← Фикх малики

Фикх малики · id 607

عون المتين على نظم رسالة القرويين

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (1 054 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقال في الكافي: فأما اللغو فهو أن يحلف الرجل على الماضي أو الحاضر في الشيء يرى أنه صادق فيه، ثم ينكشف له بخلاف ذلك، فإذا كان ذلك فلا كفارة عليه، ولا يؤاخذ به إن شاء الله ، ومثال ذلك أن يحلف على رجل يراه بعيدا أنه فلان ثم تبين أنه غيره، أو يحلف على طائر أنه غراب ثم تبين له خلاف ما علم منه، وقد ذكر في موطئه عن عائش ـ رضي الله تعالى عنها ـ ما يدل على أن اللغو كل ما يعتقده الإنسان، ولا يقصد به عقد اليمين، نحو قول الرجل في درج كلامه: لا والله، وبلى والله، غير معتقد لليمين، وقد قال بكلا الوجهين من أهل العلم جماعة من أهل المدينة وغيرها، من السلف وأئمة الفتيا بأمصار المسلمين، وقد ذكرناهم في كتاب الاستذكار.

стр. 492

وأما الغموس فهي أن يحلف على وقوع أمر يعتقد جزما أو ظنا أنه لم يقع، أو يشك في وقوعه، ولا كفارة فيها، لما في الأحاديث من ترتب الإثم العظيم عليها بمجرد وقوعها، فظاهره عدم جريان التكفير فيها، وقد عدت في الحديث من الكبائر، (١) والأصل أنها لا تكفر إلا بالتوبة، كما في حديث: " كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر " قال القاضي عبد الوهاب في الإشراف: لا كفارة في اليمين الغموس خلافا للشافعي لقوله : (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) فأخبر أن المؤاخذة بالكفارة لا تكون إلا في يمين منعقدة، والغموس وقعت محلولة غير منعقدة، بدليل أن المنعقدة ما أمكن حله، لأنه في مقابلة المحلول، والغموس واقعة على وجه واحد فلا يتصور ذلك فيها، وقوله : (واحفظوا أيمانكم) يريد مراعاتها ليؤدي الكفارة بالحنث فيها، وذلك يقتضي أن تكون اليمين مما يمكن حفظها ومراعاتها، بأن تعلق بما يتأتى به البر والحنث، وهو لا يتأتى في الغموس، ولأنها يمين لا يتأتى فيها بر ولا حنث، فلم تجب بها كفارة كاللغو، ولأن الكفارة معنى ترفع حكم اليمين فلم تتعلق بالحلف على الماضي كالاستثناء، ولأن معنى الحنث وقوع المحلوف عليه مخالفا لما حلف عليه، وذلك يقتضي بعد اليمين على وقوعه، ليصح وصفه إذا وقع بالحنث أو البر. والحاصل أن اليمين إما أن تكون على ماض أو مستقبل، فالأولى لا كفارة فيها مطلقا وافق أو خالف، والثانية تجب فيها الكفارة إن لم يكن ما حلف عليه. وهذا كله في اليمين بالله وما ألحق بها، وأما اليمين بالطلاق والعتق ونحوه فلازمة مطلقا إذا لم يكن ما حلف عليه.

стр. 493

تنبيه قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: الشيخ: روى ابن حبيب: الإلغاز في اليمين لمكر أو قطع حق يصيرها غموسا، وما كان لعذر أو خوف سخط أخيك فلا بأس به. وقال في التبصرة: ولا يجوز له أن يلغز ولا أن ينوي غير ظاهر يمينه إذا كانت اليمين في حق، ويجوز إذا كان يدفع بها ظلما، واختلف إذا لم تكن في حق ولا دفع بذلك ظلما، هل يجوز أو يكره. وظاهر الحديث اختصاص الغموس بالكاذبة التي يقتطع بها مال امرئ مسلم. ١٠٠١ - وبأمور يقع التكفير ... الاطعامُ، والكسوةُ، والتحرير ١٠٠٢ - إطعام عشْرةٍ من الأحرار ... ألمسلمين ذوي الافتقار ١٠٠٣ - عشرة أمداد، لكل واحد ... مد، بمد المصطفى محمد ١٠٠٤ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه ١٠٠٥ - وندبوا زَيْدانَ كلِّ فرد ... بنصفٍ، أو بثلُثٍ من مد ١٠٠٦ - بقدر ما يكون ذلك وسط ... من قوتهم، فهْو بذا المعنى ارتبط ١٠٠٧ - فالنصف في السعة، والثلث في ... حال الغلا فقط، بلا تخالف ١٠٠٨ - وإن كساهمُ كسى الذكرانا ... صغارا أو كبارا القُمصانا ١٠٠٩ - وليزد الإناث بالأخمرة ... من كبرت منها ومن صغرت ١٠١٠ - أوَ اَعتقنْ رقبةً أسلمتِ ... من فاحش العيوب قد سلمت ١٠١١ - ومن يكن جميع ذا لم يجدِ ... فليصم اَياما ثلاثة قدي ١٠١٢ - وندْب اَن يكون صومها ولا ... وحيث فرَّق كفى ما فعلا ١٠١٣ - وأجزأ التكفير قبل الحنث لـ ... ـكن كونه من بعده قد فُضِّلا

стр. 494

قوله: وبأمور يقع التكفير البيت، معناه أن تكفير اليمين بالله وما ألحق بها من النذر المبهم، وقوله: عليَّ يمين أو كفارة، يقع بأمور، ثلاثة منها على التخيير، وهي الإطعام، والكسوة، والعتق، فإن عجز عنها صام ثلاثة أيام كما قال : (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: وبدأ - يعني القرآن بالطعام - لأنه كان الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعهم، ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير، قال ابن العربي: والذي عندي أنها تكون بحسب الحال، فإن علمت محتاجا فالطعام أفضل، لأنك إذا أعتقت لم ترفع حاجتهم وزدت محتاجا حادي عشر إليهم، وكذلك الكسوة تليه، ولما علم الله الحاجة بدأ بالمقدم المهم. والتكفير بالإطعام أن يطعم عشرة مساكين كما في الآية الكريمة، وذلك بأن يعطي كل واحد منهم مدا بمده صلى الله تعالى عليه وسلم من القمح إذا كان ذلك بالمدينة، قال مالك - رحمه الله تعالى -: وأما سائر البلدان فإن لهم عيشا غير عيشنا، فليخرج وسطا من عيشهم، وقال ابن القاسم - رحمه الله تعالى -: حيث ما أخرج مدا بمد النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ أجزأه، نقله في التاج. قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: محمد: أفتى بمصر ابن وهب بمد ونصف، وأشهب بمد وثلث، وأنه الوسط من عيش أهل الأمصار. قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: وكلاهما ليس بخلاف لمالك، والخلاف بينهما في قدر المزيد خلاف في حال قاله ابن عبد السلام. واختلف إذا أطعمهم غير القمح، هل يجب قدر وسط الشبع منه، أو قدر مبلغ شبع القمح، وهي كصدقة الفطر في نوع ما تخرج منه، ويجزئ من ذلك شبعهم مرتين بأدم، ولو نقص عن المد، أو رطلان لكل واحد بالبغدادي خبزا مع أدم، ويعطى الصغير ولو فطيما مثل ما يعطى الكبير، واختلف في إجزاء الرضيع.

стр. 495

وأما الكسوة فلا يجزئ فيها إلا ما تحل به الصلاة، حملا للكسوة على معناها الشرعي، وذلك ثوب للرجل، ولا تجزئ عمامة وحدها، قال ابن عرفة: الباجي: لا نص في ما يؤتزر به ولا يشتمل به، والأظهر منعه لأنه ليس كسوة. وتعطى المرأة درعا وخمارا، قال ابن العربي ـ رحمه الله تعالى ـ: وما كان أحرصني على أن يقال: إنه لا يجزئ إلا كسوة تستر عن أذى الحر والبرد، كما أن عليه طعاما يشبعه من الجوع، فأقول به، وأما القول بمئزر واحد فلا أدريه، والله يفتح لي ولكم في المعرفة بعونه، قال القرطبي: قد راعى قوم معهود الزي والكسوة المتعارفة، فقال بعضهم لا يجزئ الثوب الواحد إلا إذا كان جامعا مما قد يتزيا به كالكساء والملحفة. واختلف في كسوة الصغير، فقيل يعطى الصغير كسوة كبير، والصغيرة كسوة كبيرة كالطعام، قاله ابن القاسم، وقال أشهب تكسى الصغيرة التي لم تبلغ الصلاة الدرع دون الخمار، وظاهره الدرع الذي يصلح للباسها، فإذا بلغت الصلاة أعطيت الدرع والخمار، وروى ابن المواز عن ابن القاسم أنه لم يعجبه كسوة الأصاغر، وكان يقول من أمر بالصلاة فله الكسوة قميصا، وقيل يعطى صغار الإناث ما يعطى كبار الرجال قميصا كبيرا، نقله ابن ناجي. ولا يراعى في الكسوة كونها وسط كسوة أهله، قال اللخمي: ولو كانت الكسوة كالإطعام يراعى فيها المكفر وأهله لكسى الرجل ذو الهيئة كسوة مثله من أعداد القمص والعمامة وما عليها والسراويل والنعلين والشمشكين، وفي المرأة كسوة أهله من حرير أو خز إن كانت تمتهن ذلك في بيتها، نقله ابن عرفة. وهذا بين على رأي من يرى أن المراد بالأهل في الآية أهل المكفر لا أهل البلد، ونسبه في التوضيح لكتاب محمد قال: لأن إطلاق الأهل على أهله حقيقة، وعلى أهل البلد مجاز، ونسب خلافه للمدونة. ومصرف الطعام والكسوة المسلم الفقير الحر.

стр. 496

وأما العتق فيشترط في الرقبة هنا ما يشترط فيها في الظهار وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله . وإذا عجز عن هذه الأمور الثلاثة صام ثلاثة أيام، ويستحب أن يتابعها. قوله: وأجزأ التكفير البيت، معناه أن الحالف إذا كفر يمينه قبل أن يحنث ثم حنث أجزأه ذلك، والأحب أن لا يكفر حتى يحنث، وقيل إن ذلك ممنوع، ثالثها يجوز في ذات الحنث دون ذات البر، وقيل غير ذلك. تنبيه إذا حلف على فعل وعرض له مانع منه، نظر فإن كان المانع شرعيا وكان لا يرتفع حنث، سواء كان عروضه سابقا على اليمين أو لاحقا، وإن كان يرتفع فإن كان قد وقت لفعله واستغرق المانع الوقت حنث أيضا، وإلا انتظر ارتفاع المانع، وإن كان المانع عاديا فإن كان عروضه متأخرا عن اليمين حنث به وإلا فلا، وإن كان المانع عقليا لم يحنث بعروضه بعد اليمين إلا أن يكون قد فرط، وقد كنت قلت في ذلك: من يول أن يفعل، إن عرض ما ... نعٌ من الذي عليه أقسما حنث حيث الشرع منه حظرا ... سبق حظْره اليمينَ، أو طرا إذا يكون حظْره مُداما ... مثل عصير قد غدا مُداما أو لا، ووَقَّتَ، كأن يجامعا ... زوجته هندَ مساء الاربعا فوجد الزوجة ذلك المسا ... حائضا أو محرمة أو نفسا وحيث لا، أُنظر لارتفاع ... ألسبب المانع للجماع وعدم الحنث بذاك الدائم ... للعالم النحرير سحنون نُمي وغيره بعض الهداة شرطا ... للحنث فيه أن يكون فرطا والمانع العادي حيث لحقا ... يمينَه أحنث، لا إن سبقا مثاله سرقة اللصوص ... لمقسم عليه كالقميص والمانع العقلي إن تأخرا ... أحنث إن فرَّط، لا إن بادرا كحالف لينحرنَّ الثورا ... فهلك الثور هناك فورا والحنث إن قَيَّد بالإمكان في ... ألشرعي والعادي عنه منتفي انتهى ١٠١٤ - ومن يكن لطاعة قد نذرا ... بفعلها على الوجوب أُمرا ١٠١٥ - ومن يكن نذر أمرا حرما ... فتركه لذاك الامر انحتما ١٠١٦ - وما عليه فيه غير توبه ... لله جل وعلا من ذنبه ١٠١٧ - وهكذا الكلام إن نذر ما ... لم يك قربة ولا محرما

стр. 497

ساق الشيخ - رحمه الله تعالى - هنا لفظ حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - الذي رواه مالك والبخاري وغيرهما " من نذر أن يطيع الله تعالى فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله تعالى فلا يعصه " و قد اقتضى هذا الخبر وجوب الوفاء بنذر الطاعة، وقد دلت على ذلك أخبار أخرى كثيرة، كخبر عبد الله بن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ـ يوما ينهانا عن النذر ويقول: " إنه لا يرد شيئا، ولكنه يستخرج به من البخيل " (١) وقال : (ومنهم من عاهد الله لئن آتينا من فضله لنصدقنَّ ولنكوننَّ من الصالحين فلما آتيهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) قال في التبصرة: وقد قيل إن الآية الكريمة نزلت في مانع الزكاة، وهذا غير مانع للاحتجاج بما قلناه، لأن الله سبحانه و تعالى أخبر أنه لم يذممهم ويعاقبهم لمخالفة أمره، وأن ذلك لمخالفة الوعد. وقد اقتضى الحديث المذكور أيضا حرمة الوفاء بنذر الحرام، ويشمل ذلك عند مالك - رحمه الله تعالى - نذر ما ليس بطاعة مما ليس محرما في الأصل، قال يحيى بن يحيى في موطئه: وسمعت مالكا يقول معنى قول رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " من نذر أن يعصي الله تعالى فلا يعصه " أن ينذر أن يمشي إلى الشام أو إلى مصر أو إلى الربذة أو ما أشبه ذلك مما ليس لله بطاعة إن كلم فلانا أو ما أشبه ذلك، فليس عليه في شيء من ذلك شيء إن هو كلمه أو حنث بما حلف عليه، لأنه ليس لله في هذه الأشياء طاعة، وإنما يوفى لله بما له فيه طاعة.

стр. 498

وقد جاء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فسأل عنه، فقالوا: إنه نذر أن يسكت فلا يتكلم، وأن يقوم فلا يقعد، وأن يضحى فلا يستظل، وأن يصوم فلا يفطر، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه " (١) وفي الحديث " لا نذر إلا في ما يبتغى به وجه الله تعالى " (٢) قال في التبصرة: لأنه لا يختلف أن ذلك مما لا يجوز أن ينذر، وهذا من التلاعب. فتحصل أن النذر الذي يجب الوفاء به هو أن يوجب المكلف على نفسه أمرا مندوبا، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: لأن الطاعة الواجبة لا تأثير للنذر فيها، وكذلك ترك المعصية المحرمة لا تأثير للنذر فيه، لوجوب ترك ذلك عليه بالشرع، دون النظر، وإنما يلزم من الترك بالنذر الترك المستحب، مثل أن ينذر الرجل ألا يكلم أحدا بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس وما أشبه ذلك، نقله في التاج. ويشترط في لزوم النذر كون الناذر مكلفا مسلما، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: ابن رشد: أداء ملتزمه كافرا بعد إسلامه عندنا ندب، ابن زرقون والمغيرة: يجب الوفاء بما نذر في الكفر. ١٠١٨ - لا شيء حيث نذر التصدقا ... بمال غيره إذا ما أطلقا ١٠١٩ - وهكذا لاشيء حيث نذرا ... إعتاقَه رقيقَ شخصٍ آخرا ١٠٢٠ - وناذر عمل بر إن فعل ... الامر كذا، لزمه ذاك العمل ١٠٢١ - إن فعل الذي عليه عَلَّقا ... كما إذا نذر ذاك مطلِقا ١٠٢٢ - ومَخرَج النذر إذا ما لم يُسَمْ ... فكفرنَّ عنه تكفير قسم

стр. 499

قوله: لا شيء البيتين، معناه أنه لا شيء على من نذر أن يتصدق بمال غيره، أو يعتق مملوك غيره، كعليَّ صدقة بشاة زيد أو عتق عبده، إذ لا نذر للإنسان في ما لا يملك كما جاء في حديث الصحيح، (١) وهذا إذا لم يعلق ذلك على ملكه، فإن علقه على ملكه كعليَّ التصدق بشاة زيد إن ملكتها، أو عتق عبده إن ملكته، لزمه ذلك إن ملكهما. قوله: وناذر عمل بر البيتين، معناه أن من نذر قربة من القرب إن وقع الأمر كذا فوقع لزمه الوفاء به، كما لو نذره غير معلق، وسواء كان المعلق عليه فعلا له أو لغيره، وسواء كان طاعة أو معصية أو غير ذلك، نحو إن شفيت، أو إن كذبت، أو إن جاء زيد، أو إن أمطرت السماء، فعليَّ صدقة بدينار. قوله: ومخرج النذر البيت، معناه أن من نذر نذرا مبهما بأن لم يسم مخرجه كأن يقول عليَّ نذر، أو إن فعلت كذا فعلي نذر، ففعله فعليه في ذلك كفارة يمين. ١٠٢٣ - ومن على فعل حرام أقسما ... تحنيثه لنفسه قد لزما ١٠٢٤ - مكفرا حتما، وحيث اقتحما ... فلا يكفر إذًا، وأثما ١٠٢٥ - وقائل: عليَّ عهد الله معْ ... ميثاقه، إذا ما حنثه وقع ١٠٢٦ - لزمه كفارتان حسبا ... ما الشيخ في ذاك إليه ذهبا ١٠٢٧ - وحيث أقسم على ما اتحدا ... مكررا قسمه، مؤكِّدا ١٠٢٨ - فذاك في الحكم يمين واحد ... فليس في تكفيره تعدد ١٠٢٩ - ومن يقل: أشركت إن فعلت ... الامر كذا، أو من يهودَ صرت ١٠٣٠ - فليس مطلوبا بأن يكفرا ... وإنما عليه أن يستغفرا قوله: ومن على فعل البيتين، معناه أن من حلف أن يفعل محرما وجب عليه أن يكفر عن يمينه، ويدع ما حلف عليه، ويتوب إلى الله من يمينه، وإن تجرأ وفعل ما حلف عليه فلا كفارة عليه، وليتب إلى الله من حلفه وعصيانه.

стр. 500

قوله: وقائل علي عهد الله البيتين، معناه أن من حلف بعهد الله وميثاقه على أمر وحنث عليه كفارتان، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: عبد الوهاب: العهد عندنا يمين، والميثاق يمين، فإذا اجتمعا في يمين كانا يمينين. وقال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: واختلف المذهب إذا كرر الحلف بالصفات على ثلاثة أقوال، فقيل بالتعدد وعكسه، وقيل إن كانت الصفة المذكورة ثانيا هي الأولى في المعنى لم تتعدد، وإلا تعددت. واقتصر في التاج على التعدد عند عدم الترادف، ونصه: نصوا أنه إذا حلف بأسماء كثيرة وحنث فعليه كفارة، لأن الاسم هو المسمى، والمسميات عبارة عنه، بخلاف من حلف بصفات كثيرة وحنث، فعليه بكل صفة كفارة، وإن كنا نقول في صفات الله إنها لا هي هو، ولا هي غيره، ولا هي متضادة، ولا هي متماثلة. وقال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وتتعدد - يعني الكفارة - في ذكر الصفة مع الذات، كوالله تعالى وعزته. قوله: وحيث أقسم البيتين، معناه أنه إذا كرر اليمين على شيء قاصدا التأكيد وحنث فعليه كفارة واحدة إذا لم يقصد تعدد الكفارة. قوله: ومن يقل البيتين معناه أنه ليس من اليمين قول الرجل إن فعل كذا فهو يهودي، أو مشرك، أو نصراني، أو كافر، أو زان، أو سارق، فلا كفارة عليه إذا فعل ذلك، ولا يصير بفعله له كافرا، وليستغفر الله من هذا القول، سواء فعل ذلك أو لا، وذلك لأنه التزم هتك الحرمة على تقدير حصول أمر ممكن، واللائق تجنب ذلك على كل حال. ١٠٣١ - أما إذا حرم ما قد حلا ... فذاك لا يجعل ذاك حظْلا ١٠٣٢ - إلا لذي زوج، فإن زوجتَه ... بذا تصير عندهم مبتته ١٠٣٣ - واكتفيَنْ بثلْث مال من جعل ... جميعَ مالِه لوجه الله جل ١٠٣٤ - صدقةً اَو هديا، إن لم يذكُرِ ... معيَّنا، إلا فتبعيضا ذَر ١٠٣٥ - ومن يكن لنحر نجله نذر ... فإن يكن بذا المقام قد ذكر ١٠٣٦ - أهدى إذًا حتما على المشهَّرِ ... وما عليه شيء اِن لم يذكر

стр. 501

قوله: أما إذا حرم البيتين، معناه أنه إذا حرم شيئا مما أحل الله له، لم يحرم عليه بذلك إلا الزوجة، فإنه إذا حرمها صارت بتة، وذلك كأن يقول زوجتي حرام، أو إن فعلت كذا فزوجتي حرأم وفعله، فتطلق عليه ثلاثا اتفاقا عندنا كما قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى - وكذلك إذا قال الحلال علي حرام، أو إن فعلت كذا فالحلال علي حرام وفعله، فتطلق عليه زوجاته ثلاثا ثلاثا على المشهور، قال في التاج: ووقع لابن رشد - رحمه الله تعالى - في من قال لغريمه: احلف لي بالطلاق، فأبى أن يحلف بالطلاق، فقال: احلف لي بالحلال عليك حرام، فحلف وهو جاهل بأن الحلال عليه حرام يدخله الطلاق، فحنث في يمينه، قال ابن رشد: إن أتى مستفتيا جرى ذلك على الاختلاف في مجرد اللفظ دون النية هل يلزم به الطلاق أم لا، والأظهر أنه لا يلزم، وكذلك الحكم في كنايات الطلاق البينة. قوله: واكتفين البيتين، معناه أن من جعل ماله صدقة على المساكين، أو هديا للكعبة المشرفة كفاه أن يتصدق بثلثه، أو يهدي ثلثه، ولا يقضى عليه بذلك، إن جعله لغير معين كالمساكين، وإن جعله لمعين لم يقض عليه أيضا إن كان ذلك في يمين، وإن لم يكن في يمين قضي له بجميعه، واختلف في مسجد معين هل هو كشخص معين، فيقضى عليه فيه، أو كالمساكين فلا يقضى عليه فيه. قوله: إلا فتبعيضا ذر، يعني به أنه إذا عين شيئا لزمه، وإن لم يكن له غيره، كأن يقول ناقتي صدقة إن فعلت كذا وفعله وليس له غيرها، وكذلك إذا عين شخصا كأن يقول على زيد، فيترك له من ماله ما يترك للمفلس، قال في المواهب: والضابط في ذلك أنه حيث أبقى لنفسه شيئا لزمه ما نذر، وحيث لم يبق لزمه الثلث، وإنما لزمه إذا نذر جميعه لشخص لأن المستحق له معين يطالب به، وإنما لزمه إذا نذر شيئا معينا وكان ذلك جميع ماله كما سيأتي في كلام المصنف لأنه قد أبقى شيئا ولو ثياب بدنه وما لم يعلم به من المال.

стр. 502

قوله: ومن يكن لنحر البيتين، معناه أن من نذر نحر ابنه فإن تلفظ بالهدي، أو نواه، أو ذكر مقام إبراهيم - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - أو ذكر البيت، أو المسجد، أو منى، أو مكة، أو الصفا، أو المروة، لزمه هدي، وإلا فلا شيء عليه، قال في التوضيح: المسألة على ثلاثة أوجه إن قصد الهدي والقربة لزمه باتفاق، وإن قصد المعصية لم يلزمه باتفاق، واختلف حيث لا نية، والمشهور عليه الهدي نقله في المواهب. ١٠٣٧ - ومن يكن حنث في يمين ... بمشيه للبلد الأمين ١٠٣٨ - فمشيه من موضع الإقسام ... عليه إن أبهم ذو انحتام ١٠٣٩ - وإن يشأ حج إذًا، أو اعتمر ... إن لم يكن قصد أمرا إذ نذر ١٠٤٠ - ولم يكن صَرورة، أما الصرو ... رة فإنه بذا يعتمر ١٠٤١ - ثمت من مكة إذ يُحِلُّ ... من عمرة بفرضه يُهِلُّ ١٠٤٢ - وفي التحلل هنالك على ... حِلاقه تقصيره قد فُضِّلا قوله: ومن يكن البيتين، معناه أن من حلف بالمشي إلى مكة المكرمة فحنث لزمه المشي إليها، من حيث حلف، حيث لم يعين موضعا، وإن شاء جعل ذلك حجا أو عمرة إذا لم يعين أحدهما بنيته، إلا أن يكون صرورة فيجعله في عمرة، ثم يحج حجة الإسلام. قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: ثم نقل - يعني عبد الحق - عن محمد إن كان في أشهر الحج وهو صرورة فبدؤه بالفرض أولى، وإن أراد الراحة بدأ بمشيه في عمرة، ويحرم بعدها للفرض، وقاله مالك، وإن كان في غيرها فلا بأس أن يبدأ بنذره، اللخمي: إنما يتخير في أحدهما المدني، ويتعين للمغربي، لأنه لا يعرف العمرة، وإن عرفها لا يقصد مشيها. قوله: وفي التحلل البيت، معناه أنه إذا كان صرورة ومشى بعمرة، فالأفضل أن يقصر ولا يحلق، استبقاء للشعث. ١٠٤٣ - وليركبِ اِن عجز عن مشي ورا ... شروعه، وليأت عاما آخرا ١٠٤٤ - وليمشيَنَّ في الذي تعذرا ... من قبل ذاك مشيه إن قدرا ١٠٤٥ - وكونه يُهدي وليس يرجع ... مع اقتدار، عن عطاء يُسمع ١٠٤٦ - وإن بعجزه درى في الابتدا ... أهدى إذا هديا فقط وقعدا

стр. 503

معناه أن من نذر المشي وظن عند الابتداء القدرة على مشي الجميع، وركب كثيرا، وعرف مواضع ركوبه، ولم يكن بعيدا جدا كأهل إفريقية والأندلس، وذلك كالمصري ومن دونه، فعليه أن يعود في عام قابل، ويمشي في المواطن التي ركب فيها، ويهدي لتفريق المشي، وقال عطاء بن أبي رباح - رضي الله تعالى عنه - لا يرجع ثانية وإن قدر، ولكن يهدي، وأما إذا ظن عند الابتداء عجزه عن مشي الجميع فإنه يمشي مقدوره، ويركب ما عجز عنه ويهدي، وإذا ركب القادر يسيرا لم يعد له، سواء كان لعذر أو لا، وعليه هدي، وإذا ركب كثيرا ولم يعلم مواضع ركوبه عاد ومشى الجميع، ولا يعود بعيد الدار مطلقا اتفاقا. ١٠٤٧ - وناذر مشيا اِلى طيبة لم ... يؤمر بمشيها لها على القدم ١٠٤٨ - بل بالركوب يكتفي إن يقصدِ ... بنذره صلاتَه بالمسجد ١٠٤٩ - وإن يكن ذلك لم يقصد فلا ... يلزمه هناك شيء مسجلا ١٠٥٠ - والمشْي للقدْس إذا ما نذره ... في الحكم كالمدينة المنوره ١٠٥١ - وناذر فعل صلاةٍ بسوى ... هذي الثلاث ببلاده ثوى ١٠٥٢ - لكنه مطالب أن ياتي ... ثم بما نذر من صلاة ١٠٥٣ - وناذر الرباط في مكان ... ثغر، فهو واجب الإتيان قوله: وناذر مشيا البيتين، معناه أن من نذر المشي إلى المدينة المنورة فإن قصد صلاة بمسجدها لزمه الذهاب إليه ليصلي به، ولا يلزمه المشي بل يركب إليها، وكذلك إذا لم ينو الصلاة إلا أنه سمى المسجد، لأنه إذا سماه فكأنه قال علي الصلاة فيه، لأنه الشأن، وإذا لم يسم المسجد ولم ينو الصلاة فلا شيء عليه، وظاهر الشيخ - رحمه الله تعالى - التسوية في الصلاة المذكورة بين الفريضة والنافلة، قال أبو الحسن: أما إن نوى صلاة الفريضة فلا إشكال، وأما إن نوى صلاة النافلة فلا تضعيف فيها بل في البيوت أفضل، نقله في المواهب. ثم قال: وانظر أواخر الشفاء فإنه حكى فيه قولين، الشيخ: إلا أن ينوي أن يقيم أياما يتنفل، فيتضمن ذلك صلاة الفرض.

стр. 504

ولعل محل هذا التفصيل من قربت داره أو كان بالمدينة المنورة، وأما غيره فذلك منه يستلزم قصد الفرض معه عادة والله أعلم. قوله: والمشي للقدس البيت، معناه أن الكلام في نذر المشي إلى القدس الشريف كالكلام في نذره للمدينة المنورة بأنواره صلى الله تعالى عليه وسلم. قوله: وناذر فعل صلاة البيتين، معناه أن من نذر أن يذهب إلى مسجد غير هذه المساجد الثلاثة ليصلي فيه صلاة لا يلزمه أن يذهب إليه للنهي عن شد الرحال لغيرها، ويأتي بتلك الصلاة بموضعه، وهذا ما لم يقرب جدا، فإن قرب جدا فقولان قال ابن عبد السلام: الأقرب لزومه الذهاب لتناول الدليل الدال على وجوب الوفاء بالنذر له، وعدم تناول حديث إعمال المطي، ثم الأقرب لزوم المشي لأنه جاء في الماشي إلى المسجد من الفضل ما لم يأت مثله في الراكب، نقله في المواهب. قوله: وناذر الرباط البيت، معناه أن من نذر الرباط في ثغر من الثغور وجب عليه الإتيان إليه ليرابط فيه إلا أن يكون موضعه الذي هو فيه أشد خوفا أو مساويا.

стр. 505

باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاع ١٠٥٤ - ألنُّكْحُ لا يصح دون الاوليا ... ولا بدون شاهدين زُكِّيا ١٠٥٥ - ولا بغير مهر أيضا كملا ... ربُعَ دينار، أو الذْ عادلا ١٠٥٦ - وحيث الاشهاد بعقد لم يقع ... فقبل الاشهاد بناؤه امتنع قال الجوهري: النكاح الوطء، وقد يكون العقد، وقال ابن جني: سألت أبا علي الفارسي عن قولهم نكحها، فقال: فرقت العرب فرقا لطيفا يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا المجامعة، لأن بذكر المرأة والزوجة يستغنى عن العقد، وإذا قالوا نكح فلانة أو بنت فلان أو أخته أرادوا تزوجها وعقد عليها، وقال القاضي عياض في التنبيهات: أصل النكاح في وضع اللغة: الجمع والضم، يقال نكحت البر في الأرض إذا حرثته فيها، ونكحت الحصى أخفاف الإبل إذا دخلت فيها، ثم استعمل في الوطء، وهو في عرف الشرع يطلق على العقد، لأنه بمعنى الجمع، ومآله إلى الوطء، وقد جاء في كتاب وحديث النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كثيرا للعقد، وهو أكثر استعماله في الشرع، قال الله : (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) (ولا تنكحوا المشركات حتى يومنَّ) (ولا تنكحوا المشركين حتى يومنوا) (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (فانكحوهن بإذن أهلهن) ويبعد أن يراد بها الوطء، إذ الوطء عموما منهي عنه بغير عقد، وقد ورد أيضا بمعنى الوطء في قوله : (حتى تنكح زوجا غيره) نقله في الشفاء. ومعنى الأبيات أن النكاح لا يصح دون ولي، وشهود، وصداق، كما دلت عليه الأخبار الصحيحة، أما الولي فقال اللخمي - رحمه الله تعالى -: الأصل في الولي قوله : (ولا تُنكحوا المشركين) فهذا خطاب للرجال أن لا يزوجوا المسلمات من المشركين، ولم يرد الخطاب للنساء أن لا يتزوجن المشركين، وقوله : (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) نزلت في معقل بن يسار لما منع أخته أن تراجع زوجها، (١) وقوله : (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين).

стр. 506

وفي الحديث " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل " (١) ويشترط في الولي عندنا أن يكون حرا مكلفا ذكرا مسلما غير محرم بحج ولا عمرة، والأكمل أن يكون عدلا، واختلف في شرط الرشد، فلا ولاية لعبد، وابنته الحرة كاليتيمة، ولا ولاية لصبي، ولا مجنون، ولا معتوه، ولا امرأة، ولا كافر في مسلمة، ولا يصح عقد ولي محرم، والعدل أولى من مساويه الذي ليس بعدل، وكذلك القول في الرشيد، قال الشيخ أبو الحسن: واختلف هل من شرطه أن يكون عدلا رشيدا، فأجاز القاضي أبو الحسن علي بن القصار أن يكون فاسقا، وكرهه القاضي أبو محمد عبد الوهاب مع وجود عدل، وإن عقد جاز، وقال أشهب في العتبية: لا يزوج إذا كان سفيها مولى عليه، وفي كتاب ابن أشرس عن مالك في المرأة لا يكون لها ولي إلا وليا مولى عليه: ليس له أن يستخلف من يزوجها وإن رضيت، لأنه لا نكاح لسفيه، وقال أبو مصعب: النكاح فاسد يفسخ قبل الدخول وبعده، وساوى بينه وبين ما كان العاقد له عبدا أو امرأة، وقد يحتمل قوله: إنه فاسد إذا كان ذلك بغير رضى من وليه ولا مطالعته لأنه لا ينبغي أن يعقد السفيه من غير وليه فقد تضع نفسها في دناءة، وفي من تلحق منه مضرة، فيكون له رده، فكل نكاح انعقد بغير مطالعته كان على الوقف والاختيار. وأما الصداق فلقوله : (فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن) وقوله : (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن) وقوله : (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم) الآية الكريمة. قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: ويشترط فيه أن يكون منتفعا به متمولا.

стр. 507

وقال المتيطي: النكاح على الخدمة والحج وغير ذلك مكروه عند مالك، والمشهور أنه لا يفسخ دخل أو لم يدخل كان معه مهر أو لم يكن، نقله في التاج. ويشترط فيه ما يشترط في المعقود عليه في البيع من الطهارة، والمنفعة الشرعية، وعدم النهي، والسلامة من الغرر الكثير، والقدرة على التسليم والتسلم، وغير ذلك، ولا بد من بيان السكة فإن سقط ذكرها كان لها السكة الجارية في البلد في تاريخ النكاح، فإن اختلفت أخذ من الأغلب، فإن تساوت أخذ من جميعها بالسوية، المتيطي: وهذا قول ابن القاسم الذي أجاز ذلك، وأما على قول سحنون الذي يقول لا يجوز حتى يسمي الجنس فيكون عليه وسط من ذلك الجنس، فإن وقع مجملا فسخ قبل البناء وثبت بعده بصداق المثل، فينبغي أيضا على مذهب سحنون هذا لا يجوز حتى يسمي سكة الدنانير التي وقع النكاح بها والله أعلم نقله في المواهب. وأقل الصداق على المشهور من المذهب ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما فيه وفاء بقيمة أحدهما، وقال ابن وهب يجوز بالدرهم والسوط والنعل أخذا بخبر خاتم الحديد ولا حد لأكثره إجماعا، لقوله : (أو آتيتم إحديهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) وتكره المغالاة فيه، لحديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها " (١) وقد يتنسم ذلك من مقابلة الجمع بالمفرد في الآية الكريمة (آتيتم إحداهن).

стр. 508

قال في المقدمات: وقال عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: لا تغالوا في مهور النساء فإن ذلك لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أوليكم به النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم - ما أصدق امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثني عشر أوقية، ألا وإن أحدكم ليغلي صداق امرأته حتى يبقي لها عداوة في نفسه، فيقول لها: لقد كلفت لك حتى علق القربة. هذا وقد سئل مالك - رحمه الله تعالى - عمن يكتسب مالا حراما فيتزوج به أيخاف أن يكون ذلك مضارعا للزنى؟ فقال: إني والله العظيم لأخافه ولكن لا أقوله. ابن رشد: وجه اتقاء مالك أن يكون فعله مضارعا للزنى هو أن الله إنما أباح الفرج بنكاح أو بملك يمين، وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا نكاح إلا بولي وصداق " فنفى أن يكون نكاحا جائزا إلا على هذه الصفة، والمتزوج على حرام لم يتزوج بصداق، إذ ليس المال الحرام بمال، فإذا وطئ به فقد وطئ فرجا بغير ملك يمين ولا نكاح أباحه الشرع، نقله في المواهب. وأما الإشهاد فقد تقدم الحديث فيه، وهو واجب عندنا قبل الدخول، مستحب عند العقد، فإذا أشهدا عند العقد كفى ذلك، وإن لم يشهدا عنده صح النكاح ولا يجوز الدخول حتى يشهدا، وهذا إن لم يقصدا إلى الاستسرار بالعقد، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: فإن تزوج ولم يشهد فنكاحه صحيح، ويشهدان في ما يستقبل، إلا أن يكونا قصدا إلى الاستسرار بالعقد فلا يصح أن يثبتا عليه، لنهيه ﵊ عن نكاح السر، ويؤمر أن يطلقها طلقة ثم يستأنف العقد، فإن دخلا في الوجهين جميعا فرق بينهما وإن طال الزمان بطلقة، لإقرارهما بالنكاح، وحدا إن أقرا بالوطء إلا أن يكون الدخول فاشيا، أو يكون على العقد شاهد واحد فيدرأ الحد بالشبهة.

стр. 509

ومثل الفشو وشهادة الواحد استفتاؤهما كما قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى - وإن ولدت لحق الولد به الولد، لتشوف الشرع إلى اللحوق، وما ذكره بعض أهل البلد من عدم اللحوق في مثل ذلك غلط إن شاء الله تعالى (١)

стр. 510

ولا يعتد في الشهود بشهادة الولي وإن لم يتول العقد، فلا يثبت بها النكاح ولا يندرئ بها الحد، وقد سئل اللخمي - رحمه الله تعالى - عمن زوج أخته البكر بإذن وصيها هل يتم النكاح بشهادة الوصي لعدالته؟ فأجاب لا يجوز شهادة الوصي في النكاح إذ هو المنكح، نقله في المواهب. ١٠٥٧ - وجاز أن يُنكح بنتا بكرا ... الابُ، ولو بعد البلوغ جبرا ١٠٥٨ - وغيره تزويجه البكر معا ... صبوة، أو دون إذن منعا ١٠٥٩ - لكنَّ صمتَها في الاستئذان ... كاف عن المنطق باللسان ١٠٦٠ - وليس ذاك كافيا في الثيب ... كان الولي الابَ أو غير الاب قوله: وجاز أن ينكح بنتا بكرا البيت، معناه أن الأب له أن يجبر بنته البكر دون غيره من الأولياء، وذلك لما جبله الله عليه من الحنان عليها والشفقة والرأفة والحرص على المصلحة، وفي الحديث " الثيب أحق بنفسها " (١) وفيه أن اليتيمة تستأمر، (٢) واللقب إذا تضمن معنى يناسب اختصاصه بالحكم واقتضى السياق قصده كان في معنى الصفة، وذلك حاصل في الحديثين، كما أن الصفة إذا دلت القرينة أنها لم ترد تقييدا كانت في معنى اللقب، وأيضا قد علم من الشرع جواز تزويج الصبية، ومعلوم أن رضاها كالعدم، ولا فرق في جبر البكر بين الصغيرة والبالغ، ولا بين العانس وغيرها، ما لم ترشد وليس له جبرها على رقيق، أو معيب، قال ابن عبد الحكم وأصبغ وابن الماجشون رحمهم الله تعالى: وإن زوج الأب بنته من خصي أو مجبوب أو عنين على وجه النظر لزمها، وقال سحنون: إن أبت البنت من ذلك كان للسلطان منعه، نقله في التاج.

стр. 511

ويستحب للأب استئمار البكر وعلى ذلك حمل الأمر به في الحديث عند الجمهور، وكذلك يستحب استئمار أمها، وقد روى الإمام أحمد بسند رجاله ثقات أن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ قال: " آمروا النساء في بناتهن ". ويجوز للأب أيضا جبر الثيب الصغيرة للمعنى الذي أسلفنا من جواز تزويجها وكون إذن الصبي كالعدم، وتجبر الثيب الكبيرة إذا ظهر منها الفساد ولم يقدر الولي على صيانتها، أو لم يكن لها ولي يصونها قاله اللخمي، قال: واستحسن أن يرفع ذلك مع عدم الأب إلى حاكم، فيجتهد في من يزوجها منه، فإن زوجها ولي من غير حاكم مضى فعله عليها. قوله: وغيره تزويجه البيت، معناه أنه ليس لغير الأب من الأولياء تزويج البكر حتى تبلغ وتأذن، وذلك لحديث " اليتيمة تستأمر " وقد علم بطلان تصرف الصبي، وللوصي الجبر إذا عين له الأب رجلا يزوجها له، لأن الأب هو الذي جبرها في الحقيقة، وإنما وكله على تولي العقد، واختلف إذا لم يعين له الزوج، قال اللخمي: المعروف من قول مالك - رحمه الله تعالى - أن للمقام إجبارها وإنكاحها ممن يراه حسن نظر لها قبل البلوغ وبعده، والأحسن قول عبد الوهاب أنه لا يجبرها، نقله في التاج. وهذا ما لم تخش عليها الضيعة، قال مالك في صبية بنت عشر سنين في حاجة تتكفف الناس: لا بأس أن تزوج برضاها لمكان ما هي فيه من الخصاصة والكشفة، وهذا أحسن لتغليب أخف الضررين قاله اللخمي. قوله: لكن صمتها البيت، معناه أن البكر التي تستأمر يكفي في إذنها صمتها وما في معناه مما يدل على رضاها، لما يلحقها من الحرج في التصريح. وقد استثنى الأئمة من ذلك صورا لمعان تخصها، ولخروج الصورة النادرة، وهي ما إذا زوجت بمعيب ونحوه، قطعا لعذرها، أو عضلها وليها فزوجها الحاكم، أو تزوجت بعرض وهي من قوم لا يتزوجون بذلك، واستثنوا كذلك المرشدة لحصول المعنى الذي يظن أنه وجه اشتراط نطق الثيب فيها والله أعلم.

стр. 512

وأما الثيب التي لا تجبر فلا بد في رضاها من نطقها ولا يكفي صمتها سواء زوجها أبوها أو غيره من الأولياء. ١٠٦١ - ولم يجز تزويج مرأة بلا ... إذن وليها أو الذْ وكلا ١٠٦٢ - أوِ اِذْنِ ذي الرأي من الأهالي ... أعني العشيرة أوِ اِذن الوالي ١٠٦٣ - والخلف في تولية الأجانب ... من التي بنكحها لم يُرْغَب ١٠٦٤ - وقدمنْ الابنَ هنا على الاب ... على المشهر عنَ اَهل المذهب ١٠٦٥ - وقدمنْ على أخ أيضا الابا ... فالعاصب الأقرب ثم الاقربا ١٠٦٦ - ولكنِ اِن زوجها الأبعدُ معْ ... وجود الاقرب مضى ما قد صنع ١٠٦٧ - ولا ولاية لغير العصبه ... من ذوي الارحام هناك قاطبه قوله: ولم يجز تزويج مرأة البيتين، أشار به إلى قول عمر - رضي الله تعالى عنه كما في الموطإ -: يزوج المرأة وليها أو ذو الرأي من أهلها أو السلطان، قال في التبصرة: واختلف في معنى قوله: ذو الرأي من أهلها، فقيل هو الرجل له الصلاح والفضل، وقيل هو الوجيه الذي له رأي ومن يرجع إليه في الأمور، وكلا القولين يحتمل أن يكون هو المراد، واختلف أيضا في معنى قوله: من أهلها، فقال ابن نافع عن مالك: هو الرجل من العصبة، وقال ابن القاسم عنه: هو الرجل من العشيرة، وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: هو الرجل من البطن، وعصبة الرجال: أقاربه من قبل الرجال، ثم البطن وهو أوسع من العصبة، ثم الفخذ، بإسكان الخاء، ثم القبيل.

стр. 513

قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: وقول عمر - رضي الله تعالى عنه - على الترتيب عند اللخمي، وعلى التخيير عند الباجي، ولا يكون الحاكم وليا في النكاح حتى يثبت عنده أربعة عشر فصلا، وهي كونها صحيحة، بالغة، غير مولى عليها، ولا محرمة على الزوج، وأنها حرة، وأنها بكر أو ثيب، وأن لا ولي لها أو عضلُه لها أو غيبته عنها، وخلوها من الزوج والعدة، ورضاها بالزوج والصداق، وأنه كفؤ لها في الحال والمآل، وأن المهر مهر مثلها في غير مالكة أمر نفسها، وإن كانت غير بالغ فيثبت فقرها، وأنها بنت عشرة أعوام فأكثر. قوله: والخلف في تولية الأجانب البيت، أشار به إلى ولاية الإسلام، والمعنى أنه اختلف في تزويج الأجنبي الدنيئة التي لا يرغب فيها لأمر من الأمور بإذنها، ولو من نفسه مع وجود ولي خاص لا جبر له كالأخ والعم، والمشهور جوازه وصحته وهي رواية ابن القاسم، وروى أشهب أنه لا يصح بها النكاح لا في دنيئة ولا شريفة، وروى عبد الوهاب صحته بها فيهما وهو ظاهر رواية ابن المواز، قاله سيدي زروق - رحمه الله تعالى -. والمشهور الأول. قوله: وقدمنْ الاب البيت، أشار به إلى ترتيب الأولياء، فذكر أن ابن المرأة مقدم على أبيها، وكذلك ابن ابنها، وهذا هو المشهور من المذهب، وقيل إن الأب مقدم على الأبناء، قال ابن عبد السلام: واختار بعض أشياخ أشياخي أن لا ولاية للابن في هذا الباب، إلا أن يكون من عشيرة أمه، وهو القياس، نقله ابن ناجي - رحمه الله تعالى - وخص في المواهب المشهور بما إذا لم تكن في حجر أبيها قال: أما إن كانت في حجر أبيها أو وصيها فالأب مقدم على الابن، وكذلك الوصي ووصي الوصي، قاله في الوثائق المجموعة وطرر ابن عات.

стр. 514

قوله: وقدمنْ على أخ البيت، معناه أن الأب أولى من الأخ، وهكذا الأقرب فالأقرب، والمشهور تقديم الأخ وابنه على الجد، وقال المغيرة: يقدم الجد عليهما، ويلي الجد على المشهور فيه العم وابنه، وهكذا الأقرب فالأقرب، وإن زوجها الأبعد مع وجود الأقرب صح النكاح، ولا يجوز ذلك ابتداء على المشهور في ذات القدر، كما أشار إليه بقوله: مضى، وفي المسألة أقوال كثيرة. قوله: ولا ولاية لغير العصبه البيت معناه أنه لا ولاية لقرابة المرأة من جهة أمها كالأخ لأم، والخال، وأبي الأم، لعدم اشتراكهم معها في النسب الذي يلحقها العار بالتخلي عنه إذا كانت شريفة، وشرف النساء كرمهن ونحوه فهو أعم من شرف النسب. ١٠٦٨ - وجاز تزويج الوصي طفلا ... بحجره، إذا رآه أولى ١٠٦٩ - أما الصبية فحيث أمره ... الاب به جاز، وإلا فاحظره ١٠٧٠ - وخطب مخطوبة مرء مسلم ... إذا تراكنا من المحرم ١٠٧١ - وهكذا سوم الذي سام معا ... ركون كل منهما قد مُنعا قوله: وجاز تزويج البيت، معناه أن للوصي أن يزوج طفلا في حجره إذا رآه نظرا كما في المدونة، وهو المشهور، ومنعه سحنون، وعن المغيرة أن له ذلك في من يرغب فيها من ذوات الشرف أو المال. قوله: أما الصبية فحيث أمره البيت، معناه أنه ليس للوصي تزويج الصبية إلا أن يأمره الأب بالجبر أو يعين له الزوج، وقد تقدم الكلام على ذلك.

стр. 515

قوله: وخطب مخطوبة البيتين، معناه أنه لا يجوز للمسلم خطب مخطوبة أخيه المسلم إذا ركنت إليه، وكذلك لا يجوز سوم ما سامه أيضا إذا حصل تراكن بينهما، بأن تقاربا وسكن كل منهما لصاحبه، وذلك للحديث الصحيح في النهي عن الأمرين، (١) وإذا تزوج الراكنة لغيره فقيل يفسخ مطلقا، وقيل يقر مطلقا، وقيل يفسخ قبل الدخول ويقر بعده، وقال ابن وهب - رحمه الله تعالى -: من تزوج بخطبته على خطبة آخر فتاب تحلل الأول، فإن حلله رجوت أنه مخرج له، وإن لم يحلله استحسنت له تركها دون قضاء عليه، فإن تركها فلم يتزوجها فللثاني مراجعتها بنكاح جديد نقله في التاج. وأما إذا لم تركن إليه فيجوز خطبها لحديث فاطمة بنت قيس - رضي الله تعالى عنها - (٢) وروي أن جرير بن عبد الله البجلي سأل عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهما - أن يخطب عليه امرأة من دوس، ثم سأله مروان بن الحكم بعد ذلك أن يخطبها عليه، ثم سأله بعد ذلك ابنه عبد الله أن يخطبها عليه، فدخل على أهلها والمرأة جالسة في قبتها عليها سترها، فسلم عمر - رضي الله تعالى عنه - فردوا ﵇ وهشوا له وأجلسوه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه - صلى الله تعالى عليه وسلم - ثم قال: إن جرير بن عبد الله البجلي يخطب فلانة وهو سيد أهل المشرق، ومروان بن الحكم يخطبها وهو سيد شباب قريش وعبد الله بن عمر يخطبها وهو من قد علمتم، وعمر بن الخطاب يخطبها، فكشفت المرأة عن سترها وقالت: أجادٌّ أميرَ المؤمنين؟

стр. 516

قال: نعم، قالت: قد زُوجتَ يا أمير المؤمنين، زوجوه، فزوجوه إياها فولدت له ولدين. نقله في المقدمات. وسمع ابن القاسم: تقدم خطبة المسخوط مع تقارب الأمر بينهما لا يمنع خطبتها صالح، وينبغي للولي حضها على الصالح دونه نقله في التاج. ١٠٧٢ - والبُضْع بالبضع هو الشغار ... وحكمه بالوفق الانحظار ١٠٧٣ - كذا نكاح متعة قد انحظل ... بوفقهم، وهْو النكاح لأجل ١٠٧٤ - كذا النكاح حال الاعتداد ... من غيره، وهو ذو فساد ١٠٧٥ - كذاك ما من النكاح لغرر ... في العقد كالخيار أو في المهر جر ١٠٧٦ - كذاك ما وقع بالمحظور ... بيعا، كمثل الخمر والخنزير قوله: والبضع بالبضع البيت، البضع - بضم فسكون -: فرج المرأة، والشغار - بكسر الشين في الاجود، وسمع فتحها -: نكاح في الجاهلية، وهو أن يقول الرجل لآخر: زوجني ابنتك أو أختك على أن أزوجك ابنتي أو أختي، على أن صداق كل منهما بضع الأخرى، وهو مشتق من شغور البلدة وهو خلوها لخلوه من الصداق، والمعنى أن نكاح الشغار ممنوع باتفاق لحديث الصحيح " لا شغار في الإسلام " (١) وهو على ثلاثة أنواع: صريح الشغار، ووجهه، والمركب منهما، فالأول هو ما تقدم، ويفسخ قبل الدخول وبعده على المشهور، والثاني ما وقعت فيه التسمية لكل واحدة منهما، كأن يقول: زوجني ابنتك بمائة على أن أزوجك ابنتي بمائة، ويفسخ قبل الدخول ويقر بعده، والثالث كأن يقول: زوجني ابنتك بمائة على أن أزوجك ابنتي، ويفسخ في التي لم يسم لها قبل الدخول وبعده، وفي التي سمى لها قبل الدخول فقط، وحيث فسخ قبل البناء فلا صداق مطلقا، وإن لم يظهر عليه حتى حصل دخول، فلمن لم يسم لها صداق المثل، ولغيرها الأكثر منه ومما سمى لها.

стр. 517

قوله: كذا نكاح متعة البيت، معناه أن نكاح المتعة ممنوع باتفاق، ويفسخ أبدا، وهو النكاح إلى أجل من غير توارث، سمي بالمتعة لانتفاعها بما يعطيه، وانتفاعه بشهوة، نقله سيدي زروق - رحمه الله تعالى -. قال في التبصرة: نكاح المتعة محرم لقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده شيء منهن فليخل سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا أخرجه مسلم، وقال سلمة بن الأكوع - رضي الله تعالى عنه -: رخص لنا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عام أوطاس في المتعة ثلاثا، ثم نهى عنها (١). وقد تضمن هذان الحديثان تقدم الإباحة ثم النسخ، وقال عمر - رضي الله تعالى عنه -: لو كنت تقدمت في ذلك لرجمت، وثبت عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - رجوعه عنها. إلى أن قال: ونكاح المتعة: ما وقت بأجل يوم أو شهر أو سنة بشرط من المرأة أو الرجل، يفسخ قبل الدخول وبعده بغير طلاق، ويختلف في الصداق هل لها المسمى أو صداق المثل، والمسمى أحسن، لأن الفساد في العقد لا في الصداق، ولو قيل صداق المثل إلى المدة التي ضرباها لكان وجها، ثم قال: وإن تزوج المسافر امرأة ليستمتع بها ويفارقها إذا سافر كان نكاحها على ثلاثة أوجه، فإن شرطا ذلك كان فاسدا، وهو نكاح متعة، واختلف إذا فهمت ذلك ولم يشترطا، قال محمد: النكاح باطل، وهو متعة، وروى ابن وهب عن مالك جوازه، فقال: إنما يكره الذي نكحها على أن لا يقيم، وعلى ذلك يأتيها، وروى عنه أشهب أنه قال: إن أخبرها قبل أن ينكح ثم أراد إمساكها فلا يقيم عليها وليفارقها، فالأول شرط، والثاني فهمت، والثالث أخبرها، فهو شبيه بالشرط، وقال مالك: إن تزوج من تزوج لعزبة أو هوى ليقضي إربه أو يفارق فلا بأس به، ولا أحسب إلا أن من النساء من لو علمت بذلك ما رضيت.

стр. 518

قوله: كذا النكاح حال الاعتداد البيت، معناه أن النكاح في العدة ممنوع اتفاقا، بل التصريح بالخطبة فيها ممنوع إجماعا، قال : (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) وقال : (علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا) قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: والقول المعروف هو التعريض بالمواعدة دون الإفصاح بها، وذلك مثل أن يقول إنك علي لكريمة، وإني فيك لراغب، وإن يقدر أمر يكن، وما أشبه ذلك. فإن تزوجها في العدة فسخ متى اطلع عليه، حصل دخول أو لا، وإن دخل بها فلها المسمى، وتأبد عليه تحريمها على المشهور، سواء دخل بها في العدة أو بعد العدة، ولا فرق في العدة بين أن تكون عدة طلاق، أو عدة وفات، إذا كان الطلاق بائنا، واختلف في الرجعي ففي المدونة لغير ابن القاسم أنه كغيره، وقيل إن مذهب ابن القاسم أنه كالمتزوج بذات زوج، وكالعدة الاستبراء، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: وإنما يفترق ذلك في وجوب التحريم المؤبد، وافتراقه على ثلاثة أوجه، أحدها يقع به التحريم باتفاق - أعني بين من رآه في حال من الأحوال - والثاني لا يقع به التحريم باتفاق، والثالث يختلف على قولين، فأما الذي يقع به التحريم باتفاق، فالوطء بنكاح، أو بشبهة نكاح، أو بملك، أو بشبهة ملك، في عدة من نكاح، أو من شبهة نكاح، وأما الذي لا يقع به التحريم باتفاق، فالوطء بملك اليمين أو شبهة ملك في استبراء الإماء خاصة، أو في عدة من غير نكاح، كعدة أم ولد يموت عنها سيدها، أو يعتقها، كان استبراؤهن من اغتصاب، أو زنى، أو بيع في الإماء، أو هبة، أو عتق، وأما المختلف فيه فالوطء بنكاح، أو شبهة نكاح، في الاستبراء والعدة من غير النكاح أيضا، كأم ولد يموت عنها سيدها أو يعتقها.

стр. 519

وقال في المواهب: إن كان الزوج الناكح في العدة غير عالم بالتحريم حرمت عليه اتفاقا، ولا حد عليه، وإن تزوجها في العدة عالما بالتحريم فالمشهور أنها تحرم على التأبيد، والولد لاحق به، والحد ساقط عنه، وقيل إنه زان وعليه الحد، ولا يلحق به الولد، ولا يتأبد تحريمها. ومحل التحريم في المستبرأة إن لم تكن مستبرأة من زناه بها، وأما المستبرأة من زناه بها فلا تحرم عليه بوطئه لها بنكاح أو شبهته أو ملك أو شبهته، ويلحق به الولد إذا حملت به بعد حيضة، قال في النوادر: ومن زنى بامرأة ثم تزوجت قبل الاستبراء فالنكاح يفسخ أبدا، وليس فيه طلاق، ولا ميراث، ولا عدة وفاة، والولد بعد عقد النكاح لاحق، في ما حملت به بعد حيصة، إن أتت به لستة أشهر من يوم نكحها، وما كان قبل حيضة فهو من الزنى لا يلحق به قاله في المواهب. قوله: كذاك ما من النكاح البيت، معناه أن ما وقع من النكاح على غرر فاسد، سواء كان الغرر في العقد كالنكاح على خيارهما، أو خياره، أو خيارها، أو خيار الولي، أو خيار أجنبي، أو في الصداق كأن يصدقها بعيرا شاردا ونحو ذلك، ومثل ذلك أن يصدقها ما لا يحل عقد البيع عليه، كما تقدم، كالخمر، والخنزير، والكلب، والمجهول، وثمر لم يبد صلاحه. ١٠٧٧ - ويفسخ الفاسد منه للصداق ... إذا دُرِي قبل البناء بطلاق ١٠٧٨ - وحيث لم يعلم به من قبل ... فأمضينْه بصداق المثل ١٠٧٩ - وما فساده لأجل عقده ... يفسخ من قبل البنا وبعده ١٠٨٠ - وإن يكن فُسِخ من بعد التلاق ... لزم ما سمى لها من الصداق ١٠٨١ - وهو كالصحيح في نشر الحظَر ... والعقد في الفاسد إجماعا هدر ١٠٨٢ - لكنَّ ذاك الوطءَ لا تحلُّ ... به التي كانت أُبِتَّتْ قبلُ ١٠٨٣ - ولا يُحَصَّن به الزوجان ... إذ لا يحصن بذي بطلان

стр. 520

قوله: ويفسخ الفاسد البيتين، معناه أن الفاسد من النكاح إن كان فساده لصداقه يفرق بين أن يطلع عليه قبل الدخول وأن لا يطلع عليه إلا بعده، فإن اطلع عليه قبل الدخول فسخ ولا صداق، إلا في نكاح الدرهمين فلها أحدهما إذا امتنع من الإتمام، وإن لم يطلع عليه حتى دخل أقر مراعاة للخلاف، ولزم فيه صداق المثل، وهذا هو المشهور، وقيل يفسخ مطلقا، وقيل لا يفسخ مطلقا. قوله: وما فساده لأجل عقده البيتين، معناه أن الفاسد لأجل عقده يفسخ قبل الدخول وبعده، وفيه بعد الدخول المسمى، وذلك لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر بما أصاب منها فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له " (١) والفرق بين الفسادين حيث أمضي النكاح بعد الدخول في الأول، أنه لما دخل لزم صداق صحيح، وإذا صح الصداق صح النكاح، لأنه إنما فسد لفساد صداقه، بخلاف الفاسد لعقده، والفرق بينهما في إيجاب صداق المثل في الأول والمسمى في الثاني أن المسمى الفاسد كالعدم، فرجع إلى ما يقتضيه العرف، بخلاف الفاسد لعقده، فالمسمى فيه شرعي فاعتد به. قوله: وهو كالصحيح البيت، معناه أن النكاح الفاسد ينشر الحرمة كما ينشرها النكاح الصحيح، فتحرم أم المرأة بعقده، وبنتها بدخوله احتياطا، على اختلاف في التحريم بالعقد إذا كان التحريم بنص من كتاب أو سنة، وهذا كله في المختلف في فساده، وأما المجمع على فساده فعقده غير محرم، وإنما يحرم وطؤه خاصة إن درأ الحد، وإلا فهو زنى وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله ، قال في التبصرة: المجمع عليه النكاح في العدة، ونكاح الأخت على الأخت، والمرأة على عمتها أو خالتها، ونكاح البنت على الأم قبل أن يدخل بالأم.

стр. 521

قوله: لكن ذا الوطء البيت، معناه أن النكاح الفاسد لا تحل به المبتوتة للاختلاف في صدق اسم النكاح عليه، وصدق اسم الزوج فيه على الرجل، وقد قال : (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) ولم يراع فيه الاختلاف في هذه الجهة لاقتضاء الاحتياط العكس. وهذا إذا كان لا يقر بالدخول، أو يقر به ولم يحصل فيه وطء ثان بعد الوطء الذي يقر به، وإلا حلت بالثاني، لأنه لما أقر صار كالنكاح الصحيح، ومراعاة الخلاف عائدة إلى المعنى الذي أشار إليه سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنه - في المشتركة، فما وقع على وفق اجتهاد له وجه، لا ينبغي أن ينقض بعد التصرف باجتهاد والله أعلم. قوله: ولا يحصن به الزوجان البيت، معناه أن النكاح الفاسد لا يحصن دخوله لما تقدم في المبتوتة، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات. ١٠٨٤ - وسبعة من نسب قد حظلا ... نكاحَها الكتاب: الام مسجلا ١٠٨٥ - والبنت، والأخت بكل حاله ... وكل عمة، وكل خاله ١٠٨٦ - وبنتي الأخ والاخت، وحَرَد ... بالصهر والرضاع مثل ذا العدد ١٠٨٧ - الام والاخت من رضاع معَ أم ... حليلة، وهو عندنا يعم ١٠٨٨ - كذا الربيبة التي قد دخلا ... بأمها، وحيث لم يدخل فلا ١٠٨٩ - وهكذا كل دخول حلا ... بالام يجعل البنات حظْلا ١٠٩٠ - أما الزنى فليس بالمحرِّم ... ما حلل الله على الذي اعتمي ١٠٩١ - وهكذا حلائل الأبناء ... تحرم مطلقا على الآباء ١٠٩٢ - وجمع الاختين ومنكوحة الاب ... من غير تفصيل، نآ أو اقترب ١٠٩٣ - وحرم الحديث بالرضاع ... ما هو بالنسب ذو امتناع ١٠٩٤ - وهكذا أيضا نكاحك المره ... معْ عمة، أو خالة، قد حظره

стр. 522

قوله: وسبعة من نسب إلى قوله: وحرد، أشار به إلى أن الله حرم في كتابه العزيز سبع نساء بالقرابة، وهي الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، قال : (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت) وعن هذه القرابات يعبر أهل المذهب بقولهم تحرم على الإنسان أصوله، وفصوله، وفصول أول أصوله، وأول فصل من كل أصل، فالأصول من له عليك ولادة مباشرة وهو الأم، أو بواسطة وهو الجدة، سواء كانت مباشرة أم لا، كانت من قبل الأم أو من قبل الأب والفصول من لك عليه ولادة مباشرة أو بواسطة أنثى أو ذكرا، وفصول أول الأصول: ما تفرع عن الأصل المباشر، وهو الأم والأب، فكلما لهما عليه ولادة فهو حرام عليك مباشرة، وهي الأخوات، أو بواسطة وهو بنات الأخ وبنات الأخت لغير نهاية، وأما ما فوق الأبوين من الأصول فإنما يحرم ما تفرع عنه مباشرة، وهو عمة إن كان الأصل ذكرا، وخالة إن كان الأصل أنثى، وهذا لغير نهاية أيضا، وهذا هو المراد بقولهم أول فصل من كل أصل، وهذا هو المراد بقوله: وسبعة إلى قوله: وحرد، وقوله: الام مسجلا، أشار به إلى عدم اختصاص الحكم بالأم دنية، وقوله: والاخت بكل حاله، يعني به أن لفظ الأخت في قوله : (وأخواتكم) يعم الشقيقة، والتي لأب، والتي لأم، وكذلك الأخ والأخت في قوله : (وبنات الأخ وبنات الأخت) وكذلك الكلام في العمة والخالة، واختلف في القرابة إذا كانت من زنى هل تحرم أو لا، قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: اختلف الفقهاء في نكاح ابنته أو أخته أو ابنة ابنه من الزنى، فحرم ذلك قوم منهم ابن القاسم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأجاز ذلك آخرون منهم عبد الملك بن الماجشون، وهو قول الشافعي، وذكر أن قول ابن القاسم هو المشهور، واستدل له بحديث جريج وقوله للغلام: من أبوك؟ فقال فلان الراعي (١).

стр. 523

وقال: فإن قيل: يلزم أن تجرى أحكام البنوة والأبوة من التوارث والولايات وغير ذلك، وقد اتفق المسلمون على أن لا توارث، فالجواب أن ذلك موجب ما ذكرناه، وما انعقد عليه الإجماع من الأحكام استثنيناه، وبقي الباقي على أصل ذلك الدليل والله أعلم نقله في المواهب. وقال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: والمخلوقة من ماء زان حرام عليه، وفي تخطئة سحنون إباحتها ابن الماجشون نظر لمن أنصف، لتعارض لازم عدم إرثها، ودليل قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " واحتجبي منه يا سودة " (١) مع زيادة الراوي لما رأى من شبه بعينه. وانظر هل يقتضي عدم نشر الحرمة في جهة أمنا سودة - رضي الله تعالى عنها - نشرها في الجهة الأخرى. قوله: وحرد إلى قوله: اقترب، أشار به إلى أن الله حرم في كتابه العزيز سبعا أخرى: اثنتين من الرضاع، وهما الأم والأخت، قال : (وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) وخمسا من الصهر، وهي أم الزوجة، وبنت الزوجة المدخول بها، والجمع بين الأختين، وزوجة الأب، وزوجة الابن، قال : (وأمهات نسائكم وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) وقال : (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف)

стр. 524

قوله: مع أم حليلة وهو عندنا يعم، أشار به إلى أن تحريم أم الزوجة عام عندنا في الأم التي دخل بابنتها والتي لم يدخل بها، خلافا لما روي عن بعض السلف من اشتراط الدخول كالعكس، قوله: وهكذا كل دخول حلا البنت، أشار به إلى أن الوطء أو التلذذ بالملك والشبهة يحرم البنات أيضا، سواء كانت الشبهة شبهة نكاح أو ملك، وأما الزنى فالمعول أنه لا ينشر الحرمة كما أشار إليه بقوله: أما الزنى البيت، وهو قول مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ، قال ابن ناجي: وبه قال جميع أصحابه، وهذا القول مذكور في المدونة، وزعم ابن عبد السلام أنه المشهور، وقيل إنه ينشر الحرمة كالصحيح قاله في سماع أبي زيد، ورواه ابن حبيب في واضحته قائلا: رجع مالك عما في الموطإ إلى التحريم وأفتى به إلى أن مات، وقيل إنه ينشر الكراهة رواه ابن المواز، وهذان القولان مؤولان معا على المدونة، فتأولها اللخمي وابن رشد في البيان على الكراهة، وتأولها غيرهما على التحريم، قال عياض: والأكثرون على الكراهة. قوله: وهكذا حلائل الأبناء البيت، أشار به إلى أن زوجة الرجل تحرم على آبائه مطلقا دخل بها أو لم يدخل، وأما إماؤه فلا تحرم على آبائه إلا بتلذذه بها، خلافا لابن حبيب والشافعي - رحمهما الله تعالى - حيث قالا تحرم بمجرد الملك. قوله: ومنكوحة الاب، معناه أن زوجة الأب حرام على ابنه دخل بها أو لم يدخل، كان أبا مباشرا أو جدا، سواء كان من قبل الأب أو من قبل الأم، كما أشار إليه بقوله: من غير تفصيل نآ أو اقترب.

стр. 525

قوله: وحرم الحديث بالرضاع البيت، معناه أنه جاء في الحديث أيضا تحريم الرضاع ما يحرم بالنسب، قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " إن الرضاعة تُحَرِّمُ ما يَحْرُم من الولادة " (١) وقال في ابنة حمزة - رضي الله تعالى عنهما -: " لا تحل لي هي ابنة أخي من الرضاعة " (٢) وقال في ربيبته بنت أم سلمة - رضي الله تعالى عنهما -: " لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأباها ثويبة " (٣) وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على بيان التحريم بالرضاع. قوله: وهكذا أيضا البيت، أشار به إلى ما جاء في الصحيح من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، (٤) وعن هذا مع ما اقتضته الآية الكريمة الآنفة الذكر يعبر أصحابنا بقولهم: كل من بينهما من القرابة أو الرضاع ما يمنع النكاح بينهما لو كان أيهما ذكرا فالجمع بينهما حرام، سواء كان بالنكاح أو بالاستمتاع بالملك، ولو بما دون الوطء كما نص عليه الباجي - رحمه الله تعالى - ولفظه: كما يحرم الجمع في الوطء فكذلك النظر للذة للمعصم والصدر، قياسا على ما سوَّى الشرع فيه بين الوطء والنظر للذة نقله في المواهب. ولا بأس أن يجمع بين المرأة وربيبتها وقد تزوج عبد الله بن جعفر زوجة علي - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - وابنته من غيرها قاله في التبصرة. ١٠٩٥ - وهكذا تحرم ذات الكفر ... بالنكح عندهم وبالتسري ١٠٩٦ - إلا الكتابيات فالحرائر ... بالنكح وطؤهن ليس يحظر ١٠٩٧ - كذاك بالتسري أيضا الإما ... ونكحها ولو لعبد حرما

стр. 526

معناه أن الكافرة يحرم تزوجها على الحر والعبد لقوله : (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ) وقوله : (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) إلا الحرة الكتابية لقوله : (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) والمحصنات: الحرائر، وأما إماؤهم فلا يجوز التزوج بها لا لعبد ولا لحر، لقوله : (من فتياتكم المؤمنات) وأما التسري بالأمة الكافرة فملحق بتزوج الحرة، فالأمة الكتابية يجوز التسري بها لجواز نكاح حرتهم، ولعموم قوله : (أو ما ملكت أيمانهم) والأمة الكافرة التي ليست بكتابية يحرم التسري بها لحرمة نكاح حرتهم، وقد خصت من عموم الآية الكريمة بالإجماع، وتزوج الكتابية الحرة وإن كان غير حرام إلا أن المشهور من المذهب كراهته، وعلل ذلك عبد الحميد بأنه سكون إليها ومودة لقوله : (وجعل بينكم مودة ورحمة) وجاء أن حذيفة بن اليمان - رضي الله تعالى عنه - تزوج بالمدائن يهودية، فكتب إليه عمر - رضي الله تعالى عنه - أن خل سبيلها، فكتب إليه حذيفة: أحرام هي؟ فكتب إليه عمر: لا ولكن أخاف أن تواقعوا المومسات منهن. ونكح بعض أعيان الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - نصرانية ولبثت عنده مدة ثم أسلمت وحسن إسلامها وعلم منها استجابة الدعاء نقله في التاج. ١٠٩٨ - تزوجَ المرأة عبدَها احظلا ... كذاك عبد فرعها، لو سفلا ١٠٩٩ - وهكذا التحريم أيضا في الرجل ... معْ ملكه، وملك فرع، لو سفل ١١٠٠ - أما تزوج إماء الوالد ... والام مطلقا فلم ينحرد ١١٠١ - وبنت زوجة أب من رجل ... آخرَ، مثل العكس لم تنحظل ١١٠٢ - والجمع من بين نساء أربع ... ولو لعبد ليس بالممتنع ١١٠٣ - لكن نكاح أمة للحر ... غير الذي أسلفته ذو حظْر ١١٠٤ - ما لم يخف زنى، وكان يعدم ... طَولا لحرة، فليس يحرم

стр. 527

قوله: تزوج المرأة عبدها احظلا، معناه أنه لا يحل للمرأة أن تتزوج عبدها، لتناقض أحكام زوجيتها له وملكها له، فالزوجية تقتضي وجوب طاعتها له، وملكها له يقتضي وجوب طاعته لها، والزوجية تقتضي وجوب النفقة والكسوة ونحوها لها عليه، وملكها له يقتضي وجوب ذلك عليها له، وقد روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - جاءته امرأة قد تزوجت عبدها فانتهرها وهم برجمها، قوله: كذاك عبد فرعها لو سفلا، معناه أنه يمتنع على المرأة أيضا تزوج عبد ولدها ذكرا أو أنثى، مباشرا أو بواسطة، لما لها من الشبهة فيه، ولوجوب برها على سيد العبد، ووجوب طاعة العبد لسيده، مع وجوب طاعة الزوجة لزوجها. قوله: وهكذا التحريم أيضا في الرجل مع ملكه، معناه أنه يمنع للرجل أيضا تزوج أمته، لأنها حلال له شرعا، والنكاح إنما شرع للإباحة فلا يكون المباح محلا له، ولأنها ملك له فلا يتأتى عقد النكاح منه معها، إذ لا بد له من جهتين، كما لا يتأتى شراؤه لملكه، ولأن الزوجية والملك سببان لأحكام متناقضة فلا يمكن اجتماعهما. وكذلك يمتنع أيضا على المشهور نكاح إماء فروعه نحو ما تقدم في المرأة لمثل ما سبق ذكره، وإلى ذلك أشار بقوله: وملك فرع لو سفل. قوله: أما تزوج إماء الوالد البيت، معناه أنه يجوز للرجل تزوج أمة أبيه، أو أمه، أو جده ولو علا، أو جدته ولو علت، إذ لا شبهة للفرع في مال الأصل مع أمنه من رق ما تلده الذي هو علة منع تزوجها. قوله: وبنت زوجة أب من رجل آخر، معناه أنه يحل للرجل تزوج ابنة زوجة أبيه من رجل آخر، لأنها أجنبية، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: ابن رشد: بنت امرأة أبيه من غيره قبله حل له إجماعا، وبعده في حلها وحرمتها ثالثها تكره، لرواية عيسى عن ابن القاسم مع مالك ونقل ابن حبيب عن طاووس والكافة، وسماع أبي زيد ابن القاسم. وكذلك تتزوج المرأة ابن زوجة أبيها من رجل آخر، لأنه أجنبي، وهو المراد بقوله: والعكس.

стр. 528

قوله: والجمع من بين نساء أربع البيت، معناه أنه يجوز للرجل الجمع بين أربع نسوة ولو عبدا على المشهور، خلافا لابن وهب - رحمه الله تعالى - القائل: تحرم عليه الثالثة، وذلك لقوله : (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ولقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لغيلان حين أسلم على عشر نسوة: " اختر أربعا " (١) قوله: لكن نكاح البيتين، معناه أنه لا يجوز للحر تزوج الأمة على المشهور إلا ما تقدم في قوله: أما تزوج إماء الوالد البيت، إلا أن يخاف فاحشة ولم يجد ما يتزوج به حرة غير مغالية ولو كتابية، وإذا كانت الواحدة لا تعفه جاز له نكاح أمة أخرى، وإذا خشي الفاحشة من أمة بعينها جاز له تزوجها وإن وجد طولا، لأن علة الإباحة خوف الفاحشة كما هو ظاهر قوله : (ذلك لمن خشي العنت منكم) والحكم يدور مع علته، فاشتراط عدم الطول خاص بمن تعفه امرأة لا بعينها، على ظاهر معنى الآية الكريمة، وأما العبد فله تزوج الأمة بلا شرط. ١١٠٥ - والعدل معْ تعدد الزوجات ... يلزم كيف كن في البيات ١١٠٦ - وهكذا إنفاقهنَّ حسبا ... وُجْدٍ مع الإسكان أيضا وجبا ١١٠٧ - إن كان قد دخل، والمطيقه ... إن للبنا دعت بذا خليقه ١١٠٨ - لكنه يقيم سبعة ليال ... معْ بكر إن نكحها على التوال ١١٠٩ - دون نسائه، كذا للثيب ... ينكحها ثلاثا اَيضا اَوجب ١١١٠ - وليس للإما ولا لأمهاتْ ... الاولاد حق باتفاق في البيات

стр. 529

قوله: والعدل إلى قوله: خليقه، معناه أنه يجب على المتزوج بأكثر من واحدة العدل بين أزواجه في أمور، منها الكون عندهن، فيقيم عند كل واحدة يوما لا أكثر، إلا أن يرضين بالقسم بأكثر من ذلك، لأن ذلك من حقوقهن، قال في التبصرة: ويختلف إذا أراد الزوج ذلك بغير رضاهن، فمنعه في كتاب محمد، وهو ظاهر المدونة، قال: ويكفيك من ذلك ما مضى من رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ومن أصحابه. ثم قال: فإن ذهب بيوم إحداهما ولم يمض إلى الأخرى لم يكن لمن ذهب يومها أن تحاسب بتلك الأيام، لأنها لو حاسبت بها لكانت قد أخذت ذلك من يوم صاحبتها وهي لم يصل إليها إلا حقها، وإن كان تلك الأيام عند الأخرى برضاها كان في المسألة قولان. ومنها الإنفاق، فيجب عليه الإنفاق على كل واحدة منهن على ما يليق بها بحسب وسعه وكسوتها كذلك والسكنى، قال ابن شعبان - رحمه الله تعالى - في زاهيه: من حق كل واحدة انفرادها بمنزل منفرد بمرحاض، وليس عليه إبعاد الدارين، وسمع ابن القاسم: لا بأس أن يكسو إحداهما الخز ويحليها دون الأخرى، إن لم يكن مليا، قال ابن رشد: وهذا معروف في مذهب مالك وأصحابه أنه إن أقام لكل واحدة ما يجب لها بقدر حالها فلا حرج عليه أن يوسع على من يشاء منهن وبما شاء، وقال ابن نافع يجب عليه أن يعدل بينهن في ماله بعد إقامته لكل واحدة ما يجب لها قاله ابن ناجي.

стр. 530

ومنها العدل بينهن في الجماع، بمعنى أنه يحرم عليه الكف بعد الميل ليقوى نشاطه عند ضرتها، ولا يجب عليه كل ما أصاب واحدة أن يصيب الأخرى، قال في التبصرة: الأصل في ذلك - يعني وجوب القسم - قول الله : (فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة) فأباح أربعا مع العدل، وحرم ما بعد واحدة إذا خاف الميل، وأخبر الله أن الزوج لا يستطيع أن يأتي ذلك حقيقة، وأمره بما يطيق، فقال ﵎: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل) الآية، قيل نزلت في الحب والجماع، فالحب مما لا يستطاع العدل فيه ولا يملك، والجماع تابع له، لأنه عنه ينبعث، فأمر أن يأتي من ذلك ما يطيق، ولا يؤثر من يهوى فوق القدر الذي يغلب عليه، وأن يصلحوا فيعدلوا، ويتقوا الله في أن لا يميلوا، وفي الترمذي قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها -: كان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: " اللهم هذه قسمتي في ما أملك فلا تلمني في ما تملك ولا أملك " وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " إذا كانت عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط " (١). وقوله: كيف كن، يعني سواء كن حرائر، أو إماء، أو مختلفات، أمكن وطؤهن أو لا، منع منه الشرع كالحائض والنفساء والمحرمة والمظاهر منها أو لا كرتقاء ومريضة، وروي أنه لا يجب عليه العدل بين الحرة والأمة، قال ابن الماجشون: ورجع مالك إليه وبه أقول، قال في الإشراف: ودليلنا على التسوية قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل " ولأنها مساوية لها في الزوجية فوجب مساواتها لها في القسم كالحرة، ولأن نقصها عن رتبتها لا يوجب نقصانها عنها في القسم كالذمية.
следующие страницы →