزن (فَعِيلِية)، وهي مصدر صناعي نسبة إلى (حَنِيف)، والحنيف على وزن (فَعِيل)، بمعنى (فَاعِل)، يقال: حَنِفَ يَحْنَفُ حَنَفًا (١). ومعنى الحنف في اللغة: الإقبال على الشيء، يقال: أحنف الرجلين من الحَنَف؛ أي: كل واحدة من الرجلين مقبلة على الأخرى بإبهامها. وقيل: هو الميل عن الشيء. ومن معان الحنف: الاستقامة، فالحنيف: المستقيم، وقد قيل للرجل الأعرج الذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى إنما قيل له: أحنف؛ على جهة التفاؤل، ونظرًا إلى السلامة، كما قيل للقفر وللمهلكة

стр. 605

من البلاد: المفازة، بمعنى الفوز بالنجاة منها والسلامة، وكما قيل للديغ: السليم تفاؤلًا له بالسلامة من الهلاك (١). أما معنى الحنيفية شرعًا فقد قيل في معناها أقوال كثيرة، منها ما يتعلق بأصل الإسلام وهو التوحيد، والبعض فسرها ببعض الأعمال التي اختصت بها الشريعة؛ من الحج والختان وتحريم المحارم، وغير ذلك (٢)، والصحيح في معناها أنها بمعنى التوحيد، وإخلاص الدين لله ، إضافة إلى أعمال الشرائع التي اختص بها الحنيفية؛ ويظهر ذلك من قوله تعالى في شأن إبراهيم ﵇: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١]. ففسَّر تعالى حنيفية إبراهيم ﵇ ببعده وبراءته من الشرك وأهله، وهذا يدل على أن معنى الحنيفية التوحيد وإسلام الوجه لله، وإخلاص العبادة له سبحانه بالحب والخضوع والانقياد (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والحنيفية: هي الاستقامة بإخلاص الدين لله، وذلك يتضمن حبه تعالى والذل له، لا يشرك به شيئًا؛ لا في الحب ولا في الذل" (٤). ويقول أيضًا: "فالدين الحنيف: هو الإقبال على الله وحده، والإعراض عما سواه، وهو الإخلاص الذي ترجمته كلمة الحق، والكلمة

стр. 606

الطيبة: لا إله إلا الله" (١). ثانيًا: معنى الفطرة: الفِطْرَةُ مشتقة من أصل لغوي ثلاثي هو (فَطَرَ)، على وزن (فِعْلَة)، وهي اسم من الفعل (فَطَرَ)، والمصدر منه (فَطْرًا)، يقال: فَطَرَ يَفْطُرُ ويَفْطِرُ فَطْرًا (٢). يقال: فَطَرَ الشيءَ يفْطُرُه فَطْرًا وفطَّرَه فَانْفَطَرَ: شقَّه، وتفطَّر الشيء: تشقق. فالفَطْرُ: الشق، وجمعه: فطور، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ [الانفطار: ١]؛ أي: انشقت، وفي الحديث: "أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه ... " (٣). وفَطَر الله الخلق، يفطرهم: خلقهم وابتدأهم واخترعهم، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]؛ أي: خالقهما ومبتدئهما (٤)، وعن ابن عباس ﵄ قال: "لم أكن أدري ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، قال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي: ابتدأتها" (٥). وفَطَرَ الشَّيءَ أَنْشَأَه وبَدَأَه، وإذا كان الفَطْرُ، بمعنى الابتداء والاختراع، فَالْفِطْرَة منه الحالة كَالْجِلْسَةِ (٦).

стр. 607

فأصل الفَطْرِ هو بداية الخلق والابتداء، وهذا يشمل جميع ما في الكون، فالله هو الفاطر للسموات والأرضين، والجبال والبحار، والجن والإنس، بل ما من ذرة في الكون إلا هو خالقها وفاطرها. والفِطْرَة التي فطر الله عليها الخلق أمر زائد على مجرد خلقهم وإيجادهم، إذ هي هيئة وطبيعة في النفس الموصوفة بالحياة، تقود إلى إدراك وفعل ما فيه الخير والنفع، وإلى ترك وتجنب ما فيه الشر والضر، دون حاجة لتوسط الآخرين في المعرفة والتعليم، أو الإدراك والتفهيم، وهي بهذا عامة مشتركة بين الإنسان والحيوان. فهي في الأصل قوة علمية وعملية مرتبطة بحقيقة الخلقة، وأصل التكوين البشري، ولا تعلق لها بمؤثر خارجي البتة؛ لا في إيجادها، ولا في حقيقة صفاتها الأصلية (١)، وإن كانت قابلة للتأثر والتغير بعد ذلك. وهذا هو السبب في تسميتها (بِالفِطْرَة) إذ هي مرتبطة ببداية الخَلْقِ ووجوده؛ فمتى وجد الخَلْقُ وجدت معه الفِطْرَة ولا بد ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. يقول الإمام ابن القيم: "فإن الله سبحانه فطر عباده على الفرق بين الحسن والقبيح، وركب في عقولهم إدراك ذلك، والتمييز بين النوعين، كما فطرهم على الفرق ين النافع والضار، والملائم لهم والمنافر، وركب في حواسهم إدراك ذلك، والتمييز بين أنواعه، والفطرة الأولى هي خاصة الإنسان التي تميز بها عن غيره من الحيوانات، وأما الفطرة الثانية فمشتركة بين أصناف الحيوان، وحجة الله عليه إنما تقوم بواسطة الفطرة

стр. 608

الأولى؛ ولهذا اختص من بين سائر الحيوانات بإرسال الرسل إليه، وبالأمر والنهي، والثواب والعقاب، فجعل سبحانه في عقله ما يفرق بين الحسن والقبح، وما ينبغي إيثاره وما ينبغي اجتنابه" (١). بل إن جميع ما يجده الإنسان في نفسه، أو يفعله بجوارجه بدون سابق تعلم مكتسب -بأحد وسائل الحصول على المعرفة- يعتبر أمرًا فطريًا ضروريًا في النفس البشرية. وهذا هو المقصود من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٥٠]. ثم جاء في النصوص الشرعية إضافة الفِطْرَة إلى الله ، فعظمت بذلك مكانتها، وعلت مرتبتها، وازدادت شرفًا ورفعة بهذه النسبة، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، وهذه الفطرة جاءت متعلقة بخلق الإنسان دون الحيوان والجماد، وبذلك يظهر أن خلق الإنسان يختلف عن بقية الخلق، حيث إنه وجد على صفة كريمة، وحالة شريفة، وهيئة مخصوصة، ووضعية ممدوحة تميزه عن بقية الخلق (٢). وقد تعددت أقوال أهل العلم في معنى الفِطْرَة التي خلق الله عليها الخلق، وكثرت أقوالهم فيها، وأشهر الأقوال في ذلك، وعليه جملة السلف وجمهورهم، وهو الراجح الصحيح بإذن الله تعالى: أن المراد بالفطرة دين الإسلام (٣) المتضمن للمعرفة والإقرار، وما يتبع ذلك من

стр. 609

الإخلاص والخضوع، والتسليم، والقبول والميل لأحكام الإسلام واستحسانها عمومًا، والسلامة من جميع الاعتقادات الباطلة المنافية لأصل الإسلام (١). يقول الإمام ابن القيم بعد حصره للأقوال التي قيلت في معنى الفطرة: "والصحيح من هذه الأقوال ما دل عليه القرآن والسُّنَّة: أنهم ولدوا حنفاء على فطرة الإسلام، بحيث لو تركوا وفطرهم لكانوا حنفاء مسلمين، كما ولدوا أصحاء كاملي الخلقة، فلو تركوا وخلقهم لم يكن فيهم مجدوع، ولا مشقوق الأذن؛ ولهذا لم يذكر النبي ﷺ لذلك شرطًا مقتضيًا غير الفطرة، وجعل خلاف مقتضاها من فعل الأبوين" (٢). والمقصود بهذا أن فطرة المولود تكون موجبة ومقتضية لدين الإسلام والتوحيد، ومتهيئة ومتمكنة بالقوة من معرفته، كما سيأتي بيانه. يقول البيضاوي (٣) فى قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]: "خلقهم عليها، وهي قبولهم للحق، وتمكنهم من إدراكه، أو ملة الإسلام؛ فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها" (٤).

стр. 610

وقال الثعالبي (١): "والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدة مهيئة؛ لأن يميز بها مصنوعات الله، ويستدل بها على ربه، ويعرف شرائعه، ويؤمن به، فكأنه تعالى قال: أقم وجهك للدين الذي هو الحنيف، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فُطِرَ البشر، لكن تعرضهم العوارض" (٢). وهذه الفِطرَة الخاصة بالإنسان المكلف يعبَّر عنها بدليل الفِطْرَة، وهي تتضمن أمورًا إضافية لا توجد في فِطَرِ الحيوانات البهيمية، وهي على ضربين: الأول: أصل الفِطْرَة: وهو معرفة النفس وإقرارها بالله تعالى، وشعورها وإدراكها له، وتقبّلها لدين الإسلام، واستحسانه، والميل إليه، ابتداء بتوحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة له، مع الخضوع والمحبة والذل له، هذه أمور موجودة في فطرة كل مخلوق، وإن لم يشعر بها في بداية نشأته؛ لعدم أهليته لإدراكها؛ إذ إن إدراك هذه الأمور متوقف على نضوج العقل ونموه، وعليه فيزداد شعور المولود بهذه الفِطْرَة، ويحسها من نفسه بحسب نمو عقله ونضوجه. فلو ترك المولود وفطرته، بعيدًا عن المؤثرات الاجتماعية والبيئة، لما اختارت نفسه غير التوحيد وإخلاص الدين لله، ولكانت أشد حذرًا وبعدًا من الشرك، وأعظم نفرة وبغضًا له.

стр. 611

يقول الرازي في معنى حديث الفطرة: "دلَّ الحديث على أن المولود لو ترك مع فطرته الأصلية لما كان على شيء من الأديان الباطلة، وأنه إنما يقدم على الدين الباطل لأسباب خارجية، وهي سعي الأبوين في ذلك، وحصول الأغراض الفاسدة من البغي والحسد" (١). ويقول الإمام ابن تيمية: "فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت مقرة لله بالإلهية، محبة له، تعبده لا تشرك به شيئًا، ولكن يفسدها ما يزين لها شياطين الإنس والجن بما يوحي بعضهم إلى بعض من الباطل" (٢). الثاني: كمال الفِطْرَة: وهو كل ما يتعلق بتفاصيل الإيمان وفروع التوحيد التي لم تأت في أصل الفطرة، وما يتبع ذلك من إدراك الحُسْنِ والقُبْحِ فيما يتعلق بأحكام لم تأت في أصل الفطرة، وما يتبع ذلك من إدراك الحُسْنِ والقُبْحِ فيما يتعلق بأحكام الإسلام وجزئياته جميعها، إذ يوجد في النفس القبول لهذه الأحكام الشرعية، واستحسانها، والميل إليها. والفرق بين الضربين: أن أصل الفِطْرَة من المعرفة والإخلاص الذي هو جزء حقيقتها تدركه النفس بواسطة العقل المؤهل بدون حاجة إلى رسول أو معلم، ومجيء الرسل ﵈ إنما كان لتقويمه وإصلاحه إذا بدا منه الانحراف، ودبَّ إليه الفساد. وذلك بخلاف كمالها؛ إذ النفس مفطورة على تقبّل ذلك الكمال واستحسانه، وعدم الممانعة والرد له، لكنها لا تدركه -بمجرد العقل وإن تأهّل- إلا ببعثة الرسل المبلغين عن رب العالمين. يقول الإمام ابن كثير: "وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة، والتفاصيل تؤخذ من الشريعة، والفطرة تصدقها وتؤمن بها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧]، وهو القرآن بلغه جبريل إلى النبي ﷺ ، وبلغه

стр. 612

النبي محمد ﷺ إلى أمته" (١). ويقول الشيخ السعدي: "إن جميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق، وإيثار الحق، وهذا حقيقة الفطر، ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها" (٢). وعلى ضوء ما سبق يمكننا تصنيف الفِطْرَة على قسمين أساسيين: الأول: فطرة عامة مشتركة بين جميع الأحياء في هذه الحياة، تمكنهم من العيش في هذه الأرض، فبها يدركون المنافع فيطلبونها، والمضار فيحذرونها. الثاني: فطرة شرعية خاصة ببني الإنسان، وهي من النعم العظيمة على العباد، ومن أهل العلم من قسم هذه إلى قسمين: يقول الإمام ابن القيم: "والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب، وهي معرفة الله، ومحبته، وإيثاره على ما سواه، وفطرة عملية؛ وهي هذه الخصال، فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب، والثانية تطهر البدن، وكل منهما تمد الأخرى وتقويها" (٣). ثالثًا: معنى المُوْجَبِ والمُقْتَضى: المُوْجَب: اسم مفعول من الفعل (أَوْجَبَ)، وزنه (أَفْعَلَ)، وأصله (وَجَبَ) معتل الفاء، واسم الفاعل منه (مُوْجِبٌ)، والمصدر (إِيْجَابٌ) (٤)، والمُوْجِب بالكسر هو السبب أو الدليل، والمُوْجَب بالفتح المُسَبَّب والأثر الناتج عن السبب (٥)، والقول بِمُوجَب الدليل؛ أي: القول بما أوجبه

стр. 613

دليل المستدل (١)، والمُوْجِب بالكسر هو الدليل نفسه (٢). فمثلًا ثبوت الحكم الشرعي هو مُوْجَب ثبوت الدليل، فالدليل هو المُوْجِب للحكم الشرعي، فإذا انتفى المُوْجِب انتفى المُوْجَب، فَيُسْتَدلُّ بعدم المُوْجِب على عدم المُوْجَب؛ لأن وجوده بدون سبب محال، فإذا علمنا أن لا سبب يقتضي وجوده علمنا عدم وجوده، ولهذا يقال: لا مُوْجِب بلا مُوْجَب (٣). والمُقْتَضَى: اسم مفعول من الفعل (اقْتَضى)، على وزن (افْتَعَلَ) أصله (قَضَى) معتل اللام، وأصل الفعل (اقْتَضَيَ) فقلبت الياء ألفًا مقصورة لوقوعها متحركة بعد فتحة في آخر الكلمة، واسم الفاعل (مُقْتَضٍ)، والمصدر (اقْتضاءٌ)، ومعنى (المُقْتَضَى): ما يطلبه ويستدعيه ويستلزمه (المُقْتَضِي) (٤)، وَيُطلق الْمُقْتَضَى على اللَّازِمُ الَّذِي اقْتَضى النَّصُّ تَقْدِيرَهُ (٥). ومن أهل العلم من جعل المُوْجَب والمُقْتَضى بمعنى واحد، فكلاهما عبارة عن ناتج ومُسَبَّب وأثر. قال الإمام النووي: "مُوْجَبُ البيع: هو بفتح الجيم؛ أي: مقتضاه" (٦). وقال البهوتي: "فإن مُوْجَبَ الشَّيءِ هو مُقْتَضَاه" (٧). وقال أيضًا: "لأنَّ مَوْجَبَ الشَّيْءِ هو أَثَرُهُ الذي ترتب عليه" (٨).

стр. 614

وبعضهم ذكر تفريقًا بينهما (١). ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرحه لقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وَمُوْجَبَ حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ" (٢) قال ﵀: "وقوله: (مُوْجَبَ) مُوْجَبَ بالفتح: هو المُسَبَّبُ الناتج عن السَّبَبِ؛ بمعنى المُقْتَضَى، وبالكسر: السَّبَبُ الذي يقتضي الشيءَ؛ بمعنى: المُقْتَضي" (٣). * المسألة الثانية * معنى القاعدة تضمنت القاعدة بيان مقتضيات وآثار الفِطْرَة السليمة، التي فطر الله عليها العباد، ألا وهي حنيفيَّة الإسلام والتوحيد، والخضوع والمحبة للخالق العظيم ، فكل ذلك من آثار ومُسَبَّبات وموجَبات هذه الفِطْرَة السليمة التي جبل الله تعالى عليها الخلق، ويشترط في إيجاب الفِطْرَة واقتضائها لهذه الحنيفية أن تكون سليمة كما خلقها الله ﵎، على هيئتها وجبلتها الأولى يوم خلقت، فهذه هي الفِطْرَة التي توجب موجَباتِها، وتقتضي آثارها ومُسَبَّباتِهَا.

стр. 615

وهذه الآثار والمقتضيات للفطرة لازمة لها لا تنفك عنها ما دامت سليمة على خلقتها الأولى؛ فإن موجَبَ الشيءِ لا يتخلف عنه البتة. يقول الإمام ابن تيمية: "ولكنَّ فطرته مُقْتَضِيَة، مُوْجِبَة لدين الإسلام، لمعرفته ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه، ومحبته، وإخلاص الدين له، ومُوجَبَات الفِطْرَة وَمُقْتَضَاهَا تحل شيئًا بعد شيء، بحسب كمال الفطرة إذا سلمت عن المعارض" (١). وهذه الفطرة مشتملة على قوة علمية وعملية تقتضي وجود وحصول موجَباتها ومقتضياتها كما سبق بيان ذلك، وهذه القوة هي جزء ماهيتها، بحيث تخلق معها، وتوجد بوجودها. وقد بين الإمام ابن تيمية مدى ارتباط الفطرة السليمة بموجَباتها ومقتضياتها من الإسلام والإخلاص، فقال: "فعلم أن في فطرة الإنسان قوة تقتضي اعتقاد الحق، وإرادة النافع، وحينئذٍ فالإقرار بوجود الصانع ومعرفته والإيمان به هو الحق، أو نقيضه، والثاني معلوم الفساد قطعًا، فتعين الأول، وحينئذٍ فيجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع، والإيمان به، وأيضًا فإنه مع الإقرار به إما أن تكون محبته أنفع للعبد، أو عدم محبته، والثاني معلوم الفساد، وإذا كان الأول أنفع له كان في فطرته محبة ما ينفعه. وأيضًا فإنه إما أن تكون عبادته وحده لا شريك له أكمل للناس؛ علمًا وقصدًا، أو الإشراك به، والثاني معلوم الفساد، فوجب أن يكون في فطرته مقتض يقتضي توحيده. وأيضًا فإما أن يكون دين الإسلام مع غيره من الأديان متماثلين، أو الإسلام مرجوحًا، أو راجحًا، والأول والثاني باطلان باتفاق المسلمين، وبأدلة كثيرة، فوجب أن يكون في الفطرة مقتض يقتضي خير

стр. 616

الأمرين لها، وامتنع أن تكون نسبة الإسلام وسائر الملل إلى الفطرة واحدة؛ سواء كانت نسبة قدرة أو نسبة قبول. وإذا لزم أن يكون في الفطرة مرجح للحنيفية التي أصلها معرفة الصانع، ومحبته، وإخلاص الدين له؛ فإما أن يكون مع ذلك لا يوجد مقتضاها إلا بسبب منفصل؛ مثل من يعلمه ويدعوه، أو يمكن وجود ذلك بدون هذا السبب المنفصل، فإن كان الأول لزم أن يكون موجَبها متوفقًا على مخاطب منفصل دائمًا فلا يحصل بدونه البتة، ثم القول في حصول موجَبها لذلك المخاطب المنفصل كالقول في الأول، وحينئذٍ فيلزم التسلسل في المخاطبين، ووجود مخاطبين لا يتناهون، وهم أيضًا مخاطبون، وهذا تسلسل في الفاعلين وهو ممتنع. وإن كان في المخاطبين من حصل له بموجب الفطرة بلا مخاطب منفصل دل على إمكان ذلك في الفطرة، فبطل هذا التقدير وهو كون موجب الفطرة لا يحصل قط إلا لمخاطب منفصل، وإذا أمكن حصول موجب الفطرة بدون مخاطب منفصل علم أن في الفطرة قوة تقتضي ذلك، وأن ذلك ليس موقوفًا على مخاطب منفصل، لكن قد يكون لذلك المقتضي معارض مانع، وهذا هو الفطرة. وهذا الدليل يقتضي أنه لا بد في الفطر ما يكون مستغنيًا عن مخاطب منفصل في حصول موجَب الفطرة، لكن لا يقتضي أن كل واحد كذلك، لكن إذا عرف أن ما جاز على أحد الإنسانين يجوز على الآخر لتماثلهما في النوع أمكن ذلك في حق كل شخص وهو المطلوب" (١). ويقول أيضًا: "وإذا كان كذلك؛ علم أن في النفوس قوة تقتضي العلم والإرادة؛ يبين ذلك أن ذلك المرجح إذا حصل من خارج فمعلوم

стр. 617

أنه نفسه، لا يوجب بنفسه حصول العلم والإرادة في النفس إلا بقوة منها تقبل ذلك، وتلك القوة لا تتوقف على أخرى، وإلا لزم التسلسل الذي لا يتناهى بين طرفين متناهيين، أو الدور القبلي، وكلاهما ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء. فهذا يدل على أن في النفس قوة ترجح الدين الحق على غيره، وحينئذٍ فالمخاطب إنما عنده تنبيهها على ما لا تعلمه لتعلمه، أو تذكيرها بما كانت ناسية لتذكره، أو تحضيضها على ما لا تريده لتريده، ونحو ذلك. وكل هذه الأمور يمكن أن تحصل بخواطر في النفس تقتضي تنبيهها وتذكيرها وتحضيضها، واعتبار الإنسان ذلك من نفسه يوجب علمه بذلك؛ فإن ما يسمعه الإنسان من كلام البشر يمكن أن يخطر له مثله في قلبه، فعلم أن الفطرة يمكن حصول إقرارها بالصانع والمحبة والإخلاص له بدون سبب منفصل، وأنه يمكن أن تكون الذات كافية في ذلك. ومن المعلوم أنه إذا كان المُقْتَضِي لذلك قائمًا في النفس، وقدر عدم المعارض، فالمقتضي السالم عن المعارض المُقَاوِم يوجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها من يفسدها كانت مقرة بالصانع، عابدة له" (١). * المسألة الثالثة * أدلة القاعدة يمكن الاستدلال بعدد من الأدلة المؤيدة لهذه القاعدة، ومن ذلك: أولًا: قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].

стр. 618

ففسّر الفطرة بأنها: إقامة الوجه للدين حالة كونه حنيفًا، مائلًا عن الشرك إلى التوحيد، فهذه هي الفطرة التي خلق عليها الخلق جميعهم، وإقامة الوجه لله هو دين الإسلام، وهو الحنيفية، وإخلاص الدين له سبحانه وحده دون ما سواه، والحذر والابتعاد عن كل معبود بالباطل سواه سبحانه؛ من الأنداد، والأوثان، والأصنام، ولذا قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥)﴾ [يونس: ١٠٥]، فجعل سبحانه إقامة الوجه للدين هو التوحيد والإخلاص وعدم الشرك بالله العظيم. والمراد بالفطرة في الآية: دين الإسلام؛ لأن الله خلق الخلق عليه، إذ هو الذي تقتضيه عقولهم السليمة، وإنما كفر من كفر لعارض أخرجه عن أصل فطرته (١). يقول الإمام السمعاني: "قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفًا)؛ أي: أخلص دينك لله وإقامة الوجه هو إقامة الدين" (٢). وقال الإمام ابن رجب: "وكذلك فسر قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ بإخلاص القصد لله وإرادته لا شريك له" (٣). ويقول الإمام البغوي في معنى: " ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾؛ أي: أخلص دينك لله قاله سعيد بن جبير، وإقامة الوجه: إقامة الدين، وقال غيره: سدد عملك، والوجه ما يتوجه إليه الإنسان، ودينه وعمله مما يتوجه إليه لتسديده (حَنِيفًا) مائلًا مستقيمًا عليه (فِطْرَتَ اللهِ): دين الله، وهو نصب على الإغراء؛ أي: الزم فطرة الله التي فطر الناس عليها ... وهذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين أن المراد بالفطرة الدين وهو الإسلام" (٤).

стр. 619

وقال الإمام الثعلبي (١) في معنى الآية: "إنّ الدّين الحنيفية فطرة الله الَّتي فَطرَ النَّاسَ عَلَيْهَا" (٢). ويقول الإمام ابن تيمية مبينًا معنى الآية: "فأخبر أنه فطر عباده على إقامة الوجه حنيفًا: وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فهذه من الحركة الفطرية الطبيعية المستقيمة المعتدلة للقلب" (٣). وقال الإمام ابن القيم مفسرًا للآية: "فبين سبحانه أن إقامة الوجه: وهو إخلاص القصد، وبذل الوسع لدينه المتضمن محبته وعبادته، حنيفًا مقبلًا عليه، معرضًا عما سواه: هو فطرته التي فطر عليها عباده، فلو خلوا ودواعي فطرهم لما رغبوا عن ذلك، ولا اختاروا سواه، ولكن غيرت الفطر وأفسدت" (٤). وقال الإمام ابن كثير في الآية: "يقول تعالى فسدد وجهك، واستمر على الدين الذي شرعه الله لك؛ من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأن مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره" (٥). ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في الآية: "إذ المعنى على التحقيق: لا تبدلوا فطرة الله التي خلقكم عليها بالكفر، فقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] خبر أريد به الإنشاء، إيذانًا بأنه لا ينبغي إلا أن

стр. 620

يمتثل حتى كأنه خبر واقع بالفعل لا محالة" (١). وقال الشيخ السعدي في تفسير الآية: " (فأقم وجهك)؛ أي: انصبه ووجهه للدين الذي هو: الإسلام والإيمان والإحسان، بأن تتوجه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ونحوها، وشرائعه الباطنة؛ كالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة؛ بأن تعبد الله فيها كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وخص الله إقامة الوجه؛ لأن إقبال الوجه تبع لإقبال القلب، ويترتب على الأمرين سعي البدن، ولهذا قال: (حنيفًا)؛ أي: مقبلًا على الله في ذلك، معرضًا عما سواه، وهذا الأمر الذي أمرناك به هو فطرة الله فطر الناس عليها" (٢). ثانيًا: حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا ... ) (٣). ويقول الإمام ابن تيمية في معناه: "فأخبر أنه خلقهم حنفاء، وذلك يتضمن معرفة الرب، ومحبته، وتوحيده، فهذه الثلاثة تضمنتها الحنيفية وهي معنى قول لا إله إلا الله" (٤). ويقول الإمام ابن القيم: في معرض استدلاله بالحديث على أن

стр. 621

الفطرة هي دين الإسلام: "وهذا صريح في أنهم خلقوا على الحنيفية، وأن الشياطين اقتطعتهم بعد ذلك عنها، وأخرجوهم منها. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وهذا يتناول إخراج الشياطين لهم من نور الفطرة إلى ظلمة الكفر والشرك، ومن النور الذي جاءت به الرسل من الهدى والعلم إلى ظلمات الجهل والضلال" (١). وقال ﵀ أيضًا في بيانه لهذا الحديث: "فأخبر أن تغيير الحنيفية التي خلقوا عليها بأمر طارئ من جهة الشيطان، ولو كان الكفار منهم مفطورين على الكفر لقال: خلقت عبادي مشركين فأتتهم الرسل فاقتطعتهم عن ذلك، كيف وقد قال: خلقت عبادي حنفاء كلهم، فهذا القول؛ أي: أن الفطرة هي دين الإسلام، أصح الأقوال والله أعلم" (٢). ثالثًا: ما رواه أبو هُرَيْرَة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ كما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَة جَمعاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِنْ جَدْعاءَ" ثُمَّ يَقُولُ -أي: أبو هريرة-: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٣). وللحديث روايات أخرى منها قوله ﷺ : "ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام"، وقوله: "لا يولد مولود إلا على هذه الملة" (٤).

стр. 622

فذكر ﷺ أنواع الانحرافات العقدية، وأشار إلى أثر البيئة والتربية الاجتماعية في اتجاه الإنسان إلى الفطرة، أو الانحراف عنها، ولم يجعل الإسلام منها، وأنزل الكتب وأرسل الرسل وجعلهما ميزانًا للحق، ومصدرًا له، كما قال سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقد جاء الرسل بتكميل هذه الفطرة وتتميمها وتنميتها وإزالة غشاوة الباطل عنها، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (١). دلالة الحديث على أن معنى الفطرة الإسلام: ١ - روايات الحديث المتعددة والمتعاضدة التي يفسر بعضها بعضًا، فمرة قال: على الملة أو على هذه الملة، ومرة قال: على فطرة الإسلام، وهي دالة على أن معنى الفطرة هو الإسلام (٢). ٢ - تأييد أبي هريرة ﵁ لمعنى الحديث بالآية: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وسبق بيان معنى الآية وأن الفطرة فيها الإسلام والتوحيد، وإخلاص الوجه لله ﵎، ومن المعلوم أن تفسير الراوي حجة في هذا المقام، لحضوره وسماعه، ومعرفته بحقيقة الحال. ٣ - أن الحديث ذكر تغيير الفطرة بسائر ملل الكفر، ولم يذكر من ضمنها ملة الإسلام، فدلَّ على أنه باق على الأصل وهو الإسلام، ثم ينتقل منه إلى سائر الملل بعد فساد فطرته بتأثير أبويه.

стр. 623

وقال ابن حزم عقب الحديث: "فكل مولود فهو على الفطرة، وعلى ملة الإسلام" (١). ويزيد الإمام ابن القيم الأمر بينًا في كون الفطرة هي الإسلام فيقول في "شرح أبي داود": "ولأن قراءة قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ عقب الحديث صريح في أن المراد بها فطرة الإسلام؛ ولأن تشبيه المولود في ولادته عليها بالبهيمة الجمعاء وهي الكاملة الخلق، ثم تشبيهه إذا خرج عنها بالبهيمة التي جدعها أهلها فقطعوا أذنها دليل على أن الفطرة هي الفطرة المستقيمة السليمة. وما يطرأ على المولود من التهويد والتنصير بمنزلة الجدع والتغيير في ولد البهيمة؛ ولأن الفطرة حيث جاءت مطلقة معرفة باللام لا يراد بها إلا فطرة التوحيد والإسلام؛ وهي الفطرة الممدوحة؛ ولهذا جاء في حديث الإسراء لما أخذ النبي ﷺ اللبن قيل له: أصبت الفطرة، ولما سمع النبي ﷺ المؤذن يقول: الله أكبر الله أكبر قال: على الفطرة، وحيث جاءت الفطرة في كلام رسول الله ﷺ فالمراد بها فطرة الإسلام لا غير، ولم يجيء قط في كلامه مرادًا بها فطرة الشقاوة وابتداء الخلقة في موضع واحد" (٢). * المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة فيما يأتي بعض ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم تؤيد وتقرر معنى القاعدة:

стр. 624

يقول الإمام ابن تيمية: "والفطرة تستلزم معرفة الله ومحبته وتخصيصه بأنه أحب الأشياء إلى العبد، وهو التوحيد، وهذا معنى قول لا إله إلا الله" (١). ويقول ﵀ أيضًا: "فعلم أن الحنيفية من مُوْجَباتِ الفِطْرَةِ ومقتضياتها، والحب لله، والخضوع له، والإخلاص له هو أصل أعمال الحنيفية، وذلك مستلزم للإقرار والمعرفة، ولازم اللازم لازم، وملزوم الملزوم ملزوم، فعلم أن الفطرة ملزومة لهذه الأحوال، وهذه الأحوال لازمة لها وهو المطلوب" (٢). ويقول الإمام ابن القيم: "ولكن فطرته سبحانه موجبة مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته، ففطروا على فطرة مستلزمة للإقرار بالخالق، ومحبته، وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئًا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت عن المعارض" (٣). * المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها أشارت القاعدة إلى عدة فوائد؛ منها ما يلي: أولًا: أن النفس البشرية مفطورة على معرفة الحق ومحبته، والميل إلى الأمور المستحسنة، وهي بالمقابل مفطورة على بغض الباطل وكرهه، والبعد عنه، والميل عن الأمور المستهجنة القبيحة، وبذلك يظهر خطأ البعض في قوله: إن النفس مفطورة على الخير والشر على حدّ سواء (٤)، وفي ذلك مخالفة صريحة للنصوص الواردة في الفِطْرَة، فإنها قررت أن

стр. 625

النفس في الأصل مفطورة على الخير ومعرفة الحق وحبه، وهي ما دامت سليمة فإنها باقية على هذا الحق ومحبته، نعم إن فسدت الفِطْرَة وتغيرت تقبَّلت بعد ذلك الشر، واعتقدته، وعملت، -بحسب ما طرأ عليها من تغيير- لا أنه في أصل ذاتها وخلقتها، وإنما طرأ عليها الشر بعد فسادها وانحرافها، مع بقاء شيء من أصل الفِطْرَة السليمة يتلجلج في صدرها، لا تستطيع نفيه، تشعر به وتحسه، وهو داعي الخير في قلب كل إنسان، متى ما أراد الله بعبده خيرًا تحرك هذا الداعي ونشط وهبَّ في صلاح القلب والنفس، فكان رجوعها إلى الله تعالى بالتوبة والطاعة. يقول الإمام ابن رجب: "وهذا يدل على أن الله فطر عباده على معرفة الحق، والسكون إليه، وقبوله، وركز في الطباع محبة ذلك، والنفور عن ضده" (١). ويقول الإمام ابن تيمية: "وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك أكثر من غيره، كما أن كل مولود يولد، فإنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية، والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه، وهذا من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٥٠]، وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ٢، ٣]، فهو سبحانه خلق الحيوان مهتديًا إلى طلب ما ينفعه، ودفع ما يضره، ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئًا فشيئًا، بحسب حاجته، ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ما ولد عليه من الطبيعة السليمة، والعادة الصحيحة" (٢). ويقول أيضًا: "ومما يبين ذلك أنه قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] فهذه فطرة محمودة أمر الله بها نبيه فكيف يكون فيها كفر وإيمان مع أمر الله

стр. 626

تعالى بها وهل يأمر الله تعالى قط بالكفر" (١). وقال الإمام العيني في معنى حديث الفِطْرَة: "قلت: الغرض من التركيب أن الضلالة ليست من ذات المولود، ومقتضى طبعه، بل أينما حصلت فإنما هي بسبب خارج عن ذاته" (٢). ثانيًا: دلت القاعدة على أن الفِطْرَة هي الحنيفية والتوحيد المبنية على المعرفة والإقرار، فالفطرة السليمة هي الإقرار بالخالق ومعرفته ومحبته، وأما مجرد المعرفة بالخالق فإنه جزء الفِطْرَة، ولا يعتبر بمفرده الفِطْرَة الممدوحة في الكتاب والسُّنَّة، بل إن المقر بمعرفة الله ووجوده بقلبه ولسانه بدون الإرادة والمحبة والتوحيد لا يعد ممن تحققت فيه الفِطْرَة السليمة التي فطر الله الخلق عليها، بل هو ممن تبدلت وتغيرت فطرته. يقول الإمام ابن تيمية ناقلًا عن الإمام ابن عبد البر اختلاف العلماء في معنى الفِطْرَة، وأن منهم من فسَّرها بمعرفة الله تعالى، فقال: "فقال ابن عبد البر: وأما اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث، وما كان مثله، فقالت فرقة: الفطرة في هذا الموضع أريد بها الخِلْقَة التي خُلِقَ عليها المولود من المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خِلْقَه يَعْرِفُ بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد خِلْقَة مخالفة لِخِلْقَة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك؛ قالوا لأن الفاطر هو الخالق. قال -أي: ابن عبد البر-: وأنكرت أن يكون المولود يُفْطَرُ على إيمان، أو كفر، أو معرفة، أو إنكار. قلت: صاحب هذا القول إن أراد بالفطرة التمكن من المعرفة

стр. 627

والقدرة عليها فهذا ضعيف؛ فإن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفًا، ولا أن يكون على الملة، ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبويه لفطرته، حتى يُسْأَل عمن مات صغيرًا؛ ولأن القدرة هي في الكبير أكمل منها في الصغير، ولو أريد القدرة لكان البالغون كذلك، مع كونهم مشركين، مستوجبين للقتل. وإن أراد بالفطرة: على المعرفة مع إرادتها؛ فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان" (١). ويقول الإمام ابن القيم: "فالإقرار بالصانع بدون عبادته والمحبة له وإخلاص الدين له لا يكون نافعًا، بل الإقرار مع البغض أعظم استحقاقًا للعذاب، فلا بد أن يكون في الفطرة متقض للعلم، ومقتض للمحبة، والمحبة مشروطة بالعلم؛ فإن ما لا يشعر به الإنسان لا يحبه، ومحبة الأشياء المحبوبة لا تكون بسبب من خارج، بل هو أمر جبلي فطري، وإذا كانت المحبة فطرية فالشعور فطري، ولو لم تكن المحبة فطرية لكانت النفس قابلة لها ولضدها على السواء، وهذا ممتنع" (٢). ثالثًا: ليس المقصود بأن الخلق يفطرون على الإسلام، وأن المولود يولد على الفِطْرَة، أنه يكون حين يولد عارفًا لهذا الدين معتقدًا ومحبًا له، وإنما المراد أنه يولد سليمًا من الاعتقادات الباطلة؛ من وثنية، ونصرانية، ويهودية، فتكون نفسه متهيئة متقبلة للحق، وهو الإسلام والتوحيد والميل إلى الدين، وبغض الشرك والنفرة منه. يقول الطيبي في معنى الفِطْرَة الواردة في الحديث: "والمراد تَمَكُّن الناس من الهدى في أصل الجبلة، والتهيؤ لقبول الدين، فلو ترك المرء عليها لاستمر على لزومها، ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن حسن هذا الدين

стр. 628

ثابت في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية؛ كالتقليد" (١). وإلى هذا مال أبو العباس القرطبي حيث قال: "المعنى: أن الله خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحق. ودين الإسلام هو الدين الحق" (٢). وقال الإمام النووي: "والأصح أن معناه: أن كل مولود يولد متهيئًا للإسلام؛ فمن كان أبواه أو أحدهما مسلمًا استمر على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا، وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه؛ أي: يحكم له بحكمهما في الدنيا، فإن بلغ استمر عليه حكم الكفر ودينهما، فإن كانت سبقت له سعادة أسلم، وإلا مات على كفره" (٣). "وقال ابن الأثير في معنى حديث الفطرة: "والمعنى أنه يولد على نوع من الجبلة، والطبع المتهيء لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، وإنما يعدل عنه من يعدل لَافة من آفات البشر والتقليد" (٤). وقال ابن القيم ليس المراد بقوله يولد على الفطرة أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين؛ لأن الله يقول والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته

стр. 629

فنفس الفطرة تستلزم الإقرار والمحبة وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك؛ لأنه لا يتغير بتهويد الأبوين مثلًا بحيث يخرجان الفطرة عن القبول وإنما المراد أن كل مولود يولد على إقراره بالربوبية فلو خلي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه الصارف ومن ثم شبهت الفطرة باللبن بل كانت إياه في تأويل الرؤيا والله أعلم" (١). يقول الإمام ابن تيمية: "وإذا قيل إنه ولد على فطرة الإسلام، أو خلق حنيفًا، ونحو ذلك، فليس المراد به: أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين، ويريده؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، ولكن فطرته مقتضية، موجبة لدين الإسلام، لمعرفته ومحبته" (٢). ويقول المناوي: "والحاصل أن الإنسان مفطور على التهيؤ للإسلام بالقوة، لكن لا بد من تعلمه بالفعل، فمن قدر الله كونه من أهل السعادة قيض الله له من يعلمه سبيل الهدى، فصار مهذبًا بالفعل، ومن خذله وأشقاه سبب له من يغير فطرته، ويثني عزمته، والله سبحانه هو المتصرف في عبيده كيف يشاء" (٣). ويقول الألوسي: "فإن الجبلة الإنسانية في أصل الفطرة سليمة، متهيئة لقبول الحق؛ لقضية: كل مولود يولد على الفِطْرَة، فهو في بقاع التمكن على الهدى والدين" (٤).

стр. 630

الفصل الخامس القواعد المتعلقة بتحقيق توحيد العبادة وأدلته وفيه مبحثان: المبحث الأول: تحقيق التوحيد يتضمن تحقيق أصله وكماله الواجب وكماله المستحب وبحسبها يتفاضل المؤمنون. المبحث الثاني: توحيد الربوبية هو أصل توحيد الإلهية ودليله الأكبر.

стр. 631

المبحث الأول قاعدة تحقيق التوحيد يتضمن تحقيق أصله وكماله الواجب وكماله المستحب وبحسبها يتفاضل المؤمنون وفيه مسائل: * المسألة الأولى * معاني مفردات القاعدة معنى التحقيق: كلمة (التَحْقِيق) على وزن تفعيل، وهي مصدر للفعل الثلاثي (حَقّقَ) وأصله من المضاعف (حَقَّ) (١)، وترجع معاني هذا الأصل اللغوي إلى الإحكام والثبات والصحة واليقين. يقول ابن فارس: "الحاء والقاف أصل واحد، وهو يدل على إحكام الشيء وصحته" (٢). وما ذكره أهل اللغة من معاني لهذه اللفظة فإنها ترجع إلى تلك المعاني. وجاء في "تاج العروس": "والحَق اليقين بعد الشّكِّ، وحَقَه حَقًا أحقهُ: صَيَّرهُ حَقًا لا شك فيهِ، وحَقه حَقًا: صَدقَه، وأحْققتَ الأمرَ

стр. 632

إحقاقًا: أحكَمته وصَححته" (١). وحَقَقْتُ الأمْرَ: إِذا تَحَققْته وتَيَقنته؛ أي: وصرتَ منه عَلَى يَقِين (٢). وقال ابن فارس: "ويقال: حَقَقْتُ الأمر وأحقَقْتُه؛ أي: كنت على يقين منه" (٣). وجاء في "المصباح المنير": "وحَقَقْتُ الأمر أَحُقُه: إذا تيقنته، أو جعلته ثابتًا لازمًا" (٤). فهذه هي معاني لفظة (التحقيق) وجميعها يرجع إلى معنى الإحكام، وهو إتقان الشيء ومنعه من الفساد، أو إلى تثبيته وتصحيحه ولزومه وتيقنه. وبهذه المعاني استعمل العلماء لفظ (التحقيق). يقول أبو البقاء الكفوي: "التحقيق تفعيل من حق بمعنى ثبت، وقال بعضهم التحقيق لغة: رجع الشيء إلى حقيقته بحيث لا يشوبه شبهة، وهو المبالغة في إثبات حقيقة الشيء بالوقوف عليه" (٥). والمبالغة المقصود منها الاجتهاد في إتقان الشيء وتكميله. ويقول المناوي: "التحقيق: إثبات المسألة بدليلها" (٦). فالمقصود من تحقيق المسألة: تصحيحها وتثبيتها وإتقانها، بحيث يكون المحقق لها على يقين من حكمها. ويقول الإمام ابن القيم: "لفظ التحقيق وهو تفعيل من حقق الشيء تحقيقًا فهو مصدر فعله حقق الشيء؛ أي: أثبته وخلصه من غيره" (٧).

стр. 633

وجاء في "شرح مختصر خليل": "والتحقيق: مصدر حقق الشيء إذا تيقنه وعرفه حق معرفته فصار محققًا له، فيكون فَعَّل للاتصاف بمعناه نحو عدلته؛ أي: صيرته عدلًا" (١). وجميع هذه المعاني يتناولها لفظ التحقيق، إذ لا بد فيه من تثبيت الأصل والفرع، وحصول التمام والكمال، ولا يتم ذلك إلا بالعلم والمعرفة الحقة، واليقين، والإحكام، والمبالغة في الإتقان، وتخليصه من جميع الشوائب والمنقصات التي تعارض أصله، أو تنقص تمامه أو كماله، إذ لا يحصل الكمال في الشيء إلا بعد تثبيت أصله وتتميم أساسه. يقول الرازي: "أن الكمال في كل شيء إنما يحصل إذا حصل الأصل والفرع معًا، فقوم أطنبوا في الأعمال من غير إحكام الأصول" (٢). فتحقيق التوحيد يتناول تثبيت الأصل، وتتميم الناقص من الأصل، وتكميل التام، إذ لا تتميم بدون أصل، ولا تكميل بدون تتميم، فلا بد للتتميم من أصل يقوم عليه، ولا بد للتكميل من تتميم ينبني عليه. يقول تقي الدين الحموي: "والفرق بين التكميل والتتميم أن التتميم يرد على الناقص فيتمه، والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله إذ الكمال أمر زائد على التتميم" (٣). وقال أبو البقاء: "والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله، إذ الكمال أمر زائد على التمام، والتمام يقابل نقصان الأصل، والكمال يطابق نقصان الوصف بعد تمام الأصل، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] أحسن من تامة؛ لأن التمام من العدد قد علم

стр. 634

وإنما احتمال النقص في صفاتها، وقيل الكمال: اسم لاجتماع أبعاض الموصوف، والتمام: اسم للجزء الذي يتم به الموصوف" (١). * المسألة الثانية * معنى القاعدة دلت القاعدة على أن المؤمنين يتفاضلون تفاضلًا عظيمًا عند المولى بحسب درجاتهم في تحقيق التوحيد؛ فمنهم من بلغ الغاية في تحقيقه كالأنبياء والرسل لا سيما أولو العزم منهم، ومنهم من حققه تحقيقًا لا يصل به رتبة الرسل، كأهل العلم والصلاح وأهل التقى والطاعة، ومنهم من قصر في تحقيقه فصار ناقصًا مذمومًا بسبب تقصيره في تحقيقه. يقول الإمام محمد بن نصر المروزي (٢): "وفي ذلك دليل على تفاضل المؤمنين والصالحين من الأنبياء وغيرهم في التوكل" (٣). ويقول الإمام ابن تيمية: "والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد، والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به، ومعلوم أن الناس متفاضلون في تحقيقه وحقيقته إخلاص الدين كله لله" (٤).

стр. 635

ويقول ﵀ أيضًا: "لكن أول الدين وآخره، وظاهره وباطنه هو التوحيد وإخلاص الدين كله لله هو تحقيق قول لا إله إلا الله، فإن المسلمين وإن اشتركوا في الإقرار بها فهم متفاضلون في تحقيقها تفاضلًا لا نقدر أن نضبطه" (١). ويقول أيضًا: "وإنما يتفاوت أهل العلم والإيمان بحسب تفاوتهم في تحقيق التوحيد كما قد بسط في موضعه" (٢). ويقول الشيخ حمد بن ناصر وأبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏: "إذا تمهَّدت هذه القاعدة، تبين لك أن الناس يتفاضلون في التوحيد تفاضلًا عظيمًا، ويكونون فيه على درجات بعضها أعلى من بعض؛ فمنهم من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما دلت عليه النصوص الصريحة الصحيحة، ومنهم من يدخل النار وهم العصاة، ويمكثون فيها على قدر ذنوبهم، ثم يخرجون منها لأجل ما في قلوبهم من التوحيد والإيمان" (٣). ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "والمقصود بيان أن الناس متفاوتون في الدين بتفاوت الإيمان في قلوبهم، متفاضلون فيه بحسب ذلك، فأفضلهم وأعلاهم أولو العزم من الرسل، وأدناهم المخلطون من أهل التوحيد، وبَيْنَ ذلك مراتب ودرجات لا يحيط بها إلا الله الذي خلقهم ورزقهم" (٤). كما دلت القاعدة على أن تحقيق التوحيد يتضمن ثلاثة أمور: الأول: تثبيت أصل التوحيد، بإفراده بجميع ما يختص به؛ في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فيعتقد بأنه لا خالق ولا نافع ولا ضار
следующие страницы →