التي جمع فيها بينه وبين الله في المشيئة؛ إذ مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، فلا يكون شريكه لما يعلم أن كون الشيء ندًا لله قد يكون بدون أن يعبد العبادة التامة، فإن ذلك الرجل ما كان يعبد رسول الله تلك العبادة" (١).
يقول العلامة عبد العزيز بن باز: "ومن هذا الباب قول: ما شاء الله وشاء فلان، ولولا الله وفلان، وهذا من الله وفلان، وهذا كله من الشرك الأصغر، لقول النبي ﷺ : "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" (٢)، وبهذا يعلم أنه لا حرج بأن يقول: لولا الله ثم فلان، أو هذا من الله ثم فلان .. إذا كان له تسبب في ذلك.
وثبت عنه ﷺ : أن رجلًا قال له: ما شاء الله وشئت فقال له ﷺ : "أجعلتني لله ندًّا قل ما شاء الله وحده"، فدل هذا الحديث على أنه إذا قال: ما شاء الله وحده فهذا هو الأكمل، وإن قال ما شاء الله ثم شاء فلان فلا حرج جمعًا بين الأحاديث والأدلة كلها والله ولي التوفيق" (٣).
وفيما سبق من نصوص الدلالة على حرمة التسوية بين الله وغيره، وأنه يعد من الشرك، وهو من شرك الألفاظ؛ لأنَّه يوهم أن مشيئة العبد مساوية لمشيئة الرب ، والسبب في ذلك استعمال الواو التي تقتضي مطلق الجمع بين المشيئتين، فإن اعتقد حقيقة المساواة بين الرب والعبد كان مشركًا الشرك الأكبر المخرج إلى الكفر بالله العظيم.
стр. 947
يقول الشيخ حافظ الحكمي ﵀: "والفرق بين الواو وثم: أنه إذا عطف بالواو كان مضاهيًا مشيئة الله بمشيئة العبد إذ قرن بينهما، وإذا عطف بـ (ثم) فقد جعل مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩] " (١).
وقال الشافعي ﵀: "المشيئة: إرادة الله قال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فأعلم الله خلقه أن المشيئة له دون خلقه، وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء" (٢).
ومما يلحق بذلك قول البعض: (ما لي غير الله وأنت) و (أنا داخل على الله وعليك)، وأقبح منه قول البعض: (باسم الله والوطن)، أو (باسم الله والشعب)، ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي تضمنت سوء الأدب وسوء الظن بالرب المالك القدير.
يقول الإمام ابن القيم: "وفي معنى هذا الشرك المنهي عنه قول من لا يتوقى الشرك: (أنا بالله وبك) (وأنا في حسب الله وحسبك) (ومالي إلا الله وأنت) (وأنا متوكل على الله وعليك) (وهذا من الله ومنك) (والله لي في السماء وأنت لي في الأرض)، و (الله وحياتك)، وأمثال هذا من الألفاظ التي يجعل فيها قائلها المخلوق ندًّا للخالق، وهي أشد منعًا وقبحًا من قوله: (ما شاء الله وشئت) " (٣).
ثامنًا: ومن أنواع الشرك الأصغر وتتناوله القاعدة في كونه وسيلة إلى الشرك الأكبر الخوف من غير الله المؤدي إلى ترك الطاعة وفعل المعصية، وكذا رجاء غير الله فيما يملكه المخلوق ويقدر عليه، وكذلك محبة ما يبغضه الله تعالى مما حرمه، ومن ذلك التوكل والاعتماد على غير الله تعالى فيما يقدر عليه ذلك الغير من الأسباب الظاهرة الحسية،
стр. 948
وهذا الشرك متعلق بالقلب، ويشبهه من يتوكل على سلطان أو ملك ظالم فيما جعله الله في يده من القوة والبطش أو الرزق والخير.
أما الخوف الشركي فأن يخاف ممن لا يملك أسباب الخوف الحسية والظاهرة، وكذا الرجاء فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وكذا من توكل واعتمد على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فذلك هو عين الشرك المخرج عن الإسلام، وعليه فالشرك الأصغر في الخوف والرجاء والتوكل يؤدي إلى الشرك الأكبر المحبط لجميع الأعمال.
يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وأما خوف المخلوق؛ فالمراد به الخوف الذي يحملك أن تترك ما فرض الله عليك، وتفعل ما حرم الله عليك خوفًا من ذلك المخلوق، وأما الرجاء فلعل المراد الذي يخرج العبد عن التوكل على الله، والثقة بوعده، وكل هذه الأمور كثيرة جدًّا.
وأما قولك: هل المراد به الشرك الأصغر أو الأكبر فهذا يختلف باختلاف الأحوال، وقد يتصنع لمخلوق فيخافه أو يرجوه فيدخل في الشرك الأصغر، وقد يتزايد ذلك ويتوغل فيه حتى يصل إلى الشرك الأكبر" (١).
ويقول الإمام ابن تيمية: "وإن كان مراده جنس الشرك؛ فيقال: ظلم العبد نفسه كبخله -لحب المال- ببعض الواجب هو شرك أصغر وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر، ونحو ذلك، فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه، ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار" (٢).
стр. 949
الفصل الثالث
القواعد المتعلقة بوسائل الشرك وأسبابه
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: قاعدة: سد الذرائع المفضية إلى الشرك
من المقاصد الشرعية.
المبحث الثاني: قاعدة: الحقائق لا تتغير بتغير
المسميات.
المبحث الثالث: قاعدة: تعظيم شعائر الله هو تعظيم لله
وعبادة له، فهو تابع لتعظيم الله وإجلاله.
стр. 950
المبحث الأول
قاعدة سد الذرائع المفضية إلى الشرك من المقاصد الشرعية
وتشتمل على عدة مسائل:
* المسألة الأولى* شرح مفردات القاعدة
معنى سد الذرائع:
السدُّ: هو الحاجز بين الشيئين، والبناء في مجرى الماء ليحجزه، والجمع: سدود وأسداد، فالسين والدال: أصل واحد، وهو يدل على ردم شيء، وملاءمته؛ من ذلك: سددت الثُّلْمَة سدًّا، وكل حاجز بين الشيئين سَدٌّ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ [الكهف: ٩٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ [يس: ٩] (١).
والذرائع: جمع ذريعة، والذريعة: الوسيلة (٢)، وقد تَذرَّعَ فلان
стр. 951
بذريعة؛ أي: تَوَسَّلَ، والذريعة: السبب إلى الشيء، وقولهم فلان ذَرِيعتي إلى كذا، وهذا الأمر ذَرِيعَتي؛ أي: سببي ووسيلتي إليه، ومعنى الذريعة في كلام العرب: ما يدني الإنسان من الشيء ويُقرِّبه منه، والأصل في هذا: أنْ يُرْسَلَ البعيرُ مع الوحش يرعى معها، حتى يأنس بالوحش، ويأنس به الوحش، فإذا أراد الرجل أن يصيدها استتر بالبعير، حتى إذا حاذى الوحش وداناها رماها فصادها، ويسمُّون هذا البعير الذريعة، ثم جُعِلت الذريعةُ مثلًا لكل شيء أَدْنى من شيء وقَرَّب منه (١).
وبهذا يظهر الاتفاق بين معنى الوسيلة والذريعة من جهة المعنى العام، وهي ما يتوصل به إلى الشيء، سواء كان هذا الشيء خيرًا أم شرًا، مصلحة أو مفسدة، وهذا هو معنى الذريعة العام.
غير أن غالب أهل الفقه قد اصطلحوا على أن الذرائع هي: الطرق المفضية إلى المفاسد والشرور -خاصة-، أو هي: الأشياء الّتي ظاهرها الإباحة ويتوصّل بها إلى فعل محظور.
يقول الإمام ابن تيمية: "والذريعة: ما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة: عما أفضت إلى فعل محرم، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة، ولهذا قيل: الذريعة الفعل الذي ظاهره أنه مباح، وهو وسيلة إلى فعل المحرم، أما
стр. 952
إذا أفضت إلى فساد ليس هو فعلًا كإفضاء شرب الخمر إلى السكر، وإفضاء الزنا إلى اختلاط المياه، أو كان الشيء نفسه فسادًا؛ كالقتل، والظلم، فهذا ليس من هذا الباب، فإنا نعلم إنما حرمت الأشياء لكونها في نفسها فسادًا، بحيث تكون ضررًا لا منفعة فيه، أو لكونها مفضية إلى فساد، بحيث تكون هي في نفسها فيها منفعة، وهي مفضية إلى ضرر أكثر منها" (١).
ويقول القرطبي: "والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع" (٢).
ويقول الإمام محمد بن جزي (٣) الغرناطي المالكي: "وأما سد الذرائع فمعناه: حسم مادة الفساد بقطع وسائله" (٤).
فالذريعة في الأصل مباحة لكن يتوصل بها إلى المحرم، فنهى الشارع عن هذا المباح خوفًا من أثره، وهو الوصول إلى المحرم والفساد.
يقول الإمام الشاطبي: "وقد منع الله أشياء من الجائزات لإفضائها إلى الممنوع" (٥).
وعليه فمعنى سدّ الذّريعة: حسم مادّة وسائل الفساد وسد بابها دفعًا
стр. 953
لها؛ إذا كان الفعل السالم من المفسدة وسيلةً إلى مفسدة، وإن لم تكن المفسد مقصودة.
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
لا شك أن قاعدة سد الذرائع عمومًا من القواعد العظيمة في الشريعة الإسلامية، بل هي جزء عظيم لا يتجزأ عن تكاليف الشريعة، ظهرت فيه حكمة الله سبحانه، وكمال تشريعاته، وحسن أحكامه، وأنها تقود إلى المقاصد الحميدة، والنتائج السليمة الموافقة للعقول الصحيحة، والعارف البصير من نظر في الأسباب وتحقق من غاياتها، وعرف نتائجها، وتأمل مقصادها وما تؤول إليه.
يقول الإمام ابن القيم عن هذه القاعدة: "وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين" (١).
واعلم أنه يعظم تطبيق هذه القاعدة ويزداد وجوبًا كلما عظم المنكر والشر الذي يراد سد بابه، وقفل طريقه، وحسم مادته، إذ المحرمات تتفاوت درجاتها، وأعظمها هو الشرك بالله ﵎، وعدم الإخلاص في العبادة، فهو الداء الخطير، والسم القاتل، والمرض العضال الذي متى ما وقع فيه الإنسان خسر الدنيا والآخرة، وكان من أهل النار، وسكان دار البوار، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا؛ ولذا كان اعتماد هذه القاعدة في هذا الباب فرض واجب وحتم لازم؛ من
стр. 954
أجل السلامة من الشرك كبيره وصغيره، وتخليص القلوب لربها ومالكها.
والقاعدة دلت على أن من المقاصد الشرعية، والقواعد المرعية في شريعة الإسلام سدّ باب الذرائع المؤدية إلى الشرك، والموصلة إلى تعليق القلوب لغير باريها وخالقها.
* المسألة الثالثة* أدلة القاعدة
لقد حازت هذه القاعدة العظيمة على مكانة كبيرة في الشرع، ولذا فلا تكاد تحصر أدلتها من حيث عمومها إلا بشيء من الجهد، وفيما يأتي أذكر بعض ما وقفت عليه من ذلك، وسيكون التركيز على الأدلة المتعلقة بالعقيدة، والتي فيها سد الطرق المؤدية والموصلة إلى الشرك بجميع أنواعه، وقد أذكر بعض الأدلة العامة التي فيها اعتماد القاعدة عمومًا:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ [الأنعام: ١٠٨].
وجه الاستدلال من الآية: أن الله تعالى منع أهل الإيمان من سبِّ آلهة المشركين، ومن المعلوم أن سبَّ آلهتهم دائر بين الوجوب والندب والإباحة، ولكنه لما كان سبّ آلهتهم قد يفضي إلى سبّهم لله تعالى نهي عن ذلك؛ سدًا لهذه المفسدة وهذه الذريعة، وهي شتمهم لله تعالى، وظاهر الآية وإن كان نهيًا عن سبِّ الأصنام فحقيقته النهي عن سب الله تعالى؛ لأنَّه سبب لذلك (١).
стр. 955
يقول الإمام ابن تيمية في معرض ذكره لدلالة الآية على سد الذرائع: "حرَّم سب الآلهة مع أنه عبادة؛ لكونه ذريعة إلى سبهم ؛ لأن مصلحة تركهم سب الله سبحانه راجحة على مصلحة سبّنا لآلهتهم" (١).
ويقول الإمام ابن كثير في معنى الآية: "يقول الله تعالى ناهيًا لرسوله ﷺ والمؤمنين عن سبِّ آلهة المشركين وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبّ إله المؤمنين وهو: الله لا إله إلا هو، ومن هذا القبيل ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها" (٢).
ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في معنى الآية: "ينهى الله المؤمنين عن أمر كان جائزًا، بل مشروعًا في الأصل وهو سب آلهة المشركين التي اتخذت أوثانًا وآلهة مع الله، التي يتقرب إلى الله بإهانتها وسبها، ولكن لما كان هذا السب طريقًا إلى سب المشركين لرب العالمين الذي يجب تنزيه جنابه العظيم عن كل عيب وآفة وسب وقدح
стр. 956
نهى الله عن سب آلهة المشركين؛ لأنَّهم يتحمسون لدينهم ويتعصبون له؛ ... وفي هذه الآية الكريمة دليل للقاعدة الشرعية وهي: أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها، وأن وسائل المحرَّم ولو كانت جائزة تكون محرمة إذا كانت تفضي إلى الشر" (١).
ولكن إذا كان شتم المؤمنين للأصنام من الطاعات العظيمة التي يحبها الله ﵎، فما هي الحكمة من نهي الله تعالى عن سب آلهتهم، والجواب: أن هذا الشتم وإن كان طاعة إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم وجود منكر عظيم وجب الاحتراز منه، والأمر هاهنا كذلك؛ لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله، وشتم رسوله ﷺ ، وعلى فتح باب السفاهة، وعلى تنفيرهم عن قبول الدين، وإخال الغيظ والغضب في قلوبهم؛ فلكونه مستلزمًا لهذه المنكرات وقع النهي عنه (٢).
ثانيًا: قوله ﵎ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤].
تضمنت الآية الكريمة نهي المؤمنين عن قول (راعنا) للنبي ﷺ ، وذلك لكون اليهود كانوا يقولونها على أساس أنها (راعن) من الرعونة، وهي الجهل، يقولونها بقصد إيذائه ﵇، فيظهرون أنهم يريدون المراعاة، ويبطنون أنهم يريدون الرعونة، فنهى الله المسلمين عن قول هذه الكلمة سدًّا لذريعة الاتفاق الواقع في المعنى بين ما قصده المسلمون وقصده اليهود، والمسلمون قصدوا من (راعنا)؛ أي: انظرنا واسمع لنا، فنهى الله المؤمنين عن هذا القول سدًّا للذريعة لئلا يتطرق
стр. 957
منه اليهود إلى المحظور (١).
يقول الإمام الطبري في تفسير الآية: "والصواب من القول في نهي الله جل ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيه (راعنا) أن يقال: إنها كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه ﷺ نظير الذي ذكر عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقولوا للعنب الكرم ولكن قولوا الحبلة" (٢)، "ولا تقولوا عبدي ولكن قولوا فتاي" (٣)، وما أشبه ذلك من الكلمتين اللتين تكونان مستعملتين بمعنى واحد في كلام العرب، فتأتي الكراهة أو النهي باستعمال إحداهما واختيار الأخرى عليها في المخاطبات" (٤).
ويقول الإمام ابن القيم في الآية: "نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة مع قصدهم بها الخير؛ لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود
стр. 958
في أقوالهم، وخطابهم، فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويقصدون بها السب، يقصدون فاعلًا من الرعونة، فنهي المسلمون عن قولها سدًا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي ﷺ تشبهًا بالمسلمين، يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون" (١).
ثالثًا: قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ والدَيْهِ"، قيل: يا رَسول الله وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ والِدَيْهِ، قال: "يَسُبُّ الرَّجُلُ أبا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباهُ ويَسُبُّ أمّهُ فَيَسُبُّ أُمّهُ" (٢).
قال ابن بطال: "هذا الحديث أصل في سد الذرائع ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل وإنْ لم يقصد إلى ما يحرم والأصل في هذا الحديث قوله تعالى ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] " (٣).
ويقول الإمام ابن تيمية بعد ذكره للحديث: "فإذا كان النبي ﷺ قد جعل من الكبائر أن يسب الرجل أبا غيره لئلا يسب أباه، فكيف إذا سب هو أباه مباشرة، فهذا يستحق العقوبة التي تمنعه عن عقوق الوالدين" (٤).
رابعًا: نهى النبي ﷺ عن عدة أمور تتعلق بالقبور؛ كبناء المساجد عليها، بل لعن من فعل ذلك، ونهى عن الصلاة إليها وعندها، وعن تجصيصها وتشريفها، ونهى عن إيقاد المصابيح عليها، وأمر بتسويتها، ونهى عن اتخاذها عيدًا، وعن شد الرحال إليها (٥).
стр. 959
كل ذلك لئلا تكون هذه الأمور ذريعة إلى الغلو فيها، واتخاذها أوثانًا والإشراك بها، وقد منع ﷺ من هذه الأمور سواء قصدها المسلم أم لم يقصدها، بل منع من قصد خلافها سدًّا للذريعة (١).
يقول الإمام ابن تيمية: "واتخاذ المكان مسجدًا: هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها، كما تبنى المساجد لذلك، والمكان المتخذ مسجدًا إنما يقصد فيه عبادة الله، ودعاؤه، لا دعاء المخلوقين، فحرم ﷺ أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده؛ لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر، ودعائه، والدعاء به، والدعاء عنده، فنهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله، والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه" (٢).
ويقول الإمام ابن عبد الهادي (٣): "فإن النصوص التي صحت عنه ﷺ بالنهي عن تعظيم القبور بكل نوع يؤدي إلى الشرك ووسائله؛ من الصلاة عندها وإليها، واتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وشد الرحال إليها، وجعلها أعيادًا يجتمع لها كما يجتمع للعيد، ونحو ذلك
стр. 960
صحيحة صريحة محكمة فيما دلت عليه، وقبور المعظمين مقصودة بذلك النص والعلة، ولا ريب أن هذا من أعظم المحاذير، وهو أصل أسباب الشرك، والفتنة به في العالم" (١).
ويقول الحافظ ابن حجر في مسألة اتخاذ المساجد على قبور الصالحين مرجحًا للمنع من ذلك سدًّا للذريعة: "وقد يقول بالمنع مطلقًا من يرى سد الذريعة، وهو هنا متجه قوي " (٢).
ونقل الإمام الصنعاني عن الشيخ شَرَفِ الدِّين الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَغْرِبِيِّ (٣) فقال: "وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ الْمُعَبَّرُ فِيهَا بِاللَّعْنِ وَالتَّشْبيهِ بِقَوْلِهِ: "لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله" تُفِيدُ التَّحْرِيمَ لِلْعِمَارَةِ، والتَّزْيِينِ، وَالتَّجْصِيصِ وَوَضْعِ الصُّنْدُوقِ الْمُزَخْرَفِ، وَوَضْعِ السَّتَائِر عَلَى الْقَبْرِ، وَعَلَى سَمَائِهِ، وَالتَّمَسُّحِ بِجِدَارِ الْقَبْرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُفْضِي مَعَ بُعْدِ الْعَهْدِ، وَفشو الْجَهْلِ إِلَى مَا كَانَ عَليْهِ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَكَانَ فِي الْمَنْعِ عَنْ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ قَطَعًا لِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْفَسادِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْحِكْمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي شَرْعِ الْأَحْكَامِ؛ مِنْ جَلْبِ الْمَصالِحِ، وَدَفْعِ الْمَفَاسِدَ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِأَنْفُسِهَا، أَوْ بِاعْتِبارِ مَا تُفْضي إِلَيْهِ" (٤).
стр. 961
ويقول الإمام الشنقيطي في المسألة: "ومعلوم أن قبور الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- ليست نجسة، فالعلة للنهي سد الذريعة؛ لأنَّهم إذا عبدوا الله عند القبور آل بهم الأمر إلى عبادة القبور، فالظاهر من النصوص المذكورة منع الصلاة عند المقابر مطلقًا" (١).
ويقول محمد ابن الحاج (٢): في حكم البناء على القبور: "وأما تعلية البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيمًا وتعظيمًا فذلك يهدم ويزال؛ فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبيهًا بمن كان يعظم القبور ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني، وظاهر النهي ينبغي أن يقال: هو حرام" (٣).
ويقول الإمام الصنعاني في علة تحريم البناء على القبور: "والظاهر أن العلة سدُّ الذريعة، والبعد عن التشبيه بعبدة الأوثان، الذين يعظمون الجمادات التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر؛ ولما في إنفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية، ولأنَّه سبب لإيقاد السرج عليها الملعون فاعله، ومفاسد ما يُبنى على القبور من المشاهد والقباب لا تحصر" (٤).
خامسًا: نهيه ﷺ عن مشابهة المشركين وأهل الكتاب في عباداتهم وفي هديهم الظاهر؛ لئلا تكون هذه المشابهة ذريعة للمشابهة في الباطن، وليحصل كمال التمييز، فإن المشابهة في الظاهر تدعو إلى المشابهة في
стр. 962
الباطن بحسبها، وهذا أمر معلوم بالمشاهدة، قد دلَّ عليه الشرع والعقل والحس (١).
وكما نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح؛ فإن الكفار يسجدون للشمس في هذين الوقتين، فمنع من الصلاة فيهما سدًّا للذريعة.
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن المشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة، على وجه المسارقة، والتدريج الخفي، والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضًا مناسبة، وائتلافًا وإن بعد المكان والزمان، فهذا أيضًا أمر محسوس.
فمشابهتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في عين الأخلاق والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات، وتأثير ذلك لا يظهر ولا ينضبط، ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر ولا ينضبط، وقد يتعسر أو يتعذر زواله بعد حصوله لو تفطن له، وكل ما كان سببًا إلى مثل هذا الفساد فإن الشارع يحرمه كما دلت عليه الأصول المقررة (٢).
ويقول الإمام ابن القيم: "ونهى عن التشبه بأهل الكتاب، وغيرهم من الكفار في مواضع كثيرة؛ لأن المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة؛ فإنه إذا أشبه الهدي الهدي، أشبه القلب القلب" (٣).
كما نهى عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة؛ كقوله: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" (٤)، وقوله: "خالفوا اليهود فإنهم
стр. 963
لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم" (١)، وقوله ﷺ في صيام عاشوراء: "فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع" (٢)، مخالفة لليهود، وقوله: "ليس منا من تشبه بغيرنا" (٣)، وقوله: "من تشبه بقوم فهو منهم" (٤)، وسر ذلك أن المشابهة في الهدى الظاهر ذريعة إلى الموافقة في القصد والعمل (٥).
يقول الإمام ابن كثير: "والمقصود من هذه الأخبار عما يقع من الأقوال، والأفعال المنهي عنها شرعًا، مما يشابه أهل الكتاب قبلنا: أن الله ورسوله ينهيان عن مشابهتهم في أقوالهم، وأفعالهم، حتى لو كان
стр. 964
قصد المؤمن خيرًا؛ لكنه تشبه، ففعله في الظاهر فعلهم، وكما نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا تشابه المشركين الذين يسجدون للشمس حينئذٍ، وإن كان المؤمن لا يخطر بباله شيء من ذلك بالكلية، وهكذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤]، فكان الكفار يقولون للنبي ﷺ كلامهم معه (راعنا)؛ أي: انظر إلينا ببصرك، واسمع كلامنا، ويقصدون بقولهم: (راعنا) من الرعونة: فنهى المؤمنين أن يقولوا ذلك، وإن كان لا يخطر ببال أحد منهم هذا أبدًا ... فليس للمسلم أن يتشبه بهم؛ لا في أعيادهم، ولا مواسمهم، ولا في عباداتهم؛ لأن الله تعالى شرف هذه الأمة بخاتم الأنبياء، الذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل، الذي لو كان موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة، وعيسى ابن مريم الذي أنزل عليه الإنجيل حين لم يكن لهما شرع متبع، بل لو كانا موجودين، بل وكل الأنبياء لما ساغ لواحد منهم أن يكون على غير هذه الشريعة المطهرة المشرفة المكرمة المعظمة، فإذا كان الله تعالى قد من علينا بأن جعلنا من أتباع محمد ﷺ فكيف يليق بنا أن نتشبه بقوم قد ضلُّوا من قبل، وأضلوا كثيرًا، وضلوا عن سواء السبيل، قد بدَّلوا دينهم، وحرّفوه، وأوَّلوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أولًا، ثم هو بعد ذلك كله منسوخ، والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلًا ولا كثيرًا، ولا فرق بينه وبين الذي لم يشرع بالكلية" (١).
سادسًا: نهى النبي ﷺ الصحابة ﵃ عن التشريك في اللفظ بين الله وبين عباده؛ سواء في مخاطبتهم للنبي ﷺ أو في التخاطب فيما بينهم؛ وذلك سدًّا لذريعة التشريك في المعنى والاعتقاد.
стр. 965
من ذلك قوله ﷺ عن ابن عباس وعيهنما: أن رجلًا قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، فقال له النبي ﷺ : "أجعلتني والله عدلًا بل ما شاء الله وحده" (١).
يقول الإمام ابن القيم مبينًا حرصه ﵇ على أصحابه: "وذم الخطيب الذي قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن عصاهما فقد غوى" (٢)؛ سدًّا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ، ولهذا قال للذي قال له ما شاء الله وشئت: (أجعلتني لله ندًا)، فحسم مادة الشرك، وسد الذريعة إليه في اللفظ، كما سدّها في الفعل والقصد، فصلاة الله وسلامه عليه، وعلى آله أكمل صلاة وأتمها وأزكاها وأعمَّها" (٣).
ومن ذلك نهيه ﷺ عن قول السيد عبدي وأَمَتي، وعن قول المملوك ربي؛ وذلك سدًّا لذريعة التشريك في المعنى.
فعن أبي هريرة ﵁ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ، ولْيَقُلْ سَيِّدي ومَوْلاي، ولا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتي ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتَاتي وغُلامِي" (٤).
стр. 966
قال الإمام النووي: "قال العلماء مقصود الأحاديث شيئان، أحدهما: نهى المملوك أن يقول لسيده ربي؛ لأن الربوبية إنما حقيقتها لله تعالى؛ لأن الرب هو المالك أو القائم بالشيء، ولا يوجد حقيقة هذا إلا في الله تعالى ...
الثاني: يكره للسيد أن يقول لمملوكه عبدي وأَمَتي، بل يقول غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي؛ لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى؛ ولأن فيها تعظيمًا بما لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه" (١).
وقال الحافظ ابن حجر: "فأرشد ﷺ إلى العلة في ذلك؛ لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى؛ ولأن فيها تعظيمًا لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه" (٢).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في بيان علة النهي: "لما في ذلك من الإيهام من المشاركة في الربوبية، فنهى عن ذلك أدبًا مع جناب الربوبية، وحماية لجناب التوحيد" (٣).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في توجيه النهي: "لأن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لله، منهي عن المضاهاة بهذا الاسم، لما فيه من التشريك في اللفظ، وإن كان يطلق لغة، فالنبي ﷺ نهى عنه تحقيقًا للتوحيد، وسدًّا لذرائع الشرك، والله تعالى رب العباد جميعهم، فإذا أطلق على غيره شاركه في الاسم، فنهى عن ذلك لذلك، وإن لم يقصد بذلك التشريك في الربوبية التي هي وصف الله تعالى، وإنما
стр. 967
المعنى أن هذا مالك له، فيطلق عليه هذا اللفظ بهذا الاعتبار فنهى عنه حسمًا لمادة التشريك بين الخالق والمخلوق، وتحقيقًا للتوحيد، وبعدًا عن الشرك حتى في اللفظ، وأما ما لا تعبد عليه من سائر الحيوانات والجماد فلا يمنع منه كقوله: رب الدار، ورب الدابة" (١).
* المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
يكاد يقع الاتفاق من أهل العلم على تقرير القاعدة واعتمادها والعناية بها؛ قاعدة شرعية واسعة الانتشار والاستعمال في جميع أبواب الشريعة كلها، وقد كان الاهتمام بهذه القاعدة في جانب العقيدة أكبر، وكانت العناية بها أشد؛ لخطورة هذا الباب، وما يترتب عليه من آثار، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من أقوال العلماء في تقرير هذه القاعدة خاصة فيما يتعلق بباب العقيدة (٢).
يقول الإمام ابن القيم بعد أن ذكر أدلة سد الذرائع في الشرع: "وليس المقصود استيفاء أدلة المسألة من الجانبين، وإنما الغرض التنبيه على أن من قواعد الشرع العظيمة قاعدة سد الذرائع" (٣).
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: "ومنها القاعدة الكلية، والأصل العظيم، وهو سد الذرائع المفضية إلى أشد المفاسد، إذ الوسائل لها حكم الغايات" (٤).
وقال ﵀ أيضًا: "سد الذرائع، وقطع الوسائل، من أكبر أصول
стр. 968
الدين وقواعده، وقد رتب العلماء على هذه القاعدة، من الأحكام الدينية تحليلًا وتحريمًا، ما لا يحصى كثرة، ولا يخفى أهل العلم (١) والخبرة، وقد ترجم شيخ الدعوة النجدية، قدس الله روحه، لهذه القاعدة في كتاب التوحيد، فقال: باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك، وساق بعض أدلة هذه القاعدة" (٢).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: "وكلما أدى إلى محرم فهو محرم، فإن الوسائل لها حكم الغايات، فوسائل الشرك محرمة، لأنها تؤدي إليه" (٣).
ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "ومعلوم أن سد الذرائع المفضية للمحرمات من أهم أبواب الشريعة الكاملة" (٤).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة عن القاعدة ما نصه: "ولقد جاءت أدلة كثيرة في الكتاب والسُّنَّة تدل دلالة قاطعة على أن سد الذرائع إلى الشرك والمحرمات من مقاصد الشريعة" (٥).
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "سدّ الذرائع وقطع الوسائل الموصلة إلى الشرك من أكبر أصول الدين وقواعده" (٦).
وقال ﵀ أيضًا: "وقد جاءت الشريعة الإسلامية الكاملة بسد الذرائع المفضية إلى الشرك أو المعاصي" (٧).
стр. 969
ويقول الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله- في شرحه لكتاب "التوحيد": "وقد تقرر في القواعد الشرعية، وأجمع عليه المحققون: أن سد الذرائع الموصلة إلى الشرك، وإلى المحرمات، أمر واجب، لأن الشريعة جاءت بسد أصول المحرمات، وسد الذرائع إليها، فيجب أن يغلق كل باب من أبواب الشرك بالله" (١).
* المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
قاعدة سد الذرائع من القواعد العظيمة التي يجب اعتبارها ومراعاتها، لا سيما في جانب التوحيد، وفوائد هذه القاعدة لا تكاد تحصر، واستعمالها لا ينتهي؛ وذلك لصلاحيتها لكل زمان، ودخولها في جميع القضايا الطارئة التي تكون في نفسها مباحة وجائزة ولكنها تؤدي إلى شر وفساد، وفيما يأتي بعض الفوائد المستفادة من هذه القاعدة:
أولًا: بتأمل أفراد القاعدة وجزئياتها وفرعياتها، سواء العقدية أو الفقهية، تتبيّن عظمة هذا الدين، وموافقته للعقول الصحيحة، والأفهام السليمة، وبعده عن المتناقضات، إضافة إلى ما اشتملت عليه أحكامه من الحكم الجليلة، بمراعاة المقاصد، وما يتبعها من تقدير المصالح والمفاسد، ومن عرف مقاصد الشرع في سد الذرائع المفضية إلى الشر والفساد ازداد يقينه، وقوي إيمانه، بكمال هذه الشريعة السمحاء التي أنعم الله بها على أمة الإسلام على يد أحب الخلق إليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ﵇ (٢).
يقول الإمام ابن القيم: "لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا
стр. 970
بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها، معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها، وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرَّم الرب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده، أو رعيته، أو أهل بيته، من شيء ثم أباح لهم الطرق، والأسباب، والذرائع الموصلة إليه، لَعُدَّ متناقضًا، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده. وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة، التي هي في أعلى درجات الحكمة، والمصلحة، والكمال، ومن تأمل مصادرها، ومواردها، علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرَّمها، ونهى عنها" (١).
ثانيًا: أن الذرائع حكمها بحسب المتذرع إليه؛ فإن كان المتذرع إليه شرًا ومفسدة كانت الذريعة شرًّا وفسادًا وينهى عنها حينئذٍ، وإن كان المتذرع إليه جائزًا أو مشروعًا كانت الذريعة بحسب ذلك، فتسد الذرائع التي تؤدي إلى الشر والفساد بكل صوره وألوانه، وتفتح الذريعة التي توصل إلى الجائز أو المشروع، فقد يكون فعل الذريعة واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا بحسب مرتبة المتذرّع إليه (٢).
стр. 971
يقول الإمام الشاطبي: "الذرائع في الحكم بمنزلة المتذرع إليه، ومنه ما ثبت في "الصحيح" من قول رسول الله ﷺ : "من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه"، قالوا يا رسول الله: وهل يسب الرجل والديه، قال: "نعم؛ يسب أبا الرجل فيسب أباه وأمه" فجعل سب الرجل لولدي غيره بمنزلة سبه لوالديه نفسه، حتى ترجمه عنها بقوله: (أن يسب الرجل والديه) ولم يقل: (أن يسب الرجل والدي من يسب والديه) أو نحو ذلك، وهو غاية معنى ما نحن فيه" (١).
ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين: "والذرائع نوعان:
أ- ذرائع إلى أمور مطلوبة، فهذه لا تسد، بل تفتح وتطلب.
ب- ذرائع إلى أمور مذمومة؛ فهذه تسد ...
وذات الأنواط وسيلة إلى الشرك الأكبر، فإذا وضعوا عليها أسلحتهم وتبركوا بها؛ يتدرج بهم الشيطان إلى عبادتها وسؤالهم حوائجهم منها مباشرة، فلهذا سد النبي ﷺ الذرائع" (٢).
ثالثًا: ما نهي عنه من الأمور التي هي مباحة في الأصل أو مشروعة سدًّا للذريعة فإنه يباح وتفعل الذريعة إذا انتفت المفسدة، أو كان في فعلها مصلحة راجحة فاقت تلك المفسدة، ولا شك أن مرجع النظر في هذه الأمور للراسخين من أهل العلم.
يقول الإمام ابن تيمية: "فالنهى عن الصلاة فيها -أي: في أوقات النهي- هو من باب سد الذرائع؛ لئلا يتشبه بالمشركين فيفضي إلى الشرك، وما كان منهيًا عنه لسد الذريعة لا لأنه مفسدة في نفسه يشرع إذا كان فيه مصلحة راجحة، ولا تُفَوت المصلحة لغير مفسدة راجحة، والصلاة لله فيه ليس فيها مفسدة، بل هي ذريعة إلى المفسدة، فإذا
стр. 972
تعذرت المصلحة إلا بالذريعة شرعت، واكتفى منها إذا لم يكن هناك مصلحة، وهو التطوع المطلق، فإنه ليس في المنع منه مفسدة، ولا تفويت مصلحة؛ لإمكان فعله في سائر الأوقات" (١).
وذلك كالنهي أول الإسلام عن زيارة القبور سدًّا لذريعة الشرك، فلما استقر التوحيد في نفوسهم، وقوي الإيمان في قلوبهم أذن في زيارتها، وهذا يدل على أن النهي كان بسبب الخوف من الفتنة بالقبور أول الأمر، ولما كان يحصل عندها من الأقوال المنكرة، والأفعال الشنيعة، فسدت ذريعة ذلك بمنع الزيارة (٢).
يقول الإمام ابن القيم: "بل كان في أول الإسلام قد نهى عن زيارة القبور؛ صيانة لجانب التوحيد، وقطعًا للتعلق بالأموات، وسدًّا لذريعة الشرك التي أصلها تعظيم القبور وعبادتها كما قال ابن عباس، فلما تمكن التوحيد من قلوبهم، واضمحل الشرك، واستقر الدين أذن في زيارة يحصل بها مزيد الإيمان، وتذكير ما خلق العبد له من دار البقاء، فأذن حينئذٍ فيها، فكان نهيه عنها للمصلحة، وأذنه فيها للمصلحة.
وأما النساء؛ فإن هذه المصلحة وإن كانت مطلوبة منهن لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام، من فتنة الأحياء، وإيذاء الأموات، والفساد الذي لا سبيل إلى دفعه إلا بمنعهن منها أعظم مفسدة من مصلحة يسيرة تحصل لهن بالزيارة، والشريعة مبناهما على تحريم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته، ورجحان هذه المفسدة لا خفاء به، فمنعهن من الزيارة من محاسن الشريعة" (٣).
وليس في ترك الزيارة المتذرع بها إلى الشرك أو الفساد أدنى
стр. 973
غضاضة، ولو كانت قربة وطاعة؛ لأن مفسدتها راجحة، وليس فيها مصلحة راجحة، والشريعة إنما تأمر بالمصالح الخالصة، أو الراجحة، وهذه ليس فيه مصلحة راجحة، بل إما أن يكون مفسدة محضة، أو مفسدة راجحة وكلاهما غير مشروع (١).
يقول الإمام ابن عبد الهادي: "وكيف يقاس على الزيارة التي لا يتعلق بها مفسدة البتة، بل هي مصلحة محضة الزيارة التي يخشى بها أعظم الفتنة، وتتخذ وسيلة إلى ما يبغضه المزور، ويكرهه، ويمقت فاعله، حتى لو كانمت الزيارة من أفضل القربات، وكانمت ذريعة ووسيلة إلى ما يكرهه المزور ويبغضه لنهي عنها طاعة له، وتعظيمًا، ومحبة، وتوقيرًا، وسعيًا في محابه، كما نهي عن الصلاة التي هي قربة إلى الله في الأوقات المخصوصة؛ لما يستلزمه من حصول ما يكرهه الله، ويبغضه، ولم يكن في ذلك إخلال بتعظيم الله، بل هذا عين تعظيمه وإجلاله وطاعته، فتأمل هذا الموضع حق التأمل؛ فإنه سر الفرق بين عباد القبور وأهل التوحيد" (٢).
رابعًا: ومما استعمل فيه أهل العلم قاعدة (سد الذرائع) لسد الطرق المفضية إلى الشرك ووسائله ما فعله المسلمون حيال حجرة النبي ﷺ من تعلية الحيطان، وإحاطتها بالجدر الثلاثة، وسد جميع المنافذ المؤدية إليها، كل ذلك سدًّا لذريعة الغلو والمبالغة في ذلك المؤديان إلى الشرك بالله العظيم، واتخاذه ندًّا مع الله ﵎، وسدًّا لذريعة اتخاذ قبره قبلة، وغير ذلك.
يقول الإمام القرطبي: "ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي ﷺ ؛ فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها
стр. 974
محدقة بقبره ﷺ ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره" (١).
خامسًا: إن حسن النية والقصد لا يسوغ إباحة الفعل الذي حُرّم سدًّا للذريعة؛ لأن التحريم لم يراع فيه قصد المتذرع بالذريعة، وهل نيته حسنة أم سيئة، بل حرمت الشريعة الذريعة المؤدية إلى الشر والفساد والمنكر، حتى ولو كانت نيته صالحة، وقصده حسنًا.
стр. 975
المبحث الثاني
قاعدة الحقائق لا تتغير بتغير المسميات
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى* شرح ألفاظ القاعدة
الحقائق: جمع حقيقة، وهي الشيء الثابت يقينًا، أو هي ما استعمل في معناه الأصلي، وحقيقة الشيء: خالصه وكنهه، وحقيقة الأمر: يقين شأنه، وقيل: حقيقة الشيء: منتهاه وأصله المشتمل عليه (١).
الأَسْمَاء: جَمْعُ اسْمٍ، والاسْمُ: هُوَ اللفْظُ المَوْضُوعُ لِلدَّلَّالَة عَلَى المُسَمَّى، وَقِيلَ: هُوَ اللفْظُ الدَّالُّ عَلَى المَعْنَى بِالوضْعِ لُغَة، وَقِيلَ الاسْمُ: مَا يُعْرَفُ بِهِ ذَاتُ الشَّيْء وَأَصْلُهُ، وَلَيْسَ الِاسْمُ نَفْسَ الْمُسَمَّى، فَإِنَّ الِاسْمَ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ، وَالْمُسَمَّى هُوَ الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الِاسْمِ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ نَفْسَ التَّسْمِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا فِعْلُ الْمُسَمِّي. فالاسْمُ: لَفْظ مَوْضُوعٌ عَلَى الذَّاتِ لِتَعْرِيفَهَا أَوْ لِتَخْصِيصِهَا عَنْ غَيْرِهَا كَلَفْظِ زَيْدٍ، وَالْمُسَمَّى هُوَ الذَّاتُ الْمَقْصُودُ تَمْيِيزُهَا بِالاسْمِ؛ كَشَخْصِ زَيْدٍ، وَالمُسَمِّي هُوَ الْوَاضِعُ لِذَلِكَ
стр. 976
اللَّفْظِ، والتَّسْمِيَةُ هِيَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ اللَّفْظِ بِتِلْكَ الذَّاتِ (١)(٢).
ولا يكاد ينفك اللفظ أو الاسم عن الحقيقة والمعنى؛ إذ لا سبيل إلى معرفة حقائق الأشياء إلا بتوسط الألفاظ، فإن الألفاظ قوالب المعاني، والأسماء قوالب المسميات (٣).
يقول الإمام الشوكاني: "فإن الألفاظ إنما هي قوالب المعاني، ولا تراد لذاتها أصلًا؛ لا عند أهل اللغة ولا عند أهل الشرع" (٤).
стр. 977
* المسألة الثانية * معنى القاعدة
دلت القاعدة على أن حقائق الأشياء ومعانيها اللغوية أو الشرعية لا تتغير بتغير الألفاظ والأسماء، كما أن الأحكام الشرعية مرتبطة بالحقائق والمعاني، فمتى ما وجدت الحقيقة وجد الحكم بغض النظر عن اختلاف الأسماء وتنوع الألفاظ؛ إذ الأسماء عرضة للتغيير حسب الأزمنة والأمكنة وأعراف الناس، وهذا أمر مشاهد بين الناس ولا ينكره منكر.
يقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ﵀: "فمن صرف لغير الله شيئًا من أنواع العبادة فقد عبد ذلك الغير واتخذه إلهًا، وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فرَّ من تسمية فعله ذلك تألهًا وعبادة وشركًا، ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسماءها ... فالشرك إنما حرم لقبحه في نفسه، وكونه متضمنًا مسبة للرب، وتنقصه وتشبيهه بالمخلوقين، فلا تزول هذه المفاسد بتغيير اسمه، كتسميته توسلًا، وتشفعًا، وتعظيمًا للصالحين، وتوقيرًا لهم، ونحو ذلك، فالمشرك مشرك شاء أم أبى (١).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
المتأمل في النصوص الشرعية يجد فيها تقرير وتكرير ما دلت عليه القاعدة من كون العبرة بالحقائق وليست بالألفاظ، وأن الأحكام دائرة مع الحقائق وإن اختلفت الألفاظ، وفيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي من أدلة تصلح للاحتجاج للقاعدة:
стр. 978
أولًا: النصوص الدالة على حرمة التحايل على المحرمات الذي هو فعل اليهود وصفتهم الغالبة، ومن ذلك:
ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتْ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ بِأَدْنَى الْحِيَلِ" (١).
وقد جاء فعل اليهود في تحايلهم على تحليل الشحوم التي حرمها الله عليهم، ففي "الصحيحين" عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ - رضي الله تعالى عنهُ - يَقُولُ: قاتَلَ الله فُلانًا ألَم يَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: " لَعَنَ الله اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوها فَبَاعُوهَا" (٢).
ولا شك أن تغيير الألفاظ الشرعية التي لها دلالات معينة، وحقائق ثابتة، ومن ثم تسميتها بأسماء أخرى مألوفة وغير منفرة من أجل إباحتها وتجويزها من أعظم الحيل المحرمة.
ووجه الشاهد من هذه الأدلة: أنه لو كان مجرد تغيير الاسم واللفظ يؤثر في تغيير المعنى والمضمون لما حُرِّمَت الحيل أصلًا؛ لأنَّه بتغيير الاسم واللفظ سيتغير المعنى وينتقل إلى حقيقة أخرى غير الحقيقة الأولى، وعندها فلا مانع من أن يكون للحقيقة الثانية حكم آخر يختلف عن الأول. لكن مع تحريم هذا الصنيع دلالة على أن تغيير اللفظ والاسم
стр. 979
لا يغير في الحقيقة شيئًا، بل هي باقية والحكم يدور معها وجودًا وعدمًا لا مع الاسم واللفظ.
يقول الإمام ابن القيم معلِّقًا على حيلة اليهود في الشحوم: "وجملوها: يعني أذابوها وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك؛ ليزول عنها اسم الشحم ويحدث لها اسم آخر وهو الوَدَك (١)، وذلك لا يفيد الحِلَّ؛ فإن التحريم تابع للحقيقة، وهي لم تتبدل بتبدل الاسم" (٢).
فاليهود لعنوا لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله، ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع، كما أنه لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها؛ فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم، وتنتقل إلى اسم الودك، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك (٣).
ومما يدل على صحة القاعدة مما هو داخل في حكم الحيل أيضًا: ما جاء عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أناسًا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها" (٤)، وفي رواية عند الدارمي من طريق عائشة ﵂: "يسمونها بغير اسمها فيستحلونها" (٥)؛ يعني: الخمر.
стр. 980
يقول الشيخ السندي ﵀: " (يسمونها بغير اسمها): قاله في محل
الذم، فيدل على أن التسمية والحيلة لا تجعلان الحرام حلالًا" (١).
ويقول الشيخ عبد الله أبا بطين ﵀: "التسمية لا حكم لها، ولا تتغير حقيقة الشيء بتغير الاسم كما جاء عنه ﷺ : " أنه يأتي ناس من أمتي يسمون الخمر بغير اسمها"، وكذا من سمى الزنا نكاحًا، فالتسمية لا تزيل الاسم ولا الحكم؛ ومن عامل معاملة ربوية فهو مرابي وإن لم يسمه ربًا، فكذا من ارتكب شيئًا من الأمور الشركية فهو مشرك وإن سمى ذلك توسلًا وتشفعًا ونحوه" (٢).
ولا شك أن إبليس قد سبق اليهود عليهم لعائن الله على هذا المنهج المنحرف، إذ هو قائدهم الأول، وإمامهم الأعظم في التلبيس والتدليس والكذب على الله ﵎.
يقول الإمام الصنعاني: "وأول من سمى ما فيه غضب الله وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين إبليس لعنه الله، فإنه قال لأبي البشر آدم ﵇: ﴿يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]، فسمى الشجرة التي نهى الله تعالى آدم عن قربانها - غرورًا وتدليسًا - بالاسم الذي اخترعه لها، كما يسمي إخوانه المقلدون له الحشيشة بلقمة الراحة، وكما يسمي الظلمة ما يقبضونه من أموال عباد الله ظلمًا وعدوانًا: أدبًا، فيقولون: أدب القتل، أدب السرقة، أدب التهمة، بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب، كما يحرفونه في بعض المقبوضات إلى سم (النفاعة)، وفي بعضها إلى اسم (السياقة)، وفي بعضها أدب المكاييل والموازين.
стр. 981
وكل ذلك اسمه عند الله ظلم وعدوان، كما يعرفه من شم رائحة الكتاب والسُّنَّة، وكل ذلك مأخوذ عن إبليس حيث سمى الشجرة المنهي عنها شجرة الخلد" (١).
ثانيًا: إنكاره على المشركين تسمية أصنامهم وأوثانهم بأنهم آلهة، وأنها مجرد أسماء لا حقيقة لها، ولا نصيب لها من خصائص الإلهية شيء البتة، وهذا الإنكار من الله تعالى عليهم يدل على أن العبرة بحقائق الأشياء وما هي عليه من الصفات الثابتة، أما مجرد إطلاق الأسماء والألفاظ على ما هو عار وخواء من الحقائق والمعاني التي دلت عليها الألفاظ فلا اعتبار له، كما أن هذا التغيير في الألفاظ والأسماء لا أثر له في تغيير الحقائق البتة.
وعليه فهذه الأصنام والأوثان حقيقتها أنها حجارة، وهؤلاء المعبودون غايتهم أنهم بشر لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، بل وأموات قد استحالوا ترابًا ورفاتًا، فمهما بالغوا في تعظيمهم، وإلباسهم لباس العزة، وتسميتهم بأسماء العظمة، ووصفهم بأخص خصائص الإلهية، لم تكن سوى أسماء جوفاء، وألفاظ عارية فقيرة، متناقضة غاية التناقض مع حقيقة الحال.
يقول الإمام ابن تيمية: "ومن هذا الباب تسمية المعبودين آلهة، سموها بما لا تستحقه، كما يسمى الجاهل عالمًا، والعاجز قادرًا، وِالكذاب نبيًّا فلهذا قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] " (٢).
وقال أيضًا: "أخبر سبحانه أن الأسماء التي سماها المشركون أسماء ابتدعوها، لا حقيقة لها، فهم إنما يعبدودن أسماء لا مسميات لها؛
стр. 982
لأنه ليس في المسمى من الألوهية، ولا العزة، ولا التقدير شيء، ولم ينزل الله سلطانًا بهذه الأسماء، إن يتبع المشركون إلا ظنًا لا يغني من الحق شيئًا في أنها آلهة تنفع وتضر " (١).
ويقول الشيخ السعدي في معنى قوله تعالى: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الأعراف: ٧١]: "أي: كيف تجادلون على أمور لا حقائق لها، وعلى أصنام سميتموها آلهة، وهي لا شيء من الإلهية فيها، ولا مثقال ذرة" (٢).
ثالثًا: قصة ذات أنواط التي حدثت في خروج النبي ﷺ مع أصحابه
إلى خيبر فمر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ : "سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سُنَّة من كان قبلكم" (٣).
فلم يكن استبدالهم للفظ الآلهة بذات أنواط مؤثرًا ما دامت الحقيقة واحدة في كلتا الصورتين، فدل ذلك على أن الحقائق لا تتغير وإن تغيرت الأسماء والألفاظ.
يقول الشيخ سليمان آل الشيخ عقب ذكره للقصة: "وفيها أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء؛ ولهذا جعل النبي ﷺ طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونهم سموها ذات أنواط، فالمشرك وإن سمى شركه ما سماه؛ كمن يسمي دعاء الأموات، والذبح لهم، والنذر، ونحو ذلك تعظيمًا ومحبة فإن ذلك هو الشرك، وإن سماه ما سماه وقس على ذلك" (٤).
стр. 983
رابعًا: من المعلوم أن التفريق في الحكم بين الشيئين المتفقين في الحقيقة والمعنى والصفة لمجرد اختلاف الأسماء من الظلم العظيم الذي نهى الله عنه، بل هو تفريق بين المتماثلين، والله تعالى قد أمر بالعدل والاعتبار الذي هو القياس الشرعي، وهو التسوية في الحكم بين المتماثلين في الحقيقة والمعنى ولو اختلفت الألفاظ، وتنوعت الأسماء، فلا فرق بين شرك وشرك، ولا بين شراب مسكر وآخر مثله باسم آخر، وهكذا (١).
خامسًا: كما لا يخفى أن التحريم الشرعي إنما يكون تابعًا للحقيقة والمفسدة لا للاسم والصورة؛ فإن إيقاع العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة بسبب شرب الخمر، وكذا سوء الظن وقلة الأدب مع الله، وتشبيه المخلوق بالخالق، والتنقص لعظمة الألوهية والربوبية الحاصل بسبب الإشراك في عبادة الله تعالى لا يزول، ولا يتغير بتبديل الأسماء والصور، وهل هذا إلا من سوء الفهم، وعدم الفقه عن الله ورسوله (٢).
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد حرص أهل العلم أشد الحرص على بيان هذه القاعدة الشرعية، واستعملوها في ردِّهم لكثير من البدع والحيل، وفيما يأتي أنقل بعض ما وقفت عليه من أقوال تؤيد معنى القاعدة، وتقرر مفهومها الذي دلت عليه:
يقول الإمام ابن القيم: "فإن الحقائق لا تتغير بتغير الألفاظ" (٣).
стр. 984
ويقول الإمام الصنعاني في كلامه على فعل المشركين: "وإنما الجاهلية سموه صنمًا ووثنًا، وهؤلاء القبوريون يسمونه وليًّا وقبرًا ومشهدًا، والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية؛ فإن من شرب الخمر وسماها ماء، ما شرب إلا خمرًا، وعقابه عقاب شارب الخمر، ولعله يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية" (١).
ويقول العلامة السهسواني الهندي في معرض كلامه على التوسل بالأعمال الصالحة: " وهذا التوسل هو عين دين الإسلام، لا يجحده أحد من المسلمين، لكن هذا التوسل في الحقيقة هو التوسل بالأعمال الصالحة، وإن سماه أحد توسلًا بالأنبياء والصالحين، فلا يتغير حكمه بهذه التسمية، فإن العبرة للمُسَمَّى والمُعَنْوَن لا للاسم والعنوان" (٢).
ويقول الشيخ السعدي: " ولا فرق في هذا بين أن يسمي تلك العبادة التي صرفها لغير الله عبادة، أو يسميها توسلًا، أو يسميها بغير ذلك من الأسماء، فكل ذلك شرك أكبر؛ لأن العبرة بحقائق الأشياء ومعانيها دون ألفاظها وعباراتها" (٣).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "لأن الحقائق لا تتغير بإطلاق الألفاظ عليها كما هو معلوم" (٤).
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
لقد فرَّعَ أهل العلم بعض الفروع والجزئيات والمسائل على هذه القاعدة، واستفادوا منها في إبطال كثير من البدع والضلالات، وفيما
стр. 985
يأتي أتناول بعض ما ذكره أهل العلم من فروع ومسائل متعلقة بالقاعدة، أو ظهر لي من خلال كلامهم:
أولًا: دلت القاعدة على ثبات الحقائق والمعاني للألفاظ والأسماء، إذ إن جميع الأحكام الشرعية إنما بنيت على الحقائق والمعاني، وهي بلا شك مرتبطة بأسمائها الشرعية التي جاءت بها النصوص الشرعية في القرآن والسُّنَّة، فالعبرة والمعول على الحقائق والمعاني، فهي التي عليها مدار الأحكام، وبها يكون الحكم والقضاء، ولا ينكر أهمية المحافظة على الألفاظ والأسماء الشرعية، وأن تغييرها مع اعتبار الحقيقة الأولى يعد من التحريف والكذب على الله تعالى.
ويستخلص من ذلك: أن حكم الشيء تابع لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه ولا لاعتقاد فاعله: يوضح ذلك: أن من أطاع مخلوقًا في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذه ربًّا وإلهًا ومعبودًا من دون الله، كما قال تعالى في شأن اليهود والنصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]، وقد قال عديّ بن حاتم لما قدم على النبي ﷺ وهو يقرأ هذه الآية فقال للنبي ﷺ : إنهم لم يعبدوهم فقال ﷺ : "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرَّموا عليهم شيئًا حرموه" (١).
فهؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية لم يسمّوا أحبارهم