الثالث أن يبيت الصيام في السفر ثم يفطر، فإن كان عن تأول، فظاهر المدونة التكفير، وقال أشهب -رحمه الله تعالى -لا كفارة عليه، واستظهره ابن رشد -رحمه الله تعالى -وإن كان عن غير تأول، فالمشهور وجوب الكفارة، وقد قال ابن الماجشون - رحمه الله تعالى -بجواز فطره ابتداء.
الرابع أن يبيت الصيام في السفر ثم يقدم على أهله فيفطر، وعليه الكفارة، انظر المواهب.
قوله: والصوم عندنا لذي اقتدار البيت، معناه أن الصوم في السفر المبيح للفطر لمن يقوى عليه، أفضل عند مالك -رحمه الله تعالى -في المشهور عنه، وذلك لفعله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال ابن الماجشون الفطر أفضل لقوله : (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وروى أشهب -رحمه الله تعالى -استواءهما، وقال ابن حبيب -رحمه الله تعالى -الصوم أفضل إلا في الجهاد.
قوله: ومن يسافر سفرا أقلا البيتين، معناه أن من سافر سفرا لا تقصر فيه الصلاة لقصره، فظن جواز الفطر فأفطر فلا كفارة عليه، لأنه متأول تأويلا قريبا، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز فطره، ومفهوم الظن أنه لو شك أو توهم فقط وجبت عليه الكفارة، قال في المواهب: وهو ظاهر لأنهم مع ظن الإباحة يسقط عنهم الإثم، كما سيأتي في كلام ابن رشد - رحمه الله تعالى - وأما مع عدم ظن الإباحة فلا يجوز لهم الإقدام على الفطر، وهم آثمون في إقدامهم على الإفطار مع الشك، أو مع التوهم، فإن أفطروا فعليهم الكفارة والله أعلم.
стр. 352
قوله: ومن على تأول قد أفطرا البيت، معناه أن من أفطر في رمضان عن تأول، لا تجب عليه كفارة، ظاهره سواء كان تأويله بعيدا أو قريبا، وهو قول ابن عبد الحكم - رحمه الله تعالى - والمشهور اختصاص ذلك بالتأويل القريب، والتأويل القريب هو ما يكون فيه السبب الذي يستند إليه في جواز الفطر موجودا، والبعيد بخلافه، ومثل للتأويل القريب في المدونة بمن أفطر ناسيا، فظن بطلان صومه، فأفطر متعمدا، والمرأة ترى الطهر ليلا في رمضان، فلا تغتسل، فتظن أن من لم يغتسل ليلا لا صوم له فتأكل، والرجل يدخل من سفره ليلا، فيظن أنه لا صوم له، إلا أن يدخل نهارا فيفطر، والعبد يخرج راعيا على مسيرة ثلاثة أيام، فيظن أنه سفر يبيح الفطر، قال ابن القاسم - رحمه الله تعالى -: كل ما رأيت مالكا - رحمه الله تعالى - يسأل عنه من هذا الوجه، على التأويل، فلم أره يجعل فيه كفارة، إلا المفطرة على أنها تحيض، فتفطر ثم تحيض، والمفطر على أنه يوم الحمى، فيفطر ثم يحم، قال اللخمي - رحمه الله تعالى -: ومعروف المذهب أن حكم الجاهل كذي تأويل قريب، فلو جامع حديث عهد بإسلام، لظنه قصر الصوم على منع الغذاء لعذر، قال: وعلة المذهب الانتهاك، فمن جاء مستفتيا صدق، ولا كفارة، ومن ظهر عليه، نظر فيما يدعيه، فإن كان مما يرى أن مثله يجهل ذلك، صدق، وإن أتى بما لا يشبه لم يصدق، وألزم الكفارة.
قوله: إنما التكفير في تعمد البيت، معناه أن الكفارة إنما تجب في تعمد وطء أو إنزال أو أكل أو شرب، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: وتجب الكفارة في إفساد صوم رمضان انتهاكا له، بموجب الغسل، وطأ وإنزالا، والإفطار بما يصل إلى الجوف أو المعدة من الفم.
وقال ابن رشد -رحمه الله تعالى -: لا خلاف في سقوط الكفارة في الواصل إلى المعدة أو الحلق من غير الفم، خلافا لأبي مصعب -رحمه الله تعالى -ظن أن الشريعة علقت الكفارة بوصول شيء إلى المعدة مع القصد والعمد نقله في التاج.
стр. 353
٦٣٢ - وذلك التكفير بالإطعام ... يكون والإعتاق والصيام
٦٣٣ - ولكن الإطعام في الكفاره ... إمامنا على سواه اختاره
٦٣٤ - يطعم ستين من الأمداد ... ستين مسكينا بمد الهادي
٦٣٥ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه
٦٣٦ - وصام شهرين ولاء حيث رام ... أداء تكفير بخصلة الصيام
معنى الأبيات أن التكفير يكون بواحد من هذه الخصال الثلاث، إطعام ستين مسكينا، لكل واحد مد بمده صلى الله تعالى عليه وسلم، أو عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب الفاحشة، أو صيام شهرين متتابعين، وذلك لما رواه في الموطإ عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، فقال: لا أجد، فأتي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعَرَق تمر، فقال: " خذ هذا، فتصدق به " فقال: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ما أجد أحوج مني، فضحك رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - حتى بدت أنيابه، ثم قال": كله " (١) فظاهر هذا اللفظ أنها على التخيير، والإطعام أفضل عند مالك - رحمه الله تعالى - في المشهور عنه، لأنه أعم نفعا، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وبادر يحيى بن يحيى الأمير عبد الرحمن حين سأل الفقهاء عن وطء جارية له في رمضان، بكفارته بصومه، فسكت حاضروه، ثم سألوه لم لا تخيره في أحد الثلاثة؟
فقال: لو خيرته وطئ كل يوم وأعتق، فلم ينكروا، عياض: وحكاه فخر الدين عن بعضهم، وتعقبه بأنه مما ظهر من الشرع إلغاؤه، واتفق العلماء على إبطاله، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: وتأول بعضهم أن المفتي بذلك رأى الأمير فقيرا، ما بيده إنما هو للمسلمين، قال: ولا يرد هذا بتعليل المفتي بما ذكر، لأنه لا ينافيه، والتصريح به موحش.
стр. 354
وقال في التاج: نقل عياض أن الرشيد -رحمهما الله تعالى -حنث في يمين، فقال له غير مالك -رحمهم الله تعالى جميعا -عليك عتق رقبة، فقال له مالك -رحمه الله تعالى - عليك صيام ثلاثة أيام، فقال الرشيد -رحمه الله تعالى -: قد قال الله : (فمن لم يجد) الآية، فأقمتني مقام المعدم، فقال: يا أمير المؤمنين كل ما في يدك ليس لك، عليك صيام ثلاثة أيام.
وروي عن مالك - رحمه الله تعالى - التخيير بين الثلاثة على السوية، وقال ابن حبيب - رحمه الله تعالى - هي على الترتيب العتق، ثم الصيام، ثم الإطعام، وقيل يتعين الإطعام في الشدة، والعتق في الرخاء، وقيل غير ذلك، وهذا في حق الحر الرشيد، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: الصقلي والشيخ عن ابن حبيب: ويكفر السفيه بالصوم فقط، ابن بشير - رحمه الله تعالى -: على تعيين الإطعام، يكفر به عنه وليه، وعلى التخيير، بالصوم فقط، وعلى الترتيب، على الخلاف في كفارة ظهاره، الشيخ: والعبد بالصوم فقط، فإن أضر بربه، بقيت دينا عليه، وبالإطعام إن أذن ربه، ويؤدب عامد فطره انتهاكا، إن ظُهر عليه، وفي الآتي مستفتيا، ثالثها ذو الهزء، لا الستر، لتخريج اللخمي على قولها: يعاقب المعترف بشهادة الزور، وعلى قول سحنون: لا يؤدب، مع رواية المبسوط واختياره.
٦٣٧ - ولا يكفر الذي قدَ اَفسدا ... صومَ قضاء رمضان عامدا
٦٣٨ - وليقضينْ من لم يُفِقْ مِنِ اِغما ... باليل قبل الفجر ذاك اليوما
٦٣٩ - وينبغي حفظ اللسان والجوا ... رح جميعا عن مَنازع الهوى
٦٤٠ - وعظمنَّ ما الإله جلا ... من ذلك الشهر له أجلا
قوله: ولا يكفر الذي قد افسدا البيت، معناه أنه لا كفارة على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا منتهكا، واختلف هل لا يلزمه إلا يوم واحد، قال ابن يونس -رحمه الله تعالى -: لأنه إذا قضى القضاء فقد صح القضاء الأول لرمضان، فلا شيء عليه غير ذلك، وهذا أحب إلي، نقله في التاج.
стр. 355
أو يلزمه يومان: يوم عن يوم رمضان، ويوم عن يوم القضاء، ونقل في المواهب عن وجيز ابن غلاب تشهيره.
قوله: وليقضينْ من لم يفق البيت، معناه أن المغمى عليه لا يصح صومه، على المشهور، إذا كان متصفا بذلك وقت طلوع الفجر -طال إغماؤه أو قصر -لفوات وقت النية وهو غير عاقل، وإن كان الإغماء طارئا بعد الفجر، فإن كان يسيرا لم يفسد صومه، وظاهر اللخمي الاتفاق على ذلك، وحكي فيه الخلاف، وإن كان نصف اليوم، فالمشهور الصحة، وإن كان أكثر اليوم، فالمشهور عدم الصحة.
стр. 356
قوله: وينبغي حفظ اللسان البيتين، معناه أنه ينبغي للصائم على وجه التأكد أن يحفظ لسانه عن فضول الكلام المباح، فلا يتكلم إلا بذكر ونحوه، مما يثاب عليه، أو ما تدعو إليه الحاجة، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " الصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم " (١) ومعلوم أن سب الساب غير حرام، ويندب له مثل ذلك في أفعاله، فلا يشتغل بلعب ونحوه، وأن يعظم من شهر رمضان ما عظمه الله ، فيقبل على أنواع الطاعات، ملاحظا أنه في أوقات شريفة، تتضاعف فيها الأجور، وأنه قد لا يصادفها مرة أخرى، كما هو الحال بالنسبة لكثيرين، في الوقت الذي هو فيه، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: ومن وجوه تعظيم هذا الشهر المبارك، أن الله أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وجعل فيه ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر قيامها وصيامها، فيجب على كل ذي إيمان ويقين، ويتعين على كل من له تلبس بأعمال المتقين، أن يقدر هذا الشهر قدره، ويوفيه من التعظيم والاحترام حقه، ويتحفظ فيه من كل شيء يكرهه الشارع - صلوات الله تعالى وسلامه عليه - كان واجبا أو مندوبا - ويرى ذلك من أكبر ذخائره عند ربه، ولا يهمل ذلك بحال، ويستعين على ذلك بمطالعة الأحاديث المروية فيه، وهي كثيرة، وبالله التوفيق.
٦٤١ - ولتتركنْ فيه النهارَ سائرَه ... قرب النسا بوطء أو مباشره
٦٤٢ - وقبلةٍ للذةٍ، واليلُ ... جميعُه يحل فيه الكل
٦٤٣ - ومن يقبلْ أو يباشرْ ثما ... أمذى لذا، فليقض ذاك الصوما
٦٤٤ - ويجب التكفير حيث استرسلا ... بذاك عامدا إلى أنَ اَنزلا
стр. 357
قوله: ولتتركن فيه، إلى قوله: وقبلة للذة، معناه أن الصائم مأمور بالكف عن الوطء ومقدماته، من قبلة ومباشرة ولمس، أما الوطء فحرام إجماعا، وذلك هو مفهوم الظرف في قوله : (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) الآية، وقد تقدم حديث الأعرابي الذي قال: هلكت وأهلكت، وأقره صلى الله تعالى عليه وسلم على ذلك، وأمره بالتكفير، وأما مقدماته فالمشهور في المذهب كراهتها، وقيل تباح للشيخ، وتكره للشاب، وقيل تباح في التطوع، وتكره في الفرض، قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: قسم غير واحد القبلة والمباشرة والملاعبة، على ثلاثة أقسام، فإن علم من نفسه السلامة لم تحرم، وعكسه عكسه، وإن شك ففي ذلك قولان الكراهة والتحريم، إلى أن قال: وظاهر كلام الشيخ أن الفكرة والنظر ليس منهيا عنهما، وجعلهما ابن الحاجب كالقبلة ونحوها، وجعل اللخمي - رحمه الله تعالى - النظر المستدام كالقبلة، وقال ابن بشير: لا يختلف أنهما لا يحرمان، وإنما اختلف في القبلة والمباشرة، هل تحرم أو تكره.
وصرح في التوضيح بتشهير كراهة ذلك -أعني النظر والتفكر -قال: وقد جعلوا مراتب الكراهة تتفاوت بالأشدية على نحو ما رتب المؤلف: المبادئ، فالفكر أخفها، وأشدها الملاعبة، نقله في المواهب.
стр. 358
وقال في التاج: اللخمي: القبلة والمباشرة والملامسة، غير محرمات في أنفسهن، وأمرهن متعلق بالإباحة والتحريم بما يكون عنها، فمن كان يعلم من حاله السلامة من ذلك، وأن لا يكون عنه إنزال ولا مذي، كان مباحا، ومن كان يعلم من عادته أنه لا يسلم عند ذلك من الإنزال، أو يسلم مرة، ولا يسلم أخرى، كان ذلك محرما عليه، وعلى هذا يحمل قول مالك - رحمه الله تعالى - في المدونة في من قبل امرأته قبلة واحدة في رمضان، فعليه القضاء والكفارة، وإن كان لا يسلم من الإمذاء كان على الخلاف، فمن أفسد به الصوم كان الإمساك عن مسببه واجبا، ومن لم يفسد به، كان الإمساك مستحبا، والقول إن المذي لا يفسد أحسن، وإنما ورد القرآن بالإمساك عما ينقض الطهارة الكبرى، دون الصغرى، ولو وجب القضاء بما ينقض الطهارة الصغرى لفسد الصوم بمجرد القبلة والمباشرة والملامسة، وإن لم يكن مذي، واتفق الجميع أنه لا يجب في عمده كفارة، ولا يقطع التتابع إذا كان الصيام ظهارا أو قتل نفس، وقال أبو عمر - رحمه الله تعالى -: في تقبيل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أهله وهو صائم، (١) أن من أمن فله ذلك، ومن خاف على أمة محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - ما لم يخفه عليها نبيها - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقد باء من التعسف بما لا يخفى، ولما كان التأسي به صلى الله تعالى عليه وسلم مندوبا إليه استحال أن يأتي منه خصوصا له ويسكت عليه.
قوله: واليل جميعه يحل فيه الكل، معناه ظاهر، وقد تقدمت الآية المقتضية لذلك.
قوله: ومن يقبل أو يباشر البيت، معناه أن من أمذى عن قبلة أو مباشرة، يجب عليه قضاء ذلك اليوم دون تكفير، وذهب البغداديون إلى استحباب قضائه من غير إيجاب، وفصل ابن حبيب -رحمه الله تعالى -فأوجبه إن كان عن لمس أو قبلة أو عمد نظر، وأسقطه إن كان عن نظر من غير عمد.
стр. 359
قوله: ويجب التكفير البيت، أشار به إلى أنه إذا قبل أو باشر، فأنزل، فإن كان استدام ذلك قضى وكفر، وإن لم يستدم قضى فقط، ما لم يكن ذلك عن استنكاح أو علة فلا قضاء.
٦٤٥ - ورمضان من يقمه غفرا ... له من الذنوب ما قد غبرا
٦٤٦ - إن قامه مصدقا محتسبا ... وإن يقمه لا لذاك فهبا
٦٤٧ - وفضل ذا يُرجى، وأن يُكفَّرا ... عن من يقومه بما تيسرا
٦٤٨ - وبمساجد الجماعات القيام ... يطلب أن يكون جمعا بإمام
٦٤٩ - والانفراد للذي قدَ اَمنا ... أن تضعف النية منه استحسنا
قوله: ورمضان من يقمه البيتين، لا يخفى أن معناه نص حديث الصحيح " من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه (١) " وقوله: إيمانا، قالوا معناه تصديقا بوجوبه والأجر عليه، وقوله: احتسابا، قالوا معناه طلبا للأجر وابتغاء الثواب، وهذا التكفير خاص بالصغائر، حملا على التقييد المذكور في الحديث الآخر " ما لم تغش الكبائر " وهو قيد في عموم التكفير، لا في أصله، فالتكفير حاصل وإن غشيت الكبائر، لأن اجتناب الكبائر وحده مكفر، كما هو نص الآية، فمذهب الجمهور أن الكبائر لا يكفرها من أعمال العبد إلا التوبة، ويختص التكفير المذكور أيضا بما بين العبد وربه، وأما حقوق المخلوقين فلا بد من أدائها إليهم، أو تحليلهم منها، كما هو ظاهر حديث المفلس، (٢) وقد اختلف في حكم القيام، فقال ابن حبيب - رحمه الله تعالى - هو فضيلة، وقال أبو عمر بن عبد البر - رحمه الله تعالى - هو سنة، ولا فرق في هذا بين رمضان وغيره.
قوله: وفضل ذا البيت، أشار به إلى أن التكفير المذكور لا يتقيد بقيام اليل كله، ولا بقيامه على وجه مخصوص، بل يرجى حصوله على كل ما يصدق عليه أنه قيام.
стр. 360
قوله: وبمساجد الجماعات البيت، معناه أنه يطلب أن تقام التراويح في مساجد الجماعات جماعة، كما فعل سيدنا عمر -رضي الله تعالى عنه - وقد أمر بالاقتداء به (١) مع الإجماع، ونقل في التمهيد عن الطحاوي أنه قال: أجمعوا على منع تعطيل المساجد منها.
قوله: والانفراد البيت، معناه أن قيامه في البيت إذا لم تعطل المساجد أفضل من إيقاعها بالمسجد كما هو سنة النوافل، وقيل قيامه في المساجد أفضل، وهو مبني على الخلاف في حكمه المتقدم، وهذا بالنسبة لمن لا يخاف إذا انفرد أن يتكاسل عنها، أو يوقعها على وجه دون ما يوقعها عليه في الجماعة.
٦٥٠ - وكانتَ اَيام الصحابة الغرر ... عشرين ركعة بفعل من عمر
٦٥١ - ثمت يشفعون ثم يوترون ... وبين ذين بالسلام يفصلون
٦٥٢ - ثم على عهد سميه الأغر ... زيدتْ على ذلك ستة عشر
٦٥٣ - وكل ذاك واسع، وكلما ... تمم ركعتين فليسلما
٦٥٤ - وجاء عن عائشة المطهره ... أن لم يصل فوق ثنتي عشَره
٦٥٥ - من قبل الايتار مدى الزمان ... نبينا لبُّ بني عدنان
٦٥٦ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه
أخرج مالك -رحمه الله تعالى -في الموطإ عن عائشة -رضي الله تعالى عنها -أن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -صلى في المسجد ذات ليلة، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى اليلة القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من اليلة الثالثة، أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -فلما أصبح، قال: " قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم، إلا أني خشيت أن تفرض عليكم " وذلك في رمضان (٢).
стр. 361
وأخرج أيضا عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه -أن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -كان يرغب في قيام رمضان، من غير أن يأمر بعزيمة، فيقول: " من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " قال ابن شهاب -رحمه الله تعالى -: فتوفي رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر -رضي الله تعالى عنهما ... (١) -.
وأخرج عن عبد الرحمن بن القاري أنه قال: خرجت مع عمر - رضي الله تعالى عنهما - في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر - رضي الله تعالى عنه -: والله إني رأيت لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون - يعني آخر اليل - وكان الناس يقومون أوله، (٢) وعن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري - رضي الله تعالى عنهم - أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر، وعن يزيد بن رومان أنه قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - في رمضان بثلاث وعشرين ركعة، وإلى هذا الإشارة بقوله: وكانت أيام الصحابة البيت، يعني بعد أن كانت إحدى عشرة ركعة طويلة القيام، فخفف في قيامها وزيد في ركوعها.
стр. 362
قوله: وبين ذين بالسلام يفصلون، يعني أنهم كانوا يفصلون بين ركعتي الشفع وركعة الوتر، وقد جاء أن أبيا -رضي الله تعالى عنه -كان يفعل ذلك، فأم بعده زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه -فلم يسلم بينهما، فسأله ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما -لم فعل ذلك؟
فقال: إنما فعلت ذلك ليلا ينصرف الناس، فلا يوترون، وروى مالك في الموطإ عن نافع أن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهم -كان يسلم بين الركعتين، والركعة في الوتر، حتى يأمر ببعض حاجته (١).
قوله: ثم على عهد سميه الأغر البيت، أشار به إلى ما أخرجه سحنون أن عمر بن عبد العزيز أمر القراء أن يقوموا بست وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر، ويقرءوا في كل ركعة عشر آيات.
قوله: وكل ذاك واسع، معناه أنه لا حد في ذلك يتعين الوقوف عنده، كما تقدم في حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه ـ.
قال مالك -رحمه الله تعالى -: الذي آخذ به في نفسي ما كان ﵊ يفعله، وهو الاثنتا عشرة ركعة، ثم يوتر بواحدة، نقله سيدي زروق -رحمه الله تعالى ـ.
قوله: وكلما تمم ركعتين فليسلما، معناه أن يؤمر بالسلام بعد كل ركعتين، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " صلاة اليل مثنى مثنى ... (٢) "
стр. 363
قوله: وجاء عن عائشة المطهره إلخ، أشار به إلى ما جاء عن عائشة -رضي الله تعالى عنها -أنها قالت: كان رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، (١) وجاء عنها أيضا أنه كأن يصلي سبعا وتسعا (٢) وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر، (٣) وجاء عنها أيضا أنه ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، فقالت: يا رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي، (٤) وكل ذلك ثابت عنها، ووفق بينه بأنها تارة تعتد بالركعتين الخفيفتين التين كان يفتتح بهما قيامه، وتارة لا تعتد بهما، وهو ظاهر في قولها: أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن والله أعلم.
стр. 364
باب في الاعتكاف
٦٥٧ - والاعتكاف من نوافل القرب ... يعظم أجر من لفعله انتدب
٦٥٨ - وشرطه الصوم، كذا أن يقعا ... بمسجد أيضا، وأن يتابعا
٦٥٩ - وناذر عكوف أيام تقع ... جمعة بها بموضع الجُمَعْ
٦٦٠ - فلعكوفه إذا بمسجد ... جمعة على الخصوص يبتدي
٦٦١ - أقل ما يندب منه عشْره ... والشهر ما زاد عليه يكرهْ
الاعتكاف: افتعال من عكف - بفتح الكاف - يعكف - بضم الكاف وكسرها - عكوفا وعكْفا: إذا أقام، ويستعمل متعديا، فتقول عكفته أعكِفه، قال عياض - رحمه الله تعالى -: أصل هذه اللفظة: اللزوم والإقامة، قال الله : (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا) أي: مقيما ملازما، وقال سبحانه و تعالى: (والهدي معكوفا) أي: محبوسا ملزوما، وقال : (وأنتم عاكفون في المساجد) أي: ثابتون ملازمون، وخص الشرع هذه الإقامة بصفات لا يصح أن يكون اعتكافا شرعيا وإقامة عبادية إلا بها، انظر شفاء الغليل.
قوله: والاعتكاف من نوافل القرب البيت، معناه أن الاعتكاف نافلة من نوافل الخير، قال في التوضيح: والظاهر أنه مستحب، إذ لو كان سنة لم يواظب السلف على تركه، نقله في المواهب.
قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: الكافي: في رمضان سنة، وفي غيره جائز، العارضة: سنة لا يقال فيه مباح، وقول أصحابنا في كتبهم جائز جهل، ابن عبدوس: روى ابن نافع -رحمهما الله تعالى -: ما رأيت صحابيا اعتكف، وقد اعتكف صلى الله تعالى عليه وسلم حتى قبض، وهم أشد الناس اتباعا، فلم أزل أفكر حتى أخذ بنفسي أنه لشدته نهاره وليله سواء كالوصال المنهي عنه مع وصاله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخذ ابن رشد كراهته لمالك -رحمهما الله تعالى ـ.
وما ذكر عن أبي عمر من وصفه بالجواز، كأنه وصفه بذلك باعتبار ما فيه من الرهبانية، التي أصل شرعنا النهي عنها.
стр. 365
قوله: وشرطه الصوم، معناه أنه يشترط في صحة الاعتكاف الصيام، ولا يشترط كونه له، فيصح تطوع الاعتكاف في صوم رمضان وقضائه، واختلف في الاعتكاف المنذور، والمشهور أنه كذلك، وقيل لا بد من صوم يخصه، وسبب الخلاف هل الصوم ركن، فناذر الاعتكاف ناذر لجميع أجزائه، ومنها الصوم، أو شرط، فكما يصح له إيقاع الصلاة المفروضة المنذورة بطهارة أتى بها لغيرها، فكذلك هنا، قاله ابن ناجي -رحمه الله تعالى -.
وقال ابن لبابة -رحمه الله تعالى -بصحة اعتكاف المفطر، وقد كنت قلت:
وابن لبابة إمام القوم ... يعكُف دون مسجد وصوم
قوله: كذا أن يقعا بمسجد، معناه أنه يشترط في الاعتكاف أيضا أن يكون بمسجد، وإن لم يكن مسجد جمعة على المشهور، ولا يصح بمساجد البيوت، واختلف في كونه ركنا، أو شرطا كالصوم، ويستحب أن يعتكف بآخر المسجد، وهو أوله بالنسبة للداخل، ولا بأس أن يعتكف برحابه.
стр. 366
والأصل في شرطية الصوم والمسجد قوله : (وأنتم عاكفون في المساجد) قال القاضي عبد الوهاب في الإشراف بعد أن تلا الآية الكريمة: فقصر الخطاب على الصائم، فلو لم يكن الصوم من شرط الاعتكاف لم يكن لذلك معنى، ولأن أكثر ما فيه أن يكون مجملا، وقد بينه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بفعله، فروي أنه اعتكف صائما، ولم ينقل أنه اعتكف مفطرا، وروي أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية يوما وليلا عند الكعبة، فسأل النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ عن ذلك، فقال: " صم واعتكف " (١) ولأن النذر محمولة على أصولها في الفروض، فما لا أصل له في الفروض لا يصير واجبا بالنذر، وقد اتفق على لزوم الاعتكاف بصوم مع النذر، فدل ذلك على أنه إنما لزمه لأنه يتضمن الصوم الذي له أصل في الوجوب.
وقال اللخمي -رحمه الله تعالى -في التبصرة: الاعتكاف في المساجد دون البيوت، لقول الله : (وأنتم عاكفون في المساجد) ولأنه المروي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه وأزواجه أنهم اعتكفوا في المساجد، وفي اعتكاف أزواجه صلى الله تعالى عليه وسلم في المساجد مع كون النساء مندوبات إلى الكون في مبيتهن في بيوتهن، دليل بين أن للاعتكاف تعلقا بالمسجد.
стр. 367
ويفهم ذلك من إخراجه صلى الله تعالى عليه وسلم رأسه لعائشة - رضي الله تعالى عنه - لترجله، (١) قوله: وأن يتابعا، معناه أنه يلزمه إذا عزم أو نذر أن يعتكف أياما غير مقيد بتتابع ولا غيره أن يتابعها للعرف، قال في التبصرة: وفرق مالك - رحمه الله تعالى - بين الاعتكاف إذا نذر أياما، والصوم، فإن نذر صوم أيام كان له أن يفرقها، وإن نوى اعتكاف أيام لم يفرق، وهذا صحيح، للعادة أن من دخل معتكفه وهو ينوي أياما، أنه يأتي به متتابعا، ولولا العادة لم يلزمه ذلك، لأن أقل الاعتكاف كأقل الصوم، فأقل الاعتكاف يوم، ولا يجوز أقل منه، وأقل الصوم يوم، ولا يجوز بعض يوم، وإذا جاز لمن قال: لله تعالى عليَّ صوم عشرة أيام أن يفرقها، ويأتي بأقل ما يصح أن يصام بانفراده، وهو يوم، جاز في الاعتكاف.
قوله: وناذر عكوف أيام تقع البيتين، معناه أن من نذر اعتكاف أيام فيها يوم الجمعة، وكان ببلد تجب فيه الجمعة، وكان ممن تجب عليه الجمعة، وجب أن يعتكف بمسجد الجمعة خاصة، ولا يجوز له أن يعتكف في غيره، فإن فعل وحضرت الجمعة، وجب عليه الخروج للجمعة، واختلف هل يبطل اعتكافه، وهو الذي لمالك -رحمه الله تعالى - في المجموعة، وهو المشهور كما قال في الجواهر، أو لا، وعليه فهل يتم اعتكافه في الجامع كما لمالك وابن الجهم -رحمهما الله تعالى -أو يتمه بالمسجد الأول كما لعبد الملك -رحمه الله تعالى ـ.
стр. 368
قوله: أقل ما يندب البيت، معناه أن أقل المندوب منه عشرة، وأكثره شهر، والزيادة عليه مكروهة، وقال ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: أقل المستحب يوم وليلة، وأكثره عشرة، وعليه اقتصر اللخمي - رحمه الله تعالى - في التبصرة، قال: والأصل في أقله حديث عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إني نذرت اعتكاف يوم في الجاهلية، قال: " أوف بنذرك " وفي أكثره حديث ابن عمر وعائشة - رضي الله تعالى عنهم - أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلا ينبغي أن يجاوز العشر، لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان أشد الناس عبادة، وقام حتى تورمت قدماه صلى الله تعالى عليه وسلم.
وانظر ما تقدم عن ابن رشد -رحمه الله تعالى -في التهجير إلى الجمعة.
٦٦٢ - وناذر يوما فقط اَوَ اَكثرا ... لزمه ذاك الذي قد نذرا
٦٦٣ - وناذر لليلة فاليوم ... معْها عكوفه عليه حتْمُ
٦٦٤ - وابتد إن أفطرتَ يوما عامدا ... فذلك العكوف كلا فسدا
٦٦٥ - وهكذا جماعه لو حصلا ... باليل أو عن العكوف ذهلا
٦٦٦ - وليخرجِ اِن مرض، واجتنب ما ... للعاكفين فعله قد حرما
٦٦٧ - كحيض مرأة، وعد بالفور ... لمسجد عند زوال العذر
قوله: وناذر يوما البيتين، معناه أن من نذر اعتكاف يوم، أو أكثر لزمه اعتكافه، ويلزمه إذا نذر اعتكاف يوم، اعتكاف يوم وليلة على المشهور، وحكى عليه بعضهم الاتفاق، وإذا نذر اعتكاف ليلة لزمه يوم معها على مذهب المدونة، وقال سحنون لا يلزمه شيء، وصوبه اللخمي -رحمهما الله تعالى -قائلا: إن صح ما نذره أتى به، وإلا سقط، ونقل ابن ناجي -رحمه الله تعالى -عن بعض شيوخه أنه قال في قوله: وإلا سقط: بل يجب، لأن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به وهو مقدور عليه، فهو واجب.
стр. 369
وقال سند -رحمه الله تعالى -: لو نذر عكوف بعض يوم، قال عبد الوهاب لا يصح ذلك، وينبغي أن يلزمه ذلك من غير صوم، ولا يكون عكوفا، وإنما هو جوار نذره بلفظ العكوف، وكما يلزم العكوف إذا قصد معناه ونذره بلفظ الجوار، يلزم الجوار إذا قصده ونذره بلفظ العكوف، نقله في المواهب.
قوله: وابتد إن أفطرت البيت، يعني أنه إذا فسد صومه متعمدا، بطل اعتكافه، لبطلان الصوم الذي تقدم أنه شرط فيه، ولا يختص البطلان بذلك اليوم، بل يبطل ما قبله أيضا، لأن الاعتكاف لما كانت سنته التتابع، نزل منزلة العبادة الواحدة التي إذا فسد جزؤها فسدت كلها، وأما إذا وقع منه الفطر نسيانا - بأكل أو شرب - فلا يبطل اعتكافه بذلك، ويقضي يوما مكان ذلك اليوم متصلا به، كالمرض والحيض، كما في المدونة وظاهرها الإطلاق، وهو قول ابن القاسم وعبد الملك، وحملها بعضهم على غير التطوع، وأما التطوع فلا يقضي فيه بالنسيان، وهو قول ابن حبيب، عياض: وهو أصح، انظر المواهب.
قوله: وهكذا جماعه البيت، معناه أن الجماع مبطل للاعتكاف، سواء حصل عمدا أو سهوا، في ليل أونهار، وكذلك مقدماته من قبلة شهوة، ولمس، ومباشرة، والفرق بين الوطء وما ألحق به، والأكل والشرب، أن الأكل والشرب لا يحرمان بالاعتكاف، لجوازهما فيه، في غير وقت الصوم، بخلاف الوطء وما ألحق به، فإنه محرم بالاعتكاف، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: وشذ ابن لبابة في قوله: يصح الاعتكاف بغير المسجد، ولا يلزمه ترك المباشرة إلا فيه.
قوله: وليخرج، إلى قوله: كحيض مرأة، معناه أن المعتكف إذا مرض مرضا يمنعه من الصوم، فله أن يخرج حتى يقدر على الصوم، سواء قدر على الإقامة بالمسجد أو لا، إذ لا اعتكاف إلا بصوم، وقال القاضي عبد الوهاب إن قدر على الإقامة به لم يجز له الخروج، ونحوه لسند، قال ليأتي بالعبادة من الممكن، نقله في التاج.
стр. 370
والمشهور الأول فإذا قدر على الصوم بنى على ما سبق، وعاد فورا، وكذلك تخرج المعتكفة إذا حاضت أو نفست حتى تطهر، ويجب على المريض إذا خرج والحائض والنفساء تجنب ما لا يجوز فعله للمعتكف، ويؤمرون بفعل ما يقدرون عليه من أعمال الاعتكاف.
قوله: وعد بالفور إلخ، معناه أنه يجب الرجوع إلى معتكفه، إذا زال العذر فورا، قال في التاج: ابن حبيب: إن أخر المريض الرجوع إلى المسجد بعد إفاقته أو الحائض بعد طهرها، كان ذلك في ليل أو نهار، فليبتدئا الاعتكاف.
٦٦٨ - ولم يجز خروج عاكف خلا ... ما للتبرز خصوصا فعلا
٦٦٩ - وليدخلنْ قبل غروب الشمس في ... بداية العكوف بالمعتكف
٦٧٠ - ولا يعودنَّ مريضا، وترك ... أيضا به الصلاة خلف من هلك
٦٧١ - وهكذا الخروج قصد التجر ... فهْو هناك بدَهِيُّ الحظْر
٦٧٢ - والشرط في ذا الباب لا يعتبر ... فبالقضا ذو الشرط أيضا يؤمر
قوله: ولم يجز خروج البيت معناه أنه لا يجوز للمعتكف الخروج إلا لأمر ضروري، كقضاء الحاجة والوضوء وغسل الجنابة، وفي المدونة: أكره دخوله في بيته خوف الشغل به، قوله: وليدخلنْ قبل غروب البيت، معناه أن المعتكف يؤمر بدخول المعتكف في ابتداء الاعتكاف قبل غروب الشمس، فإن أخر عن ذلك فإن دخل قبل طلوع الفجر أجزأ على المشهور، وإن دخل بعد الفجر قبل طلوع الشمس لم يجزه على المشهور، خلافا للخمي -رحمه الله تعالى -وإن دخل بعد طلوع الشمس لم يجزه اتفاقا.
قوله: ولا يعودن مريضا إلى قوله بدهي الحظر، معناه أن المعتكف ينهى عن عيادة المريض والصلاة على الميت كراهة، إذا كان ذلك في المسجد، وأما إذا كان خارج المسجد فيمنع، وإن فعل بطل اعتكافه، واستأنفه، قال في التاج: من المدونة: لا يعود المعتكف بالمسجد مريضا، ولا يقوم بالمسجد ليعزي، أو ليهنئ، أو ليسلم، إلا أن يغشاه بمجلسه، سند: فإن خرج لعيادة مريض، أو جنازة، بطل اعتكافه.
стр. 371
والمشهور ندب اقتصاره على القراءة والذكر والدعاء والصلاة، وكراهة اشتغاله بغير ذلك من القرب، كتعلم العلم، وتعليمه، وكتابته، ونحو ذلك، خلافا لابن وهب -رحمه الله تعالى -فقد سوى بين القرب كلها، وأما الخروج للتجارة فهو ظاهر المنع والإبطال.
قوله: والشرط في ذا الباب البيت، معناه أن المعتكف إذا اشترط في اعتكافه أن يفعل أمرا منافيا للاعتكاف كخروجه لبيته أثناءه، ونحو ذلك، لم يفده ذلك الشرط، فيلزمه أن يعتكف على الوصف الذي تقدم بيانه، فإن لم يفعل فسد اعتكافه، ولزمه قضاؤه، كمن لم يشترط، وقال ابن القصار -رحمه الله تعالى -إذا اشترط ذلك لم يلزمه اعتكاف أصلا -دخل أو لا -وقيل لا يلزمه اعتكاف في ذلك إلا بدخوله فيه، وإن دخل بطل شرطه، واعتكف على الوجه المعهود، فإن خالف بطل اعتكافه، ولزمه قضاؤه.
٦٧٣ - وجوزنْ إمامة العاكف، معْ ... إنكاحه، كذا نكاحه اتسع
٦٧٤ - وليخرجنْ عند الغروب حيث تم ... ألعدد الذْ عند الابتداء أم
٦٧٥ - إلا بليل العيد، فالبقا إلى ... غدوه منه لعيدٍ فُضِّلا
قوله: وجوزن إمامة العاكف معناه أن إمامة العاكف في الصلاة فريضة أو نافلة، جائزة على المشهور من المذهب، وروى عن سحنون -رحمه الله تعالى -النهي عن ذلك، قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى - وعلى الجواز، فقال عبد الحق -رحمه الله تعالى -لا يجمع بهم ليلة المطر، قال غيره: ويستخلف من يصلي بهم على الجنازة.
وأشار ببقية البيت إلى جواز عقد المعتكف النكاح بالمسجد لخفة أمره، لنفسه ولغيره، قال في التاج: من المدونة: لا بأس أن يتطيب وينكح، ابن حبيب: لا يحرم عقد نكاح له أو لغيره، في مجلسه، إلا أنه يكره له الاشتغال بشيء من مثل هذا كله.
قوله: وليخرجن عند الغروب البيتين، معناه أن المعتكف إذا تمت الأيام التي نوى اعتكافها، جاز له أن يخرج عند غروب الشمس من اليوم الأخير، ولا يؤمر بالمكث إلى طلوع الفجر، إلا إذا اعتكف الأيام الأخيرة من رمضان، فإنه يؤمر بالبقاء في معتكفه ليلة الفطر، حتى يغدو منه إلى صلاة العيد، ندبا على المشهور، وقيل وجوبا، وتظهر فائدة ذلك في ما إذا حصل منه مناف للاعتكاف في تلك اليلة، والله أعلم.
стр. 372
باب في زكاة العين والحرث والماشية وما يخرج من المعدن
وذكر الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيين
٦٧٦ - ثم زكاة العين والحرث وما ... شية انحتامها قد علما
٦٧٧ - أما زكاة الحرث فهْي يوما ... حصاده تخرج منه حتما
٦٧٨ - أما زكاة العين والأنعام ... فمرة عند تمام العام
٦٧٩ - وزكينْ من الحبوب ما اكتمل ... خمسة أوسق فأعلى لا أقل
٦٨٠ - والوسق حده على ما ذكروا ... ستون صاعا، وكحب ثمر
قال القاضي عياض - رحمه الله تعالى -: أصل الزكاة النمو والزيادة، يقال: زكا الشيء يزكو إذا نمى بذاته وكثر، كالزرع والمال ونحوه، أو بحاله وفضائله كالإنسان في صلاحه وفضله، فسميت صدقة المال زكاة لذلك، قيل لأنها تبارك في المال المخرج منه وتنميه، كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " ما نقصت صدقة من مال " (١) وقيل لأنها تزكو عند الله ، وتنمو وتتضاعف لصاحبها، كما جاء في الحديث " حتى تكون أعظم من الجبل " (٢) وقيل لأن صاحبها يزكو بأدائها، كما قال الله : (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) وقيل تطهر الأموال وتطيبها، وقد سماها النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ أوساخ الناس، (٣) ولو بقيت في المال ولم تخرج منه أفسدته وأخبثته، وقيل الزكاة التطهير، وعليه فسر بعضهم (قد أفلح من تزكى) قال تطهر من الشرك، وهو راجع إلى ما تقدم، وقيل الزكاة الطاعة، ولأن مخرجها لا يخرجها إلا من إخلاصه، وصحة إيمانه، لما جبلت عليه النفوس من حب المال، ولهذا لما توفي النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ منعت أكثر العرب الزكاة، وتميز بأدائها الخبيث من الطيب، ولهذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم في الصحيح: " والصدقة برهان (٤)
стр. 373
" أي: دليل على صحة إيمان صاحبها وقيل لذلك سميت صدقة من الصدق، إذ هي دليل على صحة صدق إيمانه، ومساوات ظاهره وباطنه، وقيل لأنها لا تؤخذ إلا من الأموال المعرضة للنماء والزيادة، كأموال التجارات، والأنعام والحرث والثمار، وسماها الشرع أيضا صدقة، فقال : (خذ من أموالهم صدقة) (إنما الصدقات للفقراء) الآية، وذلك لأن صاحبها مصدق بإخراجها، أمر الله بذلك، وذلك دليل على صدق إيمانه كما تقدم، وسماها أيضا حقا فقال : (وآتوا حقه يوم حصاده) وسماها نفقة بقوله : (ولا ينفقونها في سبيل الله) وسماها عفوا بقوله : (خذ العفو) على اختلاف بين المفسرين في بعض هذه الكلمات، نقله في شفاء الغليل.
ونقل عن الماوردي أنه قال: الزكاة في عرف الشرع اسم لأخذ شيء مخصوص، من مال مخصوص، على أوصاف مخصوصة، لطائفة مخصوصة.
وعرفها ابن عرفة -رحمه الله تعالى - في مختصره بقوله: الزكاة اسما: جزء من المال شرط وجوبه لمستحقه بلوغ المال نصابا، ومصدرا: إخراج جزء إلخ.
قال: وعلم وجوبها لغير حديث الإسلام ضروري، وروى ابن رشد -رحمه الله تعالى - جاحده كافر.
стр. 374
قوله: ثم زكاة العين الأبيات الثلاثة، معناه أن وجوب الزكاة في هذه الأنواع من الأموال معلوم ضرورة، وهي العين والحرث والماشية، والمراد بالعين الذهب والفضة، وما في حكمهما من عروض التجارة، وبالحرث ما يشمل ثمار النخيل ونحوه، وبالماشية الإبل بختها وعرابها، والبقر جواميسها وغيرها، والغنم ضأنها ومعزها، ووجوب الزكاة في الحبوب والثمار بالحصاد على ما ذكره الشيخ، وهو قول ابن مسلمة - رحمهما الله تعالى - ولا يجزئ عنده الإخراج قبله، ولو بعد الطيب، والمشهور أنها تجب بإفراك الحب وطيب الثمر، وقيل تجب في الثمار بالخرص، وقيل تجب في الحبوب باليبس، ووجه الخلاف احتمال الحصاد في الآية للحصاد بالفعل، وإمكانه، وهو المعول، قال في التاج: قال اللخمي: الزكاة تجب عند مالك - رحمه الله تعالى - بالطيب، فإذا أزهى النخل، وطاب الكرم، وحل بيعه، أو أفرك الزرع، واستغنى عن الماء، واسود الزيتون، أو قارب الاسوداد، وجبت فيه الزكاة.
والحب الذي تجب فيه الزكاة هو الذي يدخر غالبا للقوت، وذلك يختلف باختلاف البلاد، هذا هو المشهور، ومنهم من زاد قيد الخبز، فأسقط القطاني، ومنهم من قال تجب في كل مأكول مدخر.
انظر مختصر ابن عرفة.
هذا والخرص خاص على المشهور بالتمر والعنب، ولا يخرصان إلا إذا حل بيعهما، واختلفت حاجة أهلهما، ولا يخرص الحائط جملة، بل تخرص كل شجرة على حدتها، ويسقط ما تنقص به بعد الطيب.
وأما العين والأنعام فلا تجب زكاتهما إلا مرة واحدة عند الحول، إلا عين المعدن، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: وزكين من الحبوب البيتين، أشار به إلى أن النصاب في الحبوب والثمار خمسة أوسق، فلا زكاة في ما لم يبلغها.
стр. 375
وأشار بقوله: فأعلى إلى أنه لا وقص فيها، فالزائد على النصاب تجب زكاته والأصل في هذا كله قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " ليس في ما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة " (١) منطوقا ومفهوما.
والوسق بفتح الواو، وبكسرها، والأول أشهر، جمعه أوسق، ووُسوق، وأوساق، والوسق: ستون صاعا، والصاع: أربعة أمداد بمد النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم - وقد تقدم ذلك، ولا يمكن حد المكيلات بالغرام، وإنما يحد بالميللتر، فالكيل تعيير للحجم، والوزن تعيير للثقل، وقد وهم في ذلك ناس.
٦٨١ - والقمح والشعير والسُّلْتُ تُضَمْ ... فزكِّ إن من بينها النصاب تم
٦٨٢ - واجمع كذا القطان بعضها معا ... بعض، كذا الزبيبَ كلَّه اجمعا
٦٨٣ - والاُرْزُ والذرَة دُخْنٌ كلُّ ... صنف عن الحبوب مستقل
٦٨٤ - فزكينَّ كل واحد على ... حِدَتِه حيث نصابا كملا
٦٨٥ - وفي تنوُّع تمور الحائط ... عن الجميع زكينْ بالوسط
قوله: والقمح للشعير البيت، معناه أن القمح والشعير والسلت جنس واحد، فمن رفع من جميعها خمسة أوسق وجبت عليه الزكاة، ويخرج من كل صنف بقدره.
قوله: واجمع كذا القطان بعضها معا بعض، معناه أن القطاني صنف واحد، فإذا تم النصاب من بين أنواعها وجبت الزكاة، ويخرج من كل واحد بقدره، وهي الفول، والعدس، والحمص، والجلبان، واللوبيا، والترمس، والبسيلة، وقد اختلف قول مالك -رحمه الله تعالى -في جنسيتها في البيع، واختلف المتأخرون فرأى القاضي عبد الوهاب ? رحمه الله تعالى -جريان ذلك في الزكاة أيضا، وقال الباجي -رحمه الله تعالى -: الصواب أنه لا يجري.
وعول على ما ذكره مالك -رحمه الله تعالى -في الموطإ في أن الدنانير والدراهم جنسان في الربا، ويضاف بعضها إلى بعض في الزكاة بلا خلاف، نقله ابن ناجي -رحمه الله تعالى ـ.
стр. 376
وقال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: أجمع العلماء على ضم رديء كل جنس إلى جيده، وبالعكس، واختلفوا في اعتبار الجنسية، فقال مالك -رحمه الله تعالى -بتقارب المنافع، وقال الجماعة باتفاق الأسماء، والمذهب أن ما تقاربت منافعه، واستوى في المحصد والمنبت جنس، وإن اختلفت أسماؤه كالقمح والشعير والسلت.
قوله: كذا الزبيب كله اجمعا، معناه أن أصناف الزبيب كلها جنس واحد، فيضم بعضها إلى بعض.
قوله: والأرز والذرة البيتين، معناه أن هذه الأنواع الثلاثة من الحبوب كل واحد جنس مستقل، فلا يضم بعضها إلى بعض، بل ينظر إلى كل واحد على حدته، فإن بلغ خمسة أوسق زكى، وإلا فلا، وقيل إنها جنس واحد، بل قال الليث إنها مع القمح والشعير والسلت جنس واحد، وجعله اللخمي -رحمه الله تعالى -أقيس، لأن الغالب من هذه الحبوب أن تستعمل خبزا وفيه بعد.
قوله: وفي تنوع البيت، معناه أن التمر إذا كان أنواعا تؤخذ الزكاة من وسطه، وإن كان نوعا واحدا أو نوعين أخذ منه كيف كان، كل بقدره، وقيل إنما يؤخذ منه إذا كان وسطا، وإن كان جيدا كله، أو رديئا كله، كلف ربه الوسط قاله مالك -رحمه الله تعالى - في المجموعة، وأما الحبوب فيؤخذ منها كيف كانت نوعا أو نوعين أو أنواعا، واختلف في الزبيب إذا كان أنواعا هل يؤخذ من وسطه كالتمر، أو يؤخذ من كل بقدره كالحب.
٦٨٦ - والزيت في الزيتون أيضا انحتم ... إن يكن الحب نصابا استتم
٦٨٧ - كذاك حب الفجل والجلجان ... وإن تُبَعْ حبا ففي الأثمان
٦٨٨ - ولا زكاة في الفواكه، ولا ... زكاة في الخضر أيضا مسجلا
стр. 377
قوله: والزيت في الزيتون البيتين، معناه أن الزيتون تجب فيه الزكاة على المشهور، إذا بلغ خمسة أوسق، وحكي عن ابن وهب أنه لا زكاة فيه، وجعله ابن عبد السلام الجاري على أصول المذهب إذ ليس بمقتات، ولا ينظر إلى كثرة الزيت الذي يعصر منه وقلته على المشهور، وقال اللخمي - رحمه الله تعالى -: إن كان الحب خمسة أوسق، وكان الذي يخرج منه من الزيت ينقص عن المعهود نحو النصف لقحط، فلا زكاة، وإن نقص يسيرا فالزكاة، وتخرج الزكاة من الزيت خاصة، وإن أخرجها من الحب لم تجزه على المشهور، وقال ابن مسلمة الواجب الحب، وقيل هو بالخيار بينهما، وكذلك القول في حب الفجل والجلجان، فإذا بيعت هذه الحبوب قبل عصرها أخرجت زكاتها من ثمنها، كما قال الشيخ - رحمه الله تعالى ـ.
قال ابن ناجي: والمشهور من المذهب أن الزيتون الذي له زيت، إنما يخرج عنه الزيت فقط، وما لا زيت له يخرج من ثمنه.
قوله: ولا زكاة في الفواكه البيت، معناه أنه لا زكاة في الفواكه كالتفاح والموز، ولا في الخضر كالجزر ونحوه، لعدم الادخار.
٦٨٩ - زكِّ بنصف العشر ما قد سُقيا ... بالال، والغير بعُشْرٍ زُكِّيا
قال في التاج: قال مالك -رحمه الله تعالى -: في ما سقته السماء أو شرب سيحا أو بعلا العشر، وفي ما سقته السواني بغرب أو دالية أو غيره، نصف العشر، ابن حبيب: البعل: ما يشرب بعروقه من غير سقي سماء ولا غيرها، والسيح: ما يشرب بالعيون، والعثرى: ما تسقيه السماء، والنضح: ما سقته السواني والزرانيق، وباليد وبالدلو.
وفي الموطإ " في ما سقت السماءُ والعيونُ والبعلُ العشرُ، وفي ما سقي بالنضح، نصف العشر "
ولفظ البخاري " في ما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرِيا العشرُ، وما سقي بالنضح نصف العشر "
٦٩٠ - وما عن العشرين دينارا يقل ... فلا زكاة فيه حتى يكتمل
٦٩١ - وأدِّ ربْعَ العشْر إن تم النصابْ ... وإن يزدْ فزكِّ زيْدا بالحساب
стр. 378
٦٩٢ - كمائتي درهم أيضا من ورِقْ ... فكل ذلك عليها ينطبق
٦٩٣ - وضَمُّ ذين حيث يستتم ... إذا يقدر النصاب حتْم
المعنى أنه لا زكاة في ما نقص عن عشرين دينارا من الذهب، فإذا بلغ ذلك وجبت فيه الزكاة، وإن زاد على ذلك وجبت في ما زاد به ولو يسيرا، ولا تجب زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم، فإن بلغتها وجبت زكاتها، وزكاة ما زادت به، وزكاة الذهب والفضة ربع العشر، ومن كانت عنده فضة لا تبلغ نصابا، وكان عنده من الذهب ما يتمها نصابا بالوزن، لا بالقيمة، وجبت عليه الزكاة، وذلك كمائة درهم وعشرة دنانير، وإن كانت قيمة المائة دون خمسة دنانير، أو قيمة العشرة دون خمسين درهما، بخلاف من كانت عنده مائة درهم وثمانية دنانير، تساوي مائة درهم، فلا زكاة عليه، وذهب ابن لبابة إلى عدم ضم الذهب إلى الفضة مطلقا، واستصوبه ابن عبد البر، اعتبارا باختلافهما في الربا.
وتحديد نصاب الذهب بعشرين دينارا (١) ونصاب الفضة بمائتي درهم ثابت في الحديث (٢).
وكذلك تحديد نصاب الحبوب والثمار كما سبق.
٦٩٤ - ولا زكاة في العروض حيث لم ... يكن بها حين الشراء التجرَ أمْ
٦٩٥ - وزكينَّ ثمنا لحول ... من استلام ثمن من قبل
стр. 379
٦٩٦ - أو من زكاته زكاة عام ... لو مكثت بضعا من الأعوام
٦٩٧ - وذاك إن كنت في الاتجار ... بهذه العروض ذا احتكار
٦٩٨ - إلا فقوِّمْ كلَّ عام العروضْ ... وزكها معْ ما هناك ذي نضوضْ
٦٩٩ - والحول في الأرباح حول الأصل ... وحول الامهات حول النسل
قوله: ولا زكاة في العروض البيت، معناه أنه لا زكاة في عروض القنية، وإنما تزكى عروض التجارة خاصة، ويشترط في وجوب الزكاة فيها أن يكون ملكه لها بمعاوضة، ويكون ثمنها عينا أو عروض تجارة، بخلاف العروض الموروثة والموهوبة، والعروض المشتراة بالعروض الموروثة أو الموهوبة، فلا زكاة فيها، وإن نوى بها التجارة، إذ لا ينتقل المقتنى إلى التجارة بمجرد النية، فيستقبل بثمنها بعد بيعها.
قوله: وزكين ثمنا الأبيات الثلاثة، أشار به إلى أن عروض التجارة لا زكاة فيها حتى يبيعها بعين إذا كان محتكرا، ويمضي حول على استلام ثمنها قبل شرائها، أو زكاته إن كان قد زكاه قبل اشترائها، فإن لم يبع إلا بعد سنين زكى لسنة واحدة، والمحتكر: هو الذي يرصد ببضائعه السوق، حتى يجد فيها ربحا معتبرا.
وأما المدير وهو الذي يبيع بالسعر الواقع من غير ترصد، ولا يستقر بيده عين ولا عرض، فيقوم كل عام عروضه، مع ما نض له من العين، ولا يشترط على المشهور بلوغ الناض نصابا، ولا كونه في آخر الحول على المشهور.
فإن لم ينض له في الحول شيء انتظر النضوض، ويتحول حوله إلى يوم النضوض، ويقوم دينه المرجو إذا كان مؤجلا، وإن كان حالا اعتبر عدده، وأما غير المرجو فلا زكاة فيه حتى يقبضه، وأشار إلى زكاة المدير بقوله: إلا فقوم كل عام البيت، والمشهور في سلعه التي بارت وانتظر بها السوق، أنها باقية على حكم الإدارة، فتقوم كغيرها، خلافا لابن نافع وسحنون، وقال اللخمي ﵀ إن محل الخلاف إذا بار الأقل، فإن بار النصف لم يقوم اتفاقا، وجعل ابن الماجشون حد البوار بالعرف، وحده ابن نافع وسحنون بالعامين، وقد كنت قلت:
стр. 380
بضائع المدير حيث بارتِ ... الاشهر أنها على الإدارة
وكونها في حكمها كالمحتكر ... إليه من أصحابنا مال نفر
مثلِ ابن نافع وذي الرسوخ ... عبد السلام العالم التنوخي
وجعل اللخمي محلَّ الخلف ... إن يكن البائر دون النصف
إلا فهي على الاحتكار ... من غير ما خلف لديه جار
والخلف في حد البوار سُمعا ... فبعضهم للعرف فيه رجعا
والحد بالعامين سحنون السري ... له عزاه صاحب الميسر
قوله: والحول في الأرباح البيت، أشار به إلى مسألتين الأولى أن حول الأرباح حول رأس المال، وإن كان رأس المال أقل من نصاب، ولو كان دينا عليه، فإذا ملك دينارا وحال عليه الحول، واشترى به ثوبا للتجارة، وباعه بعشرين دينارا، زكاها وقت البيع، إذا كان الحول قد حال قبل ذلك على ملك الدينار، وإذا كان ذلك لنحو أحد عشر شهرا من ملك الدينار، انتظر تمام الشهر الثاني عشر، وهذا بخلاف الفوائد، فإنه يستقبل بها حولا من يوم استفادها، سواء كان عنده نصاب عين حين الاستفادة أو لا، والفائدة في العين هي ما تجدد عن غير مال، كعطية ومهر وأرش، والثانية أن حول النتاج حول الأمهات، وتضم الفائدة هنا لما قبلها إن كان نصابا، فإن لم يكن نصابا استقبل بالجميع حولا من يوم الاستفادة، قال في البيان والتحصيل: وإن كان لرجل نصاب ماشية، فأفاد إليها غنما، فهو يزكي ما أفاد إليها، على حول نصاب الذي عنده، إلى أن قال: وإن حال حولها - يعني الماشية الأولى - وهي على نقصانها، فلا شيء عليك فيها، ولا في ما أفدت إليها، وزكها كلها على حول الآخرة، إلا أن ترجع الغنم الأولى إلى حالها الأول، أو تبلغ ما تجب في مثلها الزكاة فتزكيها عند ذلك وتزكي معها ما أفدت إليها، ويكون حولها من يوم زكيت، إلا أن تكون ممن يأتيك الساعي فتؤخر زكاتك إلى مجيئه، لأن حولك مجيء الساعي، وحلوله عليك.
قال محمد بن رشد -رحمه الله تعالى -: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف فيها بينهم.
стр. 381
وإنما نقلت هذا مع أن معناه في المدونة، لما حصل لبعض الشيوخ هنا من التخليط، وعدم التفريق بين من يكون لهم سعاة، ومن لا سعاة لهم.
واعلم أن فائدة الماشية هي ما تجدد ملكه بأي وجه غير الولادة، والله أعلم.
٧٠٠ - وأسقطوا الزكاة عن ذي العين ... والعرض لا سواهما بدين
٧٠١ - منَقِّصٍ عن النصاب حيث لا ... مال سوى ذا للديون قابلا
٧٠٢ - ولا تزك الدين من قبل الادا ... وزكه لسنة لا أزيدا
٧٠٣ - إن كان من قرضٍ وعن تجاره ... أيضا اِذا ما لم تكن مُداره
قوله: وأسقطوا الزكاة إلى قوله عن النصاب، معناه أن من كان عنده من العين وما ألحق بها من عروض التجارة نصاب فأكثر، وكان عليه دين يستغرق ذلك، أو لا يفضل عنه منه نصاب، فلا زكاة عليه، وذلك لقول عثمان -رضي الله تعالى عنه - وهو على المنبر: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين، فليقض وليزك بقية ماله، قال ذلك بمحضر الصحابة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين -فلم ينكروا عليه، فكان ذلك في معنى الإجماع، ولوجوب زكاته على صاحبه.
وأشار بقوله: لا سواهما، إلى أن زكاة الحبوب والثمار والمواشي والمعادن لا تسقط بالدين، وذلك لعمل الخلفاء -رضي الله تعالى عنهم -حيث كانوا يبعثون السعاة لزكاة غير العين، ولا يسألون عن الدين، قال اللخمي -رحمه الله تعالى -: والقياس سقوط الجميع.
стр. 382
وأشار بقوله: حيث لا مال البيت، إلى أن محل سقوط الزكاة بالدين، إذا لم يكن له مال يفي به مما يباع على المفلس، من عروض القنية، والأرقاء، والعقار، والحيوانات المقتناة، والديون المرجوة، والماشية، والمعشرات، فتجب عليه الزكاة، قال في التاج: في الموازنة لابن القاسم: من له أربعون شاة، وعليه مثلها دين، وعنده عشرون دينارا، فحال حول على ذلك كله، وأخذ الساعي شاة، فانظر فإن كان قيمة التسعة والثلاثين شاة الباقية مثل قيمة ما عليه فأكثر، فليزك العشرين دينارا، وإلا لم يزك، ابن يونس: وكذلك لو رفع من زرعه خمسة أوسق فزكاها، وله مائة دينار حال حولها، وعليه مائة دينار، فإنه يقوم ما بقي من القمح، فيجعله في دينه ويزكي ما قابل ذلك من المائة التي بيده.
قوله: ولا تزك الدين البيت، معناه أنه لا زكاة في الدين إلا بعد قبضه، فإذا قبض زكي لسنة واحدة، ولو مكث سنين، وهذا إذا كان الدين من قرض، أو كان من بيع وكان ربه محتكرا، وإلى ذلك الإشارة بقوله: إن كان من قرض البيت.
وأما المدير فيزكي دينه مع عروضه على ما تقدم بيانه.
٧٠٤ - لا شيء في الرقيق، والدار، ولا ... خيل، وخادم، وما قد ماثلا
٧٠٥ - من مُقتنَى الرباع، والحَلْي إذا ... كان للبس جائز متخذا
стр. 383
معناه أنه لا زكاة على المرء في عبده، وخادمه، وفرسه، وداره، وما يتخذ للقنية من الرباع والعروض، وقد جاء في الصحيح " ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة " (١) ولا زكاة أيضا في الحلي المتخذ للبس الجائز، ولو لرجل، قال في المواهب: واعلم أن الزكاة تسقط عن حلي الرجل في وجه واحد باتفاق، وهو ما إذا اتخذه لزوجته، أو أمته، أو ابنته، أو خدمه، وما أشبه ذلك، إذا كانت موجودة، واتخذه لتلبسه الآن، وكذلك خاتمه الفضة، وحلية لسيفه ومصحفه، وتجب في وجه واحد باتفاق، وهو ما إذا اتخذه للتجارة، ويختلف في ما عدا ذلك مما سيأتي، وتسقط الزكاة عن حلي المرأة في وجهين باتفاق، وهو ما إذا اتخذته للباسها، أو لابنة لها لتلبسه الآن، وتجب في وجه واحد باتفاق، وهو ما إذا اتخذته للتجارة.
واختلف في المتخذ للكراء، فقيل لا زكاة فيه، وهو ظاهر المدونة، وقيل تجب فيه، وبه قال ابن مسلمة وابن الماجشون، وصوبه اللخمي، وهو ظاهر المصنف، وقيل تجب على الرجل، ولا تجب على المرأة، إذ لو شاءت للبسته، وهو لابن حبيب.
٧٠٦ - ووارث لدينٍ، أو لعرض ... فالحولَ يستقبل بعد القبض
٧٠٧ - وأوجبوا أيضا على الأطفال ... زكاةَ فطرٍ، وزكاة المال
٧٠٨ - وما على الرقيق شيء أصْلا ... في المال، رُقَّ بعضه أو كلا
٧٠٩ - وحيث حَرَّ ولديه مال ... فالحكم في ذلك الاستقبال
قوله: ووارث لدين البيت، معناه ظاهر.
وهو أن من ورث دينا أو عرضا فلا زكاة عليه فيهما، بل يستقبل بما يقبضه من دينه، ومن ثمن العرض.
قوله: وأوجبوا أيضا على الأطفال البيت، معناه ظاهر أيضا، وهو أن وجوب الزكاة لا يشترط فيه تكليف المالك، فتجب في مال الصبي والمجنون -ماشية أو حرثا أو عينا -يخرجها عنهما وليهما، وكذلك صدقة الفطر.
стр. 384
قوله: وما على الرقيق البيتين، معناه أن مال العبد القن، والذي فيه بقية رق، كالمكاتب، والمدبر، وأم الولد، والمعتق لأجل، والمبعض، لا زكاة فيه، لا عليه، لأنه غير تام الملك، ولا على سيده، لأن العبد مالك حتى ينتزع منه، فإذا عتق ولم يستبق سيده ماله، استقبل به حولا.
٧١٠ - وزكينَّ بالغ النصاب ... من معدن الفضة والأذهاب
٧١١ - يوم خروجه، وضُمَّ ما اتصل ... به له، لا عرقا آخر انفصل
معناه أن المستخرج من معدن الذهب والفضة تجب زكاته يوم خروجه، إذا كان مستخرجه ممن يخاطب بالزكاة، وبلغ نصابا، وتدفع زكاته لمصارف الزكاة، وإذا استخرج منه شيئا بعد ذلك، فإن كان من نفس العرق ضم لما سبق، فيزكيه وإن قل، وإن كان العرق الأول قد انقطع واستخرج من عرق آخر، نظر، فإن استخرج منه نصابا زكى، وإلا فلا شيء عليه حتى يكتمل المستخرج من ذلك العرق نصابا، وهذا كله في غير الندرة، وأما الندرة فلها حكم الركاز، والندرة هي القطعة الخالصة التي لا تحتاج إلى تخليص، وأما المعادن الأخرى فلا زكاة فيها.
٧١٢ - وخذ منَ اَهل الذمة الأحرار ... للعام أربعا من الدينار
٧١٣ - أوَ اَربعين درهما، وأعفيا ... ذا الرق منهم، والنسا، والاصبيا
٧١٤ - وخفِّفَنْ عن ذوي الافتقار ... والكل في المجوس أيضا جار
٧١٥ - كذاك نصرى عرب، والتاجرُ ... يؤخذ منه حيث باع العُشُر
٧١٦ - من هؤلا إذا منُ اُفْقٍ تجرا ... للغير، لو بالعام ذا تكررا
٧١٧ - وخففنْ بالنصف في جلب طعام ... لطيبة الغرا ومكة الحرام
٧١٨ - وخذ من الحربي أيضا عُشُرا ... ما لم تكن قد اشترطتَ أكثرا
стр. 385
قوله: وخذ من اهل الذمة، إلى قوله: ذوي الافتقار، أشار به إلى الجزية المذكورة في قوله : (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) والجزية نوعان: عنوية وصلحية، وعرف ابن عرفة -رحمه الله تعالى -الأولى بقوله: ما لزم الكافر من مال لأمنه، باستقراره تحت حكم الإسلام وصونه.
وعرف الثانية بقوله: ما التزم كافر منع نفسه أداءه على إبقائه ببلده تحت حكم الإسلام حيث تجري عليه.
ومعلوم أن هذا بغير جزيرة العرب وهي مكة والمدينة واليمن، وما حول ذلك، وذلك لحديث " لا يبقين دينان أرض العرب " (١) ولذلك أجلاهم عمر -رضي الله تعالى عنه - منها، ولا يمنعون منها مسافرين، وقد ضرب لهم عمر -رضي الله تعالى عنه -ثلاثة أيام يتسوقون، وينظرون في حوائجهم.
والجزية العنوية: أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الورق، ولا تضرب إلا على الذكر الحر المكلف المخالط، فلا تضرب على امرأة، ولا على عبد، ولا على صبي، ولا على راهب منعزل، ويخفف عن الفقير، فلا يؤخذ منه إلا ما يستطيع، وقال ابن الماجشون تسقط عنه جملة، واستحسنه اللخمي، ووجهه ابن بشير بالقياس على الزكاة، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: ابن رشد: لا نص لمالك وأصحابه في زمن وجوبها، وظاهر المذهب والمدونة تؤخذ آخر العام، وهو القياس كالزكاة، ومثله للباجي.
وأما الجزية الصلحية فقدرها ما يقع عليه الصلح، من قليل أو كثير، لكن إذا قبلوا قدر الجزية العنوية حرم قتالهم، وإذا صالحوا على جزية مبهمة وجبت لهم الذمة، ولزمهم قدر العنوية، ووقت الجزية الصلحية كوقت العنوية، وقيل تؤخذ منهم أول العام.
стр. 386
قوله: والكل في المجوس أيضا جاري كذاك نصرى عرب، أشار به إلى أن الجزية تؤخذ أيضا من المجوس، لما في الصحيح من أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، وتؤخذ أيضا من نصارى العرب، لصدق اسم أهل الكتاب عليهم، ومذهب المدونة أنها تؤخذ من كل من دان بغير الإسلام، ممن لم يتقدم له إسلام - كتابيا أو لا عجميا أو عربيا -وقيل لا تؤخذ من غير أهل الكتاب، ثالثها تؤخذ إلا من مجوس العرب، ورابعها تؤخذ إلا من قريش، لإسلامهم كلهم يوم الفتح، فالكافر منهم مرتد.
ويمنع أهل الذمة من إظهار الخمور، والخنازير، ومعتقدهم، ورفع أصوات النواقيس، ويلزمون بشد الزنانير، ويمنعون من التشبه بالمسلمين.
قوله: والتاجر، إلى قوله: تكررا، معناه أن التاجر من أهل الذمة إذا قدم بتجارة من أفق إلى أفق، وباعها أخذ منه عشر الثمن، ولو تكرر ذلك في العام مرارا.
فإن لم يبع فظاهر الشيخ أنه لا يؤخذ منه شيء، وهو المشهور، وقيل يؤخذ منه العشر، وإن لم يبع، وأما إذا خرج بالبضاعة إلى ناحية من أفقه، فلا يؤخذ منه شيء، وفي مختصر ابن عرفة -رحمه الله تعالى -أن أفقه محل أخذ جزيته وعمالاته، قال: وفيها الشام والمدينة أفقان، الشيخ: سمع القرينان: ما جلب من تيماء إلى المدينة عُشِّر، لا من واد القرى إليها، ابن عبدوس: روى ابن وهب: إن تجر عراقي بصري للكوفة لم يؤخذ بشيء، والشام والعراق ومصر، آفاق، ابن رشد: والحجاز واليمن أفقان، والأندلس كلها أفق واحد.
قوله: وخففن بالنصف البيت، معناه أنه لا يؤخذ منهم إذا قدموا مكة المكرمة أو المدينة المنورة وقراهما بطعام، إلا نصف العشر على المشهور، لعمل عمر -رضي الله تعالى عنه -وروى ابن عبد الحكم أنه يؤخذ منهم العشر كاملا أيضا.
стр. 387
قوله: وخذ من الحربي البيت، معناه أن التجار الحربيين إذا قدموا بتجارة إلى بلاد الإسلام بأمان، فإن دخلوا على شيء معين، لزمهم، وإن لم يعين شيء أخذ منهم العشر فما دونه، باجتهاد الإمام، ولا يزاد على العشر.
٧١٩ - وفي الركاز الخمْس، وهو دِفْنُ ... ألجاهلي، وإن يجده قِنُّ
٧٢٠ - أو كافر، أو عن نصاب قلا ... أو لم يكن من جنس نقدٍ اَصلا
أشار بهذا إلى الركاز، وهو دفن أهل الجاهلية ولو شكا، والواجب فيه على واجده الخمس، وإن لم يبلغ نصابا، أو لم يكن عينا، ولا يشترط في واجده أن يكون حرا، ولا مسلما، والأصل فيه حديث الصحيح " في الركاز الخمس " (١) وأما دفن المسلم أو الذمي فهو لقطة، ولا تخميس في ما لفظه البحر، كالعنبر واللؤلؤ، وخمس الركاز يدفع للإمام إذا كان عدلا، وإلا تصدق به، ومحل تخميسه إذا لم يحتج لكبير عمل، فإن احتاج لنفقة كبيرة، أو كبير عمل، فالزكاة فقط كالمعدن، والله أعلم.
стр. 388
باب في زكاة الماشية
٧٢١ - والخمس ذَوْد النصاب الاولُ ... من نُصُب فيها تُزَكى الابل
٧٢٢ - وفرض ذاك جذعٌ، أو الثني ... منَ اَكثر الغنم في ذا الموطن
٧٢٣ - أعني من المعيز، أو من ضان ... للتسع، والعشر لها شاتان
٧٢٤ - ولتحكمنَّ هكذا بشاة ... لكل خمس بعد ذاك تاتي
٧٢٥ - وفرضها بنت المخاض إذ تكون ... خمسا مع العشرين، أو نجل اللبون
٧٢٦ - إن لم تكن له، وست وثلا ... ثون لها بنت اللبون مسجلا
٧٢٧ - لستة وأربعين حقة ... إحدى وستون لها جذَعَة
٧٢٨ - ولتحكمنْ في الست والسبعينِ ... أيضا كذاك بابنتي لبون
٧٢٩ - وما على التسعين ذو زيدان ... ولو بفرد فيه حقتان
٧٣٠ - وما ورا المائة والعشرينا ... قسِّم للاربعين والخمسينا
٧٣١ - فذي لها الحقة، أما الاربعون ... ففي زكاتها كفت بنت لبون
٧٣٢ - وجذَع ذو الخمسة الأعوام ... والحُقُّ عنه نازل بعام
٧٣٣ - وبين كل اثنين بالعام افرُقا ... أيضا بما من قبل ذين سبقا
أشار بهذه الأبيات إلى زكاة الإبل، فذكر أن أول نصبها الخمس، وأن الواجب فيها شاة جذعة أو ثنية من أكثر غنم البلد من معز أو ضأن على المشهور، فإن استويا خير الساعي، وقيل من جل كسب المزكي، وقيل الأمر في ذلك كله واسع، فإذا بلغت عشرا ففيها شاتان كذلك، وهكذا يخرج عن كل خمسة شاة إلى خمس وعشرين، فتلزمه بنت مخاض، إن كانت في ماشيته، فإن لم تكن في ماشيته وكان فيها ابن لبون أخرجه مكانها، فإن لم يكونا عنده جميعا اشترى بنت مخاض، إلا أن يرى الساعي ابن اللبون نظرا، وهكذا إلى ست وثلاثين، فتلزمه فيها بنت لبون، إلى ست وأربعين، فتلزمه فيها حقة، إلى إحدى وستين، فتلزمه فيها جذعة، إلى ست وسبعين، فتلزمه فيها ابنتا لبون، إلى إحدى وتسعين، فتلزمه فيها حقتان، إلى مائة وإحدى وعشرين، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، والأصل في هذا كله كتاب الصدقة الذي كتبه أبو بكر لأنس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ حين وجهه إلى البحرين (١) وكتاب عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ الذي قرأه مالك ـ رحمه الله تعالى (٢).
стр. 389
والمشهور في المذهب في ما بين المائة والعشرين، والمائة وثلاثين، تخيير الساعي بين حقتين وثلاث بنات لبون، إذا كان كل منهما موجودا في الماشية، أو مفقودا، فإن وجد أحدهما فقط تعين، وقال ابن القاسم وابن شهاب - رحمهما الله تعالى - ليس للساعي أن يأخذ الحقاق، وإنما يأخذ بنات اللبون، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: وبه أقول، لقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وقول عمر - رضي الله تعالى عنه ـ: " فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة " فليس له إلا بنات اللبون كان السنان من الإبل، أو أحدهما، أو لم يكونا، وروى أشهب وابن نافع وابن الماجشون عن مالك ليس فيها إلا حقتان، قال ابن الماجشون: وإنما يعني في الحديث بقوله: فما زاد على العشرين ومائة، يريد زيادة تحيل الأسنان، فلا يزول عن الحقتين إلى ثلاثين ومائة، وجعل اللخمي - رحمه الله تعالى - هذا القول أبين الأقوال، قال: لأن المفهوم من قول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم: - " فما زاد " زيادة العشرات، لقوله: " ففي كل أربعين وفي كل خمسين " فالذي ينقل حكم الخمسين هو الذي ينقل حكم الأربعين، لمساواته بينهما، ولو أخذ من إحدى وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون، لأخذت من عشرين ومائة، لأن الواحدة الزائدة على العشرين ومائة وقص، غير داخلة في الزكاة، ولا يوجد في شيء من المسائل أن الوقص ينقل فرضا، وإنما ينقل الفرض ما هو فرض مزكى.
وقال ابن يونس -رحمه الله تعالى -: وجه قول مالك -رحمه الله تعالى -الذي جعل الساعي فيه مخيرا، أنه لما كان في الحديث " فما زاد على عشرين ومائة " يصلح فيه حقتان، ويصلح فيه أيضا ثلاث بنات لبون، إذ فيها أكثر من خمسينين، وأكثر من ثلاث أربعينيات، وجب تخيير الساعي.
وانظر هل يمكن أن يعتبر في ذلك بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الغنم " فإن زادت على عشرين ومائة "
стр. 390
وبنت المخاض هي التي أتمت سنة ودخلت في السنة الثانية، وبنت اللبون هي التي أتمت سنتين ودخلت في السنة الثالثة، والحقة هي التي أتمت ثلاث سنين ودخلت في السنة الرابعة، والجذعة هي التي أتمت أربع سنين ودخلت في السنة الخامسة.
٧٣٤ - ولا تزك بقرا إن عن ثلا ... ثين من الرؤوس كان نازلا
٧٣٥ - وفي الثلاثين تبيع لزما ... وهْو الذي لسنتين تمما
٧٣٦ - وهكذا ما لم يتم أربعين ... إلا ففيه بنت أربع سنين
٧٣٧ - وليس يجزئ مكانها ذكر ... والاتفاق هاهنا بعض ذكر
٧٣٨ - وهكذا ما زاد يقسم على ... ذلك مثل ما في الابال خلا
أشار بهذه الأبيات إلى زكاة البقر، والأصل فيها حديث معاذ -رضي الله تعالى عنه - الذي أخرجه مالك في الموطإ وغيره (١).
فقوله: ولا تزك بقرا البيت، معناه أن نصاب البقر ثلاثون، فلا زكاة في ما دونها، والواجب في الثلاثين تبيع جذع، قال في التاج: ابن حبيب: الجذع ذو سنتين قبل أن يدخل في الثالثة، اللخمي: وهذا هو الأصح والمعروف عند أهل اللغة، وهو العجل الذي فطم عن أمه، وقال ابن نافع هو ما أوفى سنتين ودخل في الثالثة.