← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

المبحث الأول قاعدة تحقيق التوحيد يتضمن تحقيق أصله وكماله الواجب وكماله المستحب وبحسبها يتفاضل المؤمنون وفيه مسائل: * المسألة الأولى * معاني مفردات القاعدة معنى التحقيق: كلمة (التَحْقِيق) على وزن تفعيل، وهي مصدر للفعل الثلاثي (حَقّقَ) وأصله من المضاعف (حَقَّ) (١)، وترجع معاني هذا الأصل اللغوي إلى الإحكام والثبات والصحة واليقين. يقول ابن فارس: "الحاء والقاف أصل واحد، وهو يدل على إحكام الشيء وصحته" (٢). وما ذكره أهل اللغة من معاني لهذه اللفظة فإنها ترجع إلى تلك المعاني. وجاء في "تاج العروس": "والحَق اليقين بعد الشّكِّ، وحَقَه حَقًا أحقهُ: صَيَّرهُ حَقًا لا شك فيهِ، وحَقه حَقًا: صَدقَه، وأحْققتَ الأمرَ

стр. 632

إحقاقًا: أحكَمته وصَححته" (١). وحَقَقْتُ الأمْرَ: إِذا تَحَققْته وتَيَقنته؛ أي: وصرتَ منه عَلَى يَقِين (٢). وقال ابن فارس: "ويقال: حَقَقْتُ الأمر وأحقَقْتُه؛ أي: كنت على يقين منه" (٣). وجاء في "المصباح المنير": "وحَقَقْتُ الأمر أَحُقُه: إذا تيقنته، أو جعلته ثابتًا لازمًا" (٤). فهذه هي معاني لفظة (التحقيق) وجميعها يرجع إلى معنى الإحكام، وهو إتقان الشيء ومنعه من الفساد، أو إلى تثبيته وتصحيحه ولزومه وتيقنه. وبهذه المعاني استعمل العلماء لفظ (التحقيق). يقول أبو البقاء الكفوي: "التحقيق تفعيل من حق بمعنى ثبت، وقال بعضهم التحقيق لغة: رجع الشيء إلى حقيقته بحيث لا يشوبه شبهة، وهو المبالغة في إثبات حقيقة الشيء بالوقوف عليه" (٥). والمبالغة المقصود منها الاجتهاد في إتقان الشيء وتكميله. ويقول المناوي: "التحقيق: إثبات المسألة بدليلها" (٦). فالمقصود من تحقيق المسألة: تصحيحها وتثبيتها وإتقانها، بحيث يكون المحقق لها على يقين من حكمها. ويقول الإمام ابن القيم: "لفظ التحقيق وهو تفعيل من حقق الشيء تحقيقًا فهو مصدر فعله حقق الشيء؛ أي: أثبته وخلصه من غيره" (٧).

стр. 633

وجاء في "شرح مختصر خليل": "والتحقيق: مصدر حقق الشيء إذا تيقنه وعرفه حق معرفته فصار محققًا له، فيكون فَعَّل للاتصاف بمعناه نحو عدلته؛ أي: صيرته عدلًا" (١). وجميع هذه المعاني يتناولها لفظ التحقيق، إذ لا بد فيه من تثبيت الأصل والفرع، وحصول التمام والكمال، ولا يتم ذلك إلا بالعلم والمعرفة الحقة، واليقين، والإحكام، والمبالغة في الإتقان، وتخليصه من جميع الشوائب والمنقصات التي تعارض أصله، أو تنقص تمامه أو كماله، إذ لا يحصل الكمال في الشيء إلا بعد تثبيت أصله وتتميم أساسه. يقول الرازي: "أن الكمال في كل شيء إنما يحصل إذا حصل الأصل والفرع معًا، فقوم أطنبوا في الأعمال من غير إحكام الأصول" (٢). فتحقيق التوحيد يتناول تثبيت الأصل، وتتميم الناقص من الأصل، وتكميل التام، إذ لا تتميم بدون أصل، ولا تكميل بدون تتميم، فلا بد للتتميم من أصل يقوم عليه، ولا بد للتكميل من تتميم ينبني عليه. يقول تقي الدين الحموي: "والفرق بين التكميل والتتميم أن التتميم يرد على الناقص فيتمه، والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله إذ الكمال أمر زائد على التتميم" (٣). وقال أبو البقاء: "والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله، إذ الكمال أمر زائد على التمام، والتمام يقابل نقصان الأصل، والكمال يطابق نقصان الوصف بعد تمام الأصل، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] أحسن من تامة؛ لأن التمام من العدد قد علم

стр. 634

وإنما احتمال النقص في صفاتها، وقيل الكمال: اسم لاجتماع أبعاض الموصوف، والتمام: اسم للجزء الذي يتم به الموصوف" (١). * المسألة الثانية * معنى القاعدة دلت القاعدة على أن المؤمنين يتفاضلون تفاضلًا عظيمًا عند المولى بحسب درجاتهم في تحقيق التوحيد؛ فمنهم من بلغ الغاية في تحقيقه كالأنبياء والرسل لا سيما أولو العزم منهم، ومنهم من حققه تحقيقًا لا يصل به رتبة الرسل، كأهل العلم والصلاح وأهل التقى والطاعة، ومنهم من قصر في تحقيقه فصار ناقصًا مذمومًا بسبب تقصيره في تحقيقه. يقول الإمام محمد بن نصر المروزي (٢): "وفي ذلك دليل على تفاضل المؤمنين والصالحين من الأنبياء وغيرهم في التوكل" (٣). ويقول الإمام ابن تيمية: "والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد، والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به، ومعلوم أن الناس متفاضلون في تحقيقه وحقيقته إخلاص الدين كله لله" (٤).

стр. 635

ويقول ﵀ أيضًا: "لكن أول الدين وآخره، وظاهره وباطنه هو التوحيد وإخلاص الدين كله لله هو تحقيق قول لا إله إلا الله، فإن المسلمين وإن اشتركوا في الإقرار بها فهم متفاضلون في تحقيقها تفاضلًا لا نقدر أن نضبطه" (١). ويقول أيضًا: "وإنما يتفاوت أهل العلم والإيمان بحسب تفاوتهم في تحقيق التوحيد كما قد بسط في موضعه" (٢). ويقول الشيخ حمد بن ناصر وأبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏: "إذا تمهَّدت هذه القاعدة، تبين لك أن الناس يتفاضلون في التوحيد تفاضلًا عظيمًا، ويكونون فيه على درجات بعضها أعلى من بعض؛ فمنهم من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما دلت عليه النصوص الصريحة الصحيحة، ومنهم من يدخل النار وهم العصاة، ويمكثون فيها على قدر ذنوبهم، ثم يخرجون منها لأجل ما في قلوبهم من التوحيد والإيمان" (٣). ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "والمقصود بيان أن الناس متفاوتون في الدين بتفاوت الإيمان في قلوبهم، متفاضلون فيه بحسب ذلك، فأفضلهم وأعلاهم أولو العزم من الرسل، وأدناهم المخلطون من أهل التوحيد، وبَيْنَ ذلك مراتب ودرجات لا يحيط بها إلا الله الذي خلقهم ورزقهم" (٤). كما دلت القاعدة على أن تحقيق التوحيد يتضمن ثلاثة أمور: الأول: تثبيت أصل التوحيد، بإفراده بجميع ما يختص به؛ في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فيعتقد بأنه لا خالق ولا نافع ولا ضار

стр. 636

إلا الله، وأنه لا يستقل شيء من دونه بإحداث أمر من الأمور، بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ويعلم أن لله حقًا لا يشركه فيه مخلوق؛ كاستحقاق العبادة والإلهية، وذلك يستلزم اتصاف المعبود بجميع صفات الكمال، وتنزهه عن النقص من كل وجه. يقول شيخ الإسلام: "فالله تعالى مستحق أن يعبد لا يشرك به شيء، وهذا هو أصل التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزلت به الكتب" (١). ويقول الإمام ابن القيم: "وأما إثبات صفات الكمال: فهو أصل التوحيد" (٢). والمقصود أن تحقيق أصل التوحيد لا يتم إلا بتحقيق أنواع التوحيد الثلاثة إذ لا ينفك بعضها عن بعض، والبعد عن كل ناقض يُضاد هذه الأنواع الثلاثة، ويبطل أصلها. يقول الإمام ابن تيمية: "فتعين أن الأمر كله عائد إلى تحقيق التوحيد، وأنه لا ينفع أحد ولا يضر إلا بإذن الله، وأنه لا يجوز أن يعبد أحد غير الله، ولا يستعان به من دون الله، وأنه يوم القيامة يظهر لجميع الخلق أن الأمر كله لله، ويتبرأ كل مدع من دعواه الباطلة" (٣). ويقول ﵀ "ومن تحقيق التوحيد أن يعلم أن الله أثبت له حقًا لا يشركه فيه مخلوق؛ كالعبادة، والتوكل، والخوف، والخشية، والتقوى كما قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢] (٤). ويقول الشيخ مرعي الكرمي: "وإنما التوحيد الذي أمر الله به العباد هو توحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية؛ بأن يعتقد إثبات الله،

стр. 637

وصفاته، ويعبده ولا يشرك به شيئًا والعبادة تجمع غاية الحب وغاية الذل له سبحانه" (١). والله تعالى إنما أمر عباده بتحقيق التوحيد وتكميله، ولا ينفك نوع عن نوع، فلا يتم تحقيق نوع منها إلا بتحقيقها جميعًا، والابتعاد عن كل ما ينافيها أو ينقض أصلها. فإذا قام العبد بتحقيق جميع أنواع التوحيد، وابتعد عن كل ناقض أو مفسد فقد أتى بتحقيق أصل التوحيد الذي رتب الله عليه قبول الأعمال والجزاء بالحسنى. يقول الشيخ السعدي: "ولا يكون العمل صالحًا إلا إذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان المخرج عن الكفر والشرك الذي هو شرط لكل عمل صالح" (٢). الثاني: تحقيق التمام؛ أي: تتميم ذلك الأصل أو ما يسمى بـ (الكمال الواجب) والمقصود به تخليصه مما حرَّمه الله ﵎؛ من الشرك الأصغر، والبدع غير المكفرة، والمعاصي، والتفريط في الواجبات. وهذا التحقيق هو الذي يحرم صاحبه على النار. يقول الإمام ابن رجب: "إنما أراد التوحيد الكامل الذي يحرم صاحبه على النار وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله فإن الإله هو المعبود ... " (٣). ويقول ﵀: "فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله ولا كراهة لغير ما يكرهه الله" (٤).

стр. 638

ويقول الشيخ محمد بن عثيمين: "لأن تحقيق التوحيد يستلزم اجتناب المعاصي؛ لأن المعاصي صادرة عن الهوى، وهذا نوع من الشرك، قالى تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] " (١). الثالث: تحقيق كمال التوحيد؛ أي: الكمال المستحب، وهو تخليصه وتصفيته من الأمور المكروهة، والاجتهاد في تحصيل الطاعات والقربات، وتخليص القلب من الالتفات والتوجه إلى غير الله بأن يكون متوجهًا بكليته إلى الله، فتنجذب روحه إلى الله؛ محبة وخوفًا وإنابة وتوكلًا ودعاء وإخلاصًا وإجلالًا وهيبة وتعظيمًا وعبادة، فلا يكون في قلبه أدنى شيء لغير الله، ولا أدنى إرادة لما حرم الله، ولا أدنى كراهة لما أمر الله، وعبَّر بعضهم بأنه ترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس (٢). وقد بين العلامة عبد العزيز بن باز الأعمال التي تضاد تحقيق التوحيد؛ سواء ما ينافي أصله، أو ينافي كماله بنوعيه، فقال ﵀: "وأما الفرق بين الأعمال التي تنافي هذه الكلمة وهي لا إله إلا الله، والتي تنافي كمالها الواجب، فهو: أن كل عمل أو قول أو اعتقاد يوقع صاحبه في الشرك الأكبر فهو ينافيها بالكلية ويضادها؛ كدعاء الأموات، والملائكة، والأصنام، والأشجار، والأحجار، والنجوم، ونحو ذلك، والذبح لهم، والنذر، والسجود لهم، وغير ذلك. فهذا كله ينافي التوحيد بالكلية، ويُضاد هذه الكلمة ويبطلها؛ وهي: لا إله إلا الله، ومن ذلك استحلال ما حرم الله من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة والإجماع" كالزنا، وشرب المسكر، وعقوق الوالدين، والربا، ونحو ذلك، ومن ذلك أيضًا جحد ما

стр. 639

أوجب الله من الأقوال والأعمال المعلومة من الدين بالضرورة والإجماع؛ كوجوب الصلوات الخمس، والزكاة، وصوم رمضان، وبر الوالدين، والنطق بالشهادتين، ونحو ذلك. أما الأقوال والأعمال والاعتقادات التي تضعف التوحيد والإيمان، تنافي كماله الواجب فهي كثيرة ومنها: الشرك الأصغر؛ كالرياء، والحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشاء فلان أو هذا من الله ومن فلان ونحو ذلك، وهكذا جميع المعاصي كلها تضعف التوحيد والإيمان، وتنافي كماله الواجب، فالواجب الحذر من جميع ما ينافي التوحيد والإيمان، أو ينقص ثوابه، والإيمان عند أهل السُّنَّة والجماعة قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية" (١). * المسألة الثالثة * أدلة القاعدة دلت على صحة القاعدة أدلة عديدة، أفادت تفاضل المؤمنين في إيمانهم وتوحيدهم، بحسب ما يقوم بهم من أقوال وأعمال، ظاهرة وباطنة؛ من اعتقادات القلوب وأعمالها، وكذا أعمال الجوارح، ومنها ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر: ٣٢]. فالله قسم المؤمنين في هذه الآية إلى ثلاثة أقسام ووعدهم جميعًا بالجنة، وذلك بحسب تحقيقهم للتوحيد والإيمان؛ فأولهم الظالم لنفسه بالمعاصي والإصرار عليها، والثاني القائم بالواجبات والمنتهي عن

стр. 640

المحرمات، والثالث الحريص على الخيرات والطاعات، التارك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس. يقول ابن الأثير في أقسام المذكورين في الآية: "وهذه قسمة صحيحة؛ فإنه لا يخلو أقسام العباد من هذه الثلاثة؛ فإما عاص ظالم لنفسه، وإما مطيع مبادر إلى الخيرات، وإما مقتصد بينهما" (١). ويقول الإمام ابن تيمية: "فالقول الجامع أن الظالم لنفسه: هو المفرط بترك مأمور أو فعل محظور، والمقتصد: القائم بأداء الواجبات وترك المحرمات، والسابق بالخيرات: بمنزلة المقرب الذي يتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه الحق" (٢). وقال ﵀ أيضًا: "وهذا التقسيم لأمة محمد فالظالم لنفسه: أصحاب الذنوب المصرون عليها، ومن تاب من ذنبه؛ أي: ذنب كان توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين، والمقتصد: المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم، والسابق للخيرات: هو المؤدي للفرائض والنوافل كما في تلك الآيات، ومن تاب من ذنب؛ أي ذنب كان توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين والمقتصدين" (٣). وقال الحافظ ابن كثير مبينًا تفاوت الناس في تحقيق التوحيد: "ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع فقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾: وهو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾: وهو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: وهو الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات، وبعض المباحات" (٤).

стр. 641

ويقول الشيخ السعدي: "وهم هذه الأمة؛ فمنهم ظالم لنفسه بالمعاصي التي هي دون الكفر، ومنهم مقصد مقتصر على ما يجب عليه تارك للمحرم، ومنهم سابق بالخيرات؛ أي: سارع فيها واجتهد فسبق غيره، وهو المؤدي للفرائض المكثر من النوافل التارك للمحرم والمكروه، فكلهم اصطفاه الله تعالى لوراثة هذا الكتاب وإن تفاوتت مراتبهم، وتميزت أحوالهم، فلكل منهم قسط من وراثته حتى الظالم لنفسه فإنه ما معه من أصل الإيمان وعلوم الإيمان وأعمال الإيمان من وراثة الكتاب؛ لأن المراد بوراثة الكتاب وراثة علمه، وعمله، ودراسة ألفاظه، واستخراج معانيه" (١). ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "وأظهر الأقوال في المقتصد والسابق والظالم، أن المقتصد: هو من امتثل الأمر واجتنب النهي ولم يزد على ذلك، وأن السابق بالخيرات: هو من فعل ذلك وزاد بالتقرب إلى الله بالنوافل، والتورع عن بعض الجائزات خوفًا من أن يكون سببًا لغيره، وأن الظالم هو المذكور في قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] والعلم عند الله تعالى" (٢). وقال الشيخ حافظ الحكمي: "فقسم تعالى الناجين منهم إلى مقتصدين: وهم الأبرار أصحاب اليمين الذين اقتصروا على التزام الواجبات واجتناب المحرمات، فلم يزيدوا على ذلك ولم ينقصوا منه، وإلى سابق بالخيرات: وهم المقربون الذين تقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض، وتركوا ما لا بأس به خوفًا مما به بأس، وما زالوا يتقربون إلى الله تعالى بذلك حتى كان سمعهم الذي يسمعون به وبصرهم الذي يبصرون به إلى آخر معنى الحديث السابق، فبه يسمعون، وبه يبصرون،

стр. 642

وبه يبطشون، وبه يمشون، وبه ينطقون، وبه يعقلون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وأما الظالم لنفسه ففي المراد به عن السلف الصالح قولان: أحدهما أن المراد به الكافر ... والقول الثاني أن المراد به عصاة الموحدين؛ فإنهم ظالمون لأنفسهم ولكن ظلم دون ظلم لا يخرج من الدين، ولا يخلد في النار ... فإذا كان هذا التفاوت بين أتباع الرسل فكيف تفاوت ما بينهم وبين رسلهم" (١). والصحيح من القولين هو أن الظالم لنفسه من المؤمنين، لكنه مستحق للوعيد ومتوعد بالعذاب، ولا يعني هذا خروجه عن الإيمان أو نقضه للتوحيد، فإن المعاصي تعارض كمال التوحيد وتمامه الواجب، وهذا ما رجحه جمع من المحققين. يقول الإمام ابن تيمية: "وقد تقدم أن ظلم الإنسان لنفسه يدخل فيه كل ذنب كبير أو صغير مع الإطلاق، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] فهذا ظلم لنفسه مقرون بغيره فلا يدخل فيه الشرك الأكبر" (٢). ويقول الحافظ ابن كثير: "والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة" (٣). وهذا ما رجحه الإمام الطبري حيث يقول: "فبين أن المصطفين من عباده هم مؤمنو أمته، وأما الظالم لنفسه فإنه لأن يكون من أهل الذنوب والمعاصي التي هي دون النفاق والشرك عندي أشبه بمعنى الآية من أن يكون المنافق أو الكافر، وذلك أن الله تعالى ذكره أتبع هذه الآية قوله جنات عدن يدخلونها، فعم بدخول الجنة جميع الأصناف الثلاثة.

стр. 643

فإن قال قائل: فإن قوله يدخلونها إنما عنى به المقتصد والسابق، قيل له وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل، فإن قال: قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار ولو لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد وجب أن لا يكون لأهل الإيمان وعيد. قيل: إنه ليس في الآية خبر أنهم لا يدخلون النار، وإنما فيها إخبار من الله تعالى ذكره أنهم يدخلون جنات عدن، وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التي أصابها في الدنيا، وظلمه نفسه فيها بالنار، أو بما شاء من عقابه ثم يدخله الجنة، فيكون ممن عمه خبر الله جل ثناؤه بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٣] " (١). ٢ - ومما يدل على تفاوت الناس وتفاضلهم بحسب تحقيقهم للتوحيد والإيمان، وبحسب ما يقوم بقلوبهم من العلم واليقين: ما رواه البخاري عن سهل قال: (مرَّ رجل على رسول الله ﷺ فقال: ما تقولون في هذا، قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع، قال ثم سكت فمرَّ رجل من فقراء المسلمين فقال: ما تقولون في هذا، قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع، فقال رسول الله ﷺ : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) (٢). يقول الإمام ابن تيمية: "فإن ألوهية الله متفاوتة في قلوبهم على درجات عظيمة، تزيد وتنقص، ويتفاوتون فيها تفاوتًا لا ينضبط طرفاه، حتى قدثبت في "الصحيح" عن النبي ﷺ في حق شخصين: (هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا)، فصار واحد من الآدميين خيرًا من ملء

стр. 644

الأرض من بني جنسه؛ وهذا تباين عظيم لا يحصل مثله في سائر الحيوان" (١). وما هذا التباين والتفاوت إلا بسبب ما قام بقلوبهم وأبدانهم من تحقيق أصل التوحيد، وتتميم كماله الواجب، وتكميله بتحقيق الكمال المستحب، من صدق اليقين، وقوة التوكل، وخالص الالتجاء، وحقيقة العبودية. * المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة سبق وأن ذكرت بأن تحقيق التوحيد يتضمن تثبيت أصله، وتتميم كماله الواجب، وتكميل كماله المستحب، وبينت بأن أصل التوحيد يضاده الشرك الأكبر والكفر الأكبر المنافيين لأصله وأساسه، وأن تمامه الواجب تعارضه البدع والإصرار على المعاصي، وأما كماله المستحب فتعارضه المكروهات وترك المستحبات. وفيما يلي أنقل ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم في بيان حقيقة تحقيق التوحيد، وعباراتهم في تأييد لفظ القاعدة، أو معناه، مع ملاحظة أن تعبيراتهم قد تنوعت وتباينت بعض الشيء ولكنهم لا يختلفون في المضمون، كما أن بعضهم قد يذكر نوعًا أو أكثر من أنواع تحقيق التوحيد. يقول الإمام ابن رجب: "ولعل من قال: إن المراد الاستقامة على التوحيد، إنما أراد التوحيد الكامل الذي يحرم صاحبه على النار، وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله؛ فإن الإله هو المعبود الذي يطاع فلا يعصى خشية وإجلالًا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلًا ودعاء والمعاصي قادحة كلها

стр. 645

في هذا التوحيد" (١). فقد أشار ﵀ إلى النوع الثاني من التحقيق وهو تمام التوحيد أو الكمال الواجب. ويقول ﵀: "فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله ولا كراهة لغير ما يكرهه الله" (٢). ويقول الإمام ابن القيم في بيان تحقيق التوحيد في المحبة لغير الله: "وهذا بخلاف الحب مع الله فهو نوعان؟ يقدح في أصل التوحيد وهو شرك، ونوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله ولا يخرج من الإسلام" (٣). وقصده بكمال الإخلاص هو تحقيق الكمال الواجب للتوحيد وهو تمام التوحيد. ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "وتحقيق التوحيد: هو معرفته والاطلاع على حقيقته والقيام بها علمًا وعملًا، وحقيقة ذلك انجذاب الروح إلى الله محبة وخوفًا وإنابة وتوكلًا ودعاء وإخلاصًا وإجلالًا وهيبة وتعظيمًا وعبادة، وبالجملة فلا يكون في قلبه شيء لغير الله، ولا إرادة لما حرم الله ولا كراهة لما أمر الله وذلك هو حقيقة لا إله إلا الله" (٤). وهذا التعريف لتحقيق التوحيد تضمن تحقيق الأصل، وتحقيق التمام، وتحقيق الكمال المستحب، إذ معرفة التوحيد بأنواعه الثلاثة لا سيما توحيد العبادة، وكونه هو المستحق للعبادة دون ما سواه، كما أن القيام بحقيقته علمًا وعملًا يتضمن الأصل والتمام، وأشار إلى كماله المستحب بقوله: انجذاب الروح إلى الله محبة وخوفًا وإنابة وتوكلًا. ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "قلت: تحقيقه:

стр. 646

تخليصه وتصفيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي" (١). ويقول الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان (٢): "وتحقيق التوحيد تخليصه وتصفيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فلا يعمل شركًا يحبطه، ولا بدعة تقدح فيه، ولا معصية تنقصه، وتحقيق التوحيد عزيز في الأمة لا يوجد إلا في أهل الإيمان الخالص الذين أخلصهم الله واصطفاهم من خلقه" (٣). ويبين الشيخ عبد الرحمن السعدي حقيقة تحقيق التوحيد بقوله: "فإن تحقيق التوحيد تهذيبه وتصفيته من الشرك الأكبر والأصغر، ومن البدع القولية الاعتقادية، والبدع الفعلية العملية، ومن المعاصي، وذلك بكمال الإخلاص لله في الأقوال والأفعال والإرادات، وبالسلامة من الشرك الأكبر المناقض لأصل التوحيد، ومن الشرك الأصغر المنافي لكماله، وبالسلامة من البدع والمعاصي التي تكدر التوحيد، وتمنع كماله، وتعوقه عن حصول آثاره" (٤). ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "فالذين آمنوا الإيمان التام الذي لم

стр. 647

تشبه شوائب الشرك الأكبر المنافي لجميعه، ولا الشرك الأصغر المنافي لكماله، ولا معاصي الله المحبطة لثمراته من الطاعات فأولئك لهم الأمن التام من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، والاهتداء التام في الدنيا والآخرة ... " (١). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: "وتحقيقه من وجهين، واجب ومندوب، فالواجب تخليصه وتصفيته عن شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فالشرك ينافيه بالكلية، والبدع تنافي كماله الواجب، والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه، فلا يكون العبد محققًا للتوحيد حتى يسلم من الشرك بنوعيه، ويسلم من البدع والمعاصي، والمندوب تحقيق المقربين، تركوا ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، وحقيقته هو انجذاب الروح إلا الله، فلا يكون في قلبه شيء لغيره، فإذا حصل تحقيقه بما ذكر، فقد حصل الأمن التام، والاهتداء التام" (٢). ويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: "تحقيق التوحيد: تخليصه من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فمن حقق توحيده، وسلم من الشرك والبدع والمعاصي، دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب" لأن الشرك الأكبر ينافي التوحيد، والأصغر ينافي كماله الواجب، والبدع والمعاصي تقدح فيه، وتنقص ثوابه" (٣). ويقول الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله-: "وتحقيقه بمعنى تحقيق الشهادتين (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ومعنى تحقيق الشهادتين: تصفية الدين من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فصار تحقيق التوحيد يرجع إلى ثلاثة أشياء:

стр. 648

الأول: ترك الشرك بأنواعه: الأكبر والأصغر والخفي. الثاني: ترك البدع بأنواعها. الثالث: ترك المعاصي بأنواعها. فيكون تحقيق التوحيد على هذا على درجتين: درجة واجبة، ودرجة مستحبة، وعليها يكون الذين حققوا التوحيد على درجتين أيضًا: فالدرجة الواجبة: أن يترك ما يجب تركه من الأشياء الثلاثة التي ذكرت، فيترك الشرك خفيه وجليه، صغيره وكبيره، ويترك البدع، ويترك المعاصي، هذه درجة واجبة. والدرجة المستحبة في تحقيق التوحيد -وهي التي يتفاضل فيها الناس من المحققين للتوحيد أعظم تفاضل- هي ألا يكون في القلب شيء من التوجه أو القصد لغير الله - جل وعلا - يعني: أن يكون القلب متوجهًا إلى الله بكليته، ليس فيه التفات إلى غير الله، فيكون نطقه لله، وفعله وعمله لله، بل وحركة قلبه لله - جل وعلا - وقد عبر عنها بعض أهل العلم - أعني: هذه الدرجة المستحبة - بقوله: أن يترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، يعني: فى مجال أعمال القلوب، وأعمال اللسان، وأعمال الجوارح" (١). ويقول الشيخ عبد العزيز الريس - حفظه الله -: "المحققون للتوحيد دررجات متفاوتة لكن شرط تحقيق التوحيد تخليصه من أحد نواقضه المخرجة من الدين والملة، ثم بعد ذلك الناس في تحقيقه جملة قسمان: أ - تحقيق واجب: وهو تخليصه من الأمور المحرمة كالشرك الأصغر والبدع والمعاصي مع فعل الواجبات الشرعية والناس في هذا على درجات. ب - تحقيق مستحب: وهو تخليصه من الأمور المكروهة مع فعل

стр. 649

القربات المستحبة، والناس في هذا على درجات متفاوتة" (١). هذا ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم في بيان درجات تحقيق التوحيد، وبيان تفاوت أهل الإيمان والتوحيد فيه على درجات عظيمة لا يعلم قدرها إلا الله ﵎. * المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها الفائدة الأولى: أن الأنبياء والمرسلين هم أعظم الناس تحقيقًا للتوحيد، خاصة أولو العزم منهم، وفي مقدمتهم الخليلان محمد ﷺ وإبراهيم ﵇ والناس بعدهم يتفاوتون بين مقل ومكثر بحسب ما يقوم بقلوبهم من هذا التحقيق. يقول الإمام ابن تيمية: "إن الخليلين هما أكمل خاصة الخاصة توحيدًا، فلا يجوز أن يكون في أمة محمد ﷺ من هو أكمل توحيدًا من نبي من الأنبياء فضلًا عن الرسل، فضلًا عن أولي الحزم، فضلًا عن الخليلين، وكمال توحيدهما بتحقيق إفراد الألوهية، وهو أن لا يبقى في القلب شيء لغير الله أصلًا، بل يبقى العبد مواليًا لربه في كل شيء، يحب ما أحب، ويبغض ما أبغض، ويرضى بما رضي، ويسخط بما سخط، ويأمر بما أمر وينهى عما نهى" (٢). ثم يأتي من بعد هؤلاء الأنبياء والمرسلين صحابة النبي ﷺ ، وأهل العلم والصلاح من أمته، فهم أولى الناس بهذا التحقيق، إذ هم الأسعد بمعرفة التوحيد ومعرفة حقيقته وفضله ومكانته.

стр. 650

يقول الإمام ابن كثير في بيان معنى السابقين بالخيرات بتحقيقهم لكمال التوحيد: "فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة وأولى الناس بهذه الرحمة" (١). الفائدة الثانية: أن المحققين لكمال التوحيد لا تبقى معهم ذنوب، بحيث يحفظهم الله تعالى، ويصرف عنهم المعاصي والذنوب، وإن وقعوا فيها فإن الله يوفقهم إلى المسارعة إلى التوبة والإنابة إليه ، وما ذلك إلا لأنهم بلغوا من محبة الله تعالى الشيء العظيم بحيث لا يبقى في قلوبهم محبوب سوى الله تعالى وسوى ما يحبه الله. يقول شيخ الإسلام: "وكلما حقق العبد الإخلاص في قول لا إله إلا الله خرج من قلبه تأله ما يهواه وتصرف عنه المعاصي والذنوب، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف: ٢٤]، فعلل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه من عباد الله المخلصين، وهؤلاء هم الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال الشيطان: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]، وقد ثبت في "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه حرمه الله على النار" (٢)، فإن الإخلاص ينفي أسباب دخول النار، فمن دخل النار

стр. 651

من القائلين لا إله إلا الله لم يحقق إخلاصها المحرم له على النار، بل كان في قلبه نوع من الشرك الذي أوقعه فيما أدخله النار" (١). ويقول الإمام ابن القيم: "ولكن ينبغي أن يعلم ارتباط إيمان القلوب بأعمال الجوارح، وتعلقها بها، وإلَّا لم يفهم مراد الرسول، ويقع الخلط والتخبيط، فاعلم أن هذا النفي العام للشرك: أن لا يشرك بالله شيئًا ألبتة لا يصدر من مصرٍ على معصية أبدًا، ولا يمكن مدمن الكبيرة والمُصِر على الصغيرة أن يصفو له التوحيد حتى لا يشرك بالله شيئًا؛ هذا من أعظم المحال، ولا يلتفت إلى جدلي لا حظ له من أعمال القلوب، بل قلبه كالحجر أو أقسى؛ يقول: وما المانع؟ وما وجه الإحالة؟ ولو فرض ذلك واقعًا لم يلزم منه محال لذاته. فدع هذا القلب المفتون بجدله وجهله، واعلم أن الإصرار على المعصية يوجب من خوف القلب من غير الله، ورجائه لغير الله، وحبه لغير الله، وذله لغير الله، وتوكله على غير الله، ما يصير به منغمسًا في بحار الشرك، والحاكم في هذا ما يعلمه الإنسان من نفسه، إن كان له عقل؛ فإن ذل المعصية لا بد أن يقوم بالقلب، فيورثه خوفًا من غير الله تعالى، وذلك شرك، ويورثه محبة لغير الله، واستعانة بغيره في الأسباب التي توصله إلى غرضه، فيكون عمله لا بالله ولا لله. وهذا حقيقة الشرك؛ نعم قد يكون معه توحيد أبي جهل، وعباد

стр. 652

الأصنام، وهو توحيد الربوبية، وهو الاعتراف بأنه لا خالق إلا الله، ولو أنجى هذا التوحيد وحده لأنجى عباد الأصنام، والشأن في توحيد الإلهية الذي هو الفارق بين المشركين والموحدين. والمقصود أن من لم يشرك بالله شيئًا يستحيل أن يلقى الله بقراب الأرض خطايا، مصرًا عليها، غير تائب منها، مع كمال توحيده الذي هو غاية الحب، والخضوع، والذل، والخوف، والرجاء للرب تعالى" (١). ويقول الإمام ابن رجب: "ما يحتاج إلى التطهير بنار جهنم إلا من لم يكمل تحقيق التوحيد والقيام بحقوقه" (٢). ويقول ﵀: "فإذا تحقَّق القلبُ بالتَّوحيد التَّامَ، لم يبق فيه محبةٌ لغير ما يُحبُّه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه الله، ومن كان كذلك، لم تنبعثْ جوارحُهُ إلّا بطاعة الله، وإنَّما تنشأ الذُّنوب من محبَّة ما يكرهه الله، أو كراهة ما يُحبه الله، وذلك ينشأ من تقديم هوى النَّفس على محبَّة الله وخشيته، وذلك يقدحُ في كمال التَّوحيد الواجبِ، فيقعُ العبدُ بسبب ذلك في التَّفريط في بعض الواجبات، أو ارتكابِ بعضِ المحظوراتِ، فأَمَّا من تحقَّق قلبُه بتوحيدِ الله، فلا يبقى له همٌّ إلا في الله وفيما يُرضيه به" (٣). ويقول المناوي: "التوحيد المحض الخالص عن شوائب الشرك لا يبقى معه ذنب، فإنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب فلو لقي الموحد المخلص ربه بقراب الأرض خطايا قابله بقرابها مغفرة؛ فإن نجاسة الذنوب عارضة والدفع لها قوي فلا تثبت معه خطيئة" (٤). وعليه فليس من شرط المحقق للتوحيد ألا يقع في المعاصي أبدًا،

стр. 653

بل قد تحصل منه بعض الذنوب ولكنه سرعان ما يؤوب وينيب ويرجع إلى ربه ﵎ بالتوبة والاستغفار. يقول الشيخ محمد بن عثيمين: "إذ تحقيق التوحيد لا يكون إلا باجتناب الشرك بالمعنى الأعم، ولكن ليس معنى هذا ألا تقع منهم المعاصي؛ لأن كل ابن آدم خطاء، وليس بمعصوم، ولكن إذا عصوا فإنهمٍ يتوبون ولا يستمرون عليها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران: ١٣٥] " (١).

стр. 654

المبحث الثاني قاعدة توحيد الربوبية هو أصل توحيد الإلهية ودليله الأكبر وفيه مسائل: * المسألة الأولى * شرح معاني مفردات القاعدة تضمنت القاعدة بعض الألفاظ التي تحتاج إلى بيان، ومنها لفظ الأصل والدليل، وفيما يلي أتعرض لشرحها وتفصيلها: فأما الأصل فمعناه في اللغة: أَسْفَلُ الشيء وجمعُه أُصولٌ، يُقال قَعَدَ في أَصْل الجَبَلِ، وأَصْلِ الحائِطِ، وقَلَعَ أَصْلَ الشَّجَرِ، ثم كَثُرَ حَتّى قِيلَ: أَصلُ كُلِّ شَيْءٍ ما يستَنِدُ وُجُودُ ذلك الشيءِ إِليهِ؛ فالأب أَصلٌ للوَلَدِ، والنَّهَرُ أَصْلٌ للجَدْوَلِ، فأصل الشيء أساسه الذي يقوم عليه، ومنشؤه الذي ينبت منه، وقال الرّاغِبُ: أَصْلُ كُل شَيءٍ قاعِدَتُه التي لو تُوُهِّمَتْ مُرتَفِعَةً ارْتَفَعَ بارْتِفاعَها سائِرُه، وقالَ غَيرُه الأَصْلُ ما يُبنَى عليه غَيرُه، وقيل: هو عبارة عما يُفْتَقَر إليه، ولا يَفْتَقِر هو إلى غيره (١).

стр. 655

أما استعمال الأصل في تعبيرات أهل العلم فهو بمعناه اللغوي، لكنهم أطلقوه على أمور أخرى يرجع مؤداها إلى المعنى اللغوي: فقيل هو: عبارة عما ينبى عليه غيره، ولا يبنى هو على غيره، والأصل ما يثبت حكمه بنفسه ويبنى على غيره (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والأصول مأخوذة من أصول الشجرة، وأساس البناء، ولهذا يقال فيه: الأصل ما ابتنى عليه غيره، أو ما تفرع عنه غيره" (٢). وقيل هي: "جمع أصل، وأصل الشيء: ما منه الشيء، أو ما استند الشيء في وجوده إليه، أو ما ينبني عليه غيره، أو ما احتيج إليه" (٣). وقد أطلق الأصل على أمور أخرى ترجع إلى معناه. يقول الإمام الشوكاني: "فالأصول جمع أصل وهو في اللغة ما ينبني عليه غيره، وفي الاصطلاح: يقال على الراجح، والمستصحب، والقاعدة الكلية، والدليل، والأوفق بالمقام" (٤). فأما الدَّلِيلُ فمعناه في اللغة: ما يُستَدَلُّ به، وأيضًا الدَّالُّ، وقيل هو المُرشِدُ وما به الإرشادُ، والجمع أَدِلَّةٌ وأَدِلَّاءُ، وقد دَّلَهُ على الطريق يَدُلُّه بالضم دَلَالَة بفتح الدال وكسرها ودَلُولَة بالضم (٥). وعرَّفه ابن قدامة اصطلاحًا بقوله: "الدليل وهو ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظن ... ، وقيل: هو ما دل على المراد بما يستقل بنفسه في الدلالة على المراد" (٦).

стр. 656

* المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة القاعدة أفادت أن الإقرار بتوحيد الربوبية، وكون الله ﵎ هو الخالق والمالك والمدبر هو الأصل الذي يثمر توحيد الألوهية، ويتوصل به إلى توحيد العبادة، كما أنه الأساس والأصل الذي ينبني عليه توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية يتفرع عنه، فهو مصدره وأساسه، فلا يثبت توحيد العبادة، ولا يقوم ولا يصح بدون ثبات أصله وهو الإقرار بالرب تعالى ومعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته، وكونه المالك المدبر، العالم بكل شيء، المحيط بجميع ما في الكون. كما أنه الدليل والحبل الذي يوصل إلى توحيد الألوهية، فإن الذي يخلق ويرزق ويملك ويدبر وله الأسماء الحسنى والصفات العلى، حري بأن يعبد، ويفرد بالخضوع والذل والمحبة، والرغبة والرهبة والخشوع والإنابة والتوكل والصبر. يقول الإمام ابن القيم: "فيثبت قدم العبد في توحيد الربوبية ثم يرقى منه صاعدًا إلى توحيد الإلهية؛ فإنه إذا تيقن أن الضر والنفع، والعطاء والمنع، والهدى والضلال، والسعادة والشقاء، كل ذلك بيد الله لا بيد غيره، وأنه الذي يقلب القلوب ويصرفها كيف يشاء، وأنه لا موفق إلا من وفقه وأعانه، ولا مخذول إلا من خذله وأهانه وتخلى عنه، وأن أصح القلوب، وأسلمها، وأقومها، وأرقها، وأصفاها، وأشدها، وألينها، من اتخذه وحده إلهًا ومعبودًا، فكان أحب إليه من كل ما سواه، وأخوف عنده من كل ما سواه، وأرجى له من كل ما سواه، فتتقدم محبته في قلبه جميع المحاب، فتنساق المحاب تبعًا لها كما ينساق الجيش تبعًا للسلطان، ويتقدم خوفه في قلبه جميع المخوفات، فتنساق المخاوف كلها تبعًا لخوفه، ويتقدم رجاؤه في قلبه جميع الرجاء، فينساق كل رجاء تبعًا لرجائه.

стр. 657

فهذا علامة توحيد الإلهية في هذا القلب، والباب الذي دخل إليه منه توحيد الربوبية، أي: باب توحيد الإلهية هو توحيد الربوبية، فإن أول ما يتعلق القلب يتعلق بتوحيد الربوبية، ثم يرتقي إلى توحيد الإلهية، كما يدعو الله سبحانه عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى النوع الآخر، ويحتج عليهم به، ويقررهم به، ثم يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في الإلهية" (١). فلا يحصل ولا يتحقق توحيد العبادة إلا بتحقيق توحيد الربوبية، فهو الباب والمفتاح الذي يفتح القلوب لتصل إلى هذه الغاية العظيمة، وتحقق الحكمة الشرعية من خلق الإنس والجن وهي إلهية الله تعالى وإفراده بالعبادة. ويقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: "فإن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل؛ فإنه مركوز في الفطر، وأقرب ما ينظر فيه المرء أمر نفسه لما كان نطفة وقد خرج من بين الصلب والترائب، والترائب: عظام الصدر، ثم صارت تلك النطفة في قرار مكين في ظلمات ثلاث، وانقطع عنها تدبير الأبوين وسائر الخلائق، ولو كانت موضوعة على لوح أو طبق واجتمع حكماء العالم على أن يصوروا منها شيئًا لم يقدروا، ومحال توهم عمل الطبائع فيها؛ لأنها موات عاجزة، ولا توصف بحياة، ولن يتأتى من الموات فعل وتدبير، فإذا تفكر في ذلك وانتقال هذه النطفة من حال إلى حال علم بذلك توحيد الربوبية، فانتقل منه إلى توحيد الإلهية؛ فإنه إذا علم بالعقل أن له ربًا أوجده كيف يليق به أن يعبد غيره، وكلما تفكر وتدبر ازداد يقينًا وتوحيدًا، والله الموفق لا رب غيره، ولا إله سواه" (٢). فذكر ﵀ أن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل؛ وذلك لأنه

стр. 658

الأصل، فهو مركوز في فطر الخلق، والأصل في حد ذاته دليل على الفرع، فتوحيد الربوبية هو الدليل على توحيد العبادة. * المسألة الثالثة * أدلة القاعدة مما يدل على صحة القاعدة واعتبارها أمور عدة: أولًا: إلزام الله ﵎ المشركين بتوحيد الله في عبادته، بناء على إقرارهم بتوحيد الربوبية، وهذا الاستدلال كثير في القرآن الكريم وهو يدل على أن إقرار العبد بتوحيد الربوبية هو أكبر دليل على تقريره إفراد الله تعالى بالعبادة دون ما سواه، ولو لم يكن هذا الإقرار دليلًا على هذا لم يحتج به سبحانه على المشركين ولم يلزمهم بهذا الإقرار أصلًا، وما دام أن الإقرار أصبح دليلًا، فإنَّه يكون سابقًا ومتقدمًا على المدلول فثبت كونه أصلًا للمدلول. ومن تلك النصوص: قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ [العنكبوت: ٦١]، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ [العنكبوت: ٦٣]، وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩]، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾ [يونس: ٣٤]، وقوله عز من قائل: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ

стр. 659

خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ [الزمر: ٦]. وغير ذلك من الآيات التي يذكر الله تعالى فيها إقرار المشركين بتوحيد الربوبية، ثم يوبخهم محتجًا عليهم به على عدم تحقيقهم لتوحيد الألوهية. يقول الإمام الطبري في بيان احتجاج الله ﵎ على المشركين بهذا التوحيد: "وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ يقول تعالى ذكره: لا ينبغي أن يكون معبود سواه، ولا تصلح العبادة إلا له، ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ يقول تعالى ذكره: فأنى تصرفون أيها الناس فتذهبون عن عبادة ربكم الذي هذه الصفة صفته إلى عبادة من لا ضر عنده لكم ولا نفع" (١). ويقول الإمام أبو عبد الله القرطبي في قوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾: "أي: كيف تصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق ولا يحيي ولا يميت" (٢). ويقول الإمام ابن القيم: "وهذه طريقة القرآن الكريم يحتج عليهم بإقرارهم بهذا التوحيد على ما أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة، وإذا كان وحده هو ربنا ومالكنا وإلهنا فلا مفزع لنا في الشدائد سواه، ولا ملجأ لنا منه إلا إليه، ولا معبود لنا غيره، فلا ينبغي أن يدعى، ولا يخاف، ولا يرجى، ولا يحب سواه، ولا يذل لغيره، ولا يخضع لسواه، ولا يتوكل إلا عليه؛ لأن من ترجوه وتخافه وتدعوه وتتوكل عليه، إما أن يكون مربيك، والقيم بأمورك، ومولي شأنك، وهو ربك فلا رب سواه، أو تكون مملوكه وعبده الحق، فهو ملك الناس حقًا، وكلهم عبيده ومماليكه" (٣).

стр. 660

ويقول الإمام ابن كثير: "فكما أنه -سبحانه- الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية، وقد كان المشركون يعترفون بذلك كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك" (١). ويقول الإمام الشاطبي: "ووجه خامس: وهو أن القرآن قد احتج على الكفار بالعمومات العقلية، والعمومات المتفق عليها؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥]، فاحتج عليهم بإقرارهم بأن ذلك لله على العموم، وجعلهم إذ أقروا بالربوبية لله في الكل ثم دعواهم الخصوص محسورين لا عقلاء، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ [العنكبوت: ٦١]؛ يعني: كيف يُصرَفُونَ عن الإقرار بأن الرب هو الله بعد ما أقروا فيدعون شريكًا" (٢). ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "وأول أمر في القرآن، يقرع سمع السامع، والمستمع، قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] فأمرهم بتوحيد الإلهية واستدل عليه بالربوبية، ونهاهم عن الشرك به، وأمرهم بخلع الأنداد، التي يعبدها المشركون من دون الله" (٣). ويصرح الإمام محمد الأمين الشنقيطي بهذه الطريقة القرآنية التي سبق وأن أشار إليها الإمام ابن القيم فيقول: "ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جلَّ وعلا على وجوب توحيده في عبادته؛ ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير، فإذا

стр. 661

أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق؛ لأن يعبد وحده، ووبَّخهم منكرًا عليهم شركهم به غيره مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده؛ لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده" (١). ثانيًا: أن تحقيق توحيد الألوهية بدون تحقيق الربوبية لا يتصور؛ لأنك إن لم تثبت الله تعالى ربًا موجودًا، وخالقًا ورازقًا ومحييًا ومميتًا وقادرًا وفعَّالًا لما يريد، يعلم السر وأخفى، يراك في كل حال وحين، ويعلم كل ما يحدث في الكون على وجه التفصيل، فكيف تعبده، هذا هو النظر الصحيح؛ وذلك أنه لا يعبد ولا تصرف العبادة إلا لمن اتصف بالربوبية التامة، والملك الشامل، والتدبير لكل ذرات الكون، فصار بذلك مستحقًا للعبادة، وهذا يدل على أن توحيد الربوبية هو الأصل الذي يقوم فصار بذلك مستحقًا للعبادة، عليه توحيد العبادة، وهو الدرجة الأولى في سلم التعبد والتأله للملك الحق المبين، وبدونه لا يتصور حصول توحيد الألوهية. ولقد بيَّن الله ﵎ هذا الأمر في كتابه الكريم في آيات كثيرة، وهو أن الذي يستحق أن تصرف له العبادة هو الخالق القوي لا غيره من الآلهة والأنداد التي هي مملوكة، ولا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن تملكه لغيرها. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]، فدلت الآية على أن المعبود هو الخالق دون غيره. وقال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧]، وقال عز من قائل: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ

стр. 662

الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد: ١٦]، وقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ [الفرقان: ٢، ٣]، وقال : ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١]، وقال : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)﴾ [فاطر: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ [الأحقاف: ٤]، وقال سبحانه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ [الأعراف: ١٩١]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ [الحج: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥]، وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ [النحل: ٢٠]، إلى غير ذلك من الآيات التي فيها أن الذي لا يرزق عباده ويتكفل برزقهم فلا يستحق أن يكون معبودًا كقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت: ١٧]. يقول ابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ [يس: ٢٢]: ﴿وَمَا لِيَ لَا﴾: تقرير لهم على جهة التوبييخ في هذا الأمر الذي يشهد العقل بصحته؛ أن من فطر واخترع

стр. 663

وأخرج من العدم إلى الوجود فهو الذي يستحق أن يعبد" (١). ويقول الواحدي (٢): ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]: أندادًا: أمثالًا من الأصنام التي تعبدونها وأنتم تعلمون أنهم لا يخلقون، والله هو الخالق، وهذا احتجاج عليهم في إثبات التوحيد" (٣). والمقصود إثبات توحيد الألوهية؛ لأنهم أقروا واعترفوا بتوحيد الربوبية. ولذا عقد الإمام البيهقي بابًا في كتابه الكبير "شعب الإيمان" أشار فيه إلى أن الإقرار بتوحيد الربوبية حجة نبَّه الله تعالى بها إلى إفراده بالعبادة فقال ﵀: "الثالث والثلاثون من شعب الإيمان، وهو باب (في تعديد نعم الله وما يجب من شكرها" قال الله فيما عدد على عباده من نعمه، ونبههم بذلك على ما يلزمهم من عبادته، تعظيمًا له وشكرًا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢] " (٤). ويقول الإمام ابن القيم في تفسير آية البقرة: "ثم قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ فتأمل هذه النتيجة وشدة لزومها لتلك المقدمات قبلها، وظفر العقل بها بأول وهلة، وخلوصها من كل

стр. 664

شبهة وريبة وقادح، وإن كل متكلم ومستدل ومحاج إذا بالغ في تقرير ما يقرره وأطاله وأعرض القول فيه، فغايته إن صح ما يذكره أن ينتهي إلى بعض ما في القرآن. فتأمل ما تحت هذه الألفاظ من البرهان الشافي في التوحيد؛ أي: إذا كان الله وحده هو الذي فعل هذه الأفعال، فكيف يجعلون له أندادًا وقد علمتم أنه لا ند له يشاركه في فعله" (١). ويقول ﵀ في قصة صاحب ياسين: "ومن هذا قوله تعالى حاكيًا عن صاحب ياسين أنه قال لقومه محتجًا عليهم بما تقر به فطرهم وعقولهم: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ [يس: ٢٢]، فتأمل هذا الخطاب كيف تجد تحته أشرف معنى وأجله، وهو أن كونه سبحانه فاطرًا لعباده يقتضي عبادتهم له، وأن من كان مفطورًا مخلوقًا فحقيق به أن يعبد فاطره وخالقه، ولا سيما إذا كان مرده إليه، فمبدأه منه ومصيره إليه، وهذا يوجب عليه التفرغ لعبادته" (٢). ويقول الإمام ابن كثير في قوله تعالى: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ٢٠]: "أي: خلقها لكم لتستقروا عليها، وتسلكوا فيها أين شئتم من نواحيها وأرجائها وأقطارها، وكل هذا مما ينبههم به نوح ﵇ على قدرة الله وعظمته في خلق السماوات والأرض، ونعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأرضية، فهو الخالق الرزاق، جعل السماء بناء والأرض مهادًا، وأوسع على خلقه من رزقه، فهو الذي يجب أن يعبد ويوحد، ولا يشرك به أحد؛ لأنه لا نظير له، ولا عديل له، ولا ند، ولا كفء، ولا صاحبة، ولا ولد، ولا وزير، ولا مشير، بل هو العلي الكبير" (٣).

стр. 665

ويقول الألوسي مبينًا كون صفات الربوبية هي الدليل الأكبر على توحيد العبادة: "أما الأول الذي هو قصر الخالقية فيه تعالى؛ فلأن مقتضى قصر الألوهية عليه تعالى قصرًا حقيقيًا هو أن الله هو الذي يستحق أن يعبده كل مخلوق؛ فهو النافع الضار على الإطلاق، الخالق لكل شيء، فإن كل من لا يكون خالقًا لكل شيء لا يكون نافعًا ضارًا على الإطلاق، وكل من لا يكون كذلك لا يستحق أن يعبده كل مخلوق؛ لأن العبادة هي الطاعة، والانقياد، والخضوع، ومن لا يملك نفعًا ولا ضرًّا بالنسبة إلى بعض المخلوقين لا يستحق أن يعبده ذلك البعض، ويطيعه، وينقاد له؛ فإن من لا يقدر على إيصال نفع إلى شخص، أو دفع ضر عنه، لا يرجوه، ومن لا يقدر على إيصال ضر إليه، لا يخافه، وكل من لا يخاف ولا يرجى أصلًا لا يستحق أن يعبد، وهو ظاهر؛ لكن الذي يقتضيه قصر الألوهية عليه تعالى قصرًا حقيقيًا هو أن الله تعالى: هو الذي يستحق أن يعبده كل مخلوق، فهو النافع الضار" (١). ويقول العلامة محمد بشير السهسواني الهندي (٢): "الإقرار بتوحيد الربوبية مع لحاظ قضية بديهية وهي أن غير الرب لا يستحق العبادة، يقتضي الإقرار بتوحيد الألوهية عند من له عقل سليم، وفهم مستقيم، فيكون الإقرار المذكور حجة عليهم، كما احتج الله تعالى على المشركين بتوحيد الرازق، ومالك السمع والأبصار، والمحيي والمميت، ومدبر الأمر، ومن له الأرض ومن فيها، ورب السماوات السبع ورب العرش

стр. 666

العظيم، ومن بيده ملكوت كل شيء، ومن خلق السموات والأرض، وسخر الشمس والقمر، ومن أنزل من السماء ماء، ومن خلقهم -في الآيات التي تليت فيما تقدم- على وحدانية الألوهية" (١). ولكن المشركين لفساد عقولهم، وحقارة أفهامهم، وسقامة قلوبهم لم يتوصلوا إلى تحقيق توحيد العبادة، ولا وصلوا إلى تلك النتيجة التي هي ملزومة لإقرارهم بتوحيد الربوبية، وهو لازم لها. يقول الشيخ الأمين الشنقيطي بعد ذكره جملة من الآيات السابقة: "فهذه الآيات تبين أن الذي يستحق أن يعبد هو من يخلق الخلق، ويبرزهم من العدم إلى الوجود، أما غيره فهو مخلوق مربوب، محتاج إلى من يخلقه ويدبر شؤونه" (٢). وقال ﵀: "لأن من تأتى من قبله البركات والخيرات، ويدرّ الأرزاق على الناس، هو وحده المتفرّد بالعظمة، واستحقاق إخلاص العبادة له، والذي لا تأتي من قبله بركة، ولا خير، ولا رزق، كالأصنام وسائر المعبودات من دون الله لا يصحّ أن يعبد، وعبادته كفر مخلّد في نار جهنّم" (٣). ويقول الشيخ السعدي: "أما الدليل العقلي: فإنه قد علم كل أحد حتى هؤلاء الذين جادلهم إبراهيم، أن الله وحده الخالق لجميع المخلوقات من بني آدم، والملائكة، والجن، والبهائم، والسموات والأرض، المدبر لهن بجميع أنواع التدبير، فيكون كل مخلوق مفطورًا، مدبرًا، متصرفًا فيه، ودخل في ذلك جميع ما عبد من دون الله، أفيليق عند من له أدنى مسكة من عقل، وتمييز أن يعبد مخلوقًا مُتَصَرَفًا فيه، لا يملك نفعًا، ولا ضرًا، ولا موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا، ويدع عبادة

стр. 667

الخالق الرازق المدبر" (١). ويقول أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ [يس: ٢٢]: "أي: وما المانع لي من عبادة من هو المستحق للعبادة؛ لأنه الذي فطرني، وخلقني، ورزقني، وإليه مآل جميع الخلق فيجازيهم بأعمالهم، فالذي بيده الخلق، والرزق، والحكم بيد العباد في الدنيا والآخرة، هو الذي يستحق أن يعبد، ويثنى عليه، ويمجد، دون من لا يملك نفعًا، ولا ضرًّا، ولا عطاء، ولا منعًا، ولا موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا" (٢). ثالثًا: دليل الفطرة التي فطر الله عليها الخلق؛ فإن الله فطر عباده على فطرة تضمنت الإقرار به ومعرفته كما تضمنت محبته والذل له وتوحيده؛ والإقرار والمعرفة سابقة للمحبة والتوحيد وهي فرع عن الإقرار والمعرفة في ذات الفطرة، فدل ذلك على أن الإقرار والمعرفة هما الاصل لما يأتي بعدهما من المحبة والذل والخضوع والتوحيد. يقول الإمام ابن تيمية: "ومن المعلوم أن وجود حب الله، وخشيته، والرغبة إليه، وتألهه في القلب، فرع وجود الإقرار به، وهذا الثاني مستلزم للأول؛ فإذا كان هذا يكون ضروريًا في القلب، فوجود الإقرار السابق عليه اللازم له أولى أن يكون ضروريًا، فإن ثبوت الملزوم لا يكون إلا مع ثبوت اللازم" (٣). والملزوم هو حب الله وخشيته والرغبة إليه وتألهه، واللازم هو الإقرار والمعرفة به ، فإذا ثبت الملزوم ثبت اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم (٤).

стр. 668

يوضحه: أن العباد مفطورون على العلم بربوبية الله تعالى قبل علمهم بألوهيته ؛ لأن فقرهم وحاجتهم إلى الربوبية سابق لفقرهم واحتياجهم إليه تعالى في ألوهيته. يقول الإمام ابن تيمية: "ولما كان علم النفوس بحاجتهم وفقرهم إلى الرب قبل علمهم بحاجتهم وفقرهم إلى الإله المعبود، وقصدهم لدفع حاجاتهم العاجلة قبل الآجلة، كان إقرارهم بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته، وكان الدعاء له، والاستعانة به، والتوكل عليه فيهم أكثر من العبادة له، والإنابة إليه" (١). * المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة تضافرت أقوال أهل العلم في تقرير ما دلت عليه القاعدة من كون توحيد الربوبية هو الأصل والمقدمة والواسطة والأساس الذي يأتي بعده توحيد العبادة، وكون الأول هو الدليل الأكبر الباهر الذي يدل ويقود الخلق إلى إفراد الله ﵎ بخالص العبادة، والخضوع، والذل، والمحبة، وفيما يأتي أسوق ما وقفت عليه من تلكم الأقوال التي تؤيد هذا المعنى: ومما قرره أهل العلم: أن عبادة الله النافعة مشروطة بتحصيل معرفة الله تعالى قبل العبادة؛ لأن من لا يعرف معبوده لا ينتفع بعبادته، فكان الأمر بعبادة الله أمرًا بتحصيل المعرفة أولًا، ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، ثم أتبعه بالدلائل الدالة على وجود الصانع وهو قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إنما حسن ذلك لأن الأمر بالعبادة يتضمن الأمر بتحصيل المعرفة

стр. 669

فلا جرم ذكر ما يدل على تحصيل المعرفة (١). يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في معرض جوابه عن سؤال تضمن بيان سبب قلة تعريج الشيخ على موضوع الربوبية؛ مع أن موجب الإلهية هو الربوبية، كما تضمن طلب بيان حال من لا يرى أهمية الربوبية، ولا يعتبرها، ويتهاون بها فأجاب بقوله: "سرَّني ما ذكرت من الإشكال، وانصرافك إلى الفكرة في توحيد الربوبية، ولا يخفاك أن التفصيل يحتاج إلى أطول، ولكن ما لا يدرك كله، لا يترك كله، فأما توحيد الربوبية، فهو الأصل ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه، كما قال تعالى، فيمن أقر بمسألة منه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف: ٨٧]. ومما يوضح لك الأمر: أن التوكل من نتائجه، والتوكل من أعلى مقامات الدين، ودرجات المؤمنين؛ وقد تصدر الإنابة والتوكل من عابد الوثن بسبب معرفته بالربوبية، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨]، وأما عبادته سبحانه بالإخلاص دائمًا، في الشدة والرخاء، فلا يعرفونها وهي نتيجة الإلهية، وكذلك الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالكتب، والرسل وغير ذلك؛ وأما الصبر والرضا، والتسليم والتوكيل، والإنابة، والتفويض، والمحبة، والخوف، والرجاء، فمن نتائج توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الالهية، هو: أشهر نتائج توحيد الربوبية" (٢). فبيّن ﵀ أن توحيد الربوبية هو الأصل، وأن الخلل الحاصل في توحيد العبادة، وصرف العبادة والتأله لغير الله إنما هو بسبب خلل حاصل في توحيد الربوبية، وإلا فإذا سلم توحيد الربوبية من الخلل

стр. 670

والضعف فإن توحيد الإلهية يكون من أعظم ثمراته، وأشهر نتائجه التي تحصل بسببه حتمًا ولا بد. ويقول الألوسي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾ [الكهف: ١٤]: "وابتدأوا بما يشير إلى توحيد الربوبية لأنه أول مراتب التوحيد والتوحيد الذي أقرت به الأرواح في عالم الذرويون (١)، قال لها سبحانه: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، وفي ذكر ذلك أولًا وذكر الآخر بعده تدرج في المخالفة؛ فإن توحيد الربوبية يشير إلى توحيد الألوهية بناء على أن اختصاص الربوبية به علة لاختصاص الألوهية واستحقاق المعبودية به ، وقد ألزم جل وعلا الوثنية القائلين باختصاص الربوبية بذلك في غير موضع، ولكون الجملة الأولى مشيرة إلى توحيد الألوهية قيل: إن في الجملة الثانية تأكيدًا لها، فتأمل ولا تعجل بالاعتراض" (٢). ويعتبر الإمام ابن القيم دلالة توحيد الربوبية على توحيد العبادة من أعظم الأدلة وأصحها وأظهرها، لما فيها من موافقة العقول وتقبل الفطر، وكونه لم ينكره أحد من البشر إلا عنادًا واستكبارًا، فيقول: "فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الالهية؛ ولذلك وقع الاحتجاج به في القرآن أكثر مما وقع بغيره؛ لصحة دلالته، وظهورها، وقبول العقول والفطر لها، ولاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبية، وكذلك كان عباد الأصنام يقرون به وينكرون توحيد الإلهية" (٣).
следующие страницы →