ويقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- ضمن فوائد بعض الآيات التي استدل بها الإمام محمد بن عبد الوهاب في إحدى أبواب كتاب التوحيد: "أولًا: أنّ حسن الظنّ بالله واجبٌ من واجبات التّوحيد: ثانيًا: أن سوء الظنّ بالله ينافي التّوحيد أو ينافي كمالَه، ينافي أصلَه إذا زاد وكثُر واستمرّ، أو ينافي كمالَه إذا كان شيئًا عارضًا، أو شيئًا خفيفًا، أو خاطرًا في النّفس فقط ولا يتكلّم به بلسانِه، أمّا إن تكلّم به بلسانِه فإنّه يكونُ منافيًا للتّوحيد" (١).
ويقول ابن القيم ﵀ مبينًا حقيقة الظن المخرج عن ملة الإسلام: "ومن ظن أن له ولدًا، أو شريكًا، أو أن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه، ويتوسلون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيدعونهم، ويحبونهم كحبه، ويخافونهم، ويرجونهم فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه" (٢).
ويقول ﵀ أيضًا مبينًا أنواعًا مختلفة من سوء الظن بالله تعالى، وعموم البلوى بذلك: "فأكثر الخلق بل كلهم إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: ظلمني ربي، ومنعني ما أستحقه، ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره، ولا يتجاسر على التصريح به، ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها رأى ذلك فيها كامنًا كمون النار في الزناد، فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده، ولو فتشت من فتشته لرأيت عنده تَعَتُّبًا على القدر، وملامة له، واقتراحًا عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان
стр. 912
ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم في ذلك:
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيًا
فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله تعالى، وليستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء، ومنبع كل شر، المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء (١) من أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وأرحم الراحمين، الغني الحميد، الذي له الغنى التام، والحمد التام، والحكمة التامة، المنزَّه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك، وأفعاله كذلك كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل، وأسماؤه كلها حسنى" (٢).
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب مختصرًا وملخصًا لما سبق من كلام الإمام ابن القيم، ومبينًا درجات سوء الظن بالله ﵎: "فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسله، أو عطّل ما وصف به نفسه فقد ظن به ظن السوء؛ كمن ظن أن له ولدًا، أو شريكًا، أو شفيعًا بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أن ما عنده ينال بالمعصية كما ينال بالطاعة، أو ظن أنه إذا ترك لأجله شيئًا لم يعوضه خيرًا منه، أو ظن أنه يعاقب بمحض المشيئة بغير سبب من العبد، أو ظن أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة أنه يخيبه، أو ظن أنه يسلط على رسوله محمد ﷺ أعداءه تسليطًا مستقرًا في حياته ومماته" (٣).
стр. 913
والمتأمل لما سبق يجد أن سوء الظن بالله تعالى منه ما يصل إلى درجة الشرك والكفر بالله العظيم، ويخرج المسلم عن دائرة الإسلام، ومنه ما يعتبر شركًا أصغر ومعصية عظيمة، وكل ذلك بحسب العلم والاعتقاد الدافع والمولد لسوء الظن بالله جل وعلا، وبحسب قوة سوء الظن وكثرته واستمراره، أو كونه ضعيفًا قليلًا مترددًا كالخطرات التي تختلج القلوب فيدفعها القلب، ويصدها بحسب قوة إيمانه ويقينه ومعرفته بالله تعالى وبأسمائه وصفاته.
يقول الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله- مبينًا بعض أنواع سوء الظن: "فالذي يخالف ما أمر الله -جل وعلا- به شرعًا فيما يتصل بنصرة الدين، فإنه يقع في سوء ظن بالله ﷻ وهذا مما ينافي كمال التوحيد الواجب.
ولهذا يجب على المؤمن أن يتحرز كثيرًا، وأن يحترس من سوء الظن بالله -جل وعلا-، فإن بعض الناس قد ينال الشيء فيرى أنه يستحق أكثر منه، وقد يحصل له الشيء بقضاء الله وبقدره فيظن أنه لا يستحق ذلك الشيء (١)، أو أن الذي ينبغي أن يصاب به هو غيره، فينظر إلى فعل الله -جل وعلا- وقضائه وقدره على وجه الاتهام، وقلَّ من يَسْلَم باطنًا وظاهرًا من ذلك، فكثيرون قد يَسْلَمون ظاهرًا، ولكن في الباطن يقوم بقلوبهم ظن الجاهلية، ... والظن محله القلب، فلهذا يجب على المؤمن أن يخلّص قلبه من كل ظن بالله غير الحق، وأن يتعلم
стр. 914
أسماء الله -جل وعلا- وصفاته، وأن يتعلم آثار ذلك في ملكوت الله، حتى لا يقوم بقلبه إلا أن الله ﷻ هو الحق، وأن فعله حق" (١).
سادسًا: تضمنت القاعدة بعض الفروق بين الشرك بنوعيه وبين سائر المعاصي؛ من حيث آثارهما ما يستلزمه كل منهما، مع اتصافهما بكونهما من الذنوب التي يتنجس بها ابن آدم.
يقرر هذا المعنى الإمام ابن القيم ﵀ فيقول: "وأما نجاسة الذنوب والمعاصي فإنها بوجه آخر، فإنها لا تستلزم تنقيص الربوبية، ولا سوء الظن بالله ؛ ولهذا لم يرتب الله سبحانه عليها من العقوبات والأحكام ما رتبه على الشرك.
وهكذا استقرت الشريعة على أنه يعفي عن النجاسة المخففة؛ كالنجاسة في محل الاستجمار، وأسفل الخف والحذاء، أو بول الصبي الرضيع، وغير ذلك ما لا يعفى عن المغلظة، وكذلك يعفي عن الصغائر ما لا يعفي عن الكبائر، ويعفي لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك" (٢).
стр. 915
المبحث الثاني
قاعدة قبح الشرك مستقر في العقول والفطر والسمع نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * معنى القاعدة
دلت القاعدة على أن قبح الشرك وشناعته، ونفور العقول السليمة منه، واستبشاع الفطر المستقيمة له من أوضح الأمور وأبينها في دلالات العقول والفطر، فقبح الشرك والتنديد، واتخاذ معبود مع الله ﵎ مستقر في خلقة كل عقل بشري، وتقتضيه الفطر قبل أن ينزل وحي إلهي أو كتاب سماوي، وذلك من أعظم أسباب الهداية، والسلامة من الغواية التي امتن الله بها على عباده.
فالفطر السليمة والعقول الصحيحة بطبيعتها التي خلقت عليها تستبشع وتستعظم اتخاذ معبود دون الله تعالى، تصرف له العبادة مع الله، ويشرك معه غيره في الحب، والخضوع، والذلة، والخوف، والرجاء، والتوكل، وسائر ما يتقرب به إلى الله .
يقول الشيخ السعدي ﵀: "فَإِن ذَكَرَ التوحيدَ والشركَ، وأَمَرَ بالأولِ، ونهى عن الثاني أقام من البراهين القاطعة على صحة التوحيد،
стр. 916
وحسنه، وتعينه طريقًا للنجاة، وقبح الشرك، وبطلانه، وكونه هو الطريق للهلاك ما يجعل ذلك للبصيرة كالشمس في نحر الظهيرة" (١).
ويقول ابن الوزير اليماني: "لأنه لا يخفى على عاقل أن أقبح الشرك أن يجعل العبد المخلوق شريكًا لربه الخالق له، وذلك الشريك مخلوق لربه بإقرار العبد، ولا سيما وذلك الشريك المخلوق جماد مسخر للعبد، مصنوع له، ينحته، ويكسره، ويشكله، ويطمسه، ويضعه، ويرفعه، ويدنيه، ويقصيه، ويتصرف أنواع التصرف فيه" (٢).
* المسألة الثانية * أدلة القاعدة
من الأدلة الدالة على صحة القاعدة ما يلي:
أولًا: النصوص التي فيها إبطال شرك المشركين، وإلزامهم بعبادة معبودهم الحق ، المتفرد بالربوبية، المختص بالإلهية، مع بيان عدم استحقاق تلك الآلهة المعبودة مع الله للعبادة؛ لضعفها ونقصها وفقرها وعجزها عن نصرة نفسها فضلًا عن غيرها من العابدين لها، فترك عبادة من تفرد بالربوبية والإنعام والإيجاد، وإشراك من سبق وصفه بالمهانة والحقارة معه في العبادة مستقبح في العقول الصحيحة، مستهجن في الفطر السليمة، ومن تلك النصوص ما يلي:
١ - ما ذكره عن خليله إبراهيم ﵇ في محاجته لقومه، وبيانه لضعف آلهتهم وكونها مخلوقة معمولة كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى
стр. 917
آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩١ - ٩٦].
قال ابن عطية: " ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾؛ أي: تجعلون إلهًا معظمًا شيئًا صنعتموه من عود أو حجر، وعملتموه بأيديكم، أخبرهم بخبر لا يمكنهم إنكاره" (١).
فهذا إلزام لهم من الناحية العقلية، إذ من المستبعد أن يتوجه القلب والعقل لعبادة معبود صنعه عابده بيده، وكونه وشكله ببنانه.
يقول الإمام ابن تيمية في معنى الآيات: "فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي، وقبل إنكاره عليهم؛ ولهذا استفهم استفهام منكر فقال: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾؛ أي: وخلق ما تنحتون، فكيف يجوز أن تعبدوا ما تصنعونه بأيديكم وتدعون رب العالمين.
فلولا أن حسن التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر، معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا؛ إذ كانوا لم يفعلوا شيئًا يذمون عليه، بل كان فعلهم كأكلهم وشربهم، وإنما كان قبيحًا بالنهي، ومعنى قبحه كونه منهيًا عنه لا لمعنى فيه كما تقوله المجبرة" (٢).
وبين ﵀ أيضًا وجهة الآية في بطلان الشرك وفساده عقلًا بقوله: "ثم نَبَّه عُبَّاد الأصنام بتعريفه لهم على فساد ما صاروا إلى عبادتها مع نحتها بقوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾: فبين لهم فساد عبادتها، ووجوب عبادته دونها؛
стр. 918
بأنها إذا كانت لا تصير أصنامًا إلا بنحتكم لها فأنتم أيضًا لن تكونوا على ما أنتم عليه من الصور والهيئات إلا بفعلي، وإني مع خلقي لكم وما تنحتونه خالق لنحتكم، إذ كنت أنا المُقْدِرُ لكم عليه، والمُمَكِّنُ لكم منه" (١).
وفي علة كونه سبحانه جمع في الآية بين خلقه لآلهتهم وخلقه للعابدين وما يعملون يقول الإمام ابن القيم: "قيل في ذكر خلقه سبحانه لآلهتهم ولعابديها من بيان تقبيح حالهم، وفساد رأيهم وعقولهم في عبادتها دونه تعالى ما ليس في الاقتصار على ذكر خلق الآلهة فقط؛ فإنه إذا كان الله تعالى هو الذي خلقكم، وخلق معبوديكم فهي مخلوقة أمثالكم، فكيف يعبد العاقل من هو مثله، ويتألهه، ويفرده بغاية التعظيم والإجلال والمحبة، وهل هذا إلا أقبح الظلم في حق أنفسكم، وفي حق ربكم.
وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، ومن حق المعبود أن لا يكون مثل العابد؛ فإنه إذا كان مثله كان عبدًا مخلوقًا، والمعبود ينبغي أن يكون ربًّا خالقًا، فهذا من أحسن الاحتجاج وأبينه" (٢).
ويزيد الإمام ابن كثير الأمر بيانًا بقوله في معنى الآيات: "أي: كيف تعبدون أصنامًا أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة، وتصورونها وتشكلونها كما تريدون، ... فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون، وهذه الأصنام مخلوقة، فكيف يعبد مخلوق لمخلوق مثله، فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم، وهذا باطل، فالآخر باطل للتحكم؛ إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له" (٣).
стр. 919
٢ - قوله تعالى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣)﴾ [يس: ٢٣].
يقول الإمام ابن القيم: "ثم احتج عليهم بما تقر به عقولهم وفطرهم من قبح عبادة غيره، وأنها أقبح شيء في العقل وأنكره، فقال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ [يس: ٢٣، ٢٤]، أفلا تراه كيف لم يحتج عليهم بمجرد الأمر، بل احتج عليهم بالعقل الصحيح ومقتضى الفطرة" (١).
وهذا يدل على أن قبحه وشناعته مستقرة في العقول والفطر وإلا لم يحسن الاستدلال ولا الإلزام.
ثانيًا: النصوص التي ضرب الله فيها الأمثال المبطلة للشرك، والدالة على التوحيد وحسنه، وقد خاطب الرب تعالى بها عقول الخلق، مبينًا لهم حسن التوحيد، وتقبُّل العقول له، وموضحًا لهم قبح الشرك وشناعته، وهذا يدل على أن هذا القبح مستقر في عقولهم وأصل فطرتهم التي فطروا عليها، ومن تلك النصوص ما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ [الروم: ٢٨].
يقول الإمام ابن تيمية في معنى المثل: "يخاف أحدكم مملوكه كما يخاف بعضكم بعضًا، فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه شريكه فكيف ترضونه لله" (٢).
ويقول ابن القيم: "وهذا دليل قياس احتج الله سبحانه به على المشركين، حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم حجة
стр. 920
يعرفون صحتها من نفوسهم لا يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحجاج أن يأخذ الإنسان من نفسه، ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندها، معلوم لها: فقال: هل لكم مما ملكت أيمانكم من عبيدكم، وإمائكم شركاء في المال والأهل؛ أي: هل يشارككم عبيدكم في أموالكم وأهليكم فأنتم وهم في ذلك سواء، تخافون أن يقاسموكم أموالكم، ويشاطروكم إياها، ويستأثرون ببعضها عليكم، كما يخاف الشريك شريكه، ... فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي، فإن كان هذا الحكم باطلًا في فطركم وعقولكم مع أنه جائز عليكم، ممكن في حقكم؛ إذ ليس عبيدكم ملكًا لكم حقيقة، وإنما هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، وأنتم وهم عبيد لي، فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي، مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي" (١).
٢ - وقوله سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾ [الزمر: ٢٩].
يقول الإمام ابن القيم: "ضرب الله الأمثال في القرآن، وذَكَّرَ العقول، ونَبَّهَهَا وأرشدها إلى ذلك؛ كقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾: فهذا مثل ضربه يتضمن قياس الأولى؛ يعني: إذا كان المملوك فيكم له مُلاك مشتركون فيه، وهم متنازعون، ومملوك آخر له مالك واحد، فهل يكون هذا وهذا سواء، فإذا كان هذا ليس عندكم كمن له رب واحد، ومالك واحد، فكيف ترضون أن تجعلوا لأنفسكم آلهة متعددة تجعلونها شركاء لله، تحبونها كما يحبونه، وتخافونها كما يخافونه، وترجونها كما يرجونه" (٢).
стр. 921
٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ [الحج: ٧٣].
هذه الآية من البراهين العقلية التي أرشد إليها القرآن، ونبه عليها، وقد تضمنت الدلالة على حسن التوحيد وقبح الشرك، وأن ذلك مستقر في العقول والفطر، وجاء بعد ذلك الوحي مؤيدًا لما قررته العقول، وتقبلته الفطر.
يقول الإمام ابن القيم في معنى المثل: "فضرب لهم سبحانه مثلًا من عقولهم يدلهم على قبح عبادتهم لغيره، وإن هذا أمر مستقر قبحه وهجنته في كل عقل، وإن لم يرد به الشرع، وهل في العقل أنكر وأقبح من عبادة من لو اجتمعوا كلهم لم يخلقوا ذبابًا واحدًا، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لم يقدروا على الانتصار منه، واستنقاذ ما سلبهم إياه، وترك عبادة الخلاق العليم القادر على كل شيء، الذي ليس كمثله شيء، أفلا تراه كيف احتج عليهم بما ركبه في العقول من حسن عبادته وحده، وقبح عبادة غيره" (١).
ويزيد ﵀ المثل إيضاحًا وبيانًا فيقول: "حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه؛ وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده، وإعدام ما يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه، ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه، فسيتنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوانات، ولا على الانتصار منه، واسترجاع ما سلبهم إياه،
стр. 922
فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله، وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك، وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد تلاعب بهم أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة، حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها القدرة على جميع المقدورات، والإحاطة بجميع المعلومات، والغنى عن جميع المخلوقات، وأن يصمد إلى الرب في جميع الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإجابة الدعوات، فأعطوها صورًا وتماثيل يمتنع عليها القدرة على أقل مخلوقات الآلهة الحق، وأذلها، وأصغرها، وأحقرها، ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه" (١).
ويقول ابن كثير في الآية: "أخبر تعالى أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم الذبابة شيئًا من حقير المطاعم وطارت لما استطاعوا إنقاذه منها، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر" (٢).
ولذا يقول الإمام الطبري ﵀ بعد أن ساق تفسير الآية: "وإنما أخبر جل ثناؤه عن الآلهة بما أخبر به عنها في هذه الآية من ضعفها ومهانتها تقريعًا منه بذلك عبدتها من مشركي قريش، يقول تعالى ذكره: كيف يجعل مثل في العبادة، ويشرك فيها معي ما لا قدرة له على خلق ذباب، وإن أخذ له الذباب فسلبه شيئًا عليه لم يقدر أن يمتنع منه، ولا ينتصر، وأنا الخالق ما في السماوات والأرض، ومالك جميع ذلك، والمحيي من أردت، والمميت ما أردت، ومن أردت" (٣).
стр. 923
ويقول الإمام القرطبي ﵀: "فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين وأربابًا مطاعين وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان" (١).
* المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد اهتم أهل العلم بتقرير معنى القاعدة في ثنايا كلامهم على الأدلة القرآنية العقلية الدالة على حسن التوحيد وقبح الشرك، وبيان منتهى شناعته، وعظيم جرمه، وفيما يلي بعض أقوالهم المؤيدة لمعنى القاعدة:
يقول الإمام ابن القيم: "والحق أن وجوبه -يعني حسن التوحيد وقبح الشرك- ثابت بالعقل، والسمع، والقرآن على هذا يدل؛ فإنه يذكر الأدلة والبراهين العقلية على التوحيد، ويبين حسنه، وقبح الشرك عقلًا وفطرة، ويأمر بالتوحيد، وينهى عن الشرك؛ ولهذا ضرب الله سبحانه الأمثال؛ وهي الأدلة العقلية، وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم وفطرهم حسن التوحيد ووجوبه، وقبح الشرك وذمه" (٢).
ويقول أيضًا -بعد أن ذكر عدة أمثال قرآنية مضروبة لبيان قبح الشرك-: "وهذا يبين أن قبح عبادة غير الله تعالى مستقر في العقول والفطر، والسمع نبَّه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك" (٣).
ويقول ﵀: "واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد وقبح الشرك
стр. 924
معلومًا بالعقل، مستقرًا في الفطرة فلا وثوق بشيء من قضايا العقل؛ فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات، وأوضح ما ركب الله في العقول والفطر، ولهذا يقول سبحانه عقيب تقرير ذلك: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، وينفي العقل عن أهل الشرك، ويخبر عنهم بأنهم يعترفون في النار أنهم لم يكونوا يسمعون، ولا يعقلون، وأنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل، وأخبر عنهم أنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون، وأخبر عنهم إن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئًا، وهذا إنما يكون في حق من خرج عن موجب العقل الصريح، والفطرة الصحيحة، ولو لم يكن في صريح العقل ما يدل على ذلك لم يكن في قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا﴾ ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ فائدة؛ فإنهم يقولون: عقولنا لا تدل على ذلك، وإنما هو مجرد إخبارك، فما هذا النظر والتفكر والاعتبار والسير في الأرض، وما هذه الأمثال المضروبة، والأقيسة العقلية، والشواهد العيانية، أفليس في ذلك أظهر دليل على حسن التوحيد والشكر. وقبح الشرك والكفر مستقر في العقول والفطر، معلوم لمن كان له قلب حي، وعقل سليم، وفطرة صحيحة" (١).
ويقول المقريزي: "ومن خصائص الإلهيّة العبوديّة التي لا تقوم إلّا على ساق الحب والذّل، فمن أعطاهما لغيره فقد شبّهه بالله في خالص حقه، وقُبح هذا مستقر في العقول والفطر، لكن لما غيّرت الشياطين فطر أكثر الخلق، واجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، كما روى عن الله أعرف الخلق به وبخلقه، عموا عن قبح الشرك حتى ظنّوه حسنًا" (٢).
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ذكر ما
стр. 925
في قصة عمرو بن عبسة السلمي من الفوائد عند قوله: (كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان) (١): "الأولى: كون الشرك يعرف قبحه بالفطرة، لقوله: كنت أظن الناس ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان" (٢).
* المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
يستطيع المتأمل لما سبق من تقرير لمعنى القاعدة، وكلام أهل العلم حولها استخلاص بعض الفوائد، وفيما يلي بعض ما ظهر لي من ذلك:
أولًا: أن من رحمة الله تعالى، وعظيم منته على عباده أن خلقهم متهيئين لمعرفته وعبادته، فخلق عقولهم مقرة بربوبيته ووحدانيته، واستحقاقه للإلهية دون غيره، وجعل نفوسهم قابلة لتوحيده وإفراده بالتأله، منصرفة لعبادته وحده لا شريك له، مستقبحة لجعل ند وشبيه له في العبادة، مستهجنة لصرف خالص حقه لغيره ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا.
وزادهم من نعمائه، وخصهم من سائر مخلوقاته فأنزل عليهم وحيًا أحيا به قلوبهم بالتوحيد والإخلاص، ونَبَّه به عقولهم، واستثار به ما وجد في مكامن نفوسهم من حسن توحيده، وإفراده بالتأله والخضوع والمحبة، وقبح الإشراك به، واتخاذ أنداد من دونه يشاركونه في التوجه
стр. 926
والتعظيم والمحبة والخوف والخشية وغيرها من صنوف التعبدات، وأنواع التقربات.
ثانيًا: أنه مع استقرار قبح الشرك وشناعته في العقول الصحيحة، ونفور النفوس منه بفطرتها وطبيعتها السليمة التي خلقت عليها فإن الحجة على الخلق لم تقم بمجرد ذلك، بل لا بد من بعثة الرسل، ونزول الوحي، كما قال : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
يقول الشيخ الشنقيطي ﵀ مبينًا ومقررًا لذلك: "أما وجه دلالة القرآن عليه فهو أن مقتضى القول الأول: أن ما أقام الله لهم من البراهين القطعية؛ كخلق السماوات والأرض، وما فيهما من غرائب صنع الله الدالة على أنه الرب المعبود وحده، وما ركز فيهم من الفطرة التي فطرهم عليها تقوم عليهم به الحجة، ولو لم يأتهم نذير، والآيات القرآنية مصرحة بكثرة بأن الله تعالى لا يعذب أحدًا حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل، وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة، وما ركز من الفطرة؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥] فإنه قال فيها: ﴿حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ولم يقل حتى نخلق عقولًا، وننصب أدلة، ونركز فطرة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، فصرح بأن الذي تقوم به الحجة على الناس، وينقطع به عذرهم هو إنذار الرسل، لا نصب الأدلة والخلق على الفطرة" (١).
ويقول الإمام ابن القيم بعد أن قرر أن الشرك إنما علم قبحه بالعقل والفطرة قبل الشرع: "ولكن ههنا أمر آخر وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود الشرع، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا
стр. 927
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾، وقوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ [الملك: ٨، ٩]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ [القصص: ٥٩]، وقوله: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾ [الأنعام: ١٣١]، فهذا يدل على أنهم ظالمون قبل إرسال الرسل، وأنه لا يهلكهم بهذا الظلم قبل إقامة الحجة عليهم، فالآية رد على الطائفتين معًا؛ من يقول: إنه لا يثبت الظلم والقبح إلا بالسمع، ومن يقول: إنهم معذبون على ظلمهم بدون السمع، فالقرآن يبطل قول هؤلاء وقول هؤلاء، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [القصص: ٤٧] فأخبر أن ما قدمت أيديهم قبل إرسال الرسل سبب لإصابتهم بالمصيبة، ولكن لم يفعل سبحانه ذلك قبل إرسال الرسول الذي يقيم به حجته عليهم ... وهذا في القرآن كثير يخبر أن الحجة إنما قامت عليهم بكتابه ورسوله، كما نبههم بما في عقولهم وفطرهم من حسن التوحيد والشكر وقبح الشرك والكفر" (١).
стр. 928
المبحث الثالث
قاعدة الشرك الأصغر كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * معنى القاعدة
هذه القاعدة بمثابة الضابط والحد للشرك الأصغر، إذ فيها بيان حقيقته الشرعية، وطبيعة وجوده، ومدى تعلقه وارتباطه بالشرك الأكبر، وبها يحصل التفريق بين ما هو داخل في الشرك الأكبر أو خارج عنه، ولا يخفى أهمية الحدود للأسماء والألفاظ الشرعية، إذ بها يعرف حقيقة ما أراده الله ﵎ من عباده فيما أنزله عليهم من الوحي، كما أن الجهل بها، وإهمالها وعدم حفظها له خطورته العظيمة في تحريف النصوص، وانقلاب المفاهيم، مما يتسبب في انحراف المسلمين وتخبطهم وضلالهم وبعدهم عن الدين الحق الذي أنزله الله على نبيه محمد ﷺ .
يقول الإمام ابن تيمية: "والحدود: هي حدود الأسماء المذكورة
стр. 929
فيما أنزل الله من الكتاب والحكمة؛ مثل حدود الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والمؤمن، والكافر، والزاني، والسارق، والشارب، وغير ذلك حتى يعرف من الذي يستحق ذلك الاسم الشرعي ممن لا يستحقه، وما تستحقه مسميات تلك الأسماء من الأحكام" (١).
والشرك الأصغر من الأسماء الشرعية التي جاء ذكرها في السُّنَّة النبوية، وفسرها النبي ﷺ كما سيأتي قريبًا في حديث محمود بن لبيد (٢).
والقاعدة عرَّفت الشرك الأصغر وحدته بعدة أمور هي كما يلي:
١ - كونه وسيلة وذريعة وطريقًا إلى الشرك الأكبر.
٢ - أنه يتنوع فيشمل إرادات القلوب وأعماله، وأقوال اللسان وأفعال الجوارح.
٣ - أن لا تصل تلك الإرادات والأقوال والأفعال إلى رتبة عبادة غيره ، والمقصود بذلك أن تصرف الإرادات والأقوال والأفعال المختصة بالله تعالى للمخلوق، فيكون هناك نوع من التنديد، ولكن ليست بنفس الطريقة التي تصرف بها للرب ﵎، وعليه فإنها لا تنافي التوحيد منافاة مطلقة، وإن كان فيها نوع منافاة، لكنها لا تتضمن الاعتقاد الشركي الذي يخرج به الإنسان عن ملة الإسلام.
وقبل الخوض في تفاصيل معنى القاعدة أتناول بعض التعاريف والحدود التي وضعها أهل العلم لبيان حقيقة الشرك الأصغر وضابطه، ومن ثم مقارنتها بقاعدتنا هذه.
стр. 930
عرَّفه الراغب بقوله: "الشرك الصغير: وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء والنفاق ... ولفظ الشرك من الألفاظ المشتركة" (١).
وبين الشيخ سليمان آل الشيخ معنى الشرك الأصغر، معرَّفًا بالحد والمثال، ومستخلصًا له من كلام ابن القيم وغيره من أهل العلم فقال: "الشرك الأصغر؛ كيسير الرياء، والتصنع للمخلوق، وعدم الإخلاص لله تعالى في العبادة؛ بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب المنزلة والجاه عند الخلق تارة، فله من عمله نصيب، ولغيره منه نصيب، ويتبع هذا النوع الشرك بالله في الألفاظ؛ كالحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشئت، وما لي إلا الله وأنت، وأنا في حسب الله وحسبك، ونحوه، وقد يكون ذلك شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده" (٢).
وعرَّفه الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ بقوله: "وأما الشرك الأصغر: فهو ما ثبت بالنصوص من الكتاب أو السُّنَّة تسميته شركًا، ولكنه ليس من جنس الشرك الأكبر؛ كالرياء في بعض الأعمال، والحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشاء فلان، ونحو ذلك" (٣).
وعرَّفه الشيخ العثيمين ﵀ بقوله: "الشرك الأصغر وهو: كل عمل قولي، أو فعلي أطلق عليه الشرع وصف الشرك، ولكنه لا يخرج من الملة" (٤).
وقيل: "هو كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر، ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص تسميته شركًا" (٥).
стр. 931
وقيل: "هو تسوية غير الله بالله في هيئة العمل، وأقوال اللسان، فالشرك في هيئة العمل هو الرياء، والشرك في أقوال اللسان هو الألفاظ التي فيها معنى التسوية بين الله وغيره، كقوله: ما شاء الله وشئت، وقوله: اللَّهُمَّ اغفر لي إن شئت، وقوله عبد الحارث ونحو ذلك" (١).
وجاء في تعريف اللجنة الدائمة للبحوث العلمية: "أما الشرك الأصغر: فكل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر، ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص تسميته شركًا، كالحلف بغير الله، فإنه مظنة للانحدار إلى الشرك الأكبر" (٢).
هذه بعض التعاريف والحدود لمعنى الشرك الأصغر، وبعد التأمل فيها، والنظر فيما ورد من أدلة ونصوص متعلقة بالشرك الأصغر، وجدت أن تعريفات أهل العلم اعتمدت على عدة مرتكزات وضوابط لمعنى الشرك الأصغر أذكرها فيما يلي:
أولًا: أن تأتي النصوص بوصفه وتسميته شركًا، مع ورود الأدلة القاطعة بعدم إرادة الشرك الأكبر.
ثانيًا: أن يشتمل على تسوية بين الله وغيره لا تبلغ درجة العبادة.
ثالثًا: ما كان فيه تعلُّق بغير الله؛ سواء عن طريق المحبة، أو الخوف، أو الرجاء، أو التوكل والاعتماد على غيره تعالى، بحيث لا يصل إلى حد التعلق الشركي المخرج عن الملة.
رابعًا: ما كان فيه تشريك واقتران وتنديد بين الله وغيره، بحيث لا يبلغ درجة التنديد الأعظم.
خامسًا: كونه وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر.
وجميع هذه الضوابط عدا الأخير منها موضع اتفاق بين جمهور
стр. 932
أهل العلم؛ إذ لا يكاد يخلو نوع من أنواع الشرك الأصغر منها، أو من بعضها، ولا يشترط اجتماعها في كل نوع.
أما الضابط الخامس باعتبار كونه وسيلة وذريعة إلى الشرك الأكبر، وهو ما جاء التنصيص عليه في القاعدة، وذكره بعض أهل العلم فهو من أوسع الضوابط لمعرفة الشرك الأصغر؛ إذ يدخل في ذلك أشياء كثيرة من البدع والمعاصي، وبناء عليه فإنك تجد تعبيرات أهل العلم قد اختلفت في وصف بعض البدع؛ كالغلو في مدح الأنبياء والصالحين، وبناء الأضرحة والقباب على قبورهم، وتحري الدعاء والعبادة عندها؛ فالبعض جعلها من الشرك الأصغر، وبعضهم عبَّر عنها بأنها من وسائل الشرك وأسبابه وشوائبه.
يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وأما المسائل التي ذكر في الجنائز؛ من لمس القبر، والصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء، أو كذا وكذا فهذا أنواع؛ أما بناء القباب عليها فيجب هدمها، ولا علمت أنه يصل إلى الشرك الأكبر، وكذلك الصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء فكذاك لا أعلمه يصل إلى ذلك، ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك، فيشتد نكير العلماء لذلك" (١).
فسماها ﵀ أسبابًا للشرك، ولم يتعرض لكونها من الشرك الأصغر أم لا.
والأصل أن يقتصر في معنى الشرك الأصغر على ما سبق من ضوابط من كونه قد وردت تسميته شركًا في النصوص الشرعية، أو أن حقيقته قد تضمنت تسوية بين الله وخلقه، أو استلزم تعلقًا قلبيًا بغيره سبحانه، أو اقترن بالفعل أو القول تشريكًا أو تنديدًا شريطة أن لا يصل في جميع ذلك إلى حد العبادة أو الاعتقاد المؤدي إلى الشرك الأكبر،
стр. 933
وكل ما ذكر من ضوابط للشرك الأصغر إذا وجدت كانت من أكبر الوسائل، وأقوى الذرائع المؤدية إلى الشرك الأكبر.
يقول الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله-: "فالرسول نهى عن الصلاة عند القبور، ونهى عن الدعاء عند القبور، ونهى عن البناء على القبور، ونهى عن العكوف عند القبور، واتخاذ القبور عيدًا، إلى غير ذلك، كل هذا من الوسائل التي تُفضي إلى الشرك، وهي ليست شركًا في نفسها، بل قد تكون مشروعة في الأصل، ولكنها تؤدي إلى الشرك بالله ، ولذلك منعها ﷺ " (١).
أما كون الشرك الأصغر من وسائل الشرك الأكبر فمما لا شك فيه، ولكن ليست كل وسيلة وسبب للشرك الأكبر نسميه شركًا أصغر؛ كالبدع والمعاصي، وغالب أهل العلم كما سبق يطلق عليها: أسباب الشرك، ووسائله وشوائبه (٢).
على أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد يدخلها أحيانًا في عموم الإشراك بسبب طاعة الإنسان لهواه، أو بطاعته الشيطان، فيكون عابدًا لهواه وللشيطان، أو لأن تجويز واستحباب مثل هذه البدع؛ كالعبادة عند القبور يدخل فيمن شرع في الدين ما لم يأذن به الله.
يقول الإمام ابن تيمية في مسألة دعاء الله عند القبور: "وهذا قد دل عليه كتاب الله في مواضع مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فإذا لم يشرع الله استحباب الدعاء عند المقابر، ولا وجوبه، فمن شرعه فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ
стр. 934
وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، وهذه العبادة عند المقابر نوع من أن يشرك بالله ما لم ينزل به سلطانًا؛ لأن الله لم ينزل حجة تتضمن استحباب قصد الدعاء عند القبور وفضله" (١).
بل اعتبر جميع المعاصي والذنوب داخلة في عموم الإشراك بطاعة الشيطان، وأنها من شعب الكفر والشرك.
يقول الإمام ابن تيمية في شأن عبادة الشيطان: "ولهذا لم يخلص من الشيطان إلا المخلصون لله كما قال تعالى عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحجر: ٣٩ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]، فإذا كان الشيطان ليس له سلطان إلا على من أشرك به، فكل من أطاع الشيطان في معصية الله فقد تسلط الشيطان عليه، وصار فيه من الشرك بالشيطان بقدر ذلك" (٢).
ويقول أيضًا: "فجميع ما نهى الله عنه هو من شعب الكفر وفروعه، كما أن كل ما أمر الله به هو من الإيمان والإخلاص لدين الله؛ ... لكن قد يكون ذلك شركًا أكبر، وقد يكون شركًا أصغر بحسب ما يقترن به من الإيمان، فمتى اقترن بما نهي الله عنه الإيمان لتحريمه، وبغضه، وخوف العقاب، ورجاء الرحمة لم يكن شركًا أكبر، وأما إن اتخذ الإنسان ما يهواه إلهًا من دون الله، وأحبه كحب الله، فهذا شرك أكبر،
стр. 935
والدرجات في ذلك متفاوتة" (١).
* المسألة الثانية* أدلة القاعدة
هذه القاعدة التي تضمنت تعريف الشرك الأصغر ذكرها الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في كتابه القول السديد، وتابعه بعض العلماء في جميع ما ذكره أو في بعضه، والذي يظهر لي أن وضع أهل العلم لهذا الحد لتعريف الشرك الأصغر كان مستندًا ومبينًا على عدة أمور:
أولًا: حديث محمود بن لبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ أَخوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمْ الشِّرْكُ الأَصغَرُ" قَالُوا وَمَا الشِّركُ الأَصغَرُ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ: "الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ لهُم يَومَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بأَعمَالِهِم اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً" (٢).
فكان هذا الشرك من أعظم الذنوب مخافة من النبي ﷺ على أهل التوحيد؛ لأنه يؤدي بهم إلى الشرك الأكبر، والتنديد الأعظم؛ لما فيه من صرف نوع حق لله تعالى لغيره من الخلق؛ ولذا يطلب منهم ربهم يوم القيامة أن يذهبوا إلى من كانوا يراءون في الدنيا، مع تعظيم القلوب لهم، وظنهم الانتفاع من قبلهم أن يطلبوا منهم الجزاء على
стр. 936
تلك المراءاة وذلك التعظيم والظن الحسن بهم في الدنيا.
ثانيًا: استقراؤهم للنصوص الواردة في الشرك الأصغر، وكون أفراده المنصوص عليها لم تصل إلى درجة الشرك الأكبر، لكنهم لحظوا التشابه والاتفاق في الظاهر بين حالتي الشرك الأكبر والأصغر في بعض الأمور، وقد يحصل الاشتباه أحيانًا بحيث لا يفرق بينهما إلا من ألهمه الله علمًا ورزقه فهمًا، هذا مع وجود الاختلاف الكبير أيضًا الذي يعطي كل واحد منهما حكمه، والذي مرجعه في الغالب إلى النية والإرادة والقصد والاعتقاد.
فوجود هذا التشابه والاشتباه، مع غفلة الناس، وتزيين الشيطان، وحرصه الشديد على إيقاع أهل التوحيد في مستنقع الإشراك ومنحدر التنديد، بل وفرحه بذلك أشد الفرح صار الشرك الأصغر من أمضى أسلحته، وأعظم وسائله، وأخطر ذرائعه، وأكبر أبوابه التي يتوصل بها إلى تلبس أهل التوحيد بالشرك الأكبر المخرج عن ملة الإسلام.
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن الشرك، وتعلق القلوب بغير الله؛ عبادة واستعانة غالب على قلوب الناس في كل وقت، إلا من عصم الله، والشيطان سريع إلى دعاء الناس إلى ذلك" (١).
ثالثًا: استقراؤهم لواقع الناس وتقصيهم لأحوالهم، فإن الناظر في سيرة من تلبس بشيء من الشرك الأصغر أن نهايته كانت وقوعه في الشرك الأكبر وخروجه عن ملة الإسلام؛ فإن من ابتلي بلبس التمائم على أساس أنها سبب للشفاء لا يزال معه الشيطان مزينًا له هذه التمائم حتى يصل به إلى أن يعتقد فيها استقلال النفع والضر، ولا شك أن اعتقاد أن أحدًا دون الله يملك جلب نفع، أو دفع ضر بذاته استقلالًا من أعظم الإشراك
стр. 937
المخرج عن دين الإسلام بالكلية، وهكذا في جميع أفراد الشرك الأصغر وخاصة مع فشو الجهل وغربة الدين.
رابعًا: كما دلت النصوص الواردة في أفراد الشرك الأصغر على تنوع أحواله، وتعدد صفاته؛ فتارة يكون في النيات والإرادات، وتارة يكون في الأقوال، وتارة يكون في الأعمال، فيشترك فيه القلب واللسان والجوارح.
خامسًا: بالنسبة لقيد (التي لم تبلغ رتبة العبادة)؛ أي: مرتبة عبادة غير الله ﵎، وهي المرتبة التي تتضمن إعتقادًا شركيًا يخرج به الإنسان عن ملة الإسلام بالكلية؛ كمن يحلف بغير الله معتقدًا تعظيم المحلوف به كتعظيم الرب تعالى، أو محبته المحبة الشركية الملازمة للخضوع والذلة وتعظيم المحبوب، واعتقاد ملكه للنفع والضر، أو الخوف منه خوفًا يتضمن اعتقاد أنه بمقدوره إيصال النفع والضر بذاته بدون أسباب محسوسة، فكل ذلك من الشرك الأكبر المخرج عن الإسلام، والمنافي للتوحيد جملة وتفصيلًا.
ولذا قيد الشرك الأصغر بأن لا يصل إلى درجة العبادة لغيره ، ولكنه متضمن لنوع من التسوية والتنديد ولكنها لا تصل إلى درجة العبادة المتضمنة للاعتقاد الشركي المخرج عن الملة.
* المسألة الثالثة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
أذكر فيما يأتي بعض أقوال أهل العلم في اعتماد القاعدة وتقريرها:
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "وأما الشرك الأصغر: فهو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسل بها إلى الشرك، كالغلو في
стр. 938
المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة، وكالحلف بغير الله، ويسير الرياء ونحو ذلك" (١).
ويقول أيضًا: "حَدُّ الشرك الأصغر هو: كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر؛ من الإرادات، والأقوال، والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة" (٢).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة قولهم في تأييد معنى القاعدة مع زيادة بعض القيود وذكر المثال: "أما الشرك الأصغر: فكل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر، ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص تسميته شركًا، كالحلف بغير الله، فإنه مظنة للانحدار إلى الشرك الأكبر" (٣).
فزاد بعض القيود: منها أن يكون مما نهى الله عنه. ومنها: أن يأتي في النصوص الشرعية تسميته شركًا.
* المسألة الرابعة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
بعض ما ظهر لي من فوائد وتطبيقات للقاعدة:
أولًا: وهي أعظم فائدة إذ يمكن الاستفادة من القاعدة في ضبط مسائل الشرك المتشابهة، والتفريق بين ما هو من قبيل الشرك الأكبر، أو من قبيل الشرك الأصغر من الإرادات والأقوال والأفعال، وكما سبق بيانه فإن مناط التفريق بين ما هو شرك أكبر أو أصغر مرجعه إلى الأمور القلبية والاعتقادية، أما من حيث الظاهر فلا يمكن الحكم إلا بالشرك الأصغر على بعض الأقوال والأعمال (٤).
стр. 939
ثانيًا: أفادت القاعدة الحذر العظيم من الشرك الأصغر لكونه طريقًا وبابًا إلى الشرك الأكبر، والخسران الأعظم، الذي ليس بعده فلاح ولا نجاح ولا فوز، بل هو الخلود في جهنم وساءت مصيرًا؛ ولذا كان هذا الشرك من أعظم مخاوف النبي ﷺ على أمته كما سبق في حديث محمود بن لبيد.
ثالثًا: ومما يدخل في القاعدة: تعليق التمائم، ولبس الحلقة، أو الخيط، أو العظم، أو الشعر، أو غير ذلك لرفع البلاء أو دفعه. كل ذلك من الشرك الأصغر المنهي عنه شرعًا؛ لما فيه من تعلق القلب بغيره سبحانه، واعتقاد أنها سبب يؤثر في رفع البلايا، أو جلب المنافع.
ولا شك أن جعل الشيء مؤثرًا في غيره إنما هو من خصاص الرب ﵎، إذ هو الخالق لكل شيء، فمن تعلق قلبه بشيء لجلب خير أو دفع شر لم يجعله الشارع سببًا لهذا، ولم يأذن باتخاذه يكون واقعًا في الشرك الأصغر؛ لأنَّه لما اعتقد أن ما ليس بسبب سببًا فقد شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سببًا، أما إن اعتقد أن هذه الأمور المعلقة تدفع الشر، وتجلب الخير بذاتها وقدرتها المستقلة أداه ذلك إلى الشرك الأكبر في توحيد الربوبية، المخرج عن دين الإسلام؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا غيره (١).
يقول الشيخ حافظ الحكمي: "هذه الأمور المذكورة التي يتعلق بها العامة غالبها من الشرك الأصغر، لكن إذا اعتمد العبد عليها بحيث يثق بها، ويضيف النفع والضر إليها كان ذلك شركًا أكبر والعياذ بالله؛ لأنه حينئذٍ صار متوكلًا على سوى الله، ملتجئًا إلى غيره" (٢).
стр. 940
رابعًا: ومن ذلك إرادة الإنسان بعمله الدنيا، فهو يعمل العمل لله تعالى ولكنه يريد به ثواب الدنيا، فقلبه متعلق بالمال والبنين، ولذا وصفه ﷺ في الحديث بكونه عابدًا للدينار والدرهم فعن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "تَعِسَ عبْدُ الدِّينَارِ وعبْدُ الدِّرْهَمِ وعبْدُ الخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطيَ رَضِيَ وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وانْتَكَسَ وإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ ... " (١).
يقول الإمام ابن تيمية في كلامه على الحديث: "وكذلك من غلب عليه الثقة بجاهه وماله، بحيث يكون عنده مخدومه من الرؤساء ونحوهم، أو خادمه من الأعوان والأجناد ونحوهم، أو أصدقائه، أو أمواله هي التي تجلب المنفعة الفلانية، وتدفع المضرة الفلانية، فهو معتمد عليها، ومستعين بها، والمستعان هو مدعو ومسؤول.
وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة، فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره خضع له وذل، وانقاد، وأحبه من هذه الجهة، وإن لم يحبه لذاته لكن قد يغلب عليه الحال حتى يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه، كما يصيب كثيرًا ممن يحب المال، أو يحب من يحصل له به العز والسلطان " (٢).
فسمى هؤلاء الذين إن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا عبيدًا لهذه الأشياء؛ لانتهاء محبتهم ورضاهم ورغبتهم إليها، فإذا شغف الإنسان بمحبة المال، أو الصور، أو الدنيا، وتعلق قلبه لغير الله بحيث يرضى وصول ذلك إليه، وظفره به، ويسخطه فوات ذلك كان فيه من التعبد لها والعبودية بقدر ذلك (٣).
стр. 941
فالعبودية درجات، منها: عبودية الشرك الأصغر، ومنها عبودية الشرك الأكبر، فالذي يشرك بغير الله الشرك الأكبر هو عابد له، كأهل الأوثان، وعبدة الأصنام، وعبدة الصليب، وكذلك من يعمل الشرك الأصغر، ويتعلق قلبه بشيء من الدنيا فهو عابد لذلك، يقال: عبد هذا الشيء؛ لأنه هو الذي حرك همته، فهذا الذي حركته همته للدنيا وللدينار وللدرهم عبد لها؛ لأن همته معلقة بتلك الأشياء، وإذا وجد لها سبيلًا تحرك إليها بدون النظر هل يوافق أمر الله أم لا يوافق أمر الله وشرعه (١).
فالذي يعمل العبادة لله طمعًا في ثواب الدنيا ولا هم له في الآخرة كان فيه من الشرك الأصغر بحسب تعلقه؛ أما من كانت إرادته للدنيا أصلًا وقصدًا وتعلقًا وهمة وتحركًا، فعمل من أجل الدنيا ولم يتحرك قلبه بإرادة الله تعالى والدار الآخرة، فهذا ليس له في الآخرة من نصيب، وهذا العمل على هذا الوصف لا يصدر من مؤمن؛ فإن المؤمن ولو كان ضعيف الإيمان، فلا بد أن يريد الله والدار الآخرة، بل هو من أعمال الكافرين الخارجين عن ملة الإسلام جملة وتفصيلًا، وفيهم نزل قوله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥، ١٦] (٢).
خامسًا: ومما يدخل في حكم القاعدة مسألة الرياءء وهو بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد، وهو مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها (٣)، فهو ما يفعل طاعة لله ليراه الناس، ولا يكتفي فيه برؤية الله (٤).
стр. 942
قال الصنعاني فى معناه: "وشرعًا: أن يفعل الطاعة ويترك المعصية مع ملاحظة غير الله، أو يخبر بها، أو يحب أن يطلع عليها لمقصد دنيوي من مال أو نحوه" (١).
فالرياء ليس فيه صرف للعبادة لغير الله، بل هو تزيين العبادة من أجل رؤية المخلوق ومدحه، وأما العبادة فهي لله وحده، وأما من توجه بالعبادة لغير الله وقصد بها غيره سبحانه فهذا قد وقع في الشرك الأكبر.
وقد فصَّل الشيخ السعدي ﵀ حالات الرياء، ومتى يكون شركًا أكبر أو شركًا أصغر، فيقول: "واعلم أن الرياء فيه تفصيل: فإن كان الحامل للعبد على العمل قصد مراءاة الناس، واستمر على هذا القصد الفاسد، فعمله حابط، وهو شرك أصغر، ويخشى أن يتذرع به إلى الشرك الأكبر.
وإن كان الحامل على العمل إرادة وجه الله مع إرادة مراءاة الناس، ولم يقلع عن الرياء بعمله، فظاهر النصوص أيضًا بطلان هذا العمل.
وإن كان الحامل للعبد على العمل وجه الله وحده، ولكن عرض له الرياء في أثناء عمله، فإن دفعه وخلص إخلاصه لله لم يضره، وإن ساكنه واطمأن إليه نقص العمل، وحصل لصاحبه من ضعف الإيمان والإخلاص بحسب ما قام في قلبه من الرياء" (٢).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "فإن كان الباعث على العمل من أصله هو إرادة غير الله فنفاق، وإن كان دخل الرياء في تزيين العمل وكان الباعث عليه أولًا إرادة الله والدار الآخرة كان شركًا أصغر بحسبه، حتى إذا غلب عليه التحق بالأكبر" (٣).
стр. 943
وبين الشيخ علي القاري ﵀ خطورة الرياء بأنه ذريعة إلى الشرك الأكبر فقال: "ثم إذا ثبت المرائي على اعوجاجه، ولم يرجع إلى الصراط المستقيم، هام في أودية الضلال، وأداه الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر أعاذنا الله منه" (١).
سادسًا: ومما تتناوله القاعدة مسألة الحلف بغير الله تعالى، حيث جاء في الحديث عن سعد بن عبيدة قال سمع بن عمر ﵄ رجلًا يحلف بالكعبة فقال: لا تحلف بالكعبة فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (٢).
والمقصود بالشرك هنا الشرك الأصغر، وهو دون الشرك الأكبر المخرج من الإسلام، وحكمة النهي أن حقيقة العظمة مختصة بالله تعالى، كما قال تعالى: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" (٣)، فلا ينبغي مضاهاة غيره به في الألفاظ (٤)؛ لأن الحلف بشيء يقتضي تعظيمه
стр. 944
والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده (١).
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ في معنى قوله ﷺ : "أن من حلف بشيء دون الله فقد أشرك": "فكان ذلك عندنا والله أعلم لم يرد به الشرك الذي يخرج به من الإسلام حتى يكون به صاحبه خارجًا من الإسلام، ولكنه أريد أن لا ينبغي أن يحلف بغير الله تعالى، وكان من حلف بغير الله قد جعل ما حلف به كما الله تعالى محلوفًا به، وكان بذلك قد جعل من حلف به، أوما حلف به شريكًا فيما يحلف به، وذلك عظيم، فجعل مشركًا بذلك شركًا غير الشرك الذي يكون به كافرًا بالله تعالى" (٢).
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "وكذلك الحلف بغير الله لا يجوز، وهو من الشرك الأصغر أيضًا، وقد يكون من الشرك الأكبر إذا اعتقد الحالف بغير الله أن هذا المحلوف به مثل الله، أو يصح أن يدعى من دون الله، أو أنه يتصرف في الكون من دون الله فإنه يكون شركًا أكبر" (٣).
ويقول الشيخ محمد أمان الجامي ﵀: "وقد ينتقل بعض أفراد هذا النوع من الشرك الأصغر إلى دائرة الشرك الأكبر بأمور خارجة تطرأ أحيانًا وتصاحب القول، كأن يصل تعظيم المحلوف به في قلب الحالف، والخوف إلى حد تعظيم الموحد ربه وخالقه، أو أعظم من ذلك، وفي هذه الحالة ينتقل القَسَم بغير الله من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر؛ لأن من بلغ إلى هذه الحالة فقد خرب قلبه، وحقيقة الكفر هو خراب القلب، ويفقد تقدير الله حق قدره، وتعظيمه، والخوف منه، ويحل محل
стр. 945
تعظيم الله تعظيم مخلوق؛ فنسأله تعالى العفو والعافية" (١).
سابعًا: ومما يدخل في الشرك الأصغر الذي هو وسيلة إلى الشرك الأكبر التشريك في الألفاظ؛ كقولك: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وفلان، وهذا من الله وفلان، وما لي إلا الله وأنت، ونحو ذلك.
فعن قتيلة (٢) امرأة من جهينة (أن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تنددون وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقول أحدهم: ما شاء الله ثم شئت) (٣).
وعن ابن عباس ﵄ أن رجلًا أتى النبي ﷺ فكلمه في بعض الأمر، فقال ما شاء الله وشئت. فقال النبي ﷺ : "أجعلتني لله عدلًا قل ما شاء الله وحده" (٤).
يقول الإمام ابن تيمية: "فأنكر عليه أن جعله ندًا لله في هذه الكلمة
стр. 946
التي جمع فيها بينه وبين الله في المشيئة؛ إذ مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، فلا يكون شريكه لما يعلم أن كون الشيء ندًا لله قد يكون بدون أن يعبد العبادة التامة، فإن ذلك الرجل ما كان يعبد رسول الله تلك العبادة" (١).
يقول العلامة عبد العزيز بن باز: "ومن هذا الباب قول: ما شاء الله وشاء فلان، ولولا الله وفلان، وهذا من الله وفلان، وهذا كله من الشرك الأصغر، لقول النبي ﷺ : "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" (٢)، وبهذا يعلم أنه لا حرج بأن يقول: لولا الله ثم فلان، أو هذا من الله ثم فلان .. إذا كان له تسبب في ذلك.
وثبت عنه ﷺ : أن رجلًا قال له: ما شاء الله وشئت فقال له ﷺ : "أجعلتني لله ندًّا قل ما شاء الله وحده"، فدل هذا الحديث على أنه إذا قال: ما شاء الله وحده فهذا هو الأكمل، وإن قال ما شاء الله ثم شاء فلان فلا حرج جمعًا بين الأحاديث والأدلة كلها والله ولي التوفيق" (٣).
وفيما سبق من نصوص الدلالة على حرمة التسوية بين الله وغيره، وأنه يعد من الشرك، وهو من شرك الألفاظ؛ لأنَّه يوهم أن مشيئة العبد مساوية لمشيئة الرب ، والسبب في ذلك استعمال الواو التي تقتضي مطلق الجمع بين المشيئتين، فإن اعتقد حقيقة المساواة بين الرب والعبد كان مشركًا الشرك الأكبر المخرج إلى الكفر بالله العظيم.
стр. 947
يقول الشيخ حافظ الحكمي ﵀: "والفرق بين الواو وثم: أنه إذا عطف بالواو كان مضاهيًا مشيئة الله بمشيئة العبد إذ قرن بينهما، وإذا عطف بـ (ثم) فقد جعل مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩] " (١).
وقال الشافعي ﵀: "المشيئة: إرادة الله قال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فأعلم الله خلقه أن المشيئة له دون خلقه، وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء" (٢).
ومما يلحق بذلك قول البعض: (ما لي غير الله وأنت) و (أنا داخل على الله وعليك)، وأقبح منه قول البعض: (باسم الله والوطن)، أو (باسم الله والشعب)، ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي تضمنت سوء الأدب وسوء الظن بالرب المالك القدير.
يقول الإمام ابن القيم: "وفي معنى هذا الشرك المنهي عنه قول من لا يتوقى الشرك: (أنا بالله وبك) (وأنا في حسب الله وحسبك) (ومالي إلا الله وأنت) (وأنا متوكل على الله وعليك) (وهذا من الله ومنك) (والله لي في السماء وأنت لي في الأرض)، و (الله وحياتك)، وأمثال هذا من الألفاظ التي يجعل فيها قائلها المخلوق ندًّا للخالق، وهي أشد منعًا وقبحًا من قوله: (ما شاء الله وشئت) " (٣).
ثامنًا: ومن أنواع الشرك الأصغر وتتناوله القاعدة في كونه وسيلة إلى الشرك الأكبر الخوف من غير الله المؤدي إلى ترك الطاعة وفعل المعصية، وكذا رجاء غير الله فيما يملكه المخلوق ويقدر عليه، وكذلك محبة ما يبغضه الله تعالى مما حرمه، ومن ذلك التوكل والاعتماد على غير الله تعالى فيما يقدر عليه ذلك الغير من الأسباب الظاهرة الحسية،
стр. 948
وهذا الشرك متعلق بالقلب، ويشبهه من يتوكل على سلطان أو ملك ظالم فيما جعله الله في يده من القوة والبطش أو الرزق والخير.
أما الخوف الشركي فأن يخاف ممن لا يملك أسباب الخوف الحسية والظاهرة، وكذا الرجاء فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وكذا من توكل واعتمد على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فذلك هو عين الشرك المخرج عن الإسلام، وعليه فالشرك الأصغر في الخوف والرجاء والتوكل يؤدي إلى الشرك الأكبر المحبط لجميع الأعمال.
يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وأما خوف المخلوق؛ فالمراد به الخوف الذي يحملك أن تترك ما فرض الله عليك، وتفعل ما حرم الله عليك خوفًا من ذلك المخلوق، وأما الرجاء فلعل المراد الذي يخرج العبد عن التوكل على الله، والثقة بوعده، وكل هذه الأمور كثيرة جدًّا.
وأما قولك: هل المراد به الشرك الأصغر أو الأكبر فهذا يختلف باختلاف الأحوال، وقد يتصنع لمخلوق فيخافه أو يرجوه فيدخل في الشرك الأصغر، وقد يتزايد ذلك ويتوغل فيه حتى يصل إلى الشرك الأكبر" (١).
ويقول الإمام ابن تيمية: "وإن كان مراده جنس الشرك؛ فيقال: ظلم العبد نفسه كبخله -لحب المال- ببعض الواجب هو شرك أصغر وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر، ونحو ذلك، فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه، ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار" (٢).
стр. 949
الفصل الثالث
القواعد المتعلقة بوسائل الشرك وأسبابه
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: قاعدة: سد الذرائع المفضية إلى الشرك
من المقاصد الشرعية.
المبحث الثاني: قاعدة: الحقائق لا تتغير بتغير
المسميات.
المبحث الثالث: قاعدة: تعظيم شعائر الله هو تعظيم لله
وعبادة له، فهو تابع لتعظيم الله وإجلاله.
стр. 950
المبحث الأول
قاعدة سد الذرائع المفضية إلى الشرك من المقاصد الشرعية
وتشتمل على عدة مسائل:
* المسألة الأولى* شرح مفردات القاعدة
معنى سد الذرائع:
السدُّ: هو الحاجز بين الشيئين، والبناء في مجرى الماء ليحجزه، والجمع: سدود وأسداد، فالسين والدال: أصل واحد، وهو يدل على ردم شيء، وملاءمته؛ من ذلك: سددت الثُّلْمَة سدًّا، وكل حاجز بين الشيئين سَدٌّ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ [الكهف: ٩٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ [يس: ٩] (١).
والذرائع: جمع ذريعة، والذريعة: الوسيلة (٢)، وقد تَذرَّعَ فلان