← Фикх малики

Фикх малики · id 607

عون المتين على نظم رسالة القرويين

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (1 054 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قوله: ثم اسعين الأبيات الثلاثة، يعني أنه يمشي بعد وقوفه على الصفا متوجها المروة، ويندب للرجل خاصة أن يسعى سعيا شديدا في بطن المسيل، قبل الميل بنحو ستة أذرع، حتى يخرج من بطن المسيل، إلى الميل الآخر، فإذا بلغه مشى، ويندب الصعود على المروة على نحو ما سبق في الصفا، ويفعل عند المروة مثل ما فعل عند الصفا، ثم يعود إلى الصفا، ويسرع في بطن الوادي كما سبق، وهكذا حتى يتم سبعة أشواط، فهكذا سعى صلى الله تعالى عليه وسلم (١). قوله: أربع وقفات بكل تقف، يعني أنه يقف على كل من الجبلين أربع مرات، فالوقفات ثمانية، الوقفة الأولى بالصفا قبل الأشواط، والوقفات السبع الأخرى كل واحدة منها عند تمام شوط. قوله: وبعد ذا تلبية تستأنف، معناه أنه يرجع للتلبية إذا تم سعيه على نحو ما تقدم حتى يأتي مصلى عرفة. ٨٠٨ - ولتخرجنْ قبل الزوال ثامنا ... ذي الحجة الشهر الحرام لمنى ٨٠٩ - ولتبتنَّ هاهنا، واغد إلى ... عرفة، فإن أتيتَ اغتسلا ٨١٠ - وللمصلى اذهب، وصل الظهرا ... والعصرِ معْ الامامِ جمعا قصْرا ٨١١ - ولترُحَنَّ معه لموقف ... عرفة، وللغروب فقف ٨١٢ - ومعَه لجمْع اَيضا ادفع ... وعندها معْه عشاءيك اجمع ٨١٣ - وصل معْه الصبح أيضا واحضر ... معْه الوقوف بعده بالمشعر ٨١٤ - حتى إذا الشمس دنا أن تطلعا ... أو قبل ذا، فلمنى هنا ادفعا ٨١٥ - وحركنْ ظهرَك في محسِّر ... ندبا، فإن تركته لم تزر

стр. 422

قوله: ولتخرجن قبل الزوال البيت، معناه أنه يندب أن يخرج في اليوم الثامن من ذي الحجة لمنى، قدر ما يدرك بها الظهر، وقال الجلاب في التفريع: ضحى، ويكره أن يخرج قبل الثامن، كالخروج لعرفة قبل التاسع، ويندب أن يبيت بمنى ليلة تسع، ويصلي بها الصبح، ثم يغدو إلى عرفة، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -: روى محمد: إذا طلعت الشمس، ولا بأس لضعيف هو أو دابته أن يغدو قبل طلوعها، ابن حبيب: من عبر منها لعرفة قبل طلوعها، فلا يجز بطن محسر حتى تطلع على ثبير، الباجي: لأن ما قبل بطن محسر من منى.

стр. 423

فإذا وصل عرفة اغتسل ندبا، وذهب إلى المصلى، وهو مسجد نمرة، وحضر خطبة الإمام، وصلى معه الظهر والعصر جمعا، ركعتين ركعتين، بأذانين وإقامتين، ولا يتنفل، ثم يروح الإمام لصعيد عرفة، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى - وفيها إذا فرغ من الصلاة دفع الناس بدفعه، أو بدفع من ناب عنه، لذكره منسية، أو مستخلفه لحدث، ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: إذا سلم الإمام من جمعه، ركب فارتفع لعرفات، يقف راكبا عند الهضبات مع الناس يهللون ويكبرون ويحمدون، وكل عرفة موقف، وقرب الإمام أفضل، وقاله أشهب - رحمه الله تعالى - وروى الشيخ: لا أحب أن يقف على جبال عرفة، بل مع الناس، ليس موضع من ذلك أفضل من غيره، وفيها: إن وقف جنبا من احتلام أو على غير وضوء أجزأه، وكونه طاهرا أحب إلي، الشيخ عن ابن الماجشون - رحمهما الله تعالى -: لا أحب تعمد الوقوف بغير طهر، وروى ابن وهب وغيره: الركوب أحب إلي من الوقوف قائما، وقيده اللخمي - رحمه الله تعالى - بعدم إضرار الدواب، والرواية: يدعو الماشي قائما، فإن أعيا جلس، الشيخ: روى ابن حبيب - رحمهما الله تعالى - كراهة أن يستظل يومئذ من الشمس بشيء، ابن حبيب: إذا دعوت وسألت فابسط يديك، وإذا رهبت واستغفرت وتضرعت فحولهما، فلا يزال مستقبل القبلة خاشعا متواضعا كثير الذكر بالتهليل والتكبير والتحميد والتسبيح والصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم والاستغفار والدعاء لنفسك وأبويك حتى الغروب. والمراد بالوقوف مجرد حضوره بعرفة، راكبا أو واقفا أو قاعدا أو مضطجعا، والركوب أفضل من الوقوف، والوقوف أفضل من الجلوس، والوقوف بالنهار واجب ينجبر بالدم، والوقوف باليل ركن، من فاته فلا حج له، وإن وقف أدنى جزء من اليل كفاه، ولو مارا إن نواه.

стр. 424

قوله: ومعه لجمع البيت، معناه أنه يؤمر أن يدفع إلى المزدلفة بدفع الإمام، وليدفع إليها برفق، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أيها الناس السكينة السكينة (١) " وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص، وليؤخر الصلاة حتى يأتي مع الإمام المزدلفة لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " الصلاة أمامك " (٢) فيجمع معه العشاءين، ومن كانت به علة أو بدابته، فلم يستطع المسير مع الناس، أمهل حتى يغيب الشفق، ثم جمع بينهما حيث كان، قاله ابن القاسم، قال أبو إسحاق - رحمهما الله تعالى -: ولم يقل يصلي كل صلاة لوقتها، لأن السنة عنده فيمن وقف مع الإمام أن لا يصلي إلا بعد مغيب الشفق، نقله في التاج. ويندب بياته بالمزدلفة، ويجب مكثه بها بعضا من الوقت، وإلا فعليه دم، ويرخص للضعفة من النساء والصبيان ونحوهم أن يدفعوا منها إلى منى ليلا، على المعول من عدم اختصاص ذلك ببني هاشم لما رواه في الموطإ عن ابن عمر وطلحة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين. - وجمع في البيت بفتح الجيم وسكون الميم اسم لمزدلفة. قوله: وصل معه الصبح البيتين، معناه أنه يصلي مع الإمام صلاة الصبح، ويقف معه بعدها بالمشعر الحرام، ويكبر ويهلل ويدعو إلى قرب طلوع الشمس، ثم يدفع إلى منى. والمشعر الحرام قيل إنه المسجد الذي بالمزدلفة، وقيل البناء الذي بناه قصي بن كلاب ليهتدي به الحجاج المقبلون من عرفة، ويطلق على المزدلفة، والوقوف بأي مكان منها مجزئ لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " وقفت هاهنا وجمع كلها موقف (٣) " قوله: وحركن ظهرك البيت، معناه أنه يستحب أن يحرك دابته، وهي المراد بالظهر في بطن الوادي المسمى بمحسر، كما فعل صلى الله تعالى عليه وسلم، (٤) ويهرول الماشي.

стр. 425

٨١٦ - ولترمِيَنْ فور الوصول العقبه ... بحصَيات سبعة معاقبه ٨١٧ - مثل حصى الخَذْف، وكبرنْ معا ... كل حصاة، بين ذين جامعا ٨١٨ - ثم انحرنَّ حيث كان معَكا ... هديٌ، وبعد ذا احلقنَّ رأسَكا ٨١٩ - وعُدْ إلى مكة إذْ ذَّا، وطُفِ ... إفاضةً، مثل الطواف السالف ٨٢٠ - واركع لدى المقام، وارجع لمنى ... ولتمكثنْ ثلاث ليلات هنا ٨٢١ - ترمي لدى الزوال في كل نهار ... بحصَيات سبعةٍ أولى الجمار ٨٢٢ - ثمت تاليتِها فالعقبه ... كل بسبع هكذا معاقبه ٨٢٣ - ومعَ كل رمية فكبر ... كمثل ما فعلتَه في الغابر ٨٢٤ - وقف بإثْر رمْي الاولى للدعا ... وإثْرَ تاليتِها كذا اصنعا ٨٢٥ - أما الاخيرة فبعدها انصرف ... حين تُتِم رمْيَها، ولا تقف قوله: ولترمين فور الوصول البيتين، معناه أنه يؤمر إذا جاء منى أن يرمي جمرة العقبة، وبذلك يحل له ما حرم عليه بالإحرام، إلا النساء والصيد، ويستحب له ترك الطيب حتى يطوف طواف الإفاضة، إذا كان قد سعى بعد طواف القدوم وتركه حتى يسعى إذا كان لم يسع بعد القدوم، ورمي العقبة واجب ينجبر بالدم، وذهب عبد الملك إلى أنه ركن كالإحرام، ويستحب رميها وقت وصولها، فلا ينزل الراكب حتى يرميها، كما فعل صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا يقعد الماشي حتى يرميها، ولا يجوز رميها إلا بعد طلوع الشمس، وإن رمى بعد الفجر أجزأه، ويرميها بسبع حصيات، الواحدة منها كحصى الخذف - بالخاء والذال المعجمتين - كما فعل صلى الله تعالى عليه وسلم، (١) قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: روى محمد استحباب لقطها، دون كسرها، وليس عليه غسلها، واستحب ابن حبيب لقطها من مزدلفة.

стр. 426

ويشترط كون ما يرمي به حجرا، فلا يجزئ عندنا بالمدر ولا الطين اليابس، ويشترط كون ما يرمي به متعددا، فلو كرر الرمي بحصاة لم يعتد من ذلك إلا بواحدة، ويشترط أيضا رميها متفرقة، فلو رمى السبع دفعة، اعتد بها واحدة، ويشترط الرمي فلو طرحها من غير رمي لم يعتد بذلك على المشهور، ويستحب أن يكبر مع كل حصاة رافعا صوته، والإشارة في قوله: بين ذين، للرمي والتكبير، ويؤمر أن يرميها من أسفلها مستقبلها، جاعلا منى عن يمينه، والبيت الحرام عن يساره، فإن شق لزحام فمن فوقها، ثم رجع مالك - رحمه الله تعالى - إلى أنه لا يرميها إلا من أسفلها. قوله: ثم انحرن البيت، معناه أنه إذا رمى العقبة فإن كان معه هدي نحره قبل أن يحلق، لقوله : (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله) ثم حلق رأسه أو قصره، والحلاق أفضل لدعائه صلى الله تعالى عليه وسلم للمحلقين ثلاثا، وللمقصرين واحدة، ويتعين الحلق على من كان شعره قصيرا جدا، ويمر الأقرع الموسى على رأسه، ويتعين التقصير في حق المرأة الكبيرة، ولا يجوز لها الحلاق، والأولى في تقصير الرجل أن يأخذ من قرب أصول الشعر، والأولى في حق المرأة أن تأخذ من كل شعرة قدر الأنملة، وكل ما يصدق عليه أنه تقصير فهو مجزئ فيهما قل أو كثر، ولا يكفي تقصير البعض فقط، ويستحب أن يأخذ من شاربه ولحيته، ويقص أظافره، ويميط الأذى عن جسده ووجهه ورأسه، ولو قدم ذلك على الحلق في الحج لم يكن به بأس، بخلاف العمرة فيكره له ذلك فيها، لأن التحلل في الحج يقع برمي العقبة، ويستحب أن يبدأ في الحلق بشقه الأيمن كما فعل صلى الله تعالى عليه وسلم، (١) والشأن أن يغسل رأسه بغاسول ونحوه، عند إرادة حلقه.

стр. 427

قوله: وعد إلى مكة إلى قوله: لدى المقام، معناه أنه يخرج إذا حلق رأسه أو قصره لمكة المكرمة ليطوف طواف الإفاضة، كما فعل صلى الله تعالى عليه وسلم وهو مثل طواف القدوم، إلا أنه لا رمل فيه إلا من روهق عن طواف القدوم، فيستحب له، ولا يسن، ويستمر وقت الإفاضة ما بقي ذو الحجة على المشهور، فإن أخره للمحرم فعليه دم. قوله: وارجع لمنى، معناه أنه يرجع إذا طاف الإفاضة إلى منى، وقد اختلفت الرواية هل صلى صلى الله تعالى عليه وسلم الظهر يومئذ بمكة المكرمة، أو بمنى، وقد روي كل من الأمرين في الصحيح، (١) ويؤمر بالبيات بمنى فوق العقبة وجوبا ثلاث ليال إن لم يتعجل، وليلتين إن تعجل، يرمي كل يوم إثر الزوال قبل أن يصلي الظهر، وإن رمى بعد أن صلى الظهر أجزأه وأساء كما في الواضحة، ويبدأ في الرمي بالتي تلي المسجد، فإذا رماها تقدم أمامها، فوقف وأطال الوقوف للدعاء، ثم يرمي الوسطى وينصرف منها إلى الشمال في بطن المسيل، فيقف أمامها مما يلي يسارها ووجهه إلى البيت الحرام، فيفعل كما فعل في الأولى، ثم يرمي جمرة العقبة، وينصرف ولا يقف عندها، كما جاء عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يفعل، (٢) وكان القاسم وسالم - رحمهما الله تعالى - يقفان عند الجمرتين قدر ما يقرأ الرجل السريع سورة البقرة، نقله في التاج.

стр. 428

وإذا أكمل الرمي فقد تم حجه، وإذا أراد أن يرجع إلى بلاده استحب له أن يطوف طواف الوداع، كما أمر صلى الله تعالى عليه وسلم، (١) وهو على الصفة المتقدمة في طواف القدوم، ويرخص للحائض في تركه، ويستحب أن يأتي بعده زمزم، ويشرب منه، ثم يقف بعده بالملتزم للدعاء، وهو ما بين الباب المعظم، والحجر الأسود، وفي الحجر تحت الميزاب، ثم يقبل الحجر إن أمكنه ذلك، ثم ينصرف إلى بلاده، وإلى هذا أشار بقوله: ٨٢٦ - فإن رميتَ ثالث الأيام ... فانصرفنْ للبلد الحرام ٨٢٧ - وجاز الانصراف حين ترمي ... ثاني الايام بدون إثم ٨٢٨ - والحج قد تم، وطُف مودعا ... ألبيتَ ندبا اِن تردْ اَن ترجعا ثم شرع يتكلم على العمرة فقال: ٨٢٩ - وافعل في الاعتمار ما مضى إلى ... تمام سعي، فهنا قد كملا ٨٣٠ - فاحلقْ اِذا، أو قصرنْ، تحلا ... والحلق حجا واعتمارا أولى ٨٣١ - وهُو في حق النساء يحظر ... فهْي بتقصير يسير تؤمر معناه أن العمرة كالحج في ثلاثة من أركانه، وهي الإحرام، والطواف، والسعي، على ما تقدم بيانه في ذلك كله، فإذا تم سعيه حلق أو قصر على ما تقدم بيانه، وحل له كل شيء مما حرم عليه بالإحرام، واختلف في الحلق في العمرة هل هو ركن، أو واجب غير ركن وهو المعول، وهي سنة مرة في العمر، ويكره تكرارها في العام الواحد، خلافا لمطرف وابن المواز، حيث قالا بالجواز، واختاره اللخمي -رحمهم الله تعالى جميعا ـ ٨٣٢ - وجاز للمحرم قتل الاسد ... ونحوه من كل وحش معتد ٨٣٣ - وهكذا الكلب العقور الحيه ... وعقربٌ والشبهُ في الأذيه ٨٣٤ - وهكذا الكلام في الفئران ... أيضا، والاحديةِ، والغِربان ٨٣٥ - واجتنب المخيطَ من ثياب ... كالصيد والنساء والأطياب ٨٣٦ - كذاك إلقا تَفَث، كقتل ... نحو بعوض مثلا وقمل ٨٣٧ - ولا يغطِّ رأسَه أو يحلقا ... شعرَه إلا لضر لحِقا

стр. 429

قوله: وجاز للمحرم قتل الأسد الأبيات الثلاثة، معناه أن قتل هذه الأشياء المذكورة جائز للمحرم في الحل والحرم، إذا كان لدفع أذاها لا بنية الذكاة، لأن ذلك اصطياد، وقد قال : (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) وإنما جاز قتلها لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " خمس فواسق يقتلن في الحرم: الفأرة، والعقرب، والحُدَيَّا، والغراب، والكلب العقور " (١) وفي بعض ألفاظه ذكر الحية، (٢) ووصف الغراب بالبقع، والبقع في الطير والكلاب بمنزلة البلق في الدواب، والسباع المعتدية ملحقة بالكلب، من باب أولى، فهي فحوى خطاب، بل يحتمل أن المراد بالكلب ما يعمها، بل ذهب البغض إلى أن المراد بالكلب السباع خاصة، وهو غريب، واختلف في الصغار التي لا تؤذي من الغربان والأحدية والسباع، ووجه الخلاف مراعاة عموم اللفظ، والتخصيص بالعلة، والمشهور جواز قتل الأحدية والغربان وإن لم تؤذ. قوله: واجتنب المخيط من ثياب، معناه أنه يجب على المحرم اجتناب المخيط من الثياب، قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: المراد به ما يستمسك بنفسه، بخياطة كان أو نسج، أو غيره من ربط أو زر ونحوه. وذلك لما في الصحيح من أن رجلا سأل رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ عما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: " لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البرنس، ولا ثوبا مسه الورس أو الزعفران، فإن لم يجد النعلين، فليلبس خفين، وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين " (٣) قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى -: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم، وأنه نبه بالقميص والسراويل، على كل مخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى الرأس به محيطا أو غيره، وبالخفاف على كل ما يستر الرجل.

стр. 430

قوله: كالصيد، معناه أنه يحرم على المحرم سواء كان في الحل أو في الحرم اصطياد حيوان بري، متانسا أو وحشيا، مأكولا أو غير مأكول، مملوكا أو غير مملوك، كبيرا أو صغيرا، حتى البيض، لقوله : (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) وقوله : (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) وما صاده محرم أو صيد له ميتة، ولو بيضا، ولا يحرم عليه أكل لحم صاده حل لنفسه أو لحل آخر. قوله: والنساء، معناه أنه يحرم على المحرم أن يقرب النساء إجماعا، لقوله : (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) والرفث عام في كل ما يريده الرجل من المرأة، فإن وطئ الحاج قبل وقوف عرفة فسد حجه اتفاقا، وإن وطئ بعده قبل رمي العقبة والإفاضة، فالمشهور الفساد أيضا، وإن وطئ بعد رمي العقبة وقبل الإفاضة، فعليه هدي وعمرة، وإن وطئ بعد الإفاضة وقبل الرمي فعليه هدي فقط، وما قيل في الجماع يقال في الإمناء عن استدعاء، وأما الإمناء ابتداء من غير مداومة نظر أو فكر، ففيه هدي، كالإمذاء والتقبيل، وأما المعتمر فإن جامع أو أمنى عن استدعاء قبل تمام السعي، فسدت عمرته، وإن حصل منه ذلك بعد السعي وقبل الحلاق، فعليه دم. ويجب في النسك الفاسد إتمامه وقضاؤه والإهداء، ولا يجوز للمحرم أن ينكح أو ينكح. قوله: والأطياب، الأطياب: جمع طيب، والمعنى أنه يحرم عليه التطيب، وتجب عليه بذلك الفدية الآتي بيانها قريبا إن شاء الله . والمراد الطيب المؤنث خاصة، وهو الذي يظهر ريحه وأثره كالورس، والزعفران، والمسك، والكافور، والعنبر، والعود، بخلاف المذكر، وهو ما يظهر ريحه، ويخفى أثره، كالريحان، والورد، والياسمين، فيكره، ولا فدية فيه، والأصل في منع الطيب حديث المحرم الذي سقط عن راحلته فمات (١).

стр. 431

قوله: كإلقا تفث، معناه أن إلقاء التفث وإزالة الشعث ممنوعان، كقص الشارب، وقلم الأظافر، والادهان، ونحو ذلك، فإن فعل فعليه فدية، قال : (ثم ليقضوا تفثهم) قوله: كقتل نحو بعوض مثلا وقمل، معناه أنه يحرم عليه قتل الدواب، كالقمل، والذر، والبعوض، والذباب، والدود، والجراد، قال في التاج: أبو عمر: قال مالك -رحمهم الله تعالى جميعا -: في الجراد قبضة، وفي الجرادات أيضا قبضة، ولا أعلم خلافا أن الجراد من صيد البر، وأن المحرم يفديه، الباجي -رحمه الله تعالى -: عندي أنه لو شاء الصيام لحكم عليه بصوم يوم، وإنما قالوا قبضة، لأنها أسهل من صيام يوم، فاستغنى عن ذكر التخيير، وهذا حكم الذباب وغيره من الحشرات. والقبضة دون الحفنة. قوله: ولا يغط رأسه إلخ، معناه أنه لا يجوز للمحرم أن يغطي رأسه كما تقدم في الكلام على المخيط، ولا يجوز له حلقه إلا لضرورة، كما في آية الفدية. ٨٣٨ - وافتد إذ ذلك بالصيام ... ثلاثةً حسب من الأيام ٨٣٩ - أوَ اَعط ستة من الأرامل ... ثلاث آصع بلا تفاضل ٨٤٠ - وإن تشأ فافتدينْ بذبح ... أو نحر ما يجزئ إذ تضحي ٨٤١ - وجاز في كل البلاد الافتدا ... فليس فعله يخص بلدا المعنى أن المحرم إذا حلق رأسه من ضرورة، فذلك جائز، ولكن تجب عليه به فدية، كما قال : (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) وقد بين النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ المراد بذلك، فبين أن المراد بالصيام صيام ثلاثة أيام، وبالإطعام إطعام ستة مساكين، لكل نصف صاع كما في الصحيح، (١) وأشار بقوله: ما يجزئ إذ تضحي، إلى أنه يشترط في الشاة مثلا، ما يشترط في الضحية، وسيأتي بيانه إن شاء الله .

стр. 432

وأشار بقوله: وجاز في كل البلاد الافتدا إلى أن الافتدا بما ذكر، يصح في كل زمان ومكان، فليس له وقت محدد، ولا مكان محدد، والفدية واجبة في كل ما يترفه به، أو يزيل أذى، وفي لبس المخيط أو المحيط وقتا يحصل فيه الانتفاع به، بخلاف ما لو نزعه فورا فلا شيء عليه. ٨٤٢ - وجوزنَّ مطلقا أن تلبسا ... ألخفَّ، والمحيط كله النسا ٨٤٣ - وما سوى ذين من المنحظل ... قبل، فحكمها به كالرجل ٨٤٤ - وسَتر وجهها وكفيها امتنع ... ما لم يكن خشية فتنة وقع ٨٤٥ - ومثلها بستر وجه الذكر ... والرأس ستره له قد انحظر ٨٤٦ - كلبسه خفا إذا لم يَعدم ... نعلا، فإن عدمه لم يحرم ٨٤٧ - وليقطع اَسفل من الكعب، ولا ... شيء عليه، وكفقدٍ الغلا قوله: وجوزن مطلقا الأبيات الثلاثة، أشار به إلى أن إحرام المرأة في وجهها وكفيها، فيجوز لها لبس الخفين، والمخيط من الثياب والمحيط، وإنما يمنع لها لبس القفاز، لنهيه صلى الله تعالى عليه وسلم النساء في الإحرام عنه، وستر وجهها (١) إلا لستر، بلا غرز ولا ربط ولا عقد، فإن سترته لبرد أو حر فعليها الفدية. قوله: وما سوى ذين البيت، يعني به أنه يحرم عليها غير ما ذكر مما يحرم على الرجل بالإحرام، وكقرب الرجال بجماع أو مقدماته، والتطيب، وإزالة الشعث، وقتل الدواب، والاصطياد، والتزوج. قوله: ومثلها بستر وجهها الذكر الأبيات، معناه أن الرجل يحرم عليه بالإحرام ستر وجهه أو رأسه -كما تقدم -بكل ما يعد ساترا، ويحرم عليه لبس الخفين إلا ألا يجد نعالا، فيقطعهما أسفل من الكعبين، كما تقدم ذكره، ومثل فقدهما غلاؤهما، وإليه أشار بقوله: وكفقد الغلا. ٨٤٨ - وحجة الإفراد مالك على ... تمتع مع القران فضَّلا ٨٤٩ - ومن تمتع فقد تعينا ... عليه هدي، وكذا من قرنا

стр. 433

٨٥٠ - إن لم يكن كلاهما إحرامَه ... بمكة الغراء ذا إقامه ٨٥١ - وبمنى ذبحه، أو نحره ... إن كان في الوقفة معْه أحضره ٨٥٢ - إلا فمكة، ويلزم المجي ... به إذا لحرم من خارج ٨٥٣ - وإن عن الهدي يكن ذا عُسْره ... فليصم أياما لذاك عشْره ٨٥٤ - ثلاثة من وقت الاحرام إلى ... عرفة، فإن هنا تكاسلا ٨٥٥ - فليصم أيام منى، وليصم ... ألسبعة البواق بعد المقدم قوله: وحجة الإفراد البيت، معناه أن حج الإفراد أفضل عند مالك -رحمه الله تعالى - وأصحابه من التمتع والقران، لأنه يرى أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -حج مفردا، وقد اختلفت الرواية في ذلك، ولأن القران والتمتع يجب بهما الدم، والشأن فيه أن يكون لجبر نقص، ويليه في الفضل القران، لأن القارن في عمله كالمفرد، والمفرد أفضل، فما قارب فعله كان أفضل، قاله سند -رحمه الله تعالى -نقله في المواهب. ثم التمتع، وقيل التمتع أفضل من القران، وذهب أبو حنيفة -رحمه الله تعالى -إلى أن القران أفضل من الإفراد، وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر -رحمه الله تعالى -: الثلاثة سواء. قوله: ومن تمتع البيت، معناه أن المتمتع يجب عليه هدي، كما في الآية الكريمة (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) وجعلوا القارن مثله في ذلك من باب أولى، مع أن التمتع يستعمل في القران. قوله: إن لم يكن كلاهما البيت، معناه أن محل وجوب الهدي بما ذكر أن لا يكون المتمتع أو القارن من أهل مكة أو ذي طوى، فإن كان من أهلهما، ولو بالإقامة فلا دم عليه لقوله : (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) وفرق ابن الماجشون -رحمه الله تعالى -بين المتمتع والقارن من أهل مكة المكرمة، فاوجب الهدي على القارن، واختاره اللخمي -رحمه الله تعالى -لأن موجب الدم فيه على غير المكي اندراج العمرة، وهو حاصل للمكي أيضا.

стр. 434

قوله: وبمنى البيتين، معناه أن الهدي المذكور وكذلك غيره من الهدايا إن كان قد وقف به في عرفة هو أو نائبه نحره بمنى، إذا كان ذلك في أيام النحر، كما تقدم، وإن لم يقف به هو أو وكيله، أو لم يتمكن من نحره في أيام النحر نحره بمكة المكرمة، بعد أن يدخل به من الحل، فلا بد في الهدايا عند مالك - رحمه الله تعالى - من الجمع بين الحل والحرم، فإن اشتراها من الحل كفاه ذلك، وإن اشتراها في الحرم أخرجها للحل، ثم عاد بها إلى مكة المكرمة، فإن لم يفعل لم تجزه على المشهور، خلافا لرواية أبي قرة عن مالك - رحمهما الله تعالى ـ. قوله: وإن عن الهدي الأبيات، معناه أن من لا يجد هديا يصوم عشرة أيام، ثلاثة في الحج في ما بين إحرامه وعرفة، فإن لم يصمهما في ذلك، صام أيام منى، وسبعة إذا رجع كما في الآية الكريمة (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) ولا تجزئ على ظاهر المذهب، إذا صامها في الحج، واختار اللخمي -رحمه الله تعالى -الإجزاء، قياسا على المسافر في رمضان، وهذا جار في الهدايا كلها، ولا يختص بهدي التمتع والقران. ٨٥٦ - والمتمتع الذي قبلُ خلا ... هو الذي من عمرة تحللا ٨٥٧ - بأشهر الحج، إذا أقاما ... دون بلاده، وحج العاما ٨٥٨ - والقارن الذي لعمرة معا ... حج لدى إحرامه قد جمعا ٨٥٩ - وقدمنَّها بنية على ... حج، وفعلها به قد دخلا ٨٦٠ - وهكذا مَن قبلَ أن يطَّوَّفا ... وقبلَ أن يركع حجا اَردفا

стр. 435

أشار بهذا إلى بيان حقيقة التمتع بالعمرة إلى الحج الذي تقدم أنه يوجب الهدي، فذكر أنه ما استجمع أمورا، منها أن يكون تحلله من العمرة في أشهر الحج، فلو تحلل منها قبل غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، لم يكن متمتعا، وإليه أشار بقوله: تحلل بأشهر الحج، ومنها أن تكون العمرة سابقة، فلو حج أولا ثم اعتمر قبل انقضاء أشهر الحج لم يكن متمتعا، وهذا مفهوم من نفس اللفظ أيضا، ومنها أن لا يعود إلى أفقه، أو مثله بعدا، بعد العمرة قبل الحج، وإليه أشار بقوله: إذا أقاما دون بلاده، ومنها أن يحج من عامه ذلك، فلو اعتمر في أشهر الحج، ولم يحج ذلك العام، وأقام حتى حج العام القابل، لم يكن متمتعا، وإليه أشار بقوله: وحج العاما، ومنها أن يكون إحرامه بالحج بعد التحلل من العمرة، فلو أحرم بهما معا لكان قارنا، كما هو قوله: والقارن الذي لعمرة معا البيت، ولو أحرم بالعمرة ثم أردف عليها الحج قبل أن يطوف لها، أو بعد طوافه لها وقبل ركوع الطواف، لكان قارنا أيضا، والفرق بين القارن والمتمتع اندراج أفعال العمرة، ولو ركنا واحدا في الحج في القران، بخلاف التمتع، فإنه يأتي فيه بكل من النسكين على حدته، وإلى النوع الثاني من أنواع القران أشار بقوله: وهكذا من قبل أن يطوفا البيت، فهو تشبيه بمن أحرم بالحج والعمرة معا، ومنها أن لا يكون من أهل مكة المكرمة وذي طوى، وقد تقدم في قوله: إن لم يكن كلاهما إحرامه البيت، أما أهل منى أو المناهل بين مكة المكرمة، والمواقيت، كقديد ومر الظهران وعسفان وغيرهم من سكان الحرم، فعليهم الدم إذا قرنوا أو تمتعوا كما في المدونة.

стр. 436

قوله: وقدمنها بنية، أشار به إلى أنه إذا أراد أن يحرم بهما معا يقدم العمرة في النية، قال في التوضيح: قال علماؤنا: ويقدم العمرة في نيته، لارتداف الحج على العمرة، دون العكس، فإن قدم الحج على العمرة، فقال الأبهري: يجزيه، الباجي -رحمهما الله تعالى -: ومعنى ذلك أنه نواهما جميعا. قوله: وفعلها به قد دخلا، أشار به إلى أن القارن تندرج عمرته في الحج، فلا يعمل إلا ما يعمله المفرد، فالفرق بينه وبين المفرد في النية فقط. ٨٦١ - ومن يكن أصاب صيدا وجبا ... عليه فيه مثلُ ما قد عطبا ٨٦٢ - من نعم، يقضي به عدلان ... عليه مسلمان عارفان ٨٦٣ - وهو كالهدي مكانا، وانحتم ... كذاك فيه جمْعُ حل وحرم ٨٦٤ - وإن يشأ قوَّم ذاك الصيدا ... قوتا، ومثله طعاما اَدّى ٨٦٥ - وإن يشأ فعَدْل ذاك صوما ... يصوم عدل كل مد يوما ٨٦٦ - وصم في الانكسار يوما كاملا ... فالصوم ليس للتجزي قابلا أشار بهذا إلى جزاء الصيد، والمعنى أن من قتل صيدا فعليه جزاؤه، ولو قتله جاهلا بحرمة قتله، أو ناسيا أو لمجاعة، ومثل قتله مباشرة التسبب في قتله، والتعمد المذكور في الآية الكريمة خارج مخرج الغالب، كما قال ابن يونس -رحمه الله تعالى - في جامعه، واعتبره ابن عبد الحكم فلم يوجب جزاء على ناس ولا مخطئ، وهو ظاهر قوله : (ليذوق وبال أمره) ويحكم بالجزاء عدلان ليس القاتل أحدهما، فقيهان بأحكام الصيد، ولا يشترط إذن السلطان لهما في ذلك، ويخير الحكمان القاتل كما خيره الله بين ثلاثة أشياء، أحدها نظيره منظرا وبدنا، من النعم بمكة المكرمة، ولا يجري هذا في الصيد الذي ينقص عن عدل شاة، لأنها أدنى الهدي، وقد قال : (هديا بلغ الكعبة) ومحل الهدي مكة المكرمة خاصة، للآية الكريمة.

стр. 437

الثاني قيمة الصيد طعاما، ولا يقومان الصيد بالدراهم، بل يقومانه بتقدير حياته بطعام، قال في المدونة: فإن أرادا أن يحكما عليه بالطعام، فليقوما الصيد نفسه حيا بطعام، ولا يقومان جزاءه من النعم، ولو قوم الصيد بدراهم ثم اشترى بها طعاما، رجوت أن يكون واسعا، ولكن تقويمه بالطعام أصوب. ونقل ابن يونس -رحمه الله تعالى -في جامعه عن مالك أنه قال: يقوم الصيد بالحنطة، فإن قوم بشعير، أو تمر، أجزأ إذا كان ذلك طعام ذلك الموضع، ويتصدق على كل مسكين من ذلك مدا بمد النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -مثل الحنطة، قيل: أيقوم الصيد بشيء من القطاني، أو بزبيب، أو أقط، وهو عيش أهل ذلك الموضع الذي أصاب به الصيد، قال: يجزئ فيه ما يجزئ في كفارة الأيمان، ولا يجزئ فيه ما لا يجزئ في كفارة الأيمان. والعبرة في التقويم بالموضع الذي أصاب فيه الصيد، فإن لم يكن مستوطنا، فبقربه، ويخرج الطعام بموضع التقويم خاصة على المشهور. الثالث الصوم، بأن يصوم عدل الطعام، لكل مد يوم، فإن بقي بعض مد، صام عنه يوما، وذلك هو قوله: وصم في الانكسار البيت، ولا يفتقر الصوم لحكم بعد تقديرهما الطعام، ولا يختص الصوم بمكان ٨٦٧ - ولتقلنْ لدى القُفول آئبون ... ألخبرَ الذي روى المحققون كان صلى الله تعالى عليه وسلم إذا قفل من حج أو عمرة، يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آئبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده (١).

стр. 438

باب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان وما يحرم من الأطعمة والأشربة ٨٦٨ - هذا والاضحية بالإمكان ... قد وجبت وجوب الاستنان ٨٦٩ - وجذعٌ أقلُّ ما في الضانِ ... عندهمُ يكفي من الأسنان ٨٧٠ - وهُو ذو العام على ما ذكرهْ ... بدءا، وقيل ذو شهور عشَرَه ٨٧١ - وقيل ذو الثمان، والست رُوِي ... قول بها، وأول هو القوي ٨٧٢ - وما سوى الضأن من الأنعام لا ... يجزئ حيث عن ثني نزلا ٨٧٣ - وهو في المعز الذي قدَ اَكملا ... عاما، وفي العام الموال دخلا ٨٧٤ - وداخل برابع الأحوال ... من بقر، كالست بالآبال الإضحية: بكسر الهمزة وضمها وتشديد الياء وتخفيفها، جمعها أضاحيٌّ بتشديد الياء، ويقال: الضحية بفتح الضاد المشددة، وجمعها ضحايا، ويقال: أضحاة، وجمعها أضاح وأضاحي، سميت بذلك لأنها تذبح يوم الأضحى ووقت الضحى، وسمي يوم الأضحى من أجل الصلاة فيه ذلك الوقت، قاله القاضي عياض - رحمه الله تعالى -. قوله: هذا والاضحية البيت، معناه أن الأضحية سنة واجبة ـ يعني مؤكدة ـ لمن لا تجحف به، وهذا هو المشهور الذي عليه الأكثر، وقيل إنها واجبة، وفي الموطإ أنها سنة غير واجبة، والمخاطب بها هو المسلم الحر الذي ليس بحاج، ذكرا كان أو أنثى، كبيرا أو صغيرا، ولو يتيما. قوله: وجذع الأبيات الثلاثة، معناه أن أقل ما يجزئ في الضأن الجذع، وهو ابن سنة على المشهور، وقيل ابن عشرة أشهر، وقيل ثمانية، وقيل ستة، وقيل إن كان ابن فتيين فابن ستة إلى ثمانية، وإن كان ابن شارفين، فمن عشرة إلى سنة. قوله: وما سوى الضأن الأبيات، معناه أن غير الضأن من الأنعام لا يجزئ منه ما دون الثني، وثني المعز هو ما أكمل سنة ودخل في السنة الثانية دخولا بينا، وثني البقر ما أتم ثلاثا، ودخل في الرابع، وثني الإبل ما أكمل خمسا، ودخل في السادس. ٨٧٥ - وفحل ضأن في الضحية على ... خصيِّها وغيره قد فُضِّلا ٨٧٦ - ثم خصيها، فالانثى، فذكر ... معزٍ، فأنثاه، كنحو ما غبر ٨٧٧ - وفي الذي من بعد ذلك نُقِلْ ... ألخلف هل بقرٌ أولى، أو الابل ٨٧٨ - والهدي عند العلماء الابلُ ... فبقر، فالضأنُ، فيه أفضل

стр. 439

معناه أن أفضل الأضاحي الضأن، لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، (١) ثم المعز، واختلف هل يليه البقر أو الإبل، والأول أشهر، وذكر كل أفضل من أنثاه على المشهور، وفحله أفضل من خصيه على المشهور، وأفضل الهدايا الإبل، ثم البقر، ثم الضأن، ثم المعز. ٨٧٩ - ومنع الإجزاء في الضحايا ... عورُها، وهكذا الهدايا ٨٨٠ - والمرض البيِّن كُلا، وضَلَعْ ... من سيرها بسير الاغنام منع ٨٨١ - وعجَف، وهْو انعدام الشحم ... وقيل بل عدم مخ العظم ٨٨٢ - والشق في الأذُن ما لم ينزرا ... كثلث، وقطْعها كذا جرى ٨٨٣ - وكسر قرن معه يدمي، ولا ... يضر كسر من الادماء خلا ٨٨٤ - واتقينْ بذين كل عيب ... وذاك في يسيره ذو ندب قوله: ومنع الإجزاء الأبيات الثلاثة، معناه أن الضحية تشترط فيها السلامة من هذه العيوب الأربعة المذكورة اتفاقا لحديث البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - سئل عما يتقى في الأضاحي، فأشار بيده، وقال: أربع، فكان البراء يشير بيده، ويقول: يدي أقصر من يد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - العرجاء البين ظلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي (٢). ومثل الضحية عندنا الهدي والعقيقة، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: واتفق العلماء على العمل به - يعني حديث البراء رضي الله تعالى عنه - في منع ما فيه أحد هذه العيوب، وإلحاق ما هو أشد منها بها، وعلى عدم إلحاق ما هو دونها، واختلفوا في ما هو مساو لها، فمذهب المدونة إلحاقه، وهو المشهور وعليه الأكثر، واللخمي عن الجلاب وابن القصار وغيره من البغداديين عدم الإلحاق.

стр. 440

وقال ابن عرفة - رحمه الله تعالى - في توجيه الخلاف: بناء على تقديم القياس على مفهوم العدد وعكسه. وفسر المرض البين بما يمنعها من تصرف الصحاح، وفسر العرج البين بالمانع من لحوقها بالغنم مثلا، والعجفاء التي لا تنقي، قال ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: هي التي لا شحم فيها، وقال غيره: التي لا مخ فيها، وقال ابن الجلاب ـ رحمه الله تعالى ـ: التي لا شحم لها ولا مخ في عظامها، لشدة هزالها، وعده ثالثا يقتضي أن النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه، إذ لو كان أحد الأمرين أخص مطلقا، لرجع قوله إلى أحد القولين قبله، والمتبادر أن عدم المخ أخص مطلقا، والله أعلم. قوله: والشق في الأذن البيت، معناه أن قطع بعض الأذن إذا كان يسيرا لا يمنع من الإجزاء، بخلاف الكثير، وهو ما زاد على الثلث، وفي حكم القطع الشق، فيجري فيه تفصيله، وفي حكم مقطوعة الأذن أيضا السكاء، وهي صغيرة الأذنين جدا. قوله: وكسر قرن البيت، معناه أن كسر القرن مانع من الإجزاء، إذا كان يدمي، فإن برئ لم يضر اتفاقا في القرن الخارج، وعلى المشهور في القرن الداخل اعتبارا بالجماء التي اتفق على إجزائها.

стр. 441

قوله: واتقين بذين البيت، معناه أنه يطلب في الضحية أن تكون سالمة من العيوب كلها، وجوبا في العيب الكثير على المشهور كما تقدم، وندبا في غيره لمفهوم الصفة في حديث البراء - رضي الله تعالى عنه - المتقدم، فقد اقتضى إجزاء ناقصة البصر، والعرجاء عرجا خفيفا، والمريضة مرضا خفيفا، مع حديث النهي عن الخرقاء، والشرقاء، والمقابلة، والمدابرة، (١) قال اللخمي - رحمه الله تعالى -: يستحب أن تكون من أعلى المكاسب، لقوله : (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) ولقوله : (وفدينه بذبح عظيم) وبالقياس على قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أفضل الرقاب أغلاها ثمنا " (٢) وسمع أشهب وابن نافع: أكره التغالي فيها، أن يجد بعشرة دراهم، فيشتري بمائة، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: لأنه يؤدي إلى المباهاة، وقد قال أبو أيوب - رضي الله تعالى عنه -: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن بيته، ثم صارت مباهاة، وذلك في زمانه فكيف الآن قاله ابن عرفة - رحمه الله تعالى -. ٨٨٥ - وباشرنَّ ندبا التذكيه ... ذبحا وغيره، لدى التضحيه ٨٨٦ - ضحى ورا ذبح الإمام عاشرا ... ذي حجة، أو نحره إن نحرا ٨٨٧ - ومن يكن من قبل ذبحه ذبح ... أعاد أضحيته إذ لم يُضَحْ ٨٨٨ - واجتهدنْ بذبح أقرب إمام ... إذا بقريتك كان ذا انعدام ٨٨٩ - وشرطها النهار كالهدي، فلا ... يجزئ كل إن بليل فُعلا ٨٩٠ - واليوم الاول على باقي ثلا ... ث النحر صدره اتفاقا فُضلا ٨٩١ - ومن يفتْه للزوال انتظرا ... ندبا ضحى تاليه عند كُبَرا

стр. 442

قوله: وباشرن ندبا البيت، معناه أنه يندب للمضحي أن يباشر ذبح ضحيته أو نحرها، اقتداء به صلى الله تعالى عليه وسلم، (١) ولا يوكل عليها إلا من ضرورة، قال في التاج: سمع ابن القاسم - رحمه الله تعالى -: أحب إلي أن يلي ذكاة أضحيته بيده، وروى محمد: لا يلي ذبحها غير ربها إلا لضرورة أو ضعف، ابن حبيب: أو كبر، أو رعشة، فإن أمر مسلما غيره دون عذر فبيس ما صنع، وروى ابن حبيب: وأحب إلي أن يعيد بنفسه صاغرا، وقال محمد، ورواه عن مالك - رحمهم الله تعالى جميعا -: لتلي المرأة ذبح أضحيتها بيدها أحب إلي، وكان أبو موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه - يأمر بناته بذلك (٢) قال المواق ـ رحمه الله تعالى ـ: وما رأيت من نقل خلاف هذا إلا ابن رشد، فإنه ارتضى أن لا تذبح المرأة أضحيتها إلا من ضرورة. وما قاله ابن رشد هو ظاهر عبارة الشيخ - رحمهما الله تعالى -. قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: وظاهر كلام الشيخ أن الصبي والمرأة لا يذبحان، بأنفسهما بل يستنيبان غيرهما، وهو كذلك في الصبي باتفاق، وفي المرأة عند ابن رشد، قائلا: الاظهر منع ذبحها إلا من ضرورة، لنحره صلى الله تعالى عليه وسلم في الحج عن أزواجه (٣). وليس هذا ببين، فإن النحر قد يكون فيه عسر ومشقة على النساء، وأيضا أزواج النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ يجب عليهن من الستر والحجاب ما يجعل خروجن لذلك مرجوحا، والله أعلم.

стр. 443

وما قاله في الصبي هو ظاهر ابن عرفة - رحمهما الله تعالى - حيث لم يحك فيه خلافا. وانظر هل هو على إطلاقه. قوله: ضحى البيتين، أشار به إلى وقت ذبح الضحية، فذكر أنها تذبح ضحى بعد ذبح الإمام أضحيته أو نحرها، وذلك بعد الصلاة والخطبتين، فإن ذبح الإمام أو نائبه قبل بعض ذلك لم تجز، وإن ذبح غير الإمام قبل ذبحه لم تجزه للحديث الشريف (١). ويندب أن يخرج الإمام أضحيته للمصلى، وأن يذبحها عند نزوله من المنبر، ليرى الناس ذبحه، فإن لم يخرجها وجب على الناس أن يؤخروا ذبحهم إلى قدر ما يبلغ الإمام فيذبح عند وصوله، وليس عليهم انتظاره إن تراخى في الذبح بعد وصوله لغير عذر، فإن أخر الذبح لعذر من اشتغال بقتال عدو أو غيره انتظروه، ما لم يذهب وقت الصلاة بزوال الشمس، نقله في التاج عن ابن رشد - رحمهما الله تعالى -. وإذا لم تكن للإمام أضحية، فوقت الذبح من انتهاء الخطبة، واختلف في الإمام هل المراد به إمام الصلاة وهو المعول، أو إمام الطاعة أو من أقامه. قوله: واجتهدن في ذبح البيت، معناه أنه إذا لم يكن في القرية إمام اجتهدوا في ذبح أقرب إمام إليهم، وإن ظهر خطؤهم فالمشهور الإجزاء، لأن الاجتهاد شرعهم، وهو معرض للخطإ، وكذلك الكلام في أهل البادية.

стр. 444

قوله: وشرطها النهار، معناه أنه يشترط في الضحايا والهدايا الذبح نهارا، واحتج له بقوله : (ليذكروا اسم الله في أيام معلومت) فلا يجزئ ما ذبح منها ليلا على المشهور، وروي عن مالك - رحمه الله تعالى - إجزاء الذبح في الليلتين الأخيرتين، وفرق أشهب - رحمه الله تعالى - بين الضحية والهدي، فاشترط النهار في الضحية دون الهدي. قوله: واليوم الاول البيتين، معناه أن الذبح في صدر أول أيام النحر، وهو يوم الحج الأكبر أفضل اتفاقا من الذبح في ما بعد ذلك، لمواظبته صلى الله تعالى عليه وسلم على ذلك، فإن لم يذبح قبل الزوال فروى ابن حبيب أنه يستحب أن يصبر إلى ضحى اليوم الثاني، وفي كتاب ابن المواز عن مالك - رحمهما الله تعالى - أن اليوم الأول كله أفضل من الثاني، والثاني كله أفضل من الثالث، وأنكر الشيخ أبو الحسن القابسي - رحمه الله تعالى - رواية ابن حبيب، قائلا الذي عند ابن المواز أحسن منه، وهو المعروف، قاله ابن ناجي - رحمه الله تعالى -. ٨٩٢ - ولا تبع من الضحية، ولا ... من نسك، أو تُكْرِ شيئا مسجلا ٨٩٣ - وهكذا عقيقة، والاكلُ ... من الأضاح للمضحي حلُّ ٨٩٤ - وفضلوا تصدقا منها، ولـ ... ـكن أيضا إن تركه لا خللا ٨٩٥ - بعكس الاكل من جزاء الصيد ... وفدية الأذى، فذا ذو حَرْد ٨٩٦ - وهكذا هدي تطوعٍ عُطِبْ ... قبل محله، فتركه يجب ٨٩٧ - وهكذا نذر مساكين، وما ... سوى ذا الاكل منه لم يحرما قوله: ولا تبع من الضحية البيت معناه أنه لا يجوز بيع شيء من الضحية، لا لحم، ولا جلد، ولا ودك، ولا عصب، ولا غيره، ولا يجوز كراء شيء منها، كجلدها، ولا الكراء به، كإعطاء السلاخ شيئا منها في نظير سلخه، قال في التاج: قيل لابن القاسم - رحمهما الله تعالى -: فجلد الأضحية وصوفها وشعرها هل يشتري به متاعا للبيت، أو يبيعه؟

стр. 445

قال مالك - رحمه الله تعالى -: لا يشتري به شيئا ولا يبيعه ولا يبدل جلدها بمثله ولا بخلافه، ولكن يتصدق أو ينتفع به، ولا يعطى الجزار على جزره الهدايا، والضحايا، والنسك من لحومها، ولا جلودها شيئا، وكذلك خطمها وجلالها. قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: والنسك: الهدي ونحوه مما يتعلق بالحج. ومثل الضحية والنسك العقيقة، قال ابن حبيب: سنها، واجتناب عيوبها، ومنع بيع شيء منها، مثل الأضحية، الحكم واحد، نقله في التاج. قوله: والاكل، إلى قوله: لا خللا، معناه أن أكل المضحي من أضحيته جائز، بل مندوب كالتصدق، لقوله : (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير) وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا وتصدقوا، وادخروا، ونهيتكم عن الانتباذ، فانتبذوا، وكل مسكر حرام، ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا " (١) قوله: بعكس الاكل الأبيات، معناه أن هذه الأربعة لا يجوز لصاحبها أن ينتفع منها بشيء، وهي جزاء الصيد، وفدية الأذى، بعد بلوغ محلهما، ويجوز الأكل منهما إذا عطبا قبل محلهما، لوجوب البدل، والهدي المتطوع به إذا عطب قبل محله، فتلقى قلادته بدمه، ويخلى للناس، وأما بعد محله فله الأكل منه، الرابع النذر المعين للمساكين، كقوله: علي أن أهدي هذه البدنة للمساكين، فليس له أن يأكل منه مطلقا، وأما النذر المضمون فكالتطوع. ٨٩٨ - أما الذكاة فهْي حين يقطع ... الاوداج والحلقوم كلا تقع ٨٩٩ - لا دون ذا كما إذا ما رفعا ... من بعد قطعِ بعض ذا ورجعا

стр. 446

٩٠٠ - أما إذا استرسل حتى قطعا ... رأسا، فذا أسا، والاكل اتسعا ٩٠١ - والذبح حيث كان من نحو القفا ... فمالك تحليله الأكلَ نفى ٩٠٢ - والذبح في البقر هو العمل ... ولكن إن نحرت أيضا تؤكل ٩٠٣ - والشأن في الإبل نحر، وامتنع ... مذبوحها على خلاف قد وقع قوله: أما الذكاة البيتين، أشار به إلى أن الذكاة هي قطع الحلقوم والودجين من المقدم في فور بنية، والحلقوم كعصفور: القصبة البيضاء التي هي مجرى النفس، والودجان: عرقان في صفحتي العنق، ولا يشترط قطع المريء، خلافا لرواية العراقيين، والمريء كجريء: القصبة الحمراء التي تقع تحت الحلقوم، ولا يكفي قطع الودجين دون الحلقوم على المشهور المعروف من المذهب، ولا قطع الحلقوم وأكثر الودجين، أو قطع الحلقوم وأحد الودجين، أو قطع الودجين وبعض الحلقوم على المشهور في ذلك كله، ولا بد من كون قطع ما ذكر من أمام، فلا تجوز بقطع ذلك من خلف على المشهور، لأنه نخعها قبل قطع الحلقوم والودجين، وذلك هو قوله: والذبح حيث كان البيت، وكذلك لا تؤكل أيضا إذا أدخل السكين من تحت الودجين وقطع بها من داخل، ويشترط أن يكون قطع الحلقوم والودجين في فور، فلو قطع بعض ذلك ورفع يده ثم عاد لم تؤكل، إذا كانت لا تعيش إذا تركها بعد الفعل الأول، إذ لم يتم ذكاتها في الفعل الأول، والفعل الثاني وقع وهي في حكم الميتة، قال في التاج: وفي هذه المسألة خمسة أقوال، قال سيدي بن سراج - رحمه الله تعالى -: والذي يترجح قول ابن حبيب - رحمه الله تعالى - إن رجع في فور الذبح وأجهز صحت الذكاة، كمن سلم ساهيا ورجع بالقرب وأصلح، ابن أبي يحيى: وهذا مع الاختيار، أما إذا وقعت السكين من يده، أو كانت لا تقطع فأتي بأخرى بالقرب فلا يضره، ولا فرق بين إبقاء السكين على المذبح إذا لم يمرها، وبين رفعها، لأن المراعى الذبح لا إبقاء السكين، قال سيدي بن سراج - رحمه الله تعالى -: وهذا صحيح، وكذا نقل ابن علاق - رحمه الله تعالى - وكذا

стр. 447

لو تعايا رجل فوضع رجل يده على يده فذبحها، أو رفع الأول يده لا فرق. ولا بد من نية الذكاة بقطع الحلقوم والوجدين، فلا تصح ذكاة صبي غير مميز، ولا مجنون مطبق، ولا سكران، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وفي كتاب محمد: السنة أخذ الشاة برفق، فيضجعها على شقها الأيسر للقبلة، ورأسها مشرف، ويأخذ بيده اليسرى جلد حلقها، اللخمي: الأسفل فيمده لتبين البشرة، فيضع السكين حيث تكون الجوزة في الرأس، ثم يسمي الله ويمر السكين مرا مجهزا بغير ترديد، فيرفع دون نخع، وقد حدت الشفرة قبل ذلك، ولا يضرب بها الأرض، ولا يجعل رجله على عنقها، ولا يجرها برجلها، وكره ربيعة - رحمه الله تعالى - ذبحها وأخرى تنظر، وكره مالك - رحمه الله تعالى - ذبحها على شقها الأيمن إلا الأعسر. قوله أما إذا استرسل البيت، معناه أنه إذا قطع الحلقوم والودجين ثم استرسل يقطع حتى أبان الرأس فقد أساء وتؤكل ذبيحته على المعول، وقيل لا تؤكل مطلقا، وقيل لا تؤكل إن تعمد، قال في التاج: من المدونة: قال مالك - رحمه الله تعالى -: من ذبح فترامت يده إلى أن أبان الرأس أكلت ما لم يتعمد، قال ابن القاسم - رحمه الله تعالى -: ولو تعمد ذلك وبدأ في قطعه بالحلقوم والأوداج أكلت لأنها كذبيحة ذكيت ثم عجل قطع رأسها قبل أن تموت، ابن يونس - رحمه الله تعالى -: وهذا هو القياس أن تؤكل كما قاله ابن القاسم، وما روي عن مالك - رحمهما الله تعالى - أنها لا تؤكل فهو استحسان. قوله: والذبح في البقر البيت، معناه أن العمل في البقر هو الذبح، وقد قال : (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) ونحرها جائز لما في الحديث من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نحر عن أزواجه - رضي الله تعالى عنهن - (١).

стр. 448

قوله: والشأن في الإبل البيت، معناه أنه يتعين عند مالك - رحمه الله تعالى - في الإبل النحر، ولا يجوز عنده ذبحها إلا لضرورة، فإن ذبحت لغير ضرورة لم تؤكل على ما لمالك في المدونة، وحمله ابن حبيب على التحريم، وغيره على الكراهة، وقال أشهب وابن مسلمة تؤكل. وأما إذا كان لضرورة فلا خلاف في جواز أكله، وكذلك نحر الغنم ونحوها، ومن الضرورة جهل صفة الذبح مثلا، أو انعدام آلته، أو عدم التمكن من محله ونحو ذلك، وقيل بجواز كل منهما في الكل من غير ضرورة. ٩٠٤ - وليقل الذابح بسم الله معْ ... ألله أكبر، فإن سهوا يدع ٩٠٥ - تسمية، حلت، وإن تعمدا ... تركا، فمنع الاكل إذْ ذا أُيدا ٩٠٦ - وسم أيضا عند إرسال الجوا ... رح، ورمح، فجميع ذا سوا ٩٠٧ - وفي الجنين أجزأت ذكاة الام ... إن نبتت أشعاره والخلق تم ٩٠٨ - وذات الانخناق، والوقْذ، وما ... ذُكر في نص الكتاب معْهما ٩٠٩ - تحرم كلها إذا ما تصل ... ما معه حياتها لا تؤمل ٩١٠ - وما لغير الله جل قدُ اُهِل ... به، فذاك مطلقا ليس يحل ٩١١ - ولحم خنزير، وما من الدم ... سُفِح، فالكل من المحرم قوله: وليقل الذابح الأبيات الثلاثة، معناه أن المذكي مأمور بالتسمية عند الذكاة، ذبحا، ونحرا، وعقرا، وغير ذلك، وجوبا إن ذكر وقدر، قال : (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) وقال : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) وقال : (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) وقال : (فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) فإن ترك التسمية نسيانا أكلت، وإن تركها تهاونا لم تؤكل ذبيحته باتفاق، كما قال ابن رشد - رحمه الله تعالى - وإن تركها عمدا من غير تهاون أو جهلا لم تؤكل أيضا على المشهور.

стр. 449

قوله: وفي الجنين أجزأت ذكاة الام، معناه أن الجنين الذي يكون في بطن الذبيحة مثلا يؤكل بذكاتها، إن تم خلقه ونبت شعره، وهذا إذا خرج ميتا، وإن خرج حيا نظر، فإن كان به من الحياة ما يرجى أن يعيش به، أو شك في ذلك، افتقر للذكاة، وإن خرج به رمق من الحياة يعلم أنه لا يعيش به ذكي استحبابا فقط على المشهور من المذهب، والوجه في هذا ما صح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم من أن ذكاة الجنين ذكاة أمه (١). قوله: وذات الانخناق والوقذ البيتين، معناه أن المنخنقة والأربع المذكورة معها في آية المائدة، وهي الموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، يحرم أكلها إذا وقع بها من ذلك ما لا يمكن أن تعيش معه، ظاهره سواء أنفذ منها مقتل أو لا، والمعول في الثاني الأكل، لأن ذلك لا يجزم فيه بالموت، فأشبه الصحيح، قال في المدونة: قال مالك - رحمه الله تعالى -: إذا تردت الشاة من جبل أو غيره، فاندق عنقها وأصابها ما يعلم أنها لا تعيش منه، ما لم يكن قد نخعها، فإنها تذكى وتؤكل، لأن بعضها مجتمع إلى بعض، ولو انقطع النخاع لم تؤكل، وإن ذكيت وفيها الحياة، نقله في التاج. وأما الأولى أعني منفوذة المقتل فحكى الباجي - رحمه الله تعالى - الاتفاق على منعها، وقال ابن رشد - رحمه الله تعالى - هوالمنصوص، وقال اللخمي - رحمه الله تعالى - إن كان إنفاذها بموضع الذكاة كفري الأوداج لم تؤكل، وإلا فقولان.

стр. 450

وكأن المشهور جعل محل الاستثناء أعني قوله : (إلا ما ذكيتم) ما ترجى حياته خاصة، أو يشك فيه، لأن المقطوع بعدم عيشه وموته فورا في حكم الميت، فلا يصح أن يقصد بالذكاة، كما لا يقصد بها ما مات بالفعل والله أعلم. والمقاتل قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: الباجي: المقاتل انقطاع النخاع، المخ الأبيض في فقار العنق أو الظهر، أو انتثار الدماغ، أو الحشوة، وخرق الأوداج، وانفتاق المصير، كل منها مقاتل اتفاقا، عبد الحق: وقطع الودج الواحد مقتل، محمد: وقطع بعض الأوداج والحلق مقتل، قال ابن عرفة: وأطلق الأكثر قولهم: خرق المصير، وكذا وقع لمحمد ولابن حبيب عن مطرف، وقال ابن رشد - رحمهم الله تعالى جميعا - معنى قولهم في خرق المصير إذا خرق أعلاه في مجرى الطعام والشراب قبل تغيره لحال الرجيع، لعدم حياتها أكثر من ساعة، وخرق أسفله حيث الرجيع غير مقتل لبقائها به زمانا تتصرف. قوله: وما لغير البيتين، معناه أن هذه الأشياء الثلاثة محرمة إجماعا، وقد تكرر ذلك في القرآن الكريم، وهي ما ذبح تقربا لغير الله ، ولحم الخنزير البري، فإنه رجس، والدم المسفوح، بخلاف ما يكون في العروق، وأما خنزير الماء فقد اختلف فيه، وأبى مالك - رحمه الله تعالى - أن بجيب فيه بشيء، وقال أنتم تقولون: خنزيرا، وقال ابن القاسم - رحمه الله تعالى -: وأنا أتقيه، ولو أكله رجل لم أره حراما، ووجه جوازه أنه من صيد البحر وقد قال : (أحل لكم صيد البحر) والله أعلم. ٩١٢ - وأكل ميتة للاضطرار ... بل شبع، ليس بذي انحظار ٩١٣ - وهكذا تزوُّدٌ منها، إلى ... وجوده عن ذاك الامر بدلا ٩١٤ - والانتفاع بجلودها ورا ... دبغ بلا ضرورة لم يحظرا ٩١٥ - لكن على ذلك لا يصلى ... منعا، ولا تباع أيضا حظلا ٩١٦ - بعكس ما كان من اَجلاد السباع ... إن ذُكِّيت، فالكل فيه ذو اتساع

стр. 451

قوله: وأكل ميتة البيتين، معناه أن أكل الميتة للضرورة والشبع منها والتزود حتى يظفر ببدل عنها جائز، بمعنى أنه غير حرام، وإلا فهو واجب، والمضطر هو الذي اشتدت حاجته إلى الطعام بحيث يخاف على نفسه الهلاك إذا لم يأكل، ولا يلزمه الصبر إلى الإشراف، لأن الأكل لا ينفعه حينئذ، والأصل في هذا قوله : (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم) وما ذكره الشيخ من الشبع والتزود هو المشهور، وهو قول سحنون - رحمه الله تعالى -وأكثر أهل المذهب، وجاء عن مالك - رحمه الله تعالى - أنه لا يزيد على سد الرمق، ولا يتزود منها، ووجه الأول أن الاضطرار لا يرتفع إلا بوجود ما يستغني به عنها، وقصة السرية مع العنبر، حيث أقاموا عندها شهرا يأكلون ويدهنون، وتزودوا منها وهم يعتقدون أنها ميتة (١).

стр. 452

قوله: والانتفاع بجلودها البيتين، معناه أن الانتفاع بجلد الميتة بعد دبغه جائز، واختلف هل يطهر بذلك أو يرخص في الانتفاع به من غير طهارة، وينبني على ذلك الاختلاف في الانتفاع به في غير اليابس والماء، كالزيوت، والألبان، ونحو ذلك، وجواز الصلاة عليه، وجواز بيعه، والمشهور من المذهب أنه لا يطهر بذلك، ولكن يرخص في الانتفاع به في اليابس والماء، وقال ابن وهب - رحمه الله تعالى - وجماعة يطهر بذلك، وهو أبين، والأول أحوط، ومنشأ الخلاف ورود ما يشهد لكل، فحديث " إنما حرم أكلها " (١) ظاهره التقرير على قولهم إنه ميتة، مع احتمال الطهارة في الأحاديث المصرحة بالطهارة للطهارة اللغوية، خاصة وأن الطهارة الشرعية لم تعهد بغير الماء والله أعلم. قوله: بعكس ما كان البيت، معناه أن جلود السباع المذكاة لأخذ جلودها خاصة تجوز الصلاة عليها، ويجوز بيعها، فمذهب مالك - رحمه الله تعالى - أن كلما يطهره الدباغ تطهره الذكاة، كما قال ابن رشد - رحمه الله تعالى - وقد اختلف أهل المذهب في كراهة أكل السباع وحرمتها، فروى العراقيون عن مالك - رحمه الله تعالى - كراهتها من غير تفصيل، وقال ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: لم يختلف المدنيون في تحريم لحوم السباع العادية، الأسد، والنمر، والذئب، والكلب، فأما غير العادية كالدب، والثعلب، والضبع، والهر الوحشي والإنسي، فمكروهة دون تحريم، قاله مالك وابن الماجشون، نقله في التاج.

стр. 453

قال: وقال أبو عمر: إدخال مالك حديث أبي هريرة وأبي ثعلبة يدل على أن مذهبه في النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع نهي تحريم، وأصل النهي أن تنظر إلى ما ورد منه، فما كان منه واردا على ما في ملكك، فهو نهي أدب وإرشاد، كالأكل من رأس الصحفة، والاستنجاء باليمين، والأكل بالشمال، وما طرأ على غير ملكك فهو على التحريم، كالشغار، وقليل ما أسكر كثيره، واستباحة الحيوان من هذا القسم، ولا حجة لمن تعلق بقوله : (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما) الآية لأن سورة الأنعام مكية، وقد نزل بعدها نهي عن أشياء محرمات، وبإجماع أن النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع إنما كان من المدينة المنورة. ٩١٧ - وكل ما من ميتة ينزع في ... حال الحياة بالطهارة صِف ٩١٨ - وجوزنْ نفعا به مثل الشعر ... وزغب الريش وصوف ووبر ٩١٩ - ولكن الأحب فيه الغسل ... بعكس ريشها فلا يحل ٩٢٠ - والقرنِ والظلفِ ونابٍ مثلا ... فبالجميع الانتفاع حُظلا ٩٢١ - وكرهوا منفعة بناب ... فيلٍ، على خلف بذاك الباب

стр. 454

قوله: وكل ما من ميتة الأبيات الأربعة، معناه أن ما ينزع من البهيمة وهي حية من غير تألم، كالشعر، والوبر، والصوف، وزغب الريش، طاهر يجوز أن ينتفع به، وأن يصلى عليه، وأن يباع، سواء نزع منها حية أو ميتة، لعموم قوله : (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين) ولأن هذه الأشياء لا تحلها الحياة، فلا تنجس بالموت، ويستحب غسل ما ذكر، وقال ابن حبيب - رحمه الله تعالى - يجب غسله، وأما ما لا ينزع منها وهي حية، إلا بتألم فهو نجس من غير المذكى، كالعظم، والريش، والقرن، والظلف، والناب، لأن ميتة البعض على حكم ميتة الكل، قالوا وهذه الأمور موصوفة بالحياة، قال : (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) وذهب ابن وهب - رحمه الله تعالى - إلى أن حكم هذه الأشياء كحكم التي قبلها. قوله: وكرهوا منفعة بناب فيل، معناه أن الانتفاع بأنياب الفيلة مكروه، كما لمالك - رحمه الله تعالى - في المدونة، واختلف الشيوخ فمنهم من حمل ذلك على التنزيه، ومنهم من حمله على التحريم، وهو الجاري على ما سبق، وقال ابن ناجي - رحمه الله تعالى - إن الأقرب عنده حمل الكراهة في كلام الشيخ - رحمه الله تعالى - على التحريم. وقوله: على خلف بذاك الباب، يشير به إلى ما تقدم عن ابن وهب، ووجهه الاعتبار بالجلود، ووجه الآخر أن الجلود خرجت عن الأصل بالنص، فيبقى غيرها على الأصل، والله أعلم. ٩٢٢ - وذائب السَّمْن إذا به تموت ... فأرةٌ، أو بعسلٍ، أو بزيوت ٩٢٣ - طُرح ذاك كله، فالاكلُ ... منه، كذاك البيع لا يحل ٩٢٤ - ولكن الزيوت الاستصباحُ ... بها بغير مسجد يباح ٩٢٥ - وإن بقوت جامد تمتْ، فما ... ظُن وصولها إليه حرما ٩٢٦ - ىـ سحنون: ما لم يطلنْ به المقام ... فطرْحه إذ ذا جميعا ذو انحتام

стр. 455

قوله: وذائب السمن إلخ، أشار به إلى أن الأطعمة المائعة كالزيت، والسمن الذائب، والعسل، واللبن وغيرها، إذا وقعت فيها نجاسة، تصير نجسة، فيجب طرحها، ولا يجوز أكلها، ولا بيعها، وهذا بخلاف الطعام الجامد، فإنه إنما ينجس منه ما ظن وصول النجاسة إليه خاصة، فإن طال مكثها به حتى ظن سريانها في جميعه طرح كله، والوجه في هذا حديث الفأرة المعروف بألفاظه المختلفة (١). قوله: ولكن الزيوت الاستصباح البيت، معناه أنه يجوز الاستصباح بالزيوت المتنجسة، وقد وقع التصريح بذلك في حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - وهذا في غير المسجد، إذ لا يجوز إدخال النجاسة فيه، لحديث الأعرابي (٢) وغيره، ويجوز أن ينتفع بالمتنجس في غير طعام الآدمي وشرابه، كأن يتخذ منه صابون، أو يعلف للدواب، أو تسقى به الزروع، وذلك لحديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - الذي وقع فيه التصريح بالانتفاع، وأما طعام الآدمي وشرابه فلا يجوز أن يدخل فيه شيء متنجس، لحديث الفأرة المتقدم وغيره، وأما عين النجاسة فلا يجوز الانتفاع بها لنهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن طلي السفن بشحوم الميتة (٣).

стр. 456

٩٢٧ - أما طعام الهود والنصرى معا ... ما ذبحوا فذاك فيه وُسِّعا ٩٢٨ - وكرهوا شحم اليهود دون ما ... منعٍ، وقيل إنه قد حرما ٩٢٩ - أما الذي ذكى المجوسي فلا ... يجوز عندنا بذا أن يؤكلا ٩٣٠ - وما إلى الذكاة من قوتهمُ ... لم يفتقر، فأكله لا يحرم قوله: أما طعام الهود البيت، معناه أن طعام أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى وذبائحهم مباحة لنا إجماعا، لقوله : (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) وتشترط عندنا في ذبائحهم ثلاثة أمور الأول أن يكون الكتابي قد ذبح لنفسه، فإن ذبح شاة مسلم للمسلم ففي جوازها وعدمه ثالثها تكره، الثاني أن يكون ما ذبحه مما يباح له في شرعه، فإن ذبح ما لا يحل له في شرعه لم يؤكل، إن ثبتت حرمته عليه في شرعنا، كذوات الظفر في حق اليهود، كالإبل، وحمر الوحش، والنعام، والإوز، وأما ما لم تثبت حرمته عليهم في شرعنا مما يزعمون أنه حرام في شرعهم كالطريفة فكان مالك - رحمه الله تعالى - يجيزه أولا، ثم كرهه واستمر على ذلك، وقال ابن القاسم لا يؤكل، وظاهره المنع، وجعل ابن ناجي - رحمه الله تعالى - المشهور الجواز، والطريفة قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: هي فاسدة ذبيحة اليهود، وخالف في هذا الشرط ابن لبابة - رحمه الله تعالى - متعلقا بقوله : (وطعامكم حل لهم) قال وذوات الظفر طعام لنا، وهذا شذوذ، فالخطاب في قوله : (وطعامكم حل لهم) لنا، لا لهم، والمعنى - والله أعلم - أنه يجوز أن نمكنهم من أطعمتنا، وتوجه الخطاب إليهم في شرعنا بمثل هذا، يستلزم تقريرهم على شرعهم ودينهم، وذلك باطل، فلا دين ولا شرع بعد بعثة سيدنا محمد ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ إلا الإسلام.

стр. 457

الثالث أن لا يستحل أكل الميتة، فإن استحلها لم يؤكل ما غاب عليه، واستظهر ابن عرفة - رحمه الله تعالى - عدم أكل ما ذبحه مطلقا غاب عليه أو لا، لاحتمال عدم نية الذكاة، والأصل في هذه الشروط أن الله إنما أحل لنا طعامهم فما لم يكن لهم أن يطعموه فليس حلالا لنا، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وفي كراهة ما ذبحوه لكنائسهم وحرمته ثالثها لا بأس به، إلى أن قال: وفي ما ذكروا عليه اسم المسيح الكراهة والإباحة لابن حارث عن رواية ابن القاسم وأشهب، وعنه قائلا: أباح الله ذبائحهم لنا، وعلم ما يفعلون، وروى الباجي ومحمد وابن حبيب - رحمهم الله تعالى - كراهة الجميع، وما ذبح للصليب من غير تحريم. قوله: وكرهوا شحم اليهود البيت، أشار به إلى أن الشحوم التي تحرم على اليهود من البقر والغنم يكره لنا أكلها من ذبائحهم، وقيل يحرم، وقيل يجوز، ووجه المنع أنها ليست من طعامهم، ووجه الجواز عدم الاستفصال في بعض الأحاديث، (١) ووجه الكراهة الاحتمال مع أن الأصل الجواز. قوله: أما الذي ذكى المجوسي البيت، معناه أن ذبائح المجوس لا تجوز لنا، وذلك هو مفهوم الآية الكريمة المتقدمة، وأما حديث " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (٢) فهو في الجزية، واختار بعض أهل المذهب التسوية بينهم وبين أهل الكتاب. قوله: وما إلى الذكاة البيت، معناه أن أطعمة المجوس التي لا تفتقر إلى الذكاة جائزة لنا، كالأخباز ونحو ذلك، والله أعلم. ٩٣١ - ويكره الصيد إذا ما وقعا ... لهوا، وما لغير ذاك اتسعا

стр. 458

٩٣٢ - وما مُعَلَّمُ الكلاب قتلا ... أو البُزاة جائز اِنُ اُرسلا ٩٣٣ - وهكذا إن قبل قدرة على ... ذكاته أنفذ منه مقتلا ٩٣٤ - أما الذي من قبل ذلك قُدِرْ ... عليه، فهْو للذكاة يفتقر ٩٣٥ - كذا الذي اصطدت بسهم أو رماح ... فأنفذت مقتله فهْو مباح ٩٣٦ - إلا فإن تجده قبل أن يموت ... ذَكِّ، وجاز إن تبادرْ فيفوت ٩٣٧ - ما لم يبت، وقيل بل لو بات ذا ... إن يك منه مقتلا قد اَنفذا ٩٣٨ - وإنما يشرط ذا بجرح ... ألباز والكلاب لا في الرمح ٩٣٩ - والحيوان الإنسي ليس يؤكل ... بما به ذكاة صيد تحصل الصيد مصدرا عرفه ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: أخذ مباح أكله غير مقدور عليه من وحش طير أو بر أو حيوان بحر بقصد ملكه. قوله: ويكره الصيد البيت، أشار به إلى أن الاصطياد مكروه على المشهور إذا وقع لهوا، وأجازه ابن عبد الحكم، ويحرم إذا كان بغير نية ذكاته، أو ترتب عليه تضييع واجب، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وهو من حيث ذاته جائز إجماعا، الشيخ: روى ابن حبيب: من جعله كسبا أو قرم للحم فلا بأس به ولو كان غنيا، وروى الأخوان خفته لأهل البادية، وخروج الحضري له خفة وسفه، حسين بن عاصم عن ابن القاسم - رحمهم الله تعالى جميعا -: لا أرى صيد البر إلا لذي حاجة، وصيد البحر والأنهار أخف، لا بأس بصيد الحيتان، اللخمي: هو لعيشه اختيارا مباح، ولسد خلته أو لتوسيع ضيق عيش عياله مندوب إليه، ولإحياء نفس واجب، وللهو مكروه، وأباحه ابن عبد الحكم، ودون نية أو مضيعا واجبا حرام.

стр. 459

قوله: وما معلم الكلاب قتلا الأبيات الثلاثة، معناه أنما قتله الكلب المعلم أو الباز المعلم بإرسال منك، أو أنفذ مقتله قبل قدرتك عليه لأنه في حكم الميت جائز، لقوله : (وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) ولمفهوم قوله : (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) وأما ما قدرت على تخليصه منه قبل أن ينفذ منه مقتلا فتتعين فيه الذكاة المتقدم بيانها، ويتعلق البحث في الصيد بأربع جهات، وهي الصائد، والمصيد، والمصيد به، وكيفية الاصطياد، أما الصائد فيشترط فيه الإسلام على مذهب المدونة، وجعله في التوضيح المشهور، وعليه اقتصر في المختصر، حيث قال: وجرح مسلم، قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: وروى ابن المواز عن مالك كراهته، وروى ابن حبيب عن ابن وهب إباحته، إلى أن قال: واحتج في المدونة على المنع بقوله : (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم) فخص المؤمنين دون أهل الكتاب، واعترض بأن الآية لم تخرج لبيان جنس الصائدين، وإنما جاءت لبيان ابتلاء المحرم بالصيد الممنوع منه في حال إحرامه، كما ابتلي اليهود بتحريم الصيد في السبت، واحتج غير واحد للإباحة بقوله : (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) وهذا يقتضي ثبوت كون صيد البر من طعامهم والله أعلم.

стр. 460

ويشترط في الصائد التمييز ضرورة وجوب النية، فلا يؤكل صيد مجنون، ولا سكران، ولا صبي غير مميز، لأنه في معنى الميت حتف أنفه، فكان من قبيل الميتة، وأما المصيد فقد عرف من تعريف الصيد مصدرا، إلا أن البحري لا يجري فيه شيء من التفاصيل المتقدمة، لجواز الميت منه حتف أنفه كما في قصة العنبر وغيرها، وأما المصيد به فهو نوعان، الأول الجارح، ويشترط فيه التعليم والإرسال، فلو خرج دونه ثم أغراه فقيل يباح، وثالثها إن زاده ذلك قوة وانشلاء، ويشترط أن يواصل الطلب من بعثه له إلى اصطياده، قال في المدونة: ومن أرسل كلبه أو بازه على صيد فطلبه ساعة، ثم رجع عن الطلب، ثم عاد فقتله، فإن كان كالطالب له يمينا وشمالا، أو عطف وهو على طلبه، فهو على أول إرساله، وإن وقف لأكل الجيفة، أو شم كلبا، أو سقط البازي عجزا عنه، ثم رأياه فاصطاده، فلا يؤكل، إلا بإرسال مؤتنف، نقله في التاج. والتعليم قال في الكافي: أن يشلى فيشتلي، ويزجر فينزجر، ويرسل فيسترسل، ويطيع إذا نبه، ويسارع إذا صيح عليه، ويتكرر منه ذلك كله حتى يعلم أنه قد فهم وتعلم، قال: فهذا حد التعليم لا ما سواه، وليس بأن لا يأكل، والباز في ذلك والكلب سواء. الثاني السلاح، ويشترط فيه التحديد، قال ابن عرفة: ابن حبيب عن ابن القاسم - رحمهم الله تعالى جميعا -: لا يعجبني أكل صيد رمي بحجر حاد يذبح به، إذ لعله بعرضه، الباجي -رحمه الله تعالى -: يريد ولو علم إصابته بحده أكل. وأما الاصطياد فهو بإرسال الجارح، أو إطلاق غيره بنية مع التسمية، على ما تقدم.
следующие страницы →