← Фикх малики

Фикх малики · id 607

عون المتين على نظم رسالة القرويين

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (1 054 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

معناه أن الكافرة يحرم تزوجها على الحر والعبد لقوله : (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ) وقوله : (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) إلا الحرة الكتابية لقوله : (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) والمحصنات: الحرائر، وأما إماؤهم فلا يجوز التزوج بها لا لعبد ولا لحر، لقوله : (من فتياتكم المؤمنات) وأما التسري بالأمة الكافرة فملحق بتزوج الحرة، فالأمة الكتابية يجوز التسري بها لجواز نكاح حرتهم، ولعموم قوله : (أو ما ملكت أيمانهم) والأمة الكافرة التي ليست بكتابية يحرم التسري بها لحرمة نكاح حرتهم، وقد خصت من عموم الآية الكريمة بالإجماع، وتزوج الكتابية الحرة وإن كان غير حرام إلا أن المشهور من المذهب كراهته، وعلل ذلك عبد الحميد بأنه سكون إليها ومودة لقوله : (وجعل بينكم مودة ورحمة) وجاء أن حذيفة بن اليمان - رضي الله تعالى عنه - تزوج بالمدائن يهودية، فكتب إليه عمر - رضي الله تعالى عنه - أن خل سبيلها، فكتب إليه حذيفة: أحرام هي؟ فكتب إليه عمر: لا ولكن أخاف أن تواقعوا المومسات منهن. ونكح بعض أعيان الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - نصرانية ولبثت عنده مدة ثم أسلمت وحسن إسلامها وعلم منها استجابة الدعاء نقله في التاج. ١٠٩٨ - تزوجَ المرأة عبدَها احظلا ... كذاك عبد فرعها، لو سفلا ١٠٩٩ - وهكذا التحريم أيضا في الرجل ... معْ ملكه، وملك فرع، لو سفل ١١٠٠ - أما تزوج إماء الوالد ... والام مطلقا فلم ينحرد ١١٠١ - وبنت زوجة أب من رجل ... آخرَ، مثل العكس لم تنحظل ١١٠٢ - والجمع من بين نساء أربع ... ولو لعبد ليس بالممتنع ١١٠٣ - لكن نكاح أمة للحر ... غير الذي أسلفته ذو حظْر ١١٠٤ - ما لم يخف زنى، وكان يعدم ... طَولا لحرة، فليس يحرم

стр. 527

قوله: تزوج المرأة عبدها احظلا، معناه أنه لا يحل للمرأة أن تتزوج عبدها، لتناقض أحكام زوجيتها له وملكها له، فالزوجية تقتضي وجوب طاعتها له، وملكها له يقتضي وجوب طاعته لها، والزوجية تقتضي وجوب النفقة والكسوة ونحوها لها عليه، وملكها له يقتضي وجوب ذلك عليها له، وقد روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - جاءته امرأة قد تزوجت عبدها فانتهرها وهم برجمها، قوله: كذاك عبد فرعها لو سفلا، معناه أنه يمتنع على المرأة أيضا تزوج عبد ولدها ذكرا أو أنثى، مباشرا أو بواسطة، لما لها من الشبهة فيه، ولوجوب برها على سيد العبد، ووجوب طاعة العبد لسيده، مع وجوب طاعة الزوجة لزوجها. قوله: وهكذا التحريم أيضا في الرجل مع ملكه، معناه أنه يمنع للرجل أيضا تزوج أمته، لأنها حلال له شرعا، والنكاح إنما شرع للإباحة فلا يكون المباح محلا له، ولأنها ملك له فلا يتأتى عقد النكاح منه معها، إذ لا بد له من جهتين، كما لا يتأتى شراؤه لملكه، ولأن الزوجية والملك سببان لأحكام متناقضة فلا يمكن اجتماعهما. وكذلك يمتنع أيضا على المشهور نكاح إماء فروعه نحو ما تقدم في المرأة لمثل ما سبق ذكره، وإلى ذلك أشار بقوله: وملك فرع لو سفل. قوله: أما تزوج إماء الوالد البيت، معناه أنه يجوز للرجل تزوج أمة أبيه، أو أمه، أو جده ولو علا، أو جدته ولو علت، إذ لا شبهة للفرع في مال الأصل مع أمنه من رق ما تلده الذي هو علة منع تزوجها. قوله: وبنت زوجة أب من رجل آخر، معناه أنه يحل للرجل تزوج ابنة زوجة أبيه من رجل آخر، لأنها أجنبية، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: ابن رشد: بنت امرأة أبيه من غيره قبله حل له إجماعا، وبعده في حلها وحرمتها ثالثها تكره، لرواية عيسى عن ابن القاسم مع مالك ونقل ابن حبيب عن طاووس والكافة، وسماع أبي زيد ابن القاسم. وكذلك تتزوج المرأة ابن زوجة أبيها من رجل آخر، لأنه أجنبي، وهو المراد بقوله: والعكس.

стр. 528

قوله: والجمع من بين نساء أربع البيت، معناه أنه يجوز للرجل الجمع بين أربع نسوة ولو عبدا على المشهور، خلافا لابن وهب - رحمه الله تعالى - القائل: تحرم عليه الثالثة، وذلك لقوله : (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ولقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لغيلان حين أسلم على عشر نسوة: " اختر أربعا " (١) قوله: لكن نكاح البيتين، معناه أنه لا يجوز للحر تزوج الأمة على المشهور إلا ما تقدم في قوله: أما تزوج إماء الوالد البيت، إلا أن يخاف فاحشة ولم يجد ما يتزوج به حرة غير مغالية ولو كتابية، وإذا كانت الواحدة لا تعفه جاز له نكاح أمة أخرى، وإذا خشي الفاحشة من أمة بعينها جاز له تزوجها وإن وجد طولا، لأن علة الإباحة خوف الفاحشة كما هو ظاهر قوله : (ذلك لمن خشي العنت منكم) والحكم يدور مع علته، فاشتراط عدم الطول خاص بمن تعفه امرأة لا بعينها، على ظاهر معنى الآية الكريمة، وأما العبد فله تزوج الأمة بلا شرط. ١١٠٥ - والعدل معْ تعدد الزوجات ... يلزم كيف كن في البيات ١١٠٦ - وهكذا إنفاقهنَّ حسبا ... وُجْدٍ مع الإسكان أيضا وجبا ١١٠٧ - إن كان قد دخل، والمطيقه ... إن للبنا دعت بذا خليقه ١١٠٨ - لكنه يقيم سبعة ليال ... معْ بكر إن نكحها على التوال ١١٠٩ - دون نسائه، كذا للثيب ... ينكحها ثلاثا اَيضا اَوجب ١١١٠ - وليس للإما ولا لأمهاتْ ... الاولاد حق باتفاق في البيات

стр. 529

قوله: والعدل إلى قوله: خليقه، معناه أنه يجب على المتزوج بأكثر من واحدة العدل بين أزواجه في أمور، منها الكون عندهن، فيقيم عند كل واحدة يوما لا أكثر، إلا أن يرضين بالقسم بأكثر من ذلك، لأن ذلك من حقوقهن، قال في التبصرة: ويختلف إذا أراد الزوج ذلك بغير رضاهن، فمنعه في كتاب محمد، وهو ظاهر المدونة، قال: ويكفيك من ذلك ما مضى من رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ومن أصحابه. ثم قال: فإن ذهب بيوم إحداهما ولم يمض إلى الأخرى لم يكن لمن ذهب يومها أن تحاسب بتلك الأيام، لأنها لو حاسبت بها لكانت قد أخذت ذلك من يوم صاحبتها وهي لم يصل إليها إلا حقها، وإن كان تلك الأيام عند الأخرى برضاها كان في المسألة قولان. ومنها الإنفاق، فيجب عليه الإنفاق على كل واحدة منهن على ما يليق بها بحسب وسعه وكسوتها كذلك والسكنى، قال ابن شعبان - رحمه الله تعالى - في زاهيه: من حق كل واحدة انفرادها بمنزل منفرد بمرحاض، وليس عليه إبعاد الدارين، وسمع ابن القاسم: لا بأس أن يكسو إحداهما الخز ويحليها دون الأخرى، إن لم يكن مليا، قال ابن رشد: وهذا معروف في مذهب مالك وأصحابه أنه إن أقام لكل واحدة ما يجب لها بقدر حالها فلا حرج عليه أن يوسع على من يشاء منهن وبما شاء، وقال ابن نافع يجب عليه أن يعدل بينهن في ماله بعد إقامته لكل واحدة ما يجب لها قاله ابن ناجي.

стр. 530

ومنها العدل بينهن في الجماع، بمعنى أنه يحرم عليه الكف بعد الميل ليقوى نشاطه عند ضرتها، ولا يجب عليه كل ما أصاب واحدة أن يصيب الأخرى، قال في التبصرة: الأصل في ذلك - يعني وجوب القسم - قول الله : (فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة) فأباح أربعا مع العدل، وحرم ما بعد واحدة إذا خاف الميل، وأخبر الله أن الزوج لا يستطيع أن يأتي ذلك حقيقة، وأمره بما يطيق، فقال ﵎: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل) الآية، قيل نزلت في الحب والجماع، فالحب مما لا يستطاع العدل فيه ولا يملك، والجماع تابع له، لأنه عنه ينبعث، فأمر أن يأتي من ذلك ما يطيق، ولا يؤثر من يهوى فوق القدر الذي يغلب عليه، وأن يصلحوا فيعدلوا، ويتقوا الله في أن لا يميلوا، وفي الترمذي قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها -: كان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: " اللهم هذه قسمتي في ما أملك فلا تلمني في ما تملك ولا أملك " وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " إذا كانت عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط " (١). وقوله: كيف كن، يعني سواء كن حرائر، أو إماء، أو مختلفات، أمكن وطؤهن أو لا، منع منه الشرع كالحائض والنفساء والمحرمة والمظاهر منها أو لا كرتقاء ومريضة، وروي أنه لا يجب عليه العدل بين الحرة والأمة، قال ابن الماجشون: ورجع مالك إليه وبه أقول، قال في الإشراف: ودليلنا على التسوية قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل " ولأنها مساوية لها في الزوجية فوجب مساواتها لها في القسم كالحرة، ولأن نقصها عن رتبتها لا يوجب نقصانها عنها في القسم كالذمية.

стр. 531

ولا فرق في وجوب العدل على الزوج بين الحر والعبد، ومن يقدر على الجماع ومن لا يقدر عليه كالمجبوب، وقوله: حسبا وجد، الوجد بضم الواو: اليسار، وقوله: إن كان قد دخل، معناه أن وجوب النفقة وما يتبعها مقيد بالدخول أو الدعاء إليه مع إطاقتها الوطء وبلوغ الزوج، وأشار بقوله: حسب وجد، إلى أن تقدير النفقة يرجع فيه إلى يسار الزوج، وحال المرأة، والبلد، والزمن، والسعر، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: واجبها ما يضر بها فقده ولا يضره، وفي ما فوقه معتادا لمثلها غير سرف لا يضره خلاف، إلى أن قال: فصنف مأكولها جل قوت مثلهما ببلدهما. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى -: يجب على الموسر مدان، والمتوسط مد ونصف، والمعسر مد، قال القاضي في الإشراف: دليلنا قوله : (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) وذلك ينفي التقدير، وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لهند وقالت: إن أبا سفيان - رضي الله تعالى عنهما - رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (١) فردها إلى ما تعلمه كافيا لها من غير تحديد. ولا يلزمه لها دواء على المشهور من المذهب، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وفي كون أجرة القابلة عليها، أو عليه، ثالثها إن استغنى عنه النساء فعليها، وإلا فعليه، وإن كانا ينتفعان به معا فعليهما على قدر منفعة كل منهما، لسماع القرينين من طلاق السنة وابن رشد عن أصبغ وسماع ابن القاسم، ولم يحك الباجي الأول، وعزى الأخير لمحمد، ابن حبيب: ليس عليه أجر الحجامة ولا الطبيب، ابن زرقون: في نفقات ابن رشيق عن ابن عبد الحكم عليه أجر الطبيب والمداوات ونحوه قول أبي حفص العطار يلزمه أن يداويها بقدر ما كان لها من نفقة صحتها لا أزيد.

стр. 532

قوله: لكنه يقيم البيتين، معناه أنه إذا تزوج بكرا قضي عليه أن يقيم عندها سبع ليال دون نسائه، وإذا تزوج ثيبا قضي عليه أن يقيم عندها ثلاثا، واختلف إذا لم تكن له زوجة هل يقضى عليه بذلك أو لا، وهو الذي شهره المتيطي، وقيل إن الإقامة عند الجديدة العدد المذكور حق للرجل لا للزوجة، فلا يقضى عليه به، قال في التبصرة: واختلف هل ذلك حق له أو لها يجبر عليه أو يندب ولا يجبر، فقال مالك - رحمه الله تعالى - مرة: ذلك حق لها لازم، وقال مرة: هو حق له، وقال أصبغ: هو حق لها يؤمر ولا يجبر كالمتعة، والأول أحسن لقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " للبكر سبع وللثيب ثلاث " (١) واللام للتمليك حتى يقوم دليل يخرجه عن ذلك، واختلف بعد القول أنه حق لها وقال أشهب لا يقضى به، وقال ابن عبد الحكم يقضى إذا كان لها ضرائر أو كان خلوا من النساء، فالأول لقول أنس - رضي الله تعالى عنه -: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا وقسم، قال أبو قلابة: لو ثبت قلت إن أنسا رفعه إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أخرجه البخاري ومسلم، ووجه الثاني قول أنس: من السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ولم يشترط، أخرجه البخاري، وقال مالك - رحمه الله تعالى - في العتبية: لا يتخلف العروس عن الصلوات في جماعة، ولا عن الجمعة، وقال سحنون: قال بعض الناس لا يخرج وذلك حق لها، وقال ابن حبيب - رحمه الله تعالى -: يتصرف في حوائجه وإلى المسجد، والعادة اليوم ألا يخرج لحاجة ولا لصلاة وإن كان خلوا من غيرها، وعلى المرأة في ذلك عند النساء وصم إن خرج، وأرى أن يلزم العادة، إلى أن قال: وقال محمد بن عبد الحكم: إذا زفت إليه امرأتان في ليلة أقرع بينهما، وعلى أحد قولي مالك أن ذلك حق له يكون بالخيار من غير قرعة.

стр. 533

قوله: وليس للإما البيت، معناه أنه لا حق لأم الولد ولا للسرية في البيات ولا في الوطء، فالحق في ذلك للسيد، لقوله : (فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) وله أن يقيم عند أمته وأم ولده ما شاء ما لم يقصد ضررا. ١١١١ - والعقد دون ذكر مهر يُسْمى ... نكاحَ تفويض، وجاز جزما ١١١٢ - لكنْ دخوله هناك قبلا ... تقديره لها صداقا يقلى ١١١٣ - وحيث مهرَ مثلها قد فرضا ... فما لها عندئذ إلا الرضى ١١١٤ - وهي بالخيار حيث نزلا ... عن ذاك ما لم يُرضها أو يكملا

стр. 534

معناه أن نكاح التفويض ـ الذي هو عقد بلا ذكر مهر وبلا قصد إسقاطه ـ جائز إجماعا، وللزوج فيه أن يطلق ولا شيء عليه، وإن دخل لزمه مهر مثلها وذلك لقوله : (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) فاقتضى صحة النكاح دون فرض، وعدم تقرر شيء إلا بالمس أو الفرض، ويجب صداق المثل بالمس، لأنها لما مس دون فرض اقتضى ذلك رضاه بالمعروف، وللمتزوجة تفويضا أن تمتنع من الدخول حتى يفرض لها، وإذا فرض لها مهر مثلها لزمها القبول، لأن رضاها بالعقد تفويضا يستلزم رضاها بصداق المثل لأنه الذي يؤول إليه لزوما، وإذا فرض لها أقل من صداق المثل لم يلزمها حتى يفرض لها صداق المثل أو ترضى، وإذا فرض لها شيئا ورضيت صار النكاح نكاح تسمية، فإذا طلق قبل الدخول تشطر الصداق، وإذا مات أحدهما قبل الدخول كان لها الصداق كاملا، قال في التبصرة: قال مالك - رحمه الله تعالى - في صداق المثل: لا ينظر إلى نساء قومها، ولكن ينظر إلى قدرها، وموضعها من الجمال، واليسار والفقر، وحال الزوج، وهل الرغبة في مثله كثرة الصداق أو القربى أو صلة الرحم قال مالك - رحمه الله تعالى -: وليس الرجل يغتفر فقره لقرابته كالأجنبي الموسر يرغب في ماله، وقوله هذا يصح مع عدم العادة، فإن كان قوم لهم عادة لا يحطون بفقر ولا قبح، ولا يزيدون ليسار وجمال، حملوا على عادتهم كأهل البادية اليوم. ١١١٥ - وبارتداد بعلة أو بعل ... ينفسخ النكاح عند الكل ١١١٦ - وذاك بالطلاق ذي البينونه ... على المشهر، وقيل دونه

стр. 535

معناه أنه إذا ارتد أحد الزوجين انفسخ النكاح لقوله : (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) وقوله : (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) والمشهور أن الفسخ المذكور بطلاق بائن، وهو مذهب المدونة، وقال سحنون بطلاق رجعي، وقيل يفسخ بلا طلاق، قال القاضي عبد الوهاب في الإشراف: وذكر الشيخ أبو بكر عن مالك - رحمهم الله تعالى - رواية أنه لا يفسخ إلا بخروجها من العدة، وهو قول الشافعي، ودليلنا أن الارتداد معنى ينافي بقاء العقد على مسلمة، فوجب أن ينفسخ به النكاح في الحال، أصله قبل الدخول. ١١١٧ - أما إذا أسلم من قد كفرا ... بدءا معا، فالحكم أن يُقَررا ١١١٨ - كذا كتابية اَيضا اَسلما ... حليلها فقط، لما تقدما ١١١٩ - أما المجوسية إن لم تُسلمِ ... مكانَها فالفسخ ذو تحتم ١١٢٠ - وإن تك الزوجة دون الرجل ... قدَ اَسلمت، فافسخ بلا تمهل ١١٢١ - وهو إن يسلمْ بعدة أحق ... بها، لما قبلُ له معْها سبق ١١٢٢ - ولتخترَ اَربعَ نساءٍ اِن على ... أكثرَ أسلمتَ وفارق ما خلا قوله: أما إذا أسلم من قد كفرا البيت، معناه أن الزوجين الكافرين ـ كتابيين أو مجوسيين أو غير ذلك ـ إذا أسلما معا أقرا على زوجيتهما، وذلك لما هو معلوم من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أقر رجال مكة المكرمة في الفتح على نسائهم، وغيرهم كثير، قال في التبصرة: سواء كان أصل نكاحهما صحيحا أو فاسدا دخل أو لم يدخل، وإن كان أصل نكاحه متعة ثم تراضيا بعد الأجل على البقاء، أو كان زنى ثم تراضيا على وجه الزوجية، فيجوز أن يبقيا زوجين إذا أسلما. قوله: كذا كتابية البيت، معناه أن الكافر إذا أسلم دون زوجته وكانت كتابية أقر عليها، لما تقدم من جواز نكاح الكتابية للمسلم.

стр. 536

قوله: أما المجوسية البيت، معناه أن الكافرة غير الكتابية إذا أسلم زوجها ولم تسلم فرق بينهما، قال في الموطإ: وإذا أسلم الرجل قبل امرأته وقعت الفرقة بينهما إذا عرض عليها الإسلام فلم تسلم، لأن الله ﵎ يقول في كتابه العزيز: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر). قوله: وإن تك الزوجة البيت، معناه أنه إذا أسلمت الزوجة وبقي زوجها كافرا فرق بينهما، ثم إذا أسلم قبل أن تنقضي عدتها أقر عليها، وقد روى مالك عن ابن شهاب - رحمهما الله تعالى - أنه كان بين إسلام صفوان بن أمية وامرأته - رضي الله تعالى عنهما - نحو شهرين، وأن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أقره عليها، وروى عنه أيضا أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام - وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل أسلمت يوم الفتح، وهرب هو إلى اليمن فارتحلت حتى قدمت عليه اليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عام الفتح، فلما رآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وثب إليه فرحا وما عليه رداء حتى بايعه - فثبتا على نكاحهما ذلك. وهذا حيث كان قد دخل بها وتقررت الزوجية بينهما كما يقتضيه قوله: بعدة، فإن أسلمت قبل أن يدخل بها بانت مكانها لضعف الشبهة وعدم تقرر الزوجية، قال في التبصرة: واختلف إذا أسلم عقيب إسلامها نسقا، فقيل بانت منه، وفي العتبية أنه أحق بها.

стр. 537

قوله: ولتختر أربع نساء البيت، معناه أن الكافر إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة اختار منهن أربعا، وفارق البواقي، ولا فرق في ذلك بين أن يكون نكاحه إياهن في عقد أو في عقود، وله أن يختار الأواخر لعدم استفصاله صلى الله تعالى عليه وسلم غيلان الذي أسلم على عشر نسوة، وذلك يقتضي عموم الحكم، وكذلك يؤمر بالاختيار أيضا إذا أسلم على محرمتي الجمع، كما في حديث فيروز الديلمي (١). ١١٢٣ - ومن يكن معْ زوجة قد التعنْ ... حرِّم عليه وطأَها مدى الزمن ١١٢٤ - كناكح معتدةً اِذا دخل ... بها لذا من قبل ما تم الأجل ١١٢٥ - لا نكح للرقيق دون إذن ... سيده، لو كان غير قنّ ١١٢٦ - ولا يصح عقد مرأةٍ مره ... ككافر إن تك غير كافره ١١٢٧ - وليس للعبد كذاك عقد ... فأمر بنته لمن من بعدُ قوله: ومن يكن مع زوجة البيت، معناه أن من لاعن زوجته حرمت عليه أبدا، فلا تحل له بنكاح ولا ملك لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا سبيل لك عليها " (٢) قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: لأن ظاهره التأبيد، إذ لم يقيد ذلك بشرط يحللها له به لأن التحريم إذا أطلق من غير تقييد محمول على التأبيد، ألا ترى أن المطلقة ثلاثا لو لا قول الله فيها: (حتى تنكح زوجا غيره) لم تحل له أبدا بظاهر قوله : (فإن طلقها فلا تحل له من بعد). ولو كانت أمة وملكها بعد لم يكن له أن يتسرى بها كما في الموطإ، قال - رحمه الله تعالى -: وذلك أن السنة مضت أن المتلاعنين لا يتراجعان أبدا.

стр. 538

قوله: كناكح معتدة البيت، معناه أن من تزوج امرأة في عدتها ودخل بها قبل أن تنقضي عدتها حرمت عليه أبدا على المشهور من المذهب، وبه قال الأوزاعي والليث، وقال ابن نافع: لا تحرم عليه بحال، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقد روى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه قضى فيها بالتأبيد، وجاء عن علي - رضي الله تعالى عنه - القول بعدم التأبيد، وجاء أن عمر - رضي الله تعالى عنه -رجع إلى قوله. قوله: لا نكح للرقيق البيت، معناه أنه لا يجوز للرقيق أن يتزوج دون إذن سيده، ذكرا كان أو أنثى، لأنه مال له وذلك يعيبه، فإن كان ذكرا كان لسيده أن يجيز أو يرد، وقال أبو جعفر الأبهري يتعين الفسخ، لأنه نكاح انعقد على خيار، ولحديث " أيما عبد نكح بغير إذن مواليه وأهله فهو عاهر " (١) وإذا رد السيد نكاح العبد كان ذلك طلاقا بائنا، وأما الأمة تتزوج بدون إذن سيدها أو بعض سادتها فنكاحها منفسخ، ولو أجازه السيد، ووجه الفرق بين العبد والأمة أنه ممن يعقد لنفسه لو كان حرا، بخلافها. قوله: ولا يصح عقد مرأة مره، معناه أنه لا يصح أن تزوج المرأة المرأة، لما تقدم من الاتفاق على شرط الذكورة في الولي، قال في الإشراف: لقوله : (وأنكحوا الأيامى منكم) فخص الرجال بالولاية، وقوله : (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) ففيه دليلان أحدهما أن العضل هو المنع الذي لا خلاص منه، ولو كان لهن أن يعقدن لم يكن امتناع الأولياء عضلا لهن، والثاني أن سبب ذلك امتناع معقل بن يسار من إنكاح أخته الذي طلقها، فنزلت هذه الآية الكريمة (٢).

стр. 539

وفي الحديث " لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها " (١) فليس للمرأة أن تباشر العقد على المرأة، وإذا كانت وصية عليها، أو مالكة، أو معتقة، أو موكلة من قبل الولي، وكلت رجلا مستجمعا للشروط فزوج، كما فعلت عائشة - رضي الله تعالى عنها - في ابنت أخيها عبد الرحمن - رضي الله تعالى عنهما -. ومفهوم كلامه أن المرأة تعقد على الرجل إذا كان ملكا لها، أو وكلها، أو كانت وصية عليه، وهو كذلك. قوله: ككافر إن تك غير كافره، معناه أن الكافر لا ولاية له على ابنته مثلا إذا كانت مسلمة، ولا عبرة برضاها بذلك أو توكيلها له إجماعا، ولا يزوج مسلم أيضا وليته الكافرة كما تقدم، ويزوج الكافر وليته الكافرة لمسلم أو يزوجها له الأسقف كما قال الشيخ سيدي زروق - رحمه الله تعالى -. ١١٢٨ - ولا تَزَوَّجْ مرأةً لأجل ... تحليلها لزوجها من قبل ١١٢٩ - ففعل ذاك الامر ليس بحلال ... وليس رافعا لذاك الانحظال ١١٣٠ - ولا يصح نكح مُحرم، ولا ... إنكاحه، وليا أو موكلا ١١٣١ - ومنعوا نكح المريض رجلا ... أو مرأة، وافسخ اِذا ما نزلا ١١٣٢ - وإن بنى فمهرها في الثلْث ... مبدأ، وما لها منِ اِرث ١١٣٣ - وليس للمريض أن يطلقا ... ولكن إن فعل ذاك لحقا قوله: ولا تزوج بحذف إحدى التاءين، ومعنى البيت والذي بعده أنه لا يجوز تزوج المطلقة ثلاثا بقصد تحليلها لزوجها، وفي الحديث " لعن الله المحلل والمحلل له " (٢) ويفسخ نكاحه قبل الدخول وبعده بطلاق بائن إذا أقر به بعد العقد، وأما إن أقر به قبل النكاح فليس بنكاح أصلا، وإن بنى بها فلها المسمى على الأصح، وقال مالك - رحمه الله تعالى - للمحلل أن يتزوجها بعد ذلك، وقال أشهب: أحب إلي أن لا ينكحها أبدا نقله في المواهب. قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: ويعاقب من علم بنكاح المحلل من زوج، وولي، وشهود، وزوجة.

стр. 540

قوله: وليس رافعا لذاك الانحظال، معناه أن نكاح المحلل لا يحل المبتوتة لزوجها الأول لفساده، وقد قال : (حتى تنكح زوجا غيره) قوله: ولا يصح نكح محرم البيت، معناه أن من موانع النكاح الإحرام، فلا بد من كون كل من الثلاثة حلالا - أعني الزوجين والولي - لحديث الصحيح في النهي عن نكاح المحرم وإنكاحه، (١) وإن وقع فسخ أبدا، قال ابن ناجي: وفي فسخه بطلاق روايتان، وكذلك الروايتان في تأبيد التحريم، والمشهور عدم التأبيد قاله ابن عبد البر. قوله: ومنعوا نكح المريض البيت، معناه أن نكاح المريض مرضا مخوفا غير جائز على المشهور، والمشهور أيضا فسخه إذا اطلع عليه قبل أن يصح، حصل دخول أو لا، واختلف إذا لم يطلع عليه حتى صح، والمشهور أنه يقر، وقيل يجوز نكاح المريض إذا لم يكن مضارا، بأن احتاج إليه، وعليه اقتصر القاضي في الإشراف، ومحل الخلاف إذا لم يشرف على الموت، فإن أشرف على الموت امتنع نكاحه قولا واحدا، وأما المرض الذي ليس بمخوف فيجوز النكاح فيه، وكذلك أوائل المخوف المتطاول كالسل والجذام كما في التبصرة، قال في الإشراف: مسألة المريض المخوف عليه الذي لا يحتاج إلى استمتاع لا يجوز نكاحه خلافا لأبي حنيفة والشافعي، لأنه محجور عليه أن يخرج ماله على غير معاوضة في ما لا حاجة به إليه لحق الورثة، والنكاح يتضمن إخراج المال بالمهر والنفقة، ولأن كونه محجورا عليه لحق الورثة يقتضي منعه أن يدخل عليهم وارثا، لأنه إخراج لهم من بعض الميراث، ولأن كل ما يتعلق بإخراج الوارث عن الميراث فلا يجوز في المرض، أصله الطلاق.

стр. 541

قوله: وإن بنى فمهرها في الثلث مبدأ، معناه أنه إذا لم يطلع عليه حتى دخل فلها المسمى في ثلثه مبدأ، ظاهره ولو كان أكثر من صداق مثلها، وهو قول ابن عبد الملك، قال: لأنه بالتسمية أصابها، ورواه ابن نافع وأشهب، وقيل لها الأقل منه ومن صداق المثل، وهذا إذا كان المريض الزوج خاصة أو كانا مريضين معا، وأما إذا كان المريض الزوجة وحدها فلها المسمى من رأس ماله بلا خلاف كما في التوضيح. قوله: وما لها من ارث، معناه أنه إذا مات الزوج المريض من ذلك المرض قبل أن يفسخ النكاح فلا إرث لها منه، لأن ذلك هو سبب الفساد فالحكم به إمضاء له وتصحيح، وكذلك إذا ماتت هي أيضا. قوله: وليس للمريض أن يطلقا البيت، أشار به إلى عكس ما سبق الذي هو نكاح المريض فكما يمتنع إدخال وارث يمتنع أيضا إخراجه، وإذا أدخله لم يرث، وإذا أخرجه ورث، والمعنى أن الزوج إذا طلق وهو مريض مرضا مخوفا وقع طلاقه، ولكن لا ينتفي به الإرث ولو تزوجت بعده أزواجا إذا لم يصح من ذلك المرض صحة بينة حتى مات، ولو كان طلاقه إياها بخلع أو تخيير أو تمليك، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: اللخمي لو كان العقد في صحته والحنث في مرضه ففي كونه كذلك ونفي إرثها قولها ورواية المدنيين: إن قال لها في صحته إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلتها في مرضه عصيانا أو خلافا لم ترثه، مع قول المغيرة: من حلف ليقضين فلانا حقه فمرض الحالف وحنث في مرضه إن كان مليا ورثته، وإن كان فقيرا طرأ له مال لم يعلم به لم ترثه، وهو أحسن، وعزى الباجي الأول لمشهور مذهب أصحابنا، قال: وروى زياد بن جعفر: لا ترثه. والأصل في إرث المطلقة في المرض قضاء سيدنا عثمان - رضي الله تعالى عنه - في امرأة عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - ونساء ابن مكمل الذي أخرجه مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ. ١١٣٤ - ومن يكن طلق زوجه ثلا ... ثة، فوطؤها عليه حُظِلا

стр. 542

١١٣٥ - بالملك والنكح، إلى أن تنكحا ... غيرا، كما به الكتاب صرحا ١١٣٦ - وحيث طلق ثلاثا دَفْعه ... لزمه، لكنَّ ذاك بدعه ١١٣٧ - وإنما المباح إيقاع طلاق ... وهْي بطهر لم يقع فيه تلاق ١١٣٨ - تطليقة واحدة لا أكثرا ... من غير إرداف طلاق آخرا ١١٣٩ - وجاز الارتجاع ما لم تخرج ... عدتَها، والاعتداد سيجي ١١٤٠ - كذا إذا كان الطلاق قبلا ... دخوله، إذ لا اعتداد أصلا ١١٤١ - ومن تكن ليست تحيض كلا ... طلاقها بكل وقت حلا ١١٤٢ - كغير مدخول بها، لو حائضا ... على الذي من الخلاف يُرتضى ١١٤٣ - وهكذا الحبلى، وفي الحيض امتنع ... طلاق غير حامل لكن يقع ١١٤٤ - وبارتجاع غير بائن أُمر ... فإن أبى ذلك طائعا جُبر

стр. 543

قوله: ومن يكن طلق زوجه البيتين معناه أن من طلق زوجته ثلاث مرات لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره كما هو نص الآية الكريمة، ويشترط في النكاح الذي تحل به أن يكون صحيحا فلا تحل بفاسد، إلا أن يكون مما يثبت بالدخول، فيكون دخوله الذي يثبت به كالعقد في النكاح الصحيح، ويشترط كما تقدم أن يكون نكاح رغبة، فلا تحل بنكاح قصد صاحبه به التحليل للزوج الأول، ويشترط أن تكون الزوجة مطيقة، وأن يكون الزوج قادرا على الإصابة، فلا تحل بنكاح صبي، ولا مجبوب، أو عنين، أو معترض، أو نحو ذلك، وأن يكون الوطء مباحا، فلو وطئها في حيض، أو نفاس، أو محرمة، أو صائمة، لم تحل به، وأن يكون مع انتشار، واختلف هل يشترط كون كل منهما عالما، فلو كان أحدهما مجنونا حين الوطء لم تحل به، فذهب ابن القاسم إلى اشتراط علمها فقط، وهو المشهور من المذهب، فلو كانت مجنونة، أو نائمة، لم تحل، ولا يضر جنونه دونها، وذهب أشهب إلى اشتراط علمه فقط، وذهب عبد الملك إلى عدم اشتراط علم كل منهما، فتحل مع جنونهما وقت الإصابة، قال اللخمي: ولا أرى أن يحلها إلا أن يكونا عاقلين لقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لزوجة رفاعة وقد أرادت الرجوع إلى الذي طلقها قبل مسيس الثاني " لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " أخرجه البخاري ومسلم، وهذا يقتضي أن يكونا عاقلين إلا أن تكون وسوسة ولم يبلغ إلى فقدان التمييز. وكأن ابن القاسم راعى إسناد النكاح في الآية الكريمة إلى المرأة، ولم ير الجنون مانعا من ذوق العسيلة، والله أعلم. وهذه الشروط كلها تؤخذ من الآية الكريمة وحديث امرأة رفاعة على أصل مراعاة تقديم الحقيقة الشرعية في كلام الشرع على الحقيقة اللغوية، ولا بد في الإحلال من شاهدين على النكاح، وامرأتين على الخلوة، وتصادق الزوجين على الوطء.

стр. 544

وتصدق الطارئة من بعيد إذا ادعت التزويج لتعذر الإثبات عليها، وتصدق الحاضرة المأمونة إذا ادعته بعد طول من الزمن، واختلف في غير المأمونة مع تطاول الزمن. وقوله في البيت الثاني: بالملك، معناه أن المبتوتة لا تحل لمن بتها بالتسري، لقوله : (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) فقد اقتضى إناطة الإباحة بالنكاح خاصة على ظاهر اللفظ، ولا تحل المبتوتة أيضا بتسري سيدها بها، على ظاهر الآية الكريمة. قوله: وحيث طلق ثلاثا البيت، معناه أنه إذا طلق زوجته ثلاثا في لفظ واحد وقع ذلك وإن كان بدعة، قال القاضي أبو محمد في الإشراف: ودليلنا على أنه بدعة قوله : (فطلقوهن لعدتهن) الآية، فأمر بالطلاق للعدة وقرنه بما دل على أن المراد به الطلاق الرجعي، لقوله : (لا تدري لعل يحدث بعد ذلك أمرا) أي: ندما فيكون للمطلق طريق إلى تلافيه بالارتجاع، ثم وصفه بما يقتضي الإثم وهو قوله : (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) فدل على ما قلناه، وحديث الحسن عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهم - أنه قال: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أرأيت لو أطلقها ثلاثا؟ قال: " إذا بانت منك وعصيت ربك " وحديث محمود بن لبيد الأنصاري قال: أخبر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جمعا، فقام غضبانا وقال: " تلاعب بكتاب الله تعالى وأنا بين أظهركم " (١) وهذا كالنص. وجاء أن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - كان إذا سئل عن ذلك قال لأحدهم: أما إن طلقت امرأتك مرة أو مرتين فإن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أمرني بهذا، وإن كنت طلقت ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت الله في ما أمرك به من طلاق امرأتك (٢).

стр. 545

وقال القاضي عبد الوهاب: ودليلنا على لزومه قوله : (لا تدري لعل يحدث بعد ذلك أمرا) يعني الندم الذي يمكن تلافيه بالرجعة، فأمرنا أن نطلق ما نملك معه الرجعة، لئلا يلحقنا ندم عليه، فلا يكون لنا سبيل إلى تلافيه، فلو لا أنه يقع إذا أوقعناه على هذا الوجه وإلا لم يكن لهذا القول معنى، لأن ما يحدث يمكن تلافيه بالرجعة على قول من يقول يقع واحدة، أو لا يؤثر على قول من يقول لا يقع جملة. ثم ذكر أحاديث في ذلك المعنى. قوله: وإنما المباح البيتين، معناه أن الطلاق السني هو أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: " ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق النساء لها " (١) ويشترط فيه أن يكون طلاقا واحدا لا أكثر، وأن لا يردف عليه طلاقا حتى تتم العدة، قال القاضي في الإشراف: فدليلنا قوله : (فطلقوهن لعدتهن) وذلك يوجب أن يطلق طلاقا يوجب عدة في حال تعتد منه، وهذا الطلاق الثاني والثالث لا يوجب عدة فكان موقعا على خلاف المأمور به. وقال القاضي أبو الوليد في المقدمات: والصواب ما ذهب إليه مالك - رحمه الله تعالى -وهو الصحيح عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أن طلاق السنة أن يطلق طلقة واحدة في أول الطهر إلى انقضاء العدة. قوله: وجاز الارتجاع ما لم تخرج عدتها، معناه أن المطلقة طلاقا رجعيا يجوز لزوجها أن يرتجعها شاءت أو أبت، لقوله : (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) إلى قوله : (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا) ولقوله : (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) والمراد ببلوغ الأجل مقاربته لا بلوغه بالفعل إجماعا.

стр. 546

قوله: والاعتداد سيجي، معناه أن الكلام على العدد سيأتي بعد هذا إن شاء الله . قوله: كذا إذا كان الطلاق قبلا البيت، هو تشبيه بمفهوم قوله: ما لم تخرج عدتها، والمعنى أن المطلقة قبل الدخول لا رجعة فيها إذ لا عدة عليها لقوله : (ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) الآية الكريمة. قوله: ومن تكن ليست تحيض البيت، معناه أن اليائسة والصغيرة يجوز طلاقهما بكل وقت للآية الكريمة المتقدمة. قوله: كغير مدخول بها البيت، معناه أن غير المدخول بها يجوز طلاقها في الحيض على المشهور، إذ لا عدة عليها، وروي منعه لاحتمال أن النهي عن الطلاق في الحيض تعبد، وكرهه أشهب - رحمه الله تعالى -. قوله: وهكذا الحبلى، معناه أن الحامل يجوز طلاقها ولو حائضا عند من يرى أنها تحيض لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: " مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا " (١) وفي معنى حيض الحامل دم النفاس ببعض حملها، فيجوز الطلاق فيه لأنها حامل. قوله: وفي الحيض امتنع إلخ، معناه أن طلاق الحائض التي ليست بحامل غير جائز، وكذلك النفساء، لحديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - ففي بعض طرقه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لما أخبره عمر - رضي الله تعالى عنه - بذلك تغيظ، وهو لازم لقوله: " مره فليراجعها " ويجب عليه ارتجاعها إذا كان الطلاق رجعيا، للحديث المذكور، فإن أبى أن يرتجعها جبر على ذلك، قال ابن شاس في جواهره: في سياق كلام أشهب في كتاب محمد أجبر على الرجعة سواء ابتدأه أو حنث فيه، فإن أبى هدد بالسجن، فإن استمر على الامتناع حبس، فإن أصر ضرب بالسوط، ويكون ذلك كله قريبا في موضع واحد، لأنه على معصية، فإن لم يطع ارتجع الحاكم عليه.

стр. 547

ويستمر الأمر بجبره ولو طهرت ما لم تنقض العدة في مذهب مالك وجميع أصحابه خلافا لأشهب وابن شعبان، حيث قالا يجبر ما لم تطهر من الحيضة الثانية، لأن ذلك الوقت إذا ارتجع في الحيض يجوز له أن يطلق فيه، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وسمع عيسى ابن القاسم لمن أجبر على الرجعة أن يطأها إذا طهرت وهو يريد أن يطلقها في الطهر الثاني، ويؤمر في الرجعة من طلقة الحيض أو النفاس التي أجبر عليها أن يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، وقول أبي عمران: لو ارتجعها في حيض الطلقة اختيارا دون إجبار كان له طلاقها في طهر حيض الطلقة، هو مفهوم شرطها، وسمع عيسى ابن القاسم: لمن أجبر بالرجعة من طلاق الحيض فراجع يريد طلاقها وطؤها، ابن رشد: هو المأمور به، ولو ارتجعها كذلك ولم يصبها كان مضرا آثما، ولو طلق في طهر حيض جبر فيه، أو في طهر مس فيه، أو قبل اغتسالها، أو بدله لم يؤمر بالرجعة. ١١٤٥ - وحيث قال الزوج: أنت طالق ... فطلقةً بذا عليه تطلق ١١٤٦ - ما لم يكن بذا أراد أزيدا ... فإن يرد لزمه ما قصدا معناه أنه إذا قال لزوجته: أنت طالق، طلقت عليه بذلك طلقة، إلا أن ينوي أكثر فيلزمه، قال القاضي عبد الوهاب: لأنها صيغة محتملة للعدد قابلة له، واللفظ إذا احتمل شيئا فنوى به قُبل من ناويه، اعتبارا بقوله أنت الطلاق، ولأن قوله أنت طالق نعت اسم الفاعل من طلقت فهي طالق، فهو كقولك زيد ضارب وقاتل، ومعلوم أن ذلك يصح للواحد وللاثنين والثلاثة، فكذلك طالق، ولأن المطلقة ثلاثا تشارك المطلقة واحدة في الوصف لها بأنها طالق، وإذا كان الاسم مستعملا فيها، فدل على قبوله بعدد طلاقها، ولأن قوله: أنت طالق نعت لمصدر محذوف تقديره أنت طالق طلاقا، وذلك المصدر قابل للعدد باتفاقنا، وإظهاره كتركه، لأنه معلوم من اللفظ.

стр. 548

وينقسم لفظ الطلاق إلى صريح، وكناية ظاهرة، وكناية خفية، قال ابن شاس - رحمه الله تعالى -: أما الصريح فما تضمن لفظ الطلاق على أي وجه كان، كطلقتك، أو أنا طالق منك، أو أنت طالق، أو مطلقة، أو الطلاق له لازم، وما أشبه ذلك مما ينطق به بالطلاق، فيلزم بهذه الألفاظ الطلاق، ولا يفتقر إلى نية، ومطلقها واحدة إلا أن ينوي أكثر قاله بمعناه في الجواهر. قال: وأضاف القاضي أبو الحسن إلى ذلك قوله: سرحتك، وفارقتك، وأنت حرام، وبتة، وبتلة، فأما لفظ السراح والفراق فيأتي حكمهما، وأما ما عداهما فيقتضي الثلاث إلا أن ينوي في غير المدخول دونها فيقبل في الجميع خلا البتة، فإن قبول ذلك فيها مختلف فيه، وأما الكناية فقسمان ظاهرة ومحتملة، فأما الظاهرة فهي ما جرى العرف أن يطلق بها في اللغة والشرع. وعرفها ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بأنها ما ينصرف عن الطلاق بالنية، وأما الكناية الخفية فهي ما تتوقف دلالته على الطلاق على النية. ولا يقبل منه في الصريح أنه لم يرد به طلاقا، إلا أن يدل البساط على ذلك، كما إذا كانت موثقة فقالت: أطلقني، فقال: أنت طالق، وقال: أردت أنها طالق من الوثاق فيصدق، قال في التوضيح: ولا خلاف أنه يدين، وظاهر كلامه - يعني ابن الحاجب - أنه لا فرق بين أن تكون هناك بينة أم لا. وأما النية وحدها فالمعول أنه لا يقع بها، قال في التاج: ابن عرفة: رواية الأكثر لغو الطلاق بمجرد النية الجازمة، ابن القصار: هو قول جميع الفقهاء، أبو عمر: من اعتقد بقلبه الطلاق ولم ينطق به لسانه فليس بشيء، هذا هو الأشهر عن مالك، والأصح في النظر، وطريق الأثر، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها (١) الحديث (٢). ١١٤٧ - والخلع طلقة تبين في الاصح ... لو مغه باسم الطلاق لم يُبَحْ ١١٤٨ - إذا إليه دفعتْ شيئا على ... تطليقها نظيره ففعلا

стр. 549

١١٤٩ - ولفظ ألبتة لو لم يدخل ... فيه ثلاثة على المعول ١١٥٠ - ومثل ذاك قوله: خليه ... لمن بها دخل، أو بريه ١١٥١ - كذا حرام، وإذا لم يدخل ... وقال: قد نويت دونا، فاقبل ١١٥٢ - وهكذا حبلك فوق الغارب ... وكون ذا كبتة قد اجتبي قوله: والخلع طلقة تبين البيتين، معناه أن الخلع طلقة بائنة، لأن الطلاق الرجعي لا يرفع زوجيته عليها، خلافا لمن قال إنه فسخ، لأنه عقد معاوضة، فلا بد أن يكون الزوج مالكا لما يأخذ عنه العوض، وهو لا يملك الفسخ، وإنما يملك الطلاق، والأصل فيه قوله : (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) الآية. وقوله: لو معه باسم الطلاق لم يبح، أي لم يصرح، معناه أنها إذا أعطته مالا على أن يفارقها ففعل فذلك خلع، سواء تلفظ عند ذلك بالطلاق أو لا. قوله: ولفظ ألبتة الأبيات، معناه أن ألبتة تلزم فيها ثلاث مطلقا، سواء كانت الزوجة مدخولا بها أو لا، على المشهور، لأنها حقيقة في كلامهم في الثلاث، كما اقتضاه حديث امرأة رفاعة المتقدم في إحلال المبتوتة وغيره. وأما الألفاظ الأربع المذكورة بعدها التي هي برية، وخلية، وحرام، وحبلك على غاربك، فقد روى فيها مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ آثارا عن الصحابة أنها ثلاث، روى ذلك عن علي - رضي الله تعالى عنه - في أنت حرام، قال: وذلك أحسن ما سمعت في ذلك، ورواه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - في خلية وبرية، وروى عن عمر -رضي الله تعالى عنه - في حبلك على غاربك إلا أنه لم يصرح فيه بالثلاث، وقد وقع في بعض طرقه أنه قال: بانت منك.

стр. 550

فهذه الألفاظ مقتضية للبينونة فتتعين الثلاث في المدخول بها إذ لا تبين بما دون ذلك، وأما غير المدخول بها فذكر في الموطإ أنه إذا ادعى أنه إنما أراد واحدة يصدق بيمين في خلية وبرية وبائن، وظاهره في حرام أنه ثلاث مطلقا، وهو قول عبد الملك، والمشهور أنها كخلية وبرية، وأما حبلك على غاربك فظاهر المدونة أنها كبتة، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: الباجي: مقتضى مذهب مالك أنها الثلاث، لأن الحبل كناية عن العصمة، فقوله حبلك على غاربك إقرار بخروجه عن يده، وذلك يقتضي أنه طلاق لا رجعة له فيه، والغارب: أسفل السنام، وهو ما انحدر من العنق، قال ابن عرفة: قوله: مقتضى مذهب مالك، هو نصها: إن قال حبلك على غاربك فهي ثلاث، ولا ينوى، وكالميتة والدم ولحم الخنزير.

стр. 551

وفي الجواهر: قال الإمام أبو عبد الله عقب ذكر هذه المسألة - يعني مسألة أنت علي حرام -: وقد اختلفت أجوبة مالك وأصحابه في كنايات الطلاق، فسلكوا فيها طرقا مختلفة، ففي بعضها يحمل اللفظ على الثلاث ولا ينوى في أقل، وفي بعضها ينوى في أقل، وفي بعضها يحمل على الواحدة حتى ينوي أكثر منها، وفي بعضها ينوى قبل الدخول ولا ينوى بعده، وفي بعضها في من لم يدخل بها واحدة، وفي المدخول بها ثلاث، قال: هذا جملة ما يقولونه من ذلك، ويختلفون في بعض الألفاظ من أي هذه الأقسام هو، وتفصيل ذلك، وذكر الروايات فيه، وتعديد الألفاظ فيه طول، ولكنا نعقد أصلا يرجع إليه جميع ما وقع في الروايات على كثرتها، ويعلم منه سبب اختلافهم في ما اختلفوا فيه، ووجه تفرقتهم فيما فرقوا فيه، ووجه التنوية في بعض دون بعض، ثم قال: فاعلم أن الألفاظ الدالة على الطلاق بحكم الوضع واللغة، أو بحكم عرف الاستعمال، إما أن تتضمن البينونة والعدد جميعا، كقوله: أنت طالق ثلاثا، فهذا لا يختلف في وقوع الثلاث به وأنه لا ينوى، ولا يفترق الجواب في المدخول بها وغير المدخول بها، أو تكون دلالته على البينونة وانقطاع الملك خاصة، فينظر في ذلك هل يصح انقطاع الملك والبينونة بالواحد أم لا يصح في الشرع إلا بالثلاث، وهذا أصل مختلف فيه أيضا إذا لم تكن معه معاوضة، أو يكون يدل على عدد غالبا، وقد يستعمل في غيره نادرا، فيحمل مع عدم القصد على الغالب، ومع وجود القصد إلى النادر عليه إذا جاء مستفتيا فيه، وإن كانت عليه بينة فتختلف فروع هذا القسم.

стр. 552

وإن كان يستعمل في الأعداد استعمالا متساويا وقصد إلى أحد الأعداد قبل منه، جاء مستفتيا أو قامت عليه بينة، فإن لم يكن له قصد فهذا موضع الاضطراب، فمن أصحابنا من يحمله على أقل الأعداد استصحابا بالبراءة للذمة وأخذا بالمتيقن دون ما زاد، ومنهم من يحمله على أكثر الأعداد أخذا بالاحتياط، واستظهارا في صيانة الفروج، لا سيما على قولنا إن الطلقة الواحدة تحرم، فكأن الاستباحة بالرجعة مشكوك فيها هاهنا، ولا تستباح الفروج بالشك، قال: فاضبط هذا فإنه من أسرار العلم، وإليه ينحصر جميع ما قاله العلماء المتقدمون في هذه المسائل، وبه تضبط مسائل الفتوى في هذا الفن، ثم قال: وأقرب مثال يوضح لك هذه الجملة ما نحن فيه من مسألة القائل الحلال علي حرام، فقولهم في المشهور أنها ثلاث، وينوى في غير المدخول بها في أقل بناء على أن هذا اللفظ وضع لإبانة العصمة، وأنها لا تبين بعد الدخول بأقل من ثلاث، وتبين قبله بواحدة وكونها في العدد غالبا في الثلاث ونادرا في أقل منه فحملت قبل الدخول على الثلاث ونوي في أقل، وقول عبد الملك لا ينوى في أقل وإن لم يدخل بناء على أنها موضوعة للثلاث، كقوله أنت طالق ثلاثا، ويلحق بأول الأقسام التي ذكرها، وقول أبي مصعب في التي لم يدخل بها واحدة وفي المدخول بها ثلاث بناء على أنها لا تفيد عددا، وإنما تفيد البينونة لا أكثر، والبينونة تصح في غير المدخول بها بواحدة، ولا يصح في المدخول بها إلا بالثلاث على إحدى الطريقتين التين ذكرنا، وقول ابن خويزمنداد عن مالك إنها واحدة بائنة، وإن كانت مدخولا بها بناء على أنها لا تفيد عددا كطريقة أبي مصعب ولكن عنده البينونة تصح بعد الدخول بواحدة، فمن هنا افترقت طرقهم، وما نقل عن أبي سلمة من أنها واحدة رجعية بناء على أنها تفيد انقطاع الملك على صفة، ولا تستعمل غالبا في الثلاث، فحكم بكونها واحدة لصحة معنى اللفظ في الواحدة، وهي كونها محرمة عندنا، وإن كانت الطلقة

стр. 553

رجعية، قال: وهذا محمل قول عبد الملك وربيعة في الخلية والبرية والبائن أنها في غير المدخول بها واحدة مأخوذة من إحدى هذه الطرق التي ذكرنا، وتنوية أشهب في الخلية والبرية وإن كانت مدخولا بها على ما حكى عنه أبو الفرج تؤخذ أيضا من إحدى هذه الطرق التي قدمنا، قال: وعلى هذا يخرج من المسائل ما لا يحصى كثرة، فاحتفظ به فإنه عقد حسن. ١١٥٣ - وإن يقع قبل بناء الطلاق ... فنصف ما سمى لها من الصداق ١١٥٤ - إلا إذا عفتْه عنه ثيبُ ... أو أبُ غيرها، فليس يجب ١١٥٥ - كذاك سيد الإما إن يعْفُ ... عنه، فما لها هناك نصف ١١٥٦ - ومتعنْ ندبا بقدر الوُسْع ... والعرفِ، إن طلقت دون خلع ١١٥٧ - إلا التي قبل البنا طلقتا ... إذا لها صداقها فرضتا قوله: وإن يقع الأبيات الثلاثة، معناه أنه إذا طلقها قبل الدخول في نكاح التسمية كان لها نصف الصداق، لقوله : (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) إلا أن تعفوه المرأة عنه إذا كانت ثيبا، أو يعفوه أبو البكر، أو سيد الأمة، قال في الموطإ: وذلك أن الله ﵎ قال: (إلا أن يعفون) فهن النساء التي قد دخل بهن (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) فهو الأب في ابنته البكر، والسيد في أمته، قال مالك - رحمه الله تعالى -: وهذا الذي سمعت في ذلك، والذي عليه الأمر عندنا، وإنما يتكمل الصداق في التسمية بالوطء، أو الموت، أو طول الإقامة. قوله: ومتعن ندبا البيتين، معناه أن المطلق يندب له أن يمتع المطلقة لقوله : (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف) الآية الكريمة.

стр. 554

وقال ابن مسلمة وابن حبيب والأبهري إن ذلك واجب، قال مالك - رحمه الله تعالى -: ليس للمتعة عندنا حد معروف في قليلها وكثيرها، وذكر أنه بلغه أن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله تعالى عنه - طلق امرأة له فمتع بوليدة، وقال أبو عمران الفاسي: هي على قدر حالها، وقال ابن عبد البر هي قدر الرجل، وقال ابن رشد هي على قدرهما. قوله: إلا التي قبل البنا البيت، معناه أن المطلقة قبل البناء في نكاح التسمية لا يؤمر الزوج أن يمتعها، لاستحقاقها نصف الصداق مع عدم إصابتها، بخلاف المتزوجة تفويضا، وقد وقع في الآية الكريمة التصريح مع المتزوجة تفويضا بالمتعة، ومع المسمى لها بنصف الصداق، ففهم منه اختصاص المتزوجة تفويضا بالمتعة، كما اختصت المسمى لها بالنصف، أعني قوله : (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) والله أعلم. وقد روى في الموطإ عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه كان يقول: لكل مطلقة متعة، إلا التي تطلق وقد فرض لها صداق ولم تمسس فحسبها نصف ما فرض لها. ١١٥٨ - ومثلها بذلك المختلعه ... إذ هي للطلاق هي الموقِعه معناه أن الزوج لا يؤمر أن يمتع المخالعة، لأن الطلاق من قبلها، وكذلك من تشاركها في هذا المعنى، كالمختارة لعيب أو لعتقها تحت عبد. ١١٥٩ - وإن يمت قبل البنا من غير ... فرض لها، فما لها من مهر ١١٦٠ - وإن بنى بها فمهر المثل ما ... لم تك قد رضيتَ اَمرا عُلما ١١٦١ - والارث ثابت لها بكل ... الاحوال من متروك ذاك البعل قوله: وإن يمت البيت، معناه أنه إذا دخل بها في نكاح التفويض وجب لها من ماله صداق المثل، قضاء بالعرف كما تقدم، إلا أن يكون قد فرض لها قبل الدخول ورضيت، فلها بالدخول ما فرضه كما تقدم.

стр. 555

وروى في الموطإ عن نافع أن ابنة عبيد الله بن عمر وأمها بنت زيد بن الخطاب كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - فمات ولم يدخل بها ولم يسم لها صداقا، فابتغت أمها صداقها، فقال عبد الله بن عمر: ليس لها صداق، ولو كان لها صداق لم نمسكه، ولم نظلمها، فأبت أمها أن تقبل ذلك، فجعلوا بينهم زيد بن ثابت، فقضى أن لا صداق لها، ولها الميراث. قوله: وإن بنى بها البيت، معناه أنه إذا دخل بها في نكاح التفويض قبل أن يفرض لها صداقا وجب لها صداق المثل كما تقدم، وإن فرض لها قبل الدخول ورضيت بما فرض لها فهو لها. قوله: والارث ثابت البيت، معناه أن التوارث ثابت بينهما في كل الأحوال، لوجود سببه الذي هو الزوجية. ١١٦٢ - وبجنون مرأة، أو الجذام ... أو برص، تخيير زوج ذو انحتام ١١٦٣ - وهكذا أدواء فرج كالرتَق ... إن كان كل ذا على العقد سبق ١١٦٤ - وإن بها من قبل علم دخلا ... ودَّى إذًا لها الصداق كاملا ١١٦٥ - وإن يكن إنكاحه بها وقع ... من كأب، عليه بالمهر رجع ١١٦٦ - وليرجعنْ على العروس في البعيد ... بما على ربع دينار يزيد

стр. 556

قوله: وبجنون مرأة البيتين، معناه أن المرأة ترد بهذه الأمور الأربعة إذا كان حدوثها بها سابقا على العقد، وهي الجنون، والجذام، والبرص، وأدوية الفرج، ولا فرق في الثلاثة الأول بين قليلها وكثيرها، وعيوب الفرج: ما يقطع لذة الوطء كالعفل وهو: كجبل لحمة في وسط الفرج تمنع الوطء، والقرن، وهو كعظم: عظم في الفرج مانع من الجماع أيضا، والرتق، وهو كجبل: انسداد مسلك الوطء، والإفضاء، وهو اختلاط مسلكي الوطء والبول، والبخر، وهو كجبل أيضا: نتن رائحته، والعذيطة، وهي الحدث عند الجماع، ويثبت للمرأة الخيار أيضا إذا اطلعت على جذام، أو برص، أو جنون زوجها، أو أن بفرجه عيبا من جب، أو عنة، أو اعتراض، أو خصاء، إذا كان كل ذلك سابقا على العقد، وكذلك يثبت الخيار أيضا إذا اشترط أحدهما سلامة الآخر من شيء من العيوب الأخرى كالقرع، والسواد، ثم وجده متصفا به، وقال في الإشراف: مسألة إذا عرفت المرأة الرجل بصفة مقصودة، أو عرفها الرجل فكانت على خلافها ثبت لها الخيار ولم يبطل العقد، وقال الشافعي في أحد قوليه يبطل العقد، دليلنا أنها صفة لا يفتقر صحة العقد إلى وجودها، فلم يبطل النكاح لعدمها كتسمية المهر. قوله: وإن بها من قبل الأبيات، معناه أنه إذا دخل بها غير عالم بالعيب الموجب للخيار دفع لها الصداق كاملا، ورجع به على الولي إن كان قريبا لا يخفى عليه ذلك منها كأبيها وأخيها وابنها، وإن كان بعيدا كالعم المجانب وابن العم والسلطان وعامة مسلم ونحوه لم يرجع عليه، ورجع عليها بما زاد على ربع دينار.

стр. 557

وروى في الموطإ عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال عمر بن الخطاب: أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسها فلها صداقها كاملا، وذلك لزوجها غرم على وليها، قال مالك: وإنما يكون ذلك غرما على وليها لزوجها إذا كان وليها الذي أنكحها هو أبوها أو أخوها أو من يرى أنه يعلم ذلك منها، فأما إذا كان وليها الذي أنكحها ابن عم أو مولى أو من العشيرة ممن يرى أنه لا يعلم ذلك منها، فليس عليه غرم، وترد تلك المرأة ما أخذته من صداقها، ويترك لها قدر ما تستحل به. ١١٦٧ - وأجلوا ذا الاعتراض عاما ... فإن يطأ فيه فلا كلاما ١١٦٨ - وحيث لم يطأ فإن تشا البقا ... وإن تشا الطلاق فلتطلقا ١١٦٩ - وزوجة المفقود حيث تاتي ... رافعةً الامرَ إلى القضاة ١١٧٠ - يؤجلونه ورا تمام ... ألكشف أربعا من الأعوام ١١٧١ - وبعد ذا كميت تعتدُّ ... ثم تزوجت إذا تودُّ ١١٧٢ - وقسم ما تركه يؤخر ... إلى انتهاء ما له يُعمَّر قوله: وأجلن ذا الاعتراض البيتين، معناه أن المعترض - بفتح الراء وهو الذي عرض له العجز عن الوطء - إذا رفعته زوجته يؤجل سنة بعد الصحة إن كان مريضا من يوم الحكم، فإن ادعى أنه وطئ فيها وصدقته فلا كلام لها، وإن كذبته صدق بيمين، وإن لم يطأ ثبت لها الخيار، وقد روى مالك - رحمه الله تعالى - ذلك في الموطإ عن سعيد بن المسيب وابن شهاب، وحكى عليه القاضي في الإشراف إجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ونصه: يثبت الخيار للمرأة بالعنة والاعتراض خلافا لداوود لإجماع الصحابة على ضرب الأجل له، روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وغيرهم - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - ولأنه عيب يمنع المقصود بالعقد، وهو الاستمتاع، فوجب أن يثبت لها الخيار فيه، أصله الجب والخصاء.

стр. 558

وهذا إذا لم يطأها بعد تزوجه بها، فإن كان قد وطئها ثم حدث له اعتراض فلا كلام لها، وظاهر الشيخ أن التأجيل سنة في الاعتراض سواء كان الزوج حرا أو عبدا، ونقل عن مالك، واستحسنه غير واحد، وهو مذهب جمهور أهل العلم، والمشهور أن امرأة العبد تؤجل ستة أشهر فقط. قوله: وزوجة المفقود الأبيات الثلاثة، معناه أن زوجة المفقود في بلاد المسلمين إذا رفعت أمرها للقاضي تؤجل أربع سنين إن كان حرا، وسنتين إن كان عبدا، وذلك بعد الكشف عنه وعدم ظهور خبر له، وذلك بعد إثباتها الزوجية والمغيب، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: فإذا أثبتت ذلك عنده كتب إلى والي البلد الذي يظن أنه فيه، أو إلى البلد الجامع إن لم يظن به في بلد بعينه مستبحثا عنه، ويعرفه في كتابه إليه باسمه، ونسبه، وصفته، ومتجره، ويكتب هو بذلك إلى نواحي بلده، فإذا ورد على الإمام جواب كتابه بأنه لم يعلم له خبر ولا وجد له أثر، ضرب لامرأته أجل أربعة أعوام إن كان حرا أو عامين إن كان عبدا، وينفق عليها فيها من ماله، ثم قال: وإنما أخذت بالأربعة الأعوام بالاجتهاد، لأن الغالب أن من كان حيا لا تخفى حياته مع البحث عنه أكثر من هذه المدة، ووجب الاقتصار عليها لأن الزيادة فيها والنقصان منها خرق للإجماع، لأن الأمة في المفقود على قولين أحدهما أن زوجته لا تتزوج حتى يعلم موته أو ياتي عليه من الزمان ما لا يحيى إلى مثله، والثاني أنه يباح لها التزويج إذا اعتدت بعد تربص أعوام فلا يجوز إحداث قول ثالث.

стр. 559

قوله: وبعد ذا كميت تعتد، معناه أنه إذا تم الأجل المذكور اعتدت عدة الوفاة، وكان لها أن تتزوج، وقد روى هذا مالك - رحمه الله تعالى - في موطئه عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - وذكر ابن رشد أنه روي عن عثمان وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهم - قال: ولا مخالف لهم من الصحابة إلا رواية أخرى جاءت عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أنها لا تتزوج حتى يعلم موته أو ياتي عليه من الزمان ما لا يحيى إلى مثله، تعلق بها أهل المشرق والشافعي في أحد قوليه، والصحيح عن علي مثل ما روي عن عمر ومن ذكرنا معه - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - وهو الصواب الذي ذهب إليه مالك - رحمه الله تعالى - لقول رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " لا ضرر ولا ضرار " (١) ولقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ " (٢). وأما المفقود في أرض الحرب والأسير فإن كان لهما مال تجري منه النفقة على الزوجة فلا يضرب لها أجل وتبقى على الزوجية حتى تثبت موته أو تمضي مدة التعمير، وأما المفقود في الفتن بين المسلمين فيتلوم الإمام لزوجته باجتهاده بقدر انصراف من انصرف، وانهزام من انهزم.

стр. 560

قوله: وقسم ما تركه البيت، معناه أن ماله لا يورث حتى يمضي عليه من يوم ولادته ما يعمر له غالبا، قال في التاج: ابن عات: اختلف في حد التعمير فقال ابن القاسم وأشهب ومالك مرة سبعون سنة، واختاره القاضي، قال ابن عرفة: حكم قاضي تونس بتمويت إنسان بخمس وسبعين سنة، وأشهد القاضي على حكمه شاهدين، ورفع الرسم إلى السلطان، فقيل له هذا القاضي والشاهدان كل منهم جاز هذا السن، فألغى الإعمال به بعد ضحك أهل مجلسه، ابن عرفة: وهذا لا يلزم، وهذه شبهة نشأت عن خطابة عامية، وقال مالك مرة ثمانون، واختاره ابن أبي زيد والقابسي وابن محرز. قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: فإن فقد وهو ابن سبعين سنة على مذهب من يرى السبعين ضرب له عشرة أعوام، وكذلك إن فقد وهو ابن ثمانين سنة، أو تسعين على مذهب من يرى ذلك أو ما دونه حد المفقود، وأما إن فقد وهو ابن مائة عام على مذهب من يرى ذلك أو ما حد المفقود، فقيل إنه يضرب له عشرة أعوام، وقيل إنه يتلوم له العام والعامين، وأما إن فقد وهو ابن مائة وعشرين سنة فيتلوم له العام ونحوه، ولا اختلاف في ذلك. ١١٧٣ - وخطْبُ ذات الاعتداد لا يحل ... بعكس تعريض، فليس ينحظل ١١٧٤ - وجمع الاختين في الاستمتاع ... بالملك كالنكاح، ذو امتناع ١١٧٥ - فإن يطأ واحدة وهمَّا ... بغيرها صيَّر الاولى حِرْما ١١٧٦ - ببيع اَو كتابة من كل ما ... يصير وطؤها به محرما ١١٧٧ - والوطء بالملك به البنات ... تحرم كلها، والامهات ١١٧٨ - كما على بنيك والآباء ... يحرم ما وطئتَ من إماء

стр. 561

قوله: وخطب ذات البيت، معناه أنه يحرم التصريح بالخطبة للمعتدة سواء كانت معتدة من طلاق أو وفاة، وتحرم مواعدتها أيضا، وهي أن يعد كل منهما صاحبه، وكذلك وليها المجبر، وأما غير المجبر فمواعدته مكروهة، وقيل تمنع كالمجبر، وأما العدة - بتخفيف الدال - وهي ما كان من طرف واحد فمكروهة، ووجه النهي في ذلك كله خوف التعجيل بالعدة، بأن تدعي انقضاءها قبل أن تتم، وقد ائتمنها الله عليها حيث قال جل من قائل: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر) وأما التعريض فجائز، كأن يقول إني فيك راغب، وإنك علي لكريمة، وإني بك لمعجب، ولك محب، وذلك لقوله : (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) وهذا كله في البائن، وأما الرجعية فلا يجوز التعريض لها إجماعا كما قال القرطبي - رحمه الله تعالى - لأنها زوجة، وإذا صرح للمعتدة وتزوجها بعد العدة استحب له أن يفارقها فإذا انقضت عدتها فإن شاء تزوجها، هذا هو المشهور، وقيل يجب فسخه، وهل يتأبد تحريمها عليه قولان. قوله: وجمع الاختين الأبيات الثلاثة، معناه أن الجمع بين الأختين بالتسري حرام، كما يحرم بالزوجية، وكذلك بالتسري والزوجية لقوله : (وأن تجمعوا بين الأختين) فهو عام في تلك الوجوه، وإذا ملك أخت زوجته أو تسرى بإحدى أختين وأراد أن يتسرى بالأخرى إذا كانت مملوكة له، أو أراد أن يتزوجها إذا كانت مملوكة لغيره، حرم الأولى، وتحريمها إن كانت مملوكة له ببيعها، أو هبتها لمن لا يعتصر منه ولو بالشراء، وعتقها ولو لأجل، وكتابتها، وإن كانت زوجة لم تحرم إلا بالبينونة، ومثل الأختين فيما ذكر كل من يحرم الجمع بينهما.

стр. 562

قوله: والوطء إلخ، أشار به إلى أن من وطئ أمة بالملك حرمت عليه أمهاتها وبناتها، كما تحرم هي على آبائه وأبنائه. ١١٧٩ - وزوجة العبد طلاقها بيدْ ... ألعبد، عن سيده به استبد ١١٨٠ - أما الصبي فذاك ليس أهلا ... لأن يُوقِّع الطلاق أصلا قوله: وزوجة العبد البيت، معناه أن طلاق زوجة العبد بيده، لا بيد سيده، وقد روى ذلك مالك في الموطإ عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - وكذلك السفيه، وفي الحديث " إنما الطلاق لمن أخذ بالساق " (١) وقوله: استبد، معناه: اختص واستقل. قوله: أما الصبي فذاك ليس أهلا البيت، معناه أن الصبي ليس أهلا لإيقاع الطلاق، لأنه تحريم، والصبي ليس من أهل الخطاب بالحرمة، وكذلك المكره والمجنون والمعتوه، لما في الحديث من رفع القلم عن الصبي والمجنون وعدم المؤاخذة بما استكره عليه، ولما فيه من أنه " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " (٢) أو " في غَلاق " (٣) وأما السكران فإن كان لا يميز الرجل من المرأة، ولا الأرض من السماء، فكالمجنون باتفاق، كما قال ابن رشد والباجي - رحمهما الله تعالى - وأما السكران المختلط فطلاقه نافذ، قال في الإشراف: لأن أحكام التكليف متعلقة بأفعاله التي توجب أحكاما عليه، بدليل أنه يحد إذا زنى، أو قذف، أو شرب، فإذا ثبتت هذه الجملة قلنا كل من يحد إذا وجد لفظ القذف منه فإن طلاقه واقع كالصاحي. وقد روى ذلك مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار. ١١٨١ - وللمخيَّرة ما بقيا ... مجلس ذا التخيير أن تقضيا ١١٨٢ - كذا المملكة، والمخيره ... إن بالثلاث تقضِ لا مناكره ١١٨٣ - وما لها القضا بدون ذلكه ... وعكسها بذينك المملكه

стр. 563

معناه أنه إذا خير زوجته أو ملكها كان لها أن تطلق نفسها، ما لم ينقض المجلس، أو يطول حتى يرى أنهما قد تركا ذلك وخرجا من الكلام الذي كانا فيه إلى غيره، هذا هو المشهور في المذهب، وبه كان يقول مالك - رحمه الله تعالى - أولا، ثم رجع إلى بقائها على ذلك ما لم توقف عند قاض، أو تمكن من نفسها، قال ابن القاسم: قول مالك الأول أعجب إلي، وبه آخذ، وعليه جماعة الناس، ومحل الخلاف إذا أطلق ولم يقيد، ولم ينص على العموم، فإن قيد بأن قال إن ذلك لا يكون لها إلا إذا اختارت في الحال، أو نص على أن ذلك بيدها وإن تفرقا، عمل على ذلك اتفاقا في الوجهين، والتخيير كأن يقول: اختاريني أو اختاري نفسك، فهو صريح في البينونة محتمل في العدد، فليس له أن يناكر المدخول بها إذ لا تبين بدون الثلاث، وليس لها أن تقضي بدون الثلاث، لأنه إنما خيرها فيها، فإن قضت بدونها بطل ما قضت به، وبطل تخييرها على المشهور، بخلاف غيرها إذا ادعى أنه نوى واحدة، والتمليك كأن يقول: أمرك بيدك أو طلاقك بيدك، فهو نص في مطلق الطلاق محتمل في البينونة والعدد، فله أن يناكر في ما زاد على الواحدة، حيث لا قرينة تدل على خلاف دعواه، وذلك لما في الموطإ عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - وأما التخيير فجاء عن علي - رضي الله تعالى عنه - وغيره أنه بينونة، ومحل قبول المناكرة، إذا ادعى أنه أراد الواحدة مثلا، وحلف، ولم يكن ذلك مشترطا في العقد، وقيل إن الفرق بين التخيير والتمليك منشؤه العرف لا اللغة، فالتخيير كان في عرفهم مقتضيا للبينونة، دون التمليك، فإذا انعكس العرف انعكس الحكم، وهذا أوجه، والانعكاس بتغير الاستعمال لا أعتقد أنه محل خلاف، سواء كان الفرق الأول مبنيا على اللغة أو العرف، لأن كل لفظ لم يتعبد به فمناط الحكم فيه دائر مع قصود المتكلمين، وقرينتها الاستعمال والله أعلم.

стр. 564

تنبيه قال في المقدمات: التخيير الذي أمر الله به نبيه ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وخير به أزواجه ليس فيه تمليكهن الطلاق، ولا جعله الأمر إليهن في الفراق، وإنما خيرهن بين أن يخترنه والدار الاخرة ويمسكهن، أو يخترن الحياة الدنيا فيمتعهن ويسرحهن، كمن قال لامرأته إن كنت راضية بالمقام معي على ما أنت عليه فابقي، وإن كنت لا ترضين بذلك فأعلميني أطلقك، إلا أنه من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأزواجه إخبار لا حلف فيه، لأن الله ﵎ أمره به، فأشبه التخيير في وجوب الطلاق للمخيرة باختيارها نفسها، وأما من غير النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فليس ذلك بتمليك ولا تخيير، ولا فيه شبه منه، وإنما هو عدة بالطلاق إن اختارته. ١١٨٤ - وحالف عن تركه مواقعه ... زوجته فوق شهور اَربعه ١١٨٥ - مول، وبالوطء إذا ما الاشهر ... الاربعة انقضت جميعا يؤمر ١١٨٦ - كنصفها في العبد، ثم إن اَبى ... عن ذاك بالطلاق أيضا طولبا ١١٨٧ - وطلق القاضي في الامتناع ... أو اَمر الزوجة بالإيقاع قال القاضي عياض - رحمه الله تعالى ـ: أصل الإيلاء الامتناع قال : (ولا يأتل أولوا الفضل منكم) ثم استعمل في ما كان الامتناع منه بيمين، وقال الباجي: الإيلاء في اللغة: اليمين، وقاله ابن الماجشون والمفضل، ونحوه في صحاح الجوهري، وهو ممدود مصدر آلى بالمد بعد الهمزة يولي إيلاء، وتألى وائتلى أي: حلف، والاسم منه الألية بكسر اللام وتشديد الياء، والجمع الألايا، قال كُثير في عمر بن عبد العزيز: قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن ندرت منه الألية برَّت قاله في شفاء الغليل. وعرفه ابن عرفة - رحمه الله تعالى - في الاصطلاح بقوله: حلف الزوج على ترك وطء زوجته يوجب خيارها في طلاقه.

стр. 565

وقال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: وهو في الشرع على ما هو عليه في اللغة، إلا أنه قد تعرف في الشرع في الحلف على اعتزال الزوجات وترك جماعهن، حيث ذكره الله في كتابه، ونص على الحكم فيه، وأصل ذلك أن الرجل كان في الجاهلية إذا كره المرأة وأراد تقييدها ألا تنكح زوجا غيره حلف ألا يقربها، فتركها لا أيما ولا ذات بعل، إضرارا بها، وفعل ذلك في أول الإسلام فحد الله للمولي من امرأته حدا لا يتجاوزه، وخيره بين أن يفيء فيرجع إلى وطء امرأته، أو يعزم على طلاقها، فقال : (للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءو فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم). قوله: وحالف البيتين، معناه أن من حلف على ترك وطء زوجته مدة زائدة على أربعة أشهر فهو مول، فإذا تمت الأشهر الأربعة أوقفه القاضي فأمره بالفيئة أو الطلاق للآية الكريمة. ويعتبر ابتداء الأشهر من يوم يمينه إذا كانت يمينه صريحة في ترك الوطء، نحو لا أطؤك خمسة أشهر، وإلا فمن الرفع والحكم، كالذي يقول إن لم أفعل كذا مثلا فأنت طالق وأمكنه فعله، فإنه يحال بينه وبينها حتى يفعله، وإن رفعته زوجته ضرب له القاضي أجل الإيلاء من يوم الرفع والحكم، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: ولا يكون الحالف بترك الوطء موليا إلا بشرط أن يكون حلفه في حال الغضب إرادة الضرر، فإن لم يكن على وجه الضرر وكانت يمينه على وجه الإصلاح، كالذي يحلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها، أو حتى يبرأ من مرضه، وما أشبه ذلك لم يكن موليا عند مالك وأصحابه، وقال ذلك علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - وذهب الشافعي وأبو حنيفة ومن تبعهما إلى أنه مول بكل حال، وحجتهم عموم قول الله في الآية الكريمة وأنه لم يخص فيها غاضبا من راض ولا محسنا من مسيء.
следующие страницы →