باب في صلاة العيدين والتكبير أيام منى
٤٧٠ - صلاة عيد الفطر والأضحى احكمِ ... لها بالاستنان ذي التحتم
٤٧١ - يخرج ضحوة بحيث إن وصل ... لها الإمام والجماعة تصل
٤٧٢ - ولا أذان قبلها أصلا ولا ... إقامة، وليجهرنْ إذا تلا
٤٧٣ - وليقرأنْ بما يكون مِثلا ... سورة والشمس بها والاعلى
٤٧٤ - وقبل أن يقرأ في الأولى ورا ... تكبيرة الإحرام ستا كبرا
٤٧٥ - وخمسا اَيضا من ورا تكبيرة ... قيامه في الركعة الأخيرة
٤٧٦ - وزيد تكبيرٍ على المعهود ... لم يأت في غير صلاة العيد
قوله: صلاة عيد الفطر البيت، معناه أن صلاة العيدين سنة مؤكدة، قال في الإشراف: لأنها صلاة تشتمل على ركوع وسجود، ليس من سنتها الأذان بوجه، فوجب أن تكون نافلة غير فرض على الأعيان، ولا الكفايات، كسائر النوافل، ولأنها لا إقامة فيها -أعني العيدين ـ.
وإنما يتوجه الخطاب بها لمن يؤمر بالجمعة، قال في التبصرة: وجعلها ابن حبيب على كل من يصلي، لحديث أم العطية - رضي الله تعالى عنها - قالت: أمرنا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في صلاة العيدين أن نخرج العواتق وذوات الخدور والحيض، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: " تلبسها أختها من جلبابها " أخرجه البخاري ومسلم، ورأى مالك - رحمه الله تعالى - أنها لا تكون أعلى رتبة من الجمعة، لأنها صلاة يجتمع لها الناس بموضع واحد، وهي ركعتان جهرا، ويخطب لها، ثم لم تجب على كل من هو مخاطب بالصلاة، فكذلك العيدان، ومحمل حديث أم عطية في الأمر بخروج النساء على الندب، بدليل الأمر بالحيض، ولا يختلف أن ذلك غير واجب عليهن، قال مالك: ولا أحب أن يسافر أحد حتى يصليها.
стр. 282
قوله: يخرج ضحوة، إلى قوله: في الركعة الأخيرة، أشار به إلى صفة صلاة العيد، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: سن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - صلاة العيدين، وصلاهما بالناس ضحوة ركعتين، وقرأ فيهما جهرا، (١) وكبر قبل القراءة في الأولى سبعا، وفي الثانية خمسا، في الفطر والأضحى، (٢) وخطب بعد الصلاة، (٣) وانصرف ولم يتنفل في المصلى قبلها ولا بعدها، (٤) وكذلك روت عائشة - رضي الله تعالى عنها - وجماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - وليس في الفطر والأضحى أذان ولا إقامة، (٥) قال مالك - رحمه الله تعالى: - وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا.
стр. 283
وقال في التبصرة: قال الشيخ: الغدو في ذلك يختلف ولا يمهل من كان في البلد الكبير إلى طلوع الشمس، فتفوتهم الصلاة إذا، وأن يبكر الناس كل قوم إلى موضعهم، بقدر ما يرون أنهم يكونون مجتمعين قبل وصول الإمام، وأما خروج الإمام فبقدر ما إذا بلغ حلت الصلاة، فإذا وصل أخذ في الصلاة، وهو أن ترتفع الشمس وتبيض وتذهب عنها الحمرة، وفي النسائي عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في الوقت الذي تحل فيه النافلة: أن تشرق الشمس وترتفع قدر رمح، ويذهب شعاعها يريد رمحا من رماح الأعراب، وهي هذه التي تسمى القناة، وهذا أول وقتها، وآخره ما لم تزل الشمس.
قوله: وليقرأن بما يكون مثلا البيت، معناه أنه يستحب أن يقرأ فيها من متوسط المفصل، قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: لأنه السنة، وقد جاء بسبح والغاشية، رواه الترمذي، (١) وحسنه اللخمي، وفي الموطإ: كان ﵊ يقرأ في الفطر والأضحى بق، واقتربت، (٢) واستحب ذلك ابن حبيب، والأول أرفق بالناس اليوم، وليس هم في الرغبة في الخير كما كان السلف، ابن الحاجب بوالضحى، وألم نشرح، والله أعلم.
стр. 284
قوله: وقبل أن يقرأ البيتين، معناه ظاهر، وقد اختلف هل يرفع يديه مع ما بعد تكبيرة الإحرام، فمذهب المدونة عدم الرفع، وروى مطرف وابن كنانة أنه يرفع في الجميع، وفي المجموعة: إن شاء رفع يديه في الأولى خاصة، وإن شاء في الجميع قاله ابن ناجي - رحمه الله تعالى - ويوالي الإمام التكبير، ولا يفصل بينه إلا بقدر تكبير المأمومين، ولا يقول شيئا، وقيل يجوز له أن يذكر في ما بين ذلك، قوله: وزيد تكبير البيت، معناه أن زيادة التكبير على المعهود في الصلاة لا يشرع في غير صلاة العيد، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى -: يكبر في صلاة الخسوف كما يكبر في صلاة العيد.
٤٧٧ - وليرق فوق منبر هنا الإمام ... وخطب الملأ من بعد السلام
٤٧٨ - وليجلسن عند الصعود أولا ... ووسطا كنحو ما قبلُ خلا
٤٧٩ - ولترجعنْ معَ طريق غير ما ... سلكتَ أولا فذاك يعتمى
٤٨٠ - وندب ذاك لا يخص النفرا ... بل ذا به الإمام أيضا أُمِرا
٤٨١ - ويُخرج الإمام يوم الأضحى ... إلى المصلى ما به قد ضحى
٤٨٢ - ليعلم الناس هنا بأمره ... فينحرون من وراء نحره
قوله: وليرق فوق منبر البيت، معناه أن الإمام يخطب استنانا بعد السلام من صلاة العيد فوق المنبر، لأن ذلك أبلغ في الإسماع؛ وظاهره أنه يخرج إليها بمنبر، وقد قال أشهب -رحمه الله تعالى -إن إخراجه واسع، وقال مالك -رحمه الله تعالى -: لا يخرج فيها بمنبر، ولم يكن للنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -ولا لأبي بكر ولا لعمر - رضي الله تعالى عنهما -منبر، وكثير بن الصلت بناه لعثمان -رضي الله تعالى عنه - (١) نقله ابن يونس في الجامع.
стр. 285
قوله: وليجلسن من قبل البيت، معناه أنه يجلس قبل الخطبتين، وبينهما، كمثل ما تقدم في خطبة الجمعة، وقيل لا يجلس قبلهما، قال القاضي عبد الوهاب في الإشراف: إذا صعد المنبر ففي جلوسه قبل الخطبة روايتان، إحداهما يفعله كالجمعة، والثانية أنه يخطب ولا يجلس، لأنه في الجمعة انتظار الفراغ من الأذان، وذلك معدوم في العيد.
قوله: ولترجعن مع طريق البيتين، معناه أنه يستحب لمصلي العيد إماما أو مأموما أن يعود مع طريق غير الطريق الذي سلكه ذهابا، وقد جاء ذلك في الصحيح من فعل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال في الجامع: من المدونة قال مالك - رحمه الله تعالى - وبلغني أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يخرج إلى صلاة العيدين من طريق، ويرجع من أخرى، (١) قال ابن القصار: واختلف في تأويل ذلك، فقيل إنما ذلك لأنه يسأل في طريقه عن أمور الدين، فيرجع من طريق أخرى ليسأله أهل هذه الطريق أيضا، ويحتمل أن يرجع من طريق أخرى، لينال أهل هذه الطريق الثانية من النظر إليه، والتبرك به، والسلام عليه، ما نال أهل الطريق الأولى، وقيل إنما ذلك لتكثر خطاه، فيكثر ثوابه، وقيل وجوه غير هذه، والله أعلم.
قال مالك -رحمه الله تعالى - وأستحسن ذلك ولا أراه لازما للناس.
стр. 286
قوله: ويخرج الإمام البيتين، معناه أنه يندب للإمام أن يخرج أضحيته إلى المصلى ليعلم الناس بذبحه أو نحره، فيذبحون بعده، وقد جاء ذلك في الصحيح من فعله صلى الله تعالى عليه وسلم، (١) وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله تعالى في الأضاحي
٤٨٣ - وليذكرنْ في المشي للمصلى ... جهرا، كذا الملأ أيضا كلا
٤٨٤ - وقطعوا الذكر إذا ما ياتي ... إمامهم لموضع الصلاة
٤٨٥ - كذاك بالتكبير أيضا أُمِروا ... إذا خلال خطبة يكبر
٤٨٦ - وما به من غير ذاك ياتي ... قدُ اُمِروا لديه بالإنصات
قوله: وليذكرن في المشي البيتين، معناه أنه يندب للإمام إذا خرج من بيته، أن يكبر حتى يأتي المصلى، ويجهر بذلك جهرا متوسطا، وكذلك غيره من المصلين، وهذا في حق من خرج بعد طلوع الشمس، فإن خرج قبل ذلك، فذكر في التنبيه أن فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه يكبر إن خرج قبل صلاة الفجر، (٢) لأن المشروع التكبير في الطريق إليها، والثاني أنه يكبر إذا أسفر بعد، لا قبله، اقتداء بأهل المشعر الحرام، والثالث أنه لا يكبر إلا بعد طلوع الشمس، لأنه الوارد عن السلف.
وكما اختلف في ابتداء التكبير، اختلف أيضا في انتهائه، فقيل ينتهي بمجيء الإمام، وقيل بقيامه للصلاة.
стр. 287
قوله: كذاك بالتكبير أيضا أمروا البيت، معناه أنه يندب للجماعة التكبير بتكبير الإمام في الخطبة، ويندب له أن يفتتحها بالتكبير، ويخللها به بلا حد في ذلك، كما قال مالك - رحمه الله تعالى - وقال في الواضحة: من السنة أن يفتتح خطبته الأولى والثانية بالتكبير، وليس في ذلك حد، وقال مطرف وابن الماجشون: أشهر العمل عندنا أن يكبر في مبدإ الأولى وقبل التحميد سبع مرات، وفي مبدإ الثانية خمس تكبيرات، ويوالي بينها، ثم يمضي في خطبته، فكلما انقضت الكلمات كبر ثلاث تكبيرات، حتى تنقضي خطبتاه، نقله في الجامع.
وقال في التبصرة: قال مالك - رحمه الله تعالى - في المبسوط: يستفتح الإمام الخطبة إذا صعد بالتكبير، قال: ومن السنة أن يكبر تكبيرا كثيرا، ثم في الثانية أكثر من الأولى، ويكبروا بتكبيره، وقال ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: يستفتح الأولى بسبع تكبيرات تباعا، ثم إذا مضت كلمات كبر ثلاثا، وكذلك في الثانية إذا استفتحها، وإذا مضى في خطبته، وقال المغيرة في المبسوط: كنا نعد الإكثار من التكبير عيا، ويستراح إليه في الخطبة، ولم ير أن يكبر الناس بتكبير الإمام فيها، وقد جاء في الصحيح عن أم عطية - رضي الله تعالى - قالت كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى تخرج البكر من خدرها، حتى تخرج الحيض فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعايتهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته، قوله: وما به من غير ذاك ياتي البيت، معناه أنهم يؤمرون بالإنصات للخطبة عند ما سوى التكبير.
٤٨٧ - وكبروا وراء خمس عشَرهْ ... من الفرائض تجيء أثَرَهْ
٤٨٨ - ثلاث مرات بعيدِ النحر ... على الخصوص دون عيد الفطر
٤٨٩ - وإن تشأ هلِّلْ ورا تكبيرتين ... ثم أعدهما وحمِّدْ بعد تين
٤٩٠ - فذاك عن مالك أيضا يسمع ... هنا، والامر في الجميع واسع
٤٩١ - وما من التكبير أو من ذكر ... سبق غير ذا بفطر يجري
стр. 288
قوله: وكبروا وراء، إلى قوله: واسع، أشار به إلى التكبير في أيام التشريق، وهو مستحب لكل أحد من المسلمين، ولفظه قيل: الله أكبر ثلاثا، وقيل: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وقيل: لا حد فيه، ويكون عقب الصلوات المكتوبة خاصة ابتداء من ظهر يوم النحر إلى صبح الرابع، فلا يؤمر به بعد الظهر، وقيل إلى الظهر، فلا يؤمر به بعد العصر، ووجهه مراعاة الرمي، وأما التكبير في تلك الأيام في غير أعقاب الصلوات، فقال مالك - رحمه الله تعالى - في المدونة: قد رأيت الناس يفعلون ذلك، فأما الذين أدركتهم وأقتدي بهم، فلم يكونوا يكبرون إلا دبر الصلوات، وقال مالك - رحمه الله تعالى - إن نسي الإمام التكبير حتى قام وذهب، فإن كان قريبا قعد وكبر، وإن تباعد فلا شيء عليه، قال ابن القاسم - رحمه الله تعالى -: فإن ذهب الإمام والقوم جلوس كبروا، نقله في التبصرة.
والأصل في هذا التكبير قوله : (واذكروا الله في أيام معدودات) الآية، وقوله : (ليذكروا اسم الله في أيام معلومت على ما رزقهم من بهيمة الأنعم)
قوله: وما من التكبير البيت، معناه أن التكبير دبر الصلوات، خاص بعيد النحر، بخلاف ما سبق من التكبير في الطريق والخطبة، فهو جار في الفطر أيضا.
٤٩٢ - وهذه الأيام معدودات ... والنحر أيامهُ معلومات
قوله: أيامه هو بالاختلاس، والمعنى أن أيام منى، هي الأيام المعدودات المذكورة في قوله : (واذكروا الله في أيام معدودات) وأما الأيام المعلومات، فهي أيام النحر، فيوم النحر من الأيام المعلومات، وليس من الأيام المعدودات، واليومان الذان يليانه من الأيام المعدودات، والأيام المعلومات، واليوم الرابع من المعدودات، وليس من المعلومات، والمعلومات هي المذكورة في قوله : (ليذكروا اسم الله في أيام معلومت) الآية.
стр. 289
٤٩٣ - والغسل للعيدين مما يُعتمى ... وليس مما فعله قد لزما
٤٩٤ - وحسن الثياب أيضا يندب ... بلا تباهٍ فيه، والتطيب
معناه أن الغسل للعيدين مندوب، وكذلك التزين، والتطيب، واختيار الثياب الحسنة، قال في الجامع: ومن المدونة قال مالك - رحمه الله تعالى -: والغسل في العيدين حسن، وليس كوجوبه في الجمعة، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: لأن الجمعة فريضة، والعيدين سنة، فما كان بسبب الفريضة آكد مما كان بسبب السنة، قال علي وابن عباس وابن الزبير - رضي الله تعالى عنهم - غسل العيدين قبل الغدو إلى المصلى حسن، وإن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - كان يغتسل ويتطيب، وقد قال ﵊ في الجمعة: " يا معشر المسلمين إن كان هذا عيدا جعله الله تعالى للمسلمين فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فليمس منه (١) " فندب إلى ذلك في الجمعة، وعلله بأنه عيد، فكان كل عيد كذلك، وقال معاذ - رضي الله تعالى عنه - كان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يأمرنا إذا غدونا إلى المصلى أن نلبس أجود ما نقدر عليه من الثياب، (٢) ولأن ذلك زينة للإسلام، وجمال للشرع، وإعظام للدين، وإرهاب للعدو، وقال مالك - رحمه الله تعالى - في المختصر: ويستحب الغسل والزينة والطيب في كل عيد، والغسل قبل الفجر فيهما واسع، ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: وأفضل أوقات الغسل لهما بعد صلاة الصبح.
стр. 290
باب في صلاة الكسوف
٤٩٥ - وللكسوف صلينْ كالعيد ... أعني في الاستنان ذي التأكيد
٤٩٦ - يخرج إذ تنخسف الشمس الامام ... ولا يؤذن لها ولا يُقام
٤٩٧ - وافتتح الصلاة في المسجد، ثم ... قرأ مثل البكر طولا بعد الاُم
٤٩٨ - ثمت يركع طويلا قدْرا ... قيامه طولا، أوَ اَدنى نزرا
٤٩٩ - ثمت يرفع هنا مسمعا ... وللقراءة كذاك رجعا
٥٠٠ - وليقرأنَّ هاهنا طويلا ... دون الذي مضى له قليلا
٥٠١ - وكالقراءة الاخيرة ركع ... طولا، وبالتسميع بعدها رفع
٥٠٢ - وبعد ذا يسجد أيضا سجدتين ... قد تمتا، ثم يقوم بعد تين
٥٠٣ - ثم تلا أقل من ذاك الاخير ... وليركعنْ أقل من ذا بيسير
٥٠٤ - ثمت يرفع كما قد ذُكرا ... ودون ما قرأ قبل ذا قرا
٥٠٥ - ثمت يركع كذلك أقل ... من ذا، كما في الركعة الأولى فعل
٥٠٦ - ثم تشهد هنا وسلما ... بعد سجوده كما تقدما
معناه أن الصلاة لكسوف الشمس سنة مؤكدة على المقيم والمسافر الذي لم يجد سيره، وعلى أهل الحضر، وأهل العمود، الجماعة والفذ، وذلك لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " فافزعوا إلى الصلاة " وقيل إنما يؤمر بها من تلزمه الجمعة، قوله: يخرج إذ تنخسف الشمس الإمام إلخ، أشار به إلى صفة صلاة الكسوف، والأصل فيها حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فصلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - والناس معه، فقام قياما طويلا، نحوا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه، فقام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد سجدتين، ثم قام قياما طويلا، وذكر في الركعة الثانية، مثل ما ذكر في الركعة الأولى، قال: ثم انصرف، وقد تجلت الشمس، فقال:" إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينخسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله تعالى " وفي رواية " فافزعوا إلى الصلاة " قالوا: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - رأيناك تناولت شيئا من مقامك هذا، ثم رأيناك كعكعت فقال: " إني رأيت الجنة أو أُرِيت الجنة فتناولت عنقودا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بم؟ يا رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -قال: بكفرهن، قيل: بكفرهن بالله ؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا، قالت: ما رأيت منك خيرا قط (١).
стр. 291
وقد اختلف في إطالة السجود، فقال ابن القاسم -رحمه الله تعالى -في المدونة يطال، وقال مالك -رحمه الله تعالى -في مختصر ابن عبد الحكم لا يطال، قال اللخمي -رحمه الله تعالى -: والأول أحسن لحديث عائشة -رضي الله تعالى عنها -قالت: ما سجدت سجودا قط كان أطول منه، أخرجه البخاري ومسلم، قال: وهذا ما لم يضر بأحد، وليس صبر الناس على طول السجود سواء.
وكذلك أيضا في إطالة القراءة، والركوع، قال: فلا يكلفوا ما يضرهم ويشق، فذا كان أو إماما أو مأموما، ويرجع إلى الدعاء.
والمشهور عن مالك -رحمه الله تعالى -أنه لا يجهر بالقراءة، لظاهر حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما -قال: لو جهر رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -لعرف ما قرأ، بل وقع التصريح به في بعض رواياته، ووقع التصريح به في حديث جندب بن سمرة، (١) كما في الإشراف.
وروي عن مالك الجهر، وقد وقع التصريح به في الصحيح، (٢) واستحسنه اللخمي، والمشهور أنه يقرأ الفاتحة في كل قيام، وهو قول مالك، وقال ابن مسلمة لا يقرؤها إلا في القيامين الأولين.
قوله: وافتتح الصلاة في المسجد، أشار به إلى أنها تقام في المسجد، ولا يخرجون بها إلى المصلى، لفعل النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -وخير في ذلك ابن حبيب -رحمه الله تعالى -وقيل تقام في المسجد في المصر الكبير، وأما البلد الصغير فإن شاءوا أقاموها في المسجد، وإن شاءوا أقاموها في الصحراء.
стр. 292
واختلف في وقتها، والمشهور أنه من حل النافلة للزوال، قياسا على العيد والاستسقاء، وروى ابن وهب عن مالك -رحمهما الله تعالى -أنها في الوقت كالنوافل، فتصلى بعد الزوال، وقال مطرف وابن الماجشون تصلى في كل وقت لقوله -صلى الله تعالى عليه وسلم -: " فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة " واستحسنه اللخمي -رحمه الله تعالى ـ.
٥٠٧ - وليس هاهناك خطب راتب ... بعد الصلاة للكسوف يطلب
٥٠٨ - لكن إذا وعظهم وذكَّرا ... من بعد ما سلم كان أجدرا
٥٠٩ - وإن تشأ فصلها في البيت ... أيضا على نظير ذاك النعت
قوله: وليس هاهناك البيتين، معناه أن صلاة الخسوف لا تشرع معها خطبة، إذ لم يأت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم خطب فيها، وإنما وعظهم وذكرهم، دون أن يفعل شيئا من لوازم الخطبة، كالجلوس ابتداء، وفي الوسط، ونحو ذلك، وقال أبو حنيفة والشافعي -رحمهما الله تعالى -يخطب لها كالجمعة والعيد، قوله: وإن تشأ فصلها البيت، معناه أنه يجوز أن يقيمها الفذ في بيته على المشهور، لعموم الأمر في الحديث، وقيل لا يقيمها الفذ، وإنما تقيمها الجماعة الذين يصلون الجمعة كما تقدم.
٥١٠ - أما خسوف قمر فهذا ... ندبا يصلون له أفذاذا
٥١١ - جهرا كمثل النفل كلا يجري ... للانجلاء أو طلوع الفجر
يعني به أن الصلاة لخسوف القمر مستحبة فقط، وليست بسنة، وقيل سنة، ويصلونها أفذاذا، قال في الجامع: قال مالك -رحمه الله تعالى -: ولم يبلغنا أنه ﵊ صلى بالناس، إلا في خسوف الشمس، ولم أسمع أنه يجمع لخسوف القمر، ولكن يصلون أفذاذا ركعتين، كسائر النوافل، ولا يدعون ولا يجمعون.
стр. 293
وقال في التنبيه: وأما خسوف القمر فالمذهب على أن الصلاة له كسائر النوافل من غير تغيير، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة تغير على حسب صلاة كسوف الشمس، ولم يثبت عنه صلى الله تعالى عليه وسلم التغيير من طريق صحيح، لكن جمعهما في اللفظ، وقال: " فافزعوا إلى الصلاة " كما تقدم، وبين الأصوليين خلاف في الجمع هل يقتضي التشريك في الحكم أم لا، واختلف هل يجمع لخسوف القمر أو ينهى عن الجمع، في المذهب قولان، المشهور أنه لا يجمع، لاستمرار العمل عليه، والشاذ أنه يجمع قياسا على صلاة كسوف الشمس.
والمشهور أن الناس يصلونها في بيوتهم، وقال مالك -رحمه الله تعالى -: يفزع الناس في خسوف القمر إلى الجامع، ويصلون أفذاذا، ويحصل أصل الندب بركعتين، ثم لا تزال الصلاة مندوبة، حتى ينجلي القمر، أو يطلع الفجر، والله أعلم.
стр. 294
باب في صلاة الاستسقاء
٥١٢ - وسنة صلاة الاستسقاء ... أيضا إذا ما افتقروا لماء
٥١٣ - فيخرج الإمام والناس كما ... بسنة العيدين قد تقدما
٥١٤ - ثم يصلي ركعتين جهرا ... بالشمس فيهما والاعلى يقرا
٥١٥ - بلا زيادة ركوع فيهما ... ثم تشهد إذا وسلما
يعني أن صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة، والاستسقاء: طلب السقي من الله ، ويكون لجدب ولشرب بنهر أو غيره، وإن كانوا ركبانا بسفينة، قال في التبصرة: ولمد نهر إذا أمسك عن عادته، قال أصبغ - رحمه الله تعالى -: وفي كتاب ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: وقد فعل ذلك عندنا بمصر، واستسقوا خمسة وعشرين يوما متوالية، يستسقون على سنة صلاة الاستسقاء، وحضر ذلك ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون - رحمهم الله تعالى - فلم ينكروا ذلك، قال الشيخ: والأصل في تكرار الاستسقاء قوله صلى الله تعالى عليه وسلم يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: دعوت فلم يستجب لي (١).
стр. 295
وذكر أنه يباح لمن لم يكن في محل، ولا حاجة إلى الشرب، وقد أتاهم من الغيث ما إن اقتصروا عليه، كانوا في دون السعة.
وذكر ابن رشد -رحمه الله تعالى -أن صلاة الاستسقاء إنما تكون عند شدة الحاجة للغيث.
قوله: فيخرج الإمام البيت، معناه أن الإمام يخرج إلى المصلى فيها ضحى، ويخرج الناس أيضا ضحى مشاة، بثياب بذلة، متواضعين متضرعين وجِلِين، والمشهور أنهم لا يكبرون في مشيهم، قال في التنبيه: لأن التكبير مشروع لإظهار شعار الإسلام، وذلك لائق بالعيدين لا بالاستسقاء.
قال ابن يونس -رحمه الله تعالى -: ولا يؤمر النساء والصبيان بالخروج إليها، فإن خرجوا لم يمنعوا، ولا تخرج الحيض على حال، ولا صبي لا يعقل الصلاة.
واختلف في أهل الذمة إذا أرادوا الخروج لها هل يمنعون من ذلك كما لأشهب -رحمه الله تعالى -أو لا كما في المدونة، وإذا لم يمنعوا خرجوا وقت خروج الناس، واعتزلوا ناحية، ولا يمكنون من الخروج قبل خروج الناس ولا بعده، خوف موافقة المطر لخروجهم، فيفتن بذلك ضعفاء العامة، وقال القاضي عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -: لا بأس أن يخرجوا بعد، ولا تخرج البهائم، وقد أجاز ذلك موسى بن نصير -رحمه الله تعالى -وفعله حين استسقى بأهل القيروان، قال ابن حبيب: فرأيت الخرامي وغيره من علماء المدينة يستحسنون فعله.
قوله: ثم يصلي ركعتين البيتين، معناه أن صلاة الاستسقاء ركعتان، يجهر فيهما بالقراءة، وينبغي أن يقرأ فيهما من متوسط المفصل، كسورة سبح الأعلى، وسورة والشمس، وليس فيهما زيادة تكبير، كما في صلاة العيد، ولا زيادة ركوع، كما في صلاة الكسوف، بل كسائر النوافل على ظاهر أحاديث الصحيح.
٥١٦ - ثمت يستقبلهم، وقعدا ... حتى إذا أمرهمُ تمهدا
٥١٧ - قام إذا، وخطب الناس معا ... توكُّإ لقوس، أو ما ضارعا
٥١٨ - وليجلسنْ وسطها كمثل ... ذاك الذي أسلفتُه من قبل
٥١٩ - حتى إذا فرغ منها استقبلا ... ولردائه هناك حوَّلا
стр. 296
٥٢٠ - يُصيِّر الأيمنَ منه أيسرا ... والايسرَ الأيمنَ أيضا صيَّرا
٥٢١ - من غير تنكيس، ويفعل قعو ... دا الرجال ما الإمام يصنع
٥٢٢ - ثمت يدعو ويؤمنونا ... وانصرفوا إذا ما ينتهونا
٥٢٣ - ولا يؤذن لها إسجالا ... كذا الإقامة لها فلا لا
قوله: ثمت يستقبلهم الأبيات الثلاثة، معناه أن الإمام إذا سلم من الصلاة، يجلس مقبلا على الناس بوجهه، فإذا اطمأنوا قام على الأرض، ولا يخرجون بمنبر، ولا يرقى منبرا، وخطب خطبتين يفصل بينهما بجلوس خفيف، وليكثر فيهما من الاستغفار والتضرع، وقد روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه -أنه استسقى فلم يزد على الاستغفار حتى انصرف، قال ابن بشير -رحمه الله تعالى -: ولا يدعو في هذه الخطبة إلا بكشف ما نزل بهم، لا لأحد من المخلوقين.
وروي عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -أنه قال: " اللهم اسق عبادك، وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت " (١)
وما ذكره من تقديم الصلاة على الخطبة كالعيد، هو المشهور في المذهب، وإليه رجع مالك -رحمه الله تعالى -وقيل تقدم الخطبة كالجمعة، وبه كان يقول مالك -رحمه الله تعالى -أولا، وهو الذي في الصحيح، (٢) وغيره مروي أيضا عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم ـ (٣).
стр. 297
قوله: حتى إذا فرغ إلخ، أشار به إلى أنه يستحب للإمام أن يحول رداءه قائما مستقبلا، كما فعل صلى الله تعالى عليه وسلم، (١) بأن يجعل ما على عاتقه الأيمن، على عاتقه الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، قيل تفاؤلا بالانتقال من الجدب إلى الخصب، ولا يقلبه بأن يجعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه، ويحول الرجال كذلك أرديتهم، وهم قعود، ولا تحول النساء مخافة الانكشاف، وقال الليث - رحمه الله تعالى -: يحول الإمام رداءه دون الناس، والمشهور في تحويل الرداء أنه يكون في آخر الخطبة الثانية قبل أن يأخذ الإمام في الدعاء، قال في المدونة: يحول إذا فرغ من الخطبة، واستقبل للاستسقاء.
وقال في المجموعة: يكون بين الخطبتين، وقيل يكون بعدهما.
ولا يؤذن لصلاة الاستسقاء، ولا يقام لها، قال مالك -رحمه الله تعالى -: وليس على الناس صيام قبل الاستسقاء، فمن تطوع بخير فهو خير له، نقله في الجامع.
واستحب ذلك ابن حبيب -رحمه الله تعالى -قال في التنبيه: ولا شك أن الصوم من أجل القرب، وإنما كرهه -يعني مالكا رحمه الله تعالى -في المشهور على عادته في كراهية التحديد في المواضع التي لم يثبت التحديد بها، ليلا يظن أنها فرض أو سنة.
ويحض الإمام الناس على التوبة ورد المظالم.
стр. 298
باب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنه
٥٢٤ - وندبوا توجيهَ شخصٍ محتَضَرْ ... لقبلة، لمن هناك قد حضر
٥٢٥ - وهكذا تلقينُه، وإن قضى ... فهاهنا يندب أن يغمَّضا
٥٢٦ - وكونه وما عليه طاهرا ... يندب، حيث لم يكن تعذرا
٥٢٧ - والنفسا ندْبٌ لها تجنب ... مكانه، وحائض وجنب
٥٢٨ - وفي اقترا " يس " عند المحتضر ... من علمائنا قدَ اَرخص نفر
٥٢٩ - ومالك لم ير ذاك أمرا ... موافقا عمل من قد مرا
قوله: وندبوا توجيه البيت، معناه أنه يندب للحاضرين عند المحتضر، وهو من بدت عليه علامات نزول الموت، توجيهه إلى القبلة، وهذا هو المشهور، قال ابن يونس -رحمه الله تعالى -: ومن الواضحة قال مالك -رحمه الله تعالى -: ولا أحب ترك توجيه الميت إلى القبلة، إن استطيع ذلك، ابن حبيب -رحمه الله تعالى -: وروي ذلك عن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه -وجماعة من السلف، وقال مالك -رحمه الله تعالى -في المجموعة: وما علمته من الأمر القديم.
قال ابن بشير -رحمه الله تعالى -: ولا معنى لكراهية ذلك، إلا خوف التحديد، خوفا أن يظن أنه من الفروض، أو من السنن.
وعلى المشهور من ندب التقبيل، فالمستحب تقبيله على شقه الأيمن، ثم على الظهر، ورجلاه للقبلة.
стр. 299
وقوله: وهكذا تلقينه، معناه أن تلقين المحتضر مندوب، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " (١) ولقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " من كان آخر قوله لا إله إلا الله دخل الجنة " (٢) وكيفية التلقين أن يتشهد عنده بحيث يسمع، تذكيرا له بذلك، ولا يقال له قل، وإذا قالها ترك، ما لم يتكلم بعدها بكلام أجنبي، فتعاد عليه، كما تعاد عليه إذا لم يقلها بعد إمهال، ومن عجيب ما سمع هنا ما جاء عن محمد بن مسلم بن وارة الرازي أنه قال: حضرت مع أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي عند أبي زرعة الرازي وهو في النزع، فقلت لأبي حاتم: تعال حتى نلقنه الشهادة، فقال أبو حاتم: إني أستحيي من أبي زرعة أن ألقنه الشهادة، ولكن تعال حتى نتذاكر الحديث فلعله إذا سمعه يقول، فبدأت فقلت: حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، فارتج علي الحديث حتى كأني ما سمعته ولا قرأته، فبدأ أبو حاتم، فقال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عاصم النبيل، عن عبد الحميد بن جعفر، فارتج عليه كأنه ما قرأه، فبدأ أبو زرعة، فقال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم: " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، وخرجت روحه مع الهاء، قبل أن يقول دخل الجنة، وذلك في سنة اثنتين وستين ومائتين.
وحضور المحتضر كتمريضه فرض كفاية، يتأكد على أوليائه، قاله ابن عرفة -رحمه الله تعالى -.
стр. 300
قال في الجامع: ويستحب أن لا يجلس عنده إذا احتضر إلا أفضل أهله وأحسنهم هديا وكلاما، وأن يكثر له من الدعاء، فإن الملئكة ﵈ يحضرونه، ويؤمنون على دعاء الداعي له (١).
قوله: وإن قضى فهاهنا البيت، معناه أنه يندب تغميضه، كما فعل صلى الله تعالى عليه وسلم بأبي سلمة -رضي الله تعالى عنه -كما في مسلم، (٢) وقال ابن شعبان -رحمه الله تعالى -تغميضه سنة، وإنما يغمض بعد موته، قال أبو داود: قال أبو ميسرة وكان رجلا عابدا: غمضت جعفرا المعلم -وكان رجلا عابدا -في حالة الموت، فرأيته في منامي ليلة يقول: أعظم ما كان علي تغميضك لي قبل أن أموت، أو قبل الموت نقله في المواهب.
ويستحب أن تجعل على بطنه حديدة خوف انتفاخه، وأن يشد لحيه الأسفل بعصابة تربط عند رأسه، خوف دخول الهوام فاه قاله ابن عرفة -رحمه الله تعالى -.
قوله: وكونه وما عليه طاهرا البيت، معناه أنه يستحب أن يكون طاهر البدن، طاهر الثياب، طاهر الفراش، إذا لم يشق ذلك قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: يعني تكرمة للملئكة، واستحب ابن حبيب -رحمه الله تعالى -الطيب والبخور عند ذلك، وسمع ابن القاسم وأشهب -رحمهما الله تعالى -ليس من العمل، والله أعلم.
стр. 301
قوله: والنفسا البيت، معناه أنه ينبغي تجنب الحائض والنفساء والجنب له، حيث وجد غيرهم، وذلك لما في الحديث من أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه جنب، ومثل ذلك كل ما تكرهه الملائكة، وقد روى الحاكم أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة، ولا كلب، ولا جنب، (١) واستحب أهل العلم إحضار طيب عنده، ولعل ذلك لهذا المعنى، والله أعلم.
قوله: وفي اقترا البيتين أشار به إلى ما ذكره ابن حبيب - رحمه الله تعالى -من استحباب قراءة سورة يس عند المحتضر، لحديث أبي داود، وفي إسناده ضعف، وقال مالك -رحمه الله تعالى -في المجموعة والعتبية ليس القراءة عنده والإجمار من عمل الناس، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: يعني وما لم يصحبه العمل مما ورد الترغيب فيه، فليس بمندوب عند مالك -رحمه الله تعالى -لأنهم كانوا أحرص على الخير، وأعلم بالسنة، وما تركوه إلا لأمر عندهم فيه.
٥٣٠ - لا بأس بالبكا بدمع العين ... فقط، لدى وقت نزول الحَيْن
٥٣١ - والاحسن التعزِّي والتصبر ... أما النياحة فأمر منكر
стр. 302
معناه أن البكاء جائز إذا لم يكن بصوت، والأحسن التعزي والتصبر، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم " (١) قال في التاج: ابن حبيب: البكاء قبل الموت وبعده مباح، بلا رفع صوت، ولا كلام مكروه، ولا اجتماع نساء، انتهر عمر - رضي الله تعالى عنه - نساء يبكين على ميت، فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " دعهن يا ابن الخطاب، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد حديث " (٢) ويكره اجتماعهن للبكاء ولو سرا، ونهى عمر - رضي الله تعالى عنه - في موت أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - أن يبكين، وفرق جمعهن، ونهى صلى الله تعالى عليه وسلم عن لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعوى الجاهلية، (٣) وهي الدعاء بالويل والثبور، وقال: " أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق" (٤) والسلق رفع الصوت بالبكاء.
٥٣٢ - وليس في تغسيل ميْتٍ حدُّ ... عنه لدى تغسيله لا تعدو
٥٣٣ - بل نقِّه، وغسِّلنْه وترا ... ولتجعلنْ مع المياه سدرا
٥٣٤ - ولتجعلنْ بغسله الأخير ... معْ مائه بعضا من الكافور
٥٣٥ - وإن تجرده لغسل فاسترا ... عورته، ولا تقلمْ ظُفُرا
٥٣٦ - وهكذا لا تحلقنَّ شعرَه ... وبطنَه مع الترفق اعصرَه
٥٣٧ - وإن لدى تغسيله يُوَضَّا ... فحسن، وليس أمرا فرضا
٥٣٨ - وغسله لجنبه أولى، وعن ... طائفة إجلاسه هو الحسن
٥٣٩ - وغسْل زوج أهلَه وغسْلُ ... الاهل له دون اضطرار حلُّ
стр. 303
قوله: وليس في تغسيل ميت، إلى قوله: الكافور، معناه أنه ليس في تغسيل الميت حد يتعين الوقوف عنده، قال ابن الحاجب -رحمه الله تعالى -: ويغسل كالجنابة، قال ابن عبد السلام: يعني الإجزاء كالإجزاء، والكمال كالكمال، إلا ما يختص به غسل الميت كالتكرار، نقله في المواهب، قال: وصرح في المدخل بأن فرائض غسل الجنابة وسننه وفضائله تأتي في هذا الباب.
قوله: وغسلنه وترا، معناه أنه يندب إيتار غسل الميت، قال ابن بشير - رحمه الله تعالى -: ولا خلاف أن الغسلة الواحدة تجزئ، لكن يستحب التكرار، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم في ابنته - رضي الله تعالى عنها -: " اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن (١) " وكره مجاوزة السبع، والاقتصار على الواحدة، والاوتار مستحب، قال ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: يغسل أولا بالماء القراح، ثم يخلط في الثاني السدر إن وجد، فإن لم يوجد فالغاسول، وفي الثالثة الكافور، وهذا على رواية الابتداء بالماء القراح.
وقال أبو عمر: الأولى بالماء والسدر، أو الخطمى، أو الأشنان، أو ما أشبه ذلك بعد أن يغسل ما تحته من النجاسات، ثم الثانية بالماء القراح، إن شاء باردا، وإن شاء سخنا، ثم الثالثة بمثل ذلك، ويجعل فيها كافورا، نقله في التاج.
وقال في التبصرة: ويبتدئ الغاسل بالميامن، ومواضع الوضوء، لقول النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -في ابنته -صلى الله تعالى عليه وعليها وعلى آله أجمعين -: " ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها، (٢) واغسلنها ثلاثا أو خمسا بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورا، (٣)
стр. 304
وفي حديث آخر: أو سبعا " (١) وقد تضمن هذا الحديث البداية بالميامن، وأن يوضأ، وأن يكون وترا من الثلاث إلى ما بعد، وجواز غسله بالماء المضاف، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ويخص بالإنقاء الفم والأنف والأرفاغ، كالإبطين وغيرهما، ولا بأس أن يفضي باليد إلى الفرج إذا كانا زوجين، أو ملك يمين، وإن كانا أجنبيين لف على يده ثوبا كثيفا لا يجد معه حس ما تمر عليه اليد، واختلف إذا كان في الموضع أذى لا يزيله إلا مباشرة اليد، فأجاز مالك - رحمه الله تعالى - في المدونة أن يباشر ذلك، ومنعه ابن حبيب - رحمه الله تعالى - وهو أحسن، ولا يكون الميت في إزالة تلك النجاسة أعلى رتبة من الحي، إذا كان لا يستطيع إزالتها لعلة، أو لغيرها، إلا بمباشرة غيره لذلك الموضع، فإنه لا يجوز أن يوكل من يمس فرجه، لإزالة ذلك، ويجوز أن يصلي على حاله، فهو في الميت أخف، ولا يكشف ويباشر ذلك منه، ولا يقتصر الغاسل على دون الثلاث، لأن الاقتصار على الواحدة لا يأتي على ما يراد من الإنقاء، والاقتصار على اثنتين خلاف ما تضمنه الحديث من أن يكون وترا، وإن أنقى في أربع زاد خامسة، وإن أنقى في ست زاد سابعة.
وما ذكره من جواز الماء المضاف هو ظاهر قوله في المدونة: وأحسن ما جاء في الغسل ثلاثا، أو خمسا، بماء وسدر، وفي الآخرة كافورا إن تيسر، قال في المواهب: تأوله بعضهم على قول ابن حبيب -رحمه الله تعالى -وأنه يريد في غير الأولى، أو يحمل على أن مراده أن يدلك الميت بالسدر، ثم يصب عليه الماء القراح، قال ابن ناجي -رحمه الله تعالى -: وهو اختيار أشياخي، والمدونة قابلة له، وعلى هذين الاحتمالين يكون ما في المدونة موافقا لابن حبيب.
стр. 305
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله تعالى -في شرحه لحديث أم عطية في إحكام الأحكام: قوله: بماء وسدر، أخذ منه أن الماء المتغير تجوز به الطهارة، وهذا يتوقف على أن يكون اللفظ ظاهرا في أن السدر ممزوج بالماء، وليس يبعد أن يحمل على أن يكون الغسل بالماء من غير مزج له بالسدر، بل يكون الماء والسدر مجموعين في الغسلة الواحدة من غير أن يمزجا ... .
قوله: وإن تجرده لغسل فاسترا عورته، معناه أن غاسل الميت يجرده من الثياب ما عدا عورته، وذلك على أحوال، فالرجل الذي يغسل رجلا، يستر منه ما بين السرة والركبة، في قول ابن حبيب - رحمه الله تعالى - وقال مالك - رحمه الله تعالى - في المدونة يجرد ما سوى السوأتين، كذا فهم اللخمي، وقال عياض ليس في الكتاب ما يدل على ذلك، بل لو قيل فيه ما يدل على قول ابن حبيب لكان له وجه، لأنه قال بإثره: ويفضي بيده إلى فرجه إن احتاج، ولو كانت العورة هي نفس الفرج، لما ذكر الفرج بلفظ آخر، نقله ابن ناجي - رحمه الله تعالى ـ.
وأما المرأة مع المرأة فاستظهر اللخمي - رحمه الله تعالى - أنها كالرجل مع الرجل، وحكى اختلافا في غسل الرجل زوجته، والمرأة زوجها، قال: فقال مالك - رحمه الله تعالى - في المدونة: يستر كل واحد منهما عورة صاحبه، وأجاز ابن حبيب - رحمه الله تعالى - أن يغسل كل واحد منهما صاحبه بادي العورة، والأمر في ذلك واسع، وأما غسل الصبي فإن كان صغيرا، أو في الإثغار، فلا بأس أن يغسل مجردا، وأن يغسله النساء مع وجود الرجال، فإن ناهز الحلم جرى على حكم الرجل، فيغسله الرجال مستور السوأة، ولا يغسله النساء، وأما الصبية فإن لم تبلغ أن تشتهى، جاز أن يغسلها النساء مجردة، وستر العورة أفضل، ولا بأس أن يغسلها الرجال عند عدم النساء، وتستر سوأتها، وإن بلغت حد أن تشتهى جرت على أحكام النساء.
стр. 306
قوله: ولا تقلم ظفرا، وهكذا لا تحلقنّ شعره، معناه أنه ينهى عن قلم أظافره، وحلق شعر عانته، قال مالك -رحمه الله تعالى -: وأرى ذلك بدعة ممن يفعله، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: سحنون: ولا يفعله قبل موته -يعني ما ذكر من الحلق والتقليم -لذلك ابن حبيب وأشهب، وينقى وسخ أظافره، الشيخ عن ابن حبيب: وما سقط له من شعر وغيره، جعل في أكفانه، ونقله الباجي عن ابن حبيب.
قال ابن ناجي -رحمه الله تعالى -: وإن كان المغسول امرأة فقال ابن القاسم: يلف شعرها، وعنه يفعلون به ما شاءوا، وأما الضفر فلا، وقال ابن حبيب -رحمه الله تعالى -: لا بأس أن يضفر، واستحسنه بعض المتأخرين لحديث أم عطية -رضي الله تعالى عنها -: فنقضنا شعرها وضفرناه ثلاثة قرون، وألقيناه خلفها (١).
وقال في المواهب: قال ابن رشد -رحمه الله تعالى -في قول ابن القاسم -رحمه الله تعالى -: وأما الضفر فلا أعرفه، يريد أنه لا يعرف من الأمر الواجب، وهو إن شاء الله تعالى حسن من الفعل، ثم ذكر حديث أم عطية - رضي الله تعالى عنها ـ.
قوله: وبطنه مع الترفق اعصره، معناه أنه يستحب للغاسل عصر بطن الميت برفق، ليخرج ما في بطنه من النجاسة، فيؤمن من خروج شيء بعد الفراغ من غسله، قال في المواهب: قال في الطراز: إن كان ثم نجاسة ازالها، ويكثر صب الماء لتزول الرائحة الكريهة، ولهذا استحب أن يكون بقربه مجمرة فيها بخور، ليذهب بالرائحة الكريهة.
стр. 307
قوله: وإن لدى تغسيله يوضا البيت، معناه أن توضئة الميت في أول غسله مندوبة، لحديث أم عطية -رضي الله تعالى عنها -وذهب من يرى أن الغسل تنظيف فقط إلى عدم ندبه، وعلى المشهور من ندبه قال ابن عرفة: وفي كونه في الغسلة الأولى أو الثانية نقلا المازري، وفي تكريره بتكريره غسله نقلاه عن أشهب، وإنكار سحنون، الباجي: غسلات الوضوء إن كررت مرة مرة، وإلا فثلاث، اللخمي وغيره: يبدأ بميامنه، ورواه المازري، الشيخ عن أشهب: ويدخل يده عليها خرقة نقية فاه، لتنظيف أسنانه، وينقى أنفه.
قوله: وغسله لجنبه البيت، معناه أن الأولى تغسيله لجنبه الأيمن، ثم يقلب لجنبه الأيسر، لأنه أرفق، وقيل يجلس، لأنه أمكن، وهو اختيار القاضي عبد الوهاب -رحمه الله تعالى -والأمر في ذلك واسع.
قوله: وغسل زوج البيت، معناه أن غسل كل من الزوجين للآخر جائز، بلا قيد الضرورة، وعبارة الشيخ: لا بأس، وقال ابن ناجي: لا بأس هنا لما هو خير من غيره، لقول المدونة: ويغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة، فظاهره الأمر بذلك.
واختلف في المطلقة طلاقا رجعيا، هل يجوز لها تغسيله أو لا، الأول للمبسوط، والثاني للمدونة، قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: ابن القابسي: الأصل الذي لا ينخرم هو إذا كان له النظر إلى محاسنها والاستماع بها في حياتها، تغاسلا بعد الموت، وإن كان ممنوعا من ذلك، فالغسل ممنوع.
والأصل في هذا الباب تغسيل علي فاطمة -رضي الله تعالى عنهما -وتغسيل أسماء بنت عميس أبا بكر -رضي الله تعالى عنهما -بمحضر الصحابة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ.
стр. 308
وجاء عن عائشة -رضي الله تعالى عنها -أنها قالت في شأن غسل رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه (١) بل جاء عنه ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ أنه دخل على عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ وهو آت من البقيع في أول مرضه فوجدها تقول: وارأساه، فقال: " بل أنا يا عائشة وارأساه " ثم قال: " ما ضرك لو مِتِّ قبلي، فقمت عليك، فغسلتك، وكفنتك، وصليت عليك، ودفنتك " (٢)
٥٤٠ - وحيث مرأة تموت بسفر ... دون نسا ودون محرم ذكر
٥٤١ - يمم الاجنبي وجهها وكف ... وما وراء الكوع حتما عنه كف
٥٤٢ - وفي وجود محرم معْها جعل ... ثوبا على الجسد كلا وغسل
٥٤٣ - ورجل مع نسا لا محرم ... فيها له لمرفق ييمم
٥٤٤ - وغسَّلته محرم، ولتسترا ... من ركبة لسرة لا أكثرا
قوله: وحيث مرأة البيتين، معناه أن المرأة إذا ماتت وليس معها امرأة، ولا رجل محرم، ومعها رجال أجانب، فإنهم ييممونها لكوعيها، وقد قال مالك -رحمه الله تعالى - في الموطإ إنه سمع ذلك من أهل العلم، واختلف إذا حضرتها كتابية، فقال مالك -رحمه الله تعالى -تغسلها، وقال أشهب -رحمه الله تعالى -تيمم، وقال سحنون تغسلها وتيمم.
стр. 309
قوله: وفي وجود محرم معها البيت، معناه أنه إذا لم يكن معها نساء، وكان معها رجل محرم غسلها، قال في المدونة: يغسلها من فوق ثوب، غير مفض بيده لجسدها، وقال أشهب - رحمه الله تعالى - ييممها، وروى يصب عليها الماء لا يباشر جسدها، ولا من فوق الثوب، وقال ابن حبيب - رحمه الله تعالى - يغسلها وعليها ثوب يصب الماء بينه وبينها، خوف لصوقه بجسدها، وظاهره يباشر جسدها بيده، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: ومعناه عندي ويده ملفوفة بخرقة فيما بين سرتها وركبتها، إلا أن يضطر لذلك، نقله ابن عرفة - رحمه الله تعالى - ونقل قولا بلف اليد في كل غسلها، وقولا بالفرق بين محرم الصهر وغيره، فالأول ييممها ولا يغسلها.
والظاهر أن كغسل المرأة، مسها في الحمل، والوضع في القبر، فلا يتولاه الأجانب مع وجود النساء.
قوله: ورجل مع نسا البيت، معناه أنه إذا مات رجل بسفر مثلا، ولم يكن معه رجل، ولا امرأة محرم يممته النساء إلى مرفقيه، وإن وجد ذمي فعلى الخلاف في الذمية الذي تقدم ذكره.
قوله: وغسلته محرم البيت، معناه أنه إذا كانت معه امرأة محرم، غسلته وسترت عورته فقط على ظاهر المدونة عند التونسي، قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: الباجي: وقال ابن القاسم وسحنون من فوق ثوب، وتأولها اللخمي عليه، سحنون: تيممه أحب إلي، وظاهر كلام الشيخ كانت من محارم النسب والصهر، وهو المنصوص.
٥٤٥ - والوتر في أكفان ميْتٍ من ثلا ... ثة إلى سبعة أيضا فضلا
٥٤٦ - وذلك العدد يحسب القميـ ... ـصُ فيه معْ الازار والعمائم
٥٤٧ - وسيدي شفيعنا كُفِّن في ... ثلاثةٍ بيضٍ من اللفائف
٥٤٨ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه
٥٤٩ - لا بأس أن يقمَّص الميْت، كما ... بأس عندهم بأن يعمما
٥٥٠ - وجعْلك الحنوط من بين الكفن ... والكفن الذي يلي أمر حسن
٥٥١ - وهكذا جعلكه بالجسد ... وجعله بالاعظم المساجد
стр. 310
قوله: والوتر في أكفان ميت البيت، معناه أن الوتر في أكفان الميت مندوب إلى سبعة، وأما أصله فواجب، قال ابن بشير -رحمه الله تعالى -: لا خلاف في وجوب ستر الميت، ولا يختص الوجوب بعورته، كما يختص بالحي، وهذا معلوم من دين الأمة ضرورة، فقد نقل قولا وفعلا.
وقال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: أبو عمر وابن رشد -رحمهما الله تعالى -: الفرض من الكفن ساتر العورة، والزائد لستر غيرها سنة.
وقال ابن بشير أيضا: وأما عدده فله أقل وأكثر، فأقله ثوب ساتر لسائر الجسد، وأكثره سبعة أثواب، والزيادة سرف، لكن لا يظهر من المذهب أنه ممنوع، بل مكروه، ولا يقتصر على الأقل إلا مع الفقر، أو مع وصية الميت بالاقتصار.
إلى أن قال: في شرح ابن مزين: ويكفن مع الوجود في ثلاثة أثواب، وإن نازع الغرماء، وقاس ذلك على كسوته التي لا تباع، وينبغي أن يختلف في ذلك حال الناس، كما يختلف حالهم في حال الحياة، وإذا لم ينقص من الثلاثة للغرماء، فأحرى أن لا ينقص لحق الورثة، وكذلك قال في الرواية إن طلب الغرماء تكفينه في خشن لم يمكنوا من ذلك، وهذا ينبغي أن يختلف في حق الموتى كما أشرنا إليه في العدد.
وقال في التبصرة: يستحب أن يكون وترا، ثلاثا إلى ما فوق ذلك، سبع أو خمس، ولا يكفن في واحد، إلا أن لا يوجد غيره، والاثنان -وإن كانا شفعا -أولى من واحد، وإن كان وترا، لأن الواحد يصف، والاثنان أستر، وثلاثة أولى من أربعة، وخمسة أولى من ستة، ولا أرى أن يجاوز السبعة، لأنه في معنى السرف.
стр. 311
قوله: وذلك العدد يحسب البيت، معناه أن عدد أكفان الميت المذكور تحسب فيه العمامة، أو الخمار، والقميص، والمئزر، قال في الجواهر: إذا كفن في خمسة، فعمامة وقميص ومئزر ولفافتان سابغتان، وإن كفن في ثلاثة، فثلاث لفائف، قاله ابن القاسم، قال بعض المتأخرين: يجيء على قول مالك -رحمه الله تعالى -قميص وعمامة ولفافة، وإن كفنت في خمسة، فإزار وخمار ودرع ولفافتان، واستحب أن يشد على المئزر بعصائب من حقويها إلى ركبتيها، وإن كفنت في ثلاثة، فكالرجل.
قوله: وسيدي شفيعنا البيت، أشار به إلى أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، كما جاء في الصحيح، (١) وروي غير ذلك، وما ذكر هو الصحيح، والسحولية: منسوبة إلى سحولى: قرية باليمن، وهذا يقتضي استحباب البياض في الكفن، وفي الحديث " البسوا البُياض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم " (٢) قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: ومنع اللخمي الأزرق، والأخضر، والأسود، وقيل يكره في الجميع، قاله ابن عات، وفي المعصفر ثلاثة أقوال، الكراهة والجواز، وكلاهما لمالك، والجواز للنساء، قاله ابن حبيب.
وأما المورس والمزعفر فجائزان، لأنهما طيب، قال في الجامع: قال ابن حبيب -رحمه الله تعالى -: والقصد في الكفن أحب إلينا من المغالاة فيه، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما -أشهب: والكفن الخلق والجديد سواء.
وقال في الطراز: يجوز أن يخفف في أكفان الصغار، قال مالك في المجموعة: إذا لم تجد المرأة إلا ثوبين، لفت فيهما، وكذلك من لم يبلغ من صبي أو صبية، قال أشهب وسحنون: هذا في من راهق، فأما الصغير فالخرقة تكفيه.
стр. 312
قوله: لا بأس أن يقمص الميت البيت، يعني به أنه يستحب تقميص الميت، كما في الموطإ والواضحة، وتعميمه كما في المدونة، وقال ابن القاسم -رحمه الله تعالى -في العتبية: أحب الكفن إلي ما كفن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -فيه، ثلاثة أثواب بيض، لا يكون فيها قميص، ولا عمامة، ولا مئزر.
قوله: وجعلك الحنوط من بين الكفن البيتين، معناه أنه يستحب تحنيط الميت، وقيل يسن، فتحنط أكفانه، وموضع السجود منه، ومراقه، وعامة جسده، إن كان في الطيب سعة، قال في التاج: المازري: قال مالك - رحمه الله تعالى -: ولا بأس أن يحنط بالمسك والعنبر، وما تطيب به الحي، أشهب - رحمه الله تعالى -: يبسط أوسع أكفانه، فتذري على باطنه الحنوط، ثم يبسط ما يليه، ويذرى أيضا على باطنه الحنوط، وهكذا إلى جسده، فيذرى عليه أيضا، ابن بشير - رحمه الله تعالى -: ومحل الحنوط مواضع السجود، وهي المقدمة، ومغابن البدن ومراقه، كالآباط والأفخاذ، مما يرق جلده، ويكون محلا للأوساخ، والحواس، كالعينين والأنف والفم والأذنين، وسائر الجسد، وبين الكفن وبينه، وبين الأكفان، ولا يجعل على ظاهر الكفن، لأنه زينة، ولا معنى لها هاهنا، أشهب: وإن جعل الحنوط في لحيته ورأسه والكافور فواسع، ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: ويجعل على القطن الذي يجعل بين فخذيه، لئلا يسيل منه شيء، ويشد بخرقة إلى حجزة مئزره، سحنون - رحمه الله تعالى -: يسد دبره بقطنة، ويبالغ فيه برفق، ابن حبيب: ويسد أذنيه ومنخريه بقطنة فيها الكافور، ثم يعطف الثوب الذي على بدنه، يضم الأيسر إلى الأيمن، ثم الأيمن عليه، كما يلتحف في حياته، يفعل هكذا في كل ثوب، ثم يشد الثوب عند رأسه، وعند رجليه، ويحل عند لحده، ابن شعبان - رحمه الله تعالى -: يخاط عليه كفنه، أبو عمر - رحمه الله تعالى -: أجمعوا أن لا تخاط اللفائف.
стр. 313
٥٥٢ - ولا تغسِّلنْ شهيد المعترَكْ ... وادفِنْه في الثوب الذي فيه هلك
٥٥٣ - ولا تكن عليه ذا صلاة ... فهْو من الأحياء لا الأموات
٥٥٤ - ومن يكن لنفسه عمدا قتل ... فخلفَه كسائر الفساق صل
٥٥٥ - وهكذا من الإمام في قَوَد ... قتله أيضا، كمقتول بحدْ
٥٥٦ - لكن هنالك الامام ينهى ... عنَ اَن يصلي عليه كرها
٥٥٧ - أما اتباع ميِّتٍ بمِجمَر ... فليس مشروعا، ففعلَه ذر
٥٥٨ - والمشي قُدامَ الجنازة استُحب ... وليتأخرنْ مشيع ركب
٥٥٩ - وإن تضع ميْتا بقبر فعلى ... شقه الايمن خصوصا اجعلا
٥٦٠ - وانصب عليه لبِنا، وادع هنا ... للميت ضارعا بأن يؤمَّنا
قوله: ولا تغسلن شهيد المعترك البيتين، يعني به أن الشهيد في المعركة لا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يكفن، كما حصل في شهداء أحد، كما في الصحيح، (١) واختلف إذا لم يمت فورا، فقال مالك - رحمه الله تعالى - إن حيي حياة بينة، غسل وكفن وصلي عليه، وإن كان به رمق، وهو في غمرات الموت، فلا يغسل ولا يصلى عليه، وقال أشهب يغسل في كل ذلك ويصلى عليه، وقال سحنون - رحمه الله تعالى - إذا بقي في المعترك، وكانت له حياة بينة، حتى لا يقتل قاتله إلا بقسامة، غسل وصلي عليه، وقال ابن القصار - رحمه الله تعالى -: إذا عاش يوما أو أكثر، فأكل أو شرب، غسل وصلي عليه، قال اللخمي - رحمه الله تعالى -: فأما قول أشهب فليس بالبين، لأن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لم يصل على قتلى أحد، وهم سبعون، والغالب أن موتهم مختلف، فلم يفرق، وقد قيل إن ترك الصلاة عليهم، لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فعلى هذا يكون قول سحنون - رحمه الله تعالى - حسنا، لأنه مات بقتل العدو، فدخل بذلك في عموم الآية، بخلاف من لم تنفذ مقاتله، لإمكان أن يكون مات من غير ذلك، ولأنه لو كان ذلك القتل من مسلم، لم يقتل قاتله إلا بقسامة.
стр. 314
وقال في الجامع: ابن وهب: وقد صلى الرسول -صلى الله تعالى عليه وسلم -على شماس بن عثمان يوم أحد، بعد أن عاش يوما وليلة.
ولا فرق بين أن يكون استشهاد الشهيد في بلاد الإسلام، كما في شهداء أحد -رضي الله تعالى عنهم أجمعين -أو بدار الحرب كما هو ظاهر المدونة، وعن ابن القاسم -رحمه الله تعالى -اختصاص ذلك بالثاني، قال ابن ناجي: وظاهر كلامه -يعني الشيخ أبا محمد -ولو كان الشهيد قتل نائما، وهو قول سحنون وأصبغ، وقال أشهب: هو كغيره، لأن هذا يشبه ما فعل بعمر -رضي الله تعالى عنه -استغفله العلج وطعنه، وقد غسل وصلي عليه.
وأما المبطون، والغرق، وصاحب ذات الجنب، والمطعون، والحرق، وذو الهدم، وذات الحمل، فهم كغيرهم، يغسلون ويكفنون ويصلى عليهم، وإن كانوا شهداء (١).
стр. 315
قوله: وادفنه في الثوب الذي فيه هلك، معناه أنه يدفن في ثوبه الذي استشهد فيه، إن ستره، وإلا زيد، والأصل في ذلك خبر مصعب بن عمير - رضي الله تعالى عنه - يوم أحد، (١) قال ابن بشير - رحمه الله تعالى -: واختلف هل يزال عنه الدرع، والخفاف، والقلنسوة، والمنطقة، في المذهب قولان، أحدهما إزالتها، والثاني تركها، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم " زملوهم بثيابهم (٢) " فلهذا لم يختلف في اللباس المعتاد، والدرع، وإن سمي ثوبا لغة فلا يسمى عرفا، وبين الأصوليين خلاف في تخصيص الألفاظ، وتنزيلها على العرف، ومن يقول: لا ينتزع عنه شيء، يفهم من اللفظ دفنهم على هيئتهم من غير نقص لزيهم، حتى يجيء يوم الحشر على الحالة التي استشهد عليها، وهذا مفهوم من الحديث قطعا، ومن عول على اللفظ قال: لا يدفن إلا في الثياب خاصة.
قوله: ومن يكن لنفسه عمدا البيت، معناه أن من قتل نفسه عمدا -عياذا بالله تعالى -يغسل ويصلى عليه، كسائر أصحاب الكبائر، قال ابن يونس -رحمه الله تعالى -: قال مالك -رحمه الله تعالى -: ويصلى على قاتل نفسه، ويصنع به ما يصنع بموتى المسلمين، ويورث، وإثمه على نفسه.
стр. 316
وقال القاضي عبد الوهاب في الإشراف: لأنه ميت من أهل الإسلام، مات في غير معترك، كمن مات حتف أنفه، ولأن أحدا لا تتأتى له محض الطاعات، ولا يخلص من المعاصي، فلو منعنا الصلاة على راكب كبيرة، أو مقترف معصية، لأدى ذلك إلى أن لا يصلى على أكثر الناس من المسلمين، ولأن الصلاة على الميت إنما هي دعاء، وطلب الرحمة والمغفرة، وأحوج أهل الملة إلى الدعاء والاستغفار هذا الميت.
ويمكن أن يحتج لهذا بما اقتضاه ظاهر الآية من تعليل النهي عن الصلاة على المنافقين بالكفر، في قوله : (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون)
وهكذا الكلام في المقتول حدا أو قصاصا، ولكن لا ينبغي للإمام وأهل الفضل أن يصلوا عليه، وكذلك أهل المعاصي المتجاهرون بها، أو المشتهرون بها، غيرة لله ، وردعا لأمثالهم، ما لم تظهر توبتهم وإنابتهم، والأصل في ذلك خبر الجهنية المرجومة، فظاهر الخبر تقرير عمر - رضي الله تعالى عنه - على ما اقتضاه كلامه من عدم صلاته صلى الله تعالى عليه وسلم على أهل الكبائر، حيث أجابه صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله: " لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم " الحديث، (١) والله أعلم.
وقال ابن عبد الحكم يصلي عليهم الإمام، واحتج بصلاته صلى الله تعالى عليه وسلم على ماعز والغامدية، (٢) وإلى هذا الإشارة بقوله: وهكذا من الإمام البيتين.
قوله: أما اتباع ميت البيت، معناه أنه يكره اتباع الميت بمجمر، وقد روى مالك -رحمه الله تعالى - في الموطإ النهي عن ذلك عن أسماء بنت أبي بكر الصديق، وأبي هريرة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ.
стр. 317
قوله: والمشي قدام الجنازة البيت، معناه أن مشي مشيع الجنازة أمامها أفضل كما قال مالك - رحمه الله تعالى - في المجموعة، وقال أشهب في مدونته: هو السنة، وقد روى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبا بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - كانوا يمشون أمام الجنازة، وهذا في حق الماشي، وأما الراكب فالمشهور أن تأخره أولى، واستحب أشهب في مدونته تقدمه، ونقل في التوضيح قولا باستحباب التأخر مطلقا، وقال أبو مصعب - رحمه الله تعالى - باستواء التقدم والتأخر، قال: وكل ذلك فعله الصالحون، وهو ظاهر المدونة، وأما النساء المشيعات، فإنهن يتأخرن مطلقا.
قوله: وإن تضع ميتا بقبر البيت، معناه أن الميت يستحب أن يوضع في قبره على شقه الأيمن، موجها جهة القبلة، وتمد يمناه على جسده، ويعدل رأسه بالتراب، ورجلاه برفق، وسمع موسى: إن ذكروا بعد أن ألقوا عليه يسير التراب، أن وضعه على شقه الأيسر لغير القبلة، حول لها، وبعد فراغ دفنه لم ينبش، ابن رشد: لأن وضعه للقبلة مطلوب غير واجب، الشيخ: وقاله أشهب وسحنون، وقال أشهب: إذا وضع في لحده، قال: بسم الله وعلى ملة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - اللهم تقبله بأحسن قبول، وإن دعى بغيره فحسن، والترك واسع، وإن أدخل من القبلة أو سل من جهة رأسه من الشق الأيسر منك، وأنت في القبر فواسع، ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: من جهة القبلة أحب إلي، نقله ابن عرفة - رحمه الله تعالى -.
قوله: وانصب عليه لبنا، أشار به إلى أنه يندب سد القبر على الميت قبل أن يهال عليه التراب بلبن ونحوه، قال في التاج: ابن رشد: الأفضل في ما يجعل على الميت في قبره، اللبن، ثم الألواح، ثم القراميد، ثم الآجر، ثم الحجارة، ثم القصب، ثم سَن التراب، وسَن التراب خير من التابوت، قال ذلك ابن حبيب.
стр. 318
وقال في المواهب: قال في النوادر: ويستحب سد الخلل الذي بين اللبن.
٥٦١ - ويكره البنا على القبر معا ... تجصيصه، وإن يباه منعا
٥٦٢ - ولا يغسِّلْ مسلم من قد كفر ... وهكذا إدخاله بالقبر ذر
٥٦٣ - وإن تخف ضيعتَه فواري ... فتركُه يضيع ذو انحظار
٥٦٤ - واللحد أفضل، وهو الحفر في ... ألحائط القبلي تحت الجُرُف
٥٦٥ - فيوضع الميت هناك، حيث كانْ ... لشدة لا يتهيل المكان
٥٦٦ - وهْو الذي قد كان ذا اختيار ... من عالم الأسرار للمختار
٥٦٧ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه
стр. 319
قوله: ويكره البنا البيت، معناه أن البناء على القبور مكروه، وكذلك تجصيصها، والتجصيص قال المازري - رحمه الله تعالى -: أن تبيض بالجير، أو التراب الأبيض، قال في التبصرة: كره مالك - رحمه الله تعالى - تجصيص القبور، لأن ذلك من المباهاة وزينة الحياة الدنيا، وتلك منازل الآخرة، وليس بموضع المباهاة، وإنما يزين الميت عمله، واختلف في تسنيمها والحجارة التي تبنى عليها، فكره ذلك مالك في المدونة، وقال ابن القاسم في العتبية: لا بأس بالحجر والعود، يعرف به الرجل قبر وليه، ما لم يكتب فيه، وقال أشهب في مدونته: تسنيم القبور أحب إلي، فإن رفع فلا بأس، يريد إن زيد على التسنيم، وقال محمد بن مسلمة: لا بأس بذلك، قال: وقبر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - مسنمة، وهو أحسن، وفي البخاري ومسلم أن قبر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مسنم، وقال خارجة بن زيد في البخاري: رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان - رضي الله تعالى عنه - وإن أشدنا وثبة، الذي يثِب قبر عثمان بن مظعون - رضي الله تعالى عنه - حتى يجاوزه، وهذا الذي أراد أشهب بقوله: إن رفع، ويمنع من بناء البيوت على الموتى لأن ذلك مباهاة، ولا يؤمن ما يكون فيها من فساد، وقيل لمحمد بن عبد الحكم - رحمه الله تعالى - في الرجل يوصي أن يبنى على قبره، فقال: لا، ولا كرامة، يريد بناء البيوت، ولا بأس بالحائط اليسير الارتفاع، ليكون حاجزا بين القبور، لئلا يختلط على الإنسان موتاه مع غيرهم، ليترحم عليهم، ويجمع إليهم غيرهم.
стр. 320
قوله: ولا يغسل مسلم من قد كفر البيتين معناه أن المسلم لا يغسل وليه الكافر، ولا يصلي عليه، ولا يدخله قبره، إلا أن يخاف ضيعته فليواره، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: سمع ابن القاسم معها: لا يغسل المسلم أباه الكافر ولا يتبعه، إلا أن يخاف ضياعه فيواريه، الشيخ عن أشهب: ولا يتعمد به قبلة أحد، وروى ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: لا بأس أن يقوم بأمر أمه الكافرة، ويكفنها، ثم يسلمها لأهل دينها، ولا يصحبها، إلا أن يخشى ضياعها، فيتقدم إلى قبرها، ولا يدخلها فيه إلا أن لا يجد كافيا، وقاله ابن حبيب في الأب والأخ وشبهه، وزاد: إن لم يخش ضياعه، وأحب حضور دفنه، فليتقدمه معتزلا عنه وعن حامله، الشيخ: روى علي: إن مات ذمي ليس معه أحد من أهل دينه، وُوري لذمته، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: مفهومه لو كان حربيا فلا، وفيها: إن خيف ضياع الكفار ووروا.
قوله: واللحد أفضل الأبيات، معناه أن اللحد أفضل من الشق، والشق جائز، قال ابن بشير - رحمه الله تعالى -: ويجوز في صفة حفر القبر، اللحد والشق، وهو مساواة اتساع أعلاه لأسفله، واللحد هو الحفر في أحد الجانبين للقبر من أسفله، واللحد أفضل، لأنه صفة قبر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وقد كان صاحبان أحدهما يلحد، وآخر يشق، فلما توفي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - اتفق الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - على أن يحفر له السابق منهما، فسبق الذي يلحد، ففعل كل واحد منهما ما يختص به يدل على الجواز، لأنه لا يكاد يخفى هذا من حالهما على الرسول - صلى الله تعالى عليه وسلم - وما اختار الله له صلى الله تعالى عليه وسلم لا شك أنه الأفضل، لكن قد لا يتفق اللحد في كل تربة، فإن اتفق فهو أفضل.
ومقتضاه أن كل ما فعل به صلى الله تعالى عليه وسلم راجح، ولا يجوز أن يكون مساويا، وانظر ذلك، والله أعلم.