← Фикх малики

Фикх малики · id 607

عون المتين على نظم رسالة القرويين

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (1 054 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ويجري الخلاف أيضا في السجود على اليدين، وحكى عياض قولا بالاستحباب في ما عدا الوجه، قال الرهوني: فتحصل أن في ذلك ثلاثة أقوال الوجوب والسنية والاستحباب، وكل منها له مرجح. ومباشرة الأرض بالكفين والوجه مستحبة، قال ابن حبيب: ولا بأس بحائل لحر أو برد. قاله ابن عرفة. وهو في غيرهما بالخيار، قال ابن يونس في جامعه: قال مالك: وأكره أن يسجد على الطنافس والأدم وثياب القطن والكتان واللبود وأحلاس الدواب، ولا يضع كفيه عليها، ولا شيء على من صلى على ذلك، والصلاة على التراب والحصير أحب إلي، قال مالك: ولا بأس أن يقوم عليها وعلى غيرها، ويركع ويجلس، ويسجد على الأرض، قال ابن حبيب: وهو أقرب للتقوى، ولو لا ذلك ما مضى الأمر على تحصيب المساجد وتحصير غيرها، ويفرشها أهل الطول بأفضل من ذلك، ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما ينبت من الأرض، ويضع كفيه عليها، قال عنه علي: والخمرة إنما تتخذ من الجريد وتظفر بالشراك. واختلف في الموضع الذي يضع فيه الساجد يديه، فقيل لا تحديد في ذلك، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: وفيها يوجههما إلى القبلة، ولم يحد أين يضعهما. ولعل ذلك هو مراد الشيخ بالتوسيع، وقيل يضعهما حذو منكبيه، وقيل حذو أذنيه، وقيل حذو صدره، والتجنيح بالعضدين مستحب أيضا، وله وضع ذراعيه على فخذيه في طول سجود النفل كما في المدونة، وافتراش الذراعين مكروه على كل حال، والتفريق بين الركبتين وبين البطن والفخذين مندوب، وروى علي لا تفرج المرأة في ركوع ولا سجود، والتسبيح مندوب على نحو ما تقدم في الركوع، والدعاء مندوب. ٢٢٨ - ثم ارفعنْ مكبرا هامَتَكا ... ورجلَك اليسرى اثْن في جلوسِكا ٢٢٩ - ورجلَك اليمنى انصبنَّ، وضعِ ... بالارض منها أسفل الأصابع ٢٣٠ - ولتجعل اليدين فوق الركبتين ... ثم افعلنْ كذاك أخرى السجدتين ٢٣١ - ثم ارفعنْ مكبرا معتمدا ... على يديك، وهنا لا تقعدا

стр. 177

الهامة -بتخفيف الميم -: الرأس، وقد أشار في هذه الأبيات إلى أربع فرائض: الأولى فريضة الرفع من السجود، وهو واجب بلا خلاف، ويجري في الاعتدال فيه وفي الطمأنينة ما سبق فيهما في الركوع. والثانية الجلوس بين السجدتين، وقيل إنه سنة، حكاه الباجي، ونقل في المواهب عن الشبيبي أنه قال: وأما الجلوس للفصل بين السجدتين فواجب عل على المشهور، وقيل سنة. وحكى ابن جزي -رحمه الله تعالى -الإجماع على وجوبه، قال الحطاب: وسمعت أن عمدته في كتابه هذا الاستذكار لابن عبد البر، وقد حذروا من إجماعات ابن عبد البر، ومن اتفاقيات ابن رشد، ومن خلافيات الباجي. ويستحب أن يجلس ثانيا رجله اليسرى، مفضيا بوركه الأيسر إلى الأرض، ناصبا رجله اليمنى، جاعلا بطون أصابعها إلى الأرض، ويرفع يديه عن الأرض، قال سحنون: إذا لم يرفع يديه عن الأرض بين سجدتيه، قال بعض أصحابنا: لا يجزيه، وخففه بعضهم، نقله سيدي زروق -رحمه الله تعالى ـ. ويستحب أن يضعهما على ركبتيه، وقد روى مالك ـ رحمه الله تعالى في الموطإ عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب رجله اليمنى، وثنى رجله اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك. واختلف هل يدعو بين السجدتين، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى - وروى الشيخ لا دعاء بين السجدتين، ولا تسبيح، ومن دعا فليخفف، اللخمي: لا يدعو بينهما.

стр. 178

وقال في التاج: الكافي: لا بأس بالدعاء بين السجدتين، وفي الحديث كان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -إذا رفع رأسه من السجود يقول: " رب اغفر لي وارحمني وارزقني واهدني وعافني " (١). وقال في المواهب: قال الجزولي: ويستحب الدعاء بين السجدتين، وقد روي أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -كان يقول بينهما: " اللهم اغفر لي وارحمني واسترني واجبرني وارزقني واعف عني وعافني ". وأشار بقوله: ثم افعلن كذاك أخرى السجدتين، إلى أنه يأتي بعد إتمام ركن الجلوس، بالسجدة الثانية على الوصف المتقدم في السجدة الأولى، وهي كالسجدة الأولى في الوجوب. وأشار بقوله: ثم ارفعن البيت، إلى أنه يقوم من السجدة الثانية معتمدا على يديه مكبرا، ولا يجلس قبل القيام، والقيام في نفسه واجب، والتكبير على ما تقدم من الخلاف هل يسن مجموعه، أو تسن آحاده، وهو المشهور، أو تستحب، واعتماده على يديه مستحب على المشهور، وقيل جائز. ٢٣٢ - ثم اقرأنْ كما مضى أو دون ذاكْ ... واركع كما مضى وقنِّتَنْ هناك ٢٣٣ - إن كنت بالصبح، وإن قنَّتَّا ... قبل الركوع جاز ما فعلتا ٢٣٤ - ثم اسجدنَّ واجلسنَّ بينا ... ألسجدتين مثل ما أسلفنا ٢٣٥ - وفي الجلوس بين سجدتيكا ... أفْضِ للارض يسرى أَلْيتيكا

стр. 179

٢٣٦ - واجتنب القعودَ فوق اليسرى ... وافعل بيمناك كما قد مرَّا ٢٣٧ - وإن حنيتها يسيرا واضعا ... بالارض جانب البهيم اتسعا ٢٣٨ - ولتتشهدنْ هنا، وصليا ... ثم ادعونْ وآثرنْ ما رُوِيا ٢٣٩ - وسلمنَّ بعد ذاك شطرا ... وجهِك مومئا برأس نزرا ٢٤٠ - تسليمةً فقط، على المعتمد ... وذاك في حق الذي لم يقتد أشار بقوله: ثم اقرأن كما مضى أو دون ذاك، إلى أنه يقرأ في الثانية بأم الكتاب وسورة، مثل السورة في الأولى طولا، أو أقصر منها جهرا، قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: وفي المختصر لا بأس بطول القراءة في ثانية الفرض على الأولى، وفي الواضحة استحباب عكسه. قال ابن ناجي: قول الشيخ: كما قرأت في الأولى، أو دون ذلك، إن أراد أن المسألة ذات قولين كعادته، فالقول الأول من قوليه خلاف ما تقدم، ولا أعرفه. قال في المواهب: قال البرزلي: المشهور عدم كراهة قراءة سورة فوق السورة التي قرأها في الركعة الأولى، وكراهة تكرار السورة في الركعة الثانية، فمن قرأ في الركعة الأولى) قل أعوذ برب الناس (يقرأ في الثانية سورة فوقها، ولا يكررها، وقيل يعيدها، قال: والصواب الأول، لأن المشهور عدم كراهة فعل ذلك، خلافا لابن حبيب، والمشهور كراهة تكرير السورة. وفي التاج: وسمع ابن القاسم لم يزل من عمل الناس أن يقرأ في الركعة الأولى بالشمس، وفي الثانية بالبلد. قوله: واركع إلى قوله: فعلتا، أشار به إلى أنه يركع بعد القراءة، ويقنت في الركعة الثانية بعد الركوع على ما ذكره الشيخ، وهو قول ابن حبيب، وفي المدونة: والقنوت في الصبح قبل الركوع وبعده واسع، والذي أخذ به مالك في خاصته قبل، قاله ابن ناجي.

стр. 180

والقنوت مندوب على المشهور، وقيل سنة، وهو لابن سحنون وعلي بن زياد، وقال يحيى بن يحيى: لا يقنت، وعلى الأول وهو المشهور إن سجد له بطلت صلاته، وعلى الثاني إن لم يسجد له بطلت صلاته، ولا يرفع يديه فيه على المشهور، ولا يكبر، وروي علي أن مالكا كبر حين قنت، وفي الصحيح عن ابن سيرين، أنه قال لأنس -رضي الله تعالى عنهما -قنت رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -في الصبح؟ قال: نعم بعد الركوع يسيرا (١). وأما لفظه فقال المازري -رحمه الله تعالى -في شرح التلقين: ليس عندنا في القنوت دعاء معين، ولا نوقت فيه قولا، ولا مقدارا من الوقوف، وقد اختلف الناس في ما يختار منه، فذكر القاضي أبو محمد ما في كتابه هذا. وما ذكره القاضي أبو محمد، قريب مما ذكره الشيخ أبو محمد، ولفظ الشيخ: اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونخنع، ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق. وزاد القاضي في التلقين: اللهم اهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، لا يذل من واليتَ، ولا يَعِزُّ من عاديت، تباركت وتعاليت، وقال: هذه الألفاظ وما يقاربها، وإن كان في نفسه حاجة دعا الله بها، وكل ذلك سر. قال المازري -رحمه الله تعالى -: إنما استحب السر في الدعاء في القنوت وما أضاف إليه، لقوله : (ادعوا ربكم تضرعا وخفية (وقد أثنى الله على سيدنا زكرياء على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فقال: (إذ نادى ربه نداء خفيا (ولأن الخفاء وضعف الصوت، يدل على استيلاء الهيبة على النفس، فكان أولى أن يستعمل في طلب الحاجات، من الله . وقال في الكافي: ولا بأس برفع الصوت في القنوت.

стр. 181

واللفظ الذي ذكره الشيخ يقال إنه كان في ما أنزل، ثم نسخ، وكان سورتين، الأولى منهما تسمى سورة الخلع، وتسمى الثانية سورة الحفد، والله أعلم. قوله: ثم اسجدن البيت، معناه أنه يسجد بعد الركوع والتقنيت، ثم يجلس، ثم يسجد أيضا، على نحو ما تقدم وصفه في الركعة الأولى، ثم يجلس على نحو ما تقدم وصفه في الجلوس بين السجدتين، إلا أنه ذكر هنا أنه إذا أمال رجله اليمنى، وجعل جنب إبهامها للأرض فذلك واسع، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: والمستحب في كل جلوس الصلاة على وركه الأيسر ثانيا رجله اليسرى، ناصبا اليمنى، وباطن إبهامها يلي الأرض، الباجي: لا جنبها، ابن زرقون: خير في الرسالة بينهما. وإلى هذا أشار بقوله: وفي الجلوس الأبيات الثلاثة. قوله: ولتتشهدن البيت، أشار به إلى أنه يؤمر بالتشهد في هذا الجلوس، وقد رويت في التشهد ألفاظ متعددة، بوجوه صحيحة، واختار منها مالك - رحمه الله تعالى - اللفظ الذي ذكره الشيخ وهو " التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، لأن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - علمه للناس وهو على المنبر (١) بمحضر الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم أجمعين - فكان ذلك في معنى الإجماع، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: والصحيح أن " محمدا عبد الله ورسوله " بصريح الاسم لا بالضمير. وأما قول الشيخ: ومما تزيده إن شئت " وأشهد أن الذي جاء به محمد -صلى الله تعالى عليه وسلم -حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور " فقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: إنه مروي عن السلف الصالح -رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

стр. 182

واعترض ابن الفخار زيارة ذلك، وبالغ ابن العربي في إنكارها. وأما ما ذكره بعد ذلك، فالصلاة على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مأمور بها هنا، قيل استنانا، وقيل ندبا، وقيل وجوبا، وأما ما بعدها فهو من قبيل تخير المسألة المذكور في الحديث، (١) وأشار في النظم بقوله: وآثرن ما رويا، إلى أن الوارد من الأدعية أولى من غيره، للجزم بخيرية مضمونه، ورجاء بركته، والدعاء بغيره واسع، وحكم التشهد قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: السنة باتفاق، على ظاهر كلام الأكثر، وقال ابن بزيزة في حكم التشهدين ثلاثة أقوال، المشهور سنة، وقيل فضيلة، وقيل الأول سنة والثاني فرض، وقبله خليل.

стр. 183

وأشار بقوله: وسلمنّ بعد ذاك شطرا البيت، إلى أنه إذا أتى بما ذكر، يسلم تسليمة واحدة قبالة وجهه أولا، ثم ينحو برأسه ناحية اليمين، والسلام في نفسه واجب، ولفظه متعين للحديث السابق في الكلام على تعين التكبير في الإحرام، وما ذكره من أن الإمام والفذ يسلمان تسليمة واحدة هو المشهور، وقيل يسلمان تسليمتين، وهو رواية ابن وهب، قال الباجي - رحمه الله تعالى -: وأحاديث التسليمة الواحدة غير ثابتة، وأحاديث التسليمتين لم يخرج منها البخاري شيئا، وخرج مسلم في ذلك حديثين، عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يسلم تسليمتين، وقال سعد: يسلم عن يمينه ويساره حتى يرى بياض خديه، الباجي: وهي أخبار تحتمل التأويل، والقياس يقتضي إفراد السلام الذي يتحلل به من الصلاة، وما زاد على ذلك فإنما هو للرد، وليس ذلك في الإمام والفذ. وذكر مالك -رحمه الله تعالى -أن على التسليمة الواحدة العمل، ولفظه على نقل ابن يونس: وقد سلم النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -واحدة، وكذلك أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وغيرهم، قال مالك في غير المدونة: فكما يدخل في الصلاة بتكبيرة واحدة، فكذلك يخرج منها بتسليمة واحدة، وعلى ذلك كان الأمر في الأئمة وغيرهم، وإنما حدثت التسليمتان مذ كان بنوا هاشم. وقال ابن العربي في العارضة: والتسليمة الواحدة وإن كان حديثها عن عائشة -رضي الله تعالى عنها -معلولا، لكن نقلها بصفة الصلاة في مسجد رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم - متواتر، فهي مقدمة على رواية الآحاد، فسلموا واحدة للتحلل من الصلاة، كما أحرمتم بتكبيرة واحدة، وسلموا أخرى تردون بها على الإمام والذي على يساركم، واحذروا عن تسليمة ثالثة فإنها بدعة. يشيران إلى حديث " تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم "

стр. 184

٢٤١ - والمقتدي يطلب بالسلام ... ثانية ردا على الإمام ٢٤٢ - وهْو مطالب كذلك بردْ ... على اليسار إن يكن به أحدْ ٢٤٣ - وبالسلام الأول التيامنُ ... منه يسيرا عندهم مستحسنُ ٢٤٤ - ولتجعل اليدين فوق الفخذين ... لدى التشهد بقرب الركبتين ٢٤٥ - واقبض أصابع اليمين ما عدا ... سبابة، وكن لها مرددا ٢٤٦ - معْ نصب حرفها لوجهك ولا ... تشر بيمناك هناك مسجلا قوله: والمقتدي إلى قوله: مستحسن، أشار به إلى أن المأموم يسلم تسليمة يخرج بها من الصلاة، يتيامن بها قليلا، وقيل يفعل بها نحو ما سبق وصفه في الإمام والفذ، ويسلم بعد ذلك مرتين، يرد بإحداهما على الإمام، قال ابن يونس -رحمه الله تعالى -في جامعه: قال أبو محمد عبد الوهاب: وقد روى الحسن عن سمرة بن جندب قال: أمرنا رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -أن نرد على الإمام. ويرد بالأخرى على من بيساره، إن كان على يساره أحد، وإلا اقتصر على الرد على الإمام، والمشهور تقديم الرد على الإمام، وقيل يقدم الرد على من بيساره، وقيل هو بالخيار، وقيل يرد عليهما بتسليمة واحدة، وقد تقدم في كلام ابن العربي، واختلف في المسبوق فقيل كالفذ، لأن شرط الرد الاتصال، وقيل كالمأموم لانسحاب حكم المأموم عليه، وهو اختيار ابن القاسم قاله في التوضيح. قال في التوضيح: وهذا التعليل يقتضي تصور الخلاف في الرد وإن كان من يرد عليه حاضرا لم يذهب، وأشار بعض أشياخي إلى أن الخلاف لا يتصور مع حضور من يرد عليه، وإنما يتصور مع غيبته.

стр. 185

قوله: ولتجعل إلخ يعني أنه يجعل يديه في تشهده على فخذيه، ويقبض أصابع يده اليمنى، ويبسط السبابة، ويشير بها، ويحركها، ناصبا حرفها إلى وجهه، ويبسط يده اليسرى على فخذه ولا يحركها ولا يشير بها، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: في استحباب الإشارة بالأصبع في تشهده، أو عند أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثالثها لا يحركها، ورابعها مخير، إلى أن قال: وقول ابن رشد: الإشارة هي السنة من فعله صلى الله تعالى عليه وسلم، ضد قول ابن العربي: إياكم وتحريك أصابعكم في التشهد، ولا تلتفتوا لرواية العتبية فإنها بلية. وقد روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمامان مالك وأحمد عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وهذا لفظ الإمام مالك ـ رحمه الله تعالى ـ. وقد جاءت الرواية بالتحريك وعدمه. قال في التوضيح: قال ابن رشد: وحكم هذه الإشارة السنية، وقال غيره الاستحباب. ٢٤٧ - والذكر بعد الصلوات قد ورد ... فيه من الأجور ما ليس يُحَد ٢٤٨ - فسبح الله ثلاثا وثلا ... ثين، وهكذا احمدنَّه علا ٢٤٩ - وكبرنْه مثلَ ذا، والهيلله ... من بعد ذا لمائة مكمله ٢٥٠ - وعقب الصبح التمادي ذاكرا ... مسبحا، وداعيا، مستغفرا ٢٥١ - إلى طلوع الشمس، أو لقرب ... طلوعها يندب أيَّ ندب

стр. 186

يعني أن الذكر بعد الصلوات المكتوبة مستحب، وقد جاء فيه ترغيب عظيم، فقد جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن من أتى بالذكر المذكور في الأبيات، غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر، وأدرك من سبقه، ولم يدركه أحد بعده، وكان خير من هو بين ظهرانيه، إلا من عمل مثله، وهو أن يسبح الله ثلاثا وثلاثين ويحمده سبحانه و تعالى كذلك، ويكبره سبحانه و تعالى كذلك، ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، (١) قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: واختلفوا هل يجمع الكل، ويقولها ثلاثا وثلاثين، وهو مختار جماعة من السلف وأئمة الفقهاء، منهم الشيخ الصالح الفقيه ابن عرفة في ما حكى عنه الأبي، ومنهم من اختار التفصيل، وهو ظاهر الحديث، (٢) وسألت الشيخ فخر الدين الدمياطي حافظ العصر وإمام الحديث عن ذلك، فقال: مقتضى الأحاديث الجمع، وقد صح الترغيب في ذلك عشرا عشرا، (٣)

стр. 187

وكان شيخنا أبو عبدالله القوري - رحمه الله تعالى - يقول: إذا استعجلت الأمر عملت بحديث العشر، وإذا تأنيت أخذت بالثلاث والثلاثين. ويستحب بإثر صلاة الصبح التمادي في الذكر والاستغفار والتسبيح والدعاء إلى طلوع الشمس، أو قرب طلوعها، وليس بواجب، وذلك لحديث جابر بن سمرة -رضي الله تعالى عنه -أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا صلى الفجر جلس في مجلسه ـ وفي لفظ تربع ـ يذكر الله حتى تطلع الشمس. (١) وعن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ قال: " من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة، رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفي الحديث يقول الله : ابن آدم اذكرني ساعة بعد الصبح وساعة بعد العصر أكفك ما بينهما " (٢) قاله سيدي زروق -رحمه الله تعالى ـ.

стр. 188

قال ابن ناجي -رحمه الله تعالى-: ويظهر أن من يقرأ القرآن الكريم في هذا الوقت يحصل له هذا الشرف لأنه من أشرف الأذكار، فهذا داخل في ما قال الشيخ، إلى أن قال: قال في المدونة: وكان مالك يُسأل بعد طلوع الفجر حتى تقام الصلاة، ثم لا يجيب من يسأله بعد الصلاة، بل يقبل على الذكر حتى تطلع الشمس، وقال التادلي: فيقوم منها أن الاشتغال بالذكر في هذا الوقت، أفضل من قراءة العلم فيه، وقال الأشياخ تعلم العلم فيه أولى، قال ابن ناجي: وهو الصواب، وبه كان يفتي بعض من لقيناه، ولا سيما في زماننا اليوم لقلة الحاملين له على الحقيقة، وسمع ابن القاسم مرة صلاة النافلة أحب إلي من مذاكرة العلم، ومرة العناية بالعلم بنية أفضل، قال ابن ناجي: وبهذا القول أقول، وقد قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ... (١) فتعليم العلم مما يبقى بعده كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم. وإلى هذا الإشارة بالبيتين الأخيرين. ٢٥٢ - وركعتي فجر قبيل الصبح صلْ ... سرا بالام قط، إذا الوقت دخل

стр. 189

أشار بهذا إلى الترغيب في ركعتي الفجر، وقد جاء في الحديث " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها (١) " وجاء عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: لم يكن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - على شيء من النوافل أشد منه تعاهدا على ركعتي الفجر (٢) قال ابن يونس: قال مالك - رحمهما الله تعالى -: ركعتا الفجر يستحب العمل بهما، والوتر أوجب منهما بكثير، وكان ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - لا يركعهما في السفر، ابن المواز: قال ابن عبد الحكم وأصبغ وليستا بسنة، قال أصبغ: وهما من الرغائب، وقال أشهب في المجموعة إنهما سنة، وليستا كالوتر، كما ليس غسل العيدين، كغسل الجمعة ودخول مكة، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: فوجه القول الأول أن السنة ما صلاها النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم - في جماعة وداوم عليها، وما قصر عن ذلك ولم يداوم عليه فهو من الرغائب، وركعتا الفجر لم يصلها في جماعة، ألا ترى أنه لما صلى العيدين كانتا من السنة، ووجه الثاني أن السنة عبارة عما تأكد من النوافل وترتب وتقدر، ولم يكن موكولا إلى اختيار المصلي، وهذه صفتها بخلاف سائر النوافل. ووقتهما بعد طلوع الفجر، لحديث عائشة -رضي الله تعالى عنها -قالت كان رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -يصلي باليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين (٣). قال ابن يونس: ومن المدونة قال مالك: ومن تحرى الفجر في غيم فركع له، فلا بأس به، فإن ظهر أنه ركعهما قبل الفجر أعادهما بعده، وقال ابن حبيب: لا يعيدهما، قاله ابن الماجشون، وفعله ربيعة والقاسم وسالم، إلى أن قال: قال مالك في المدونة: وإن صلاهما بعد الفجر لا ينوي بهما ركعتي الفجر لم تجزئاه.

стр. 190

إلى أن قال: وكان مالك ﵀ يقرأ فيهما بأم القرآن سرا، لحديث عائشة -رضي الله تعالى عنها -أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -كان يخفف ركعتي الفجر حتى أقول أقرأ فيهما بأم القرآن أم لا؟ (١) وروى ابن وهب في موطئه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قرأ فيهما بأم القرآن وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد، وفي بعض الكتب ذكر الحديث لمالك فأعجبه، قال ابن حبيب: وروي أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قرأ في الأولى مع أم القرآن بقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية بأم القرآن وقل هو الله أحد، وروي أيضا أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قرأ في الأولى بأم القرآن وآمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، وفي الثانية بأم القرآن وقل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، الآيتين، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: ومن اقتصر على قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد، مع أم القرآن، أو هاتين الآيتين مع أم القرآن فهو أحب إلي من أم القرآن وحدها. ٢٥٣ - والظهر فيه بالطِّوال يُقْرا ... كالصبح، أو أقصر منه نزرا ٢٥٤ - وفي القراءة على الأم اقتصِرْ ... بأخرييه، وبه كلا أَسِرْ ٢٥٥ - بأول التشهدين اقتصرا ... على رسولُه، وقم وكبرا ٢٥٦ - من بعد الاستواء قائما، ولا ... تكبرنْ حال القيام مسجلا ٢٥٧ - والمقتدي من بعد تكبير الإمام ... كما مضى يشرع ثَم في القيام ٢٥٨ - ولا يكبر مع القيام بل ... يؤخر التكبير حتى يستقل ٢٥٩ - وهي في وصف الركوع والسجود ... على الذي أسلفته وفي القعود ٢٦٠ - وليتنفل بعدها، وإن ركع ... أربع ركْعات فنعم ما صنع أشار بالبيت الأول إلى استحباب إطالة القراءة في الظهر مثل إطالتها في الصبح، قال المازري: اختلف أصحابنا في الصبح والظهر، فقال أشهب: الظهر نحو الصبح، وقال يحيى الصبح أطول.

стр. 191

وأشار بقوله: وفي القراءة على الأم اقتصر بأخرييه، إلى أنه يقتصر في أخيرتي الظهر على الفاتحة على المشهور، وقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كذلك كان يفعل، (١) وقيل يقرأ فيهما بالسورة كالأوليين، قاله ابن عبد الحكم، وقد جاء ذلك في بعض الأحاديث الصحيحة، (٢) وأشار بقوله: وبه كلا أسر، إلى أنه يقرأ في جميع الركعات في صلاة الظهر سرا استنانا. قوله: بأول التشهدين اقتصرا على رسوله، يعني به أنه يقتصر في التشهد الأول على عبده ورسوله، ولا يزيد دعاء ولا غيره، وروى ابن نافع جواز الدعاء عقبه، وروى علي: ليس بموضع دعاء ووسع فيه، قاله سيدي زروق -رحمه الله تعالى -. قوله: قم وكبرا، إلى قوله: مسجلا، أشار به إلى أن الإمام والفذ يقومان بعد التشهد للركعة الثالثة، ولا يكبران إلا بعد استقلالهما قائمين على المشهور، قال في التوضيح: لوجهين الأول العمل وكفى به، وروي أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله تعالى عنه - كتب إلى عماله فأمرهم بذلك، فلم ينكر ذلك عليه أحد، الثاني أن التكبير على قسمين إما مفتتح به ركن، كتكبيرة الإحرام، وإما في حال الحركة إذا انتقل عن ركن كالتكبير للركوع وغيره، والجلوس الأول ليس بركن، فأخر التكبير ليفتتح به ركن، وهو القيام كتكبيرة الإحرام، وقيل إنها مشبهة بابتداء صلاة، لما جاء أن الصلاة فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر. قال ابن ناجي: واختار ابن العربي أنه يكبر حالة القيام، ووقع في بعض نسخ تقريب خلف عن ابن الماجشون مثله. وفي حديث أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا قام من السجدتين كبر (٣)

стр. 192

قوله: والمقتدي البيتين، يعني به أن المأموم لا يشرع في القيام حتى يكبر الإمام، ولا يكبر أيضا حتى يستقل قائما، كما يفعل الإمام والفذ. قوله: وهي في وصف البيت، أشار به إلى أن صفة الركوع والسجود والجلوس في الظهر وغيرها على الوصف الذي تقدم بيانه في كل هذه المذكورات. قوله: وليتنفل بعدها البيت، أشار به إلى أن التنفل بعد الظهر مرغب فيه، قال الشيخ -رحمه الله تعالى -: ويستحب له أن يتنفل بأربع ركعات، يسلم من كل ركعتين، قال ابن ناجي: قال التادلي: وتعقب على الشيخ في تحديده التنفل بأربع ركعات، مع أنه في المدونة قال: إنما يوقت في هذا أهل العراق، قال ابن ناجي لم أزل أسمع بعض من لقيته يقول إنما ذكر الشيخ هو نص ابن حبيب في واضحته للأحاديث، فإن صح فلا اعتراض على الشيخ لأن الرسالة لا تقيد المدونة. وقوله للأحاديث كحديث أم حبيبة -رضي الله تعالى عنها -قالت قال رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -: " من حافظ على أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، حرمه الله تعالى على النار " (١). وقال في التوضيح: قد يقال: إنما نفى مالك -رحمه الله تعالى -التحديد على وجه السنية، أي أن هذا العدد هو السنة دون غيره، قال: وحكمة تقديم النوافل على الصلاة وتأخيرها، أن العبد مشتغل بأمور الدنيا، فتبعد النفس عند ذلك بحضور القلب في العبادة، فإذا تقدمت النافلة على الفرض تأنست النفس بالعبادة، فكان ذلك أقرب إلى الحضور، فهذا حكمة التقديم، وأما التأخير فلما ورد أن النوافل جابرة لنقصان الفرائض. وقوله: ركعات، هو بإسكان الكاف ضرورة، كزفرات الضحى. ٢٦١ - ومثل ذا يندب قبل العصر ... والعصر في صفتها كالظهر ٢٦٢ - لكنه بها قصارَ السور ... يقرأ، كالقدر وكالتكاثر ٢٦٣ - كمغرب، وباثنتين انتفلا ... بعدُ، وإن أكثر كان أفضلا ٢٦٤ - وهْو بست حسن، ورغِّب ... في النفل ما بين العشا والمغرب

стр. 193

٢٦٥ - واجهر بأولييه، واقتصر على ... الاُمِّ بغير، في العشا كذا افعلا ٢٦٦ - والسورتين في العشاء نزرا ... أطلهما عما قرأتَ عصرا ٢٦٧ - والسر أدناه بأن يُحَرِّكا ... لسانَه بنطقه بذلكا ٢٦٨ - ورجل منفرد يكفيه ... بجهره إسماعُ من يليه ٢٦٩ - والجهر في حق النسا من ذا أقل ... وهْي بكل ما مضى مثل الرجل ٢٧٠ - إلا بتجنيح، فالانضمام ... بكل شأنها هو المعتام أشار بقوله: ومثل ذا يندب قبل العصر، إلى أنه يندب أيضا أن يتنفل قبل العصر، وقد ورد الترغيب في أربع، روى ابن حبان " رحم الله امرأً صلى أربعا قبل العصر (١) " وقال عياض -رحمه الله تعالى -في الإكمال: حكى العنبري من شيوخنا العراقيين أنه لا رواتب قبل العصر جملة، نقله ابن ناجي. قوله: والعصر البيت، يعني به أن صلاة العصر مثل صلاة الظهر سواء بسواء، إلا أنه يستحب أن يقرأ فيها من قصار المفصل، وذلك من سورة الضحى إلى آخر القرآن.

стр. 194

قوله: كمغرب، أشار به إلى أنه يستحب تقصير القراءة في صلاة المغرب، وقد روى ابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يقرأ فيها بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد، وظاهر الشيخ أنها مساوية للعصر، وقيل يستحب أن تكون القراءة فيها أقصر من العصر، وقيل بالعكس أيضا، قوله: وباثنتين انتفلا البيت، أشار به إلى أنه يستحب أن يتنفل بعد المغرب قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: وأقل التنفل بعدها بالركعتين، وجعلهما في الجلاب كركعتي الفجر في التأكيد، ولعل ذلك لمداومته صلى الله تعالى عليه وسلم عليهما كما هو ظاهر حديث ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ (١) وقال ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقرأ في الركعتين قبل صلاة الغداة، والركعتين بعد صلاة المغرب، ما لا أحصي بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد. (٢) قوله: وهو بست حسن، أشار به إلى أن التنفل بعدها بست ركعات حسن، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف. قوله: ورغب في النفل ما بين العشا والمغرب، يعني به أن النافلة بين المغرب والعشاء مرغب فيها، وقد جاء عن أنس -رضي الله تعالى عنه -أن ذلك هو المراد في قوله : (كانوا قليلا من اليل ما يهجعون) قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء، وكذلك قوله : (تتجافى جنوبهم عن المضاجع (الآية، وكذلك قوله : (إن ناشئة اليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا).

стр. 195

وأشار بقوله: واجهر بأولييه البيت، إلى ما هو معلوم من الأمر بالجهر بالقراءة في أوليي المغرب والعشاء، والاقتصار على الفاتحة في ما بعدهما. قوله: والسورتين البيت، أشار به إلى أنه يستحب أن يقرأ في العشاء من متوسط المفصل، لما جاء من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقرأ به فيها (١). قوله: والسر البيتين، أشار به إلى أن السر بالقراءة أقله أن يحرك لسانه بالقراءة، وإن لم يسمع نفسه، لعموم النصوص في ذلك، واشترط الشافعي - رحمه الله تعالى - أن يسمع نفسه، وأما القراءة بالقلب دون حركة لسان، فهي تفكر، وليست بقراءة، ولذلك جازت للجنب، ولم يحنث بها الحالف عن القراءة، والجهر أقله أن يسمع نفسه ومن يليه، ولا حد لأعلاه، وهذا بالنسبة للرجل، وأما المرأة فتقتصر في الجهر على إسماع نفسها، ويطلب من الإمام أن يرفع صوته رفعا متوسطا حتى يسمع من خلفه، وفي الموطإ كانت تسمع صلاة عمر - رضي الله تعالى عنه - من عند دار أبي جهم بالبلاط: موضع بالمدينة المنورة، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ورجل منفرد. وأشار بقوله: وهي بكل ما مضى مثل الرجل إلخ، إلى أن المرأة كالرجل في جميع ما تقدم من أحكام الصلاة، سوى أنها لا تؤمر بالتجنيح في الركوع، والسجود، ولا بتفريج الفخذين في السجود، قال الشيخ -رحمه الله تعالى -: وتكون منضمة منزوية في جلوسها وسجودها، وأمرها كله انتهى. وقيل إنها كالرجل في ذلك، وهو ظاهر قوله في الكافي: وجلسة المرأة في الصلاة كجلوس الرجل سواء، وكذلك فعلها كله في صلاتها لا تخالفه إلا في اللباس.

стр. 196

ونسب لسند -رحمه الله تعالى -الفرق بين خلوتها فتفعل كما يفعل الرجل، وجلوتها فتؤمر بالانضمام والاجتماع، وهو غريب من جهة معناه، والله أعلم. ٢٧١ - وصلينْ بعد العشاء الوترا ... من بعد شفع، واقرأنَّ جهرا ٢٧٢ - فنفل ليلٍ يندب الإجهارُ ... فيه، وفي النهاريِّ الإسرار ٢٧٣ - والشفعَ صلينَّه بالاعلى ... والكافرون، تان فيه أولى ٢٧٤ - وبالثلاثة الخِتام فاقرا ... ندبا على ما شهروه الوترا ٢٧٥ - ومَن مِن الأشفاع زاد يختم ... بركعة الوتر إذا يُتَمِّمُ ٢٧٦ - وباثنتيْ عشرةَ قبل الوتر ... كان قيام المصطفى ذي القدر ٢٧٧ - أو عشرةٍ، وآخر اليل على ... أوله للقائمين فضلا ٢٧٨ - وغير من للانتباه اعتادا ... فليوترنْ متى يَرم رُقادا ٢٧٩ - لكن إذا استيقظ إن شاء انتفل ... ولا يعيد ما من الوتر فعل قوله: وصلين بعد العشاء الوترا من بعد شفع، أشار به إلى سنة الوتر، وهو آكد السنن عندنا، وقال أبو عمر - رحمه الله تعالى -: ضارع مالك - رحمه الله تعالى - بقطع الصبح له القول بوجوبه، وقد واظب عليه صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يدعه حضرا ولا سفرا، وقد دل قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للأعرابي " لا إلا أن تطوع " (١) على عدم وجوبه، وهو ركعة واحدة على المشهور من المذهب الذي في المدونة، ويؤمر أن يصلي قبله شفعا، واختلف في ذلك هل هو مستحب فقط، ومقتضى ابن الحاجب تشهيره، أو شرط في الوتر، وهو ظاهر قول المدونة، لا بد من شفع قبلها، يعني ركعة الوتر، قال ابن يونس: قال مالك - رحمهما الله تعالى -: ولا يكون إلا بعد شفع، لقول الرسول - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " صلاة اليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد صلى " (٢). قال ابن عرفة: الباجي: وعلى المشهور إن أوتر دونه شفعه بالقرب، فإن طال ففي إجزائه وإعادته بعد شفع قولا سحنون وأشهب، وأوتر سحنون في مرضه بواحدة.

стр. 197

واختلف في اشتراط اتصاله به، قال في التاج: قيل لمالك: من صلى بعد العشاء ركعات، ثم جلس، ثم بدا له بعد ذلك أن يوتر، قال: أرجو أن يكون له سعة في أن يوتر بواحدة، ابن رشد: قوله: يوتر بواحدة، وإن طال ما بين الشفع والواحدة، صحيح على مذهبه في الفصل بين الشفع والوتر بسلام، وقال ابن القاسم: إذا طال ركع ركعتين، ثم أوتر، ووجه هذا مراعاة لقول من قال الوتر ثلاث بغير سلام، وهذا إذا كان قبل الفجر، وأما لو كان بعد الفجر وقد ركع بعد العشاء لأوتر بواحدة قولا واحدا. واختلف هل يشترط في ركعتي الشفع أن يخصهما بالنية أو يكتفي بأي ركعتين، وهو الصحيح لظواهر الأحاديث، (١) وأما وقت الوتر فقال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: ووقته من بعد الشفق والعشاء إلى الفجر، ولابن سعدون عن أبي القاسم عبد الحق: يوتر ليلة الجمع بعد العشاء قبل الشفق، كما قدم الفرض قبله، وفعله قبل صلاة العشاء ولو سهوا لغو، ولا يقضى بعد صلاة الصبح اتفاقا، وفي قضائه بعد الفجر قبلها قولان لها مع الأكثر، واللخمي مع أبي مصعب، ولو ذكره لركعة قبل طلوع الشمس فالصبح، ولركعتين اللخمي عن ابن القاسم والصقلي عن محمد كذلك، أصبغ: يوتر بواحدة. وقد روى مالك -رحمه الله تعالى -في الموطإ الوتر بعد الفجر عن ابن عباس وابن مسعود وعبادة بن الصامت والقاسم بن محمد وعبد الله بن عامر بن أبي ربيعة -رضي الله تعالى عنهم -ثم قال مالك -رحمه الله تعالى -: وإنما يوتر بعد الفجر من نام عن الوتر، ولا ينبغي لأحد أن يتعمد ذلك، حتى يضع وتره بعد الفجر.

стр. 198

قوله: واقرأن جهرا فنفل ليل البيت، أشار به إلى أنه يندب الجهر بالقراءة في النوافل الليلية، ويتأكد ذلك في الوتر، ويندب الإسرار في النوافل النهارية، قال في التاج: سمع أشهب: لا بأس برفع صوته بقراءته في صلاته في بيته وحده، ولعله أنشط له، وكانوا بالمدينة يفعلونه، حتى صار المسافرون يتواعدون لقيام القراء، وسمع ابن القاسم أن ذلك مستحب، ابن رشد: هذا لمن حسنت حالته ليقتدى به، فيحصل له أجر الاقتداء به، وسمع أشهب: كان عمر بن عبد العزيز يخرج في اليل آخره وكان حسن الصوت يصلي، فقال ابن المسيب لبرد: اطرد هذا القارئ عني فقد آذاني، فسكت برد، فقال: ويحك يا برد اطرد هذا القارئ عني، فقال برد: إن المسجد ليس لنا، إنما هو للناس، فسمع ذلك عمر، فأخذ نعله وتنحى، ابن رشد: أمر سعيد بطرد القارئ عنه يريد من جواره، لا من المسجد جملة، ومن حق من أوذي أن ينهى من آذاه، ولو رفع رجل في داره صوته بالقراءة لما وجب لجاره منعه.

стр. 199

قوله: والشفع صلينه بالاعلى البيتين، أشار به إلى أنه يستحب أن يقرأ بسورة الأعلى أولى الشفع، وبالكافرون في ثانيته، وبالإخلاص والمعوذتين في ركعة الوتر، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى - وفي قراءة الشفع بما تيسر، وتعيين " سبح والكافرون " ثالثها إن كان أوتر إثر تهجد، وإن اقتصر على شفعه فالثاني، لروايتي المجموعة وابن شعبان، مع عياض عن بعض القرويين وتقييد الباجي رواية المجموعة، مع تفسير عياض المذهب به، المازري: وقع في نفسي وأنا ابن عشرين سنة عدم تعيين قراءته للوتر إثر تهجده، فأمرت به إمام تراويح رمضان، فأنكره شيوخ فتوى بلدنا، وطلبوا أمر القاضي بمنع ذلك، وكان يقرأ علي، ويَصرِف الفتوى في ما يحكم به إلي، فأبى إلا أن يناظروني، فأبوا، ثم خفت اندراس الشفع عند العوام، إن لم يختص بقراءة، فرجعت للمألوف، ثم بعد طول رأيت الباجي أشار إلى ما كنت اخترته، إلا أن يكون أراد المتهجدين في غير رمضان، قال ابن عرفة: إنما قاله الباجي تقييدا لرواية ابن عبدوس، لا تفسيرا للمذهب، بل تعليلا لمخالفة رواية التعيين، ولو ناظروه حجوه، أما باعتبار المذهب فرواية التقييد أولى، لما تقرر من دليل رد المطلق للمقيد، وأما باعتبار الدليل فلحديث أبي أنه كان صلى الله تعالى عليه وسلم يوتر بثلاث ركعات، يقرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون وفي الثالثة بقل هو الله أحد، (١)

стр. 200

والمعلوم منه صلى الله تعالى عليه وسلم التهجد، اللخمي: رجح مالك - رحمه الله تعالى - قراءة الوتر بالفاتحة والإخلاص والمعوذتين، وروى ابن نافع: التزمه الناس وليس بلازم، وروى ابن القاسم: إني لأفعله، يحيى بن إسحاق عن يحيى بن عمر: لا يختص بقراءة، ابن العربي: يقرأ فيه المتهجد من تمام حزبه، وغيره بقل هو الله أحد فقط، لحديث الترمذي، وهو أصح من حديث قراءته بها مع المعوذتين، وانتهت الغفلة بقوم يصلون التراويح فإذا انتهوا للوتر قرؤوا فيه بقل هو الله أحد والمعوذتين.

стр. 201

قوله: ومَن مِن الأشفاع البيت، يعني به أن من أراد أن يصلي أكثر من الشفع من النوافل بأن أراد أن يصلي أربعا، أو ستا، أو ثمانيا، فليصل الوتر بعد ذلك كله لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " اجعلوا آخر صلاتكم باليل وترا " (١) وقوله: وباثنتي عشرة إلى قوله: أو عشرة، أشار به إلى ما جاء في الصحيح عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يصلي من الليل اثنتي عشرة ركعة ثم يوتر بواحدة، وأنه كان يصلي عشر ركعات ثم يوتر بواحدة، ووفق بينهما بما جاء من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين يقرأ فيهما بالكافرون والإخلاص، فالرواية الأولى باعتبارهما، والثانية بعدمه، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: أكثر ما روي في صلاته ﵊ من اليل سبع عشرة ركعة، وأقل ما روي سبع فقيل إنها لأحوال مختلفة، وقيل لقصود مختلفة، وقيل بالجمع، ومن أحسن ذلك أنه ﵊ كان له عدد يعتبره بالدورة، فإذا أكثر بالنهار قلل باليل، وبالعكس، والذي يهدي إليه الاستقراء أنها كانت خمسين ركعة بالفرض والنفل، إشارة إلى الأصل، ففي حديث علي - رضي الله تعالى عنه - كان يصلي من النهار ست عشرة ركعة، في الضحى ستا، وقبل الظهر أربعا، وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعا، وحديث ركعتي المغرب والفجر، وثلاث عشرة من اليل لا يخفى، فتلك ثلاث وثلاثون، وربما نقص من ليلها وزاد في النهار، وربما نقص من النهار وزاد في اليل، كما اقتضته أحاديث يطول ذكرها، وقد أشار عياض لشيء من هذا فانظره.

стр. 202

قوله: وآخر اليل على أوله للقائمين فضلا، تصوره ظاهر، ومضمونه معلوم، قال ابن ناجي: ما ذكره الشيخ -رحمهما الله تعالى -قال به جميع أهل المذهب لحديث " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث اليل الآخر فيقول: هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه " (١) والمعنى ينزل أمره ورحمته ومغفرته. قوله: وغير من للانتباه البيتين، معناه أن من لم يغلب عليه الانتباه والاستيقاظ آخر اليل مأمور بالإيتار قبل أن ينام، لما في نومه من غير إيتار من التغرير بالوتر، ثم إذا استيقظ كان له أن يصلي ما شاء من النوافل، ولا يعيد الوتر، لحديث " لا وتران في ليلة " (٢) وأما من اعتاد الانتباه آخر اليل فالأولى له تأخير الوتر، لما تقدم من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " اجعلوا آخر صلاتكم من اليل وترا " (٣) قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: وفي الموطإ قال أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه -: فإذا صليت العشاء صليت خمس ركعات، ثم أنام، فإذا قمت من اليل صليت مثنى مثنى، وإن أصبحت أصبحت على وتر، قال مالك - رحمه الله تعالى -: وكان أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - يوتر أول اليل، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - يوتر آخر اليل، وفي غير الموطإ أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - سأل أبا بكر كيف توتر؟ فقال: أصلي ثم أوتر ثم أقوم فأصلي ولا أوتر، فقال له: أخذت بالثقة، وسأل عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه -كيف توتر؟

стр. 203

فقال أصلي ثم أنام، ثم أقوم فأصلي وأوتر، فقال له " أخذت بالقوة " (١) والأفضل عند مالك -رحمه الله تعالى -تأخير الوتر لفضيلة قيام الليل، إلا لمن يكون الغالب عليه أن لا ينتبه، فالأفضل أن يوتر ثم ينام، لأن في نومه قبله تغريرا بالوتر. ٢٨٠ - ويكره النفل وراء الفجر ... غير رغيبة، وشفع، وتر ٢٨١ - وحزب اعتيد إلى مبادي ... الاِسفار إن غُلب بالرقاد ٢٨٢ - وأوترنَّ بعده، والذاكر ... للوتر بعد الصبح ليس يوتر ٢٨٣ - وإن دخلتَ مسجدا وقتا يحل ... فيه التنفل فركعتين صل ٢٨٤ - قبل جلوسك إذا ما كنتَا ... على وضوء حينما دخلتا ٢٨٥ - وإن دخلته ورا الفجر ففي ... تحصيل ذاك بالرغيبة اكتفي ٢٨٦ - وإن تكن ركعتَها بالدار ... ففي ركوعك خلاف جار ٢٨٧ - ولا تنفل وراء الصبح ... إلى طلوع الشمس قِيدَ رُمح قوله: ويكره النفل البيت، يعني به أن التنفل بعد طلوع الفجر مكروه، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر (٢) " أما ما استثناه من الرغيبة والشفع والوتر، فأمره ظاهر، أما الرغيبة فذلك هو وقتها، وأما الشفع والوتر فعلى ما تقدم بيانه قريبا. قوله: وحزب اعتيد، إلى قوله: وأوترن بعده، أشار به إلى أن من غلبه النوم عن حزبه الذي كان قد اعتاد أن يصليه آخر اليل، فله أن يصلي منه إلى أول الإسفار، ثم يوتر ويصلي ركعتي الفجر، ثم يصلي الصبح، ولم يذكروا في هذا خلافا، قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى ـ: وهذا إذا كان وحده، وإلا ففضل الجماعة مقدم على ورده.

стр. 204

قوله: والذاكر للوتر بعد الصبح ليس يوتر، أشار به إلى أن من لم يذكر الوتر حتى صلى الصبح فقد فاته الوتر، وقد سبقت حكاية ابن عرفة -رحمه الله تعالى -الاتفاق على ذلك، وأما من ذكره أثناء الصبح فقيل يتمادى مطلقا، وقيل يقطع مطلقا، وقيل يقطع مطلقا ما لم يسفر جدا، وقيل يقطع الفذ ويتمادى غيره، وقيل يقطع الفذ والإمام، ويتمادى المؤتم، والمشهور في الفذ القطع. قوله: وإن دخلت مسجدا البيتين، أشار به إلى استحباب تحية المسجد لحديث " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين " (١) قال في التاج: عياض: تحية المسجد فضيلة، قال مالك: وليست بواجبة، أبو عمر: على هذا جماعة الفقهاء، وكان القاسم يدخل المسجد فيجلس ولا يصلي، وقد فعل ذلك ابن عمر وسالم وابنه، قال: ورحل الغازي بن أبي قيس إلى المدينة المنورة ليسمع من مالك - رحمهما الله تعالى - فدخل ابن أبي ذئب مسجد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فجلس ولم يركع، فقال له الغازي بن أبي قيس: قم فاركع، فإن جلوسك دون ركوع جهل بالسنة، ونحو هذا من جفاء القول، فقام ابن أبي ذئب فركع، ثم أسند ظهره وجلس الناس إليه، فلما رأى ذلك الغازي ابن أبي قيس خجل وندم، فسأل عنه فقيل له هو ابن أبي ذئب أحد فقهاء المدينة وأشرافهم، فقام يعتذر إليه، فقال له ابن أبي ذئب: يا أخي لا عليك، أمرتنا بخير فأطعناك، ومن نحو هذا التخلق ما رواه القاضي عياض عن قاضي الجماعة ابن السليم، قال: حضر يوما مسجدا بأطراف قرطبة لانتظار جنازة، فحان وقت العصر، فأشار على رجل من العامة أن يؤذن، فتغير الرجل وقال: لم تر بالمسجد من هو أبخس مني، فتبسم القاضي واستغفر الله ، ثم خرج بنفسه فأذن ورجع، وقال للرجل: قد رأيت من هو أبخس منك، فلا تعد لمثل قولك تاب الله تعالى علينا وعليك.

стр. 205

ومحل ندب تحية المسجد إذا كان الداخل متوضئا، وكان الوقت وقت تنفل، وأراد الجلوس، كما قالوا، وكأنه معنى " فلا يجلس حتى يصلي ركعتين " لأن النهي إنما توجه لمريد الجلوس، والأوقات التي ينهى عن التنفل فيها قد علم خروجها بالنهي، وغير المتطهر لا تصح منه الصلاة، فكان نهيه عن الجلوس مقتضيا أن الأمر بهما من قبيل الأمر المقيد، فلا يكون الأمر به أمرا به وبشرطه، وإذا كان هذا هو المعنى في خروج المحدث، توجه أمر الجنب المريض أو العادم الماء بهما، إذ لا يحل لهدخول المسجد إلا متيمما، والنافة جائزة بذلك التيمم، هذا وما ذكره الدردير ومن تبعه من امتناع مكث الجنب المذكور في المسجد مخالف لإطلاقات أهل المذهب، وقد بين ذلك الشيخ آد ﵀ ونصه: أما بعد ففي نور البصر: أن ما انفرد به علي الأجهوري وأتباعه غير معتمد، وبين وجه ذلك، ومن تأمله وتأمل من تبعهم من المصريين، علم أنه كذلك، فقول الأمير إن مس المصحف لا يضر بتيمم الفرض، والدردير إن المتيمم لا يمكث في المسجد بعد الصلاة، لا يعتمد، لا سيما والبحث في كل ظاهر، فكلام الأمير مخالف لظاهرهم، والقعود في المسجد عبادة، وإن انتظر فيه صلاة كان رباطا، وإن نمى نيته به كانت عبادات. فإن كان الداخل مارا جاز تركه لها كما في المدونة، وجواز المرور محله ما لم يكثر، لأنه إذا كثر كان تغييرا للحبس قاله ابن ناجي - رحمه الله تعالى - وقال: ويقرأ في ركعتي التحية بأم القرآن وسورة كغيرها، ووقع في كتاب ابن شعبان أنه يقرأ بأم القرآن فقط كركعتي الفجر في المشهور. ومقتضى مقابلتهم الجلوس بالمرور أن المراد به الاستقرار به، وبه صرح بعض أهل العلم، فالتعبير بالجلوس خارج مخرج الغالب، فلا يكون القيام مخرجا عن النهي.

стр. 206

قوله: وإن دخلته ورا الفجر البيت، يعني به أن من دخل المسجد بعد طلوع الفجر ولم يركع ركعتي الفجر، يقتصر على ركعتي الفجر، وهما كافيتان عن التحية، لأن المقصود بتحية المسجد أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين، فيكتفي بالأوكد الذي هو ركوع الفجر، وقال القابسي يصلي التحية ثم يركع للفجر، وصوبه ابن عبد السلام، والمشهور الأول. قوله: وإن تكن ركعتها بالدار البيت، معناه أن من أتى المسجد بعد الفجر وقد صلى الفجر في بيته، اختلف هل يؤمر بالركوع، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: ومن أتى المسجد بعد ركوعهما فروى ابن القاسم وابن وهب يركعهما، وابن نافع لا يعيدهما، ففسر ابن رشد واللخمي وابن العربي وابن عبد الرحمن وأبو عمران إعادتهما بركعتي التحية، ونقل ابن بشير إعادتهما بنية إعادة ركعتي الفجر، لا أعرفه. وفي العتبية: وسئل عن الرجل يركع ركعتي الفجر في منزله ثم يأتي المسجد، أترى أن يركعهما؟ قال مالك ـ رحمه الله تعالى ـ: كل ذلك قد رأيت من يفعله، فأما أنا فأحب إلي أن يقعد ولا يركع، قال لي ابن القاسم: وقد قال لي قبل ذلك أحب إلي أن يركع، وكأني رأيته وجه الشأن عنده، قال سحنون: إذا ركعهما في بيته فلا يعيدهما في المسجد.

стр. 207

قال محمد بن رشد: هذا الاختلاف إنما هو اختلاف في الاختيار، وفي أي الأمرين أفضل، وإنما وقع من أجل أن رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ قال: " لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر " وقال أيضا: " إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس " فتعارض الحديثان في الظاهر، وكل واحد منهما يحتمل أن يكون مخصصا لعموم صاحبه، احتمالا واحدا، ألا ترى أنه لو قال ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ لا صلاة بعد الفجر سوى ركعتي الفجر إلا لمن دخل المسجد لكان كلاما مستقيما، ولو قال أيضا من دخل المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس إلا أن يكون بعد الفجر وقد ركع ركعتي الفجر، لكان أيضا كلاما مستقيما، فلما لم يتحقق أي المعنيين أراد صلى الله تعالى عليه وسلم وقع الاختلاف المذكور، ووجه القول بأن الركوع أفضل هو أن الصلاة فعل بر فلا يقال إن تركها في هذا الوقت أفضل، إلا أن يتحقق النهي عن ذلك، ووجه القول بأن ترك الركوع أفضل هو أن النهي أقوى من الأمر لقول رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " وأيضا فإن قوله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس " أولى بالتخصيص في هذا الموضع، إذ قد خصص في غيره من المواضع، وهي الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، فيحمل هذا الموضع عليها، وهذا القول أظهر، واستحب من رأى الركوع أفضل لقول رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس " أن يركعهما بنية الإعادة لركعتي الفجر، رغبة في ما جاء فيهما من الثواب، والله تعالى أعلم. واختلف هل الأفضل في ركعتي الفجر إيقاعهما بالمسجد أو بالبيت، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: الشيخ عن ابن حبيب: صلاتهما بالبيت أحب إلي، ابن محرز عن السليمانية: بالمسجد أحب إلي، لأن إظهار السنن خير. قوله: ولا تنفل البيت، أشار به إلى أن النفل بعد طلوع الفجر منهي عنه حتى تطلع الشمس وترتفع قيد رمح، والنهي في ذلك نهي كراهة، إلا وقت طلوع الشمس فالنهي فيه نهي تحريم، وسيأتي الكلام على تفصيل ذلك في صلاة الجنازة وسجود التلاوة إن شاء الله . والقيد -بكسر القاف - القدر، والرمح معروف، وفي بعض الأخبار " وتزول عنها الحمرة " وهو تفسير لذلك، وفسر بما بين كوكبي الفرغ، ولعله قائله احتاط كثيرا، وقد قيل إن حد ذلك من الدقائق اثنتا عشرة دقيقة، والله أعلم.

стр. 208

باب في الإمامة وحكم الإمام والمأموم ٢٨٨ - وفي إمامة الصلاة الاولى ... أكثرهم فقها بها وفضلا ٢٨٩ - ولا تؤم مرأة إسجالا ... لا نسوة فقط ولا رجالا ٢٩٠ - لا واجبا ولا انتفالا، واقْرا ... مع الامام حيث يتلو سرا ٢٩١ - واستمعنْ إليه في مواضع ... جهرٍ، والاقتراءَ إذ ذاك دع ٢٩٢ - وأدرك الجماعة الذي معا ... الامام ركعةً ففوقُ ركعا ٢٩٣ - وقام من بعد السلام قاضيا ... أقوالَه، وفي الفعال بانيا أشار بالبيت الأول إلى أن أولى القوم بإمامتهم في الصلاة، أفضلهم وأفقههم، قال في التبصرة: إذا اجتمع جماعة للصلاة وتساوت حالهم، قدموا لأنفسهم من شاءوا منهم، وإن رجح أحدهم بحالة علم أو صلاح أو صيانة أو سن أو حسن هيئة، كان أحق بالإمامة ممن ساواه، وإن اختلفت حالاتهم، وكان لكل واحد منهم وجه يدلي به ولا يدلي به الآخر، فقيه وعابد وقارئ وذو سن، كان العالم أولاهم، ثم القارئ إذا كان مفردا إماما في ذلك، ثم الصالح ثم الأسن، وإن رجح رجلان بمعنى واحد، فإن رجحا بعلم فأعلمهما، وإن تقاربا في العلم فأصلحهما، وإن تقاربا في الصلاح فأسنهما، وعلى هذا يجري الجواب في مقرئين وصالحين.

стр. 209

وأربعة الإمامة إليهم: الأمير والأب والعم وصاحب المنزل، فإن اجتمع أب وابن كانت الإمامة إلى الأب، وكذلك العم وابن الأخ، الإمامة إلى العم، وقال مالك في المستخرجة: وإن كان العم أصغر، فهو أحق بالإمامة، إلا بإذن الأب أو العم، فيجوز أن يؤمهما، قال سحنون: وذلك إذا كان العم في الفضل مثل ابن الأخ. وعلى هذا يكون الابن أولى من الأب إذا كان عالما أو صالحا، والأب ليس كذلك. وصاحب المنزل أحق بالصلاة وإن حضر من هو أفضل منه من فقيه أو صالح أو ذي سن، إلا أن يأذن، ويستحب له أن يقدم غيره ممن ذكرنا. وقال مالك في كتاب ابن حبيب: صاحب الدار أولى بالإمامة وإن كان عبدا. قال اللخمي - رحمه الله تعالى -: وإن كان منزلا لامرأة كان الاستخلاف إليها، ويستحب لها أن تستخلف أحقهم بالإمامة لو لم يكن منزلها، والأصل في هذه الجملة قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم إسلاما، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه " أخرجه مسلم في صحيحه وفي رواية أخرى " أكبرهم سنا " فقدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أقرأهم لأنه كان أفقههم، وإنما كان فقههم من كتاب الله ، وقدم المتفقه في كتاب الله على المتفقه في السنة لأن القرآن أصل علم الله سبحانه تعالى في أرضه على هذه الأمة. وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه " فإذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما " أخرجه البخاري ومسلم. وفي النسائي قال النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -: " إذا زار أحدكم قوما فلا يصلين بهم ".

стр. 210

وقال في التاج: ابن رشد: الفقيه، فالمحدث، فالقارئ الماهر، فالعابد، فذو السن، وإنما كان الفقيه أولى وإن كان المحدث أفضل منه، لأن الفقيه أعلم بأحكام الصلاة، وإنما كان المحدث أولى من القارئ، وإن كان القارئ أفضل من المحدث لأنه أعلم بسنن الصلاة، وإنما كان القارئ الماهر - إذا كان له الحال الحسنة - أولى من العابد، لأن القراءة مظنة للصلاة، والعابد أولى من المسن لكثرة قرباته، والمسن أولى ممن دونه في السن لأن أعماله تزيد بزيادة السن، فلو كان الأحدث سنا أقدم إسلاما لكان أولى بالإمامة، إذ لا فضيلة في مجرد السن، ابن شعبان: ثم أصبحهم وجها، وأحسنهم خلقا، ابن بشير: يفتقر الإمام إلى صفتين بعد تحصيل البراءة عن النقص المانع الإجزاء، أو النقص المانع الكمال، والصفتان العلم والورع، فإن شورك فيهما نظر إلى غير ذلك من الفضائل الشرعية، والخلقية، والمكانية، فالشرعية كالشرف في النسب والسن، والخلقية ككمال الصورة، ويلحق به حسن اللباس، والمكانية كمالك رقبة الدار أو منافعها، وقال ابن رشد في التقديم في الجنائز: يقدم الأعلم على الأفضل، لأن العلم مزية يقطع عليها، وقال أيضا: تقديم الحسن الصوت على كثير الفقه محذور، وعلى مساويه غير مكروه، وقال عياض: من صفات الإمام المستحبة حسن الصوت. وإيقاع الصلاة في الجماعة سنة مؤكدة عند أكثر الشيوخ، ونقل ابن محرز عن بعض أصحابنا أنه فرض كفاية، وقيل هي مندوب إليها مؤكدة الفضل، قاله القاضي في التلقين، وابن العربي في العارضة، وقال ابن رشد: مستحبة للرجل في خاصته، فرض في الجملة، سنة بكل مسجد، نقله ابن ناجي.

стр. 211

وأشار بقوله: ولا تؤم مرأة إسجالا، إلى قوله: ولا انتفالا، إلى عدم صحة إمامة المرأة مطلقا، في المشهور من المذهب، سواء كانت للنساء أو للرجال أو للمجموع، سواء كان ذلك في الفرض أو النافلة، ووجه ذلك ما تقرر من خطابها بخلاف ما يطلب من الأئمة، من الظهور، والتقدم، ورفع الصوت، ولما في الإمامة من معنى الولاية، وقد علم أنها ليست من أهل الولاية، ولعمل السلف، فلو كان ذلك جائزا عندهم لكان أمرا مستفيضا، لما علم من حرصهم على الخير، فكيف تفرط نساؤهم في بيوتهن في مضاعفة الصلاة خمسا وعشرين مرة، وكيف يقرونهن على ذلك، فتركهم لسبب هذا الخير العظيم قرينة بينة أنهم لا يرون مشروعيته، ومثل المرأة في ذلك الصبي، والمجنون، والمعتوه، والكافر، واختلف في الفاسق، والمعول النهي عن الصلاة خلفه، إلا أن يكون خليفة أو نحو ذلك، وأن لا إعادة على المؤتم به، إذا كان لا يتهم على الإخلال بما لا بد منه في صحة الصلاة، وهذا في الفاسق فسق الجوارح، وأما الحروري والقدري ونحوهما فقال مالك: إذا أيقنت أن الإمام قدري أو حروري أو غيره من أهل الأهواء فلا تصل خلفهم، ولا الجمعة، فإن اتقيته وخفته فصلها معه، وأعدها ظهرا، ووقف في إعادة من صلى خلف مبتدع، وقال ابن القاسم: يعيد في الوقت، ابن يونس: انظر قوله: أعدها ظهرا، مع وقفه في إعادة من صلى خلف مبتدع، والفرق بين ذلك أن الذي صلى تقاة صلى على أن يعيد، ومن صلى على أن يعيد لا تجزئه الأولى، وأما الذي وقف فيه مالك فقد قصد الائتمام به، على أن هذا فرضه ولا يعيد، فالصواب أن تجزئه، نقله في التاج. واختلف كذلك في اللاحن، والمعول كراهة الصلاة خلفه، وعدم وجوب الإعادة.

стр. 212

قوله: واقر مع الإمام حيث يتلو سرا، أشار به إلى أن المأموم يؤمر أن يقرأ مع الإمام في ما يسر فيه، ندبا على المشهور، وقيل استنانا، واختار ابن العربي وجوب قراءة الفاتحة، وقال ابن وهب وأصبغ لا يؤمر بالقراءة أصلا، قوله: واستمعن إليه البيت، يعني به أنه يؤمر بالإنصات إليه، وترك القراءة في مواضع الجهر، وإن لم يسمع قراءته، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لما قرأ خلفه بعضهم: " فإني أقول: ما لي أنازع القرآن " (١) فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - والأمر بالإنصات في ذلك للاستنان على المشهور من المذهب، وقيل للوجوب، وقيل يقرأ الفاتحة بعد أن يتمها الإمام، ويؤمر الإمام بالسكوت عند ختم الفاتحة. قوله: وأدرك الجماعة البيت، يعني به أن من أدرك مع الإمام ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، فضلا وحكما، فلا يعيد في جماعة، ويسجد لسهو الإمام ويصح استخلافه، وذلك لحديث الصحيح " من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة (٢) " والركوع: أن يحني ظهره بحيث تقرب يداه من ركبتيه، وقيل مع تمكينهما منهما. قوله: وقام من بعد السلام البيت، أشار به إلى أن المأموم المسبوق إذا سلم إمامه يقوم لإتمام الصلاة بانيا في الأفعال، قاضيا في الأقوال، فيكون ما يأتي به أول صلاته بالنسبة للأقوال، فيجهر بالقراءة، ويقرأ السورة بعد الفاتحة، لكن يجمع بين التحميد والتسميع، وأما الأفعال فيكون ما يأتي به منها بعد السلام آخر صلاته، قال ابن يونس: وكذلك فعل ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -وهو الأمر عندنا، قال مالك: ما أدرك مع الإمام فهو أول صلاته، يريد في القيام والجلوس، قال مالك: إلا أنه يقضي مثل الذي فاته، يريد من القراءة، وقاله ابن عمر وابن مسعود ومجاهد.

стр. 213

قال مالك -رحمه الله تعالى -: ومن أدرك ركعة من المغرب صارت صلاته كلها جلوسا، قال ابن المسيب -رحمه الله تعالى -: وكذا من فاتته منها ركعة. والوجه في ذلك عمل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. والجمع بين الأمر بالإتمام، (١) والأمر بالقضاء، وقيل يكون قاضيا فيهما، وقيل يكون بانيا فيهما، والله أعلم. ٢٩٤ - ومن بالانفراد صلى نُدِبا ... بجمْعٍ أن يعيد إلا المغربا ٢٩٥ - ومثله مدرك دون ركعة ... ولم يجز لمدرك الجماعة ٢٩٦ - وإن تكن مع إمام وحدكا ... فقف على يمينه هنالكا ٢٩٧ - وحيث ما يكون معْه رجلانْ ... فمن ورائه هناك يقفانْ ٢٩٨ - ومرأة تقف خلف الكل ... وكالرجال ولد ذو عقل ٢٩٩ - وكالجماعة الامام الراتب ... إذا يصلي وحده يحتسب ٣٠٠ - والجمع بالمسجد قبل أو ورا ... راتبه كرهٌ، وقيل حُظِرا قوله: ومن بالانفراد البيت، أشار به إلى أن من صلى صلاة فذا يستحب له أن يعيدها في جماعة، لتحصيل فضل الجماعة، وقد جاء في الحديث أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -قال لأبي ذر: " كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها " فقال أبو ذر -رضي الله تعالى عنه -: فما تأمرني؟

стр. 214

قال: " صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل، فإنها لك نافلة (١) " ولا يعيد مع الواحد على المعروف من المذهب، وأما من صلى في جماعة ولو مع واحد، فلا يعيد في جماعة، إلا أن يكون ذلك بأحد المساجد الثلاثة، قال في النوادر: ومن مختصر الواضحة قال عبد الملك: ومن صلى في بيته، أو غير بيته، مع رجل فصاعدا، ثم أتى المسجد هو والذي صلى معه، فأقيمت الصلاة، فليخرج ولا يصلها معهم، وكذلك من صلى في جماعة، في مسجد أو غير مسجد، لم يعدها في جماعة، إلا أن تكون التي صلى في جماعة بمكة أو المدينة أو بإيليا، ثم دخل المسجد الحرام، أو مسجد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أو بيت المقدس فوجدهم في الصلاة، أو أقيمت عليه تلك الصلاة، فإنه يؤمر أن يصلي معهم، وذلك لفضل الصلاة فيها على غيرها، واستحب مالك - رحمه الله تعالى - لمن صلى في جماعة في غير هذه المساجد، ثم دخل هذه المساجد وهم في الصلاة أن يصليها معهم، وكذلك قال مالك - رحمه الله تعالى - في من أتى مسجدا فوجد أهله قد فرغوا من الصلاة، فطمع أن يدركها في مسجد آخر، أو في جماعة يجمعها معهم، فلا بأس أن يخرج إن أحب، ويذهب إلى حيث يرجو إدراك الصلاة فيه مع الجماعة، إلا أن يكون ذلك في أحد المساجد الثلاثة المفضلة، فلا يخرج عنها، وليصل وحده، فإن صلاته فيها فذا خير من الجماعة في غيرها، نقله في المواهب.

стр. 215

واختلف في من صلى بصبي أو امرأة، ثالثها المشهور إعادة المصلي بالصبي دون المرأة، وتستثنى من ندب الإعادة المغرب، لأنها تصير بذلك شفعا، وكذلك العشاء إذا أوتر بعدها، لما سبق، وقال المغيرة بإعادتهما، ومنهم من لم ير إعادة الصبح والعصر أيضا والمشهور الأول، قال سيدي كنون: في سماع محمد بن خالد من كتاب الصلاة، قال محمد: سألت ابن القاسم عمن صلى العصر في بيته، ثم أتى المسجد فوجد القوم لم يصلوا، هل يتنفل؟ قال: إن أحب أن ينتظر الصلاة فلا يتنفل، وإن أحب أن ينصرف فلينصرف، ابن رشد: وهذا كما قال للنهي عن التنفل حينئذ، وإنما يعيد العصر في جماعة بنية الفريضة، ولا يدري أيتهما صلاته، ومن جعل الثانية نافلة، لا يجيز له إعادة العصر والصبح في جماعة، إذ لا نافلة بعدهما. واختلف في ما ينوي بالصلاة الثانية، على أربعة أقوال ذكرها ابن الحاجب وقد أشار بعضهم إليها في قوله: في نية العود للمفروض أقوال ... فرض ونفل وتفويض وإكمال وذيله بعضهم بقوله: فإن يفوض يعد ما منهما بطلت ... والفرض الاخرى، وغيرا غيرها قالوا ميارة انظره، والتفويض أشهرها ... وقال: في كل ذي الأقوال إشكال قال في التوضيح: ابن الفاكهاني: والمشهور التفويض، وحكى ابن بشير وابن شاس الأربعة، ولم يحك الباجي والمازري إلا روايتين النفل والتفويض، والقول بالفريضة ابن راشد: لم أره معزوا، وصحح ابن عبد البر وابن العربي وغيرهما النفل، لأن الذمة قد برئت بالصلاة الأولى، واستشكل القول بالإكمال، لأنه إن وقع الخلل في أركان الأولى تعين عليه أن ينوي الفرض، وإن وقع على الكمال كانت الثانية نفلا، ولا معنى للتكملة، ابن راشد: ولم أره في غير الأصل من الأمهات، وقال ابن عبد السلام: فهم المصنف القول بالإكمال رابعا، وظاهر كلام قائله أنه تفسير للقول بالنفل وهو الأقرب، وإلا فالأمر بالنفل المجرد من غير تكميل للفرض السابق به لا معنى له.
следующие страницы →