وقال القاضي عبد الوهاب في الإشراف: لأنه ميت من أهل الإسلام، مات في غير معترك، كمن مات حتف أنفه، ولأن أحدا لا تتأتى له محض الطاعات، ولا يخلص من المعاصي، فلو منعنا الصلاة على راكب كبيرة، أو مقترف معصية، لأدى ذلك إلى أن لا يصلى على أكثر الناس من المسلمين، ولأن الصلاة على الميت إنما هي دعاء، وطلب الرحمة والمغفرة، وأحوج أهل الملة إلى الدعاء والاستغفار هذا الميت.
ويمكن أن يحتج لهذا بما اقتضاه ظاهر الآية من تعليل النهي عن الصلاة على المنافقين بالكفر، في قوله : (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون)
وهكذا الكلام في المقتول حدا أو قصاصا، ولكن لا ينبغي للإمام وأهل الفضل أن يصلوا عليه، وكذلك أهل المعاصي المتجاهرون بها، أو المشتهرون بها، غيرة لله ، وردعا لأمثالهم، ما لم تظهر توبتهم وإنابتهم، والأصل في ذلك خبر الجهنية المرجومة، فظاهر الخبر تقرير عمر - رضي الله تعالى عنه - على ما اقتضاه كلامه من عدم صلاته صلى الله تعالى عليه وسلم على أهل الكبائر، حيث أجابه صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله: " لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم " الحديث، (١) والله أعلم.
وقال ابن عبد الحكم يصلي عليهم الإمام، واحتج بصلاته صلى الله تعالى عليه وسلم على ماعز والغامدية، (٢) وإلى هذا الإشارة بقوله: وهكذا من الإمام البيتين.
قوله: أما اتباع ميت البيت، معناه أنه يكره اتباع الميت بمجمر، وقد روى مالك -رحمه الله تعالى - في الموطإ النهي عن ذلك عن أسماء بنت أبي بكر الصديق، وأبي هريرة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ.
стр. 317
قوله: والمشي قدام الجنازة البيت، معناه أن مشي مشيع الجنازة أمامها أفضل كما قال مالك - رحمه الله تعالى - في المجموعة، وقال أشهب في مدونته: هو السنة، وقد روى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبا بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - كانوا يمشون أمام الجنازة، وهذا في حق الماشي، وأما الراكب فالمشهور أن تأخره أولى، واستحب أشهب في مدونته تقدمه، ونقل في التوضيح قولا باستحباب التأخر مطلقا، وقال أبو مصعب - رحمه الله تعالى - باستواء التقدم والتأخر، قال: وكل ذلك فعله الصالحون، وهو ظاهر المدونة، وأما النساء المشيعات، فإنهن يتأخرن مطلقا.
قوله: وإن تضع ميتا بقبر البيت، معناه أن الميت يستحب أن يوضع في قبره على شقه الأيمن، موجها جهة القبلة، وتمد يمناه على جسده، ويعدل رأسه بالتراب، ورجلاه برفق، وسمع موسى: إن ذكروا بعد أن ألقوا عليه يسير التراب، أن وضعه على شقه الأيسر لغير القبلة، حول لها، وبعد فراغ دفنه لم ينبش، ابن رشد: لأن وضعه للقبلة مطلوب غير واجب، الشيخ: وقاله أشهب وسحنون، وقال أشهب: إذا وضع في لحده، قال: بسم الله وعلى ملة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - اللهم تقبله بأحسن قبول، وإن دعى بغيره فحسن، والترك واسع، وإن أدخل من القبلة أو سل من جهة رأسه من الشق الأيسر منك، وأنت في القبر فواسع، ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: من جهة القبلة أحب إلي، نقله ابن عرفة - رحمه الله تعالى -.
قوله: وانصب عليه لبنا، أشار به إلى أنه يندب سد القبر على الميت قبل أن يهال عليه التراب بلبن ونحوه، قال في التاج: ابن رشد: الأفضل في ما يجعل على الميت في قبره، اللبن، ثم الألواح، ثم القراميد، ثم الآجر، ثم الحجارة، ثم القصب، ثم سَن التراب، وسَن التراب خير من التابوت، قال ذلك ابن حبيب.
стр. 318
وقال في المواهب: قال في النوادر: ويستحب سد الخلل الذي بين اللبن.
٥٦١ - ويكره البنا على القبر معا ... تجصيصه، وإن يباه منعا
٥٦٢ - ولا يغسِّلْ مسلم من قد كفر ... وهكذا إدخاله بالقبر ذر
٥٦٣ - وإن تخف ضيعتَه فواري ... فتركُه يضيع ذو انحظار
٥٦٤ - واللحد أفضل، وهو الحفر في ... ألحائط القبلي تحت الجُرُف
٥٦٥ - فيوضع الميت هناك، حيث كانْ ... لشدة لا يتهيل المكان
٥٦٦ - وهْو الذي قد كان ذا اختيار ... من عالم الأسرار للمختار
٥٦٧ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه
стр. 319
قوله: ويكره البنا البيت، معناه أن البناء على القبور مكروه، وكذلك تجصيصها، والتجصيص قال المازري - رحمه الله تعالى -: أن تبيض بالجير، أو التراب الأبيض، قال في التبصرة: كره مالك - رحمه الله تعالى - تجصيص القبور، لأن ذلك من المباهاة وزينة الحياة الدنيا، وتلك منازل الآخرة، وليس بموضع المباهاة، وإنما يزين الميت عمله، واختلف في تسنيمها والحجارة التي تبنى عليها، فكره ذلك مالك في المدونة، وقال ابن القاسم في العتبية: لا بأس بالحجر والعود، يعرف به الرجل قبر وليه، ما لم يكتب فيه، وقال أشهب في مدونته: تسنيم القبور أحب إلي، فإن رفع فلا بأس، يريد إن زيد على التسنيم، وقال محمد بن مسلمة: لا بأس بذلك، قال: وقبر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - مسنمة، وهو أحسن، وفي البخاري ومسلم أن قبر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مسنم، وقال خارجة بن زيد في البخاري: رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان - رضي الله تعالى عنه - وإن أشدنا وثبة، الذي يثِب قبر عثمان بن مظعون - رضي الله تعالى عنه - حتى يجاوزه، وهذا الذي أراد أشهب بقوله: إن رفع، ويمنع من بناء البيوت على الموتى لأن ذلك مباهاة، ولا يؤمن ما يكون فيها من فساد، وقيل لمحمد بن عبد الحكم - رحمه الله تعالى - في الرجل يوصي أن يبنى على قبره، فقال: لا، ولا كرامة، يريد بناء البيوت، ولا بأس بالحائط اليسير الارتفاع، ليكون حاجزا بين القبور، لئلا يختلط على الإنسان موتاه مع غيرهم، ليترحم عليهم، ويجمع إليهم غيرهم.
стр. 320
قوله: ولا يغسل مسلم من قد كفر البيتين معناه أن المسلم لا يغسل وليه الكافر، ولا يصلي عليه، ولا يدخله قبره، إلا أن يخاف ضيعته فليواره، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: سمع ابن القاسم معها: لا يغسل المسلم أباه الكافر ولا يتبعه، إلا أن يخاف ضياعه فيواريه، الشيخ عن أشهب: ولا يتعمد به قبلة أحد، وروى ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: لا بأس أن يقوم بأمر أمه الكافرة، ويكفنها، ثم يسلمها لأهل دينها، ولا يصحبها، إلا أن يخشى ضياعها، فيتقدم إلى قبرها، ولا يدخلها فيه إلا أن لا يجد كافيا، وقاله ابن حبيب في الأب والأخ وشبهه، وزاد: إن لم يخش ضياعه، وأحب حضور دفنه، فليتقدمه معتزلا عنه وعن حامله، الشيخ: روى علي: إن مات ذمي ليس معه أحد من أهل دينه، وُوري لذمته، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: مفهومه لو كان حربيا فلا، وفيها: إن خيف ضياع الكفار ووروا.
قوله: واللحد أفضل الأبيات، معناه أن اللحد أفضل من الشق، والشق جائز، قال ابن بشير - رحمه الله تعالى -: ويجوز في صفة حفر القبر، اللحد والشق، وهو مساواة اتساع أعلاه لأسفله، واللحد هو الحفر في أحد الجانبين للقبر من أسفله، واللحد أفضل، لأنه صفة قبر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وقد كان صاحبان أحدهما يلحد، وآخر يشق، فلما توفي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - اتفق الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - على أن يحفر له السابق منهما، فسبق الذي يلحد، ففعل كل واحد منهما ما يختص به يدل على الجواز، لأنه لا يكاد يخفى هذا من حالهما على الرسول - صلى الله تعالى عليه وسلم - وما اختار الله له صلى الله تعالى عليه وسلم لا شك أنه الأفضل، لكن قد لا يتفق اللحد في كل تربة، فإن اتفق فهو أفضل.
ومقتضاه أن كل ما فعل به صلى الله تعالى عليه وسلم راجح، ولا يجوز أن يكون مساويا، وانظر ذلك، والله أعلم.
стр. 321
وقد جاء في الحديث " اللحد لنا، والشق لغيرنا " رواه أبو داود والترمذي والنسائي (١).
وظاهر كلام الشيخ أبي الطاهر في اللحد استواء جانبي القبر، وما ذكره الشيخ أبو محمد من تعيين جهة القبلة، هو الذي وقفت عليه في كلام غير واحد، كابن يونس، وابن شاس، وابن عرفة، وغيرهم، رحمهم الله تعالى جميعا، والله أعلم.
стр. 322
باب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميت
٥٦٨ - وفي صلاتك على الأموات ... كبر فقط أربع تكبيرات
٥٦٩ - وارفع مع الأولى فقط، ومن رفع ... مع الجميع جاز أيضا ما صنع
٥٧٠ - ومن يشأ من بعد الاربع دَعا ... وإن تشا الدعاءَ بعدها دَعا
٥٧١ - أما سواها فالدعا من بعدُ ... مساقه لم يك منه بُدُّ
٥٧٢ - ويقف الإمام في نظير ... سُرَر الاموات من الذكور
٥٧٣ - وحيث بالأنوثة الميْتُ وُصِف ... ففي نظير منكب له يقف
٥٧٤ - وأخفِيَنْ وأفرد السلاما ... مقتديا تكون أو إماما
قوله: وفي صلاتك على الأموات البيت، أشار به إلى عدد التكبير في الصلاة على الجنازة، وقد حكى ابن رشد - رحمه الله تعالى - الإجماع على ما ذكره الشيخ - رحمه الله تعالى - من كونه أربعا، وقال القاضي أبو محمد في الإشراف: خلافا لمن قال خمس، لأن المتواتر من الأخبار أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كبر على الجنائز أربعا، على النجاشي، (١) وعلى قبر المسكينة (٢) - رضي الله تعالى عنهما - وغيرهما، وقال ابن عباس وابن أبي أوفى - رضي الله تعالى عنهم -: آخر ما كبر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أربعا، ولأن التكبير في الجنائز، جعل بإزاء عدد الركعات، فلما كان أكثر ذلك أربعا، فكذلك التكبيرات.
стр. 323
وإن زاد الإمام على أربع لم تبطل، ولا يتبع، واختلف هل ينتظر سلامه أو لا، وعليه اقتصر خليل -رحمه الله تعالى -وهو قول مالك -رحمه الله تعالى -في العتبية، والأول قوله في الواضحة، وهو قول أشهب، وإن نقص عن أربع فقال ابن حبيب: يتمها إن قرب، وإلا ابتدأ ما لم يدفن، نقله ابن عرفة -رحمه الله تعالى ـ.
وذكره بمعناه ابن بشير -رحمه الله تعالى -وقال: فإن دفن جرى على الخلاف هل يصلى عليه، أو يخرج، أو يترك، وأحرى هاهنا أن تترك الصلاة، لقول من قال بالاكتفاء بالثلاث.
قوله: وارفع مع الأولى فقط البيت معناه أن المصلي يرفع يديه مع التكبيرة الأولى فقط، كما هو قول مالك -رحمه الله تعالى -في المدونة، وروى عنه ابن وهب -رحمه الله تعالى -الرفع مع الجميع، وقال ابن القاسم -رحمه الله تعالى -في مختصر ما ليس في المختصر: حضرت مالكا -رحمه الله تعالى -غير مرة، فكان لا يرفع يديه، لا في الأولى ولا في الأخيرة، قاله في التبصرة.
وقيل يرفع مع الأولى، ويخير في ما سواها، وهو في سماع أشهب -رحمه الله تعالى - وهو ظاهر الشيخ ? رحمه الله تعالى -.
قوله: ومن يشأ من بعد الاربع دعا البيتين، أشار بأولهما إلى أن المصلي على الجنازة مخير في أن يدعو بعد التكبيرة الرابعة، وأن يسلم عقبها، من غير دعاء بعدها، وقال سحنون -رحمه الله تعالى -: يدعو بعد الرابعة، قال اللخمي -رحمه الله تعالى -: وهو أبين، والمشهور أنه لا يدعو بعد الرابعة، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: وفي غير كتاب لأصحابنا: إذا كبر الرابعة سلم، وكذلك في كتاب ابن حبيب -رحمه الله تعالى -وغيره.
وقال في التاج: أبو عمر: السنة أن يسلم إذا كبر الرابعة، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء، وعليه الناس.
هذا وما ذكره الشيخ من التخيير، قال ابن ناجي -رحمهما الله تعالى -: لم أقف عليه لغيره.
стр. 324
ولا يبعد عندي أن يكون مراده استواء القولين، واتساع العمل بكل منهما، ونحوه كثير في هذا الكتاب، والله أعلم.
وأما ثانيهما فأشار به إلى أن الدعاء بعد كل تكبيرة واجب، على ما ذكر في المواهب أنه ظاهر عياض والشبيبي وغيرهم، ومقتضى قول ابن رشد: أقل ما يجزئ في كل ركعة: اللهم اغفر له وارحمه، وقال في التوضيح: نقل ابن زرقون عن أبي بكر الوقار -رحمهم الله تعالى جميعا -أنه قال: يحمد الله في الأولى، ويصلي على النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -في الثانية، ويشفع للميت في الثالثة.
وقال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -في مختصره: وفي النوادر: إنما تقول إثر التكبيرة الأولى: الحمد، والصلاة، وهذا الدعاء إثر غيرها.
واختلف هل يقرأ قبل الدعاء بأم القرآن، وهو لأشهب، نظرا لعموم " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج " (١) ولأن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - صلى على جنازة فقرأ بأم القرآن، وقال: " ليعلموا أنها سنة " (٢) وهو مذهب الشافعي - رحمه الله تعالى - أو لا يقرأ فيها، وهو المشهور، قال في الإشراف: لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء " (٣) ولم يأمر بالقراءة، ولأنها صلاة لا ركوع فيها، فلم يكن فيها قراءة، أصله سجود التلاوة والطواف، ولأن من حق القراءة ألا تجب إلا مكررة في الصلوات الواجبة، فلما لم يتكرر في الجنازة، دل على أنها ليست بواجبة فيها، ولأن القيام ركن من أركان الصلاة، فإذا وجب منفردا لم تجب له قراءة، كسجود التلاوة، ولأنها قراءة فأشبه ما عدا الفاتحة.
стр. 325
قوله: ويقف الميت في نظير البيتين، أشار به إلى أن الإمام يقف في نظير وسط الميت، إذا كان رجلا، وفي نظير منكبيه إذا كان امرأة، كما في المدونة من عمل ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: أشهب: ويقف الإمام وسط الميت أحب إلي، وإن تيامن لصدره فحسن، الشيخ: في المدونة عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - في المرأة عند منكبيها، وروى ابن غانم وسطها، ابن شعبان: حيث شاء من الميت، اللخمي: الأحسن التيامن للصدر في الرجل مطلقا، والمرأة إذا كان عليها قبة، أو كفنها بالقطن، وإلا فوسطها، ويجعل رأسه عن يمين الإمام.
وقال في التاج: أبو عمر: اختلفت الآثار أين يقوم الإمام من الجنازة، وليس في ذلك حد لازم، من كتاب ولا سنة، فلا حرج في فعل كل ما جاء عن السلف -رضي الله تعالى عنهم -وليس قيامه صلى الله تعالى عليه وسلم منها في موضع ما، (١) يمنع من غيره، لأنه لم يوقف عليه.
стр. 326
قوله: وأخفين وأفرد السلاما البيت، معناه أن المصلي على الجنازة يسلم تسليمة واحدة خفيفة، إماما كان أو مأموما، إلا أن الإمام يسمع من يليه، قال في التاج: سمع ابن القاسم - رحمه الله تعالى - يسلم الإمام واحدة، وسمع من يليه، ومن وراءه يسلمون واحدة في أنفسهم، وإن أسمعوا من يليهم لم أر بذلك بأسا، ابن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء، فالإمام يسمع من يليه لأنهم يقتدون به، فيسلمون بسلامه، بخلاف من خلفه إنما يسلم ليتحلل من صلاته، فيسلم في نفسه، وفي سماع ابن غانم: يرد المأموم على الإمام في صلاة الجنازة، وهو تفسير لسائر الروايات، ابن يونس: قال مالك - رحمه الله تعالى - في الواضحة والعتبية: لا يرد على الإمام إلا من سمعه.
وقال أشهب -رحمه الله تعالى -في مدونته: يسلم الإمام تسليمتين عن يمينه وعن يساره، ويسلم القوم كذلك، نقله المازري في شرح التلقين، وقال: قال بعض أشياخنا: الأولى أن يكون السلام هاهنا، كما يكون في غير هذه الصلاة، فيرد المأموم على الإمام، وعلى من على شماله، لأن رد التحية فرض، يرد عليهما بعد التسليمة التي يخرج بها من الصلاة.
وإفراد السلام منقول عن جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -.
٥٧٥ - وأجر قيراط على صلاة ... ميْتٍ بالاخبار الصحاح آتي
٥٧٦ - كذاك في حضور دفنٍ، وجبَلْ ... أُحُدٍ الشامخُ جا لذا مثل
٥٧٧ - وليس في الدعاء في الصلاة ... حد محتم به أن تاتي
٥٧٨ - والشيخ قد ساق هنالك دعا ... لم يك نظمي له متسعا
стр. 327
أشار بالبيتين الأولين إلى ما في الصحيحين، من أن في الصلاة على الجنازة قيراطا من الأجر، وفي شهود دفنها قيراطا، ولفظ البخاري " من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن كان له قيراطان " قيل: وما القيراطان؟ قال: " مثل الجبلين العظيمين " قال الفاكهاني: يحتمل ظاهر هذا الحديث عندي أن يكون له بالصلاة قيراط، وشهود الدفن قيراطان، فتكون ثلاثة، نقله ابن ناجي -رحمه الله تعالى ـ.
لكن وقع في رواية عند البخاري " من اتبع جنازة مسلم ـ إيمانا واحتسابا ـ وكان معه حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط ".
وقال الحطاب في حاشيته: قال الجزولي: هل يحصل للمصلي على الجماعة من القراريط بعددهم، قال الفقيه أبو عمران: يحصل له بكل ميت قيراط واحد.
وظاهر الحديث خلافه، إلا أن يقال إن هذه الصورة من النادر الذي الأصح عدم دخوله في العموم، والله أعلم.
стр. 328
قوله: وليس في الدعاء في الصلاة البيتين، معناه أنه لا يتعين في الدعاء للجنازة لفظ بعينه، على وجه الوجوب، فبأي لفظ دعا أجزأ، قال في التاج: وفي المدونة: هل وقت فيه مالك - رحمه الله تعالى - ثناء وغير ذلك؟ قال: ما علمت أنه قال إلا الدعاء للميت فقط، وفي حديث عوف عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: " اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر أو من عذاب النار " وقال عوف - رضي الله تعالى عنه -: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت، لدعاء رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - (١) وقيل لأبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -: كيف تصلي على الجنازة؟
فقال: أحمد الله ، وأصلي على نبيه -صلى الله تعالى عليه وسلم -ثم أقول: اللهم إنه عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، (٢) قال مالك -رحمه الله تعالى -: هذا أحسن ما سمعت في الدعاء على الجنائز.
стр. 329
قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: وإن كانت امرأة قلت اللهم إنها أمتك، ثم تتمادى بذكرها على التأنيث، غير أنك لا تقول: وأبدلنها زوجا خيرا من زوجها، لأنها قد تكون زوجا في الجنة لزوجها في الدنيا، ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبغين بهم بدلا، وقد ذكر الشيخ -رحمه الله تعالى -هنا دعاء طويلا، قال ابن ناجي -رحمه الله تعالى -: ليس العمل عليه لقوله: قال عبد الحق عن إسماعيل القاضي قدر الدعاء بين كل تكبيرتين قدر الفاتحة وسورة، وقال ابن رشد -رحمه الله تعالى -: أقله: اللهم اغفر له.
قال في الكافي: والدعاء كثير، ويكره التطويل لقول رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " من أم الناس فليخفف " (١).
ويندب البدء بحمد الله ، والصلاة على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -لحديث أبي هريرة المتقدم، ولما رواه الترمذي من أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -أمر من يريد الدعاء أن يبدأ بالحمد لله ، والثناء عليه، ثم يصلي على النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -ثم يدعو (٢).
٥٧٩ - لا بأس أن تجمع في صلاة ... واحدة جمعا من الأموات
٥٨٠ - وللإمام هاهنا يلي الرجال ... بحسب الفضل، فربات الحجال
٥٨١ - والاصبيا من بعدُ شطرَ القبله ... وجاز أن تصُفَّ ذاك كلَّه
٥٨٢ - مرتبين نحو ما قبلُ خلا ... وقربنْ إلى الإمام الافضلا
٥٨٣ - وإن جمعتهم بقبر، فاجعلِ ... قبلة ذا القبر إذا للافضل
стр. 330
٥٨٤ - ومن يكن بلا صلاة وُورِي ... حتما عليه صل بالقبور
٥٨٥ - ومن يكن قبلُ عليه صُليا ... فلا تصلينْ عليه ثانيا
قوله: لا بأس أن تجمع في صلاة البيت، معناه أنه إذا تعددت الجنائز، فإن شاءوا صلوا عليهم مجتمعين، وإن شاءوا أفردوا كل ميت بصلاة، قال ابن ناجي -رحمه الله تعالى -: نص عليه غير واحد كابن شاس.
وقال في التاج: قال مالك وابن القاسم -رحمهما الله تعالى -: إذا اجتمعت جنائز لم ينبغ للإمام أن يصلي على بعضها ويؤخر بعضها.
قوله: وللإمام هاهنا الأبيات الثلاثة، معناه أنه إذا كثرت الجنائز جعل أفضلهم مما يلي الإمام، ثم جعل الذي يليه في الفضل خلفه وهكذا، ثم جعل الأصبياء من بعدهم كذلك، ثم العبيد كذلك، ثم الخناثى كذلك، ثم النساء كذلك، ويقرع في التساوي، وإن شاءوا صفوهم كلهم صفا واحدا من الجنوب إلى الشمال، وقرب إلى الإمام أفضلهم.
قوله: وإن جمعتهم بقبر البيت، معناه أنه إذا اضطر إلى جمع أموات متعددين بقبر واحد، جعل أفضلهم مما يلي القبلة، وهكذا، كما حصل في شهداء أحد -رضي الله تعالى عنهم أجمعين -ولا يجوز ذلك من غير ضرورة، وكذلك إذا جعل لكل واحد قبر، خص أفضلهم بالقبر الذي يلي القبلة، على ما قاله بعضهم.
قوله: ومن يكن بلا صلاة البيت، معناه أن من دفن من غير صلاة، يصلى على قبره على المشهور، وهو قول ابن القاسم وابن وهب ويحيى بن يحيى الليثي، وذلك لحديث المسكينة الذي أخرجه مالك -رحمه الله تعالى -في الموطإ، (١) وقيل لا يصلى عليه في قبره، واختلف القائلون به، فمنهم من قال يخرج إن لم يخف تغيره، وهو لسحنون، ومنهم من قال يدعون عنده وينصرفون، قاله ابن ناجي -رحمه الله تعالى ـ.
٥٨٦ - وصلينْ إن تجد أكثرَ الجسد ... واختلفوا إذا وجدتَ نحوَ يدْ
٥٨٧ - ولا تصلينْ على سِقْطٍ ولا ... تدفِنْه بالدور فذاك استثقلا
٥٨٨ - وغسْلُ مرأةٍ سليلَ سبعِ ... ليس بمحرم خلا من منع
стр. 331
٥٨٩ - أما الصبية فغَسْلها الرجال ... عنه نهوا هنا على أية حال
٥٩٠ - وفي التي لا تشتهى بعض السلف ... أرخص، والأحب ما قبلُ سلف
قوله: وصلين إن تجد أكثر الجسد البيت، معناه أن الميت إذا وجد أكثر جسده، غسل وصلي عليه، واختلف إذا وجد منه ما هو دون ذلك، فقيل يصلى عليه مطلقا، وقيل يصلى عليه إن كان رأسا، لا إن كان غيره، وقيل يصلى عليه إن بلغ النصف، أو الجل مجتمعا لا متفرقا، وقيل مجتمعا أو متفرقا، نقله ابن عرفة -رحمه الله تعالى ـ.
قال في التاج: قال ابن رشد -رحمه الله تعالى ـ: المعنى في ذلك -يعني عدم الصلاة على ما دون الجل -أنه لا يصلى على غائب.
والصلاة على الغائب مكروهة عندنا، وصلاته صلى الله تعالى عليه وسلم على النجاشي قضية عين لا عموم لها، وعدم صلاته صلى الله تعالى عليه وسلم طول عشر سنين أو أكثر على غيره -رضي الله تعالى عنه -مع كثرة من توفي، قرينة ظاهرة على أن صلاته عليه كانت لمعنى خاص، وعمل الخلفاء من بعده دال على أنهم فهموه على ذلك، والله أعلم.
قوله: ولا تصلين على سقط البيت، معناه أن السقط -وهو الذي ولد ميتا -تكره الصلاة عليه -قال ابن شهاب -رحمه الله تعالى -: السنة أن لا يصلى على السقط، وكره مالك -رحمه الله تعالى -دفنه بالدور، القابسي: لأنه لا يؤمن عليه أن ينبش مع انتقال الأملاك، وقال الإبياني: جائز أن يدفن الرجل في داره، نقله في التاج.
ويغسل عن السقط ما عليه من الدم، ويلف في خرقة، ويدفن.
قوله: وغسل مرأة سليل سبع البيت، معناه أنه يجوز للمرأة تغسيل الصبي الذي ليس بمحرم، إذا كان ابن سبع سنين وشبهه، كما في المدونة، إذ يجوز لها مسه وهو حي،
قال ابن عرفة: الشيخ: وروى ابن وهب: وابن تسع، اللخمي: المناهز كالكبير.
стр. 332
قوله: أما الصبية البيتين، معناه أن تغسيل الرجل للصبية التي ليست بمحرم، منهي عنه تحريما، وإن صغرت جدا، وهذا قول ابن القاسم -رحمه الله تعالى -وقيل إن صغرت جدا جاز، وهو رواية ابن حبيب في الواضحة عن مالك -رحمهما الله تعالى -وقال أشهب -رحمه الله تعالى -يجوز له تغسيلها ما لم تشته، والله أعلم.
وينبغي أن لا يصلى على الميت في المسجد، للأحاديث الكثيرة الصريحة في أنه صلى الله تعالى عليه وسلم إنما كان يصلي على الجنائز في المصلى، وقد كان قريبا من المسجد، إلا ما كان من صلاته على ابني بيضاء - رضي الله تعالى عنهما - (١) فإن كان لمعنى خاص من مطر ونحوه فذلك، وإلا فالأغلب المتأخر أحق بالتقديم، وسواء في ذلك كان الميت في المسجد أو لا، فقد جاء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نعي له النجاشي، فخرج بالناس إلى المصلى، (٢) فعدوله عن المسجد مع ما جاء فيه من التضعيف قرينة على مرجوحية إيقاعها في المسجد، خاصة مع عدم وجود الجنازة والأمن من تلويث المسجد، والله أعلم.
стр. 333
باب في الصيام
قال القاضي في التنبيهات: أصل الصوم في اللغة الإمساك، قال الله : (إني نذرت للرحمن صوما) أي: إمساكا عن الكلام، قال الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمه
أي: ممسكة عن الصهيل والحركة، وقال بعضهم في هذا البيت: معناه خيل لم تعط علفا، فهو من معنى الصيام المعهود، وقال: إذا صام النهار، وقفت أفياؤه عن النقصان والزيادة، وأمسكت شمسه لرأي العين عن الحركة، وهو في عرف الشرع: إمساك مخصوص، عن أفعال مخصوصة، في أوقات مخصوصة، نقله في شفاء الغليل.
٥٩١ - هذا وشهر رمضان صومه ... عند الجميع بدَهِيٌّ حتمه
٥٩٢ - لرؤية الهلال صم وأفطرا ... لو عن ثلاثين نهارا قصرا
٥٩٣ - وإن يك الشهر عليك غُمّا ... فللثلاثين إذا أَتِمَّا
стр. 334
٥٩٤ - وبيِّتنْ بأول الشهر الصيام ... وبعد ذا التبييت ليس ذا انحتام
٥٩٥ - وأتمم الصوم إلى اليل، وإن ... جزمتَ باليل ففطرا عجِّلَنْ
٥٩٦ - فذا من السنة، والسحور ... سنته عندهم التأخير
٥٩٧ - لكن إذا شككت في الفجر ذرِ ... الاكل إذا على المقال الاشهر
قوله: هذا وشهر رمضان البيت، معناه أن وجوب صيام شهر رمضان، معلوم، كتابا وسنة وإجماعا، فهو ركن من أركان الإسلام، كما في حديث " بني الإسلام على خمس " (١) فذكر منها الصوم، فمن جحد وجوبه فهو مرتد، ومن امتنع من صومه مع الإقرار بوجوبه، قتل حدا، على المشهور من مذهب مالك، قال ابن عرفة: صوم رمضان واجب، جحده وتركه كالصلاة، قاله في المواهب.
ورمضان قيل إنه مشتق من الرمض، وهو شدة وقْع الشمس على الرمل وغيره، ويجمع على رمضانات وأرمضاء، ويقال إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، فسمي بذلك، قاله الجهري.
قوله: لرؤية الهلال البيتين معناه أن الصوم يجب برؤية شهر رمضان، كما يجب الفطر برؤية شوال، سواء كانت رؤيته بعد ثلاثين ليلة، أو بعد تسع وعشرين، فإن لم يروه أكملوا عدة الشهر الأول ثلاثين ليلة، ثم صاموا أو أفطروا وجوبا، ويثبت الشهر بالرؤية المستفيضة، وبشهادة عدلي شهادة بها، وإن لم يره غيرهما، ولو كان ذلك بمصر، اتفاقا إذا كان صغيرا مطلقا، أو كبيرا وغيمت السماء، فإن كانت مصحية فكذلك على المشهور، خلافا لسحنون - رحمه الله تعالى - لأن انفرادهما في تلك الحال بالرؤية موضع ظنة، ولا تقبل شهادة ظنين، وانظر هل في معنى ذلك بالأحرى اتصال خبر القطر، وهو الظاهر، والله أعلم.
стр. 335
والشاهد الواحد كالعدم، ولو كان مثل عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه -وذهب محمد بن مسلمة إلى قبول شهادة رجل وامرأتين، وقال أشهب -رحمه الله تعالى -في المبسوط: تقبل شهادة رجل وامرأة، ولا يلتفت إلى قول أهل الحساب، قال ابن بشير -رحمه الله تعالى -: وركن إليه بعض البغداديين في الغيم.
قال في المواهب: ولو شهد عدلان برؤية الهلال، وقال أهل الحساب: إنه لا تمكن رؤيته قطعا، فالذي يظهر من كلام أصحابنا أنه لا يلتفت إلى قول أهل الحساب، وقال السبكي وغيره من الشافعية: إنه لا تقبل الشهادة، لأن الحساب قطعي، والشهادة ظنية، والظن لا يعارض القطع، ونازع في ذلك بعض الشافعية، والله أعلم.
وسيأتي الكلام إن شاء الله في آخر الكتاب على علم الحساب.
والوجه في ما تضمنه البيتان، خبر الموطإ وغيره " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين (١) " وأن الأصل في الشاهد في غير المال، وما يخفى على الرجال اشتراط الذكورة والتعدد، مع حديث " فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا " (٢)
قوله: وبيتن بأول الشهر الصيام، معناه أنه يجب تبييت الصوم عند أول ليلة من رمضان وغيره من الصيام الواجب التتابع، قال مالك -رحمه الله تعالى -: والتبييت أن يطلع الفجر وهو عازم على الصيام، قال: وإذا بيت أول الليل الصوم فليس عليه أن يكون ذاكرا لذلك إلى الفجر، نقله في المواهب.
стр. 336
وذلك لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له " (١) قال ابن ناجي -رحمه الله تعالى -: وذهب ابن الماجشون وأحمد بن المعدل إلى أنه لا يفتقر إلى النية، وقال ابن رشد -رحمه الله تعالى -: والذي يوجبه النظر أن إيقاع النية قبل غروب الشمس من ليلة الصوم، لا يصح، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من اليل "
قوله: وبعد ذا التبييت ليس ذا انحتام، معناه أنه لا يجب تبييت النية في كل ليلة، في حق من تجب عليه متابعة الصوم، وهو الحاضر الصحيح، على المشهور، ولكن يندب له ذلك، وروي عن مالك -رحمه الله تعالى -أيضا وجوب التبييت كل ليلة، قال في البيان: وهو شذوذ في المذهب، نقله في المواهب.
وأما المسافر والمريض الذي لا يجب عليه الصوم، إذا أراد الصوم، فيجب عليهما التبييت كل ليلة على المشهور أيضا، والوجه في ما ذكر من التفصيل أن وجوب السرد، يصير به الشهر مثلا قربة واحدة، فتكفي فيه نية واحدة والله أعلم.
قوله: وأتمم الصوم إلى اليل، معناه أنه يجب إتمام الصوم إلى اليل، كما قال : (ثم أتموا الصيام إلى اليل) قال الباجي -رحمه الله تعالى -: وجوب الإمساك إلى اليل، يقتضي وجوبه إلى أول جزء منه، غير أنه لا بد من إمساك جزء منه، ليتيقن إكمال النهار.
قوله: وإن أيقنت باليل ففطرا عجلن إلى قوله: الأشهر، معناه أنه يندب للصائم إذا تيقن الغروب أن يعجل بالفطر، وينبغي له أيضا أن يؤخر السحور ما لم يشك في الفجر، فإذا شك في الفجر حرم الأكل على المشهور.
стр. 337
والأصل في ندب تعجيل الفطر، وتأخير السحور، حديث " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر (١) " وحديث " فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أُكلة السحور (٢) " وروى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ: من عمل النبوة تعجيل الفطر والاستيناء بالسحور " قال ابن العربي - رحمه الله تعالى -: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على شيء يسير، لا يشغله عن الصلاة، وقال الجزولي: إنه يفطر بالشيء اليسير، ويصلي، وحينئذ يأكل، لأنه يستحب له تعجيل الفطر قبل الصلاة ولو بالماء، وروى ابن عبد البر في التمهيد عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: ما رأيت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يصلي حتى يفطر، ولو على شربة ماء، وروى أنس - رضي الله تعالى عنه - أيضا أنه كان بين سحوره صلى الله تعالى عليه وسلم وقيامه للصلاة قدر خمسين آية، (٣) ويستحب للصائم أن يفطر على رطبات، فإن لم يجد فتمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء، لما في سنن أبي داود عن أنس - رضي الله تعالى عنه - من أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يفعل ذلك، (٤) وأن يدعو عند فطره بما جاء في الأخبار عنه صلى الله تعالى عليه وسلم نحو " اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت " (٥) " ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى " (٦)
ويكره تأخير الفطر إذا فعله استنانا وتدينا، وأما لغير ذلك فلا، قال ابن حبيب -رحمه الله تعالى -: كذا قال لي أصحاب مالك -رحمه الله تعالى -نقله في التاج.
стр. 338
وهذا كله بعد تحقق الغروب، ويحرم الفطر اتفاقا مع الشك فيه، والمشهور أيضا حرمة الفطر مع الشك في الفجر، وعليه حمل أبو عمران وغيره المدونة، وقيل لا يحرم ولكن يكره، وعليه حمل اللخمي -رحمه الله تعالى -المدونة، وقال ابن حبيب ـ رحمه الله تعالى ـ يجوز من غير كراهة، واختار اللخمي ـ رحمه الله تعالى ـ وجوب الإمساك مع الغيم، واستحبابه مع الصحو.
٥٩٨ - ولا تصم للاحتياط يوما ... شك، وإن صادفتَ فاقض حتما
٥٩٩ - وصومه قاصدا التطوعا ... أو قاصدا به القضاء اتسعا
٦٠٠ - وإن نهارا ثبت الشهر لزم ... إمساكه كذا القضاء قد حُتم
٦٠١ - وإن يكن من قبل الامساك لمِ ... يُصِب شرابا مثلا أو يطعم
قوله: ولا تصم للاحتياط يوما شك، معناه أن صوم يوم الشك احتياطا لرمضان منهي عنه، واختلف هل النهي عنه نهي كراهة، أو نهي حرمة، قال في التوضيح: وظاهر الحديث التحريم، (١) وهو ظاهر ما نسبه اللخمي لمالك - رحمهما الله تعالى - لأنه قال: ومنعه مالك، وفي المدونة: ولا ينبغي صيام يوم الشك، وحملها أبو الحسن على المنع، وفي الجلاب: يكره صوم يوم الشك، وقال ابن عطاء الله: الكافة مجمعون على كراهة صومه احتياطا، ونحوه في ابن فرحون، وزاد: وأجازت صومه احتياطا عائشة وأسماء، وأجازه ابن عمر وابن حنبل في الغيم دون الصحو، وقال ابن مسلمة يكره أن يؤمر الناس بفطره، لئلا يظن أنه يجب عليهم فطر قبل الصوم، كما وجب بعده، نقله في المواهب.
ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان، إذا كانت السماء مغيمة، ولم تثبت رؤية الهلال، وأما إذا كانت مصحية ولم ير فهو من شعبان بلا شك، ويكره صيامه أيضا احتياطا، كما تقدم في كلام ابن فرحون.
стр. 339
قوله: وإن صادفت فاقض حتما، معناه أنه إذا صام يوم الشك احتياطا، ثم تبين أنه من رمضان لم يجزه عن ذلك اليوم، على المشهور لعدم جزمه قبل الفجر بأنه من رمضان.
قوله: وصومه قاصدا التطوعا البيت، معناه أن صيام يوم الشك تطوعا جائز، لأنه يوم من شعبان لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " فالنهي عندهم مخصوص بصومه احتياطا لرمضان، لما في ذلك من الغلو، ولقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:" إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه " (١) كما في التاج، ونقل عن ابن مسلمة كراهة صومه مطلقا، وقال الباجي - رحمه الله تعالى -: يكره صومه إلا لمن شأنه سرد الصوم، ووجهه ظاهر الحديث المتقدم، وأما صومه قضاء فليس بمكروه اتفاقا، والله أعلم.
قوله: وإن نهارا ثبت الشهر لزم إمساكه، معناه أنه إذا ثبت كون اليوم من رمضان بعد طلوع الفجر وجب الإمساك عما يحرم على الصائم، وإن أفطر بعد علمه بثبوته فلا كفارة عليه، إلا أن يفعل ذلك منتهكا لحرمته عالما بما على متعمد الفطر فيه، فتلزمه الكفارة، قاله مالك -رحمه الله تعالى -في المدونة.
قوله: كذا القضاء قد حتم، معناه أنه يجب على المكلف قضاء ذلك اليوم، لعدم النية، وإن لم يكن حصل منه بعد الفجر ما ينافي الصوم، من أكل أو شرب، ونحوهما، خلافا لابن الماجشون وصاحبه أحمد بن المعدل حيث أسقطا عنه القضاء إذا لم يتعاط مفطرا بعد الفجر، بناء على مذهبهما من عدم افتقار الصوم المعين إلى النية، لأنه منوي قبل ذلك، والله أعلم
٦٠٢ - ومسك باقي اليوم ليست تؤمر ... به التي من بعد فجر تطهر
٦٠٣ - كذا إذا قدم من قد سافرا ... بعد انصداع الفجر أيضا مفطرا
٦٠٤ - ومن يصم تطوعا وأفسدا ... عامدا أو لسفر له بدا
٦٠٥ - فليقضينْ تحتما، ولا قضا ... على الذي سها به أو مرضا
٦٠٦ - وفي الفريضة إذا ما يطعم ... بأي وجه القضاء يلزم
стр. 340
قوله: ومسك البيت، معناه أن المرأة إذا كانت حائضا أو نفساء، فطهرت في نهار رمضان، ولو بفور طلوع الفجر، فليست مأمورة بإمساك بقية اليوم، لا وجوبا ولا استحبابا، وكذلك غيرها من ذوي الأعذار، كالمريض يصح، والمسافر يقدم، والمجنون يفيق، واختلف في المغمى عليه يفيق، للخلاف في إجزائه عنه، واختلف كذلك في المضطر هل يلزمه الإمساك بقية يومه، والمشهور أنه لا يؤمر بذلك، وبه قال جمهور أهل العلم، كما قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى ـ.
ونقل ابن محرز عن مالك في الذي يعالج من صنعته فيعطش، فيفطر، فقال: لا ينبغي للناس أن يتكلفوا من علاج الصنعة بما يمنعهم من الفرائض، وشدد في ذلك، قال ابن محرز: يحتمل أن يكون إنما شدد في ذلك لمن كان في كفاية من عيشه، أو كان يمكنه من التسبب ما لا يحتاج معه إلى الفطر، وإلا كره له، بخلاف رب الزرع فلا حرج عليه، وفي نوازل البرزلي: الفتوى عندنا أن الحصاد المحتاج له الحصاد، وإن أدى إلى الفطر، وإلا كره له بخلاف رب الزرع، فلا حرج عليه مطلقا، لحراسة ماله، وقد نهى عن إضاعة المال، نقله في التاج.
وقوله: بعد انصداع، الظرف فيه متعلق بفعل قدم.
قوله: ومن يصم تطوعا البيتين، معناه أن من صام يوما تطوعا، وجب عليه إتمامه، ولا يجوز له أن يفطر إلا من ضرورة، وعليه القضاء إن أفطره، وأما الناسي والمكره ومن لحقه من الجوع أو العطش أو الحر ما يخاف معه تجدد مرض أو زيادته، أو تأخر برئه فلا شيء عليه، وكذا من عزم عليه والداه أو أحدهما رقة عليه، لإدامة صومه، واختلف في السفر، فروى ابن حبيب أنه عذر مسقط للقضاء، ومذهب المدونة أنه ليس بعذر، وهو المشهور، وذهب الشافعي إلى جواز فطر المتطوع مطلقا.
стр. 341
قوله: وفي الفريضة البيت معناه أن من أفطر في رمضان وغيره من الصيام الواجب المضمون يجب عليه قضاؤه، بأي وجه أفطره، وأما الواجب المعين غير رمضان، فيقضيه في النسيان على المشهور، وبالسفر اتفاقا، ولا يقضيه بالمرض أو الحيض أو النفاس.
٦٠٧ - لا بأس بالسواك كل اليوم ... إن لم يكن بمفسد للصوم
٦٠٨ - ولا قضا بالقيء حيث ذرْعا ... كان بعكس ما يجي باستدعا
٦٠٩ - وليس تكره حجامةٌ لَّهْ ... إلا لخشية حصول علهْ
قوله: لا بأس بالسواك البيت، معناه أن السواك جائز للصائم عامة يومه، بل مندوب للأحاديث المرغبة في السواك جملة، فظاهرها العموم في الصائم والمفطر، لكن لا ينبغي للصائم أن يستاك بالعود الرطب، قال مالك في المدونة: لا بأس بالسواك أول النهار وآخره بعود يابس، وإن بله بالماء، وأكرهه بالعود الرطب، خوف تحلله، نقله في التاج.
ويحرم السواك بالعود الذي يتحلل، وإن وصل لحلقه كفر، وذلك هو قوله: إن لم يكن البيت، وذهب الشافعي -رحمه الله تعالى -وأشهب في رواية البرقي عنه إلى كراهة السواك للصائم بعد الزوال، لحديث الخلوف، (١) وقد أجيب عنه بأن الخلوف من قبل الجوف، والسواك لا يذهبه، وبالغ ابن العربي -رحمه الله تعالى -في إنكار اقتضاء الحديث الأمر بإبقائه، والله أعلم.
قوله: ولا قضا بالقيء البيت، معناه أنه لا قضاء في ذرْع القيء، أي غلبته إذا لم يرجع منه شيء إلى جوفه بعد إمكان طرحه، فإن رجع عمدا أفسد، وإن رجع غلبة، فروى ابن أبي أويس أنه يقضي، وإن رجع سهوا، فروى ابن شعبان أنه لا يقضي، وخرج اللخمي قول كل منهما في مسألة الآخر.
وأما إذا قاء باستدعاء بأن استقاء فقاء، فصومه فاسد، ويجب عليه قضاؤه على ظاهر الشيخ، وحمل عليه أبو يعقوب المدونة، وحملها الأبهري على استحباب القضاء، وقيل يقضي في الفرض دون التطوع.
стр. 342
قوله: وليس تكره البيت، معناه أن الصائم لا تكره له الحجامة والفصادة إلا إذا خشي أن يضعفه ذلك، بأن يعلم ذلك أو يجهل الحال، فتمنع له في الأول، وتكره له في الثاني ما لم يخش الضرر بالتأخير، فتجوز مطلقا، وأما من علم من نفسه السلامة فتجوز له على المشهور، وقيل تكره، وإن احتجم من يخشى بالحجامة ضعفا، ثم احتاج إلى الفطر فأفطر فلا كفارة عليه، لأنه لم يتعمد الفطر، والله أعلم.
٦١٠ - وإن على الجنين بالصيام ... حبلى تخفْ، تفطرْ بلا إطعام
٦١١ - كمرضع تخشى اعتلال الولد ... وقد أبى الأظآر أو لم توجد
٦١٢ - لكنها تطعم، والإطعام ... لمفطر عن كبر يعتام
٦١٣ - والقصد بالإطعام إعطا ذي افتقار ... أسلم مدا معْ قضا كلِّ نهار
٦١٤ - وواجب إطعام من فرط في ... قضاء بعض رمضان السالف
٦١٥ - حتى انقضى شعْبان دون سبب ... هنا لتأخير القضاء موجِب
قوله: وإن على الجنين البيت، أشار به إلى أن الحامل إذا أفطرت لأجل الحمل، لا تؤمر بالإطعام لا وجوبا ولا ندبا على المشهور، ونقل سحنون من موطإ ابن وهب بالتأويل وجوبه عليها، وقال أشهب تطعم استحبابا، لا وجوبا، وقيل غير ذلك، والحامل إذا كانت تخاف بالصوم على نفسها، أو على جنينها، هلاكا أو شديد أذى، وجب عليها الفطر، وإن كان يجهدها ويشق بها، إلا أنها لا تخاف على نفسها، ولا على جنينها لم يجب عليها الصوم ولا الفطر، بل هي بالخيار، وإن كانت لا تخاف منه على نفسها ولا على جنينها، وكان لا يجهدها ولا يشق بها، وجب عليها الصوم نقله سيدي زروق - رحمه الله تعالى ـ.
стр. 343
قوله: كمرضع، إلى قوله: لكنها تطعم، معناه أن المرضع إذا كانت تخاف بالصوم على نفسها، أو على ولدها، ولم تجد من تستأجر على إرضاعه، أو لم يقبل رضاع غيرها، أو قبله ولم يوجد مال يستأجر به، وجب عليها الفطر، والإطعام كما في المدونة، وفي مختصر ابن عبد الحكم أنها لا تطعم، قال اللخمي -رحمه الله تعالى -: وهو أحسن، قياسا على المريض والمسافر، قال: والحامل والمرضع كلاهما أعذر من المسافر، نقله في التاج.
وإن كانت لا تخاف بالصوم على نفسها ولا على ولدها، إلا أنه يجهدها، جاز لها الفطر مع الإطعام على الخلاف المتقدم، فصومها جار على التفصيل المتقدم في الحامل، عند تعذر إرضاع غيرها والله أعلم.
قوله: والإطعام لمفطر لكبر يعتام، معناه أن الهرم الذي لا يقدر على الصوم في زمن من الأزمنة، يستحب له الإطعام كما في الموطإ، وهو المشهور، وقيل يجب عليه، وقيل لا يؤمر به أصلا لا وجوبا ولا استحبابا، وهو ظاهر كلام اللخمي -رحمه الله تعالى ? وأما الذي يقدر على الصوم في زمن من الأزمنة فيؤخر إليه، ولا قائل بإطعامه في المذهب، كما نقل في المواهب.
قوله: والقصد بالإطعام البيت معناه أن المراد بالإطعام في ما سبق إطعام مد بمده صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو ملء اليدين المتوسطتين من معتدل الأعضاء، مع القضاء في حق من يقضي، وهو الحامل والمرضع، على الخلاف المتقدم.
стр. 344
قوله: وواجب إطعام من فرط البيتين، معناه أن الفدية واجبة عن كل يوم، على من فرط في قضاء ما أفطره من رمضان، بأن أخره اختيارا مع إمكان القضاء في شعبان، حتى دخل عليه رمضان الآخر، وهي الإطعام المتقدم ذكره في البيت قبل، قال في التاج: من المدونة: قال مالك - رحمه الله تعالى -: من أفطر في رمضان لمرض، أو سفر، ثم صح، أو قدم قبل دخول رمضان الثاني بأيام أقل من شهر، أو شهر، فلم يصمها حتى دخل عليه رمضان المقبل، فعليه عدد هذه الأيام التي فرط فيها أمدادا يفرقها، إذا أخذ في القضاء أو بعده، وإن تمادى به المرض أو السفر إلى رمضان الثاني، فليصم هذا الداخل، ثم يقضي الأول ولا إطعام عليه، لأنه لم يفرط، يريد وكذلك لو صح أو قدم بعد خروج رمضان، فتمادت به الصحة، أو الإقامة، حتى دخل شعبان، فمرض كله، أو سافر فيه، فلا إطعام عليه، لأن له أن يؤخر القضاء إلى شعبان، وهذا كمن أخر الظهر والعصر إلى قدر خمس ركعات من النهار، ثم أغمي عليه، أو حاضت امرأة، فإنها لا قضاء عليها لذلك، إذ الوقت قائم بعد، فكذلك هذا.
وقد جاء عن عائشة -رضي الله تعالى عنها -أنها كانت تؤخر القضاء لشعبان، لمكان رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم ـ (١).
هذا ولا تتعدد الفدية بتعدد رمضان على المشهور، ولا يجزئ الإطعام قبل وجوبه، وذلك بحيث يكون ما بقي من شعبان كافيا للقضاء، وإخراجه بعد الوجوب قبل القضاء مجزئ، ولكن المستحب أن يطعم مسكينا كل ما صام يوما، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: ومصرفها مسكين واحد، وفيها: لا تجزئ أمداد كثيرة لمسكين واحد، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: يريد من رمضان واحد، لأن فدية أيام الرمضان الواحد، كأمداد اليمين الواحدة، والرمضانان كاليمينين.
٦١٦ - وصوم الاصبياء غير فرض ... إلى احتلام أو مجيء حيض
٦١٧ - وعند ذاك عمل الأبدان ... يفرض كله على الصبيان
٦١٨ - وحائض تطهر قبل الفجر ... يصح صومها بدون طهر
стр. 345
٦١٩ - ومثل ذا لجنب قد حلا ... لكن ذلك خلاف الاولى
قوله: وصوم الأصبياء البيتين، معناه أن الصبي لا يجب عليه الصوم، بل لا يجب عليه شيء أصلا، لما في الحديث من رفع القلم عنه حتى يحتلم، (١) وهو محمول على الاحتلام المعتاد، فإذا احتلم الغلام في سن من لا يقع له ذلك عادة، لصغر لم يعتد به، وكذلك محيض الجارية، قاله سيدي زروق - رحمه الله تعالى - قال: ومن لم يحتلم ففي الحكم باحتلامه ثلاثة، لابن وهب خمس عشرة سنة، ولابن القاسم سبع عشرة، وعنه ثمان عشرة، وهو المشهور، قاله المازري - رحمه الله تعالى - وفي كون الإنبات علامة قولان، وهما في المدونة، وفي كتاب السرقة منها: أصغى مالك - رحمه الله تعالى - إلى الاحتلام، حين كلمته بالإنبات، وقال يحيى بن عمر: وهذا في ما يلزم في الحكم الظاهر، من طلاق وحد ونحوه، وفي ما بينه وبين الله لا يلزمه، قالوا ويصدق فى الاحتلام ما لم تكن ريبة.
والمشهور أن الصبي لا يؤمر بالصوم، وإنما يؤمر بالصلاة للحديث في ذلك، وقال أشهب يؤمر به استحبابا إذا أطاقه.
وقول الشيخ -رحمه الله تعالى -: وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان فريضة، قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: فيه تنبيه على أن أعمال غير الأبدان لا يشترط فيها البلوغ، كالزكاة ونحوها.
قوله: وحائض تطهر البيت، معناه أن الحائض إذا انقطع عنها الدم قبل الفجر -وإن بلحظة -وجب عليها الصوم، ويصح صومها مع عدم غسلها، خلافا لمن قال يقدر لها الطهر كالصلاة، ولمن قال لا يصح منها حتى تغتسل بالفعل قبل الفجر، وعلى المشهور إن شكت في تقدم الطهر على الفجر، وجب صوم اليوم وقضاؤه.
стр. 346
قوله: ومثل ذا لجنب البيت، معناه أن ما ذكر من صحة الصوم مع عدم الاغتسال جار في الجنب أيضا، قال أشهب - رحمه الله تعالى -: ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، لحديث عائشة وأم سلمة -رضي الله تعالى عنهما -أنهما قالتا: كان رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -يصبح جنبا من جماع يدركه الفجر ولم يغتسل، فيغتسل ويصوم، (١) نقله سيدي زروق -رحمه الله تعالى ? وقد اقتضت ذلك آية البقرة أيضا، (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) فالظرف صادق بآخر جزء من اليل الذي لا يتأتى غسل بينه وبين الفجر.
٦٢٠ - وصوم يوم الفطر والنحر على ... سائر الاحوال اتفاقا حظلا
٦٢١ - ويومي النحر الاخيرين امنعا ... صومَهما إلا لمن تمتعا
٦٢٢ - وهكذا انْه عن صيام الرابع ... أيضا إذا ما صيم للتطوع
٦٢٣ - لا إن يكن من قبل ذاك في صيام ... واجبِ سرْدٍ، أو يصمْه للتزام
معنى الأبيات أن صيام يومي العيدين عيد الفطر وعيد الأضحى ممنوع باتفاق، لحديث الصحيح " لا صيام في يومين يوم الأضحى ويوم الفطر من رمضان " (٢) وأما اليومان الذان يليان يوم النحر، فالمشهور في صيامهما المنع أيضا، إلا للمتمتع الذي لا يجد هديا، ومن في معناه، للآية الكريمة (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج) الآية
وروي عن مالك -رحمه الله تعالى -النهي عن صيامهما مطلقا، والأصل في منع صيامهما قوله -صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " أيام التشريق أيام أكل وشرب " (٣)
واختلف في الرابع، والمشهور كراهة صومه، إلا لمن كان في صيام متتابع، أو من نذر صومه، وهو المراد بقوله: أو يصمه للتزام، أي نذر.
٦٢٤ - ومَن نهارَ رمضانَ يفطرِ ... سهوا قضى فقط، ولم يكفر
٦٢٥ - ومن يكن أفطره لضر ... من مرض فذاك فيه يجري
٦٢٦ - ومن يكن سفرَ قصر سافرا ... جاز بلا ضرورة اَن يفطرا
٦٢٧ - والصوم عندنا مع اقتدار ... عليه أفضل من الإفطار
стр. 347
٦٢٨ - ومن يسافر سفرا أقلا ... من سفر القصر، فظن حِلا
٦٢٩ - فطرٍ، فأفطر لذلك، فلا ... يطلب بالتكفير إذ تأولا
٦٣٠ - ومن على تأوُّلٍ قدَ اَفطرا ... ليس مطالبا بأن يكفرا
٦٣١ - وإنما التكفير في تعمد ... أكلٍ، أو الشراب، أو وطء قدي
قوله: ومن نهار رمضان البيت، معناه أن من أفطر في نهار رمضان ساهيا، فعليه القضاء دون الكفارة، قال ابن ناجي -رحمه الله تعالى -: ما ذكر من وجوب القضاء هو المعروف، وقال عياض -رحمه الله تعالى -: مشهور مذهب مالك -رحمه الله تعالى -قضاء من أفطر في رمضان ناسيا، فظاهره أن في المذهب قولا بأنه لا يقضي، وهو غريب.
ولا فرق في من أفطر ناسيا بين أن يكون فطره بجماع أو غيره، خلافا لابن الماجشون - رحمه الله تعالى -في الأول، حيث قال يكفر، وهو مذهب الشافعي وأحمد، لعدم استفصاله صلى الله تعالى عليه وسلم للأعرابي الذي قال: " هلكت وأهلكت " وأجيب بأن قرائن حاله ومقاله تقتضي أنه تعاطى ذلك على وجه العمد، وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم القضاء في الفطر ناسيا، لظاهر حديث الصحيح " من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه. " (١)
стр. 348
ولم ير مالك - رحمه الله تعالى - وأصحابه سقوط قضاء الصوم عمن أفطر ناسيا، وكأنهم راعوا في ذلك الاحتياط وأن الأصل عمارة الذمة، فلا ينتقل عنه إلا بأمر واضح في خلافه، والذي في الحديث إسناد الإطعام والسقي إلى الله ، بمعنى أن الناسي في معنى من لم يحصل منه أكل أصلا ولا شرب، وذلك محتمل لأن يكون في معناه من كل وجه، فلا إثم عليه، ولا كفارة، ولا قضاء، ويحتمل أن يكون في معناه في الجملة، فلا يلزم منه سقوط القضاء، وهو الجاري على الاعتبار بأصحاب الأعذار، (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) فيكون المراد نفي الكفارة والإثم خصوصا، وتبيين أنه لا داعي للتحسر بحصول ذلك، كمثل قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للقوم يوم غلبهم النوم عن الصبح حتى طلعت الشمس، وأيقظه تكبير عمر لما رأى ما بالناس: " لا ضير " أو " لا يضير " وذكرهم بأن الله الذي كلفهم بالصلاة هو الذي قبض أرواحهم حتى طلعت الشمس (١).
فإن قيل إن الكفارة لا تكون في ما لا إثم فيه، وقد علم أن الناسي غير مؤاخذ على نسيانه.
أو قيل إن النسيان معفو عنه فكيف يفسد به الصوم.
أجيب عن الأول بأنا لا نسلم أن الكفارة لا تكون إلا في ما فيه إثم، بل قد تشرع في الخطإ لما عسى أن يكون من تقصير في الجملة، ولدفع ما يقع في النفس من التحسر على حصول صورة الذنب، وقد قال الله : (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) الآية.
وقد أوجب قوم من أهل العلم الكفارة على المجامع نسيانا، مستدلين بعدم استفصاله صلى الله تعالى عليه وسلم للأعرابي، وبظاهر الحديث المذكور من التقييد بالأكل والشرب.
стр. 349
وعن الثاني بأنا لا نسلم أيضا عدم التلازم بين عدم المؤاخذة والصحة، فالمكره مأمور بإتمام صومه وقضائه، ولو كان الأمر كذلك لم يفسد صوم المضطر بالشيء اليسير الذي يرتفع به عنه الاضطرار.
وأما الرواية التي فيها التصريح بسقوط القضاء، فمن أهل العلم من لم يطمئن إليها -وإن كان راويها ثقة -لمخالفتها للرواية المشهورة، وقد جزم ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق بأنها رواية بالمعنى، ونصه: والمشهور في هذا الحديث، هذا اللفظ المخرج في الصحيح، وهذا مروي بالمعنى والله تعالى أعلم.
وزعم بعض أهل العلم أن مالكا -رحمه الله تعالى -لم يبلغه هذا الحديث، كأنه يرى أنه صريح في الأمر لا يطرقه احتمال، ورده الكاندهلوي بأنه لو لم يبلغه لما فرق بين الفرض والتطوع، وما قاله غير بين، فإن الفرق بينهما في النسيان هو مقتضى اعتباره بالأعذار الأخرى، من المرض والحيض والنفاس والإكراه حيث لا يجب معها القضاء في النفل خاصة، والله أعلم.
قوله: ومن يكن أفطره لضر البيت، معناه أنه يجوز الفطر في رمضان لضرورة، من خوف حدوث مرض به، أو زيادته، أو تأخر البرء منه، قال اللخمي -رحمه الله تعالى -: صوم ذي المرض إن لم يشق واجب، وإن شق فقط خير، وإن خاف طوله أو حدوث آخر منع، فإن صام أجزأه، وقال ابن بشير: يحرم الصوم مع المرض إذا أدى إلى التلف أو الأذى الشديد، نقله في التاج.
وقال في المواهب: ويقبل قول الطبيب المأمون أنه يضر به، ويفطر الزمن إذا أضر به الصوم، وكذا كل صوم مضر يبيح الفطر.
وقال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: ضعف بنية الصحيح وشيخوخته كالمرض، نقله في التاج.
وذهب بعض السلف -رحمهم الله تعالى -إلى أن مطلق المرض، ولو قل، يبيح الفطر.
والأول أقعد بمعنى الآية.
стр. 350
قوله: ومن يكن سفر قصر سافرا البيت، معناه أن الفطر في السفر جائز أيضا، وإن لم تلحقه بالصوم فيه مشقة، وذلك بشروط، أحدها أن يكون السفر سفر قصر، وقد تقدم بيانه، الثاني أن لا يكون منهيا عنه شرعا، الثالث أن يشرع فيه بأن يبلغ موضعا يحل له فيه قصر الصلاة، وقد تقدم بيانه، ولله الحمد، فلا يفطر لمجرد السفر، لأن الفطر إنما أبيح للمسافر، وهذا لا يصدق عليه اسم المسافر.
الرابع أن يكون شروعه فيه قبل الفجر، فإن لم يشرع فيه إلا بعد الفجر، فالمشهور أنه لا يحل له الفطر، لأنه وقت انعقاد النية لم يكن مسافرا، وهو وقت توجه الخطاب بالصوم، كما لا يؤمر القادم بإمساك بقية يوم قدومه.
الخامس أن لا يبيت الصيام في سفره، فإذا أصبح صائما في السفر لم يكن له أن يفطر من غير ضرورة، لأنه كان في سعة أن يفطر أو يصوم، فلما اختار الصوم كان في حكم الحاضر.
والمفطر لأجل السفر مع عدم جوازه له -اتفاقا أو على المشهور -له من حيث التكفير أحوال: الأول أن يعزم على السفر بعد الفجر، ويبيت الفطر، ثم لا يقع السفر منه في ذلك اليوم، فهذا تجب عليه الكفارة بلا خلاف -تأول أو لا -على ظاهر أبي الحسن عند الحطاب.
الثاني أن يبيت الصوم في الحضر، ثم يعزم على السفر فيفطر، فإن أفطر قبل خروجه، ففي تكفيره أقوال، ثالثها يكفر إن لم يأخذ في أهبة السفر، ورابعها يكفر إن لم يتم سفره، واستظهر ابن رشد -رحمه الله تعالى -القول بعدم التكفير، قال: لأن الكفارة إنما هي تكفير للذنب، ومن تأول لم يذنب، والله تجاوز عن الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، وإن أفطر بعد خروجه فلا كفارة عليه على المشهور -تأول أو لا ـ.
بل قال ابن حبيب -رحمه الله تعالى -: يجوز له الفطر، وقال ابن القصار يكره له.
стр. 351
الثالث أن يبيت الصيام في السفر ثم يفطر، فإن كان عن تأول، فظاهر المدونة التكفير، وقال أشهب -رحمه الله تعالى -لا كفارة عليه، واستظهره ابن رشد -رحمه الله تعالى -وإن كان عن غير تأول، فالمشهور وجوب الكفارة، وقد قال ابن الماجشون - رحمه الله تعالى -بجواز فطره ابتداء.
الرابع أن يبيت الصيام في السفر ثم يقدم على أهله فيفطر، وعليه الكفارة، انظر المواهب.
قوله: والصوم عندنا لذي اقتدار البيت، معناه أن الصوم في السفر المبيح للفطر لمن يقوى عليه، أفضل عند مالك -رحمه الله تعالى -في المشهور عنه، وذلك لفعله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال ابن الماجشون الفطر أفضل لقوله : (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وروى أشهب -رحمه الله تعالى -استواءهما، وقال ابن حبيب -رحمه الله تعالى -الصوم أفضل إلا في الجهاد.
قوله: ومن يسافر سفرا أقلا البيتين، معناه أن من سافر سفرا لا تقصر فيه الصلاة لقصره، فظن جواز الفطر فأفطر فلا كفارة عليه، لأنه متأول تأويلا قريبا، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز فطره، ومفهوم الظن أنه لو شك أو توهم فقط وجبت عليه الكفارة، قال في المواهب: وهو ظاهر لأنهم مع ظن الإباحة يسقط عنهم الإثم، كما سيأتي في كلام ابن رشد - رحمه الله تعالى - وأما مع عدم ظن الإباحة فلا يجوز لهم الإقدام على الفطر، وهم آثمون في إقدامهم على الإفطار مع الشك، أو مع التوهم، فإن أفطروا فعليهم الكفارة والله أعلم.
стр. 352
قوله: ومن على تأول قد أفطرا البيت، معناه أن من أفطر في رمضان عن تأول، لا تجب عليه كفارة، ظاهره سواء كان تأويله بعيدا أو قريبا، وهو قول ابن عبد الحكم - رحمه الله تعالى - والمشهور اختصاص ذلك بالتأويل القريب، والتأويل القريب هو ما يكون فيه السبب الذي يستند إليه في جواز الفطر موجودا، والبعيد بخلافه، ومثل للتأويل القريب في المدونة بمن أفطر ناسيا، فظن بطلان صومه، فأفطر متعمدا، والمرأة ترى الطهر ليلا في رمضان، فلا تغتسل، فتظن أن من لم يغتسل ليلا لا صوم له فتأكل، والرجل يدخل من سفره ليلا، فيظن أنه لا صوم له، إلا أن يدخل نهارا فيفطر، والعبد يخرج راعيا على مسيرة ثلاثة أيام، فيظن أنه سفر يبيح الفطر، قال ابن القاسم - رحمه الله تعالى -: كل ما رأيت مالكا - رحمه الله تعالى - يسأل عنه من هذا الوجه، على التأويل، فلم أره يجعل فيه كفارة، إلا المفطرة على أنها تحيض، فتفطر ثم تحيض، والمفطر على أنه يوم الحمى، فيفطر ثم يحم، قال اللخمي - رحمه الله تعالى -: ومعروف المذهب أن حكم الجاهل كذي تأويل قريب، فلو جامع حديث عهد بإسلام، لظنه قصر الصوم على منع الغذاء لعذر، قال: وعلة المذهب الانتهاك، فمن جاء مستفتيا صدق، ولا كفارة، ومن ظهر عليه، نظر فيما يدعيه، فإن كان مما يرى أن مثله يجهل ذلك، صدق، وإن أتى بما لا يشبه لم يصدق، وألزم الكفارة.
قوله: إنما التكفير في تعمد البيت، معناه أن الكفارة إنما تجب في تعمد وطء أو إنزال أو أكل أو شرب، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: وتجب الكفارة في إفساد صوم رمضان انتهاكا له، بموجب الغسل، وطأ وإنزالا، والإفطار بما يصل إلى الجوف أو المعدة من الفم.
وقال ابن رشد -رحمه الله تعالى -: لا خلاف في سقوط الكفارة في الواصل إلى المعدة أو الحلق من غير الفم، خلافا لأبي مصعب -رحمه الله تعالى -ظن أن الشريعة علقت الكفارة بوصول شيء إلى المعدة مع القصد والعمد نقله في التاج.
стр. 353
٦٣٢ - وذلك التكفير بالإطعام ... يكون والإعتاق والصيام
٦٣٣ - ولكن الإطعام في الكفاره ... إمامنا على سواه اختاره
٦٣٤ - يطعم ستين من الأمداد ... ستين مسكينا بمد الهادي
٦٣٥ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه
٦٣٦ - وصام شهرين ولاء حيث رام ... أداء تكفير بخصلة الصيام
معنى الأبيات أن التكفير يكون بواحد من هذه الخصال الثلاث، إطعام ستين مسكينا، لكل واحد مد بمده صلى الله تعالى عليه وسلم، أو عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب الفاحشة، أو صيام شهرين متتابعين، وذلك لما رواه في الموطإ عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، فقال: لا أجد، فأتي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعَرَق تمر، فقال: " خذ هذا، فتصدق به " فقال: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ما أجد أحوج مني، فضحك رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - حتى بدت أنيابه، ثم قال": كله " (١) فظاهر هذا اللفظ أنها على التخيير، والإطعام أفضل عند مالك - رحمه الله تعالى - في المشهور عنه، لأنه أعم نفعا، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وبادر يحيى بن يحيى الأمير عبد الرحمن حين سأل الفقهاء عن وطء جارية له في رمضان، بكفارته بصومه، فسكت حاضروه، ثم سألوه لم لا تخيره في أحد الثلاثة؟
فقال: لو خيرته وطئ كل يوم وأعتق، فلم ينكروا، عياض: وحكاه فخر الدين عن بعضهم، وتعقبه بأنه مما ظهر من الشرع إلغاؤه، واتفق العلماء على إبطاله، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: وتأول بعضهم أن المفتي بذلك رأى الأمير فقيرا، ما بيده إنما هو للمسلمين، قال: ولا يرد هذا بتعليل المفتي بما ذكر، لأنه لا ينافيه، والتصريح به موحش.
стр. 354
وقال في التاج: نقل عياض أن الرشيد -رحمهما الله تعالى -حنث في يمين، فقال له غير مالك -رحمهم الله تعالى جميعا -عليك عتق رقبة، فقال له مالك -رحمه الله تعالى - عليك صيام ثلاثة أيام، فقال الرشيد -رحمه الله تعالى -: قد قال الله : (فمن لم يجد) الآية، فأقمتني مقام المعدم، فقال: يا أمير المؤمنين كل ما في يدك ليس لك، عليك صيام ثلاثة أيام.
وروي عن مالك - رحمه الله تعالى - التخيير بين الثلاثة على السوية، وقال ابن حبيب - رحمه الله تعالى - هي على الترتيب العتق، ثم الصيام، ثم الإطعام، وقيل يتعين الإطعام في الشدة، والعتق في الرخاء، وقيل غير ذلك، وهذا في حق الحر الرشيد، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: الصقلي والشيخ عن ابن حبيب: ويكفر السفيه بالصوم فقط، ابن بشير - رحمه الله تعالى -: على تعيين الإطعام، يكفر به عنه وليه، وعلى التخيير، بالصوم فقط، وعلى الترتيب، على الخلاف في كفارة ظهاره، الشيخ: والعبد بالصوم فقط، فإن أضر بربه، بقيت دينا عليه، وبالإطعام إن أذن ربه، ويؤدب عامد فطره انتهاكا، إن ظُهر عليه، وفي الآتي مستفتيا، ثالثها ذو الهزء، لا الستر، لتخريج اللخمي على قولها: يعاقب المعترف بشهادة الزور، وعلى قول سحنون: لا يؤدب، مع رواية المبسوط واختياره.
٦٣٧ - ولا يكفر الذي قدَ اَفسدا ... صومَ قضاء رمضان عامدا
٦٣٨ - وليقضينْ من لم يُفِقْ مِنِ اِغما ... باليل قبل الفجر ذاك اليوما
٦٣٩ - وينبغي حفظ اللسان والجوا ... رح جميعا عن مَنازع الهوى
٦٤٠ - وعظمنَّ ما الإله جلا ... من ذلك الشهر له أجلا
قوله: ولا يكفر الذي قد افسدا البيت، معناه أنه لا كفارة على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا منتهكا، واختلف هل لا يلزمه إلا يوم واحد، قال ابن يونس -رحمه الله تعالى -: لأنه إذا قضى القضاء فقد صح القضاء الأول لرمضان، فلا شيء عليه غير ذلك، وهذا أحب إلي، نقله في التاج.
стр. 355
أو يلزمه يومان: يوم عن يوم رمضان، ويوم عن يوم القضاء، ونقل في المواهب عن وجيز ابن غلاب تشهيره.
قوله: وليقضينْ من لم يفق البيت، معناه أن المغمى عليه لا يصح صومه، على المشهور، إذا كان متصفا بذلك وقت طلوع الفجر -طال إغماؤه أو قصر -لفوات وقت النية وهو غير عاقل، وإن كان الإغماء طارئا بعد الفجر، فإن كان يسيرا لم يفسد صومه، وظاهر اللخمي الاتفاق على ذلك، وحكي فيه الخلاف، وإن كان نصف اليوم، فالمشهور الصحة، وإن كان أكثر اليوم، فالمشهور عدم الصحة.