قوله: والكل في المجوس أيضا جاري كذاك نصرى عرب، أشار به إلى أن الجزية تؤخذ أيضا من المجوس، لما في الصحيح من أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، وتؤخذ أيضا من نصارى العرب، لصدق اسم أهل الكتاب عليهم، ومذهب المدونة أنها تؤخذ من كل من دان بغير الإسلام، ممن لم يتقدم له إسلام - كتابيا أو لا عجميا أو عربيا -وقيل لا تؤخذ من غير أهل الكتاب، ثالثها تؤخذ إلا من مجوس العرب، ورابعها تؤخذ إلا من قريش، لإسلامهم كلهم يوم الفتح، فالكافر منهم مرتد.
ويمنع أهل الذمة من إظهار الخمور، والخنازير، ومعتقدهم، ورفع أصوات النواقيس، ويلزمون بشد الزنانير، ويمنعون من التشبه بالمسلمين.
قوله: والتاجر، إلى قوله: تكررا، معناه أن التاجر من أهل الذمة إذا قدم بتجارة من أفق إلى أفق، وباعها أخذ منه عشر الثمن، ولو تكرر ذلك في العام مرارا.
فإن لم يبع فظاهر الشيخ أنه لا يؤخذ منه شيء، وهو المشهور، وقيل يؤخذ منه العشر، وإن لم يبع، وأما إذا خرج بالبضاعة إلى ناحية من أفقه، فلا يؤخذ منه شيء، وفي مختصر ابن عرفة -رحمه الله تعالى -أن أفقه محل أخذ جزيته وعمالاته، قال: وفيها الشام والمدينة أفقان، الشيخ: سمع القرينان: ما جلب من تيماء إلى المدينة عُشِّر، لا من واد القرى إليها، ابن عبدوس: روى ابن وهب: إن تجر عراقي بصري للكوفة لم يؤخذ بشيء، والشام والعراق ومصر، آفاق، ابن رشد: والحجاز واليمن أفقان، والأندلس كلها أفق واحد.
قوله: وخففن بالنصف البيت، معناه أنه لا يؤخذ منهم إذا قدموا مكة المكرمة أو المدينة المنورة وقراهما بطعام، إلا نصف العشر على المشهور، لعمل عمر -رضي الله تعالى عنه -وروى ابن عبد الحكم أنه يؤخذ منهم العشر كاملا أيضا.
стр. 387
قوله: وخذ من الحربي البيت، معناه أن التجار الحربيين إذا قدموا بتجارة إلى بلاد الإسلام بأمان، فإن دخلوا على شيء معين، لزمهم، وإن لم يعين شيء أخذ منهم العشر فما دونه، باجتهاد الإمام، ولا يزاد على العشر.
٧١٩ - وفي الركاز الخمْس، وهو دِفْنُ ... ألجاهلي، وإن يجده قِنُّ
٧٢٠ - أو كافر، أو عن نصاب قلا ... أو لم يكن من جنس نقدٍ اَصلا
أشار بهذا إلى الركاز، وهو دفن أهل الجاهلية ولو شكا، والواجب فيه على واجده الخمس، وإن لم يبلغ نصابا، أو لم يكن عينا، ولا يشترط في واجده أن يكون حرا، ولا مسلما، والأصل فيه حديث الصحيح " في الركاز الخمس " (١) وأما دفن المسلم أو الذمي فهو لقطة، ولا تخميس في ما لفظه البحر، كالعنبر واللؤلؤ، وخمس الركاز يدفع للإمام إذا كان عدلا، وإلا تصدق به، ومحل تخميسه إذا لم يحتج لكبير عمل، فإن احتاج لنفقة كبيرة، أو كبير عمل، فالزكاة فقط كالمعدن، والله أعلم.
стр. 388
باب في زكاة الماشية
٧٢١ - والخمس ذَوْد النصاب الاولُ ... من نُصُب فيها تُزَكى الابل
٧٢٢ - وفرض ذاك جذعٌ، أو الثني ... منَ اَكثر الغنم في ذا الموطن
٧٢٣ - أعني من المعيز، أو من ضان ... للتسع، والعشر لها شاتان
٧٢٤ - ولتحكمنَّ هكذا بشاة ... لكل خمس بعد ذاك تاتي
٧٢٥ - وفرضها بنت المخاض إذ تكون ... خمسا مع العشرين، أو نجل اللبون
٧٢٦ - إن لم تكن له، وست وثلا ... ثون لها بنت اللبون مسجلا
٧٢٧ - لستة وأربعين حقة ... إحدى وستون لها جذَعَة
٧٢٨ - ولتحكمنْ في الست والسبعينِ ... أيضا كذاك بابنتي لبون
٧٢٩ - وما على التسعين ذو زيدان ... ولو بفرد فيه حقتان
٧٣٠ - وما ورا المائة والعشرينا ... قسِّم للاربعين والخمسينا
٧٣١ - فذي لها الحقة، أما الاربعون ... ففي زكاتها كفت بنت لبون
٧٣٢ - وجذَع ذو الخمسة الأعوام ... والحُقُّ عنه نازل بعام
٧٣٣ - وبين كل اثنين بالعام افرُقا ... أيضا بما من قبل ذين سبقا
أشار بهذه الأبيات إلى زكاة الإبل، فذكر أن أول نصبها الخمس، وأن الواجب فيها شاة جذعة أو ثنية من أكثر غنم البلد من معز أو ضأن على المشهور، فإن استويا خير الساعي، وقيل من جل كسب المزكي، وقيل الأمر في ذلك كله واسع، فإذا بلغت عشرا ففيها شاتان كذلك، وهكذا يخرج عن كل خمسة شاة إلى خمس وعشرين، فتلزمه بنت مخاض، إن كانت في ماشيته، فإن لم تكن في ماشيته وكان فيها ابن لبون أخرجه مكانها، فإن لم يكونا عنده جميعا اشترى بنت مخاض، إلا أن يرى الساعي ابن اللبون نظرا، وهكذا إلى ست وثلاثين، فتلزمه فيها بنت لبون، إلى ست وأربعين، فتلزمه فيها حقة، إلى إحدى وستين، فتلزمه فيها جذعة، إلى ست وسبعين، فتلزمه فيها ابنتا لبون، إلى إحدى وتسعين، فتلزمه فيها حقتان، إلى مائة وإحدى وعشرين، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، والأصل في هذا كله كتاب الصدقة الذي كتبه أبو بكر لأنس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ حين وجهه إلى البحرين (١) وكتاب عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ الذي قرأه مالك ـ رحمه الله تعالى (٢).
стр. 389
والمشهور في المذهب في ما بين المائة والعشرين، والمائة وثلاثين، تخيير الساعي بين حقتين وثلاث بنات لبون، إذا كان كل منهما موجودا في الماشية، أو مفقودا، فإن وجد أحدهما فقط تعين، وقال ابن القاسم وابن شهاب - رحمهما الله تعالى - ليس للساعي أن يأخذ الحقاق، وإنما يأخذ بنات اللبون، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: وبه أقول، لقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وقول عمر - رضي الله تعالى عنه ـ: " فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة " فليس له إلا بنات اللبون كان السنان من الإبل، أو أحدهما، أو لم يكونا، وروى أشهب وابن نافع وابن الماجشون عن مالك ليس فيها إلا حقتان، قال ابن الماجشون: وإنما يعني في الحديث بقوله: فما زاد على العشرين ومائة، يريد زيادة تحيل الأسنان، فلا يزول عن الحقتين إلى ثلاثين ومائة، وجعل اللخمي - رحمه الله تعالى - هذا القول أبين الأقوال، قال: لأن المفهوم من قول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم: - " فما زاد " زيادة العشرات، لقوله: " ففي كل أربعين وفي كل خمسين " فالذي ينقل حكم الخمسين هو الذي ينقل حكم الأربعين، لمساواته بينهما، ولو أخذ من إحدى وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون، لأخذت من عشرين ومائة، لأن الواحدة الزائدة على العشرين ومائة وقص، غير داخلة في الزكاة، ولا يوجد في شيء من المسائل أن الوقص ينقل فرضا، وإنما ينقل الفرض ما هو فرض مزكى.
وقال ابن يونس -رحمه الله تعالى -: وجه قول مالك -رحمه الله تعالى -الذي جعل الساعي فيه مخيرا، أنه لما كان في الحديث " فما زاد على عشرين ومائة " يصلح فيه حقتان، ويصلح فيه أيضا ثلاث بنات لبون، إذ فيها أكثر من خمسينين، وأكثر من ثلاث أربعينيات، وجب تخيير الساعي.
وانظر هل يمكن أن يعتبر في ذلك بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الغنم " فإن زادت على عشرين ومائة "
стр. 390
وبنت المخاض هي التي أتمت سنة ودخلت في السنة الثانية، وبنت اللبون هي التي أتمت سنتين ودخلت في السنة الثالثة، والحقة هي التي أتمت ثلاث سنين ودخلت في السنة الرابعة، والجذعة هي التي أتمت أربع سنين ودخلت في السنة الخامسة.
٧٣٤ - ولا تزك بقرا إن عن ثلا ... ثين من الرؤوس كان نازلا
٧٣٥ - وفي الثلاثين تبيع لزما ... وهْو الذي لسنتين تمما
٧٣٦ - وهكذا ما لم يتم أربعين ... إلا ففيه بنت أربع سنين
٧٣٧ - وليس يجزئ مكانها ذكر ... والاتفاق هاهنا بعض ذكر
٧٣٨ - وهكذا ما زاد يقسم على ... ذلك مثل ما في الابال خلا
أشار بهذه الأبيات إلى زكاة البقر، والأصل فيها حديث معاذ -رضي الله تعالى عنه - الذي أخرجه مالك في الموطإ وغيره (١).
فقوله: ولا تزك بقرا البيت، معناه أن نصاب البقر ثلاثون، فلا زكاة في ما دونها، والواجب في الثلاثين تبيع جذع، قال في التاج: ابن حبيب: الجذع ذو سنتين قبل أن يدخل في الثالثة، اللخمي: وهذا هو الأصح والمعروف عند أهل اللغة، وهو العجل الذي فطم عن أمه، وقال ابن نافع هو ما أوفى سنتين ودخل في الثالثة.
стр. 391
والمشهور أن الواجب تبيع ذكر، والأنثى أفضل، لمزية الدر والنسل، وليس للساعي الجبر على التبيعة، خلافا لقول ابن حبيب ورواية أشهب بالجبر عليها إن وجدت عنده، لما في بعض روايات الحديث من أنه قال: " جذع أو جذعة " وإلى هذا الإشارة بقوله: وفي الثلاثين تبيع البيت، فإذا بلغت أربعين وجبت فيها مسنة ثنية، بنت ثلاث سنين أتمتها ودخلت في الرابعة، ولا يجزئ عنها ذكر اتفاقا، كما صرح به غير واحد، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان، فإذا بلغت سبعين ففيها تبيع ومسنة، فإن بلغت ثمانين ففيها مسنتان، فإذا بلغت تسعين ففيها ثلاثة أتبعة، فإذا بلغت مائة ففيها مسنة وتبيعان، فإن زادت بعشرة ففيها مسنتان وتبيع، فإذا بلغت مائة وعشرين خير الساعي بين أربعة أتبعة وثلاث مسنات، وهذا هو المراد بقوله: وهكذا ما زاد البيت.
٧٣٩ - ولا تزكينَّ ما لم تستتم ... فيه الرؤوس أربعين من غنم
٧٤٠ - والاربعون شاتها في القَدِّ ... لا نوعِها كمثل شاة الذود
٧٤١ - وهكذا، ولتأخذنَّ ثانيه ... إذا عن العشرين زاد معْ مايه
٧٤٢ - ولتأخذنْ شاةً كذاك معَ تينْ ... مما بشاة زاد فوق المائتينْ
٧٤٣ - إلى ثلاث مائة، فشاة ... بعدُ لكل مائة زكاة
стр. 392
أشار بهذه الأبيات إلى زكاة الغنم، والأصل فيها كتابا الصدقة المتقدم ذكرهما، فقوله: ولا تزكين ما لم تستتم البيت، أشار به إلى أن نصاب الغنم أربعون شاة، فلا زكاة في ما دونها، والواجب في زكاة الأربعين شاة، جذعة أو ثنية، فإذا كانت نوعا واحدا أخذت منه، وإن كانت ضأنا ومعزا، فإن استويا خير الساعي، وإن كان أحدهما أكثر أخذت منه، وإلى ذلك الإشارة بقوله: والاربعون البيت، فقوله في القد، أي: القدر، معناه أن الشاة التي تؤخذ من الأربعين مساوية لشاة الذود في السن، لأن شاة الذود جذعة أو ثنية، كما تقدم، وقوله: لا نوعها، يعني أنها تخالفها في اعتبار النوع، فشاة الذود تعتبر بغنم البلد، وشاة الأربعين تعتبر بالأربعين، ولا يشترط في الشاة المأخوذة في الإبل والغنم أن تكون أنثى، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى - في الجامع: قال - يعني مالكا رحمه الله تعالى -: والجذع من الضأن والمعز في أخذ الصدقة سواء، يريد أنه يجزئ أحدهما في الصدقة ذكرا أو أنثى، قال أشهب وغيره: وكذلك في ما يؤخذ منها في الإبل، وذكر ابن حبيب أنه إنما يؤخذ الجذع من الضأن والثني من المعز كالضحايا، قال أبو محمد: وليس هذا بقول مالك ولا أصحابه، ثم قال: ومن المدونة: قال مالك - رحمه الله تعالى -: ويؤخذ الثني من الضأن ذكرا أو أنثى، ولا يؤخذ الثني من المعز إلا أنثى، لأن الذكر منها تيس، والتيس دون الفحل، وإنما يعد في ذوات العوار، ويحسب على رب الغنم، كما تحسب عليه العمياء والمريضة البين مرضها، والهرمة، والسخلة، والعرجاء التي لا تلحق بالغنم، وذات العوار، وهي ذات العيب، ولا يأخذها.
قوله: وهكذا ولتأخذن ثانية الأبيات، معناه أنه لا تجب فيها إلا شاة واحدة، حتى تزيد على مائة وعشرين، فإن زادت عليها بشاة فأكثر، ففيها شاتان، حتى تزيد على مائتين، فإن زادت عليها بشاة فأكثر ففيها ثلاث شياه حتى تتم أربعمائة، فلكل مائة شاة.
стр. 393
٧٤٤ - والبُخْت والعراب يُجمعان ... والمعزَ أيضا اجمعنْ لضان
٧٤٥ - وفي الجواميس كذاك الضمُّ ... للبقر المعهود أيضا حتْمُ
يعني أن الإبل البخت تضم للإبل العراب، فإذا ملك اثنتين من أحدهما وثلاثة من الآخر زكى، وكذلك الجاموس مع البقر المعهود، وهذا متفق عليه، وتضم الضأن أيضا للمعز على المشهور، خلافا لابن لبابة، والوجه في ما ذكر صدق الاسم على الجميع، فاسم الإبل صادق بالبخت والعراب، واسم البقر صادق بالجواميس والبقر المعهود، واسم الغنم صادق بالضأن والمعز، وتؤخذ الصدقة من أكثرهما إن كانت شاة واحدة مثلا، وإلا فإن تساويا فمن كل شاة، وكذلك إذا كان أحدهما أكثر، وكان الأقل نصابا، على تقدير انفراده، وتوقف وجوب الشاتين عليه، كثمانين من الضأن وإحدى وأربعين من المعز، فمن كل شاة، بخلاف تسعين من الضأن، وإحدى وثلاثين من المعز، أو أربعين من المعز، مع مائة وإحدى وعشرين من الضأن، ففيهما ضائنتان، لأن الأقل في الأولى غير نصاب، وفي الثانية وقص.
٧٤٦ - ويتراجع الخليطان حسبْ ... عدِّ رؤوس ما لكل انتسب
٧٤٧ - وليس بالزكاة أصلا يؤمَر ... مَن حظُّه عن النصاب يقصر
٧٤٨ - ولا يُفَرَّق الذي قد اجتمع ... خشيتها إن قرب حول ذا يقع
٧٤٩ - كذاك لا يجمع ما تفرقا ... وأُخِذا بمقتضى ما سبقا
стр. 394
قوله: ويتراجع الخليطان البيت، أشار به إلى تراجع الخلطاء، وبيان ذلك أن الخليطين في الماشية يؤخذان فيها بما يؤخذ به المالك الواحد، وإذا أخذت الصدقة من ماشية أحدهما، رجع على صاحبه بما ينوبه بحسب عدد رءوس ماشية كل واحد منهما، ولذلك أحوال، لأنه إما أن لا يكون لأحدهما وقص، ككون كل منهما يملك خمسا من الإبل، أو يكون لكل منهما وقص، وذلك لا يخلو من أن يكون مجموع الوقصين فيه يتكمل منه نصاب، أو لا، فالأول كمالك ثمان، ومالك سبع، والتراجع في هذا لا خلاف فيه، فعلى صاحب الثمان شاة وثلاثة أخماس، وعلى صاحب السبع شاة وخمسان، والثاني كمالك ست، ومالك سبع، أو يكون أحدهما منفردا بالوقص، كمالك تسع، ومالك خمس، وقد كان مالك - رحمه الله تعالى - يقول في هذين النوعين بوجوب شاة على كل منهما، ثم رجع إلى أنهما يتراجعان في الوقص أيضا، فعلى صاحب التسع شاة عن سبع من تسعته وسبعان من الشاة الثانية عن شاتيه الباقيتين، وعلى صاحب الخمسة خمسة أسباع، ويشترط في زكاة الخليطين زكاة المالك الواحد أمور منها أن يكون كل منهما ممن يخاطب بالزكاة، فلو كان أحدهما كافرا أو عبدا فلا خلطة، ومنها أن يكون لكل منهما نصاب، فإن لم يكن لواحد منهما على حدته نصاب، فلا زكاة عليهما، وإن كان لأحدهما فقط، أخذ بزكاته على حدته، ولا يحسب عليه ما للآخر، ولا يحسب على الآخر شيء، وإلى هذا الإشارة بقوله: وليس بالزكاة البيت، ومنها أن لا يقصدا بالخلطة الفرار من الزكاة، فإن خلطا لتقل الصدقة، نظر في ماشية كل منهما على حدته، وأخذ بما يجب فيها على انفرادها، وكذلك إذا تفرقا أيضا لتقل الصدقة، فإنهما يؤخذان بما كان يجب عليهما لو لم يتفرقا، وذلك أن الخلطة قد تؤثر نقصا كاثنين لكل منهما أربعون شاة، وقد تؤثر زيادة، كان تكون لهما مائتان وشاة، وهذا إذا قامت قرينة على أنهما قصدا بالجمع أو التفريق نقص الصدقة، فإن لم تقم قرينة على ذلك، ولا على خلافه، اعتبر قرب
стр. 395
الزمان على المشهور، وفي حد القرب أقوال، قيل شهران، وقيل شهر، وقيل ما دون الشهر، ومنها أن يجتمعا في ثلاثة من خمسة أشياء، وهي الراعي، والفحل، والماء، والمراح، والمبيت، وهذا هو المراد بقوله: ولا يفرق الذي البيتين.
وفي كتاب رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -في الصدقات " لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة " (١)
فإن وقع التفريق لا لأجل خوف الصدقة تركا.
وتجوز صدقة كل منهما على حدته إذا كان ذلك لا يؤدي إلى نقص فيها، فالزكاة عليها حينئذ من الواجب المخير.
٧٥٠ - لا تأخذ السَّخْلة، والعُجولا ... أو تيسا، أو ماخضا، أو فصيلا
٧٥١ - ودع كذا التي تُربي نجلَها ... ودع للاغنام كذاك فحلَها
٧٥٢ - كذا التي تعلف، والخيارا ... لا تأخذنَّها ولا الشرارا
٧٥٣ - وكل ذا يحسب في الماشية ... والعرض لا يجزئ في التزكية
٧٥٤ - وهكذا الثمن ما لم يَجبُرِ ... ساعٍ على الثمن فالإجزا حَرِي
معناه أنه لا تؤخذ في الصدقة سخلة، وهي الصغيرة من الغنم، ولا عجل، وهو صغير البقر، ولا فصيل، وهو صغير الإبل، ولا تيس، وهو ذكر المعز، ولا ماخض، وهي التي يتمخض الجنين في بطنها، ولا هرمة، وهي الكبيرة جدا، ولا الرُّبى، وهي التي تربي ولدها، ولا فحل الغنم، ولا شاة العلف المتخذة للتسمين، ولا خيار الماشية، ولا شرارها، بل اللازم الوسط، ولو كانت الماشية خيارا كلها، أو شرارا كلها، إلا أن يجود المالك بإعطاء الخيار، أو يرى الساعي أخذ المعيبة، لا الصغيرة، وأشار بقوله: وكل ذا يحسب في الماشية، إلى أن ما ذكر أنه لا يؤخذ في الصدقة يحسب على رب الماشية.
стр. 396
قوله: والعرض لا يجزئ إلخ، معناه أنه لا يجوز أن يعطي عما وجب في الزكاة قيمته من عرض أو عين، وإن فعل لم يجزه ذلك على المشهور، إلا أن يكرهه الساعي على ذلك فيجزئه، واحتج القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة لعدم إجزاء القيمة بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " في خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر " قال: ففي هذا الخبر أدلة، أحدها أنه عين بنت مخاض، فوجب بذلك انحتامها، وأن لا يجزئ غيرها، الثاني أنه شرط في جواز إخراج ابن اللبون عدمها، إلى أن قال: الثالث أنه عين ما يخرج عند عدمها، ولو كان إخراج القيمة جائزا، لكان لا معنى للتعيين، الرابع أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - علق الجواز على إخراج ما يسمى ابن لبون، فاقتضى ذلك تعلق الإجزاء بإخراج ما تناوله الاسم، إلى أن قال: ويدل على ما قلناه أيضا ما روي أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فرض في صدقة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من قمح، أو صاعا من شعير، ففي هذا دليلان أحدهما أنه يفيد انحتام ما نص عليه، الثاني أنه نص على أشياء مختلفة، وأقوات متباينة، فلو كان الاعتبار بغير المنصوص بل بقيمته، لم يكن للنص على أشياء مختلفة معنى، ولكن يكفي في ذلك النص على واحد دون غيره، فعلم بذلك أن أعيانها مقصودة، ويدل عليه أيضا من جهة الاعتبار أن إخراج القيمة يؤدي إلى سقوط المنصوص، لأن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نص على ان في خمس من الإبل شاة، وقد تؤدي القيمة إلى نصف شاة، وذلك خلاف المنصوص فيجب منعه، ألا ترى أنه لو جاز إخراج القيمة، جاز أن يخرج نصف شاة قيمته عشرة دراهم عن شاة قيمتها عشرة دراهم، ولجاز أن يخرج نصف صاع برني وفي منع ذلك بطلان اعتبار القيمة.
стр. 397
ثم قال بعد بحث: ويدل على ما قلناه أيضا أن إخراج القيمة عما وجب في المال من الزكاة كأنه شراء الصدقة بالقيمة، وذلك لا يجوز، لأن الصدقة وجبت للمساكين، وهذا المخرج ليس بقيم لهم، ولا ولي عليهم، فلا يجوز أن يتصرف في ما وجب عليه لهم بنقله إلى غير جنسه.
وذهب أشهب -رحمه الله تعالى -إلى إجزاء القيمة مطلقا.
стр. 398
باب في زكاة الفطر
٧٥٥ - صدقة الفطر لكل مسلم ... حكمها الاستنان ذو التحتم
٧٥٦ - حرا يكون أو رقيقا، ذا كبر ... أو صغر، أنثى يكون أو ذكر
٧٥٧ - من جل عيش أهل تلك البلدة ... من دُخْنٍ أو شعير أو من ذُرَة
٧٥٨ - أو أرز، أو أَقِط، أو من بُرِّ ... أيضا، أو الزبيب، سُلْتٍ، تمر
٧٥٩ - وقيل في العلس حيث يقع ... قوتَ أناس منه أيضا تدفع
قوله: صدقة الفطر البيت، معناه أن صدقة الفطر سنة، كما عبر به الشيخ - رحمه الله تعالى - وفسره ابن ناجي بأنها سنة عنده، وهو قول في المذهب، إلا أنه غير المشهور، فالمشهور في المذهب أنها واجبة وجوب الفرائض، بل حكى بعضهم الإجماع عليه، والأصل في ذلك حديث ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما - قال فرض رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - زكاة الفطر من رمضان، صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على العبد، والحر، والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير من المسلمين (١).
قوله: حرا يكون البيت، معناه أنها واجبة على كل مسلم كبيرا كان أو صغيرا، ذكرا أو أنثى، عن نفسه، وعمن تجب عليه نفقته، برق أو زوجية أو قرابة، وقد جاء في بعض روايات حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما ـ " عمن تمونون " (٢)
стр. 399
قوله: من جل الأبيات، معناه تخرج من أغلب ما يقتات من هذه الأطعمة المذكورة، البر، والشعير، والسلت، والتمر، والأقط، والزبيب، والدخن، والذرة، والأرز، قال الشيخ -رحمه الله تعالى - وقيل إن كان العلس قوت قوم أخرجت منه، وهو حب صغير يقرب من خلقة البر، وقائل ذلك هو ابن حبيب -رحمه الله تعالى -وإلى ذلك الإشارة بقوله: وقيل في العلس البيت.
وسواء كان الأغلب من هذه الأشياء هو عيش المتصدق أو لا، على المشهور، وقال أشهب وابن المواز: إنما يراعى عيش المتصدق عند اختلاف عيشه مع عيش أهل البلد، ما لم يكن ذلك منه لشح، وقال اللخمي - رحمه الله تعالى -: إن شاء أخرج من عيشه أو من عيشهم، قال سند - رحمه الله تعالى -: والقمح أفضل ذلك، قال في المواهب: وظاهره أنه أفضل من الأرز، وهو الذي يفهم من كلام أبي الحسن المتقدم، ويؤيده أنهم لم يختلفوا في إجزاء القمح، واختلف في إجزاء الأرز، وقال الفاكهاني في شرح الرسالة: والأفضل القمح، وقاله الأئمة، والسلت يلحق به، لأنه من جنسه، وأفضل من الشعير.
وإن غلب في الاقتيات غير هذه الأطعمة المذكورة فإن كان أحدها يقتات مع ذلك أخرجت منه، وإن لم يقتت شيء منها في البلد أخرجت من أغلب ما يقتات في البلد، من غيرها على المشهور.
وإذا اختلف قوتهم في السنة، فالمعتبر قوتهم في رمضان كما نقله ابن ناجي عن ابن عرفة، لما في الحديث من أنها طهرة للصائمين من اللغو والرفث، (١) فرمضان هو السبب بذاته في زكاة الفطر، وقال الشيخ يوسف بن عمر: المعتبر العام كله، وقال بعضهم: المعتبر يوم الفطر خاصة، واستبعده الحطاب -رحمه الله تعالى ـ.
وقد تقدم أنه لا يجزئ عندنا فيها دفع القيمة.
واختلف في وقت وجوب صدقة الفطر، فذهب ابن القاسم إلى أنها تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر، ورواه أشهب عن مالك -رحمهم الله تعالى جميعا ـ.
стр. 400
وروى ابن القاسم عن مالك أنها لا تجب إلا بطلوع الفجر، واستظهره ابن رشد -رحمه الله تعالى -وقيل غير ذلك.
ووجه القولين احتمال لفظ الفطر في الحديث، وتظهر فائدة الخلاف في تغير الحال بعد الغروب وقبل الفجر بولادة، أو موت، أو طلاق بائن، أو عتق، أو زوجية، أو تجدد ملك، أو طرو فقر قريب، ونحو ذلك.
٧٦٠ - وقدرها صاع، وهي تلزم ... عن كل من إنفاقه منحتم
٧٦١ - ولزمت أيضا عن المكاتب ... وإن يكن إنفاقه لم يجب
٧٦٢ - ويندب الإخراج بعد الفجر ... قبل صلاة العيد يوم الفطر
البيت الأول تقدم مقتضاه آنفا، وتقدم أن الصاع أربعة أمداد بمد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ونقل في المواهب عن الرجراجي عن الشيخ أبي محمد أنه قال بحثنا عن مد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلم نقع على حقيقته - يعني حقيقة قدره - وأحسن ما أخذناه عن المشائخ أن قدر مد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - الذي لا يختلف ولا يعدم في سائر الأمصار أربع حفنات، بحفنة الرجل الوسط، لا بالطويل جدا، ولا بالقصير جدا، ليست بالمبسوطة الأصابع جدا، ولا بمقبوضتها جدا، لأنها إن بسطت فلا تحمل إلا قليلا، وإن قبضت فكذلك، قال الرجراجي - رحمه الله تعالى - وقد عارضنا ذلك بما يوجد اليوم بأيدي الناس مما يزعمون أنه مد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فوجدناه صحيحا لا شك فيه، وكان عند سيدنا وقدوتنا شيخ الطريقة وإمام الحقيقة أبي محمد صالح الدكالي مد عير بمد زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - بسند صحيح مكتوب عنده، فعايرناه على هذا التعبير فكان ملؤه ذلك القدر.
ومن قدر على بعض الصاع وعجز عن بعضه، أخرج ما قدر عليه، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (١).
قوله: ولزمت أيضا البيت، معناه أن المكاتب تجب على سيده صدقة فطره، وإن كانت نفقته لا تجب عليه، لأنه عبد له، وقيل تجب صدقته عليه، وقيل بسقوطها.
стр. 401
قوله: ويندب الإخراج البيت، معناه أنه يستحب بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة العيد، ولا يأثم بالتأخير ما دام يوم الفطر قائما، فإن أخرها عنه أثم مع القدرة، ولا تسقط بمضي زمنها إذا كان موسرا بها وقت الوجوب، ولو مضت عليه أعوام متعددة، قال في المواهب: قال القاضي أبو بكر: ولا تكون طهرة للصائم إلا إذا أديت قبل الصلاة. (١)
ومصرفها المسلم الحر الفقير، قال في التاج: من المدونة قال مالك -رحمه الله تعالى -: لا يعطى منها أهل الذمة، ولا العبيد، ولا أعلمهم يختلفون أنه لا يعطى زكاة الفطر من يملك نصابا، ابن عرفة: في كون مصرفها فقير الزكاة، أو عادم قوت يومه نقل اللخمي وقول أبي مصعب -رحمهما الله تعالى ـ.
стр. 402
باب في الحج والعمرة
٧٦٣ - ومَن إلى الحج سبيلا استطاع ... كان عليه واجبا بلا نزاع
٧٦٤ - إن كان حرا مسلما مكلفا ... وحيث في عُمُره حجَّ كفى
٧٦٥ - والامن في طريقه، وملْك زاد ... يوصِلُ، بالسبيل عندهم يُرادْ
٧٦٦ - معْ قوةٍ أيضا على أن يصلا ... مكة، إما راكبا أو راجلا
٧٦٧ - وصحة ببدن، فالدنِف ... بحج بيت الله لا يكلف
قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: الحج في اللغة القصد مرة بعد مرة، وهذا مأخوذ من قولهم: حججت فلانا، إذا عدته مرة بعد أخرى، فقيل حج البيت لأن الناس يأتونه في كل سنة، قال الله : (وإذ جعلنا البيت مثابة وأمنا) أي: مرجعا في كل سنة، فلا يقضون منه وطرا، أي: لا يدعه الإنسان إذا أتى إليه أن يعود إليه ثانية، وقيل للحاج حاج لأنه يأتي البيت في أول قدومه فيطوف به قبل يوم عرفة، ثم يعود إليه بعد يوم عرفة لطواف الإفاضة، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه ثالثة لطواف الصدر، فلتكرار العود إليه مرة بعد أخرى، قيل له حاج، فحج البيت قصده على ما هو عليه في اللغة، إلا أنه قصد على صفة ما، في وقت ما، تقترن به أفعال ما، وقال: العمرة: الزيارة، يقال: أتانا فلان معتمرا، أي: زائرا، وقيل للمعتمر معتمر، لأنه إذا طاف بالبيت انصرف عنه، ولم يعد إليه بعد زيارته إياه، فمعنى اعتمر الرجل أي: زار وقصد، وكل من قصد شيئا فهو له معتمر نقله في شفاء الغليل.
قوله: ومن إلى الحج البيتين، معناه أن حج البيت الحرام، واجب على من استطاع إليه سبيلا، وهذا مما علم من الدين ضرورة، قال : (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ويشترط في وجوبه زيادة على الاستطاعة التكليف والحرية والإسلام، على الخلاف المعروف، وإلى ذلك الإشارة بقوله: إن كان حرا مسلما، ولا يجب إلا مرة واحدة في العمر، لحديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - خطب فقال: " يا أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج " فقال رجل: أكل عام يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -؟
стр. 403
فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " ثم قال:" ذروني ما تركتم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه " (١) وإلى هذا الإشارة بقوله: وحيث في عمره حج كفى، وهذا إذا كان وقت حجه متصفا بشروط الوجوب غير الاستطاعة، فلو حج وهو عبد، أو مجنون، أو صبي، لكان واجبا عليه أن يحج ثانية إذا تحرر أو كلف، وأما إذا حج مع عدم الاستطاعة ثم استطاع فلا يجب عليه مرة ثانية، واختلف في وجوب الحج، هل هو على الفور، وهو قول العراقيين وقاله مالك، أو على التراخي، ما لم يخف الفوات وهو لأكثر المغاربة، وعلى الأول فهل إذا أخره يكون قضاء أو لا، وأشار ببقية الأبيات إلى تفسير السبيل، فذكر أنه الطريق الآمنة، والزاد المبلغ، مع القوة على الوصول إلى مكة المكرمة - راكبا أو راجلا - مع صحة البدن، فالمريض العاجز عنه، أو الذي تلحقه به مشقة فادحة لا يجب عليه، وفي معناه ضعيف البنية.
٧٦٨ - ويكره الإحرام من قبل محل ... مكانه المأمورِ فيه أن يُهَلْ
٧٦٩ - والجحفة المنطقة المقرره ... للشام والمغرب والمصاوره
٧٧٠ - وإن بطيبةَ يَمُرَّ هؤلا ... كان مُهَلُّها كان أفضلا
٧٧١ - ويتعين على من مرا ... به من آفاق البلاد الاخرى
٧٧٢ - وذو الحليفة له الاسم العلَمْ ... وهْو اسم ماً يُنْمى إلى بني جُشَم
٧٧٣ - وقَرْنُ ميقات لأهل نجد ... يَلَمْلَمٌ ليمنٍ، والهند
٧٧٤ - وذات عِرْقٍ للعراق، وخرا ... سانَ، وفارس، وكل ما ورا
٧٧٥ - ومن وراء ذا ولو بالحرم ... مكانه منه إذا فليحرم
٧٧٦ - إلا بالاعتمار، فالْمُهَلُّ ... بعمرة يشرط فيه الحلُّ
стр. 404
قوله: ويكره الإحرام البيت، معناه أنه يكره له أن يحرم على المشهور قبل وصول الميقات، ويندب له أن يحرم من أوله، ولا يجوز له تجاوزه من غير إحرام، فإن تجاوزه رجع إليه وإن شارف مكة المكرمة على المشهور، وأحرم منه ولا دم عليه، إلا أن يخاف فوات الحج، فيحرم من المكان الذي هو فيه، ويلزمه دم.
قوله: والجحفة البيت، معناه أن المكان المسمى بالجحفة هو ميقات أهل الشام ومصر والمغرب ومن وراءهم من أهل الأندلس، وكذا الروم وبلاد التكرور.
قوله: وإن بطيبة يمر البيت، معناه أن من ميقاته الجحفة إذا مر بالمدينة المنورة بأنواره صلى الله تعالى عليه وسلم ندب له أن يحرم من ذي الحليفة، لإحرام النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -منها، ولا يتعين عليه ذلك، لأنه سيمر بميقاته، بخلاف من مر بالمدينة المنورة من أهل الآفاق الأخرى، فإنه يتعين عليه أن يحرم من ذي الحليفة، لأنه لا يمر بميقاته بعد، وإلى ذلك أشار بقوله: ويتعين على من مرا البيت.
قال في الكافي: ومن كان من غير أهل الشام أو مصر أو المغرب فمر بذي الحليفة مريدا لحج أو عمرة، فإن تعداه إلى الجحفة أو غيرها فعليه دم، وليس ذلك على من كانت الجحفة ميقاته، والاختيار لأهل الشام والمغرب إذا مروا بذي الحليفة مريدين لحج أو عمرة أن يحرموا منها، فإن أخروا إحرامهم إلى الجحفة فلا شيء عليهم.
وجعل سند في معنى هذا من كان منزله بين مكة والميقات فله إذا سافر لما وراء الميقات، ثم أراد دخول مكة أن يحرم من الميقات، وله أن يؤخر إلى منزله، وذكر القرطبي في شرح مسلم أنه يتعين عليه الإحرام من الميقات، قال: لأن الجحفة ميقات منصوب نصبا عاما لا يتبدل، بخلاف المنزل فإنه إضافي يتبدل بالساكن فانفصلا.
نقله في المواهب، وجعل ما قاله سند أظهر.
وهو غير بين بل الجاري على نصوص أهل المذهب إن شاء الله تعالى هو ما ذكره القرطبي.
стр. 405
كما ذكره الحطاب في مسألة متجاوز جدة حلالا وقد أراد النسك إلى حدة، ومقتضى ما لسند أن لا يلزمه دم إذا أحرم دون الحرم.
ويشهد لما قاله القرطبي ما نقله في المواهب من وجوب الإحرام على المكي إذا خرج من المدينة المنورة يريد نسكا من ذي الحليفة، وأنه لا يجوز له أن يؤخر إلى الجحفة، ولو كان الأمر كما قال سند لم يجب عليه إحرام حتى يقارب الحل أيضا.
والله أعلم.
قوله: وذو الحليفة البيت، معناه أن ميقات أهل المدينة المنورة ومن وراءهم ذو الحليفة، وهو ماء لبني جشم، وهو أبعد المواقيت من مكة المكرمة.
قوله: وقرن ميقات لأهل نجد، معناه أن قرن المنازل ـ وهو جبل في جهة الشرق ـ هو ميقات أهل نجد، نجد الحجاز ونجد اليمن.
قوله: يلملم ليمن والهند، معناه أن يلملم ـ وهو جبل من جبال تهامة ـ هو ميقات أهل اليمن والهند ويماني تهامة.
قوله: وذات عرق البيت، معناه أن ذات عرق هي ميقات أهل العراق وفارس وخراسان والمشرق ومن وراءهم، وكل هذه المواقيت كان بتوقيف من النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم - (١) على خلاف في ذات عرق (٢).
стр. 406
قوله: ومن وراء ذا البيت، معناه أن من كان مسكنه بين مكة المكرمة وأحد هذه المواقيت، يحرم من مسكنه، سواء كان في الحل أو في الحرم، إذا أراد أن يحرم بالحج مفردا، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " فمن كان دونهن فمُهله من أهله حتى أهل مكة يُهلون منها " (١) فإن تجاوزه حلالا فعليه دم.
وإن أراد العمرة أو القران، فإن كان مسكنه بالحرم خرج إلى الحل، وإن كان في الحل أحرم منه، وإلى هذا الإشارة بقوله: إلا في الاعتمار البيت، فهو استثناء من المبالغ عليه، وهو كون مسكنه بالحرم، وذلك لأمره صلى الله تعالى عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين -إلى التنعيم (٢).
стр. 407
ولا يجوز لأحد أن يدخل مكة المكرمة إلا محرما، إلا من كان يتردد إليها، كالحطابين، ومن كان بها وخرج لحاجة، سواء كان من أهلها أو من أهل الآفاق إذا نزل بها في نسك، وعرضت له حاجة، وكذلك إذا خرج تاركا الإقامة ثم عاد إليها من قريب لأمر بدا له، كما حصل لعبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - حين خرج إلى المدينة المنورة فلما بلغ قُديدا بلغه خبر فتنة المدينة المنورة فرجع ودخل مكة من غير إحرام، (١) وهذا كله حيث لم يرد نسكا، قال في المواهب: فرع إذا أجزنا له الدخول بغير إحرام، كما في الرواية فإن ذلك إذا لم يرد الدخول بأحد النسكين، وأما إن أراد ذلك فيتعين عليه الإحرام من موضعه الذي خرج إليه، إن كان دون الميقات كجدة وعسفان، وإن جاوزه بغير إحرام مع إرادته لأحد النسكين، ثم أحرم من دونه، لزمه الدم، وهو ظاهر، كما صرحوا بأن من جاوز الميقات ولم يكن مريدا لدخول مكة المكرمة، ثم أراد بعد ذلك الدخول بأحد النسكين، فإنه يلزمه الإحرام من موضعه ذلك، وأنه متى جاوزه كان عليه دم، كما صرح به في التلقين وغيره، وبذلك شاهدت والدي يفتي غير مرة، فيمن خرج لجدة بنية العود، ثم إنه لما رجع أخر الإحرام إلى حدة، ولم يحرم من جدة، وحدة ـ بالحاء المهملة ـ: قرية بين مكة المكرمة وجدة، وعرضته على جماعة من المشائخ فوافقوا عليه، وخالف في ذلك بعض مشائخنا وليس بظاهر، وكلمه الوالد في ذلك، وما أدري هل رجع عن ذلك أم لا والله أعلم.
وأما ما اعترضه به الرهوني فغير ظاهر، والنصوص التي ساق في ذلك لا تدل على مراده، فليس المراد في كلام العتبية أنه يريد أن يحرم بالحج في عودته تلك، بل المراد أنه بنيته العود وعدم الرجوع إلى بلده صار في معنى المقيم ولا يرتفع ذلك المعنى بخروجه لحاجة عرضت له بمثل جدة كما هو نص السؤال.
стр. 408
وقول الباجي: وقد كان يجوز له دخول مكة بغير إحرام، مراده قبل أن يبدو له أن يعتمر، فهو بيان لوجه عدم إحرامه من حنين، على احتمال أنه كان يريد مكة، وأما على الاحتمال الآخر وهو أنه لم يكن يريد مكة، حتى يلقى عدوا أو يحدث سفرا، فلا إشكال عليه أصلا، إذ لا يخفى أنه لا يتوجه إليه حينئذ خطاب بالإحرام، وهذا في غاية الظهور، فمقتضى النصوص ما أفتى به الحطاب ووالده ومن معهم والله أعلم.
٧٧٧ - وسنة إيقاع الا حرام على ... إثْرِ صلاة، فرضا اَو تنفلا
٧٧٨ - يقول لبَّيْك لآخر الخبر ... ناويا الحجَّ إذا، أو العُمَرْ
٧٧٩ - وقبل ذا بالاغتسال يُطلب ... وخَلْعُه إذْ ذَّا المخيط يجب
٧٨٠ - ولدخول مكة الغسل استُحِبْ ... لمن طواف قادم منه طُلب
٧٨١ - ولا تزل ملبيا إذا طرا ... حال كأن تصعد أو تنحدرا
٧٨٢ - أو اَن تصلي وإذ تلاقي ... بعد الفراق البعضَ من رفاق
٧٨٣ - من دون إلحاح ولا إهمال ... من غير إسرار وجهر عال
٧٨٤ - وهكذا، فإن لمكة دخل ... تركها، وبطوافه اشتغل
٧٨٥ - ثم سعى من بعده واستأنفا ... تلبية أيضا كما قد سلفا
٧٨٦ - إلى وصوله مصلى عرفه ... مع زوال الشمس عند عرفه
٧٨٧ - والبعض وصْلَها لرمي العقبه ... من غد يوم عرفات صوبه
قوله: وسنة إيقاع الاحرام البيت، معناه أنه يسن إيقاع الإحرام بعد صلاة -فريضة كانت أو نافلة -وكونه بعد النافلة أفضل كما في المدونة، لتكون له صلاة تخصه، قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: وقد اختلف في ذلك من فعله صلى الله تعالى عليه وسلم والأكثر على أنه أحرم إثر فريضة.
وقال في التاج: وفيها لا يحرم دبر الصلاة في المسجد، ولكن إذا خرج منه ركب راحلته، فإذا استوت به في فناء المسجد لبى ولم ينتظر أن تسير به، وإن كان ماشيا فحين يخرج من المسجد متوجها للذهاب يحرم، ولا ينتظر أن يذهب بالبيداء.
стр. 409
وفي الموطإ أن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ صلى في مسجد ذي الحليفة فلما استوت به راحلته أهل (١).
قوله: يقول لبيك البيت، أشار به إلى كيفية الإحرام، فذكر أنه التلبية مع نية الحج أو العمرة أو القران، وهذا قول ابن حبيب، والمشهور عدم تعين التلبية في الإحرام، وأنه النية مع قول كالتلبية، أو فعل كابتداء توجه الماشي، واستواء الراكب على راحلته، والتلبية واجبة، وليست ركنا، فإن تركها جملة فعليه دم، وكذلك إذا لم يأت بها عند إحرامه حتى حصل طول، والأفضل الاقتصار على تلبية الرسول - صلى الله تعالى عليه وسلم - وهي التي ذكر الشيخ - رحمه الله تعالى ـ " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " (٢) وروي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه يزيد لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرغوبا ومرهوبا إليك، (٣) وزاد ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما - لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغباء إليك والعمل (٤).
قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: وروى محمد: يلبي الأعجمي بلسانه الذي ينطق به.
стр. 410
قوله: وقبل ذا بالاغتسال يطلب، معناه أن الاغتسال للإحرام سنة على المشهور، وقيل لازم، ولا دم إن ترك، وقيل مستحب، قال سند -رحمه الله تعالى -: ويؤمر به كل مريد الإحرام من رجل أو امرأة، من صغير أو كبير، أو حائض أو نفساء، فإن لم يحضر الماء سقط الغسل، ولا يتيمم مكانه، نقله في المواهب.
وقد جاء أن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ قال لأبي بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ حين ذكر له نفاس أسماء بنت عميس وهم بالبيداء: " مرها فلتغتسل ثم لتهل " (١) ويندب الغسل لمن كان من أهل المدينة المنورة بالمدينة فقد جاء أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -اغتسل بالمدينة وتجرد ولبس ثوبي إحرامه.
قال سحنون -رحمه الله تعالى -: وإذا أردت الخروج من المدينة خروج انطلاق، فأت القبر الشريف فسلم عليه، كما صنعت أول دخول، ثم اغتسل، والبس ثوبي إحرامك، ثم تأتي مسجد ذي الحليفة فتركع وتهل.
قوله: وخلعه إذ ذا المخيط يجب، معناه أن خلع مريد الإحرام المخيط واجب، ويسن له لبس إزار ورداء ونعلين، ولو لبس غير ذلك أجزأه، كما لو التحف في كساء أو رداء، فلبس المخيط إنما يمنع إذا كان على الوجه الذي خيط له، ولا يخفى أن خلع المخيط خاص بالرجال.
قوله: ولدخول مكة الغسل استحب، معناه أن الاغتسال مستحب لدخول مكة، ويندب كونه بذي طوى كما كان صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل (٢) ولا يؤمر به إلا من يطلب بطواف القدوم، لأنه في الحقيقة للطواف على المشهور، فلا تؤمر به الحائض ولا النفساء، وقيل إنه لدخول مكة المكرمة، فتؤمر به الحائض والنفساء كغيرهما، ويعيده غيرهما بعد الدخول للطواف، ولا يزال في هذا الغسل شعث، وإنما يزال في غسل الإحرام خاصة.
стр. 411
قوله: ولا تزل ملبيا الأبيات، معناه أنه يؤمر بتجديد التلبية كلما تجددت له حال، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: يرفع الرجل صوته وسطا ولو بمسجد عرفة ومنى، ويسمع من يليه بمسجد غيرهما، وفي لحوق مساجد ما بينهما بهما ثالثها إن كانت غير معمورة، الباجي عن رواية ابن نافع، وعن المشهور، واللخمي، والمرأة نفسها فقط، الباجي: وروى محمد وابن حبيب يستحب في كل شرف وبطن، ودبر كل صلاة، ولقاء الناس، واصطدام الرفاق، وإثر النوم، وسماع ملب، وروى محمد: يلبي الإمام دبر صلاته مرة قبل قيامه.
وقال في التاج: فيها: لا ينبغي أن يلبي فلا يسكت، وقد جعل الله لكل شيء قدرا، وتستحب التلبية عند أدبار الصلوات، وعند كل شرف.
قوله: وهكذا فإن لمكة وصل البيت، معناه أنه لا يزال يلبي على الوصف المذكور حتى يدخل مكة المكرمة على المشهور، فيتركها حتى يطوف ويسعى، فإذا طاف وسعى رجع للتلبية على الوصف المذكور، حتى يأتي مصلى عرفة، وقيل لا يتركها إلا برمي العقبة، وما ذكره من قطعها بدخول مكة هو المشهور، وقيل لا يقطعها حتى يدخل المسجد، وقيل حتى يبدأ الطواف، ويكره أن يلبي في الطواف أو في السعي، كما في المدونة، وإلى هذا أشار بقوله: ثم سعى الأبيات.
٧٨٨ - ولتدخلنْ مكة من كَداء ... نظير باب الكعبة الغراء
٧٨٩ - ولتخرج اِن رمت الخروج من كُدى ... أسفلَها اقتداً بفعل أحمدا
٧٩٠ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه
٧٩١ - وينبغي بِدارُه إلى دخولْ ... ألمسجد الحرام ساعة الوصول
٧٩٢ - وليدخل المسجدَ من باب السلام ... قالوا كذا دخله خير الانام
٧٩٣ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه
٧٩٤ - وقَبَّل الحجر حيث قدرا ... بفيه عند ذا ابتدا وكبرا
٧٩٥ - إلا فضعْ يدا عليه وعلى ... فمِك فاجعلها ولا تقبلا
стр. 412
قوله: ولتدخلن مكة من كدا البيت، معناه أنه يستحب دخول مكة المكرمة من كداء وخروجه من كدى لحديث عائشة -رضي الله تعالى عنها -أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما جاء مكة المكرمة دخل من أعلاها، وخرج من أسفلها (١) قال في شفاء الغليل: قال النووي -رحمهما الله تعالى -: كداء التي يدخل منها بفتح الكاف والمد، ويجوز صرفها على إرادة الموضع، وتركه على إرادة البقعة، وأما كدى التي يخرج منها فمضمومة مقصورة، وكداء بالفتح: العليا، ينزل منها إلى الأبطح ومقابر مكة المكرمة، والمضمومة: السفلى، عند قُعَيقِعان.
وقال ابن العربي -رحمه الله تعالى -: كداء بالفتح والمد: هو الفتح الذي في الجبل على المحصب، وهو الموضع الذي بركت فيه ناقة رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم - يوم الفتح، وأما الذي بالضم والقصر، ففي طريق التنعيم في عقبة بني مجاشع.
ثم قال: وقال ابن الصلاح الشافعي -رحمه الله تعالى -: وأما كُدَيٌّ مصغرا -يعني بضم الكاف وفتح الدال وتشديد الياء -فإنها لمن خرج من مكة المكرمة إلى اليمن، وليست من الموضعين الأولين في شيء، أخبرني بذلك أحمد بن عمر العُذري عمن لقي بمكة المكرمة من أهل المعرفة لمواضعها من أهل العلم، وهي فائدة حسنة، تدفع ما غلط فيه كثيرون.
قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: وحكمة دخولها من أعلاها قيل لدعوة إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) ولم يقل تصعد إليهم.
وقال في المواهب: قال السهيلي -رحمهما الله تعالى -: إنما استحب الرسول -صلى الله تعالى عليه وسلم -لمن أتى مكة أن يدخل من كداء، لأنه الموضع الذي دعا فيه إبراهيم ربه أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، ولم يقل تصعد إليهم، فقيل له: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا) ألا ترى أنه قال: (يأتوك) ولم يقل يأتوني.
стр. 413
وقال بعضهم في توجيه ذلك: إن الداخل من كداء يأتي من وجهة البلد والكعبة، ويستقبلها من غير انحراف.
قوله: وينبغي بداره البيت، معناه أنه ينبغي أن يبادر إذا أتى مكة المكرمة إلى المسجد الحرام، لما في الصحيح عن عائشة -رضي الله تعالى عنها -من أن أول شيء بدأ به النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -حين قدم مكة المكرمة أن توضأ وطاف، (١) قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: لأنه هو المقصود، فالتراخي عنه إساءة أدب، وقلة همة، فلا يقدم عليه إلا ما لا بد منه من حط رحله، والأكل الخفيف إن احتاج إليه، ثم إذا رفع بصره على جزء من البيت دعا بما تيسر.
قوله: وليدخل المسجد البيت، معناه أنه يستحب دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة، وهو المعروف بباب السلام، قال ابن حبيب -رحمه الله تعالى -: دخل رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم -من باب بني شيبة، وخرج إلى الصفا من باب بني مخزوم، وهو المعروف اليوم بباب الصفا، وله خمس طاقات كلها سواء، وخرج إلى المدينة المنورة من باب بني سهم، وهو المعروف اليوم بباب العمرة.
قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: وإذا دخل من باب بني شيبة قابله البيت ببابه، فقابله الحجر -بالكسر -والحجر -بالفتح -والمقام والملتزم، وكان زمزم عن يساره بغير بعد، فواجهه الخير كله بدخوله، وذلك أحد الوجوه في إيثاره، مع تيسر الأمر عليه، وإتيان البيوت من أبوابها والله أعلم.
قوله: وقبل الحجر البيتين، معناه أنه يسن إذا دخل المسجد الحرام أن يقبل الحجر، فإن لم يتمكن من تقبيله وضع يده عليه، ثم وضعها على فيه، من غير تقبيل.
٧٩٦ - ثمت بالبيت إذا وهو في ... ناحية اليسار سبعةً طُف
٧٩٧ - وخُبَّ في الثلاثة الأوائل ... والاربعَ الأُخَرَ مشْيا افعل
٧٩٨ - وقبلنْ بكل ذاك الحجرا ... متى تُحاذيه كما قد ذُكرا
٧٩٩ - كذلك الركن اليمانِ كلما ... حاذيتَه باليد منك استلما
стр. 414
٨٠٠ - ثم اجعلنَّها على فيك، ولا ... تُقَبِّلنْ، وكبر الله علا
٨٠١ - وركعتين صلينْ بعدَ تمامْ ... الاطواف نحو ما مضى خلْف المقام
أشار بهذه الأبيات إلى طواف القدوم، وهو واجب غير ركن، إن لم يراهق، ولم يردف بحرم، وللطواف شروط، منها طهارة الحدث، وطهارة الخبث، وستر العورة، لما في الحديث من أنه صلاة (١) فإن ذكر الطائف أثناء طوافه أنه محدث قطع، وتطهر وابتدأه، وإن لم يذكر ذلك إلا بعد طوافه وسعيه أعادهما، ولو رجع لبلاده، سواء وقع ذلك في حج أو عمرة، إلا أنه في العمرة يرجع محرما، وفي الحج يرجع حلالا، إلا من نساء وصيد، لأن التحلل الأصغر يقع برمي العقبة أو فوات وقته.
وإذا انتقض وضوءه بعد تمام الأشواط وقبل الركعتين توضأ وابتدأ طوافه، فإن توضأ وصلى الركعتين وسعى، أعاد الطواف والركعتين والسعي، ما دام في مكة المكرمة، أو قريبا منها، فإن تباعد ركعهما بموضعه وبعث بهدي.
وأما طهارة الخبث فهي على ما تقدم من الخلاف في الصلاة، والمعول أن من طاف بخبث عامدا، يعيد طوافه أبدا، كالصلاة، وأما من طاف به ناسيا، فإن ذكر في الأثناء فالقياس -كما قال ابن رشد رحمه الله تعالى -أن يبتدئ، وإن لم يذكر إلا بعد تمامه، لم يعده، لخروج وقته بالفراغ منه، ولو ذكره قبل أن يأتي بالركعتين خلع عنه الثوب النجس مثلا، وصلى الركعتين، ولا يعيد طوافه.
وأما ستر العورة ففي المواهب عن مناسك ابن فرحون -رحمهما الله تعالى -أنه قال: إن حكمه كحكم من صلى بثوب نجس، أو طاف به.
стр. 415
ومن شروط الطواف كذلك جعل البيت عن يساره، فلو جعله على يمينه، أو طاف ووجهه إلى البيت، أو ظهره، لم يصح وأعاده، ولو رجع إلى بلده، لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم طاف والبيت عن يساره، (١) وقال: " خذوا عني مناسككم (٢) " وقد قيل إن الحكمة في ذلك أن يكون قلبه إلى جهة البيت، ومن شروطه كذلك موالاته، فإذا فرقه حتى حصل طول بطل، وتطلب الموالاة بينه وبين الركوع، وبين الركوع والسعي، وإذا أقيمت الصلاة أثناء الطواف قطعه وجوبا، وندب إكمال الشوط إن أمكن وصلى مع الإمام، ثم أتم طوافه، وينبغي له إذا خشي أن تقام الصلاة قبل تمامه أن يؤخر حتى يفرغ من الصلاة، وأما التفريق اليسير فلا يبطل، ويكره إذا كان لغير عذر، وينبغي أن يقبل في طوافه على الذكر والدعاء والصلاة على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال في المواهب: قال في شرح العمدة: والمستحب أن يطوف بالباقيات الصالحات، وهي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أو بغير ذلك من الأذكار، ولا يقرأ، وإن كان القرآن المجيد أفضل الذكر، لأنه لم يرد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ في الطواف، فإن فعل فليسر القراءة لئلا يشغل غيره عن الذكر.
стр. 416
ومن شروطه أيضا كونه خارج البيت، فإذا دخل في طوافه الحجر لم يجزه، وإن حصل له ذلك في شوط لم يعتد به، قال القاضي عبد الوهاب في المعونة: ولا يجزئ الطواف داخل الحجر خلافا لأبي حنيفة، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " الحجر من البيت " (١) وإذا ثبت أنه من البيت، لم يجز أن يطوف فيه لقوله : (وليطوفوا بالبيت العتيق) وذلك يقتضي استيفاء جميعه، ولأنه صلى الله تعالى عليه وسلم طاف خارج الحجر، وقال: " خذوا عني مناسككم " واعتبارا بالطواف داخل البيت، نقله في المواهب.
واختلف في الشاذروان، وهو بناء لطيف جدا ملصق بحائط الكعبة، فذكر غير واحد من المتأخرين اشتراط خروج البدن عنه كالحجر، لما تقدم، وذكروا أن مقبل الحجر مأمور إذا رفع رأسه من التقبيل، أن ينصب قامته قبل أن يسير، فإذا لم يفعل لم يصح طوافه، لأن بعضه لم يقع خارج البيت، فإن تنبه لذلك بالقرب عاد ومشى ذلك القدر،
стр. 417
وإن أكمل الأسبوع لم يعتد بذلك الشوط، وبالغ ابن رشيد القفصي في إنكار اشتراط ذلك، واحتج بإجماع الأمة على أن البيت متمم على قواعد إبراهيم ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ من جهة الركنين اليمانيين، ولذلك استلمهما النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ دون الآخرين، وعلى أن ابن الزبير لما نقض البيت وبناه، إنما زاد فيه من جهة الحجر، وأنه أقامه على الأسس الظاهرة، التي عاينها العدول من الصحابة، وكبراء التابعين، ووقع الاتفاق على أن الحجاج لم ينقض إلا جهة الحجر خاصة، نقله في المواهب.
ووقع للقباب -رحمه الله تعالى -نحو ذلك، قال: ولو كان كما قالوا، لحذر منه السلف الصالح، لعموم البلوى بذلك مع كثرة وقوعه، فتركهم ذكره دليل أن مثله مغتفر، والتوقي منه أولى، وأما أن ذلك مبطل فبعيد، نقله في المواهب.
وقد قلت في ذلك:
وبعضهم بالغ في نكير ... شرط خروجٍ عن هوا التأزير
أعني بذاك ابنَ رشيدٍ حسبا ... ما في المواهب إليه نسبا
وهْو الذي استصوبه القباب ... أيضا على ما نقل الحطاب
والتأزير هو الشاذروان.
ومن شروطه كذلك كونه داخل المسجد، فلو طاف خارجه لم يجزه، قال ابن رشد -رحمه الله تعالى -: ولا خلاف في ذلك، وذلك لما تقدم، قال في التاج: قال سند -رحمهما الله تعالى -: ويستحب الدنو من البيت كالصف الأول، وإن طاف في السقائف لغير زحام، لحر أو برد، أعاد، وإن طاف فيها أو من وراء زمزم من زحام الناس أجزأه، قاله في المدونة.
стр. 418
قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: وبدؤه ومنتهاه الركن الأسود، الباجي: روى داوود بن سعيد إن بدأ من اليماني ألغى ما قبل الركن الأسود، ونحوه لابن القاسم، فإن أتم طوافه على ذلك وركع، فابن كنانة يعيد إن ذكر قريبا، وإن بعد أو أحدث أجزأه وأهدى، عيسى عن ابن القاسم: إن لم يذكر حتى أحدث ابتدأ طوافه وسعيه، فإن خرج من مكة المكرمة وبعد أهدى، عبد الحق عن كتاب محمد: لو ابتدأه من بين الحجر الأسود، وبين الباب بيسير، أجزأه ولا شيء عليه، ابن الجلاب: إن بدأ بغير الحجر الأسود ألغى ما قبله.
قوله: وخب في الثلاثة الأوائل البيت، أشار به إلى أنه يسن الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم، وذلك خاص بالرجال، والرمل هو الخبب فوق المشي ودون الجري، قال في التاج: فيها: يرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، ومن جهل أو نسي فترك الرمل في الأشواط الثلاثة بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، فكان مالك - رحمه الله تعالى - يقول عليه الدم، ثم رجع وقال: لا دم عليه، ويستحب لمن اعتمر من الجعرانة أو التنعيم أن يرمل، وليس وجوبه عليه كوجوبه على من حج أو اعتمر من المواقيت، وأما السعي فواجب على من اعتمر من التنعيم أو غير ذلك، ابن المواز: ولا رمل على النساء، ولا سعي ببطن المسيل.
قوله: وقبلن بكل ذاك الأبيات الثلاثة، أشار به إلى طلب تقبيل الحجر، واستلام الركن اليماني في كل شوط، وذلك مسنون في الشوط الأول خاصة، مندوب في ما بعده، فإن لم يقدر أن يقبل الحجر لمسه بيده، إن أمكنه ذلك، ثم وضعها على فيه من غير تقبيل، فإن لم يمكنه ذلك لمسه بعود، ووضعه على فيه كذلك، فإن لم يمكنه كبر عند محاذاته، ولا يرفع يديه على الأصح.
стр. 419
قال مالك -رحمه الله تعالى -: وليزاحم على الحجر، ما لم يكن أذى، وأما الركن اليماني فلا يقبله، ولكن يستلمه بيده، ثم يضعها على فيه من غير تقبيل، فإن لم يمكن كبر ومضى، ولا يختص التكبير بتعذر الاستلام أو التقبيل، بل هو مطلوب على كل حال، فإن تمكن من التقبيل والاستلام كبر بعدهما، وإن لم يتمكن من ذلك كبر عند محاذاة كل من الركنين، وأما الركنان الشاميان فلا يستلمهما، ولا يكبر عند محاذاتهما.
قوله: وركعتين البيت، معناه أنه يؤمر بعد إتمام الأشواط أن يصلي ركعتين، ويندب أن يقرأ فيهما بالكافرون والإخلاص، ويستحب إيقاعهما بالمسجد، وخلف مقام سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، واختلف في حكم ركعتي الطواف، فاختار الباجي -رحمه الله تعالى -وجوبهما مطلقا، أما في الواجب فلوجوبه بالأصل، وأما في غيره فلوجوبه بالشروع، واختار القاضي عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -سنيتهما مطلقا، واختار الأبهري وابن رشد -رحمهما الله تعالى -وجوبهما في الواجب، وندبهما في غيره.
٨٠٢ - وبعد ذاك قبلنَّ الحجرا ... إن لم يكن تقبيله تعذرا
٨٠٣ - واخرج إلى الصفا وقف مستقبلا ... عليه تائبا به مبتهلا
٨٠٤ - ثم اسعيَنْ لمروةٍ، ويطلب ... ببطن ذاك الواد منك الخبب
٨٠٥ - وفوق مروةٍ كما قد وُصِفا ... بوقفة الصفا كذلك قفا
٨٠٦ - وللصفا من بعدُ أيضا اسعا ... وهكذا حتى تتم سبعا
٨٠٧ - أربعَ وقْفات بكلٍ تقفُ ... وبعد ذا تلبيةً تستأنف
стр. 420
أشار بهذه الأبيات إلى الركن الثالث في الحج والعمرة، وهو السعي بين الصفا والمروة، وله شروط، منها كونه بين الصفا والمروة، فلو نزل من الصفا ومشى متياسرا إلى جهة المسجد، حتى صارت المروة على جهة يمينه، ثم تيامن إليها أو فعل مثل ذلك ناحية الشرق، بأن تيامن حتى صارت المروة جهة يساره، ثم تياسر إليها لم يجزه سعيه، ولو حصل له ذلك في شيء يسير كذراع، فلا بد أن يكون سعيه كله بين الصفا والمروة، وإلا رجع له من بلده وأعاد طواف الإفاضة وسعى، لأنه بفوات وقت القدوم وجب عليه السعي بعد الإفاضة، فلما لم يسع بعد الإفاضة بطل طواف الإفاضة، لاشتراط الاتصال بينه وبين السعي، ومن شروطه أيضا البدء بالصفا، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أبدأ بما بدأ الله به " (١) وقوله: " خذوا عني مناسككم " فإذا ابتدأ بالمروة لم يعتد بذلك الشوط، ومن شروطه كذلك وقوعه بعد طواف واجب كما تقدم قريبا، فإن فعله بعد طواف غير واجب أعاد الطواف والسعي، ما دام بمكة المكرمة، وإن رجع إلى بلده وتباعد، أو جامع النساء أجزأه، وعليه دم، ومن شروطه كذلك اتصاله في نفسه، فإن حصل تفريق طويل بين أشواطه أعاد الطواف والسعي، ولا تشترط فيه شروط الصلاة المشترطة في الطواف، ولكن تندب.
قوله: وبعد ذاك البيت، معناه أنه يندب إذا طاف وركع ركعتي الطواف أن يقبل الحجر قبل أن يخرج إلى السعي إذا أمكنه ذلك، وكان على وضوء، ثم يخرج إلى الصفا، كما فعل صلى الله تعالى عليه وسلم (٢) ويندب للرجل أن يصعد عليه حتى يرى الكعبة، ويدعو قائما، إلا من ضرورة، ويندب للمرأة إذا خلا من الرجال.
стр. 421
قوله: ثم اسعين الأبيات الثلاثة، يعني أنه يمشي بعد وقوفه على الصفا متوجها المروة، ويندب للرجل خاصة أن يسعى سعيا شديدا في بطن المسيل، قبل الميل بنحو ستة أذرع، حتى يخرج من بطن المسيل، إلى الميل الآخر، فإذا بلغه مشى، ويندب الصعود على المروة على نحو ما سبق في الصفا، ويفعل عند المروة مثل ما فعل عند الصفا، ثم يعود إلى الصفا، ويسرع في بطن الوادي كما سبق، وهكذا حتى يتم سبعة أشواط، فهكذا سعى صلى الله تعالى عليه وسلم (١).
قوله: أربع وقفات بكل تقف، يعني أنه يقف على كل من الجبلين أربع مرات، فالوقفات ثمانية، الوقفة الأولى بالصفا قبل الأشواط، والوقفات السبع الأخرى كل واحدة منها عند تمام شوط.
قوله: وبعد ذا تلبية تستأنف، معناه أنه يرجع للتلبية إذا تم سعيه على نحو ما تقدم حتى يأتي مصلى عرفة.
٨٠٨ - ولتخرجنْ قبل الزوال ثامنا ... ذي الحجة الشهر الحرام لمنى
٨٠٩ - ولتبتنَّ هاهنا، واغد إلى ... عرفة، فإن أتيتَ اغتسلا
٨١٠ - وللمصلى اذهب، وصل الظهرا ... والعصرِ معْ الامامِ جمعا قصْرا
٨١١ - ولترُحَنَّ معه لموقف ... عرفة، وللغروب فقف
٨١٢ - ومعَه لجمْع اَيضا ادفع ... وعندها معْه عشاءيك اجمع
٨١٣ - وصل معْه الصبح أيضا واحضر ... معْه الوقوف بعده بالمشعر
٨١٤ - حتى إذا الشمس دنا أن تطلعا ... أو قبل ذا، فلمنى هنا ادفعا
٨١٥ - وحركنْ ظهرَك في محسِّر ... ندبا، فإن تركته لم تزر
стр. 422
قوله: ولتخرجن قبل الزوال البيت، معناه أنه يندب أن يخرج في اليوم الثامن من ذي الحجة لمنى، قدر ما يدرك بها الظهر، وقال الجلاب في التفريع: ضحى، ويكره أن يخرج قبل الثامن، كالخروج لعرفة قبل التاسع، ويندب أن يبيت بمنى ليلة تسع، ويصلي بها الصبح، ثم يغدو إلى عرفة، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: روى محمد: إذا طلعت الشمس، ولا بأس لضعيف هو أو دابته أن يغدو قبل طلوعها، ابن حبيب: من عبر منها لعرفة قبل طلوعها، فلا يجز بطن محسر حتى تطلع على ثبير، الباجي: لأن ما قبل بطن محسر من منى.
стр. 423
فإذا وصل عرفة اغتسل ندبا، وذهب إلى المصلى، وهو مسجد نمرة، وحضر خطبة الإمام، وصلى معه الظهر والعصر جمعا، ركعتين ركعتين، بأذانين وإقامتين، ولا يتنفل، ثم يروح الإمام لصعيد عرفة، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى - وفيها إذا فرغ من الصلاة دفع الناس بدفعه، أو بدفع من ناب عنه، لذكره منسية، أو مستخلفه لحدث، ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: إذا سلم الإمام من جمعه، ركب فارتفع لعرفات، يقف راكبا عند الهضبات مع الناس يهللون ويكبرون ويحمدون، وكل عرفة موقف، وقرب الإمام أفضل، وقاله أشهب - رحمه الله تعالى - وروى الشيخ: لا أحب أن يقف على جبال عرفة، بل مع الناس، ليس موضع من ذلك أفضل من غيره، وفيها: إن وقف جنبا من احتلام أو على غير وضوء أجزأه، وكونه طاهرا أحب إلي، الشيخ عن ابن الماجشون - رحمهما الله تعالى -: لا أحب تعمد الوقوف بغير طهر، وروى ابن وهب وغيره: الركوب أحب إلي من الوقوف قائما، وقيده اللخمي - رحمه الله تعالى - بعدم إضرار الدواب، والرواية: يدعو الماشي قائما، فإن أعيا جلس، الشيخ: روى ابن حبيب - رحمهما الله تعالى - كراهة أن يستظل يومئذ من الشمس بشيء، ابن حبيب: إذا دعوت وسألت فابسط يديك، وإذا رهبت واستغفرت وتضرعت فحولهما، فلا يزال مستقبل القبلة خاشعا متواضعا كثير الذكر بالتهليل والتكبير والتحميد والتسبيح والصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم والاستغفار والدعاء لنفسك وأبويك حتى الغروب.
والمراد بالوقوف مجرد حضوره بعرفة، راكبا أو واقفا أو قاعدا أو مضطجعا، والركوب أفضل من الوقوف، والوقوف أفضل من الجلوس، والوقوف بالنهار واجب ينجبر بالدم، والوقوف باليل ركن، من فاته فلا حج له، وإن وقف أدنى جزء من اليل كفاه، ولو مارا إن نواه.
стр. 424
قوله: ومعه لجمع البيت، معناه أنه يؤمر أن يدفع إلى المزدلفة بدفع الإمام، وليدفع إليها برفق، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أيها الناس السكينة السكينة (١) " وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص، وليؤخر الصلاة حتى يأتي مع الإمام المزدلفة لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " الصلاة أمامك " (٢) فيجمع معه العشاءين، ومن كانت به علة أو بدابته، فلم يستطع المسير مع الناس، أمهل حتى يغيب الشفق، ثم جمع بينهما حيث كان، قاله ابن القاسم، قال أبو إسحاق - رحمهما الله تعالى -: ولم يقل يصلي كل صلاة لوقتها، لأن السنة عنده فيمن وقف مع الإمام أن لا يصلي إلا بعد مغيب الشفق، نقله في التاج.
ويندب بياته بالمزدلفة، ويجب مكثه بها بعضا من الوقت، وإلا فعليه دم، ويرخص للضعفة من النساء والصبيان ونحوهم أن يدفعوا منها إلى منى ليلا، على المعول من عدم اختصاص ذلك ببني هاشم لما رواه في الموطإ عن ابن عمر وطلحة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين. -
وجمع في البيت بفتح الجيم وسكون الميم اسم لمزدلفة.
قوله: وصل معه الصبح البيتين، معناه أنه يصلي مع الإمام صلاة الصبح، ويقف معه بعدها بالمشعر الحرام، ويكبر ويهلل ويدعو إلى قرب طلوع الشمس، ثم يدفع إلى منى.
والمشعر الحرام قيل إنه المسجد الذي بالمزدلفة، وقيل البناء الذي بناه قصي بن كلاب ليهتدي به الحجاج المقبلون من عرفة، ويطلق على المزدلفة، والوقوف بأي مكان منها مجزئ لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " وقفت هاهنا وجمع كلها موقف (٣) "
قوله: وحركن ظهرك البيت، معناه أنه يستحب أن يحرك دابته، وهي المراد بالظهر في بطن الوادي المسمى بمحسر، كما فعل صلى الله تعالى عليه وسلم، (٤) ويهرول الماشي.
стр. 425
٨١٦ - ولترمِيَنْ فور الوصول العقبه ... بحصَيات سبعة معاقبه
٨١٧ - مثل حصى الخَذْف، وكبرنْ معا ... كل حصاة، بين ذين جامعا
٨١٨ - ثم انحرنَّ حيث كان معَكا ... هديٌ، وبعد ذا احلقنَّ رأسَكا
٨١٩ - وعُدْ إلى مكة إذْ ذَّا، وطُفِ ... إفاضةً، مثل الطواف السالف
٨٢٠ - واركع لدى المقام، وارجع لمنى ... ولتمكثنْ ثلاث ليلات هنا
٨٢١ - ترمي لدى الزوال في كل نهار ... بحصَيات سبعةٍ أولى الجمار
٨٢٢ - ثمت تاليتِها فالعقبه ... كل بسبع هكذا معاقبه
٨٢٣ - ومعَ كل رمية فكبر ... كمثل ما فعلتَه في الغابر
٨٢٤ - وقف بإثْر رمْي الاولى للدعا ... وإثْرَ تاليتِها كذا اصنعا
٨٢٥ - أما الاخيرة فبعدها انصرف ... حين تُتِم رمْيَها، ولا تقف
قوله: ولترمين فور الوصول البيتين، معناه أنه يؤمر إذا جاء منى أن يرمي جمرة العقبة، وبذلك يحل له ما حرم عليه بالإحرام، إلا النساء والصيد، ويستحب له ترك الطيب حتى يطوف طواف الإفاضة، إذا كان قد سعى بعد طواف القدوم وتركه حتى يسعى إذا كان لم يسع بعد القدوم، ورمي العقبة واجب ينجبر بالدم، وذهب عبد الملك إلى أنه ركن كالإحرام، ويستحب رميها وقت وصولها، فلا ينزل الراكب حتى يرميها، كما فعل صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا يقعد الماشي حتى يرميها، ولا يجوز رميها إلا بعد طلوع الشمس، وإن رمى بعد الفجر أجزأه، ويرميها بسبع حصيات، الواحدة منها كحصى الخذف - بالخاء والذال المعجمتين - كما فعل صلى الله تعالى عليه وسلم، (١) قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: روى محمد استحباب لقطها، دون كسرها، وليس عليه غسلها، واستحب ابن حبيب لقطها من مزدلفة.