٩٢٧ - أما طعام الهود والنصرى معا ... ما ذبحوا فذاك فيه وُسِّعا
٩٢٨ - وكرهوا شحم اليهود دون ما ... منعٍ، وقيل إنه قد حرما
٩٢٩ - أما الذي ذكى المجوسي فلا ... يجوز عندنا بذا أن يؤكلا
٩٣٠ - وما إلى الذكاة من قوتهمُ ... لم يفتقر، فأكله لا يحرم
قوله: أما طعام الهود البيت، معناه أن طعام أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى وذبائحهم مباحة لنا إجماعا، لقوله : (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) وتشترط عندنا في ذبائحهم ثلاثة أمور الأول أن يكون الكتابي قد ذبح لنفسه، فإن ذبح شاة مسلم للمسلم ففي جوازها وعدمه ثالثها تكره، الثاني أن يكون ما ذبحه مما يباح له في شرعه، فإن ذبح ما لا يحل له في شرعه لم يؤكل، إن ثبتت حرمته عليه في شرعنا، كذوات الظفر في حق اليهود، كالإبل، وحمر الوحش، والنعام، والإوز، وأما ما لم تثبت حرمته عليهم في شرعنا مما يزعمون أنه حرام في شرعهم كالطريفة فكان مالك - رحمه الله تعالى - يجيزه أولا، ثم كرهه واستمر على ذلك، وقال ابن القاسم لا يؤكل، وظاهره المنع، وجعل ابن ناجي - رحمه الله تعالى - المشهور الجواز، والطريفة قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: هي فاسدة ذبيحة اليهود، وخالف في هذا الشرط ابن لبابة - رحمه الله تعالى - متعلقا بقوله : (وطعامكم حل لهم) قال وذوات الظفر طعام لنا، وهذا شذوذ، فالخطاب في قوله : (وطعامكم حل لهم) لنا، لا لهم، والمعنى - والله أعلم - أنه يجوز أن نمكنهم من أطعمتنا، وتوجه الخطاب إليهم في شرعنا بمثل هذا، يستلزم تقريرهم على شرعهم ودينهم، وذلك باطل، فلا دين ولا شرع بعد بعثة سيدنا محمد ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ إلا الإسلام.
стр. 457
الثالث أن لا يستحل أكل الميتة، فإن استحلها لم يؤكل ما غاب عليه، واستظهر ابن عرفة - رحمه الله تعالى - عدم أكل ما ذبحه مطلقا غاب عليه أو لا، لاحتمال عدم نية الذكاة، والأصل في هذه الشروط أن الله إنما أحل لنا طعامهم فما لم يكن لهم أن يطعموه فليس حلالا لنا، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وفي كراهة ما ذبحوه لكنائسهم وحرمته ثالثها لا بأس به، إلى أن قال: وفي ما ذكروا عليه اسم المسيح الكراهة والإباحة لابن حارث عن رواية ابن القاسم وأشهب، وعنه قائلا: أباح الله ذبائحهم لنا، وعلم ما يفعلون، وروى الباجي ومحمد وابن حبيب - رحمهم الله تعالى - كراهة الجميع، وما ذبح للصليب من غير تحريم.
قوله: وكرهوا شحم اليهود البيت، أشار به إلى أن الشحوم التي تحرم على اليهود من البقر والغنم يكره لنا أكلها من ذبائحهم، وقيل يحرم، وقيل يجوز، ووجه المنع أنها ليست من طعامهم، ووجه الجواز عدم الاستفصال في بعض الأحاديث، (١) ووجه الكراهة الاحتمال مع أن الأصل الجواز.
قوله: أما الذي ذكى المجوسي البيت، معناه أن ذبائح المجوس لا تجوز لنا، وذلك هو مفهوم الآية الكريمة المتقدمة، وأما حديث " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (٢) فهو في الجزية، واختار بعض أهل المذهب التسوية بينهم وبين أهل الكتاب.
قوله: وما إلى الذكاة البيت، معناه أن أطعمة المجوس التي لا تفتقر إلى الذكاة جائزة لنا، كالأخباز ونحو ذلك، والله أعلم.
٩٣١ - ويكره الصيد إذا ما وقعا ... لهوا، وما لغير ذاك اتسعا
стр. 458
٩٣٢ - وما مُعَلَّمُ الكلاب قتلا ... أو البُزاة جائز اِنُ اُرسلا
٩٣٣ - وهكذا إن قبل قدرة على ... ذكاته أنفذ منه مقتلا
٩٣٤ - أما الذي من قبل ذلك قُدِرْ ... عليه، فهْو للذكاة يفتقر
٩٣٥ - كذا الذي اصطدت بسهم أو رماح ... فأنفذت مقتله فهْو مباح
٩٣٦ - إلا فإن تجده قبل أن يموت ... ذَكِّ، وجاز إن تبادرْ فيفوت
٩٣٧ - ما لم يبت، وقيل بل لو بات ذا ... إن يك منه مقتلا قد اَنفذا
٩٣٨ - وإنما يشرط ذا بجرح ... ألباز والكلاب لا في الرمح
٩٣٩ - والحيوان الإنسي ليس يؤكل ... بما به ذكاة صيد تحصل
الصيد مصدرا عرفه ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: أخذ مباح أكله غير مقدور عليه من وحش طير أو بر أو حيوان بحر بقصد ملكه.
قوله: ويكره الصيد البيت، أشار به إلى أن الاصطياد مكروه على المشهور إذا وقع لهوا، وأجازه ابن عبد الحكم، ويحرم إذا كان بغير نية ذكاته، أو ترتب عليه تضييع واجب، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وهو من حيث ذاته جائز إجماعا، الشيخ: روى ابن حبيب: من جعله كسبا أو قرم للحم فلا بأس به ولو كان غنيا، وروى الأخوان خفته لأهل البادية، وخروج الحضري له خفة وسفه، حسين بن عاصم عن ابن القاسم - رحمهم الله تعالى جميعا -: لا أرى صيد البر إلا لذي حاجة، وصيد البحر والأنهار أخف، لا بأس بصيد الحيتان، اللخمي: هو لعيشه اختيارا مباح، ولسد خلته أو لتوسيع ضيق عيش عياله مندوب إليه، ولإحياء نفس واجب، وللهو مكروه، وأباحه ابن عبد الحكم، ودون نية أو مضيعا واجبا حرام.
стр. 459
قوله: وما معلم الكلاب قتلا الأبيات الثلاثة، معناه أنما قتله الكلب المعلم أو الباز المعلم بإرسال منك، أو أنفذ مقتله قبل قدرتك عليه لأنه في حكم الميت جائز، لقوله : (وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) ولمفهوم قوله : (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) وأما ما قدرت على تخليصه منه قبل أن ينفذ منه مقتلا فتتعين فيه الذكاة المتقدم بيانها، ويتعلق البحث في الصيد بأربع جهات، وهي الصائد، والمصيد، والمصيد به، وكيفية الاصطياد، أما الصائد فيشترط فيه الإسلام على مذهب المدونة، وجعله في التوضيح المشهور، وعليه اقتصر في المختصر، حيث قال: وجرح مسلم، قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: وروى ابن المواز عن مالك كراهته، وروى ابن حبيب عن ابن وهب إباحته، إلى أن قال: واحتج في المدونة على المنع بقوله : (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم) فخص المؤمنين دون أهل الكتاب، واعترض بأن الآية لم تخرج لبيان جنس الصائدين، وإنما جاءت لبيان ابتلاء المحرم بالصيد الممنوع منه في حال إحرامه، كما ابتلي اليهود بتحريم الصيد في السبت، واحتج غير واحد للإباحة بقوله : (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم)
وهذا يقتضي ثبوت كون صيد البر من طعامهم والله أعلم.
стр. 460
ويشترط في الصائد التمييز ضرورة وجوب النية، فلا يؤكل صيد مجنون، ولا سكران، ولا صبي غير مميز، لأنه في معنى الميت حتف أنفه، فكان من قبيل الميتة، وأما المصيد فقد عرف من تعريف الصيد مصدرا، إلا أن البحري لا يجري فيه شيء من التفاصيل المتقدمة، لجواز الميت منه حتف أنفه كما في قصة العنبر وغيرها، وأما المصيد به فهو نوعان، الأول الجارح، ويشترط فيه التعليم والإرسال، فلو خرج دونه ثم أغراه فقيل يباح، وثالثها إن زاده ذلك قوة وانشلاء، ويشترط أن يواصل الطلب من بعثه له إلى اصطياده، قال في المدونة: ومن أرسل كلبه أو بازه على صيد فطلبه ساعة، ثم رجع عن الطلب، ثم عاد فقتله، فإن كان كالطالب له يمينا وشمالا، أو عطف وهو على طلبه، فهو على أول إرساله، وإن وقف لأكل الجيفة، أو شم كلبا، أو سقط البازي عجزا عنه، ثم رأياه فاصطاده، فلا يؤكل، إلا بإرسال مؤتنف، نقله في التاج.
والتعليم قال في الكافي: أن يشلى فيشتلي، ويزجر فينزجر، ويرسل فيسترسل، ويطيع إذا نبه، ويسارع إذا صيح عليه، ويتكرر منه ذلك كله حتى يعلم أنه قد فهم وتعلم، قال: فهذا حد التعليم لا ما سواه، وليس بأن لا يأكل، والباز في ذلك والكلب سواء.
الثاني السلاح، ويشترط فيه التحديد، قال ابن عرفة: ابن حبيب عن ابن القاسم - رحمهم الله تعالى جميعا -: لا يعجبني أكل صيد رمي بحجر حاد يذبح به، إذ لعله بعرضه، الباجي -رحمه الله تعالى -: يريد ولو علم إصابته بحده أكل.
وأما الاصطياد فهو بإرسال الجارح، أو إطلاق غيره بنية مع التسمية، على ما تقدم.
стр. 461
قوله: كذا الذي اصطدت بسهم أو رماح الأبيات الأربعة، معناه أن المصطاد بالسهم أو الرمح إن قتلاه أو أنفذا منه مقتلا كفى ذلك في ذكاته، ما لم يبت، فإن أدركه حيا تعين أن يذكيه بما تقدم في ذكاة الحيوان الإنسي، إلا أن يبادر فيموت قبل ذلك، فيؤكل أيضا، وهذا إذا كان غير منفوذ مقتل، فإن كان منفوذ مقتل استحب ذبحه فقط، إراحة له، وفي الموطإ عن مالك - رحمه الله تعالى - أنه سمع أهل العلم يقولون إذا أصاب الرجل الصيد فأعانه عليه غيره من ماء أو كلب غير معلم لم يؤكل ذلك الصيد، إلا أن يكون سهم الرامي قد قتله، أو بلغ مقاتل الصيد حتى لا يشك أحد في أنه قتله، وأنه لا يكون للصيد حياة بعده، قال يحيى: وسمعت مالكا - رحمهما الله تعالى - يقول: لا بأس بأكل الصيد وإن غاب عنك مصرعه إذا وجدت به أثرا من كلبك، أو كان به سهمك، ما لم يبت، فإذا بات فإنه يكره أكله.
وقال في المدونة: قال مالك - رحمه الله تعالى -: من توارى عنه كلبه والصيد، ثم وجده ميتا فيه أثر كلبه أو بازه أو سهمه وهو فيه أكله، وإن لم يجده إلا آخر النهار، ما لم يبت، فإن بات فلا يأكله، وإن أنفذت مقاتله الجوارح أو سهمه وهو فيه، قال ابن القاسم - رحمه الله تعالى -: أما السهم فلا بأس بأكل ما أنفذ مقاتله وإن بات، وقاله أصبغ - رحمه الله تعالى - قال: وقد أمن عليه مما يخاف الفقهاء أن يكون موته من غير سبب السهم، قال: ولم نجد لرواية ابن القاسم هذه عن مالك - رحمهما الله تعالى - ذكرا في كتب السماع، ولا رواها عنه أحد من أصحابه، ولم نشك أن ابن القاسم وهم فيها.
стр. 462
قال ابن المواز- رحمه الله تعالى -: وبه أقول، ابن يونس: وهو الصواب، ابن رشد: وهو أظهر الأقوال، قال سليمان: وقاله سحنون وعليه جماعة أصحابنا - رحمهم الله تعالى -الباجي: وهذا الخلاف إذا لم ينفذ السهم مقاتله حتى غاب عنه، أما إن أنفذ السهم أو الكلب مقاتل الصيد بمشاهدة الصائد ثم تحامل الصيد وغاب عنه، فقد كملت ذكاته، فلا يؤثر في ذلك مغيبه ولا مبيته، نقله في التاج.
قوله: والحيوان الانسي البيت، معناه أن الحيوان الإنسي لا تحصل ذكاته بالعقر ولو ند على المشهور، وقيل بكفاية ذلك في الناد منه مطلقا، وقيل يكفي في الناد من البقر خاصة.
٩٤٠ - أما العقيقة عن المولود ... فسنة من غير ما تأكيد
٩٤١ - يُعَقُّ عنه سابعَ الأيام ما ... يجزي ضحية، وقد تقدما
٩٤٢ - وإن نهارا وُلد الصبي ... فاليوم الاول إذا ملغيُّ
٩٤٣ - وندب الذبح ضحى، ولا يصح ... منها الذي قد كان باليل ذُبح
٩٤٤ - ومسه بدمها منهيُّ ... عن فعله فهو جاهلي
٩٤٥ - وإن يُخَلَّقْ بالخَلوق الرأسُ ... بدل ذا فليس فيه بأس
٩٤٦ - منها تصدق، أطعمنْ، وتكسر ... عظامها، وهل بذاك يؤمر
قوله: أما العقيقة عن المولود البيت، معناه أن العقيقة سنة غير مؤكدة، ومعنى ذلك أنها مستحبة، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وفي حكمها عبارات، الشيخ: روى ابن حبيب: سنة واجبة يستحب العمل بها، وكانوا يكرهون تركها، وقال محمد: سنة غير واجبة، ابن حبيب: ليست كوجوب الأضحية، ابن رشد: قال ابن حبيب: سنة غير واجبة، وقيل مستحبة، وسمع ابن القاسم: يقع في قلبي أنها شريعة الإسلام، ولم يحك المازري غير أنها مستحبة.
ولا فرق في المولود بين الذكر والأنثى.
стр. 463
قوله: يعق عنه سابع الأيام، معناه أنها تذبح في اليوم السابع من ولادته، وهذا أمر متفق عليه، لحديث سمرة بن جندب " تذبح عنه يوم سابعه " (١) فإن فات السابع لم يعق عنه، كما قال مالك - رحمه الله تعالى - وهو المشهور وهو ظاهر المدونة، واختاره اللخمي - رحمه الله تعالى - إعمالا لمفهوم الظرف، وقيل يعق عنه في ما قرب من السابع، وقيل في السابع الثاني، أو الثالث إن فات الثاني أيضا، ولا يعق عن من مات قبل السابع، وإذا تعدد المولود فإن ولد الجميع في يوم واحد عق عن كل بشاة في السابع، وإن اختلفت أيام ولادتهم عق عن كل في سابع ولادته، والعقيقة في مال الأب، فإن لم يكن له مال ففي مال الصبي إن كان له مال، ولو يتيما، ولا يخاطب بها قريب غير الأب.
قوله: يجزي ضحية، معناه أنها كالضحية من حيث السن والسلامة من العيوب، وامتناع بيع شيء منها أو كرائه، وذلك لما في الحديث من تسميتها نسكا، (٢) ولا تتعين فيها الغنم على المشهور، لكنها أفضل لفعله صلى الله تعالى عليه وسلم.
قوله: وإن نهارا البيت، معناه أن الصبي إذا ولد بعد الفجر لم يعتد بذلك اليوم لنقصانه، فيعق عنه في اليوم الثامن، وهذا هو قول ابن القاسم وروايته عن مالك - رحمهما الله تعالى - وقيل يعتد به مطلقا، وقيل إن ولد قبل نصف النهار اعتد به، وإلا فلا، ووجه ذلك احتمال السابع في الحديث لإرادة التمام في الأيام وعدمه.
стр. 464
قوله: وندب الذبح ضحى البيت، معناه أنه يشترط فيها الذبح في النهار، ويندب أن يكون ضحى، قال في المقدمات: وسنتها أن تذبح ضحوة، إلى زوال الشمس، ويكره أن تذبح بالعشي بعد زوال الشمس، أو بالسحر قبل طلوع الشمس، وأما إن ذبحها باليل فلا يجزئ، وقال في التوضيح: نص مالك - رحمه الله تعالى - في المبسوط على عدم الإجزاء إذا ذبحها قبل طلوع الشمس، وأخذه ابن رشد من العتبية، وقال ابن الماجشون يجزئه إذا ذبحها بعد طلوع الفجر، قال في البيان: وهو الأظهر، لأن العقيقة ليست منضمة إلى صلاة، فكان قياسها على الهدايا أولى من قياسها على الضحايا، نقله في المواهب.
قوله: ومسه بدمها البيت، معناه أن مس الصبي بشيء من دم العقيقة - كما كان أهل الجاهلية يفعلون - منهي عنه، بخلاف جعل خلوق عليه فلا بأس به، بل هو مستحب، والخلوق: الطيب، ويستحب حلق شعره والتصدق بوزنه ذهبا أو فضة، وقيل يكره، وقيل يجوز من غير استحباب خاص ولا كراهة.
قوله: منها تصدق أطعمن، معناه أن أهل الصبي يطعمون ويتصدقون من العقيقة، ولا يَدعون إليها، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وسمع ابن القاسم: يطبخ ويأكل منها أهل البيت، ويطعم الجيران، وأما الدعاء إليها فإني أكره الفخر، زاد في سماع القرينين: إن أرادوا صنعوا من غيرها ودعوا إلى أن قال: وسمع عيسى: إطعام أهل الحاجة أحب إلى من الأغنياء، وأرجو أن لا شيء على من فعله.
قال في المواهب: وروي عن مالك - رحمه الله تعالى - أنه قال: عققت عن ولدي، فذبحت بالليل ما أريد أن أدعو إليه إخواني وغيرهم، ثم ذبحت له ضحى شاة العقيقة فأهديت منها لجيراني، وأكل منها أهل البيت، وكسروا ما بقي من عظامها وطبخوه ودعونا إليه الجيران فأكلوا وأكلنا، فمن وجد سعة فليفعل مثل ذلك.
قوله: وتكسر عظامها إلخ، معناه أن كسر عظام العقيقة جائز، مخالفة لأهل الجاهلية في تحرجهم من ذلك، وقيل إنه مستحب.
стр. 465
وسيأتي الكلام على اختيار الأسماء في آخر الكتاب إن شاء الله .
٩٤٧ - وفي الذكور أمْرُ الاختتان ... قد جاء بالوجوب الاستناني
٩٤٨ - أما الخفاض للنسا فمكرمه ... ومن يعبه قل له: يا فدْمُ مَهْ
قوله: وفي الذكور أمر الاختتان البيت، معناه أن ختان الذكور سنة مؤكدة، ووقته المستحب عند أهل المذهب من سبع سنين إلى عشر، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وروى اللخمي: يختن يوم يطيقه، الباجي: اختار مالك - رحمه الله تعالى - وقت الإثغار، وقيل عنه من سبع إلى عشر، وكل ما عجل بعد الإثغار أحب إلي.
قوله: أما الخفاض للنسا البيت، معناه أن خفاض البنات مكرمة أي: مستحب، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وروى الباجي وغيره: الخفاض كالختان، إلى أن قال: الباجي: قال مالك ﵏ : النساء يخفضن الجواري، قال غيره: لا ينبغي أن يبالغ في قطع المرأة، قال صلى الله تعالى عليه وسلم لأم عطية ـ وكانت تخفض ـ: " أشمي ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج " (١) الشيخ: أي: أكثر لماء الوجه ودمه وأحسن في جماعه.
قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: والخفاض: إزالة ما بفرج المرأة من الزيادة، وهو في نساء المشرق، لا في نساء المغرب.
стр. 466
باب في الجهاد
٩٤٩ - ثم الجهاد واجب على الكفا ... ية، فإن يقم به بعض كفى
٩٥٠ - ولْيُدعَ أهل الكفر للإسلام ... إن لم يعاجلوا بالالتحام
٩٥١ - ثم لجزية إذا لم يقبلوا ... ذاك، فإن أبوا كذاك قوتلوا
٩٥٢ - وإنما الجزية في مقام ... يتبع في الأحكام للإسلام
٩٥٣ - فحيث عن ذا خرجوا، فليرحلوا ... له، فإن أبوا فليست تقبل
الجهاد من الجهد وهو التعب، فالجهاد المبالغة في إتعاب النفس في ذات الله قاله ابن رشد - رحمه الله تعالى -.
قوله: ثم الجهاد واجب البيت، أشار به إلى أن الجهاد فرض كفاية، لقوله : (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) الآية.
قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: حاصل أنقال المذهب أنه فرض كفاية على قادر عليه لم ينزل به عدو، ولم يبلغه نزوله بمن عجز عن دفعه من مسلم أو ذمي، ونقل ابن القطان الإجماع.
ولوجوبه شروط وهي الإسلام، والحرية، والذكورية، والبلوغ، والعقل، والاستطاعة بصحة البدن وما يحتاج إليه من المال، قال جل من قائل: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) الآية، وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " رفع القلم عن ثلاث " (١) وقال : (وقرن في بيوتكن) والعبد لا يجد ما ينفق، نقله في التاج عن ابن رشد.
قوله: وليدع أهل الكفر البيتين، معناه أن الجيش مأمور بدعوة الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم، فإن أبوا دعوا إلى الجزية، فإن أبوا قوتلوا، وقد اختلف في دعوتهم المذكورة قبل قتالهم هل هي واجبة وهو ظاهر حديث معاذ - رضي الله تعالى عنه - وهو قول مالك - رحمه الله تعالى - قال أصبغ: وبهذا كتب عمر بن عبد العزيز، لأنا إنما نقاتلهم على الدين، وإنه يخيل إليهم وإلى كثير منا أن ما نقاتلهم على الغلبة، فلا يقاتلون حتى يتبينوا، قيل لأصبغ: أرأيت من دعا إلى الإسلام والجزية فأبوا فقوتلوا مرارا، أيدعوا كلما غزوناهم؟
قال: أما الجيوش الغالبة الظاهرة فلا يقاتلوا قوما ولا حصنا حتى يدعوهم، لأنهم لم يخرجوا لطلب غرة ولا انتهاز فرصة، وإنما خرجوا ظاهرين قاهرين، وأما السرايا وشبهها التي تطلب الغرة وتنتهز الفرصة، فلا دعوة عليهم، لأن دعوتهم إنذار وتجليب عليهم، مع ما في الدعوة من الاختلاف، وقد قال جل الناس الدعوة بلغت جميع الأمم، نقله في التاج.
وقيل إن دعوتهم غير واجبة مطلقا، وقيل تجب في من بعدت داره خاصة، وقيل غير ذلك، وهذا كله ما لم يعاجلوا بالقتال، وإلا فلا تجب قولا واحدا.
стр. 467
قوله: وإنما الجزية في مقام إلخ، معناه أن الجزية لا تقبل منهم إلا إذا كانوا بموضع يناله سلطان الإسلام، فإن خرجوا عن ذلك ارتحلوا إليه، وإلا لم تقبل.
٩٥٤ - والفر يوم الزحف من كبائر ... ألذنب إجماعا لما في الخبر
٩٥٥ - إلا إذا ما المسلمون نقصوا ... عن نصف الاعداء ففيه أرخصوا
٩٥٦ - وقاتل الكفارَ خلفَ البر ... والفاجرين من وُلاة الأمر
٩٥٧ - وجاز قتْل العِلْج بعد الاسر ما ... يُعطَ تأمينا، وإلا حرما
٩٥٨ - وليس يُخْفَر لهم بعهد ... منعا، وقتل مرأة ذو حرد
٩٥٩ - وهكذا الكلام في الصبيان ... أيضا، مع الأحبار، والرهبان
٩٦٠ - وقتلهم إن قاتلوا لم يُحظل ... وهكذا المرأة إن تقاتل
قوله: والفر يوم الزحف البيت، معناه أن الفرار من العدو يوم الزحف كبيرة من كبائر الذنوب قال : (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأويه جهنم وبئس المصير) وفي الحديث الصحيح " اجتنبوا السبع الموبقات " قالوا: وما هي يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -؟
قال: " الشرك بالله تعالى، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " (١)
стр. 468
وإن كان الفرار تحرفا جاز مطلقا، وإن كان تحيزا إلى فئة جاز إن كان خوفا، ثم محل امتناع الفرار إذا كان المسلمون نصف العدد فأكثر، فإن كانوا أقل من نصفه جاز الفرار، لقوله : (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين) وجعل العراقيون محل ذلك ما إذا لم يبلغ المسلمون اثني عشر ألفا، فإن بلغوا ذلك حرم الفرار مطلقا، وعزاه ابن رشد - رحمه الله تعالى - لأكثر أهل العلم، وذلك لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة " (١) واختلف هل تراعى العدة مع العدد أو لا يراعى إلا العدد خاصة، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: قال ابن حبيب: لا يحل فرار مائة من ضعفها، ولو كانوا أشد سلاحا، وقوة، وجلدا، إلا أن يكون العدو بمحل مدده ولا مدد للمسلمين، ففي التولية سعة، الصقلي: المعتبر مع تقارب القوة والسلاح، وأما لو لقي مائة غير معدة ضعفها معدا فلا، لأن الواحد معدا، يعدل عشرة غير معدة.
стр. 469
قوله: وقاتل الكفار البيت، معناه أن الكفار يقاتلون مع البر والفاجر من ولاة الأمر، إذ لو ترك القتال مع الجائر - كما كان مالك رحمه الله تعالى يقول به أولا - لكان ذلك ضررا على الإسلام، وخذلانا عظيما للمسلمين، قال في التاج: ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون لا بأس بالغزو معهم وإن لم يضعوا الخمس موضعه، ولم يفوا بعهد، وإن عملوا ما عملوا، وقاله الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ حين أدركوا من الظلم، فكلهم قال: اغز معهم على حظك من الآخرة، ولا تفعل ما يفعلون من فساد وخيانة، ابن بشير: اختلف في معاونة ولاة الجور في الجهاد، والولايات، والأحكام، والأصل في هذا أنه من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فتنظر من توجه ذلك عليه أو دعي إليه هل يؤديه الدخول فيه إلى أمر عظيم مما يدعو إليه فلا يجوز له الدخول، أو يؤديه تركه إلى مضرة تطرأ على المسلمين أو عليه في نفسه، فيجوز له الدخول، أصل هذا تركه صلى الله تعالى عليه وسلم الأعرابي يبول في المسجد خوف مضرة أشد، وتركه صلى الله تعالى عليه وسلم بناء الكعبة المشرفة على ما هو الحق، خيفة على اعتقاد من لم يتمكن الإيمان في صدره.
стр. 470
قوله: وجاز قتل العلج البيت، معناه أن العلج يجوز قتله بعد أسره ما لم يؤمّن، فإن أمّن امتنع قتله، كما يأتي قريبا إن شاء الله ، والمراد بالبيت أنه لا يمتنع قتله بالأسر، وإنما يمتنع بالتأمين، والواجب على الإمام العمل بما تقتضيه المصلحة في الأسرى المقاتلة من قتل، أو فداء، أو من، أو جزية، أو استرقاق، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: ابن رشد حاصل مذهب مالك تخيير في قتل الأسير، واسترقاقه، وفدائه، وضرب الجزية عليه، وعتقه بالاجتهاد في تحصيل الأصلح، فذو النجدة والفروسية والنكاية يقتل، وغيره إن كان ذا قيمة استرقه أو قبل فيه الفداء إن ناف على قيمته، ومن له قوة على الجزية ضربها عليه، وإن لم تكن له قوة كالزمنى أعتقه، ولو جهل هل له نجدة أو فروسية أو غائلة أو لا ففي قتله روايتان، الأولى قول عمر - رضي الله تعالى عنه - قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: هو ظاهر قولها: يقتل من الأسرى من لا يؤمن منه، ألا ترى ما كان من أبي لؤلؤة، ابن رشد: ولو رأى الإمام خلاف ما قلناه باجتهاده فله ذلك، كرأيه فداء ذي النجدة بكثير المال يتقوى به المسلمون، قال ابن عرفة: نحوه نقل الصقلي عن محمد: لا يفادى حربي علج من أهل الذكر والنجدة إلا بمسلم مثله، فإن لم يكن اجتهد الإمام فيه، وخص اللخمي هذا التخيير بالرجال المقاتلة، الباجي: مقتضى الاجتهاد في ذي الرأي والشجاعة قتله، وفي غيره إن كان صانعا أو عسيفا استبقاؤه، ومن رجي إسلامه والانتفاع به مُن عليه.
ثم قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: ابن حبيب: وقتل الأسير بضرب عنقه، لا يمثل به ولا يعبث عليه، سحنون: قيل لمالك - رحمهما الله تعالى -: أيضرب وسطه؟
قال: قال جل وعلا: (فضرب الرقاب) لا خير في العبث.
стр. 471
قوله: وليس يخفر لهم بعهد، معناه أنه يجب الوفاء لهم بما عوهدوا عليه، وخفر العهد: نقضه، قوله: وقتل مرأة إلخ، أشار به إلى النهي عن قتل المرأة والصبي والراهب المنعزل، فإن قاتل أو كان له رأي قتل، وكذلك الأحبار والزمنى، وكذلك المرأة إذا قاتلت بالرمح والسيف وشبهه، ومثلها الصبي، قال الرجراجي: وأما النساء فإن كففن أذاهن عن المسلمين، ولزمن قعر بيوتهن، فلا خلاف في تحريم قتلهن، وإن شعرن في مدح القتال وذم الفرار، فإن قاتلن وباشرن السلاح فلا خلاف في جواز قتلهن في حين القتال في المسايفة، لوجود المعنى المبيح لقتلهن، وكذا أيضا يباح قتلهن بعد الأسر إذا قتلن، فإن رمين بالحجارة ولم يظهرن النكاية ولا قتلن أحدا فلا يقتلن بعد الأسر اتفاقا وهل يعرض عنهن في حين المقاتلة، ويشتغل بغيرهن، أو يقاتلن قتالا يكفهن من غير أن يؤدي إلى قتلهن، يتخرج على قولين، فإن شهرن السلاح وباشرن الكفاح فقاتلن ولم يقتلن حتى أسرن، فهل يقتلن بعد الأسر أم لا على قولين، الأول لرواية يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية، والثاني في قول سحنون في كتاب ابنه.
стр. 472
والصبي المراهق كالنساء في جميع ما ذكر، واختلف فيه إذا أنبت ولم يحتلم، فالمذهب على قولين، وأما الشيخ الفاني الذي لا يخشى منه نكاية، ولا يتقى من ورائه غائلة ذميمة، فلا إشكال أنه لا يقتل، وهو مذهب المدونة، واختلف في الأجراء والحراثين وأهل الصناعات إذا لم يخش من جهتهم وأمنت جهتهم، فهل يقتلون أم لا على قولين، أحدهما أنهم لا يقتلون وهو قول ابن القاسم في كتاب محمد، وبه قال عبد الملك في الصناع بأيديهم، والثاني أنهم يقتلون وهو قول سحنون، وأما ذووا الأعذار من الزمنى، والمرضى، والعميان، والأشل، والأعرج، فلا يخلو أن يخشى منهم في الحال، لما ظهر منهم من الحيل والتدبير، أو لا يخشى منهم إلا في المآل، فإن خشي منهم في الحال لما يكون من نجابة غيرهم وعلمهم بمصالح الحرب، فلا خلاف أنهم يقتلون جميعا، وإن كان لما يتوقع منهم في ثاني حال، فأما المريض إن كان شابا فالنظر فيه إلى الإمام كسائر الأسرى، وإن كان شيخا فلا يقتل إذا كان صحيحا، فكيف إذا كان مريضا، وأما من عداهم من سائر الزمنى وذوي الأعذار، فقد اختلف المذهب في جواز قتلهم على قولين بعد الاتفاق على جواز أسرهم نقله في المواهب.
٩٦١ - وجائز أمان أدنى المسلمين ... على الذي بقي منهم أجمعين
٩٦٢ - كذا أمانُ مرأةٍ، وطفل ... بشرط كونه لذا ذا عقل
٩٦٣ - وقيل إن أجاز ذلك الامام ... وإن يرده فما له انبرام
стр. 473
معناه أنه يجوز أمان أدنى المسلمين على بقيتهم، فإذا أمن أحدهم حربيا وجب على الجميع الوفاء بأمانه، ولو كان امرأة أو صبيا إذا كان يعقل الأمان كما في المدونة، للحديث الصريح في ذلك، (١) وليس للإمام رده، وقال ابن الماجشون يخير الإمام بين أن يمضيه أو يرده، قال ابن بشير - رحمه الله تعالى -: وهذا كله إذا كان التأمين قبل أن يقع الفتح وما دام الذي أمن ممتنعا، وأما إذا وقع الفتح وصار في قبضة المسلمين فإن أمنه الأمير صح تأمينه، وإن أمنه غيره فهل يصح تأمينه فيكون مانعا من القتل قولان أحدهما صحة ذلك لكنه لا يمتنع من الأسر وهذا لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال لأم هانئ - رضي الله تعالى عنها -: " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " (٢) وكانت إجارتها بعد الفتح، وعزى اللخمي هذا لابن المواز الثاني عدم صحته لأنه صار في قبضة المسلمين، وليس لغير الإمام صيانة دمه، وقال سحنون لا يحل لمن أمنه قتله، والإمام يتعقب ذلك، إن رأى قتله أصلح قتله، وهذا أحسن إذ لو كانت إجارة أم هانئ لازمة لم يقل صلى الله تعالى عليه وسلم: " أجرنا من أجرت" قال ابن الماجشون وسحنون إنما تم أمانها بإجازة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نقله في التاج.
وقال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: ومتعلق الأمان في الأسير عدم قتله، وفي الحربي إن قيد به، وبعدم استرقاقه، أو بالأول فقط فواضح، وإن أطلق عمهما، لنقل ألشيخ عن كتاب ابن حبيب: إذا استأمن حربي في منعة فهو آمن، لا يقتل ولا يسترق، ثم قال الباجي: التأمين المطلق هو تأمين الإمام رجلا أو جماعة، فيكون لهم الأمان من القتل والاسترقاق، أو إن أراد البقاء على الجزية فله ذلك، وإن أراد الرجوع فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، وهذا حكم من أمنه المسلم الجائز الأمان.
٩٦٤ - وما بإيجاف عليه يُغنم ... إلى سهام خمسة يقسَّم
стр. 474
٩٦٥ - وأربعا قسِّمْ على المجاهدين ... وواحد لبيت مال المسلمين
٩٦٦ - والنفل منه حسب اجتهاد ... الامام فيه ليس ذا انحراد
٩٦٧ - وليس جائزا من الأخماس ... الاخرى، فهم معا بها سواسي
٩٦٨ - وإنما النفل ورا المغنم، لا ... قبلُ، وفيه سلب قد دخلا
٩٦٩ - والقسم في بلد حرب عملُ ... ألسلف الصالح، فهْو أفضل
قوله: وما بإيجاف البيتين، معناه أن ما أخذ من الكفار بإيجاف عليه بالخيل والركاب - وهو الغنيمة - يقسم خمسة أجزاء، تقسم منها أربعة على المجاهدين، ويأخذ الخمس الباقي ويجعله في بيت المال، وحكمه حكم الفيء، وهو ما أخذ من غير إيجاف عليه، فيعطي الإمام قرابته صلى الله تعالى عليه وسلم بالاجتهاد، ولا يعطون من الزكاة، اللخمي: يبدأ منه بسد مخاوف ذلك البلد الذي جبي منه، وإصلاح حصون سواحله، ويشترى منه السلاح والكراع، إذا كان بهم حاجة إلى ذلك، وغزاة ذلك البلد، وعامليه، وفقهائه، وقاضيه، فإن فضل شيء أعطي للفقراء، فإن فضل شيء وقف عدة لما ينوب المسلمين، وإنما بدئ بمن تقدم على من يستحق الزكاة، لأن أولئك لا تحل لهم الزكاة، فكانوا أحق بالارتفاق بما لهم الأخذ منه، وينتفع الآخرون بما جعل لهم مما لا يجوز لأولئك، ابن حبيب: ويقطع منه رزق العمال، والقضاة، والمؤذنين، ولمن ولي شيئا من مصالح المسلمين، ثم يخرج عطاء المقاتلة، ابن عرفة: ظاهره تبدئة العمال على المقاتلة، ويأتي لابن عبد الحكم عكسه، وهو الصواب، نقله في التاج.
стр. 475
قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: ابن حبيب: لما ولي أبو بكر - رضي الله تعالى عنه -: قال: من كان له من رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وعد فليأتني، فقال جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه -: قال لي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " إن جاءني مال اليمن أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا " وحفن بيده، فلما جاء مال اليمن أعطاه أبو بكر - رضي الله تعالى عنهما - فحفن له ملء يديه، ثم قال: عدها، فوجدها خمسمائة، فزاده ألفا، (١)
стр. 476
وقدم عليه حملان من مال اليمامة، فما أمسى حتى فرقه، وجمع المهاجرين، والأنصار، وأبناء السبيل، والمساكين، فيحثي بيديه من المال في ثوب أحدهم حتى فرغ، وكان يساوي بين الناس في القسم، قال غير ابن حبيب: ولم يكن يكثر في أيامه، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وفضل عمر - رضي الله تعالى عنه - بين الناس في العطاء، يحيى بن سعيد: بلغت المغانم يوم جلولاء ثلاثين ألف ألف، بعث سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - خمسها إلى عمر فاستكثره، فصب في المسجد وغطاه بالمسوح والأنطاع، وبات عليه علي بن أبي طالب، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن أرقم خازن عمر - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - فلما أصبح عمر دعا بالناس ثم كشف عنه، فإذا فيه حلي، وجوهر، وتيجان، فلما أصابته الشمس التهبت، فحمد الله عمر والمسلمون حمدا كثيرا، وفرح المسلمون، واشتد بكاء عمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين ليس هذا حين بكاء، قال ابن عرفة: زاد في الرواية: إنما هو يوم شكر، ابن حبيب معها: فقال عمر: والله ما فتح الله تعالى على قوم إلا قطعوا أرحامهم، وسفكوا دماءهم، ووقعت العداوة بينهم، قال ابن حبيب: وكان في المال تاج كسرى، وسواراه، وفروه، فدعا عمر سراقة بن جعشم وكان طويل الشعر، فألبسه فرو كسرى، ووضع تاجه على رأسه، وسواريه في يديه، ثم قال: اللهم لك الحمد أنت سلبت هذا كسرى، وألبسته سراقة، اللهم منعت هذا نبيك إكراما له، وفتحته علي لتسألني عنه، اللهم قني شره، واجعلني أنفقه في حقه، وأمر سراقة فنبذ ذلك في المال، فما برح حتى لم يبق منه شيء إلى أن قال: وكان عمر - رضي الله تعالى عنه - يستجيد الحلل الرفيعة بخمسمائة إلى ألفين يكسوها الصحابة، ويلبس الخشن المرقع، فخرج الحسن والحسين - رضي الله تعالى عنهما - إلى المسجد وعمر - رضي الله تعالى عنه - ولم يلبساها فقال: لم لا تلبسانها؟ فقالا - رضي
стр. 477
الله تعالى عنهما -: كبرت علينا يا أمير المؤمنين، فاغتم وأسرع بكتاب إلى عامل اليمن يستحثه في حلتين على قدرهما، فبعث بهما فكساهما ذلك، وجعل عطاءهما مثل عطاء أبيهما - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - ابن حبيب: الحلة رداء ومئزر، أو رداء وجبة، لا ثوب واحد، إلى أن قال: فيها لابن القاسم: قال مالك: مر عمر - رضي الله تعالى عنه - ليلة فسمع صبيا، فقال لأهله: ما لكم لا ترضعونه، فقالوا: إن عمر لا يفرض للمنفوس حتى يفطم ففطمناه، فولى عمر - رضي الله تعالى عنه - قائلا: كدت والله تعالى أن أقتله، ففرض للمنفوس من يومئذ مائة درهم، ابن القاسم: ويبدأ بالمنفوس الفقير والداه، قال: وذكر مالك أن عمر - رضي الله تعالى عنه - كتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر زمن الرمادة وبلغني أنها كانت ست سنين: واغوثاه ثلاثا، فكتب له عمرو: لبيك لبيك لبيك، فكان يبعث إليه بالعير عليها الدقيق في العباء، فكان عمر يدفع البعير بحمله لأهل البيت يقول: كلوا دقيقه، والتحفوا العباء، وانحروا البعير، فائتدموا بشحمه، وكلوا لحمه، ابن حبيب: لما ولي عمر - رضي الله تعالى عنه - لم تكفه الدرهمان فزادوه درهمين، فلما فرض للعيال فرض لعياله، وترك الأربعة دراهم، وكان يكتسي من بيت المال، ويأخذ عطاءه مع أصحابه، ثم ترك ذلك وجعل طعامه من خالص ماله، فلما احتضر أمر بحصر ما أخذ من بيت المال، فوجد أربعة وثمانين ألفا، فأمر ابنه عبد الله أن يقضيها من صلب ماله، فإن لم يف فليستعن ببني عدي، فباع من ماله بعده بمثل ذلك، ثم أتى عثمان - رضي الله تعالى عنهما - فقال: قبلناها منك ووصلناك بها، قال: لا حاجة لي أن تصلني بأمانة عمر - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -.
стр. 478
وولي عثمان قال الحسن: فأقام للناس كما فعل عمر، فكان العطاء دارّاً، والعدو منفي، وما على الأرض مؤمن يخاف مؤمنا أن يسل عليه سيفا، قال ابن سيرين: كثر المال أيامه حتى بيعت الجارية بوزنها وفرس بمائة ألف درهم، قال ابن حبيب: وكان على منهاج من قبله في النفقة من ماله قصدا وتنزها، قال: وولي علي - رضي الله تعالى عنه - فسار في قسم المال بالعراق بسيرة عمر، غير أنه لم يفاضل بين الناس، قال: وأخبره صاحب بيت ماله أنه امتلأ من صفراء وبيضاء، ففتحه ثم قسمه بين الناس، وأمره بكنسه، وتنزه أن ينفق من مال الله شيئا.
وتستثنى من قسم الغنيمة قال ابن شاس: أراضي الكفار المأخوذة بالاستيلاء قهرا وعنوة، تكون وقفا يصرف خراجها في مصالح المسلمين، وأرزاق المقاتلة، والعمال، وبناء القناطر والمساجد، وغير ذلك من سبل الخير، ولا تقسم، وظاهر الشيخ - رحمه الله تعالى - أن الغنيمة تقسم بعينها، ولا تباع ليقسم ثمنها، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: الباجي: والأظهر عندي قسمة ذلك لفعله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولأن حقوقهم متعلقة بعينه، وإنما كان قسمها ببلد الحرب أولى لأنه أبلغ في نكاية العدو، وقال في المدونة: وهم أولى برخصها، ولأنه أبعد من الضياع، لأن من حاز سهما حفظه، وإذا كان الأمر شائعا كان الحفظ متراخيا.
قوله: والنفل منه البيتين، معناه أن النفل يكون من الخمس المذكور، ولا يكون من الأخماس الأربعة، لأن الله جعل الأخماس الأربعة للمجاهدين على ظاهر قوله : (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه) الآية، فلا يجوز للإمام أن يتصرف فيها بإيثار بعضهم على بعض، وذهب علماء الشام وبعض علماء العراق إلى أنه يكون من جملة الغنيمة، والنفل أن يزيد الإمام مجاهدا على سهمه، أو يهب لمن لا يسهم له، ولا يجوز للإمام أن يفعله إلا لوجه كشجاعة، أو اختصاص بفعل كحراسة، أو نحو ذلك.
стр. 479
ومن النفل السلب، وهو ما يوجد مع القتيل من ثياب، وآلة حرب، وفرسه الذي يقاتل عليه.
قوله: وإنما النفل البيت، معناه أنه لا ينبغي للإمام أن ينفل قبل الغنيمة بأن يقول: من قتل فلانا، أو قتيلا، أو جاء من الموضع كذا، أو من فعل كذا، فله كذا، مخافة أن يقاتل الناس لذلك، فيكون قتالهم للدنيا، ولأن ذلك يؤدي إلى التحامل في القتال، وقد قال عمر - رضي الله تعالى عنه -: لا تقدموا جماجم الرجال إلى الحصون، فلمسلم أستبقيه أحب إلي من حصن أفتحه، وإن قال الإمام ذلك مضى، ومن أهل العلم من لم ير بذلك بأسا.
قوله: والقسم في بلد حرب البيت، معناه أن قسم الغنائم ببلد الحرب هو السنة الماضية المأثورة من عمله صلى الله تعالى عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، وذلك لتعجيل المسرة على المجاهدين، وإغاظة للعدو.
٩٧٠ - وجاز أخْذُك من الغنائم ... قوتا له تحتاج قبل المقسم
٩٧١ - وهكذا العلف للبهائم ... من قبله لحاجة لم يحرم
٩٧٢ - ومن يكن غاب فذا لا سهم له ... ما لم يك الجيش لأمر اَرسله
٩٧٣ - واسهمنَّ للمريض إن حضر ... على خلاف جاء في بعض الصور
٩٧٤ - وأسهمنْ لفرس مع الرهصْ ... وفي المريض مثل ذا الإمام نص
٩٧٥ - واضرب بسهمين هنا للفرس ... واضرب بسهم واحد للفارس
стр. 480
قوله: وجاز أخذك البيتين، معناه أنه يجوز للمجاهدأخذ ما احتاج إليه من طعام وشراب وعلف لدابته من الغنيمة قبل قسمها لعمل السلف الثابت، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: عياض: أجمع علماء المسلمين على إجازة أكل الطعام منها بأرض العدو، وبقدر الحاجة، وجمهورهم على عدم شرط إذن الإمام، وحكاية الزهري شرطه لم يوافق عليها، وفيها الطعام والعلف والبقر والغنم بأرض الحرب جائز أكله، وأخذه للانتفاع به دون إذن الإمام، الشيخ عن ابن حبيب: من السنة عدم قسم المطعم والمشرب، ومن أصابه أحق به، إلا أن يواسي به أو يفضل عن حاجته، وله النفقة منه إلى منصرفه دون إذن الإمام، ولو نهاهم عنه ثم اضطروا إليه جاز لهم أكله، ولو أخذ الناس منه حاجتهم وضم الإمام باقيه للمغنم جاز لمن احتاج أكل ذلك.
قوله: ومن يكن غاب البيت، معناه أنه لا يسهم لمن لم يحضر القتال من الجيش، إلا أن تكون غيبته في أمر كلفه الجيش به، فيسهم له.
قوله: وأسهمن للمريض البيت، معناه أن من مرض من المجاهدين ولم يزل مريضا حتى شهد القتال يسهم له، قال القاضي عبد الوهاب: القتال سبب الغنيمة، فمن قاتل أو حضر القتال أسهم له، قاتل أو لم يقاتل، لأنه قد حضر سبب الغنيمة، وهو القتال، ولأنه ليس كل الجيش يقاتل، لأن ذلك خلاف مصلحة الحرب، لأنه يحتاج أن يكون بعضهم في الردء، وبعضهم يحفظون السواد، وبعضهم في العلوفة، على حسب ما يحتاج إليه في الحرب، ولو قاتل كل الجيش لفسد التدبير، ولذلك قلنا إن المريض يسهم له، لأنه قد شهد الواقعة، ويحصل منه التكثير، وقد قيل في قوله : (قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا) أي: كثروا، نقله في التاج.
стр. 481
وذكر في المواهب أن للمريض أحوالا الأول أن يخرج وهو صحيح ثم يمرض بعد بدء القتال ويتمادى به المرض إلى أن ينهزم العدو، والمشهور أنه يسهم له، الثاني أن يخرج وهو صحيح ويشهد أكثر القتال وهو صحيح ويمرض بعد الإشراف على الغنيمة، فيسهم له اتفاقا، الثالث أن يخرج وهو مريض ولا يزال كذلك حتى ينقضي القتال، فقيل يسهم له وثالثها الفرق بين ذي الرأي والتدبير وغيره، واستظهره ابن عبد السلام، الرابع أن يخرج صحيحا ويمرض قبل اللقاء وفيه قولان، واستظهر ابن عبد السلام منهما القول بالإسهام.
قوله: وأسهمن لفرس البيت، معناه أن الفرس الرهيص يسهم له إذا شهد به اللقاء، قال مالك - رحمه الله تعالى -: يسهم للفرس المريض والرجل المريض، وما كل من حضر القتال يقاتل، ولا كل فرس يقاتل، وقال: لو شهد القتال بفرس رهيص فله سهمه، قال ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: بخلاف الحطيم والكسير، نقله في التاج.
والرهيص: هو الذي حصل له مرض في باطن قدمه من وطئه الحجارة، قوله: وفي المريض إلخ معناه أن الفرس المريض يسهم له أيضا في قول مالك كما تقدم، خلافا لأشهب وابن نافع رحمهم الله تعالى جميعا.
قوله: واضرب بسهمين البيت، معناه أن الفرس يضرب له بسهمين، والفارس يضرب له بسهم واحد، وذلك للسنة الثابتة في ذلك.
٩٧٦ - لا تسهمنْ لمرأة، ولا رقيق ... وهكذا الصبي إلا أن يطيق
٩٧٧ - معَ إجازة الإمام، فاجعلا ... له إذًا سهما إذا ما قاتلا
٩٧٨ - وهكذا الأجير لا يسهم له ... إلا إذا ما باشر المقاتله
стр. 482
قوله: لا تسهمن لمرأة البيتين، معناه أن المرأة لا يسهم لها لما جاء في حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - من أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن بسهم، (١) وخصه ابن حبيب - رحمه الله تعالى - بما إذا لم تقاتل، فإن قاتلت قتال الرجال أسهم لها، ولا يسهم لعبد على المشهور لعدم توجه الخطاب إليه بالجهاد، وقيل يسهم له، ولا يسهم للصبي إلا أن يطيق القتال ويجيزه الإمام ويقاتل فيسهم له، كما نقل ابن المواز عن مالك - رحمهما الله تعالى - لأنه حينئذ في معنى البالغ، واختار اللخمي - رحمه الله تعالى - أنه يسهم له حينئذ وإن لم يقاتل، إذا حضر الصف بأهبة الحرب، وقيل لا يسهم له وإن قاتل، وهو قول المدونة، وذلك لأنه ليس من أهل الخطاب بالجهاد، قوله: وهكذا الأجير البيت، معناه أن من خرج مع المجاهدين أجيرا لا يسهم له إلا أن يقاتل أو يخرج بنية الغزو فيسهم له، لخطابه بالجهاد وشهوده القتال، كما يجزئ حج من خرج ومعه تجارة، وأما إذا لم يقاتل ولم يخرج بنية الغزو فلا يسهم له، لأنه إنما خرج لحظ نفسه خاصة، ولم يخرج غازيا، وكذلك الكلام في التجار والصناع.
٩٧٩ - ومَن مِنَ العدو أسلم على ... مال لنا، فهْو له قد حُللا
٩٨٠ - وحيث يبتاع من الأعدا فلا ... يُؤخذ من مبتاعه سبهللا
٩٨١ - وإنما يأخذه مولاه ... بالثمن الذي به اشتراه
٩٨٢ - وهكذا ما في المقاسم وقع ... فهْو له إن ثمنا عنه دفع
٩٨٣ - أما الذي من قبل قسمةٍ دُرِي ... فهْو به من غير تعويض حَرِي
قوله: ومن من العدو أسلم البيت، معناه أن من أسلم من الكفار على مال لمسلم طاب له بإسلامه اتفاقا، قال في التاج: ابن يونس: لأن للكافر شبهة ملك على ما حازه، إذ لا خلاف أن الكافر لو استهلك في حال شركه ثم أسلم لم يضمنه، ولو أتلفه مسلم على صاحبه لضمنه.
стр. 483
ويستثنى من هذا الحر المسلم، فإنه ينزع منه مجانا، قال في المواهب: وكذلك الفرس المحبس والأرض المحبسة.
قوله: وحيث يبتاع من الأعدا البيتين، يعني به أنه إذا خرج رجل مثلا إلى بلاد الحرب واشترى سلعة من حربي كعبد مثلا، أو وهبه له، وظهر أنه لمسلم وأن الحربي كان قد أسره أو أبق إليه كان لربه أخذه مجانا في مسألة الهبة، وبالثمن الذي دفع عنه في مسألة الشراء، وبما أثاب عليه إن وهب له وأثاب عليه، ويصدق فى قدر الثمن إذا ادعى مشبها، فإن ادعى ما لا يشبه قضي بالقيمة.
قوله: وهكذا ما في المقاسم وقع البيتين، معناه أنه إذا وقع في الغنيمة ما علم أنه لفلان من مسلم أو ذمي قبل القسم أخذه مجانا إن كان حاضرا، وإن كان غائبا حمل له إن كان خيرا له، وإلا بيع ووقف له ثمنه، ولزمه لأنه بيع نظر، وإن لم يعرف إلا بعد القسم كان لربه أن يأخذه بالقدر الذي قوم به في الغنيمة إن علم، فإن لم يعلم فبقيمته يوم القسمة.
٩٨٤ - وعظَّموا أجرَ الرباط في الثغور ... وحيث زاد الخوف زادت الأجور
٩٨٥ - وحفظها على الجميع حُتِما ... وترْكه به الجميع أُثِّما
٩٨٦ - ودون إذْن الابوين الغزوُ ... منْعٌ اِذا لم يفجإ العدوُّ
٩٨٧ - إذ العدوُّ إن يُفاجئ لزما ... جميعَ مَن هناك أن يقاوما
стр. 484
قوله: وعظموا أجر الرباط البيت، يعني أن الرباط بالثغور، ورد فيه أجر عظيم، كحديث الصحيح " رباط يوم في سبيل الله تعالى خير من الدنيا وما عليها " (١) وحديث الصحيح أيضا " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان " (٢) وحديث الترمذي وغيره عن فضالة بن عبيد ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ قال: " كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله فإنه يُنْمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر " قال: وسمعت رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه ولم ـ يقول: " المجاهد من جاهد نفسه " وهو حسن صحيح، إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: الرباط المقام حيث يخشى العدو بأرض الإسلام لدفعه، الباجي: ولو بتكثير السواد، الشيخ عن كتاب سحنون وغيره: قال مالك - رحمهم الله تعالى: ليس من سكن بأهله كالإسكندرية وطرابلس ونحوها من السواحل من المرابطين، إنما المرابط من خرج من منزله يرابط في نحر العدو حيث الخوف، ابن حبيب: قال مالك: سكان الثغور يريد الأهل والولد ليسوا بمرابطين، وذكر مثل ما تقدم، الباجي: وعندي أن من اختار استيطان ثغر للرباط فقط ولولا ذلك لأمكنه المقام بغيره له حكم الرباط، قال ابن عرفة: هو مقتضى نقل ابن الرقيق: أن سبب خط القيروان بمحلها رعي كون بينها وبين البحر أقل من مسافة القصر لتكون حرسا.
قوله: وحفظها البيت، معناه أن الرباط بالثغور فرض كفاية، فإذا قام به البعض سقط الطلب عن غيرهم، وإذا ضيع أثموا جميعا.
стр. 485
قوله: ودون إذن الأبوين البيت، معناه أنه لا يغزى إلا بإذن الأبوين، لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، وفي الحديث أن رجلا هاجر إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - من اليمن، فقال: هل لك أحد باليمن؟ فقال: أبواي، فقال: أذناك؟
فقال: لا، قال: " ارجع إليهما فاستئذنهما فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما " (١) وفي الصحيح أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فاستأذنه في الجهاد، فقال: " أحي والداك " قال: نعم، قال: " ففيهما فجاهد " (٢) وجاء أن جاهمة السلمي جاء إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يستشيره في الغزو، فقال: " هل لك من أم " قال: نعم، فقال: " الزمها فإن الجنة تحت رجليها " (٣) فإن تعين الغزو بأن فاجأهم العدو أو فاجأ من بقربهم وقد عجزوا عن صده لم يتوقف على إذنهما، ولا فرق في ما ذكر بين الأبوين المسلمين والأبوين الكافرين، إلا أن يعلم أن منع الكافرين له من الجهاد كراهة إعانة المسلمين فلا يعتبر منعهما، واختلف في الجدين هل هما كالأبوين أو لا، الأول ذكره في الإكمال، والثاني ذكره ابن عرفة عن سحنون، وسئل مالك - رحمه الله تعالى - عن الرجل من أهل الأندلس أراد أن يلحق بالمصيصة والسواحل وله ولد وأهل بالأندلس أترى له في ذلك سعة؟
قال: نعم، ثم قال: أيخشى عليهم الضيعة؟
قال: نعم، فكأنه لم يعجبه ذلك حين خاف الضيعة، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: وهذا كما قال لأن القيام عليهم وترك إضاعتهم أوجب عليه، بخلاف الغزو والرباط، لا ينبغي لأحد أن يضيع فرضا واجبا عليه بما هو مندوب إليه، نقله في المواهب.
стр. 486
قوله: إذ العدو البيت، معناه أن الجهاد قد يتعين بفجإ العدو، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وقد يعرض لفرض الكفاية ما يوجبه على الأعيان، في التلقين: قد يتعين في بعض الأوقات على من يفجؤهم العدو، الشيخ عن سحنون: إن نزل أمر يحتاج فيه إلى الجميع كان عليهم فرضا، ولو سبى المشركون النساء والذرية والأموال وجب استنقاذهم على من قوي عليه ولو صاروا لحصونهم، ما لم يخافوا على أنفسهم وأهليهم، وينفر من بسفاقس لغوث سوسة إن لم يخف على أهلها برؤية سفن أو خبر عنها، ولتعينه أولا.
стр. 487
باب في الأيمان والنذور
٩٨٨ - بالله جل فاحلف إن أردْتا ... حَلْفا، وإلا فاصمتنَّ صمتا
٩٨٩ - وأدبنْ مَن كان بالطلاق ... أقسم، أو أقسم بالعتاق
٩٩٠ - وذاك لازم إذا تخلفا ... الامر الذي كان عليه حلفا
٩٩١ - والحل بالثُّنْيا به لايقع ... كذاك تكفير به لا ينفع
الأيمان جمع يمين: اسم للحلف والقسم، سمي بذلك لأنهم كانوا إذا حلفوا وضع أحدهم يمينه في يمين صاحبه، وعرفه خليل بقوله: اليمين: تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله تعالى أو صفته، وعرفه القرافي بأنه جملة خبرية وضعا، إنشائية معنى، متعلقة بمعنى معظم عند المتكلم، مؤكدة بجملة أخرى من غير جنسها، والنذور: جمع نذر، وهو إيجاب الشخص على نفسه لله أمرا.
قوله: بالله جل فاحلف البيت، أشار به إلى حديث الصحيح " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " (١) وذلك بأن يحلف باسم من أسماء الله الحسنى أو ما في معناه كوالذي نفسي بيده، والذي فلق الحبة، وفي الحلف بصفاته كعلمه وقدرته وكرمه طريقة الأكثر أنه جائز باتفاق، وطريقة تحكي الخلاف وتشهر الجواز، ويكره الحلف لغير حاجة، وأما الحلف بمخلوق معظم كالكعبة فلا يجوز منعا عند اللخمي، وكراهة عند ابن رشد - رحمهم الله تعالى -.
стр. 488
قوله: وأدبنْ البيتين، معناه أن الحالف بالطلاق أو العتق يؤدب، للنهي عن الحلف بذلك، ويلزمه ما تقتضيه يمينه من طلاق أو عتق، إن حنث فيها، قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: ونص مطرف وابن الماجشون على ذلك، يعني التأديب إذا تعدد الحلف بهما، وهي جرحة في الشهادة والأمانة، قال ابن القاسم: ويضرب من لا امرأة له ومن لا عنده ما يعتق أكثر، لإضافته إلى النهي الكذب.
قوله: والحل بالثنيا البيت، معناه أن الحلف بالطلاق والعتق ونحوهما من كل ما سوى اليمين بالله وما في معناها، لا ثنيا فيه ولا كفارة، والثنيا: تعليق الأمر بمشيئة الله ، فإذا قال: إن جاء زيد فهند طالق أو حرة إن شاء الله تعالى فجاء زيد لزمه الطلاق والعتق، ولا تنفعه في ذلك ثنياه ولا تكفيه فيه كفارة، بل بمجرد حنثه يقع عليه ما ذكر، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: الأصل في من أوجب على نفسه فعل شيء بيمين من الأيمان فلم يفعله، أو حلف أن لا يفعله ففعله، أن يلزمه ما حلف عليه، ولا يقيم الاستثناء بمشيئة الله فيه، إذ لا علم لنا بمشيئته ، فخرج الاستثناء في اليمين بالله من ذلك بالسنة، وبقي ما عداه على أصله.
٩٩٢ - ومَن يقل إن شاء ربي بعد ما ... قد كان بالله تعالى أقسما
٩٩٣ - فلا يكفر إذا ما نطقا ... قاصدا الثنيا به ونسقا
٩٩٤ - فإن يكن سكت قبله بلا ... ضرورة فلا يفيد مسجلا
أشار بهذا إلى أنه يشترط في رفع حكم الحنث بالثنيا في اليمين بالله وما في معناها، أن ينطق بها فلا تكفي نيتها فقط، وأن يقصد بها الاستثناء، فلو جرت على لسانه من غير قصد، أو بقصد غير الحل كالتبرك ونحوه، لم تنحل بها اليمين، ويشترط كذلك أن يصلها باليمين، فلو فصلها عنها اختيارا لم تسقط عنه الكفارة، وأما الفصل لضرورة من عطاس أو سعال أو نحوه فهو مغتفر، كما أشار إليه بالبيت الأخير.
стр. 489
والوجه في ما ذكر حديث الموطإ وغيره " من حلف على يمين فقال إن شاء الله تعالى فلا حنث عليه " فالعطف بالفاء يقتضي الترتيب، والمرجع في ذلك إلى المعتاد، فلا يخرج عنه ما لا يملك من عطاس ونحوه، والقول حقيقة في اللفظ، وظاهر المعنى أن المراد قول ذلك على وجه التقييد، مثل قوله : (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) والتقييد بذلك يستلزم قصده وقصد معناه والله أعلم.
٩٩٥ - وقسم بالله جل واقعه ... عندهمُ على ضروب أربعه
٩٩٦ - لأفعلنْ، أوِ اِنْ فعلتُ، اثنان ... بالحنث فيهما يكفران
٩٩٧ - ثالثها اللغو، وذا أن يقسما ... على حصول ما به قد جزما
٩٩٨ - وبعد ذا خلاف ذاك يظهر ... فليس آثما، ولا يكفِّر
٩٩٩ - ثم الغموس قسَم عمدا على ... كذِب، أو ما شك هل قد حصلا
١٠٠٠ - ولا يكفر، ولكن يزر ... حالفه، وبالمتاب يؤمر
اليمين أربعة أنواع، وذلك أنها منعقدة وغير منعقدة، والمنعقدة نوعان منعقدة على بر، نحو إن فعلت كذا، أو لا فعلت كذا، ومنعقدة على حنث نحو لأفعلن، أو إن لم أفعل، قال في التاج: قال بعض البغداديين: إنما كان ذلك لأن الأيمان مترددة بين البر والحنث، فالبر بالموافقة، والحنث بالمخالفة، لأنه إذا حلف لا فعلت كذا فهو وقت حلفه غير فاعل، فهو على بر لأنه موافق لما حلف عليه، وإنما الحنث مترقب، فإذا فعل حنث، لأن المخالفة حينئذ وجدت، وكذلك قوله: إن فعلت، وأما إن لم أفعل أو لأفعلن فالمخالفة موجودة وقت الحلف، لأنه إن قال: إن لم أضرب عبدي فهو في الحال غير ضارب، فهو على حنث، لأنه مخالف لحلفه، والبر مترقب، فإذا فعل بر.
والمنعقدة إذا حنث فيها وجبت عليه الكفارة الآتي بيانها إن شاء الله ، سواء كانت برا أو حنثا.
стр. 490
وغير المنعقدة نوعان: لغو وغموس، واللغو عند مالك - رحمه الله تعالى -: أن يحلف على وقوع أمر وهو يعتقد وقوعه، فيظهر عدم وقوعه، وقيل إن يمين اللغو هي اليمين من غير قصد حلف خاصة، قال في التبصرة: واختلف إذا كانت اليمين بغير نية، وإنما خرج على سبق اللسان، فقيل تكون يمينا منعقدة، وأخرج البخاري عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: أنزل لغو اليمين في قول الرجل لا والله وبلى والله، وبه أخذ إسماعيل القاضي، لأنها يمين بغير نية.
قال ابن ناجي: قال ابن عبد السلام: وهو الأقرب لأنه أسعد بظاهر قوله : (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) وبقوله جل وعلا: (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم).
ولو قيل إن المشهور أسعد بظاهر الآية الثانية لم يكن بعيدا فإن اليمين في صورته مبنية على الخطإ، وقد تقرر عدم المؤاخذة عليه، وقال القاضي عبد الوهاب في الإشراف: لغو اليمين: أن يحلف على شيء يظنه على ما حلف عليه، ثم يتبين له أنه بخلافه، سواء قصده أو لم يقصده، وقال الشافعي: إن قصد فليس بلغو، فدليلنا أن من حلف على علمه أو ظنه لم يوجد منه استخفاف لحرمة اليمين، ولا جرأة وإقدام على التغرير بها.
стр. 491
وقال في الكافي: فأما اللغو فهو أن يحلف الرجل على الماضي أو الحاضر في الشيء يرى أنه صادق فيه، ثم ينكشف له بخلاف ذلك، فإذا كان ذلك فلا كفارة عليه، ولا يؤاخذ به إن شاء الله ، ومثال ذلك أن يحلف على رجل يراه بعيدا أنه فلان ثم تبين أنه غيره، أو يحلف على طائر أنه غراب ثم تبين له خلاف ما علم منه، وقد ذكر في موطئه عن عائش ـ رضي الله تعالى عنها ـ ما يدل على أن اللغو كل ما يعتقده الإنسان، ولا يقصد به عقد اليمين، نحو قول الرجل في درج كلامه: لا والله، وبلى والله، غير معتقد لليمين، وقد قال بكلا الوجهين من أهل العلم جماعة من أهل المدينة وغيرها، من السلف وأئمة الفتيا بأمصار المسلمين، وقد ذكرناهم في كتاب الاستذكار.
стр. 492
وأما الغموس فهي أن يحلف على وقوع أمر يعتقد جزما أو ظنا أنه لم يقع، أو يشك في وقوعه، ولا كفارة فيها، لما في الأحاديث من ترتب الإثم العظيم عليها بمجرد وقوعها، فظاهره عدم جريان التكفير فيها، وقد عدت في الحديث من الكبائر، (١) والأصل أنها لا تكفر إلا بالتوبة، كما في حديث: " كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر " قال القاضي عبد الوهاب في الإشراف: لا كفارة في اليمين الغموس خلافا للشافعي لقوله : (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) فأخبر أن المؤاخذة بالكفارة لا تكون إلا في يمين منعقدة، والغموس وقعت محلولة غير منعقدة، بدليل أن المنعقدة ما أمكن حله، لأنه في مقابلة المحلول، والغموس واقعة على وجه واحد فلا يتصور ذلك فيها، وقوله : (واحفظوا أيمانكم) يريد مراعاتها ليؤدي الكفارة بالحنث فيها، وذلك يقتضي أن تكون اليمين مما يمكن حفظها ومراعاتها، بأن تعلق بما يتأتى به البر والحنث، وهو لا يتأتى في الغموس، ولأنها يمين لا يتأتى فيها بر ولا حنث، فلم تجب بها كفارة كاللغو، ولأن الكفارة معنى ترفع حكم اليمين فلم تتعلق بالحلف على الماضي كالاستثناء، ولأن معنى الحنث وقوع المحلوف عليه مخالفا لما حلف عليه، وذلك يقتضي بعد اليمين على وقوعه، ليصح وصفه إذا وقع بالحنث أو البر.
والحاصل أن اليمين إما أن تكون على ماض أو مستقبل، فالأولى لا كفارة فيها مطلقا وافق أو خالف، والثانية تجب فيها الكفارة إن لم يكن ما حلف عليه.
وهذا كله في اليمين بالله وما ألحق بها، وأما اليمين بالطلاق والعتق ونحوه فلازمة مطلقا إذا لم يكن ما حلف عليه.
стр. 493
تنبيه قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: الشيخ: روى ابن حبيب: الإلغاز في اليمين لمكر أو قطع حق يصيرها غموسا، وما كان لعذر أو خوف سخط أخيك فلا بأس به.
وقال في التبصرة: ولا يجوز له أن يلغز ولا أن ينوي غير ظاهر يمينه إذا كانت اليمين في حق، ويجوز إذا كان يدفع بها ظلما، واختلف إذا لم تكن في حق ولا دفع بذلك ظلما، هل يجوز أو يكره.
وظاهر الحديث اختصاص الغموس بالكاذبة التي يقتطع بها مال امرئ مسلم.
١٠٠١ - وبأمور يقع التكفير ... الاطعامُ، والكسوةُ، والتحرير
١٠٠٢ - إطعام عشْرةٍ من الأحرار ... ألمسلمين ذوي الافتقار
١٠٠٣ - عشرة أمداد، لكل واحد ... مد، بمد المصطفى محمد
١٠٠٤ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه
١٠٠٥ - وندبوا زَيْدانَ كلِّ فرد ... بنصفٍ، أو بثلُثٍ من مد
١٠٠٦ - بقدر ما يكون ذلك وسط ... من قوتهم، فهْو بذا المعنى ارتبط
١٠٠٧ - فالنصف في السعة، والثلث في ... حال الغلا فقط، بلا تخالف
١٠٠٨ - وإن كساهمُ كسى الذكرانا ... صغارا أو كبارا القُمصانا
١٠٠٩ - وليزد الإناث بالأخمرة ... من كبرت منها ومن صغرت
١٠١٠ - أوَ اَعتقنْ رقبةً أسلمتِ ... من فاحش العيوب قد سلمت
١٠١١ - ومن يكن جميع ذا لم يجدِ ... فليصم اَياما ثلاثة قدي
١٠١٢ - وندْب اَن يكون صومها ولا ... وحيث فرَّق كفى ما فعلا
١٠١٣ - وأجزأ التكفير قبل الحنث لـ ... ـكن كونه من بعده قد فُضِّلا
стр. 494
قوله: وبأمور يقع التكفير البيت، معناه أن تكفير اليمين بالله وما ألحق بها من النذر المبهم، وقوله: عليَّ يمين أو كفارة، يقع بأمور، ثلاثة منها على التخيير، وهي الإطعام، والكسوة، والعتق، فإن عجز عنها صام ثلاثة أيام كما قال : (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: وبدأ - يعني القرآن بالطعام - لأنه كان الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعهم، ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير، قال ابن العربي: والذي عندي أنها تكون بحسب الحال، فإن علمت محتاجا فالطعام أفضل، لأنك إذا أعتقت لم ترفع حاجتهم وزدت محتاجا حادي عشر إليهم، وكذلك الكسوة تليه، ولما علم الله الحاجة بدأ بالمقدم المهم.
والتكفير بالإطعام أن يطعم عشرة مساكين كما في الآية الكريمة، وذلك بأن يعطي كل واحد منهم مدا بمده صلى الله تعالى عليه وسلم من القمح إذا كان ذلك بالمدينة، قال مالك - رحمه الله تعالى -: وأما سائر البلدان فإن لهم عيشا غير عيشنا، فليخرج وسطا من عيشهم، وقال ابن القاسم - رحمه الله تعالى -: حيث ما أخرج مدا بمد النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ أجزأه، نقله في التاج.
قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: محمد: أفتى بمصر ابن وهب بمد ونصف، وأشهب بمد وثلث، وأنه الوسط من عيش أهل الأمصار.
قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: وكلاهما ليس بخلاف لمالك، والخلاف بينهما في قدر المزيد خلاف في حال قاله ابن عبد السلام.
واختلف إذا أطعمهم غير القمح، هل يجب قدر وسط الشبع منه، أو قدر مبلغ شبع القمح، وهي كصدقة الفطر في نوع ما تخرج منه، ويجزئ من ذلك شبعهم مرتين بأدم، ولو نقص عن المد، أو رطلان لكل واحد بالبغدادي خبزا مع أدم، ويعطى الصغير ولو فطيما مثل ما يعطى الكبير، واختلف في إجزاء الرضيع.
стр. 495
وأما الكسوة فلا يجزئ فيها إلا ما تحل به الصلاة، حملا للكسوة على معناها الشرعي، وذلك ثوب للرجل، ولا تجزئ عمامة وحدها، قال ابن عرفة: الباجي: لا نص في ما يؤتزر به ولا يشتمل به، والأظهر منعه لأنه ليس كسوة.
وتعطى المرأة درعا وخمارا، قال ابن العربي ـ رحمه الله تعالى ـ: وما كان أحرصني على أن يقال: إنه لا يجزئ إلا كسوة تستر عن أذى الحر والبرد، كما أن عليه طعاما يشبعه من الجوع، فأقول به، وأما القول بمئزر واحد فلا أدريه، والله يفتح لي ولكم في المعرفة بعونه، قال القرطبي: قد راعى قوم معهود الزي والكسوة المتعارفة، فقال بعضهم لا يجزئ الثوب الواحد إلا إذا كان جامعا مما قد يتزيا به كالكساء والملحفة.
واختلف في كسوة الصغير، فقيل يعطى الصغير كسوة كبير، والصغيرة كسوة كبيرة كالطعام، قاله ابن القاسم، وقال أشهب تكسى الصغيرة التي لم تبلغ الصلاة الدرع دون الخمار، وظاهره الدرع الذي يصلح للباسها، فإذا بلغت الصلاة أعطيت الدرع والخمار، وروى ابن المواز عن ابن القاسم أنه لم يعجبه كسوة الأصاغر، وكان يقول من أمر بالصلاة فله الكسوة قميصا، وقيل يعطى صغار الإناث ما يعطى كبار الرجال قميصا كبيرا، نقله ابن ناجي.
ولا يراعى في الكسوة كونها وسط كسوة أهله، قال اللخمي: ولو كانت الكسوة كالإطعام يراعى فيها المكفر وأهله لكسى الرجل ذو الهيئة كسوة مثله من أعداد القمص والعمامة وما عليها والسراويل والنعلين والشمشكين، وفي المرأة كسوة أهله من حرير أو خز إن كانت تمتهن ذلك في بيتها، نقله ابن عرفة.
وهذا بين على رأي من يرى أن المراد بالأهل في الآية أهل المكفر لا أهل البلد، ونسبه في التوضيح لكتاب محمد قال: لأن إطلاق الأهل على أهله حقيقة، وعلى أهل البلد مجاز، ونسب خلافه للمدونة.
ومصرف الطعام والكسوة المسلم الفقير الحر.