← Фикх малики

Фикх малики · id 607

عون المتين على نظم رسالة القرويين

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (1 054 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قال ابن ناجي: والركعة معتبرة بالنسبة إلى الأداء باتفاق، واختلف في السقوط على أربعة أقوال، فقيل كذلك، وهو المشهور، وقيل يعتبر أقل لحظة، قاله ابن الحاجب، ونصه: قلت واعتبار قدر الركعة للأداء، وأما السقوط فبأقل لحظة، وإن أثم المتعمد، وقيل لا تسقط عن متعمد التأخير إلا بقدر كل الصلاة، نقله اللخمي عن بعض المتأخرين، وألزمه عدم قصر المتعمد يسافر حينئذ، وقيل لا تسقط عن متعمد التأخير إلا بقدر ركعة إن كان متعمد التأخير متوضئا، حكاه المازري عن بعض شيوخه، قلت وقول ابن الحاجب ضعيف، ولو عكس لكان أولى من طريق الاحتياط، والله أعلم. وقوله في البيت الرابع: ورا تطهر بلا توان قدرا، يعني به أن ذوي الأعذار إنما يجب عليهم من الصلاة بقدر ما يدركون بعد تحصيل الطهارة من غير تراخ، فإن تراخوا كان عليهم ما يدركونه لو لم يقع تراخ، قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: بهرام: ويعتبر مقدار الطهر للصبي اتفاقا، وفي غيره أربعة، اعتباره للجميع، ونفيه، واعتباره لغير الكافر، وقيل والمغمى عليه، وجرد في النوادر الحائض عن الخلاف، كالصبي، وأجرى غيره الخلاف في الجميع حتى الصبي. ٣٧٦ - ومن تيقن الوضو وشك هل ... أحدث بعده وضوءه بطل ٣٧٧ - ومَن مِن الوضوء فرضا ذكرا ... بقربه، فعله وما ورا ٣٧٨ - وليقتصر عليه إن تطاولا ... وعمد ذاك حيث طال أبطلا ٣٧٩ - وإن يكن بعد صلاة ادَّكر ... فذي الصلاة والوضو قبلُ هدر ٣٨٠ - وذاكر الذي يسن يقتصر ... عليه، لو مع دُنُوٍّ يدكر ٣٨١ - ولا يعيد حيث كان قبلا ... أن يذكر الذي نسي صلى ٣٨٢ - ويفعل المنسي لما سياتي ... به بذا الوضو من الصلاة

стр. 247

أشار بالبيت الأول إلى أن من تيقن الوضوء وشك في الحدث بعده، يجب عليه الوضوء، كما هو ظاهر المدونة، وذلك لعمارة الذمة بيقين، فلا تبرأ إلا بيقين، وقد تقدم الكلام على ذلك في الوضوء، وتأول بعض الشيوخ المدونة على الاستحباب، وقيل لا يطلب منه الوضوء جملة، لا وجوبا ولا استحبابا، وقيل إن شك وهو في غير صلاة، وجب عليه الوضوء، وإن شك وهو في صلاة، أتم صلاته ولا شيء عليه، وقيل إن كان شكه لنحو ريح خُيل له لم ينقض، وإلا نقض، والمشهور الوجوب مطلقا، وهذا بالنسبة لغير الموسوس، وأما هو فلا ينتقض وضوءه بالشك، ومحل هذا كله إذا تيقن الوضوء، وتيقن سبقيته، وإلا نقض مطلقا، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: ابن محرز: صوره ست، إن تيقنهما وشك في الأحدث، وجب الوضوء، ولو شك معه في وجودهما فكذلك، ولو أيقن الحدث وشك في رفعه فواجب، ولو شك مع ذلك في تقدمه فأوجب، ولو تيقن الوضوء وشك في نقضه جاء الخلاف، فإن شك مع ذلك في تقدمه فالوضوء أضعف. وأشار بقوله: ومَن من الوضوء البيتين إلى أن من نسي فرضا من فرائض وضوئه -ولو لمعة منه -فإن تذكر بالقرب فعله فورا، ويستحب أن يعيد ما بعده للترتيب، وإن أخر بعد أن ذكر حتى حصل طول بطل وضوءه، وإن لم يتذكره حتى حصل طول اقتصر عليه على المشهور، وقال ابن حبيب يفعل ما بعده أيضا كما إذا تذكر بالقرب. قوله: وعمد ذاك حيث طال أبطلا، يعني به أنه إذا فرق بين أعضاء وضوئه عمدا حتى حصل طول بطل وضوءه، والمشهور في الطول أنه بما تجف فيه الأعضاء المعتدلة في الزمان المعتدل، وقيل هو باجتهاد المتطهر، حكاه الباجي، كما نقله ابن عرفة - رحمهما الله تعالى ـ. قوله: وإن يكن بعد صلاة البيت، يعني به أنه إذا صلى بوضوئه الناقص فرضا ساهيا فصلاته باطلة، لأنه محدث، وأما ما ذكره من إعادة الوضوء فهو خاص بما إذا كان ذلك عمدا، وهو ساقط في بعض النسخ، وهو أحسن.

стр. 248

قوله: وذاكر الذي يسن البيت، يعني به أن من ذكر سنة من سنن الوضوء، يؤمر بالإتيان بها استنانا، ولا يعيد ما بعدها، سواء تذكر بالقرب أو لا، لأن الترتيب بين المسنون وما بعده مستحب فقط، خلافا لابن حبيب - رحمه الله تعالى - وهذا خاص بالسنة التي لم يؤت في محلها بعوض، ولم يترتب على فعلها تكرار، قال ابن بشير - رحمه الله تعالى -: وحقيقة ما يعاد من السنن المتروكة في الوضوء وما لا يعاد، أن كل سنة إذا تركت ولم يؤت في محلها بعوض، فإنها تعاد، وهذا كالمضمضة، والاستنشاق، ومسح داخل الأذنين، والترتيب، وكل سنة عوضت في محلها كغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، ومسح الرأس عائدا من المقدم إلى المؤخر، فلا تعاد لأن محلها قد حصل فيه الغسل والمسح، نقله في المواهب. قوله: ولا يعيد حيث كان قبلا البيتين، يعني به أن من لم يذكر أنه نسي سنة من وضوئه حتى صلى به فلا إعادة عليه على المشهور، وقيل يعيد في الوقت، ويسن له أن يفعل تلك السنة إذا كان باقيا على وضوئه، وكان يريد أن يصلي به، وإلا فلا ٣٨٣ - ومن يصلي بمكان قد طهر ... من الفراش فسواه لا يضر ٣٨٤ - ومن يكن ذا مرض لا بأسا ... حيث فراشه يكون نجْسا ٣٨٥ - إذا يصلي فوقه معْ سَتر ... عليه ذي كثافة وطهر قوله: ومن يصلي بمكان البيت، يعني به أن من صلى على طرف فراش طاهر، كحصير مثلا، صحت صلاته، وإن كان طرفه الآخر نجسا اتفاقا إن كان لا يتحرك بحركته، وعلى المشهور إن كان يتحرك بحركته، قال سند -رحمه الله تعالى -: كالمركب يكون في بعض خشبه نجاسة، وهو يتحرك بحركة المصلي، وكالسقف يضطرب بالمصلي، وفي بعض أرضه نجاسة، لا يلتفت إلى ذلك إجماعا، ومثله من صلى على حصير، وعلى الحصير ثوب نجس، نقله في المواهب.

стр. 249

قوله: ومن يكن ذا مرض البيت، يعني به أن للمريض إذا كان فراشه نجسا، أن يبسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا ويصلي عليه، كما في المدونة، قال في التاج: ابن يونس: قال بعض شيوخنا: إنما رخص في هذا للمريض خاصة، وقال بعضهم بل ذلك جائز للصحيح، لأن بينه وبين النجاسة حائلا طاهرا، كالحصير إذا كان بموضعه نجاسة، والسقف إذا صلى بموضع طاهر وتحرك منه موضع النجس، أن ذلك لا يضره، لأن ما صلى عليه طاهر، فكذلك هذا، ابن يونس: وهو الصواب. ٣٨٦ - وصل جالسا إذا لم تقدر ... على القيام، والتربع حري ٣٨٧ - وحيث يعجز عن السجود ... أوما له أيضا من القعود ٣٨٨ - وليجعل إيماء السجود أنزلا ... هناك من إيما الركوع أولا ٣٨٩ - وإن عن القعود كلا انعذر ... صلى لشق اَيمنٍ إذا قدر ٣٩٠ - وعاجز عن الصلاة إلا ... لظهره، للظهر أيضا صلى ٣٩١ - تأخيرها عن وقتها ما العقل ... بقي بالإطلاق لا يحل ٣٩٢ - لكن يؤديها على المسطاع ... والأمر في المعجوز ذو اتساع

стр. 250

قوله: وصل جالسا إذا لم تقدر البيت، معناه أن العاجز عن القيام في الصلاة ولو مستندا بأن كان لا يقدر عليه جملة، أو يلحقه بتكلفه ضرر مبيح للتيمم، يصلي جالسا، ولا تتعين عليه في جلوسه هيئة، والأولى أن يتربع على المشهور، وحكى ابن عبد الحكم أن الأولى أن يجلس في موضع القيام، كجلوسه في موضع الجلوس، واستحسنه المتأخرون لأنه أقرب للتواضع، وفي الموطإ أن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنكر على الذي رآه تربع، فقال له: إنك تفعل ذلك، فقال ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: إني أشتكي، (١) ابن بشير: فعول في المشهور على فعل ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -، وابن عمر إنما تربع من علة، الباجي: التربع ضربان: أحدهما أن يخالف بين رجليه، فيضع رجله اليمنى تحت ركبته اليسرى، ورجله اليسرى تحت ركبته اليمنى، قال الجزولي: كجلوس المرضع، الباجي: الضرب الثاني: أن يتربع ويثني رجله اليمنى عند أليته اليمنى، ويشبه أن تكون هذه التي عاب عليه ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - نقله في التاج. قوله: وحيث يعجز البيتين، يعني به أن العاجز عن السجود يومئ له من القعود، وإذا كان يومئ للركوع والسجود معا من الجلوس، فليجعل إيماءه للسجود أخفض من إيمائه للركوع كما في المدونة، ومقتضاه أن الإيماء لا يجب فيه الوسع، وهو المشهور، قوله: وإن عن القعود البيتين، معناه أن العاجز عن الصلاة جالسا مستندا، يصلي مضطجعا على أحد جنبيه، أو على ظهره، واختلف في الأولى من ذلك، والمشهور تقديم الجنب الأيمن، ثم الأيسر، ثم الظهر، قاله ابن المواز وغيره، وهو ظاهر الشيخ، وقيل يقدم الظهر على الجنب الأيسر، ونسب لابن القاسم - رحمه الله تعالى - وقيل لا مزية للأيسر على الظهر، ولا للظهر على الأيسر، وقيل يقدم الظهر على الجنبين معا، ونسب لابن القاسم وأشهب وابن مسلمة - رحمهم الله تعالى جميعا - كما في ابن ناجي.

стр. 251

والوجه في هذا وما بعده من مسألة العجز عن الأركان، ومسألة الخضخاض، حديث عمران بن حصين -رضي الله تعالى عنه -قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -فقال: صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك " (١) قوله: تأخيرها عن وقتها البيتين، معناه أنه لا يجوز للعاجز عن الإتيان بالصلاة على الوجه المعهود، إخراجها عن وقتها، إذا كان في عقله، لكن يأتي بها على ما يطيق، ووجه هذا ما تقرر في صلاة المسايفة، وحديث " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (٢) ومن هذا المعنى ما ذهب إليه اللخمي -رحمه الله تعالى - من أن الكلام الواجب كالكلام لإنقاذ أعمى، لا تبطل به الصلاة عند ضيق الوقت، والله أعلم. ٣٩٣ - وحيث يَعدِم مُناولَ مَلا ... فحائط الطين له قد حُللا ٣٩٤ - كحائط عليه طين، واحظلي ... بما بجِصٍّ أو بجير قد طُلِي معنى البيتين أن المريض الذي لا يقدر على الطهارة المائية، إذا لم يجد من يناوله صعيدا، فله أن يتيمم على الحائط بجنبه، إذا كان طوبا نِيئا، أو حجارة، وكذلك إذا كان من غير الصعيد وكان مطليا بالطين، ومثله في ذلك الصحيح، وقيل يختص ذلك بالمريض، وفي العتبية: وسئل ابن القاسم عن تفسير: يتيمم بجدار، فقال: تفسيره من ضرورة، بمنزلة المريض لا يكون عنده أحد يوضئه ولا ييممه، فيمد يده إلى الجدار بجنبه، إذا كان جدارا أسود، يريد أن يكون الجدار من طوب نيء.

стр. 252

قال محمد بن رشد: وجه هذا السؤال أنه سأله عن تفسير ما روي أن رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ سلم عليه رجل في سكة من السكك، وقد خرج من بول أو غائط، فلم يرد عليه حتى أقبل على الجدار وتيمم، (١) فقال: تفسيره من ضرورة، أي أن رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ لم يفعل ذلك إلا من ضرورة، إذ لم يصل إلى الصعيد الطيب لكونه في السكك والطرق التي لا تنفك عن النجاسات، وخشي أن يفوته الرد الذي قد أوجبه الله بقوله: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) إن أخره إلى أن يجد الماء فيتوضأ، إذ لا يكون ردا إلا بالقرب، وذلك أن ذكر الله على غير طهارة كان في أول الإسلام ممنوعا ثم نسخ، فأراد أن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ تيمم الحائط من ضرورة. وأما حائط الطين المطلي بالجص، أو الجبس، أو المشوي طينه، فلا يتيمم عليه. ٣٩٥ - وحيث في الخضخاض من قد سافرا ... كان ولم يجد مكانا آخرا ٣٩٦ - فلينزلنَّ وليصل ماثلا ... وليجعل اِيماءَ السجود أنزلا ٣٩٧ - وراكبا صلى تِجاه القبلهْ ... إن يك ذا النزول لم يمكن لهْ ٣٩٨ - والنفل فوق الظهر للمسافر ... سفرَ قصر لاتجاه السفر ٣٩٩ - مجَوَّزٌ، لو كان نفلَ الوتر ... والفرض لا يجوز فوق الظهر ٤٠٠ - إلا لذي الداء الذي إذا نزل ... يفعل مثل ما على الظهر فعل ٤٠١ - فليس يؤمر إذا اَن ينزلا ... بل يوقَف الظهر له مقَبَّلا

стр. 253

أشار بالبيتين الأولين إلى أن من أدركه الوقت في خضخاض، وضاق الوقت، نزل عن دابته، وصلى قائما، يومئ للركوع والسجود، وإن لم يخف إلا على ثيابه على المشهور، وقال ابن عبد الحكم وابن نافع وأشهب - رحمهم الله تعالى جميعا - إذا لم يخف إلا على ثيابه صلى بالركوع والسجود، وقيل إن كانت ثيابه رفيعة، وكانت تفسد بذلك أومأ، وإلا ركع وسجد، ولا مفهوم للمسافر، وإذا لم يمكنه النزول بأن خاف به ضررا بينا، صلى على دابته بعد أن يوجهها إلى القبلة، إن أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه صلى على ما يمكنه، وإلى هذا أشار بالبيت الثالث. قوله: والنفل فوق الظهر، إلى قوله: نفل الوتر، معناه أن المسافر إذا كان راكبا على دابة، وكان سفره سفر قصر، جاز له أن يصلي النافلة على دابته، متوجها حيث ما توجهت به، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: والتوجه شرط، فلا يصلي محولا رأسه لدبر البعير، ابن رشد: ولو كان تحوله تلقاء القبلة، ولا يشترط ابتداؤه إلى القبلة، ولا تلحق السفينة بالدابة خلافا لابن حبيب فيهما، ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وروى اللخمي: ويرفع عمامته عن جبهته، إذا أومأ، ويقصد الأرض، ابن حبيب: لا يسجد على قربوسه، ويضرب دابته لركوبه وغيره، ولا يتكلم، وسمع ابن القاسم - رحمه الله تعالى - للمصلي في محمله يعيا فيمد رجله، أرجو خفته، وسمع القرينان: لا بأس بتنحية وجهه من الشمس، وكون ذلك في سفر القصر شرط، ككون الصلاة نفلا، وقد نبه على ذلك بقوله: ويوتر على دابته إن شاء، لأن وتره من نافلته، لعدم وجوبه، وقد كان صلى الله تعالى عليه وسلم يوتر على دابته، (١) ولا يصلي الفريضة - وإن كان مريضا - إلا بالأرض. قوله: والفرض لا يجوز فوق الظهر إلخ، معناه أن صلاة الفريضة لا تجوز على الدابة، ولو كان مريضا، إلا أن يكون إذا نزل لا يقدر أن يصلي إلا كما يصلي على الدابة، فتوقف الدابة له موجهة، ويصلي عليها إيماء.

стр. 254

٤٠٢ - وإن رعفتَ في صلاة معْ إمام ... فاخرج لغسل الدم، واحذر الكلام ٤٠٣ - ولا تطأ نجْسا، وعد إليه ما ... لم تقطعنَّ أنه قد سلما ٤٠٤ - ما لم تكن جمعة، فالجامع ... بغيره الجمْعة ليست توقع ٤٠٥ - وألغ ركعة الرعاف حيث لم ... يكن سجودها قبيله استتم أشار بهذا إلى رخصة البناء بالرعاف التي روى مالك -رحمه الله تعالى -في الموطإ من عمل ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما ـ. ومعنى قوله: وإن رعفت البيتين، يعني به أن المؤتم إذا رعف أثناء صلاته، رعافا غير خفيف، بأن كان سائلا أو قاطرا، ولم يظن دوامه، خرج وغسل عنه الدم في أقرب مكان إليه، يمكن غسل الدم فيه، ولا بد أن يكون قريبا في نفسه، ولا يضر كونه لغير القبلة إذا تعين، ويتحرز في خروجه من الكلام، ووطء العذرة ونحوها، وأما ما لا تنفك عنه الطريق من أرواث الدواب وأبوالها، فلا يضر للضرورة، وإذا غسل عاد لإمامه، إذا لم يجزم بأنه فرغ من صلاته، وإلا أتم مكانه، أو بأقرب مكان إليه، إن لم يكن مكان الغسل ممكنا، وهذا ما لم تكن الصلاة جمعة، وأما الجمعة فإنه يعود فيها إلى الجامع مطلقا، إذ لا تصح إلا في الجوامع، ولا يعتد بعد غسله بالركعة التي رعف أثناءها، وإنما يعتد بركعة كملت بسجدتيها، وقد اختلف في البناء والقطع أيهما أولى، فقال مالك - رحمه الله تعالى -: البناء أولى، اتباعا للعمل، وهو المشهور، وقال ابن القاسم - رحمه الله تعالى - القطع أولى، وقيل هما سواء، وقيل بتعين البناء، وقيل بتعين القطع، وظاهر الشيخ اختصاص رخصة البناء بالمؤتم، وأن الفذ والإمام يتعين في حقهما القطع، وقد حكى ابن رشد في المقدمات، وسند في الطراز، الاتفاق على بناء الإمام، ففيه طريقتان، وأما الفذ ففي جواز بنائه وعدمه قولان مشهوران. ٤٠٦ - ومن ورا سلام من أم رعف ... سلم هو عند ذاك وانصرف ٤٠٧ - وإن يك الإمام لم يسلم ... فليخرجن لغسل ذلك الدم ٤٠٨ - وبعد ذا جلس ثم سلما ... كمثل ما بمن سواه قُدِّما

стр. 255

٤٠٩ - وإن يك الدم خفيفا فافتل ... فقط، إذا لم يقطرنْ أو يسل ٤١٠ - ولا بناء في سواه من خبث ... كقيئه، ولا بناء في حدث قوله: ومن ورا سلام الأبيات الثلاثة، أشار به إلى أن المؤتم إذا رعف بعد سلام الإمام، وقبل أن يسلم هو، فليسلم ولينصرف، كما في المدونة، خلافا لسحنون، وكذلك إذا رعف قبل أن يسلم الإمام، وسلم قبل أن ينصرف فليسلم أيضا ولينصرف، وإذا رعف قبل سلام الإمام فلينصرف، وليغسل عنه الدم، ثم يتشهد، ولو تشهد قبل رعافه على المشهور، ويسلم. قوله: وإن يك الدم خفيفا البيت، يعني به أن الدم إذا كان خفيفا، بأن كان راشحا، وظن انقطاعه بالفتل، فتله بالأنامل العليا من يده اليسرى، فإن زاد عليها بدرهم في الوسطى قطع، والوجه في هذا ما رواه مالك -رحمه الله تعالى -في الموطإ عن سعيد بن المسيب وسالم ابن عبد الله -رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ. قوله: ولا بناء في سواه البيت، يعني به أنه لا يجوز البناء في ما سوى الرعاف من النجاسات، كالقيء، ولا في حدث، لأنها مبطلة، فبقيت على الأصل، وخرج الرعاف بما سبق بيانه، وروي عن أشهب أنه يبني في الحدث، كمذهب أبي حنيفة -رحمهما الله تعالى ـ. ٤١١ - ولتغسلنْ عن ثوبك الدم اليسير ... ولا تعد إلا من الدم الكثير ٤١٢ - وما سوى الدم من الأنجاس ... قليله وجمه سواسي ٤١٣ - وغسل ثوب من دم البرغوث لا ... يطلب ما لم يتفاحش مسجلا

стр. 256

قوله: ولتغسلنْ عن ثوبك البيت، معناه أن الدم يطلب غسله مطلقا استحبابا إذا قل، وذلك للملازمة والمشقة، ووجوبا إذا كثر، وتعاد الصلاة منه، إذا لم يظهر عليه إلا بعد السلام، وإذا ظهر عليه فيها قطع على نحو ما تقدم في إزالة النجاسة، واختلف في حد اليسير قال في التوضيح: ما دون الدرهم يسير، وما فوقه كثير، وفي الدرهم روايتان، روى ابن زياد في المجموعة أنه يسير، وقاله ابن عبد الحكم، وروى ابن حبيب في الواضحة أنه كثير، هكذا نقل في النوادر، وكذلك نقل الباجي وغيره، إلى أن قال: ومنهم من رأى أن اليسارة والكثرة إنما يرجع فيها إلى العرف، وهو ظاهر العتبية، لأنه قال فيها: وسئل عن وقت الدم، فقال: ليس له عندنا وقت، فقيل له: أفقليله وكثيره سواء؟ فقال: لا ولكن لا أجيبكم إلى هذا الضلال إذا كان مثل الدرهم، ثم قال الدراهم تختلف. واختلف في القيح والصديد، والمشهور أنهما كالدم، وهو مذهب المدونة، وعن مالك -رحمه الله تعالى -في المبسوط أنهما ليسا كالدم، فلا عفو فيهما. قوله: وما سوى الدم من الأنجاس البيت، معناه أن ما سوى الدم من النجاسات قليله وكثيره مبطل، قال في التوضيح: وحكى عياض في الإكمال عن مالك -رحمه الله تعالى -اغتفار ما تطاير من البول كرؤوس الإبر، ثم اغتفاره يحتمل أن يكون عاما في كل يسير من البول، ويحتمل أن يكون عند بوله فقط، لأنه محل الضرورة لتكراره. قوله: وغسل ثوب من دم البرغوث البيت، معناه أن دم البراغيث لا يؤمر بغسله، ما لم يتفاحش منظره، وتتغير رائحته، فيؤمر بغسله وجوبا على ظاهر الشيخ، وحمله بعضهم على الاستحباب، والوجوب هو ظاهر المدونة، كما قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -قال في التوضيح: قال المتيوي: بعد قول ابن أبي زيد -رحمهم الله تعالى -: ليس عليه غسله إلا أن يتفاحش، يريد فيستحب له غسله، وذكر مصنف الإرشاد في العمدة قولين إذا تفاحش بالوجوب والاستحباب، وكذا نقل اللخمي -رحمه الله تعالى ـ.

стр. 257

باب في سجود القرآن ٤١٤ - ويسجد القاري بإحدى عشَره ... فقط، على المقالة المشتهره ٤١٥ - فاسجد لدى نهاية الأعراف ... أولَ سجدة بلا خلاف ٤١٦ - وحيث في الصلاة ذلك وقع ... فندْبٌ اَن يقرأ قبل ما ركع ٤١٧ - وعند " الاصال " برعد، ولدى ... " ما يؤمرون " وسط النحل اسجدا ٤١٨ - كذا " خشوعا " قبل الانتهاء ... ببضع آيات من الإسراء ٤١٩ - كذاك عند " وبكيا " من قرا ... مريم بالسجود أيضا اُمِرا ٤٢٠ - وهكذا " يفعل ما يشاء " في ... ألحج، لا ثانية في ما قفي ٤٢١ - وهكذا إذا " نفورا " وصلا ... بسورة الفرقان من لها تلا ٤٢٢ - كذا لدى " العرش العظيم " فاسجدا ... أيضا اِذا ما كنت تتلو الهدهدا ٤٢٣ - كذاك " لا يستكبرون " عندهْ ... فلتسجدنْ إذا تلوتَ السجده ٤٢٤ - كذاك في " ص " وراء " وأناب" ... وقيل بل يسجدها بعد " مآب " ٤٢٥ - كذا بفُصلت وراء " تعبدون " ... والبعض يسجد لدى " لا يسأمون " الأصل في هذا الباب قوله : (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) وأحاديث عديدة في الصحيحين وغيرهما، والمشهور في المذهب أن سجود التلاوة سنة، وقيل فضيلة، قال المازري - رحمه الله تعالى -: اختلف الناس في سجود التلاوة، فذكر بعض أصحابنا أنه سنة عند مالك والشافعي، واجب عند أبي حنيفة - رحمهم الله تعالى - فأما ما ذكره عن أبي حنيفة والشافعي فصحيح، وأما ما ذكره عن مالك، فإن المتأخرين من أصحابنا اضطربوا، فبعضهم أطلق القول بأنها سنة، والقاضي أبو محمد أطلق في هذا الكتاب أنها فضيلة، والذي اشتهر من قول مالك - رحمه الله تعالى - فيها اجتمع الناس ـ وروي عنه الأمر المجتمع عليه عندنا ـ أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة، ليس في المفصل منها شيء، قال بعضهم معنى العزائم أنها آكد مما سواها، ومعنى قوله: اجتمع الناس، أنهم أجمعوا على السجود فيها، ولم يرد أنهم أجمعوا على أن لا سجود إلا فيها، كما ظن به بعض الناس، وقد استدل كل واحد من المتأخرين على أن ما ذكره هو مذهب مالك - رحمه الله تعالى - بما وقع في المدونة، فاستدل من قال إنها سنة، بقوله: يسجدها بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس، فألحقها بحكم صلاة الجنازة، ورفعها عن رتبة النوافل، واستدل الشيخ أبو القاسم بن الكاتب على أنها مستحبة بقوله: كان مالك - رحمه الله تعالى - يستحب له إن قرأها في إبان الصلاة أن لا يدع سجودها، وينفصل عن هذا الأولون بأن إطلاق الاستحباب لا ينفي كونها سنة، إلى أن قال: واختلف المذهب في عدد سجود التلاوة، فالمشهور أنه إحدى عشرة سجدة، وذكر القاضي أبو محمد - رحمه الله تعالى - في غير هذا الكتاب عن مالك - رحمه الله تعالى - أنه قال: العزائم أربع عشرة سجدة، وأضاف إلى الإحدى عشرة ثلاث سجدات من المفصل، وجعلها من العزائم، وقال ابن وهب وابن حبيب هي خمس عشرة سجدة، وأثبتا ثانية الحج.

стр. 258

وقال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -بعد أن ذكر الإحدى عشرة المذكورة في الأبيات: ابن محرز عنه -يعني ابن حبيب رحمهما الله تعالى -: هذه العزائم، وغيرها أربع ثانية الحج (تفلحون (وآخر النجم، والانشقاق، القاضي: بل) لا يسجدون (وآخر القلم، إلى أن قال: وقال القاضي: الكل سجدات، عزائمها إحدى عشرة، لقول الموطإ: عزائم السجود إحدى عشرة. وقال ابن رشد -رحمه الله تعالى -في المقدمات: وقال بعض العلماء: إن الذي يوجبه النظر أن يسجد من ذلك في ما جاء على سبيل الخبر، ولا يسجد من ذلك في ما جاء على سبيل الأمر، لأن ما جاء منها على سبيل الأمر يحمل على السجود الواجب في الصلاة المفروضة، وعلى هذا يأتي مذهب مالك إذا اعتبرته، لأن جميع ما لم ير فيه السجود جاء على سبيل الأمر، وجميع ما رأى فيه السجود جاء على سبيل الخبر. فإن قال قائل: سجدة) إذا السماء انشقت) جاءت على سبيل الخبر ولا يسجد فيها عنده، قيل له: الوعيد المذكور فيها يقوم مقام الأمر، وإن قال قائل: سجدة) حم) السجدة جاءت على سبيل الأمر، ويسجد فيها عنده، قيل له: المعنى فيها الإخبار عن فعل الكفار الذين لا يسجدون لله ، ويسجدون للشمس والقمر، والنهي عن التشبه بهم في ذلك، لا الأمر بمجرد السجود لله ، فيحمل على سجود الصلاة، ويدل على ذلك قوله في آخر الآية) فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له باليل والنهار وهم لا يسأمون (لأن المعنى في ذلك فإن استكبر الكفار عن السجود لله فالذين عنده لا يستكبرون عن ذلك، وقد اختار بعض العلماء السجود عند قوله) وهم لا يسأمون (ليكون عند ذكر الإخبار على الأصل الذي ذكرناه.

стр. 259

قوله: وحيث في الصلاة ذلك وقع البيت، معناه أنه إذا قرأ سورة الأعراف مثلا، وكان يريد إنهاء القراءة عند ختمها، استحب له إذا رفع رأسه من السجدة وقام، أن يقرأ قبل أن يركع من الأنفال، أو من غيرها، لأن شأن الركوع أن يكون عقب قراءة، ولذلك استحب لمن نسي الركوع حتى سجد سجود الصلاة، إذا قام للإتيان بالركوع أن يقرأ قبل أن يركع. قوله: كذا في (ص (البيت، أشار به إلى الخلاف في محل السجود من سورة (ص) قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: الصقلي والوقار وابن حبيب (وحسن مآب) في (ص) الباجي والقابسي: (وأناب) وفيها و (تعبدون) في (حم) السجدة ابن وهب (لا يسأمون) وخير ابن حبيب. وإلى هذا أشار بالبيت الأخير. ٤٢٦ - ولم يجز سجودها لغير ... من كان إذ قرأها ذا طهر ٤٢٧ - وكبرنْ لها، ولا تسلم ... ولكن التكبير في الرفع اعتمي ٤٢٨ - وحيث ما قرأها مصلي ... سجدها بفرض أو بنفل ٤٢٩ - وهكذا يسجدهن القاري ... بعيد عصر قبل الاصفرار ٤٣٠ - كذاك بعد الصبح إن لم يُسفر ... أيضا، وحيث كنتَ أسفرتَ ذر قوله: ولم يجز سجودها البيت، معناه أن سجود التلاوة لا يفعله المحدث، فهو صلاة، فيشترط فيه ما يشترط في الصلاة من طهارة، وتوجه وستر عورة، وقد حكوا في ذلك الاتفاق، ويؤمر من قرأها على غير طهارة، أو في غير وقت النفل، أن يتجاوزها، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: وفيها لا أحب قراءتها على غير وضوء، أو في غير إبان الصلاة، شيوخ عبد الحق: موضع السجدة لا آيتها، وصوبه ابن رشد، الصواب اختصار آيتها، لأن الأول يغير المعنى بعدم اتساق النظم.

стр. 260

قوله: وكبرن لها البيت، معناه أن السجدة لا يسلم منها عندنا، ولكن يكبر لها خفضا ورفعا، اتفاقا إذا كان في صلاة، وأما إذا لم يكن في صلاة فقيل يكبر للخفض، ويخير في الرفع والتكبير فيه أحب، وهو ما ذكره الشيخ، وقيل يكبر فيهما، وقيل لا يكبر فيهما، وهذان القولان لمالك - رحمه الله تعالى -وقيل يخير فيهما، وهو لابن القاسم -رحمه الله تعالى -قاله ابن ناجي. قال المازري -رحمه الله تعالى -: فإما إثبات التكبير في الصلاة، فإنه عبادة مشروع في سجودها التكبير، فجرى الأمر في سجودها الفرض والنفل مجرى واحد، وأما إثباته في أحد القولين في غير الصلاة، فتشبيها بسجود الصلاة، ولأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ القرآن فلما مر بالسجدة كبر وسجد. (١) قوله: وحيثما قرأها مصلي البيت، معناه أن المصلي إذا قرأ آية سجدة يسجد، متنفلا كان أو مفترضا، أسر بالقراءة أو جهر، إماما كان أو مأموما أو فذا، سواء كان الوقت الذي يصلي فيه المفترض وقتا يحل فيه النفل أو لا، وقراءة السجدة في الصلاة جائزة ابتداء في النفل مطلقا، وأما الفرض فالمشهور في المذهب أن تعمدها فيه مكروه، وقيل بجوازه من غير كراهة، إماما كان أو فذا، ثالثها في الإمام إن قلت الجماعة جاز، وإلا كره، ويؤمر الإمام إذا قرأها في سرية أن يجهر بموضعها، إعلاما لمن خلفه، وقد جاء أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يسمعهم الآية أحيانا، (٢) فإن لم يجهر بها اتبع على المشهور. قوله: وهكذا يسجدهن القاري البيتين، معناه أن من قرأ السجدة بعد صلاة الصبح قبل الإسفار، أو بعد صلاة العصر قبل الاصفرار يسجدها على مذهب المدونة، وقيل بمنع السجود حينئذ، قاله في الموطإ، وقيل يجوز حتى بعد الإسفار والاصفرار، وقيل يمنع بعد العصر مطلقا، ويجوز بعد الصبح ما لم يسفر.

стр. 261

باب في صلاة السفر ٤٣١ - والاربع البُرُد من قد سافرا ... لها رباعي الفروض قصرا ٤٣٢ - وذا إذا ما جاوز البلد كل ... ولْيُتْمِمْ إن يرجع لذلك المحل ٤٣٣ - أو اِن يكن قرب البيوت بأقل ... مسافة منها من الميل وصل ٤٣٤ - والاربع الأيام أيضا حيث أم ... مقامَها ببلد فيه أتم ٤٣٥ - كأن نوى مقام ما فيه يُصَلْ ... عشرين فليتمم إلى أن يرتحل المشهور في المذهب أن قصر الصلاة في السفر سنة، وعزي وجوبه لأشهب، وهو ظاهر الشيخ حيث قال: فعليه أن يقصر، وعزي استحبابه للأبهري، وجوازه للبغداديين، ولا يجوز القصر لمن كان سفره معصية، وإن قصر صحت صلاته، ويكره للمسافر لهوا، فالسفر الذي تقصر فيه الصلاة هو السفر المباح البالغ أربعة برد، وقد قصدت دفعة جزما، وشرع فيه، وفارق موضع إقامته، فالقاصر عن أربعة برد لا تقصر فيه الصلاة على المشهور، وهي ثمانية وأربعون ميلا، قال في التاج: ومن المدونة قال مالك - رحمه الله تعالى -: لا يقصر المسافر حتى تكون مسافة سفره أربعة برد فأكثر، ابن يونس - رحمه الله تعالى -: إنما قال ذلك لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قصر الصلاة إلى ذات النصب، (١) وهي من المدينة أربعة برد، وفي الموطإ: كان ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - يقصر في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، ومثل ما بين مكة وجدة، قال مالك - رحمه الله تعالى -: وذلك أربعة برد، وقال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: مذهب مالك - رحمه الله تعالى - أن الصلاة لا تقصر في أقل من مسيرة اليوم التام، واختلف في حده، فقيل ثمانية وأربعون ميلا، وقيل خمسة وأربعون، وقيل أربعون، فإن قصر في ما دون الثمانية والأربعين مثلا، فلا إعادة عليه، فيما بينه وبين الأربعين، وإن قصر في ما دون الأربعين، إلى ستة وثلاثين ففي إعادته في الوقت قولان، فإن قصر في ما دون ستة وثلاثين ميلا، أعاد في الوقت وبعده. وإن قصد المسافة المذكورة في مرات، يقيم بينها ما تكمل فيه الصلاة، لم يقصر لأن ذلك أسفار، لا سفر واحد، وإذا لم يشرع فيه، أو شرع فيه ولم يخرج موضع إقامته لم يقصر أيضا، لأنه غير مسافر، بل ناو للسفر، وقد قال : (إذا ضربتم في الأرض)

стр. 262

وإلى ذلك أشار بقوله: وذا إذا ما جاوز البلد كل. وقيل لا يقصر إذا كانت قريته قرية جمعة حتى يجاوز ثلاثة أميال، لوجوب الجمعة على من دونها، وقيل باعتبار ذلك أيضا ولو لم تكن قرية جمعة. قوله: وليتمم إن يرجع، إلى قوله: وصل، معناه أنه إذا دخل البلد راجعا أتم، ولا يتم قبل أن يدخل ولو قارب البلد على المشهور، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: الشيخ: سمع أشهب: من قرب بميل ونحوه أتم، ولم أجده في العتبية، القاضي: ورواية الأخوين: مبدؤه منتهاه. وقال ابن بشير في التنبيه: وأما منتهى السفر فهو العودة منه، ففي كل موضع يجوز له القصر بمفارقته، لا يجوز له القصر إذا عاد إليه، ويختلف إذا كان بينه وبين المصر ثلاثة أميال، على الخلاف الذي قدمناه. قوله: والأربع الأيام البيت، معناه أن المسافر إذا نوى إقامة أربعة أيام صحاح، وجب عليه الإتمام، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: قال مالك - رحمه الله تعالى -: ولا يتم حتى ينوي إقامة أربعة أيام، وإنما قال ذلك لأن عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب - رضي الله تعالى عنهم - قالا: إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام أتم، وما لم يجمع على ذلك فليقصر، قال مالك - رحمه الله تعالى - وذلك أحسن ما سمعت، والذي لم يزل عليه أهل العلم عندنا، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى - واستدل على ذلك بعض أصحابنا من البغداديين بأن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " لا يقيمن مهاجر بعد قضاء نسكه فوق ثلاث " (١) فمنع المهاجر أن يتخذ مكة قرارا فيما فوق ثلاثة أيام، فدل أن الثلاث ليست في حيز الإقامة، وأن الأربع فما فوق إقامة.

стр. 263

قوله: كأن نوى مقام البيت، أشار به إلى قول سحنون وابن الماجشون -رحمهما الله تعالى -أن المعتبر أن يقيم ما يصلي فيه عشرين صلاة، قال ابن ناجي -رحمه الله تعالى -: ولا يقال إن القولين بمعنى واحد، لأنه إذا نوى الإقامة مثلا قبل طلوع الشمس، فإن هذا اليوم ملغي على الأول، ومعتبر على الثاني. وفهم من قوله: كأن نوى، أن الإقامة المجردة عن النية، لا توجب إتماما، وإن كانت بآخر السفر، أو طالت. ٤٣٦ - ومن يكن قبل الغروب سافرا ... بقدر ركعات ثلاث قصرا ٤٣٧ - صلاة ظهريه معا، ولأقل ... فالعصر بالقصر هنالك استقل معناه أن من سافر مساء، قبل أن يصلي الظهرين، وتجاوز البلد قبل أن تغرب الشمس بقدر ما يصلي فيه ثلاث ركعات فأكثر، قصرهما معا، لإدراكه الأولى كاملة، والثانية بإدراك ركعة منها، وقد جاء في الحديث "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (١) " وإذا لم يدرك إلا ركعتين، أو ركعة واحدة أتم الظهر، وقصر العصر، لأن الوقت إذا ضاق اختص بالأخيرة، كما تقدم في السقوط بطرو الأعذار، والوجوب بارتفاعها. ٤٣٨ - وإن لخمس ركَعات قدِما ... من سفر ظهريه أيضا تمما ٤٣٩ - ولأقل فليتم العصرا ... ورا صلاته لظهر قصرا معناه أنه إذا قدم من سفر قبل أن يصلي الظهرين أيضا، فإن كان حين بلوغه محل وجوب الإتمام مدركا لخمس ركعات فأكثر قبل الغروب أتمهما، وإن أدرك أقل من ذلك إلى ركعة، قصر الظهر لفواتها في السفر، وأتم العصر لإدراكها في الحضر، كنحو ما تقدم في الحاضر يسافر، واختلف في إدراك الركعة هل هو بالركوع أو إتمام السجود. ٤٤٠ - ومن لركعة فأكثر قدم ... قبل طلوع الفجر فالعشا يُتِم ٤٤١ - وهكذا تقصر إن لقدر ... ذلك يظعنْ قبل وقت الفجر الظعن كالسفر زنة ومعنى، وقد أشار بالبيتين إلى أن قصر العشاء لمن سافر، وإتمامها لمن حضر من سفره، يكون بإدراك ركعة فأكثر، وذلك لأن المغرب لا يتغير حكمها بالسفر، فلم يقدر لها شيء، فإذا سافر قبل الفجر بمقدار ركعة فأكثر، ولم يصل عشائيه صلى المغرب أولا، ثم صلى العشاء سفرية على المشهور، وإذا قدم من سفره لمثل ذلك أتم العشاء.

стр. 264

باب في صلاة الجمعة ٤٤٢ - والسعي للجمْعة أيضا ذو انحتام ... إذا على المنبر يجلس الامام ٤٤٣ - وللأذان عند ذاك فوقا ... منارة الجامع ندبا يُرقى ٤٤٤ - ويحرم البيع به، ككل ... أمر عن السعي لها ذي شَغل ٤٤٥ - أما الأذان الثان فهْو من عمل ... عثمان، والإجماع فيه قد حصل قوله: والسعي للجمعة البيت، معناه أن السعي إلى الجمعة واجب على الأعيان، إذا أذن لها الأذان الذي يكون بعد جلوس الخطيب، لقوله : (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) وقيل يجب السعي عند الزوال، وهذا في حق من قربت داره، وأما بعيد المنزل فيجب عليه السعي بقدر ما يدركها، ويشترط في وجوبها الإسلام، والعقل، والبلوغ، والذكورية، والإقامة، والحرية، اتفاقا في ما قبل الحرية، وعلى المشهور فيها. قوله: وللأذان عند ذاك فوقا البيت، معناه أنه يستحب صعود المؤذن عند جلوس الخطيب على المنار، لأنه أبلغ في الإسماع، والمعول أنه إنما يؤذن لها بعد جلوس الخطيب مؤذن واحد، مرة واحدة.

стр. 265

قوله: ويحرم البيع به البيت، معناه أن البيع وما في معناه من العقود يحرم بوجوب السعي إلى الجمعة كما في الآية الكريمة المتقدمة، واختلف إن وقع هل يفسخ وهو المشهور أو لا، واختلف على المشهور إذا فات هل يمضي بالثمن إذ لا فساد في ثمنه ولا مثمنه أو ترد قيمة الفائت، أو مثله، وهو المشهور، لأن إمضاءه بالثمن إتمام له، واختلف هل تعتبر القيمة وقت القبض، لأنه وقت الضمان أو بعد انقضاء الصلاة، إذ لا قيمة شرعية في وقت النداء إلى انقضاء الصلاة، انظر التنبيه لابن بشير. قوله: أما الأذان البيت، معناه أن الأذان الأول الذي يكون عند الزوال استحدثه سيدنا عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه -لما كثر الناس، وكان بالزوراء، ثم نقله هشام بن عبد الملك إلى المسجد، ووصفه بكونه ثانيا باعتبار الاستحداث، فهو أول في اليوم، ثان في التاريخ. ٤٤٦ - ووجبت بالمصر والجماعة ... أعني إقامة صلاة الجمْعة ٤٤٧ - وقبلها يخطب حتما، وبيد ... يمنى إلى عصا ونحوها استند ٤٤٨ - وليقعدنَّ قبلها، وقعدا ... كذاك بينها كما قد عُهِدا ٤٤٩ - ولتُقَم الصلاة حين يُكمل ... والفصل إن كان كثيرا يبطل قوله: ووجبت البيت، معناه أن الجمعة تجب بالمصر والجماعة، قال ابن بشير -رحمه الله تعالى -: وأما موضع الاستيطان فإنه شرط في الجمعة، وهل شرط ذلك الموضع أن يكون مصرا في المذهب قولان، المشهور لا يشترط ذلك بل يجمع في القرى، إذا كانت على الصفة المتقدمة من إمكان الثواء والاستغناء. وأما الجماعة فشرط بلا خلاف، والمشهور أنه لا حد لها سوى إمكان التقري، وإدامة الإقامة والاستغناء عن غيرهم، وحصول أبهة الإسلام في موضعهم، قاله بمعناه ابن بشير أيضا. ووجه اشتراط هذه الأمور، أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -لم يقمها، ولم تقم على عهده، إلا مع هذه الأمور، فاقتضى ذلك اشتراطها، لاستحالة خفاء ذلك من أمرهم عليه -صلى الله تعالى عليه وسلم ـ.

стр. 266

وأيضا الأصل الظهر فلا ينتقل عنه إلا بعلم استجماع ما هو شرط، فالشك في السبب لغو، كما هو معلوم، قال في التبصرة: ولم يختلف المذهب أن الجمعة مفارقة للصلوات الخمس، وأن ما سوى الجمعة يقام بالواحد والاثنين، وأن للجمعة حكما آخر، وصفة تطلب، وقدرا تقام الجمعة بحصوله وتسقط بعدمه، وإذا كان ذلك، وجب أن لا تقام إلا على صفة مجمع عليها، وأن الخطاب يتوجه بها، فمتى عدم لم تقم لمختلف فيه، لأن أصل الظهر أربع، فلا ينتقل عنه بمشكوك فيه. قوله: وقبلها يخطب حتما، أراد به أن الخطبة للجمعة واجبة قبل الصلاة على المشهور، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وفي فرضهما - يعني الخطبتين - وسنتهما ثالثها الأولى فقط، لابن القاسم وابن الماجشون مع رواية الثمانية: إن صلوا بلا خطبة أجزأت، ورواية ابن حبيب، وقول ابن بشير: لا نص في وجوب الثانية، ونقل اللخمي لا تساعده الروايات، يرد بنقل الباجي وابن الحارث عن ابن القاسم: إن لم يخطب في الثانية ما له بال أعادوا، والمعروف على وجوبهما شرطيتهما، وقول ابن الحاجب: نفيها لا أعرفه، وأخذه من رواية الثمانية أجزأت، أو قول ابن شاس: صرح القاضي أبو بكر بشرطيتها بعيد، وأقلها، قال ابن القاسم وروى القاضي: مسماها لغة، ابن العربي: حمد وتصلية وتحذير وتبشير وقرآن، العارضة: إن اقتصر عليه أجزأ، وفي إجزاء تحميد أو تسبيح أو تهليل قولا ابن عبد الحكم مع روايته ومطرف وابن القاسم. وأشار ببقية البيت إلى أنه يندب للخطيب أن يتوكأ على عصا ونحوها كقوس، قال في التاج: من المدونة قال مالك: يستحب للإمام أن يتوكأ على عصا غير عمود المنبر إذا خطب، ويقال إن فيها شغلا عن مس اللحية، والعبث باليد، ابن حبيب: والقوس كالعصا، وسواء خطب في ذلك على المنبر أم إلى جانبه.

стр. 267

قوله: وليقعدن قبلها البيت، معناه أن الخطيب مأمور بالجلوس قبل الخطبتين، وبينهما استنانا، على المشهور، وقيل بالوجوب فيهما، ويندب للخطيب أن يرفع صوته بالخطبة لما في الصحيح من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته، (١) قال في التاج: عياض: تكون حركات الواعظ والمذكر وحالاته في وعظه، بحسب الفصل الذي يتكلم فيه، ومطابق له، حتى لا يأتي بالشيء وضده، ابن شاس: يؤمر الخطيب أن يرفع صوته، ولذلك استحب المنبر، لأنه أبلغ في الإسماع، ألا ترى أنه لو خطب بالأرض جاز. وقال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: ويستحب بدؤها بالحمد، وختمها بأستغفر الله لي ولكم، وقصر الثانية عن الأولى، وفي الطهارة لها طرق، القاضي والجلاب: هي مستحبة، ابن العربي: فرض، اللخمي قولا مالك وسحنون. وقال ابن ناجي -رحمه الله تعالى -: واختلف في مقداره -يعني الجلوس بين الخطبتين -فقال يحيى بن يحيى: قدر الفصل بين السجدتين، وقيل قدر ما يقرأ (قل هو الله أحد) حكاه ابن عات. قوله: ولتقم الصلاة البيت، أشار به إلى اشتراط اتصال الخطبة بالصلاة، فالفصل بينهما إذا كان طويلا مفسد، ويغتفر الفصل اليسير، قال ابن ناجي -رحمه الله تعالى -: فإن طرأ ما يمنع إمامته كحدث، أو رعاف، فإن كان الماء بعيدا فإنه يستخلف باتفاق، وإن قرب فكذلك عند مالك، وقيل ينتظر، قاله ابن كنانة وابن أبي حازم، وحيث يستخلف ففي المدونة: من حضر الخطبة أولى، ولأشهب إن قدم غيره ابتدأها أحب إلي. ٤٥٠ - ولتقرأنْ جهرا بالاولى الجمعه ... ندبا، لما بها منَ اَمر الجمعه ٤٥١ - ولتقرأنْ كذاك بالغاشية ... ونحوها في الركعة الثانية ٤٥٢ - ووجبت على الذي في المصر مع ... من كان منه نحو فرسخ يقع ٤٥٣ - ولم تجب على الذي قد ظعنا ... ولم تجب أيضا على أهل منى ٤٥٤ - والعبد والمرأة معْ ذوي الصغر ... وأجزأت كلا إذا لها حضر

стр. 268

٤٥٥ - ولكن النساء تُنهى عن ذهاب ... لها، متى يكنَّ في عصر الشباب قوله: ولتقرأن جهرا البيتين، معناه أنه يستحب أن يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الجمعة بسورة الجمعة، وفي الركعة الثانية بسورة (هل أتيك حديث الغاشية) قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: وفي المجموعة: قيل لمالك - رحمه الله تعالى -: سورة الجمعة سنة؟ قال: ما أدري ما سنة، ولكن من أدركنا كان يقرأ بها، إلى أن قال: وصح عنه ﵊ أنه صلاها بالجمعة والمنافقون، وبالجمعة وهل أتيك، وسبح وهل أتيك، والكل في صحيح مسلم. وقال أبو الحسن اللخمي في التبصرة: والقراءة فيها جهرا، قال مالك -رحمه الله تعالى -: أحب إلي أن يقرأ فيها بسورة الجمعة وهل أتيك. وقال أيضا: يقرأ في الثانية بـ (سبح اسم ربك الأعلى) قال: وهم يقرؤون اليوم بالتي تلي الجمعة، قال الشيخ -رحمه الله تعالى -: وكل ذلك واسع، ليس في الثانية شيء موقت، وأما الأولى فينبغي أن يلتزم قراءة سورة الجمعة، لأن آخرها متضمن لوجوبها، ووجوب السعي لها، وترك البيع والشراء، ففي قراءتها تذكرة لوجوبها، وتحضيض على أن لا يفرط فيها. وقال القاضي عبد الوهاب -رحمه الله تعالى -: المستحب أن يقرأ في الأولى بسورة الجمعة، خلافا لأبي حنيفة في قوله: إنها وغيرها سواء، لأنه ﵊ كان يفعل ذلك ويداوم عليه، هو ومن مضى من السلف بعده، ولأن فيها ذكرا بالجمعة والحض عليها، وكثيرا من أحكامها من النداء لها، وتعليق السعي به، ومنع البيع بعده، وجواز الانتشار بعد الفراغ منه، ووجوب الخطبة والإنصات لها، فكان قراءتها أولى ليتجدد على أسماع الناس.

стр. 269

قوله: ووجبت على الذي في المصر البيت، معناه أنه يجب شهود الجمعة على من كان في المصر، وإن كان على خمسة أميال أو أكثر، ويجب على من كان خارج المصر، إذا كان منه على مسافة ثلاثة أميال أو ما قاربها، قال في التبصرة: واختلف هل المراعى ثلاثة أميال من المنار، أو من طرف المدينة، فقال مالك - رحمه الله تعالى - في المجموعة: عزيمة الجمعة على من كان بموضع يسمع منه النداء، وذلك ثلاثة أميال، وظاهره من المنار، وقاله أبو محمد عبد الوهاب، إن المراعى من المنار، وقال محمد بن عبد الحكم إنما ينظر إلى ثلاثة أميال من المصر، وحيث يقصر الصلاة المسافر في خروجه، وليس ينظر إلى المسجد، وقد يكون بين المسجد وآخر البلد أكثر من ثلاثة أميال. وفي البيان عن مالك ـ رحمه الله تعالى ـ أنه قال: وإنما أخذنا ذلك من قبل أن أهل العالية كانوا ينزلون يوم الجمعة إلى الجمعة على عهد رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ من العالية، وأقصا العالية على ثلاثة أميال، ولم يعلم أن من وراءهم نزلوا ولا لزمهم ذلك.

стр. 270

قوله: ولم تجب على الذي قد ظعنا البيتين، معناه أن الجمعة لا تجب على المسافر، ولا الحاج بمنى، واختلف في أهل منى أيام منى، ولا تجب على عبد ولا امرأة ولا صبي، قال في التبصرة: الجمعة واجبة على الرجال الأحرار المقيمين، قال مالك -رحمه الله تعالى -: ولا جمعة على النساء، ولا على الصبيان، ولا على العبيد، ولا على المسافرين، فسقطت عن النساء بإجماع، والإجماع فيهن في موضعين: أحدهما سقوطها، والآخر أنهن إن حضرنها وصلينها أجزأت عن الظهر، وأما الصبيان ففرض الصلاة ساقط عنهم، الجمعة وغيرها، وأما العبيد فاختلف فيهم في ثلاثة مواضع: أحدها هل تجب عليهم، الثاني إذا لم تجب عليهم هل تنعقد بهم، الثالث هل يصح أن يقيمها العبد بالأحرار، ولا خلاف أنه إذا صلاها مأموما أجزأته عن الظهر، والمعروف من قول مالك أنها غير واجبة على العبيد، إلى أن قال: وسقطت في السفر لأن من شرطها المصر، ولأن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قد مر عليه في سفره جمع، ولم يجمع، وكان وقوفه في حجته يوم الجمعة، فلم يجمع، وكذلك إذا دخل المسافر في الحضر، هو على حكم المسافر في القصر، فلا تجب عليه جمعة، واختلف إذا شهدها وصلاها مأموما، واستخلف على إقامتها، فقال مالك: إذا صلاها مأموما أجزأت، وقال ابن الماجشون في ثمانية ابن أبي زيد لا تجزئه، وإن كانت صلاته للظهر ركعتين، لأنه صلاها على نية الجمعة، وقول مالك أحسن، وأن تجزئه، قياسا على المرأة، فالجمعة ساقطة عنها، وإن شهدتها أجزأتها عن أربع، وقال مالك في العتبية: إذا أحدث الإمام فاستخلف المسافر لم تجزهم، ويعيدون الخطبة والصلاة ما لم يذهب الوقت، فإن ذهب الوقت أعادوا ظهرا أربعا، وأجاز أشهب أن يستخلف.

стр. 271

قوله: ولكن النساء البيت، معناه أن الشواب يكره حضورهن الجمعة، إذا لم يكن فواتن، قال في المواهب: قال في الطراز: بعد أن ذكر لفظ المدونة، وحديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " (١) ما نصه: ولا فرق في ذلك بين صلاة النهار وصلاة اليل، لأن الحديث عام، مع أنه قد خرج مسلم في صحيحه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد باليل " وهذا لأن الصلاة المكتوبة في جماعة جاء فيها فضل كبير، وكذلك المشي إلى المساجد، فبالنساء أكبر حاجة إلى ذلك، كما بالرجال، ويرجع الحال إلى شأن المرأة، فإن عرف الرجل منها الديانة والصحة، فلا بأس أن يأذن لها في ذلك، وإن عرف منها المكر ولم يتحقق له أنها تريد المسجد، حتى يتحقق توجه الخطاب إليه، فله في ذلك مقال، وقد منع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - من يوجد منها ريح البخور أن تخرج إليه باليل، (٢) وذكر حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - ثم قال: وقد كره مالك ذلك للشابة، ولعل هذا هو المعهود من عمل الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فلا يعرف أن أبكارهن ومن ضاهاهن يخرجن إلى المسجد، ولو خرج جميع الناس لملأن المسجد، وعادلن الرجال في ذلك، ومثل ذلك كان يتصل به العمل في العادة، وكره في رواية أشهب ترداد المتجالة إليه، ورأى في غيرها أن تخرج إليه المرة بعد المرة، ثم قال: وخرج أبو داوود عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن " (٣)

стр. 272

وهذا يقتضي أن خروجهن إليها جائز، وتركه أحب، على ما قاله مالك في المختصر. ونقل قبل ذلك عن القاضي عياض -رحمه الله تعالى -ما نصه: وشرط العلماء في خروجهن أن يكون بليل، غير متزينات، ولا متطيبات، ولا مزاحمات للرجال، ولا شابة مخشية الفتنة، وفي معنى الطيب إظهار الزينة، وحسن الحلي، فإن كان شيء من ذلك، وجب منعهن خوف الفتنة، وقال ابن مسلمة -رحمه الله تعالى -تمنع الشابة الجميلة المشهورة، قال الشيخ محي الدين: ويزاد لتلك الشروط أن لا يكون في الطريق ما تتقى مفسدته، قال القاضي عياض: وإذا منعن من المسجد، فمن غيره أولى. ولعل مما يشهد لقوله: فلا يعرف أن أبكارهن إلخ، حديث أم عطية -رضي الله تعالى عنها -في العيد (١). ووجه الشروط المذكورة ما في الحديث من نهيهن عن الطيب في غدوهن إلى المسجد، فالمعنى في ذلك ترك ما يبعث على الافتتان بهن، وخروجهن مع استجماع الشروط المذكورة مرجوح لحديث " صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها " (٢). ٤٥٦ - وأنصتنَّ وقت خطبة الامام ... واستقبلنَّه، فكل ذو انحتام ٤٥٧ - والغسل عند سعيه لها يجب ... وجوب سنة، وتهجير ندب ٤٥٨ - ومثله تناول الأطياب ... ولبسه لحسن الثياب ٤٥٩ - والنفل بالمسجد بعدها خلافْ ... الاحب، فالأحب إذ ذا الانصراف ٤٦٠ - والنفل قبلها من المعتام ... بمسجد لمن سوى الإمام ٤٦١ - أما الامام فبلا تأخر ... يرقى كما يدخل فوق المنبر

стр. 273

قوله: وأنصتن وقت خطبة الامام، معناه أن الإنصات للخطبة واجب، قال في التبصرة: الإنصات للخطبة والاستماع لها واجب، لقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ": إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت (١) " وإذا كان من استنصت المتكلم لاغيا، كان المتكلم الأول أبين أنه لاغ، وفي كتاب مسلم - رحمه الله تعالى - قال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " من حرك الحصى فقد لغا " فلا يجوز له حينئذ أن يحرك شيئا له صوت، كتاب، ولا ثوب جديد، ولا ما أشبه ذلك، لأن ذلك مما يشغل السامع، وقال مالك - رحمه الله تعالى - في المبسوط: إذا تكلم رجلان، فلا بأس أن يشير إليهما بيده ينهاهما، أو يغمزهما، أو يسبح بهما، ولا يرفع صوته بالتسبيح، إلى أن قال: واختلف في الإمام إذا تكلم بما لا يجوز من سب من لا يجوز سبه، أو مدح من لا يجوز مدحه، هل يسكت الناس عند ذلك، فقال مالك - رحمه الله تعالى - في المجموعة: لا ينبغي الكلام وإن خرج إلى ما لا يجوز له، وقد قال عبد الملك بن حبيب: إذا لغا الإمام في خطبته، أو تكلم بغير ما يعني الناس، أو خرج إلى اللعن والشتم، لم يكن على الناس الإنصات عند ذلك، ولا التحول إليه، قال: وقد فعل ذلك سعيد بن المسيب لما لغا الإمام، أقبل سعيد على رجل يكلمه، فلما رجع إلى الخطبة سكت سعيد - رحمه الله تعالى - وهذا هو الصواب، والأول حماية.

стр. 274

قوله: واستقبلنه فكل ذو انحتام، يعني به أن استقبال الإمام في الخطبة واجب، ولا فرق في ذلك بين من يسمع ومن لا يسمع، ولا بين الصف الأول وغيره، قال مالك -رحمه الله تعالى -في الموطإ: السنة عندنا أن يستقبل الناس الإمام يوم الجمعة إذا أراد أن يخطب من كان يلي القبلة وغيرها انتهى قال ابن حبيب -رحمه الله تعالى - وللمستقبل أن يلتفت يمينا وشمالا، زاد ابن زياد عن مالك: وله أن يلتفت وإن حول ظهره إلى القبلة، نقله في المواهب. قوله: والغسل عند سعيه لها يجب، معناه أن الغسل عند السعي واجب وجوب السنن، لمن لا رائحة له، ووجوب الفرائض لمن له رائحة كريهة كالحوات والقصاب وغيرهما، أما الأول فلقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " من توضأ يوم الجمعة فبها ونِعْمَتْ ومن اغتسل فالغسل أفضل (١) " ولقول عثمان -رضي الله تعالى عنه -لما قال له عمر -رضي الله تعالى عنه -: أية ساعة هذه؟! إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت (٢). وأما الثاني فلنهيه عن إتيان المسجد على تلك الهيئة في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا " (٣) ولوجوب شهود الجمعة.

стр. 275

قوله: وتهجير ندب، معناه أن التهجير إلى الجمعة وهو الرواح إليها بعد الزوال أفضل من التبكير عند طلوع الشمس لمن قربت داره، قال في التنبيه: وقد ثبت عنه ﵊ أنه قال: " من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة الحديث كما ورد، (١) واختلف المذهب هل أراد الساعة السادسة، فيكون الرواح من أول النهار، أم هي ساعة قدرها الشرع عقيب الزوال، وهذا هو المشهور من المذهب، والأول قول ابن حبيب، ولفظ الرواح يقتضي القول المشهور، لأن المشي قبل الزوال لا يسمى رواحا، وقوله: " الساعة الأولى " يقتضي قول ابن حبيب، ولا بد من التجوز في أحد اللفظين، وقد احتج فيها للمشهور بأن قول ابن حبيب يقتضي أن تكون الصلاة قبل الزوال، لأن الرسول - صلى الله تعالى عليه وسلم - جعل آخر الرواح الساعة السادسة، قال: " إذا خرج الإمام حضرت الملئكة يستمعون الذكر " والساعة السادسة هي قبل الزوال لا بعده، وهذا الذي قلناه في الرواح بعد الزوال جار في حق من يمكنه إدراك الجمعة إذا راح حينئذ، وأما من لا يمكنه إلا بالرواح قبل ذلك، فيجب عليه الرواح متى علم أنه لو أخر لفاتته الجمعة، ولا تفوت عندنا إلا بأن يرفع الإمام رأسه من الركعة الثانية، ولكن لا يجوز لكل الناس التراخي إلى هذا المقدار.

стр. 276

وجاء عن مالك أيضا - رحمه الله تعالى - في سماع أشهب أن التهجير المندوب يكون قبل الزوال، قال ابن رشد ? رحمه الله تعالى -: كره مالك الغدو بالرواح إلى الجمعة من أول النهار لأنه لم يكن ذلك من العمل المعمول به على ما ذكره عن أصحاب رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - كانوا لا يغدون إلى الجمعة، فاستدل بذلك على أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لم يرد بالخمس ساعات في قوله: " ثم راح في الساعة الأولى " إلى آخر الحديث، ساعات النهار المعلومة من أولها على ما ذهب إليه جماعة من العلماء، ومنهم الشافعي - رحمه الله تعالى - وأنه إنما عنى بذلك ساعة الرواح، وهي التي تتصل بالزوال وقت خروج الإمام، فهي التي تنقسم على الخمس فيكون الرائح في الأولى منها كالمهدي بدنة، وفي الثانية كالمهدي بقرة، وفي الثالثة كالمهدي كبشا أقرن، وفي الرابعة كالمهدي دجاجة، وفي الخامسة كالمتصلة بالزوال، وخروج الإمام كالمهدي بيضة، ولما لم تكن هذه الساعة منقسمة على الخمس ساعات محدودة بجزء معلوم من النهار، قبل زوال الشمس فيعلم حدها حقيقة، وجب أن يرجع في قدرها إلى ما اتصل به العمل، وأخذه الخلف عن السلف، فلذلك قال مالك - رحمه الله تعالى -: إنه يهجر بقدر، أي يتحرى قدر تهجير السلف، فلا ينقص منه، ولا يزيد عليه، فيغدو من أول النهار، لأنه إذا فعل ذلك عليهم شذ عنهم، فصار كأنه فهم من الحديث ما لم يفهموه، أو رغب من الفضيلة ما لم يرغبوه، نقله في المواهب.

стр. 277

وهذا بين، فإن السنة التركية كالسنة الفعلية، فقد عاب صلى الله تعالى عليه وسلم على من سرد الصوم وهجر النوم، وقال " من رغب عن سنتي فليس مني (١) " وقال أبو بكر حين أشار عليه عمر -رضي الله تعالى عنهما -بجمع القرآن: كيف أصنع شيئا لم يصنعه رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -أو كلاما هذا معناه، ولما كلما زيدا -رضي الله تعالى عنهم أجمعين -قال لهما مثل ذلك (٢). وقول ابن بشير في كلامه السابق: ولكن لا يجوز لكل الناس التراخي إلى هذا المقدار، يريد به أنه يتعين حضور العدد الذي لا تنعقد بأقل منه، من أول الخطبة، والله أعلم. قوله: ومثله تناول البيت، معناه أنه يندب لمريد شهود الجمعة أن يتزين لها، ويلبس أحسن ثيابه، ويستاك، وينال من طيبه، وقد روى البزار أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: " حق على كل مؤمن أن يغتسل يوم الجمعة، ويتسوك ويمس من طيب إن كان له (٣) " قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: وفي بعض الأحاديث ما يدل أنه -يعني الطيب -يكفي عن الغسل لمن تعذر عليه. ويندب له كذلك قص شاربه، وقلم أظافره، ونتف إبطيه، وحلق عانته، إن احتاج إلى ذلك. قوله: والنفل بالمسجد البيت، معناه أن التنفل بعد الجمعة في المسجد مكروه، فالأحب إذا صلوا الجمعة أن ينصرفوا إلى منازلهم، ويتنفلوا بها، ونقل فيه قول بالمنع. قوله: والنفل قبلها البيت، معناه أن النفل قبل الجمعة مندوب، مرغب فيه، حتى يدخل الإمام، فإن دخل وهو في أثناء نافلة خفف، وهذا في حق غير الإمام، وأما الإمام فالسنة أن يرقى المنبر إثر دخوله، ولا يركع لأنه يشرع في فرض، وإنما يركع من يريد الجلوس، قاله الباجي كما في التاج.

стр. 278

باب صلاة الخوف ٤٦٢ - وإن يخف من العدو العسكر ... صلى مع الإمام منهم نفر ٤٦٣ - ركعة، إن وقع ذاك بسفر ... أو تك صبحا، واثنتين في الحضر ٤٦٤ - كمغرب أيضا، ويثبت الإمام ... في النوع الاول اتفاقا ذا قيام ٤٦٥ - حتى يتم هؤلاء النفر ... ثم اقتدى به الفريق الاخر ٤٦٦ - بما بقي عن صحبهم وتمموا ... أفذاذا اَيضا بعد ما يسلم صلاة الخوف رخصة، دل عليها الكتاب الكريم والسنة الصحيحة، والمشهور أنها مشروعة في السفر والحضر، خلافا لمن خصها بالسفر لظاهر الآية الكريمة، وبه قال ابن الماجشون، ووجه المشهور القياس، وقد أشار الشيخ إلى صفة صلاة الخوف، فذكر أن الإمام يقسم القوم طائفتين، ويصلي بالطائفة الأولى ركعة في الثنائية، واثنتين في الثلاثية والرباعية، ثم يتمون لأنفسهم وهو قائم في الثنائية، وأما غيرها فكذلك على المشهور، وقيل يثبت جالسا، فإذا أتموا قاموا في مواجهة العدو، وائتم به الباقون في ما بقي من الصلاة، فإذا أتم صلاته سلم على المشهور، وأتموا لأنفسهم، وكان مالك يقول: لا يسلم الإمام إذا أتم بل يصبر لتتم الثانية، فيسلم بها، وقال أشهب - رحمه الله تعالى - إذا صلى بالأولين نصف الصلاة انصرفوا لمواجهة العدو، وائتم به الباقون، فإذا سلم قامت الطائفة الثانية في المواجهة، وأتمت الأولى، فإذا سلم أتمت الثانية، وسبب الاختلاف في ذلك اختلاف الأخبار، قال القاضي عبد الوهاب في الإشراف: والكلام في هذه المسألة يقع في ترجيح بعض هذه الأخبار على بعض، لأن كلينا قد روى خبرا صار إليه، فصرنا إلى خبر صالح بن خوات، (١)

стр. 279

وسهل بن أبي حثمة، (١) وهو أولى من أخبارهم، لضروب من الترجيح، منها أن روات أخبارنا أكثر عددا، لأنها رويت عن ثلاثة من الصحابة، وسائر ما رووا في ذلك رواية واحدة فقط، إلا حديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - وهو مختلف عليه فيه، ولأن ظاهر القرآن الكريم معنا، وهو قوله : (فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم (فأفردهم بالسجود، فاقتضى ذلك أن يسجدوا لأنفسهم، سجودا يتفردون به، لا يشركهم فيه الإمام مع كون الإمام في الصلاة، لقوله : (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) وهذا لا يمكن إلا على ما نقوله: أن كل طائفة تصلي ما بقي عليها في حال صلاة الإمام، وعلى مذهب أبي حنيفة لا تصح، لأن القضاء عنده إنما يكون بعد فراغ الإمام من الصلاة، وقال أحمد بن المعذل ولأن ما قلناه أحوط، ولأن انصراف الطائفة الأولى التي قد صلت مع الإمام ركعة إلى مكان الطائفة الواقفة بإزاء العدو إنما هو للحفظ والحراسة، فيجب أن تقف في مكانها وهي فارغة لما وقفت له، غير مشغولة بمراعاة ما سواه، لأن ذلك أمكن في التحفظ، وأقوى في التحرز، وأشبه بالمعنى الذي استدعيت لتقوم به، ولأنهم ربما احتاجوا في التحفظ إلى كلام وصياح، وغير ذلك مما إذا فعلوه بطلت صلاتهم بفعله، فيزال ما بني عليه أمر صلاة الخوف من الاحتياط للصلاة. ٤٦٧ - وأذَّنوا مع الإقامة لدى ... كل صلاة حيث كانت عددا ٤٦٨ - وإن يك الوطيس عن قَسْمٍ حَمِي ... صلوا بلا جمع على وسعِهم

стр. 280

٤٦٩ - لو معَ جرْيٍ أو ركوب مثلا ... أو لم تكن لقبلة مستقبلا قوله: وأذنوا البيت، معناه أنهم يؤذنون لكل صلاة، ويقيمون لها، كما يفعلون في الأمن. قوله: وإن يك الوطيس البيت، معناه أنه إذا اشتد القتال بحيث لا يمكن القسم لشدة الخوف، أخروا لآخر المختار، ثم صلوا على ما يمكنهم، قال في التنبيه: والخوف على قسمين: قسم يمنع الجمع، ويعجز عن إكمال الصلاة على هيئتها المعهودة، وذلك بأن يكون من وجب عليه إكمال الصلاة في حال المطاعنة والمضاربة وما في معناه، فهذا يمهل المكلف عندنا حتى إذا خاف فوات الوقت صلى بحسب ما أمكنه، ولا يشترط استقبال القبلة إن لم يمكنه الاستقبال للركوع والسجود، ولا القيام، ولا لزوم موضع واحد، ولا ترك فعل يحتاج إليه من الطعن والضرب والكر والفر، أو قول يفتقر إليه من التنبيه لغيره، والتحذير لعدوه، إن افتقر إلى ذلك بالجملة بقول أو فعل كل ما يضطر إليه، ويترك من أحكام الصلاة كل ما هو مضطر إلى تركه، وتجزئه صلاته، والأصل في ذلك قوله : (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا (وما روي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم من أنه أخر الصلاة في يوم الخندق حتى غربت الشمس، (١) فإنما ذلك قبل نزول حكم صلاة الخوف

стр. 281

باب في صلاة العيدين والتكبير أيام منى ٤٧٠ - صلاة عيد الفطر والأضحى احكمِ ... لها بالاستنان ذي التحتم ٤٧١ - يخرج ضحوة بحيث إن وصل ... لها الإمام والجماعة تصل ٤٧٢ - ولا أذان قبلها أصلا ولا ... إقامة، وليجهرنْ إذا تلا ٤٧٣ - وليقرأنْ بما يكون مِثلا ... سورة والشمس بها والاعلى ٤٧٤ - وقبل أن يقرأ في الأولى ورا ... تكبيرة الإحرام ستا كبرا ٤٧٥ - وخمسا اَيضا من ورا تكبيرة ... قيامه في الركعة الأخيرة ٤٧٦ - وزيد تكبيرٍ على المعهود ... لم يأت في غير صلاة العيد قوله: صلاة عيد الفطر البيت، معناه أن صلاة العيدين سنة مؤكدة، قال في الإشراف: لأنها صلاة تشتمل على ركوع وسجود، ليس من سنتها الأذان بوجه، فوجب أن تكون نافلة غير فرض على الأعيان، ولا الكفايات، كسائر النوافل، ولأنها لا إقامة فيها -أعني العيدين ـ. وإنما يتوجه الخطاب بها لمن يؤمر بالجمعة، قال في التبصرة: وجعلها ابن حبيب على كل من يصلي، لحديث أم العطية - رضي الله تعالى عنها - قالت: أمرنا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في صلاة العيدين أن نخرج العواتق وذوات الخدور والحيض، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: " تلبسها أختها من جلبابها " أخرجه البخاري ومسلم، ورأى مالك - رحمه الله تعالى - أنها لا تكون أعلى رتبة من الجمعة، لأنها صلاة يجتمع لها الناس بموضع واحد، وهي ركعتان جهرا، ويخطب لها، ثم لم تجب على كل من هو مخاطب بالصلاة، فكذلك العيدان، ومحمل حديث أم عطية في الأمر بخروج النساء على الندب، بدليل الأمر بالحيض، ولا يختلف أن ذلك غير واجب عليهن، قال مالك: ولا أحب أن يسافر أحد حتى يصليها.

стр. 282

قوله: يخرج ضحوة، إلى قوله: في الركعة الأخيرة، أشار به إلى صفة صلاة العيد، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: سن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - صلاة العيدين، وصلاهما بالناس ضحوة ركعتين، وقرأ فيهما جهرا، (١) وكبر قبل القراءة في الأولى سبعا، وفي الثانية خمسا، في الفطر والأضحى، (٢) وخطب بعد الصلاة، (٣) وانصرف ولم يتنفل في المصلى قبلها ولا بعدها، (٤) وكذلك روت عائشة - رضي الله تعالى عنها - وجماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - وليس في الفطر والأضحى أذان ولا إقامة، (٥) قال مالك - رحمه الله تعالى: - وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا.

стр. 283

وقال في التبصرة: قال الشيخ: الغدو في ذلك يختلف ولا يمهل من كان في البلد الكبير إلى طلوع الشمس، فتفوتهم الصلاة إذا، وأن يبكر الناس كل قوم إلى موضعهم، بقدر ما يرون أنهم يكونون مجتمعين قبل وصول الإمام، وأما خروج الإمام فبقدر ما إذا بلغ حلت الصلاة، فإذا وصل أخذ في الصلاة، وهو أن ترتفع الشمس وتبيض وتذهب عنها الحمرة، وفي النسائي عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في الوقت الذي تحل فيه النافلة: أن تشرق الشمس وترتفع قدر رمح، ويذهب شعاعها يريد رمحا من رماح الأعراب، وهي هذه التي تسمى القناة، وهذا أول وقتها، وآخره ما لم تزل الشمس. قوله: وليقرأن بما يكون مثلا البيت، معناه أنه يستحب أن يقرأ فيها من متوسط المفصل، قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: لأنه السنة، وقد جاء بسبح والغاشية، رواه الترمذي، (١) وحسنه اللخمي، وفي الموطإ: كان ﵊ يقرأ في الفطر والأضحى بق، واقتربت، (٢) واستحب ذلك ابن حبيب، والأول أرفق بالناس اليوم، وليس هم في الرغبة في الخير كما كان السلف، ابن الحاجب بوالضحى، وألم نشرح، والله أعلم.

стр. 284

قوله: وقبل أن يقرأ البيتين، معناه ظاهر، وقد اختلف هل يرفع يديه مع ما بعد تكبيرة الإحرام، فمذهب المدونة عدم الرفع، وروى مطرف وابن كنانة أنه يرفع في الجميع، وفي المجموعة: إن شاء رفع يديه في الأولى خاصة، وإن شاء في الجميع قاله ابن ناجي - رحمه الله تعالى - ويوالي الإمام التكبير، ولا يفصل بينه إلا بقدر تكبير المأمومين، ولا يقول شيئا، وقيل يجوز له أن يذكر في ما بين ذلك، قوله: وزيد تكبير البيت، معناه أن زيادة التكبير على المعهود في الصلاة لا يشرع في غير صلاة العيد، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى -: يكبر في صلاة الخسوف كما يكبر في صلاة العيد. ٤٧٧ - وليرق فوق منبر هنا الإمام ... وخطب الملأ من بعد السلام ٤٧٨ - وليجلسن عند الصعود أولا ... ووسطا كنحو ما قبلُ خلا ٤٧٩ - ولترجعنْ معَ طريق غير ما ... سلكتَ أولا فذاك يعتمى ٤٨٠ - وندب ذاك لا يخص النفرا ... بل ذا به الإمام أيضا أُمِرا ٤٨١ - ويُخرج الإمام يوم الأضحى ... إلى المصلى ما به قد ضحى ٤٨٢ - ليعلم الناس هنا بأمره ... فينحرون من وراء نحره قوله: وليرق فوق منبر البيت، معناه أن الإمام يخطب استنانا بعد السلام من صلاة العيد فوق المنبر، لأن ذلك أبلغ في الإسماع؛ وظاهره أنه يخرج إليها بمنبر، وقد قال أشهب -رحمه الله تعالى -إن إخراجه واسع، وقال مالك -رحمه الله تعالى -: لا يخرج فيها بمنبر، ولم يكن للنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -ولا لأبي بكر ولا لعمر - رضي الله تعالى عنهما -منبر، وكثير بن الصلت بناه لعثمان -رضي الله تعالى عنه - (١) نقله ابن يونس في الجامع.

стр. 285

قوله: وليجلسن من قبل البيت، معناه أنه يجلس قبل الخطبتين، وبينهما، كمثل ما تقدم في خطبة الجمعة، وقيل لا يجلس قبلهما، قال القاضي عبد الوهاب في الإشراف: إذا صعد المنبر ففي جلوسه قبل الخطبة روايتان، إحداهما يفعله كالجمعة، والثانية أنه يخطب ولا يجلس، لأنه في الجمعة انتظار الفراغ من الأذان، وذلك معدوم في العيد. قوله: ولترجعن مع طريق البيتين، معناه أنه يستحب لمصلي العيد إماما أو مأموما أن يعود مع طريق غير الطريق الذي سلكه ذهابا، وقد جاء ذلك في الصحيح من فعل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال في الجامع: من المدونة قال مالك - رحمه الله تعالى - وبلغني أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يخرج إلى صلاة العيدين من طريق، ويرجع من أخرى، (١) قال ابن القصار: واختلف في تأويل ذلك، فقيل إنما ذلك لأنه يسأل في طريقه عن أمور الدين، فيرجع من طريق أخرى ليسأله أهل هذه الطريق أيضا، ويحتمل أن يرجع من طريق أخرى، لينال أهل هذه الطريق الثانية من النظر إليه، والتبرك به، والسلام عليه، ما نال أهل الطريق الأولى، وقيل إنما ذلك لتكثر خطاه، فيكثر ثوابه، وقيل وجوه غير هذه، والله أعلم. قال مالك -رحمه الله تعالى - وأستحسن ذلك ولا أراه لازما للناس.
следующие страницы →