العظيم، ومن بيده ملكوت كل شيء، ومن خلق السموات والأرض، وسخر الشمس والقمر، ومن أنزل من السماء ماء، ومن خلقهم -في الآيات التي تليت فيما تقدم- على وحدانية الألوهية" (١).
ولكن المشركين لفساد عقولهم، وحقارة أفهامهم، وسقامة قلوبهم لم يتوصلوا إلى تحقيق توحيد العبادة، ولا وصلوا إلى تلك النتيجة التي هي ملزومة لإقرارهم بتوحيد الربوبية، وهو لازم لها.
يقول الشيخ الأمين الشنقيطي بعد ذكره جملة من الآيات السابقة: "فهذه الآيات تبين أن الذي يستحق أن يعبد هو من يخلق الخلق، ويبرزهم من العدم إلى الوجود، أما غيره فهو مخلوق مربوب، محتاج إلى من يخلقه ويدبر شؤونه" (٢).
وقال ﵀: "لأن من تأتى من قبله البركات والخيرات، ويدرّ الأرزاق على الناس، هو وحده المتفرّد بالعظمة، واستحقاق إخلاص العبادة له، والذي لا تأتي من قبله بركة، ولا خير، ولا رزق، كالأصنام وسائر المعبودات من دون الله لا يصحّ أن يعبد، وعبادته كفر مخلّد في نار جهنّم" (٣).
ويقول الشيخ السعدي: "أما الدليل العقلي: فإنه قد علم كل أحد حتى هؤلاء الذين جادلهم إبراهيم، أن الله وحده الخالق لجميع المخلوقات من بني آدم، والملائكة، والجن، والبهائم، والسموات والأرض، المدبر لهن بجميع أنواع التدبير، فيكون كل مخلوق مفطورًا، مدبرًا، متصرفًا فيه، ودخل في ذلك جميع ما عبد من دون الله، أفيليق عند من له أدنى مسكة من عقل، وتمييز أن يعبد مخلوقًا مُتَصَرَفًا فيه، لا يملك نفعًا، ولا ضرًا، ولا موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا، ويدع عبادة
стр. 667
الخالق الرازق المدبر" (١).
ويقول أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ [يس: ٢٢]: "أي: وما المانع لي من عبادة من هو المستحق للعبادة؛ لأنه الذي فطرني، وخلقني، ورزقني، وإليه مآل جميع الخلق فيجازيهم بأعمالهم، فالذي بيده الخلق، والرزق، والحكم بيد العباد في الدنيا والآخرة، هو الذي يستحق أن يعبد، ويثنى عليه، ويمجد، دون من لا يملك نفعًا، ولا ضرًّا، ولا عطاء، ولا منعًا، ولا موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا" (٢).
ثالثًا: دليل الفطرة التي فطر الله عليها الخلق؛ فإن الله فطر عباده على فطرة تضمنت الإقرار به ومعرفته كما تضمنت محبته والذل له وتوحيده؛ والإقرار والمعرفة سابقة للمحبة والتوحيد وهي فرع عن الإقرار والمعرفة في ذات الفطرة، فدل ذلك على أن الإقرار والمعرفة هما الاصل لما يأتي بعدهما من المحبة والذل والخضوع والتوحيد.
يقول الإمام ابن تيمية: "ومن المعلوم أن وجود حب الله، وخشيته، والرغبة إليه، وتألهه في القلب، فرع وجود الإقرار به، وهذا الثاني مستلزم للأول؛ فإذا كان هذا يكون ضروريًا في القلب، فوجود الإقرار السابق عليه اللازم له أولى أن يكون ضروريًا، فإن ثبوت الملزوم لا يكون إلا مع ثبوت اللازم" (٣).
والملزوم هو حب الله وخشيته والرغبة إليه وتألهه، واللازم هو الإقرار والمعرفة به ، فإذا ثبت الملزوم ثبت اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم (٤).
стр. 668
يوضحه: أن العباد مفطورون على العلم بربوبية الله تعالى قبل علمهم بألوهيته ؛ لأن فقرهم وحاجتهم إلى الربوبية سابق لفقرهم واحتياجهم إليه تعالى في ألوهيته.
يقول الإمام ابن تيمية: "ولما كان علم النفوس بحاجتهم وفقرهم إلى الرب قبل علمهم بحاجتهم وفقرهم إلى الإله المعبود، وقصدهم لدفع حاجاتهم العاجلة قبل الآجلة، كان إقرارهم بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته، وكان الدعاء له، والاستعانة به، والتوكل عليه فيهم أكثر من العبادة له، والإنابة إليه" (١).
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
تضافرت أقوال أهل العلم في تقرير ما دلت عليه القاعدة من كون توحيد الربوبية هو الأصل والمقدمة والواسطة والأساس الذي يأتي بعده توحيد العبادة، وكون الأول هو الدليل الأكبر الباهر الذي يدل ويقود الخلق إلى إفراد الله ﵎ بخالص العبادة، والخضوع، والذل، والمحبة، وفيما يأتي أسوق ما وقفت عليه من تلكم الأقوال التي تؤيد هذا المعنى:
ومما قرره أهل العلم: أن عبادة الله النافعة مشروطة بتحصيل معرفة الله تعالى قبل العبادة؛ لأن من لا يعرف معبوده لا ينتفع بعبادته، فكان الأمر بعبادة الله أمرًا بتحصيل المعرفة أولًا، ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، ثم أتبعه بالدلائل الدالة على وجود الصانع وهو قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إنما حسن ذلك لأن الأمر بالعبادة يتضمن الأمر بتحصيل المعرفة
стр. 669
فلا جرم ذكر ما يدل على تحصيل المعرفة (١).
يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في معرض جوابه عن سؤال تضمن بيان سبب قلة تعريج الشيخ على موضوع الربوبية؛ مع أن موجب الإلهية هو الربوبية، كما تضمن طلب بيان حال من لا يرى أهمية الربوبية، ولا يعتبرها، ويتهاون بها فأجاب بقوله: "سرَّني ما ذكرت من الإشكال، وانصرافك إلى الفكرة في توحيد الربوبية، ولا يخفاك أن التفصيل يحتاج إلى أطول، ولكن ما لا يدرك كله، لا يترك كله، فأما توحيد الربوبية، فهو الأصل ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه، كما قال تعالى، فيمن أقر بمسألة منه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف: ٨٧].
ومما يوضح لك الأمر: أن التوكل من نتائجه، والتوكل من أعلى مقامات الدين، ودرجات المؤمنين؛ وقد تصدر الإنابة والتوكل من عابد الوثن بسبب معرفته بالربوبية، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨]، وأما عبادته سبحانه بالإخلاص دائمًا، في الشدة والرخاء، فلا يعرفونها وهي نتيجة الإلهية، وكذلك الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالكتب، والرسل وغير ذلك؛ وأما الصبر والرضا، والتسليم والتوكيل، والإنابة، والتفويض، والمحبة، والخوف، والرجاء، فمن نتائج توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الالهية، هو: أشهر نتائج توحيد الربوبية" (٢).
فبيّن ﵀ أن توحيد الربوبية هو الأصل، وأن الخلل الحاصل في توحيد العبادة، وصرف العبادة والتأله لغير الله إنما هو بسبب خلل حاصل في توحيد الربوبية، وإلا فإذا سلم توحيد الربوبية من الخلل
стр. 670
والضعف فإن توحيد الإلهية يكون من أعظم ثمراته، وأشهر نتائجه التي تحصل بسببه حتمًا ولا بد.
ويقول الألوسي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾ [الكهف: ١٤]: "وابتدأوا بما يشير إلى توحيد الربوبية لأنه أول مراتب التوحيد والتوحيد الذي أقرت به الأرواح في عالم الذرويون (١)، قال لها سبحانه: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، وفي ذكر ذلك أولًا وذكر الآخر بعده تدرج في المخالفة؛ فإن توحيد الربوبية يشير إلى توحيد الألوهية بناء على أن اختصاص الربوبية به علة لاختصاص الألوهية واستحقاق المعبودية به ، وقد ألزم جل وعلا الوثنية القائلين باختصاص الربوبية بذلك في غير موضع، ولكون الجملة الأولى مشيرة إلى توحيد الألوهية قيل: إن في الجملة الثانية تأكيدًا لها، فتأمل ولا تعجل بالاعتراض" (٢).
ويعتبر الإمام ابن القيم دلالة توحيد الربوبية على توحيد العبادة من أعظم الأدلة وأصحها وأظهرها، لما فيها من موافقة العقول وتقبل الفطر، وكونه لم ينكره أحد من البشر إلا عنادًا واستكبارًا، فيقول: "فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الالهية؛ ولذلك وقع الاحتجاج به في القرآن أكثر مما وقع بغيره؛ لصحة دلالته، وظهورها، وقبول العقول والفطر لها، ولاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبية، وكذلك كان عباد الأصنام يقرون به وينكرون توحيد الإلهية" (٣).
стр. 671
بل إن توحيد العبادة هو ثمرة ونتيجة لتوحيد الربوبية كما صرح بذلك الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ ﵀ حيث يقول: "لأن فيها التبرؤ من الحول والقوة والمشيئة بدون حول الله وقوته ومشئته، والإقرار بقدرته على كل شيء، وبعجز العبد عن كل شيء إلا ما أقدره عليه ربه، وهذا نهاية توحيد الربوبية الذي يثمر التوكل وتوحيد العبادة" (١).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ مبينًا كون توحيد الربوبية هو الدليل على توحيد العبادة: "ففيه التبري من الحول والقوة والمشيئة بدون حول الله وقوته ومشيئته، وهذا هو التوحيد في الربوبية، وهو الدليل على توحيد الإلهية الذي هو إفراد، الله تعالى بجميع أنواع العبادة، وهو توحيد القصد والإرادة" (٢).
ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في معرض جوابه عن سؤال في شرك الربوبية والألوهية: "ولهذا توحيد الربوبية هو الدليل على توحيد الألوهية، ولا يمكن أَحدًا أَن يقر بتوحيد الإلهية ويجحد توحيد الربوبية أَبدًا، وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في بعض مؤلفاته كلامًا معناه: أَما توحيد الربوبية فهو الأصل الأَصيل" (٣).
ويصف الشيخ السعدي الإقرار بتوحيد الربوبية بأنه من أعظم الأدلة العقلية على توحيد الباري جل في علاه فيقول: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾: أن الله ليس له شريك، ولا نظير، لا في الخلق والرزق والتدبير، ولا في العبادة، فكيف تعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم بذلك، هذا من أعجب العجب، وأسفه السفه، وهذه الآية جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن عبادة ما سواه، وبيان الدليل الباهر على وجوب عبادته
стр. 672
وبطلان عبادة من سواه، وهو ذكر توحيد الربوبية المتضمن لانفراده بالخلق والرزق والتدبير، فإذا كان كل أحد مقرًا بأنه ليس له شريك في ذلك، فكذلك فليكن الإقرار بأن الله ليس له شريك في العبادة وهذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري وبطلان الشرك" (١).
ويقول ﵀: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾؛ أي: فكيف يصرفون عن عبادة الله، والإخلاص له وحده، فإقرارهم بتوحيد الربوبية يلزمهم به الإقرار بتوحيد الألوهية، وهو من أكبر الأدلة على بطلان الشرك" (٢).
وإذا بطل الشرك في الألوهية ثبت التوحيد في العبادة.
ويصرح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ في بعض فتاواه بما تضمنه لفظ القاعدة، مؤكدًا أهمية توحيد الربوبية، ومكانته من الدين فيقول: "والله سبحانه أنزل الكتب وأرسل الرسل ليعبد وحده لا شريك له، وليبين حقه لعباده، ويذكر للعباد ما هو موصوف به سبحانه من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، ليعرفوه جل وعلا بأسمائه وصفاته وعظيم إحسانه، وكمال قدرته، وإحاطة علمه جل وعلا، وما ذاك إلا لأن توحيد الربوبية هو الأساس والأصل لتوحيد الالهية والعبادة، فلهذا بعثت الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وأنزلت الكتب السماوية من الله لبيان صفاته وأسمائه وعظيم إحسانه، وبيان استحاقه أن يعظم ويدعى ويسأل جل وعلا، حتى تخضع الأمم لعبادته وطاعته، وحتى تنيب إليه، وحتى لعبده دون كل ما سواه جل وعلا، وهذا موجود كثيرًا في كتاب الله ، وقد ذكر الله ذلك عن كثير من رسله - عليهم الصلاة والسلام - " (٣).
стр. 673
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
يؤخذ من القاعدة ويستفاد منها بعض الفوائد منها ما يلي:
أولًا: دلت القاعدة على أهمية توحيد الربوبية، ومكانته العظيمة؛ وذلك لكونه أصلًا وأساسًا لتوحيد العبادة، ولا تخفى مكانة توحيد العبادة في دين الإسلام فكيف بأصله وأساسه الذي يقوم عليه ولا يصح بدونه، بل لا يكمل توحيد الألوهية ويحصل تحقيقه في القلب بدون تحقيق توحيد الربوبية.
يقول أبو حيان: "لأن التوحيد هو الأصل والعبادة فرعه" (١).
ثانيًا: قرَّر أهل العلم ﵏ قاعدة قرآنية بنوها على استقراء القرآن وما ثبت من إقرار المشركين بتوحيد الربوبية وعدم إنكارهم له، وأنه لم ينكره أحد من البشرية إلا على جهة العناد والاستكبار، وهذه القاعدة هي أن الاستفهامات الواردة في القرآن الكريم والمتعلقة بالربوبية هي استفهامات تقرير وليست استفهامات إنكار.
يقول الإمام ابن أبي العز: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ [النمل: ٦٠]؛ أي: أإله مع الله فعل هذا، وهذا استفهام إنكار يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله، فاحتج عليهم بذلك، وليس المعنى أنه استفهام: هل مع الله إله؟ كما ظنه بعضهم؛ لأن هذا المعنى لا يناسب سياق الكلام، والقوم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى" (٢).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "ولأجل ذلك ذكرنا في غير هذا الموضع أن كل الأسئلة المتعلِّقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير،
стр. 674
يراد منها أنهم إذا أقروا رتب لهم التوبيخ، والإنكار على ذلك الإقرار؛ لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة نحو قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وإن زعم بعض العلماء أن هذا استفهام إنكار؛ لأن استقراء القرآن دلَّ على أن الاستفهام المتعلِّق بالربوبية استفهام تقرير، وليس استفهام إنكار؛ لأنهم لا ينكرون الربوبية كما رأيت كثرة الآيات الدالة عليه" (١).
يقول الإمام ابن تيمية: "ولما كان علم النفوس بحاجتهم وفقرهم إلى الرب قبل علمهم بحاجتهم وفقرهم إلى الإله المعبود، وقصدهم لدفع حاجاتهم العاجلة قبل الآجلة، كان إقرارهم بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته، وكان الدعاء له، والاستعانة به، والتوكل عليه فيهم أكثر من العبادة له، والإنابة إليه.
ولهذا إنما بعث الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، الذي هو المقصود المستلزم للإقرار بالربوبية، وقد أخبر عنهم أنهم لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله وأنهم إذا مسهم الضر ضل من يدعون إلا إياه وقال وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فأخبر أنهم مقرُّون بربوبيته وأنهم مخلصون له الدين إذا مسهم.
الضر في دعائهم واستعانتهم ثم يعرضون عن عبادته في حال حصول أغراضهم وكثير من المتكلمين إنما يقرون الوحدانية من جهة الربوبية وأما الرسل فهم دعوا إليها من جهة الألوهية وكذلك كثير من المتصوفة المتعبدة وأرباب الأحوال إنما توجههم إلى الله من جهة ربوبيته لما يمدهم به في الباطن من الأحوال التي بها يتصرفون وهؤلاء من جنس الملوك وقد ذم الله في القرآن هذا الصنف كثيرًا فتدبر هذا فإنه تنكشف به أحوال قوم يتكلمون في الحقائق ويعملون عليها وهم لعمري
стр. 675
في نوع من الحقائق الكونية القدرية الربوبية لا في الحقائق الدينية الشرعية الإلهية وقد تكلمت على هذا المعنى في مواضع متعددة وهو أصل عظيم يجب الاعتناء به والله سبحانه أعلم" (١).
стр. 676
الفصل السادس
القواعد المتعلقة برد البدع
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: قاعدة: العبادات توقيفية.
المبحث الثاني: قاعدة: اعتبار ما صدر عن النبي ﷺ
عبادة موقوف على قصده التعبد.
المبحث الثالث: قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد.
стр. 677
المبحث الأول
قاعدة العبادات توقيفية
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة
سبق بيان معنى العبادة فيما مضى من قواعد.
معنى توقيفية: مشتقة من الفعل الثلاثي (وقف)، فالواو والقاف والفاء: أصل واحد يدل على تمكث في شيء ثم يقاس عليه منه، يقال: وقف يقف وقوفًا وموقفًا بالمكان: دام قائمًا، وهو خلاف الجلوس والسكون بعد المشي، ووقف فلانًا على سوء صنعه: أطلعه عليه، ووقف وقوفًا على ما عنده: فهمه وتبينه، ووقف القارئ على الكلمة وقوفًا: علم مواقع الوقوف، ووقف عليه: عاينه وأحاط به، ووقف الدابة وفلانًا عن الشيء: منعه عنه، ووقف الأمر على حضور فلان: علق الحكم فيه بحضوره، ووقف الدار ونحوها: حبسها في سبيل الله، وتوقف عن كذا: امتنع وكف، وتوقف عليه: تثبت، وتوقف فيه: تمكث وانتظر، واستوقفه: سأله الوقوف وحمله عليه، والتوقيف: نصف الشارع المتعلق ببعض الأمور (١).
стр. 678
فالتوقيفية: نسبة إلى التوقيف؛ أي: أن العبادة مبنية على الوقف والمنع والحبس والمكث والانتظار حتى يجيء النص الشرعي من الله ﵎.
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
القاعدة تضمنت الدلالة على إحدى الأصول العظيمة من أصول الإسلام، بعد إفراده تعالى بالعبادة دون عبادة ما سواه، ألا وهو عبادة الله تعالى على وفق ما شرع في كتابه، أو على لسان رسوله محمد ﷺ .
يقول الإمام ابن تيمية: "العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع؛ فإن الإسلام مبني على أصلين: أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له، والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ " (١).
والحاصل أن العبادة ممنوعة ومحظورة وموقوفة ومحبوسة حتى يأتي الإذن بها من الله ﵎.
فالله تعالى هو المعبود، وهو الذي أمر بعبادته، وعبادته حقه الذي لا يشركه فيه أحد من الخلق، وعليه فلا يعبد إلا كما يريد ويحب ، كما أنه تعالى هو الخالق للبشر ولعقولهم، المحيط بكل شيء، العالم بدقائق الأمور وغوامضها، الرحيم بعباده فيما شرع وأمر، فلا يأمر عباده إلا بما فيه الخير والبركة لهم (٢).
فلا مجال لاختراع العقول والاستدراكات والقياسات العقلية فيما يتعلق بعبادته ؛ إذ العقول مختلفة ومتباينة، وإذا أوقفت العبادة على العقول، فما من عقل من عقول البشر إلا وله تصور وميول وإردة تختلف
стр. 679
عن الآخر، والنتيجة وجود عبادات لا حد لها ولا حصر في أعدادها، وأوقاتها، وكيفياتها، وشروطها وأركانها، وعليه فيعبد كل إنسان ما تهواه نفسه، ويشتهيه قلبه، ويزينه له عقله (١).
ولذا جاء الشرع بوقف العبادات على النصوص الشرعية من الكتاب أو السُّنَّة، فكل عبادة خلت من هذا الختم العظيم فلا اعتبار بها، ولا ثواب عليها، بل صاحبها مستحق للعقوبة في الدنيا والآخرة.
يقول الإمام ابن تيمية: "ومعلوم أن من شرع عبادة يتقرب بها إلى الله، ويجعلها وسيلة له إلى الله، يرجو عليها ثواب الله؛ إما واجبة أو مستحبة، فلا بد أن يكون من الدين الذي شرعه الله وأمر به، وإلَّا كان حظ صاحبها الإبعاد والطرد، ولهذا قال الفقهاء: العبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع وقد قال الله لنبيه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾، [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]، فهو داع إلى الله بإذن الله لا من تلقاء نفسه بل أُمِر" (٢).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
المتأمل في نصوص الشريعة يجد الأدلة العديدة، والواضحة في تأييد هذه القاعدة العظيمة، وفيما يأتي أذكر بعض النصوص المؤيدة والمقررة لما دلت عليه القاعدة:
أولًا: النصوص الواردة في أمر الله تعالى لنبيه محمد ﷺ بالاستقامة على الدين، واتباع ما جاءه من عند ربه سبحانه، وتصريحه ﷺ بأنه متبع لوحي الله ﵎، ولا شك أن عبادة الله تعالى هي أعظم
стр. 680
ما أمر النبي ﷺ بالاستقامة عليه واتباعه، ومن تلك النصوص:
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]، وقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]، وقال عن نبيه ﵇: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ [الأحقاف: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٣].
وكلمة الاستقامة كلمة جامعة في كل ما يتعلق بالعقائد والأقوال والأعمال؛ سواء كان مختصًا به، أو كان متعلقًا بتبليغ الوحي وبيان الشرائع (١).
فيدخل في ذلك: جميع ما أمره به، وجميع ما نهاه عنه؛ لأنه قد أمره بتجنب ما نهاه عنه، كما أمره بفعل ما تعبده بفعله (٢).
والواجب على الخلق كلهم اتباع محمد ﷺ ، فلا يعبدون إلا الله، ويعبدونه بشريعة محمد ﷺ لا بغيرها (٣).
يقول الإمام ابن القيم في معنى الآية: "فقسم الأمر بين الشريعة التي جعله هو سبحانه عليها، وأوحى إليه العمل بها، وأمر الأمة بها، وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون؛ فأمر بالأول، ونهى عن الثاني" (٤).
ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في قوله تعالى: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾: "أمرني ربي ، فدل على أن العبادات توقيفية، لا يصلح منها شيء إلا بأمر الله " (٥).
ثانيًا: حديث عائشة -رضى الله عنها- قالت: قال رسول ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ
стр. 681
فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ" (١).
هذا الحديث أصل من أصول الإسلام كما نص على ذلك بعض أهل العلم، وهو دال على أن الإحداث في العبادات بما يخالف الشرع يقضي ببطلانها وردها؛ لأنها والحالة هذه تكون العبادة قد خرجت عن أمر النبي ﷺ وفعله وتقريره، وخالفت ما أجمع عليه صحابته الكرام -رضوان الله عليهم- فكان عاقبتها الرد وعدم القبول، وهذا يدل دلالة صريحة على أن العبادة مبنية على التوقيف من صاحب الشريعة ﷺ .
يقول الإمام ابن رجب ﵀: "فقوله ﷺ "كلُّ بدعة ضلالة" (٢)، من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيءٌ، وهو أصلٌ عظيمٌ من أصول الدِّين، وهو شبيهٌ بقوله: "مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا ما لَيْسَ مِنْهُ فهو رَدٌّ"، فكلُّ من أحدث شيئًا، ونسبه إلى الدِّين، ولم يكن له أصل من الدِّين يرجع إليه، فهو ضلالةٌ، والدِّينُ بريءٌ منه، وسواءٌ في ذلك مسائلُ الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة" (٣).
فالأصل في العبادة أنها مبنية على الأمر والطلب، فإذا لم تطلب
стр. 682
من العبد كان فعلها سدى؛ لأنَّها على خلاف الأمر والتكليف، بل لا تنعقد من أصلها، وهي مردودة على صاحبها.
ثالثًا: ما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁: (أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك) (١).
يقول الإمام ابن تيمية: "ولهذا قال الفقهاء العبادات مبناها على التوقيف كما في "الصحيحين" عن عمر بن الخطاب" (٢)، ثم ذكر حديث عمر.
فاستدل ﵀ بالحديث على القاعدة، ووجه ذلك: أن عمر ﵁ أوقف فعله وتقبيله على رؤيته للنبي ﷺ ، فتبرأ ﵁ من فعل التقبيل في حال أنه لم يثبت لديه فعل النبي ﷺ لذلك.
* المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد حرص أهل العلم أشد الحرص على بيان هذه القاعدة الشرعية، واستعملوها في ردِّهم لكثير من البدع والحيل، وفيما يأتي أنقل بعض ما وقفت عليه من أقوال تؤيد معنى القاعدة، وتقرر مفهومها الذي دلت عليه:
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن العبادة مبناها على الإذن من الشارع" (٣).
ويقول ﵀ أيضًا: "والعبادة مبناها على التوقيف والإتباع لا على الهوى والابتداع" (٤).
стр. 683
ويقول الإمام ابن كثير: "وباب القربات يُقْتَصَرُ فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء" (١).
ويقول الشيخ الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "وتقرير ذلك أن العبادات توقيفية، فلا يقال: هذه العبادة مشروعة إلا بدليل من الكتاب والسُّنَّة والإجماع، ولا يقال: إن هذا جائز من باب المصلحة المرسلة، أو الاستحسان، أو القياس، أو الاجتهاد؛ لأن باب العقائد، والعبادات، والمقدرات؛ كالمواريث، والحدود لا مجال لتلك فيها" (٢).
ويقول ﵀ أيضًا في حكم اتخاذ الأعياد: "وعلى هذا فتخصيص يوم من الأيام وتمييزه على غيره بشيء من الطاعات أمر توقيفي، إنما يصار في معرفته إلى الشريعة المطهرة، ولم تخصص الشريعة يومًا من الأيام باتخاذه عيدًا للإسلام سوى يومي العيدين؛ عيد الفطر، وعيد النحر، وما يتبعه من أيام التشريق الثلاثة، وسوى العيد النسبي وهو يوم الجمعة، فإنه عيد الأسبوع، فليس للمسلمين أن يتخذوا عيدًا سواها" (٣).
ويقول الإمام عبد العزيز بن باز: "لأن العبادات توقيفية لا يشرع فيها إلا ما دل عليه الكتاب والسُّنَّة، أما أقوال الناس وآراؤهم فلا حجة فيها إذا خالفت الأدلة الشرعية، وهكذا المصالح المرسلة لا تثبت بها العبادات، وإنما تثبت العبادة بنص من الكتاب أو السُّنَّة أو إجماع قطعي" (٤).
ويقول العلامة العثيمين: "فالعبادات مبناها على الأمر، فما لم
стр. 684
يثبت فيه أمر الشارع، فهو بدعة، فمن تعبد بعبادة طولب بالدليل؛ لأن الأصل في العبادات الحظر والمنع، إلا إذا قام الدليل على مشروعيتها" (١).
وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في معنى قوله تعالى: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٣]: "أمرني ربي ، فدلّ على أن العبادات توقيفيّة، لا يصلح منها شيء إلَّا بأمر الله " (٢).
وجاء في فتاوى لجنة الإفتاء: "والعبادات مبناها على الأمر والنهي والاتباع" (٣).
* المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
لقد فرَّعَ أهل العلم بعض الفروع والجزئيات والمسائل على هذه القاعدة، واستفادوا منها في إبطال كثير من البدع والضلالات، وفيما يأتي أتناول بعض ما ذكره أهل العلم من فروع ومسائل متعلقة بالقاعدة، أو ظهر لي من خلال كلامهم:
أولًا: أن شرط التوقيف الوارد في القاعدة يتضمن عدة أمور زائدة على أصل العبادة، وهذه لا بد من مراعاتها حتى تكون العبادة صحيحة ومقبولة عند الله ﵎، فما من عبادة إلا وهي مفتقرة إلى إذن شرعي في عدة أمور لكي تصبح عبادة شرعية يتقرب بها العبد إلى الرب تعالى وتقدس، ومن تلك الأمور ما يلي:
الأول: السبب: فإذا تعبد لله تعالى بعبادة مقرونة بسبب غير شرعي
стр. 685
فهي بدعة مردودة على صاحبها، مثل إحياء ليلة السابع والعشرين من رجب بالتهجد، بحجة أنها ليلة الإسراء والمعراج، فالتهجد عبادة، لكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة لكونه بني على سبب لم يثبت شرعًا.
الثاني: الجنس: فلا بد أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها؛ فلو تعبد إنسان لله بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة؛ كمن يضحي بفرس فلا يصح؛ لأنَّه خالف الشريعة في الجنس، فالأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام على الراجح من أقوال أهل العلم.
الثالث: القَدْر: فلو زاد صلاة سادسة على أنها فريضة فهذه بدعة غير مقبولة؛ لأنَّها مخالفة للشرع في القدر، ومن باب أولى لو صلى الظهر خمسًا فصلاته باطلة.
الرابع: الكيفية: فلو توضأ فبدأ بغسل رجليه، ثم مسح رأسه، ثم غسل يديه، ثم وجهه فنقول: وضوؤه باطل؛ لأنَّه مخالف للشرع في الكيفية، وذلك على الراجح خلافًا لبعض الفقهاء ممن يصحح عدم الترتيب.
الخامس: الزمان فلو ضحى في أول أيام ذي الحجة فلا تقبل الأضحية لمخالفة الشرع في الزمان.
السادس: المكان: فلو اعتكف في غير مسجد فإن اعتكافه لا يصح، وذلك لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد (١).
ثانيًا: دلت القاعدة على أن العبادة موقوفة على الإذن الشرعي بها من صاحب الشريعة، ولا يكفي دخول العبادة تحت دليل ونص عام، بل لا بد من الدليل الخاص بهذه العبادة.
يقول الإمام ابن دقيق العيد (٢) ﵀ في كلامه على حرمة إحداث
стр. 686
الأعياد: "قد منعنا إحداث ما هو شعار في الدين، ومثاله ما أحدثته الروافض من عيد ثالث سموه عيد الغدير، وكذلك الاجتماع وإقامة شعاره في وقت مخصوص، على شيء مخصوص لم يثبت شرعًا، وقريب من ذلك أن تكون العبادة من جهة الشرع مرتبة على وجه مخصوص، فيريد بعض الناس أن يحدث فيها أمرًا آخر لم يرد به الشرع زاعمًا أن يدرجه تحت عموم، فهذا لا يستقيم؛ لأن الغالب على العبادات التعبد، ومأخذها التوقيف.
وهذه الصورة حيث لا يدل دليل على كراهة ذلك المحدث أو منعه؛ فأما إذا دل فهو أقوى في المنع وأظهر من الأول، ولعل مثال ذلك: ما ورد في رفع اليدين في القنوت، فإنه قد صح رفع اليد في الدعاء مطلقًا، فقال بعض الفقهاء: يرفع اليد في القنوت؛ لأنه دعاء، فيندرج تحت الدليل المقتضي لاستحباب رفع اليد في الدعاء مطلقًا، وقال غيره: يكره؛ لأن الغالب على هيئة العبادة التعبد والتوقيف، والصلاة تصان عن زيادة عمل غير مشروع فيها، فإذا لم يثبت الحديث في رفع اليد في القنوت كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن عمل لم يشرع أخص من الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء" (١).
فالواجب عدم الاكتفاء بالدليل العام على جواز التعبد بأمور محدثة، بل لا بد من طلب الدليل الخاص على كل عبادة بذاتها، وهذا هو المنهج الذي سار عليه سلف هذه الأمة كما هو ظاهر للمتأمل (٢).
стр. 687
ويقول ﵀ في ترجيح المطالبة بالدليل الخاص في كل عبادة: "ويحتمل أن يقال: إن هذه الخصوصيات بالوقت أو بالحال والهيئة والفعل المخصوص يحتاج إلى دليل خاص يقتضي استحبابه بخصوصه، وهذا أقرب والله أعلم" (١).
ولا يلزم أن ما كان قربة في عبادة من العبادات من الصفات والهيئات يكون قربة بدون اقترانه بتلك العبادة، أو مع اقترانه بعبادة أخرى غير التي جاء النص بها.
وقد بيَّن الإمام ابن رجب هذه المسألة بتوسع فقال: "فأما العبادات؛ فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وهذا كمن تقرب إلى الله تعالى بسماع الملاهي، أو بالرقص، أو بكشف الرأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسوله التقرب بها بالكلية، وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا، فقد (رأى النبي ﷺ رجلًا قائمًا في الشمس فسأل عنه فقيل: إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم فأمره النبي ﷺ أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه) (٢)، فلم يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفي بنذرهما، ... مع أن القيام عبادة في مواضع أخر؛ كالصلاة، والأذان، والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربة للمحرم، فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن يكون قربة
стр. 688
في كل المواطن، وإنما يتبع في ذلك كله ما وردت به الشريعة في مواضعها. وكذلك من تقرب بعبادة نهي عنها بخصوصها؛ كمن صام يوم العيد، أو صلى وقت النهي، وأما من عمل عملًا أصله مشروع وقربة ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع، أو أخل فيه بمشروع فهذا أيضًا مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخل به، أو إدخال ما أدخل فيه ... ، وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع فزيادته مردودة عليه؛ بمعنى أنها لا تكون قربة ولا يثاب عليها" (١).
ثالثًا: تضمنت القاعدة أن الأذكار الشرعية، والأوراد والأدعية مبنية على التوقيف، فلا يجوز أن يزاد عليها، ولا أن ينقص منها شيئًا، بل الواجب المحافظة عليها كما علمها النبي ﷺ لأصحابه من بعده.
يقول الإمام النووي ﵀: "فإن ألفاظ الأذكار يحافظ فيها على الثابت عن النبي ﷺ " (٢).
ويقول الإمام ابن تيمية ﵀: "لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فالأدعية والأذكار النبوية هي أقل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء، وسالكها على سبيل أمان وسلامة، والفوائد والنتائج التي تحصل لا يعبر عنه لسان، ولا يحيط به إنسان" (٣).
ومن أصرح الأدلة الدالة على المنع من تغيير ألفاظ الأذكار النبوية ما جاء عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل اللَّهُمَّ أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك،
стр. 689
رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللَّهُمَّ آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به، قال فرددتها على النبي ﷺ فلما بلغت: اللَّهُمَّ آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت: ورسولك، قال: لا؛ ونبيك الذي أرسلت" (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀ فى معنى حديث البراء: "وأولى ما قيل في الحكمة في رده ﷺ على من قال الرسول بدل النبي: إن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، وهذا اختيار المازري، قال: فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحي إليه بهذه الكلمات فيتعين أداؤها بحروفها" (٢).
وهكذا نجد أهل العلم يقررودن أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ويعلل بعضهم ذلك باحتمال وجود معنى خاص وسر معين في صيغة الألفاظ النبوية (٣).
يقول الحافظ السخاوي (٤): "بل الاستدلال به لمجرد المنع ممنوع؛
стр. 690
بأن ألفاظ الأذكار توقيفية، فلا يدخلها القياس، بل يجب المحافظة على اللفظ الذي جاءت به الرواية؛ إذ ربما كان فيه خاصية وسر لا يحصل بغيره" (١).
ويقول المناوي في معنى حديث البراء: "لأن ألفاظ الأذكار توقيفية في نفس اللفظ وتقدير الثواب، فربما كان في اللفظ سر ليس في الآخر ولو كان مرادفه في الظاهر، أو لعله أوحي إليه بهذا اللفظ فرأى أن يقف عنده" (٢).
وأما ما كان من الأذكار التي لم ترد بها السُّنَّة، ولا فعلها الصحابة ﵃ فهذه يحرم فعلها والتزامها، وهي من المحدثات والبدع التي لا خير فيها بلا شك.
يقول الإمام ابن تيمية: "وما سواها من الأذكار، قد يكون محرَّمًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون فيه شرك ما لا يهتدي إليه أكثر الناس، وهي جملة يطول تفصيلها.
وليس لأحد أن يسن للناس نوعًا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به، بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله للناس سنة، فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمن معنى محرمًا لم يجز الجزم بتحريمه، لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به، وهذا كما أن الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت، فهذا وأمثاله قريب.
وأما اتخاذ ورد غير شرعي، واستنان ذكر غير شرعي فهذا مما ينهى عنه، ومع هذا ففي الأدعية الشرعية، والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة، ونهاية المقاصد العلية، ولا يعدل عنها إلى غيرها
стр. 691
من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو مفرط أو متعد" (١).
فالجاهل يجب عليه أن يتعلم هدي النبي ﷺ ، والمفرط عاقبته الحسرة والندامة بما فرط في جنب الله، أما المتعدي فتتلى عليه نصوص الوعيد والزجر فيمن تعدى حرمات الله وانتهكها، فإن نفع ذلك وإلا كان حقه العقاب الشديد، والتأديب البليغ.
فالحاصل أن جميع العبادات؛ كالذكر وغيرها كلها توقيفية، فلا مجال فيها للاجتهاد، واختراع العقول، بل لا بد من لزوم سنة صاحب الشريعة؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، والتقرب إلى الله بتشريع شيء لم يشرعه الله تعالى من أعظم الاعتداء على حق الله تعالى في التشريع، ومنازعته لله تعالى في حكمه.
يقول الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] فقال: "من الشرك، والبدع، وتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، ونحو ذلك، مما اقتضته أهواؤهم، مع أن الدين لا يكون إلا ما شرعه الله تعالى، ليدين به العباد، ويتقربوا به إليه، فالأصل الحجر على كل أحد أن يشرع شيئًا ما جاء عن الله ولا عن رسوله" (٢).
رابعًا: ومما يستفاد من القاعدة عدم اتخاذ شيء من الأعمال الدينية العبادية، وجعلها أسبابًا لأمور وأغراض دنيوية إلا أن يكون مأذونًا بها من صاحب الشريعة، فإذا لم يأت الإذن من الشارع كانت أسبابًا باطلة، وكان صاحبها مستحقًا للعقوبة حسب إحداثه في الدين ما لم يأذن به الله.
يقول الإمام ابن تيمية: "الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ شيء منها سببًا للدنيا، إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادة مبناها على الإذن من
стр. 692
الشارع، فلا يجوز أن يشرك بالله فيدعو غيره وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه، وكذلك لا يعبد الله بالبدع وإن ظن في ذلك ثوابًا؛ فإن الشيطان قد يعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وقد يحصل له بالكفر والفسق والعصيان بعض أغراضه فلا يجوز له ذلك" (١).
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "فإن العبادات مبناها التوقيف، ولا سيما إذا نسب أمر إلى هديه وشرعه وسنته، والعقل لا مدخل لاستحسانه واستقباحه في الدين، وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعًا مأمورًا به، فقد كان رسول الله ﷺ يُسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلًا، وتكون المسألة محرمة في حق السائل، حتى قال ﷺ : "إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارًا، قالوا: يا رسول الله فلم تعطهم قال: يأبون إلا أن يسألوا ويأبى الله لي البخل" (٢) " (٣).
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "وليس في إنزال المطر إذا كشفت أجساد الأنبياء أو قبورهم ما يستدل به على جواز التوسل الشركي بهم، فإن الأمر الشرعي والعبادات الدينية توقيفية، لا يجوز إحداثها نظرًا إلى الأسباب القدرية الكونية؛ فإن أسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله أعيانًا وأنواعًا، وليس كل سبب منها دينيًا، شرعيًا، محمديًا عليه رسم المدينة" (٤).
стр. 693
خامسًا: نصت القاعدة على الفارق الرئيس بين العبادات والعادات؛ من بيع وشراء وعقود ومعاملات، فالعبادات مبناها على التوقيف والأمر من الله تعالى، فالأصل في العبادة الحرمة التي قد تصل بالعبادة إلى حد الفساد والبطلان والرد حتى يأتي الدليل القاطع بها، بخلاف العادات فالأصل فيها الجواز والصحة حتى يقوم المانع الشرعي المبطل لها.
يقول الإمام ابن تيمية: "تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشيعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله، أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله ؛ وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه عبادة، وما لم يثبت من العبادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور، ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا شرعه الله تعالى وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩]، ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا ما لم يحرمه" (١).
ويقول الإمام ابن القيم: "فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم، والفرق بينهما: أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما
стр. 694
شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو، ورضي به، وشرعه.
وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، ولهذا نعى الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين، وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما لم يشرعه، وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوًا، لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله؛ فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه، وما سكت عنه فهو عفو، فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها؛ فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال، فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه" (١).
ويقول ابن الحاج: "فليست العبادة بالعادة، ولا بالاستحسان، ولا بالاختيار، وإنما هي راجعة إلى امتثال أمر المولى ، مع بيان رسوله المعصوم في الحركات والسكنات -صلوات الله عليه وسلامه-، فحيث مشى مشينا، وحيث وقف وقفنا، وكذلك يتعين الرجوع إلى ما استنبطه العلماء، وأفادوه من كتاب الله وحديث رسوله ﷺ مما للقياس فيه مدخل" (٢).
سادسًا: ومما يستفاد من القاعدة أنه لا يجوز التعبد لله تعالى إلا بما هو عبادة مشروعة من الله تعالى أو رسوله ﷺ ، وعليه فلا يجوز التعبد بما هو مباح أو جائز فيجعل عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، فإن هذا من أعظم التلبيس والافتراء على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ ، وهو داخل في وعيد قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
стр. 695
يقول الإمام ابن تيمية: "وهذا أصل عظيم من أصول الديانات" وهو التفريق بين المباح الذي يُفعل لأنه مباح، وبين ما يتخذ دينًا وعبادة وطاعة وقربة واعتقادًا ورغبة وعملًا؛ فمن جعل ما ليس مشروعًا، ولا هو دينًا، ولا طاعة، ولا قربة، جعله دينًا، وطاعة، وقربة، كان حرامًا باتفاق المسلمين" (١).
стр. 696
المبحث الثاني
قاعدة اعتبار ما صدر عن النبي ﷺ عبادة موقوف على قصده التعبد
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى* معنى القاعدة
من المعلوم المستقر في العقول، ولا ينكره إلا من جهل أحوال النفوس البشرية، وما فطرت عليه من الطبائع الجبلية أن التأسي بافعال العظماء واتباعهم عليها من الأسرار العميقة المبثوثة في طباع البشر، لا يقدرون على الانفكاك عنه بوجه ولا بحال، لا سيما عند الاعتياد والتكرار، وخاصة إذا صادف محبة وميلًا إلى المتأسي به، ومتى وَجَدْتَ التأسي بمن هذا شأنه مفقودًا في بعض الناس فاعلم أنه إنما تُرِكَ لتأسٍ آخر أعظم في النفس من الأول (١).
ومن أعظم هؤلاء العظماء المتبوعين الذين حظيت بهم البشرية عبر تأريخها الطويل هو رسول الإسلام محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، الذي عظم الله قدره، وأعلى شأنه، وأوجب على
стр. 697
الأمة اتباعه، وجعله خير أسوة، وأعظم قدوة، وأحسن مثال، وخير متبوع، بل جعل اتباعه والسير على منهاجه من أعظم الطاعات، وأفضل القرب، وأرجى الأعمال عند الملك الديَّان يوم يبعث الأبدان.
ولذا كان من أعظم خصائصه ﷺ أن الله تعالى فرض طاعته واتباعه على العالم فرضًا مطلقًا، وأوجب على الناس كافة التأسي به قولًا واعتقادًا، وفعلًا وتركًا، بلا قيد فيه، ولا شرط، ولا استثناء، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨] (١).
ومع كل هذا الثناء والتمجيد، والتعظيم والإعزاز لم يخرج النبي ﷺ عن حد الطبيعة البشرية، ولا عن حيز الجبلة الإنسانية التي فطره الله عليها، فهو كسائر البشر فيما يتعلق بهذه الأمور إلا ما ثبت بالنص اختصاصه بأشياء لا يشركه فيه غيره.
فهو ﵇ كغيره في الخصائص البشرية؛ لكونه يأكل ويشرب، ويجوع ويعطش، وينام ويتعب، ويمشي ويسافر، ويركب الدابة، ويتزوج النساء، ويمرض ويموت، وغير ذلك مما هو من خصائص البشر التي لا ينفكون عنها بحال، ولا يستغنون منها.
وهنا يأتي التساؤل الهام على ضوء ما سبق من وجوب الاقتداء والتأسي بالنبي ﷺ مطلقًا، وهل يشرع لنا التعبد بجميع أفعاله الصادرة
стр. 698
منه؛ سواء كانت تعبدية أم جبلية وعادية، والتي فعلها ﷺ بحكم الاتفاق بدون تقصد لقربة أو نية لتعبد؟.
وبمعنى آخر: متى يكون فعله ﷺ عبادة شرعية، وتكون أمته من بعده متعبَّدة لله تعالى باتباعه والتأسي به فيها، ويترتب على ذلك الثواب والعقاب.
ولقد بذل العلماء -لا سيما علماء الأصول- جهدًا كبيرًا في بحث هذه المسألة واستقصاء أحوالها الشائكة مع كثرتها وتشابهها ضمن كلامهم على أفعال النبي ﷺ عمومًا، فتكلموا على أنواعها، وأحوالها، وتقاسيمها، ولأجل توضيح المسألة أذكر لمحة سريعة مختصرة فيما يتعلق بأفعاله ﷺ (١)، مع العلم أن بعضها ليس موضع اتفاق بين أهل العلم، بل وقع فيها الخلاف بينهم.
يقول الدكتور الأشقر ملخصًا أحوال أفعال النبي ﷺ : "فعل
النبي ﷺ : إما متعلق بغيره وهو الفعل المتعديّ، أو قاصر عليه. وفعله
القاصر عليه إما أن يصدر عنه لداعي الجبلة، أو اتباعًا للعادة، أو لتقديره فيه منفعة أو دفع مضرة، أو هو تابع للشرع. وفعله التابع للشرع إما معجز أو غير معجز. وفعله غير المعجز إما أن يفعله لأنه مطلوب منه خاصة وهي الخصائص النبوية، أو هو مشترك بيننا وبينه. والمشترك إما أن يعلم أنه متعلق بوحي معين، يفعله بغرض تبيين مجمل في ذلك الوحي أو مشكل وارد فيه، أو لمجرد امتثال الأمر الإلهي في ذلك الوحي، وإما أنه لا يعلم تعلقه بوحي معين، والذي لا يعلم تعلقه به إما أن يفعله مؤقتًا لانتظار الوحي، وإما أن يفعله على غير ذلك الوجه، وهو
стр. 699
الفعل المبتدأ المجرد" (١).
وقال بعد ذلك في معنى هذه الأقسام: "إن الفعل الجبلي والعادي والدنيوي لا قدوة فيها، ولا تدل على أكثر من الإباحة، والفعل المعجز والخاص كذلك لا قدوة فيهما، لما فيهما من معنى الاختصاص به ﷺ ، والفعل البياني والامتثالي يقتدى بهما، والمؤقت لانتظار الوحي لا قدوة فيه إذا جاء الوحي بخلافه، والمجرد فيه تفصيل، يعلم في موضعه" (٢).
والقاعدة نصت على أن المرجع في اعتبار كون الفعل الصادر من النبي ﷺ عبادة هو تضمنه لقصد التعبد، فما فعله النبي ﷺ على وجه العبادة والتقرب إلى الله تعالى كان في حق الأمة كذلك، وما فعله بحكم الجبلة والعادة الدنيوية ولم يقصد به تعبدًا ولا تشريعًا للأمة فلا يدخل في حكم العبادة.
ويدخل في ذلك النية والقصد في صفة العبادة كذلك؛ فما فعله بقصد الوجوب كان فعله في حق أمته على أنه واجب، وما فعله بقصد الندب كان فعله على جهة الندب، وما تركه تعبدًا كان تركه في حق الأمة عبادة، وما تركه لحرمته تعين على الأمة تركه على اعتبار حرمته، وهكذا ما تركه كراهة وتنزهًا. وأما ما تركه جبلة وطبعًا فليس داخلًا في باب التأسي والمتابعة كما سبق بيانه.
والحاصل أن التعبد لله تعالى بمتابعة النبي ﷺ والتأسي به في فعله وتركه موقوف على نيته وقصده ﵇ من الفعل.
стр. 700
* المسألة الثانية* أدلة القاعدة
بعد التأمل لكلام أهل العلم فيما يتعلق بهذه القاعدة ظهر لي عدد من الأدلة التي تصلح للاستدلال على صحة القاعدة، ومن تلك الأدلة ما يلي:
أولًا: قوله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وجه الدلالة: أن التعبد إلى الله تعالى بظاهر الفعل النبوي الذي لم يقصد به النبي ﷺ التعبد ولا نيل القربة من الله تعالى يعتبر من المشاقة للرسول ﷺ وعدم المتابعة له، إذ المتابعة لا بد فيها من الإتيان بظاهر الفعل مع الموافقة في القصد والنية.
كما أن الذي يتعبد الله تعالى بما جاء عن النبي ﷺ فعله على جهة العادة والجبلة، وليس له فيه أي نية أو قصد للتعبد أنه متبع لغير سبيل المؤمنين؛ لأن جمهور الصحابة ﵃ لم يتعبدوا لله تعالى إلا بما ثبت عن نبيهم ﵇ أنه فعله على جهة القربة وقصد التعبد، ويدل على ذلك:
ثانيًا: ما جاء عن المعرور بن سويد قال: (خرجنا مع عمر في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و (لإيلاف قريش)، فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون، فقال: ما هذا؛ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ ، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل) (١).
стр. 701
وجه الدلالة: أنه لما كانت صلاة النبي ﷺ في هذه الأمكنة حصلت بحكم الاتفاق، ولم يقصد ﷺ ذات هذه الأمكنة بعبادة تخصها رأى عمر أن مشاركة النبي ﷺ في صورة العمل دون الموافقة له في القصد والنية ليست من الاتباع والتأسي في شيء، بل جعل ذلك من المشابهة لليهود والنصارى الذين اتخذوا آثار أنبيائهم مساجد.
يقول الإمام ابن تيمية: "فلما كان النبي ﷺ لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي ﷺ في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب، وهذا هو الأصل؛ فإن المتابعة في السُّنَّة أبلغ من المتابعة في صورة العمل" (١)، ويوضحه:
ثالثًا: أن متابعة النبي ﷺ والتأسي به المعتبران شرعًا (٢)، إنما يكونان بالاقتداء به وموافقته في صورة العمل الظاهرة مع المشاركة له في القصد والنية، أما مجرد الموافقة الظاهرية بدون المشاركة في النية فلا يعد من المتابعة ولا التأسي في شيء، وعليه فما كان من الأفعال عبادة في حق النبي ﷺ وقصد به التعبد صار عبادة في حق أمته، وما تركه تعبدًا صار تركه في حق أمته عبادة.
стр. 702
يقول الإمام ابن تيمية: "فعلم أنه لا بد في المتابعة للنبي ﷺ من اعتبار القصد والنية؛ فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (١).
ويستطرد الآمدي مفصلًا وشارحًا لمسألة المتابعة والتأسي بأفعال النبي الكريم ﷺ بقوله: "المقدمة الثانية: في معنى التأسي والمتابعة والموافقة والمخالفة؛ إذ الحاجة داعية إلى معرفة ذلك فيما نرومه من النظر في مسائل الأفعال.
أما التأسي بالغير فقد يكون في الفعل والترك.
أما التأسي في الفعل: فهو أن تفعل مثل فعله على وجهه، من أجل فعله.
فقولنا: (مثل فعله)؛ لأنه لا تأسي مع اختلاف صورة الفعل كالقيام والقعود.
وقولنا: (على وجهه): معناه المشاركة في غرض ذلك الفعل ونيته؛ لأنه لا تأسي مع اختلاف الفعلين في كون أحدهما واجبًا والآخر ليس بواجب، وإن اتحدت الصورة.
وقولنا: (من أجل فعله)؛ لأنه لو اتفق فعل شخصين في الصورة والصفة ولم يكن أحدهما من أجل الآخر كاتفاق جماعة في صلاة الظهر مثلًا، أو صوم رمضان اتباعًا لأمر الله تعالى؛ فإنه لا يقال بتأسي البعض بالبعض.
وعلى هذا فلو وقع فعله في مكان أو زمان مخصوص فلا مدخل له في المتابعة والتأسي؛ وسواء تكرر أو لم يتكرر؛ إلا أن يدل الدليل على اختصاص العبادة به؛ كاختصاص الحج بعرفات، واختصاص الصلوات بأوقاتها.
стр. 703
وأما التأسي في الترك: فهو ترك أحد الشخصين مثل ما ترك الآخر من الأفعال على وجهه وصفته؛ من أجل أنه ترك.
وأما المتابعة فقد تكون في القول وقد تكون في الفعل والترك؛ فاتباع القول: هو امتثاله على الوجه الذي اقتضاه القول.
والاتباع في الفعل: هو التأسي بعينه.
وأما الموافقة: فمشاركة أحد الشخصين للآخر في صورة قول، أو فعل، أو ترك، أو اعتقاد، أو غير ذلك؛ وسواء كان ذلك من أجل ذلك الآخر، أو لا من أجله.
وأما المخالفة: فقد تكون في القول، وقد تكون في الفعل والترك، فالمخالفة في القول: ترك امتثال ما اقتضاه القول.
وأما المخالفة في الفعل: فهو العدول عن فعل مثل ما فعله الغير مع وجوبه؛ ولهذا فإن من فعل فعلًا ولم يجب على غيره مثل فعله لا يقال له: إنه مخالف في الفعل بتقدير الترك؛ ولذلك لم تكن الحائض مخالفة بترك الصلاة لغيرها" (١).
ويقول أبو الحسين البصري (٢): "أما التأسي بالنبي ﷺ فقد يكون في فعله، وفي تركه؛ أما التأسي به في الفعل: فهو أن نفعل صورة ما فعل، على الوجه الذي فعل، لأجل أنه فعل، والتأسي في الترك: هو أن نترك مثل ما ترك، على الوجه الذي ترك، لأجل أنه ترك، وإنما شرطنا أن تكون صورة الفعل واحدة؛ لأنه ﷺ لو صام وصلينا لم نكن متأسين
стр. 704
به، وأما الوجه الذي وقع عليه الفعل فهو الأغراض والنيات، فكل ما عرفناه أن غرض في الفعل اعتبرناه، ويدخل في ذلك نية الوجوب والنفل، ألا ترى أنه لو صام واجبًا فتطوعنا بالصوم لم نكن متأسين به، وكذلك لو تطوع بالصوم فافترضنا به، وإذا لم يكن له في الفعل غرض مخصوص لم يجب اعتباره؛ لأنه لو أزال النجاسة لا لأجل الصلاة لم يجب إذا تأسينا بها في إزالتها أن ننوي به ذلك، وقد يدخل المكان والزمان في الأغراض، وقد لا يدخلان فيه، فمتى علمنا كونهما غرضين اعتبرناهما وإلا لم نعتبر؛ أمثال ذلك: الوقوف بعرفة، وصوم شهر رمضان، وصلاة الجمعة.
وإنما شرطنا أن نفعل الفعل لأنه ﷺ لو صلى فصلى مثل صلاته رجلان من أمته؛ لأجل أنه صلى لوصف كل واحد منهما بأنه متأس به ﷺ ، ولا يوصف كل واحد منهما بأنه متأسٍ بالآخر" (١).
ويقول أبو بكر الجصاص في معنى التأسي به ﷺ : "لأن التأسي به: هو أن نفعل مثل ما فعل، ومتى خالفناه في اعتقاد الفعل، أو في معناه لم يكن ذلك تأسيًا به؛ ألا ترى أنه إذا فعله على الندب وفعلناه على الوجوب كنا غير متأسين به، وإذا فعل ﷺ فعلًا لم يجز لنا أن نفعله على اعتقاد الوجوب فيه حتى نعلم أنه فعله على ذلك، فإذا علمنا أنه فعله على الوجوب لزمنا فعله على ذلك الوجه" (٢).
ويقول الشاطبي: "والتأسي: إيقاع الفعل على الوجه الذي فعله" (٣).
رابعًا: ومما يدل على صحة القاعدة: أن التقرب إلى الله بفعله ﷺ الذي فعله بدافع الجبلة والعادة، ولم يفعله تعبدًا لله تعالى يؤدي
стр. 705
بلا شك إلى تبديل الشريعة، واعتقاد ما ليس بعبادة أنه عبادة، وما ليس بسنَّة أنه سُنَّة، ويجري الأمر في جانب الترك كذلك، فيعتقد فيما تركه النبي ﷺ على جهة العادة أو العرف أنه عبادة يتقرب إلى الله بها، ولا شك أن هذا من أعظم أسباب الولوج في البدع، وعمله مردود عليه.
يقول الإمام ابن تيمية في مسألة النذر بالمباحات: "كذلك لا يؤمر الناذر أن يفعلها، فمن فعلها على وجه التعبد بها، والتقرب، واتخاذ ذلك دينًا وطريقًا إلى الله تعالى فهو ضال جاهل، مخالف لأمر الله ورسوله، ومعلوم أن من يفعل ذلك من نذر اعتكافًا ونحو ذلك إنما يفعله تدينًا، ولا ريب أن فعله على وجه التدين حرام؛ فإنه يعتقد ما ليس بقربة قربة، ويتقرب إلى الله تعالى بما لا يحبه الله، وهذا حرام، لكن من فعل ذلك قبل بلوغ العلم إليه فقد يكون معذورًا بجهله إذا لم تقم عليه الحجة فإذا بلغه العلم فعليه التوبة" (١).
ويقول أيضًا فيما يتعلق بالسفر إلى القبور بقصد العبادة: "والسفر إلى القبور إنما يقصد به العبادة، والعبادة إنما تكون بواجب أو مستحب، فإذا حصل الاتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجب ولا مستحب كان من فعله على وجه التعبد مبتدعًا مخالفًا للإجماع، والتعبد بالبدعة ليس بمباح، لكن من لم يعلم أن ذلك بدعة فإنه قد يعذر، فإذا بينت له السُّنَّة لم يجز له مخالفة النبي ﷺ ، ولا التعبد بما نهى عنه" (٢).
ويقول ابن رجب: "فأما العبادات فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾