قوله: وخطب ذات البيت، معناه أنه يحرم التصريح بالخطبة للمعتدة سواء كانت معتدة من طلاق أو وفاة، وتحرم مواعدتها أيضا، وهي أن يعد كل منهما صاحبه، وكذلك وليها المجبر، وأما غير المجبر فمواعدته مكروهة، وقيل تمنع كالمجبر، وأما العدة - بتخفيف الدال - وهي ما كان من طرف واحد فمكروهة، ووجه النهي في ذلك كله خوف التعجيل بالعدة، بأن تدعي انقضاءها قبل أن تتم، وقد ائتمنها الله عليها حيث قال جل من قائل: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر) وأما التعريض فجائز، كأن يقول إني فيك راغب، وإنك علي لكريمة، وإني بك لمعجب، ولك محب، وذلك لقوله : (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله)
وهذا كله في البائن، وأما الرجعية فلا يجوز التعريض لها إجماعا كما قال القرطبي - رحمه الله تعالى - لأنها زوجة، وإذا صرح للمعتدة وتزوجها بعد العدة استحب له أن يفارقها فإذا انقضت عدتها فإن شاء تزوجها، هذا هو المشهور، وقيل يجب فسخه، وهل يتأبد تحريمها عليه قولان.
قوله: وجمع الاختين الأبيات الثلاثة، معناه أن الجمع بين الأختين بالتسري حرام، كما يحرم بالزوجية، وكذلك بالتسري والزوجية لقوله : (وأن تجمعوا بين الأختين) فهو عام في تلك الوجوه، وإذا ملك أخت زوجته أو تسرى بإحدى أختين وأراد أن يتسرى بالأخرى إذا كانت مملوكة له، أو أراد أن يتزوجها إذا كانت مملوكة لغيره، حرم الأولى، وتحريمها إن كانت مملوكة له ببيعها، أو هبتها لمن لا يعتصر منه ولو بالشراء، وعتقها ولو لأجل، وكتابتها، وإن كانت زوجة لم تحرم إلا بالبينونة، ومثل الأختين فيما ذكر كل من يحرم الجمع بينهما.
стр. 562
قوله: والوطء إلخ، أشار به إلى أن من وطئ أمة بالملك حرمت عليه أمهاتها وبناتها، كما تحرم هي على آبائه وأبنائه.
١١٧٩ - وزوجة العبد طلاقها بيدْ ... ألعبد، عن سيده به استبد
١١٨٠ - أما الصبي فذاك ليس أهلا ... لأن يُوقِّع الطلاق أصلا
قوله: وزوجة العبد البيت، معناه أن طلاق زوجة العبد بيده، لا بيد سيده، وقد روى ذلك مالك في الموطإ عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - وكذلك السفيه، وفي الحديث " إنما الطلاق لمن أخذ بالساق " (١) وقوله: استبد، معناه: اختص واستقل.
قوله: أما الصبي فذاك ليس أهلا البيت، معناه أن الصبي ليس أهلا لإيقاع الطلاق، لأنه تحريم، والصبي ليس من أهل الخطاب بالحرمة، وكذلك المكره والمجنون والمعتوه، لما في الحديث من رفع القلم عن الصبي والمجنون وعدم المؤاخذة بما استكره عليه، ولما فيه من أنه " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " (٢) أو " في غَلاق " (٣) وأما السكران فإن كان لا يميز الرجل من المرأة، ولا الأرض من السماء، فكالمجنون باتفاق، كما قال ابن رشد والباجي - رحمهما الله تعالى - وأما السكران المختلط فطلاقه نافذ، قال في الإشراف: لأن أحكام التكليف متعلقة بأفعاله التي توجب أحكاما عليه، بدليل أنه يحد إذا زنى، أو قذف، أو شرب، فإذا ثبتت هذه الجملة قلنا كل من يحد إذا وجد لفظ القذف منه فإن طلاقه واقع كالصاحي.
وقد روى ذلك مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار.
١١٨١ - وللمخيَّرة ما بقيا ... مجلس ذا التخيير أن تقضيا
١١٨٢ - كذا المملكة، والمخيره ... إن بالثلاث تقضِ لا مناكره
١١٨٣ - وما لها القضا بدون ذلكه ... وعكسها بذينك المملكه
стр. 563
معناه أنه إذا خير زوجته أو ملكها كان لها أن تطلق نفسها، ما لم ينقض المجلس، أو يطول حتى يرى أنهما قد تركا ذلك وخرجا من الكلام الذي كانا فيه إلى غيره، هذا هو المشهور في المذهب، وبه كان يقول مالك - رحمه الله تعالى - أولا، ثم رجع إلى بقائها على ذلك ما لم توقف عند قاض، أو تمكن من نفسها، قال ابن القاسم: قول مالك الأول أعجب إلي، وبه آخذ، وعليه جماعة الناس، ومحل الخلاف إذا أطلق ولم يقيد، ولم ينص على العموم، فإن قيد بأن قال إن ذلك لا يكون لها إلا إذا اختارت في الحال، أو نص على أن ذلك بيدها وإن تفرقا، عمل على ذلك اتفاقا في الوجهين، والتخيير كأن يقول: اختاريني أو اختاري نفسك، فهو صريح في البينونة محتمل في العدد، فليس له أن يناكر المدخول بها إذ لا تبين بدون الثلاث، وليس لها أن تقضي بدون الثلاث، لأنه إنما خيرها فيها، فإن قضت بدونها بطل ما قضت به، وبطل تخييرها على المشهور، بخلاف غيرها إذا ادعى أنه نوى واحدة، والتمليك كأن يقول: أمرك بيدك أو طلاقك بيدك، فهو نص في مطلق الطلاق محتمل في البينونة والعدد، فله أن يناكر في ما زاد على الواحدة، حيث لا قرينة تدل على خلاف دعواه، وذلك لما في الموطإ عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - وأما التخيير فجاء عن علي - رضي الله تعالى عنه - وغيره أنه بينونة، ومحل قبول المناكرة، إذا ادعى أنه أراد الواحدة مثلا، وحلف، ولم يكن ذلك مشترطا في العقد، وقيل إن الفرق بين التخيير والتمليك منشؤه العرف لا اللغة، فالتخيير كان في عرفهم مقتضيا للبينونة، دون التمليك، فإذا انعكس العرف انعكس الحكم، وهذا أوجه، والانعكاس بتغير الاستعمال لا أعتقد أنه محل خلاف، سواء كان الفرق الأول مبنيا على اللغة أو العرف، لأن كل لفظ لم يتعبد به فمناط الحكم فيه دائر مع قصود المتكلمين، وقرينتها الاستعمال والله أعلم.
стр. 564
تنبيه قال في المقدمات: التخيير الذي أمر الله به نبيه ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وخير به أزواجه ليس فيه تمليكهن الطلاق، ولا جعله الأمر إليهن في الفراق، وإنما خيرهن بين أن يخترنه والدار الاخرة ويمسكهن، أو يخترن الحياة الدنيا فيمتعهن ويسرحهن، كمن قال لامرأته إن كنت راضية بالمقام معي على ما أنت عليه فابقي، وإن كنت لا ترضين بذلك فأعلميني أطلقك، إلا أنه من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأزواجه إخبار لا حلف فيه، لأن الله ﵎ أمره به، فأشبه التخيير في وجوب الطلاق للمخيرة باختيارها نفسها، وأما من غير النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فليس ذلك بتمليك ولا تخيير، ولا فيه شبه منه، وإنما هو عدة بالطلاق إن اختارته.
١١٨٤ - وحالف عن تركه مواقعه ... زوجته فوق شهور اَربعه
١١٨٥ - مول، وبالوطء إذا ما الاشهر ... الاربعة انقضت جميعا يؤمر
١١٨٦ - كنصفها في العبد، ثم إن اَبى ... عن ذاك بالطلاق أيضا طولبا
١١٨٧ - وطلق القاضي في الامتناع ... أو اَمر الزوجة بالإيقاع
قال القاضي عياض - رحمه الله تعالى ـ: أصل الإيلاء الامتناع قال : (ولا يأتل أولوا الفضل منكم) ثم استعمل في ما كان الامتناع منه بيمين، وقال الباجي: الإيلاء في اللغة: اليمين، وقاله ابن الماجشون والمفضل، ونحوه في صحاح الجوهري، وهو ممدود مصدر آلى بالمد بعد الهمزة يولي إيلاء، وتألى وائتلى أي: حلف، والاسم منه الألية بكسر اللام وتشديد الياء، والجمع الألايا، قال كُثير في عمر بن عبد العزيز:
قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن ندرت منه الألية برَّت
قاله في شفاء الغليل.
وعرفه ابن عرفة - رحمه الله تعالى - في الاصطلاح بقوله: حلف الزوج على ترك وطء زوجته يوجب خيارها في طلاقه.
стр. 565
وقال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: وهو في الشرع على ما هو عليه في اللغة، إلا أنه قد تعرف في الشرع في الحلف على اعتزال الزوجات وترك جماعهن، حيث ذكره الله في كتابه، ونص على الحكم فيه، وأصل ذلك أن الرجل كان في الجاهلية إذا كره المرأة وأراد تقييدها ألا تنكح زوجا غيره حلف ألا يقربها، فتركها لا أيما ولا ذات بعل، إضرارا بها، وفعل ذلك في أول الإسلام فحد الله للمولي من امرأته حدا لا يتجاوزه، وخيره بين أن يفيء فيرجع إلى وطء امرأته، أو يعزم على طلاقها، فقال : (للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءو فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم).
قوله: وحالف البيتين، معناه أن من حلف على ترك وطء زوجته مدة زائدة على أربعة أشهر فهو مول، فإذا تمت الأشهر الأربعة أوقفه القاضي فأمره بالفيئة أو الطلاق للآية الكريمة.
ويعتبر ابتداء الأشهر من يوم يمينه إذا كانت يمينه صريحة في ترك الوطء، نحو لا أطؤك خمسة أشهر، وإلا فمن الرفع والحكم، كالذي يقول إن لم أفعل كذا مثلا فأنت طالق وأمكنه فعله، فإنه يحال بينه وبينها حتى يفعله، وإن رفعته زوجته ضرب له القاضي أجل الإيلاء من يوم الرفع والحكم، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: ولا يكون الحالف بترك الوطء موليا إلا بشرط أن يكون حلفه في حال الغضب إرادة الضرر، فإن لم يكن على وجه الضرر وكانت يمينه على وجه الإصلاح، كالذي يحلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها، أو حتى يبرأ من مرضه، وما أشبه ذلك لم يكن موليا عند مالك وأصحابه، وقال ذلك علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - وذهب الشافعي وأبو حنيفة ومن تبعهما إلى أنه مول بكل حال، وحجتهم عموم قول الله في الآية الكريمة وأنه لم يخص فيها غاضبا من راض ولا محسنا من مسيء.
стр. 566
قوله: كنصفها في العبد، معناه أن الأجل المذكور يتشطر في العبد، فيكون موليا بحلفه على ترك الوطء أكثر من شهرين، وهذا هو المشهور في المذهب وهو الذي في الموطإ، قال في الإشراف: لأنه معنى يتعلق به حكم البينونة فوجب نقصانه عن الحر فيه كالطلاق، فإنها مدة مضروبة متعلقة بالنكاح، تتعلق بها البينونة، فوجب أن يؤثر الرق على نقصانها كالعدة.
وفي مختصر ابن شعبان أن أجل العبد كالحر، واختاره اللخمي وهو مذهب الشافعي، قال في التبصرة: وقد ذكر أبو الحسن بن القصار أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - كان يطوف ليلة في المدينة المنورة فسمع امرأة تنشد:
تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وأرَّقني أن لا خليل ألا عبه
فوالله لولا الله أخشى عقابه ... لزلزل من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي، والحياء يكفني ... وأكرم زوجي أن تنال مراكبه
فدعاها عمر - رضي الله تعالى عنه - فقال لها: وأين زوجك؟ فقالت: بعثته إلى الغزو، فدعا نسوة فقال: في كم تشتاق المرأة إلى زوجها، فقلن: في شهرين، ويقل الصبر في الثلاثة، ويعدم الصبر في أربعة، فجعل مغازي الناس في أربعة أشهر.
وقد يتنسم هذا من آية الإيلاء والله أعلم.
قوله: ثم إن أبى عن ذاك البيت، معناه أنه إذا طولب بالفيئة التي هي تغييب الحشفة في القبل فأبى، أمره القاضي بالطلاق، فإن أبى طلق عليه أو أمر الزوجة أن تطلق نفسها ثم يحكم بذلك، ورجح الثاني ابن سهل، وأفتى به ابن عات، وقال في آخر كلامه على ذلك: وجملة القول أن الحق إذا كان للمرأة خالصا فإنفاذ الطلاق إليها مع إباحة الحاكم لها ذلك، كما جاء في حديث بريرة - رضي الله تعالى عنها - ونسبة الطلاق إلى القاضي لكونه ينفذه ويحكم به، كما يقال فرق الحاكم بينهما، وكما يقال قطع الأمير السارق، ورجم، وجلد، وهو لم يفعل، وإنما أمر به، فما جاء من تفريق السلطان فهو من هذا المعنى، نقله في المواهب.
стр. 567
قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: وكل طلاق أوقعه الحاكم فهو بائن، إلا أربعة هذا، وطلاق المعسر بالنفقة، وطلاق المفقود، وإسلام غير المجوسية قبل زوجها، وطلاق المعترض.
١١٨٨ - ومَن مِن امرأته أو الإما ... ظاهر، وطؤها عليه حرما
١١٨٩ - حتى يكفر بعتق رقبه ... ليست بها من قبل ذاك شائبه
١١٩٠ - مثل الكتابة، أو التدبير ... والغير من شوائب التحرير
١١٩١ - مؤمنة، سليمة من عيب ... ينقص من قيامها بالكسب
١١٩٢ - كقطع رجل، أو يد، أو كهرم ... ذي شدة، أو الجنون، والبكم
١١٩٣ - ليس له بملكها مشاركْ ... وصام عند عجزه عن ذلك
١١٩٤ - شهرين بالولا، وحيث فصلا ... لغير عذر، فليعد ما فعلا
١١٩٥ - وإن عن الصيام يعجزْ اَطعما ... ستين مسكينا كما تقدما
١١٩٦ - لكن لكل واحد مدان ... هنا على ما قال يُعطَيان
стр. 568
قال الجوهري: الظهار: قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، وقد ظاهر من امرأته وظهر من امرأته تظهيرا كله بمعنى، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: الظهار: تشبيه الرجل وطء من تحل له من النساء بوطء من تحرم عليه منهن تحريما مؤبدا بنسب، أو صهر، أو رضاع، وكانت العرب تكني عن ذلك بالظهر، فتقول امرأتي علي كظهر أمي، ولذلك سمي ظهارا، لأنه مأخوذ من الظهر، وإنما اختص الظهر بالتحريم في الظهار دون البطن والفرج وسائر الأعضاء وإن كانت أولى بالتحريم منه لأن الظهر موضع الركوب، والمرأة مركوبة عند الغشيان، فإذا قال الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي، فإنما أراد أن ركوبها للنكاح عليه حرام، كركوب أمه للغشيان، فأقام الركوب مقام النكاح لأن الناكح راكب، وأقام الظهر مقام المركوب لأنه موضع الركوب، وهذا من لطيف الاستعارة للكناية، إلى أن قال: وكان الظهار في الجاهلية طلاقا وفي أول الإسلام، إلى أن أنزل الله (قد سمع الله) إلى قوله: (إن الله لعفو غفور) فأخبر تعالى أن لفظ الظهار الذي كانوا يطلقون به نساءهم منكر من القول وزور، والمنكر من القول هو الذي لا تعرف حقيقته، والزور: الكذب، وإنما قال فيه إنه كذب لأنهم صيروا به نساءهم كأمهاتهم، وهن لا يصرن كأمهاتهم ولا كذوي محارمهم، لأن ذوي المحارم لا يحللن له أبدا، وليس كذلك الأجنبيات، فأخرجه من باب الطلاق إلى باب الكفارة، ثم أعلمنا كيف يكون الحكم في ذلك فقال : (والذين يظهرون من نسائهم) إلى قوله : (وللكافرين عذاب أليم).
стр. 569
قوله: ومن من امرأته إلى قوله: حتى يكفر، معناه أن من ظاهر من زوجته أو أمته لم يحل له وطؤها حتى يكفر لقوله : (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) واختلف في ما دون الوطء، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: واختلف في قوله : (من قبل أن يتماسا) فحمله أكثر أهل العلم على عمومه، فقالوا لا يقبل المظاهر ولا يباشر ولا يمس حتى يكفر، وهو مذهب مالك وأكثر أصحابه، وقال الحسن وعطاء والزهري وقتادة ليس على عمومه، والمراد به الوطء خاصة، فللمظاهر أن يقبل ويباشر ويطأ في غير الفرج، وإنما نهي عن الجماع، واختلف الذين حملوا الآية على عمومها في الوطء وما دونه إن قبل أو باشر في خلال الكفارة قبل أن يتمها فقال أصبغ وسحنون يستغفر الله ولا شيء عليه، وقال مطرف يبتدئ الكفارة.
وقال القاضي عبد الوهاب في الإشراف: مسألة الظهار يحرم جميع أنواع الاستمتاع من الوطء فما دونه، خلافا للشافعي في أحد قوليه إنه لا يحرم به ما دون الوطء، لقوله : (من قبل أن يتماسا) ولم يفرق، وحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا ظاهر من امرأته ثم وطئها قبل أن يكفر فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " فاعتزل حتى تقضي ما عليك " (١) ولأن كل لفظ حرم به جملتها لم يقف ذلك على الفرج دون غيره كالطلاق، أو لأنه لفظ وقع به تحريم في الزوجة فوجب أن يعم الوطء وغيره كالطلاق، ولأنه نوع من التلذذ بالاستمتاع فوجب أن يحرم بالظهار كالوطء في الفرج، لأن الوطء إنما حرم لتشبيه المرأة المحللة بالمحرمة، وهذا التشبيه لا يخص تحريم الوطء دون غيره من الاستمتاع.
стр. 570
وينقسم لفظ الظهار إلى صريح وكناية، فالصريح هو ما ذكر فيه الظهر ومؤبد التحريم، كأنت علي كظهر أمي، وكنايته الظاهرة ما سقط فيه أحدهما، كأمي أو كظهر فلانة الأجنبية، وكنايته الخفية كقوله: اسقني ماء ناويا به الظهار، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: والفرق بين الصريح من الظهار وكنايته في ما يوجبه الحكم أن كنايات الظهار إن ادعى أنه أراد بها الطلاق صدق أتى مستفتيا أو حضرته البينة، وأن صريح الظهار لا يصدق إن ادعى أنه أراد به الطلاق إذا حضرته البينة، ويؤخذ من الطلاق بما أقر به، ومن الظهار بما لفظ به، فلا يكون له إليها سبيل، وإن تزوجها بعد زوج حتى يكفر كفارة الظهار، وقد قيل إنه يكون ظهارا على كل حال، ولا يكون طلاقا، وإن نواه وأراده وهي رواية أشهب عن مالك، وأحد قولي ابن القاسم.
стр. 571
قوله: حتى يكفر الأبيات، أشار به إلى أن كفارة الظهار ثلاث خصال، وهي على الترتيب كما صرحت به الآية الكريمة، الخصلة الأولى العتق، وتشترط في الرقبة التي تجزئ في ذلك أربعة أمور، لأن اسم الرقبة إنما ينصرف إلى مستجمعها، وأيضا التحريم متحقق بالظهار فلا يرتفع بمشكوك في تحقق الشرط به، الأول كونها خالصة الرق، فلا يجزئ إعتاق من فيه شائبة حرية كالكتابة، والتدبير، وأمومة الولد، والعتق المؤجل، قال القاضي عبد الوهاب في قوله : (فتحرير رقبة) وذلك يقتضي ألا يتقدم فيها عقد بعتق غير المقصود، وإلا لم يكن تحريرا، وذلك هو المراد بقوله: ليست بها من قبل، إلى قوله: التحرير، الثاني الإيمان تقييدا لإطلاق الرقبة هنا بقيدها في كفارة القتل، لأن كلا كفارة، ولحديث معاوية بن الحكم الشهير، (١) وإلى هذا أشار بقوله: مؤمنة، الثالث السلامة من العيوب التي تشين وتمنع من الكسب، قال في التاج: من المدونة: لا يجزئ في الظهار أو غيره من الكفارات إلا رقبة مؤمنة، سليمة، ولا يجزئ أقطع اليد الواحدة، أو الأصبعين، أو الأصبع، أو الإبهام، أو الأذنين، أو أشل، أو أجذم، أو أبرص، أو أصم، أو مجنون، وإن أفاق أحيانا، ولا أخرس، ولا أعمى، ولا مفلوج، ولا يابس الشق.
وقال القاضي في الإشراف: مسألة لا يجوز فيها المعيبة خلافا لداوود، لقوله : (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) وقوله : (ويجعلون لله ما يكرهون) وقوله : (فتحريررقبة) وهذا يقتضي رقبة كاملة، والمعيبة ناقصة، ولأن النقص نقصان: نقص في الدين، ونقص في البدن، ثم قد ثبت أن نقص الدين يمنع الإجزاء، كذلك نقص الأعضاء.
стр. 572
وإلى هذا الشرط أشار بقوله: سليمة، إلى قوله: والبكم، الرابع أن لا يكون له بها مشارك، لأن اسم الرقبة لا يصدق على بعضها، ولو كمل عليه الباقي بالحكم، لأنه لم يحرر للكفارة، وإلى هذا أشار بقوله: ليس له بملكها مشارك.
الخصلة الثانية صيام شهرين متتابعين، فإن أفطر لغير عذر كمرض وإكراه استأنف، لوصفهما في الآية الكريمة بالتتابع، وليس من العذر السفر، واختلف في النسيان والخطإ.
الخصلة الثالثة إطعام ستين مسكينا مما يتصدق منه صدقة الفطر، يعطي كل مسكين مدين بمد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كما ذكر الشيخ - رحمه الله تعالى - وقد روى البغداديون أن ذلك هو مد هشام، والمشهور أنه مد وثلثان، وهو قول ابن القاسم - رحمه الله تعالى - في المدونة، وقيل غير ذلك.
قال في التبصرة: أوجب الله ثلاث كفارات، كفارة اليمين بالله : (من أوسط ما تطعمون أهليكم) وفدية الأذى، وهي مقيدة بقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " مدان لكل مسكين " (١) وكفارة الظهار وهي مطلقة، فردها مرة إلى فدية الأذى، لأن الزوجة محرمة لما عقد من الظهار، فلا تباح إلا بما لا شك فيه، وهو أعلى الكفارات، وهي فدية الأذى، وردها مرة إلى كفارة الأيمان.
стр. 573
لأن الأصل في الذمة البراءة، فلا يلزم إلا ما لاشك فيه، ولم يردها في القول الثالث إلى شيء من هاتين الكفارتين، وراعى أعلى الشبع، ورأى أن يجزئه مد بمد النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ لوجوه، أحدها أن الأصل براءة الذمة فلا يلزم إلا ما لاشك فيه، والثاني إذا كان اثنان مطلق ومقيد من جنس رد المطلق إلى المقيد، ورد الظهار إلى كفارة الأيمان أشبه، لأنها في معنى اليمين، وفدية الأذى ليست بيمين، والثالث أنه لم يختلف قوله في العتق عن الظهار، أنه لا يجزئ إلا مؤمن، لما كان مقيدا في آية القتل، فكذلك الإطعام، ومنها أن ذلك مروي عن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ أنه أعطى المظاهر عذقا فيه خمسة عشر صاعا، وقال: " أطعم ستين مسكينا " وهذا حديث صحيح، ذكره الترمذي في مسنده.
١١٩٧ - وليتب إن من قبل أن يكفرا ... وطئها حيث يكون ذاكرا
١١٩٨ - وحيث ذا أثناء تكفير وقع ... فسد ما قد كان قبله صنع
١١٩٩ - وجائز إعتاقه للاعور ... وابن الزنى وهكذا ذو الصغر
١٢٠٠ - لو كان في المهد نعم من صلى ... وصام عند العلماء أولى
قوله: وليتب إن من قبل البيت، معناه أنه إذا وطئ المظاهر منها قبل أن يكفر فقد عصا، وخالف ما أمره به في قوله: (من قبل أن يتماسا) فليتب إلى الله من ذلك، وقد جاء أن رجلا ظاهر من امرأته ووقع عليها قبل أن يكفر وأخبر بذلك النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ فعاتبه، فقال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، فقال: " فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله تعالى به " (١) وأما من حصل ذلك منه نسيانا فلا إثم عليه.
стр. 574
قوله: وحيث ذا أثناء تكفير البيت، معناه أنه إذا وطئ أثناء الصوم، أو أثناء الإطعام فسد ما فعل من ذلك، واستأنفه من أوله، أما الصوم فلقوله : (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا) وأما الإطعام فمقيس عليه.
قوله: وجائز إعتاقه البيتين، معناه أنه يجزئ إعتاق الأعور في الظهار كما في المدونة، وقد روى في الموطإ إعتاقه عن أبي هريرة وفضالة بن عُبيد الأنصاري ـ رضي الله تعالى عنهما ـ لأن عينه كعينين كما يأتي ـ إن شاء الله في الديات، ويجزئ إعتاق ابن الزنى والصغير، لصدق اسم الرقبة عليهما، والأفضل إعتاق من بلغ حد الصلاة والصوم، ومن سلم مما لا يمنع من العيوب، لما في الصحيح من أن أفضل الرقاب " أغلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها " (١)
٢٢٠١ - ويشرع اللعان بين كل ... زوجين في تبرئ من حمل
١٢٠٢ - إن ادعى استبراءها من بعد ... آخر وطء بمحيض فرد
١٢٠٣ - وهكذا إن ادعى أن عاينا ... زوجته وهي تمارس الزنى
١٢٠٤ - وجاء في القذف فقط قولان ... بالحد حد القذف واللعان
١٢٠٥ - والبدء بالزوج به ينحتم ... يشهد بالله على ما يزعم
١٢٠٦ - أربعة مخمسا باللعن ... لم يك في ما يدعي ذا مين
١٢٠٧ - وشهدت أربعا أيضا أن كذب ... وخمست من بعدهن بالغضب
١٢٠٨ - وحيث عن ذا نكلت تحد ... حد الزنى وسيجيء بعد
١٢٠٩ - والزوج إن ينكل كذلك يحد ... لأجل قذفها ويلحق الولد
стр. 575
قوله: ويشرع اللعان بين كل الأبيات الثلاثة، معناه أن اللعان يشرع بين كل زوجين في نكاح يلحق فيه الولد، وإن كان فاسدا أو حراما لا يقران عليه، كما صرح به ابن رشد ـ رحمه الله تعالى ـ سواء كانا حرين أو عبدين، أو مختلفين، سواء كانا عدلين أو فاسقين، أو كانت الزوجة كتابية والزوج مسلما، لا إن كانا كافرين، ويكون لأحد أمرين، الأول نفي الحمل، إذا ادعى أنه استبرأها بعد آخر وطء وطئها إياه بحيض واحد على المشهور، وقال ابن الماجشون بثلاث حيض، والثاني دعواه أنه رآها تزني، إذا قال: كالمرود في المكحلة، واختلف إن قذفها فقط، بأن قال: زنت ولم يدع رؤية، فقيل يحد حد القذف ولا يمكن من اللعان، وقيل يلاعن، قال ابن رشد ـ رحمه الله تعالى ـ: الأصح من الأقوال أنه يحد ولا يلاعن، ومن أوجب اللعان فيه جعل العلة في ذلك دفع الحد عن نفسه، مع أنه ظاهر القرآن، قوله : (والذين يرمون أزواجهم) لم يذكر نفي حمل ولا رؤية زنى، وهذا ليس ببين، لأن الحكم إنما هو لمعاني الألفاظ لا لظواهرها، وإلى هذا أشار بقوله: وجاء في القذف فقط البيت، واختلف كذلك إذا نفى الحمل ولم يدع استبراء، ولا يكون اللعان في حالة يقطع فيها أن الولد ليس منه.
قوله: والبدء بالزوج به ينحتم الأبيات الثلاثة، أشار به إلى صفة اللعان، وذكر أن ابتداء الزوج فيه واجب، وهو المذهب كما عزاه ابن ناجي للقاضي عبد الوهاب، وذلك أن ظاهر الآية أن لعانها لدرء ما وجب عليها للعانه، فلعانه سبب للعانها، فلا يصح قبله، وقيل بدؤه مستحب، فلا تعيد إن ابتدأت، قال ابن ناجي: قال ابن رشد: محل الخلاف بين ابن القاسم وأشهب إذا وقعت يمين المرأة على ألفاظ الرجل، فقالت: أشهد بالله أني لمن الصادقين ما زنيت، أو حملي هذا منه، فإذا وقعت على طريقة الرد عليه في تكذيبه فلا يجزئ أصلا، لأنه لم يتقدم له يمين.
стр. 576
قوله: يشهد إلى قوله: مين، معناه أنه يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، يقول في الرؤية: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو لرأيتها تزني، ويقول في نفي الحمل: ما هذا الحمل مني، وفي الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تلاعن المرأة، فتقول في الرؤية: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو ما رآني أزني، أو لقد كذب علي في ما رماني به، وتقول في نفي الحمل: ما زنيت وإن هذا الحمل منه، أو لقد كذب علي في رماني به، وفي الخامسة غضب الله تعالى عليها إن كان من الصادقين، وإليه أشار بقوله: وشهدت أربعا أيضا أن كذب البيت.
قوله: وحيث عن ذا نكلت تحد البيت، معناه أن الزوجة إذا نكلت عن الأيمان أو بعضها تحد حد الزنى الذي سيأتي الكلام عليه إن شاء الله وذلك لقوله : (ويدرأ عنها العذاب أن تشهد) الآية الكريمة.
قوله: والزوج إن ينكل البيت، معناه أن الزوج إذا نكل عن اللعان يحد حد القذف، ويلحق به الولد، فلعانه تترتب عليه ثلاثة أشياء، الأول انتفاء الولد عنه، لما في الصحيح من قصة العجلاني من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم ألحق الولد بأمه، (١) والثاني سقوط الحد إن كانت ممن يحد قاذفها، وسقوط الأدب في غيرها كالكتابية والأمة، لحديث " قد جعل الله لك فرجا ومخرجا " (٢) ولما جاء في سبب نزول آية اللعان، من أن سعد بن عبادة ـ رضي الله تعالى عنه ـ راجع النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ حين نزلت آية القذف فنزلت آية اللعان، والثالث توجه اللعان على المرأة لما تقدم.
стр. 577
هذا ويتعين لفظ أشهد في لعانهما، ولفظ اللعن في خامسة الرجل، ولفظ الغضب في خامسة المرأة، قال ابن رشد ـ رحمه الله تعالى ـ: ولا يكون اللعان إلا عند الإمام في المسجد، وبمحضر من الناس، لأن اللعان الذي كان في زمن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ إنما كان عنده في المسجد، وبمحضر من الناس، وذلك مروي في الأحاديث الصحاح، من ذلك حديث مالك ـ رحمه الله تعالى ـ في موطئه في ملاعنة العجلاني زوجته، قال سهل ـ رضي الله تعالى عنه ـ: فتلاعنا وأنا مع الناس عند النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ويستحب أن يكون في دبر الصلاة، وبعد صلاة العصر، لأنه أشد الأوقات في اليمين، لما جاء أن الأيمان بعد صلاة العصر ليس له توبة، وليس ذلك بلازم، أعني في دبر صلاة.
ويندب تخويفهما كما جاء في الصحيح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم فعل في هلال وامرأته، وجاء أنه قيل له عند الخامسة: يا هلال اتق الله ، إن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإنها الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني الله عليها، كما لم يجلدني رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وقيل لها عند الخامسة مثل ذلك.
١٢١٠ - وجاز للمرأة أن تخالعا ... بما به رضاهما قد وقعا
١٢١١ - من فوق مهر وبقدر المهر ... ودونه إن لم يكن لضر
١٢١٢ - وإن لإضرار بها يقعْ لزم ... طلاقها ورده المال حتم
стр. 578
معناه أنه يجوز للمرأة أن تخالع زوجها بما يتراضيان عليه من قليل أو كثير، كان قدر صداقها، أو أقل، أو أكثر، لقوله : (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما في ما افتدت به) ويجوز مع التراضي واستقامة الحال، لقوله : (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) قال القاضي عبد الوهاب: فعم الفدية وغيرها، ولأن كل حال جاز أن يطلق فيها بغير عوض جاز أن يطلق فيها بعوض، كحال السخط، ولأن كل طلاق وقع حال الغضب وقع حال الرضى، أصله الطلاق المبتدأ بلا عوض، ولأنها معاوضة تصح حال الخصومة فصحت في غيرها كالبيع.
ولحديث حبيبة بنت سهل الأنصاري ـ رضي الله تعالى عنها ـ أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس ـ رضي الله تعالى عنه ـ وأن رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ خرج إلى الصبح فوجدها عند بابه في الغلس، فقال لها رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: من هذه؟ فقالت: أنا حبيبة بنت سهل يا رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ فقال: ما شأنك؟ قالت: لا أنا ولا ثابت قيس، لزوجها، وقالت: ما أغمص على ثابت شيئا في دين ولا خلق، غير أنه دميم الوجه، وإني أكره الكفر في الإسلام، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فدعا ثابتا، فقال: أو يطيب ذلك لي يا رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ؟ قال: نعم، قال: قد فعلت.
стр. 579
ويجوز في الخلع الغرر والجهل، قال ابن رشد ـ رحمه الله تعالى ـ: لأنه ظاهر عموم قول الله : (فلا جناح عليهما في ما افتدت به) وإذ ليس طريقه طريق المبايعات التي يبتغى فيها الأثمان، وإنما المبتغى فيه تخليص الزوجة من ملك الزوج، فلا يضر الجهل بالعوض، ألا ترى أن النكاح لما لم يكن طريقه طريق المبايعات المحضة وكان المبتغى فيه المكارمة والاتصال جاز على عبد غير موصوف، وعلى شوار بيت غير موصوف، وما أشبه ذلك من الغرر اليسير الذي لا يذهب جملة، فيبقى البضع بلا صداق، لأن الصداق حق لله فلا يجوز إسقاطه، والخلع لا حق فيه لله فجاز بالغرر الكثير من جميع جهاته، وإن ذهب جملة فبقي الخلع بلا عوض، وقد قيل إن الخلع بالغرر والمجهول لا يجوز، والمشهور ما قدمناه.
قوله: وإن لإضرار البيت، معناه أنه إنما يجوز إذا لم يكن لإضراره بها، لقوله : (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) الآية الكريمة، قال ابن عرفة ـ رحمه الله تعالى ـ: اللخمي: إن كان الضرر منها فقط، أو لا ضرر منهما، جاز أخذه منها على طلاقها أو إبقائها، وإن كان منه فقط جاز على إبقائها لا على طلاقها، وإن كان منهما فهي مسألة الحكمين.
стр. 580
فإذا كان خلعها إياه لإضراره بها سواء كان في بدنها أو مالها لزم الخلع ورد المال، قال ابن رشد ـ رحمه الله تعالى ـ: إذا افتدت المرأة من زوجها ثم ثبت أنه كان يضر بها وجب عليه أن يرد عليها ما أخذ منها، ويجوز في ذلك شهادة النساء لأنه مال، والطلاق قد مضى بغير شهادتهما، فإن شهد بالضرر شاهدان، أو شاهد وامرأتان، رد عليها مالها بغير يمين، وإن شهد لها به رجل واحد أو امرأتان، حلفت مع شهادة الرجل، أو مع شهادة المرأتين، واستوجبت أن يرد إليها ما أخذ منها، ويجوز لها أيضا بشهادة شاهدين على السماع، فتأخذ ما أخذ منها بشهادتهما دون يمين، قاله في سماع أصبغ من كتاب الشهادات، وأكثر من ذلك أحب إليه، ابن الماجشون: لا يجوز في شهادة السماع أقل من أربعة شهداء، والله ولي التوفيق، نقله في المواهب.
١٢١٣ - وزوجة العبد إذا تَحَرر ... فهِي في فراقه تُخَيَّر
معناه أن الأمة إذا عتقت تحت عبد ثبت لها الخيار، وأما إذا عتقت تحت حر فلا خيار لها على المشهور، لما جاء عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أنها أعتقت بريرة ـ رضي الله تعالى عنها ـ فخيرها رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وكان زوجها عبدا، ولو كان حرا ما خيرها، (١) وتقضي بطلقة واحدة إن اختارت فراقه، فإن قضت باثنتين ففي مضي الثانية خلاف أصحه عدم المضي.
١٢١٤ - ويفسخ النكاح حيث بالشرا ... أو غيره ملك زوج الاخرا
معناه أنه إذا ملك أحد الزوجين صاحبه انفسخ ما كان بينهما من النكاح، لما تقدم من أن النكاح والملك سببان لأحكام متضادة، فلا يمكن اجتماعهما.
١٢١٥ - ثم طلاق العبد طلقتان ... كما الإما عدتها قرآن
١٢١٦ - والعبد في تكفيره كالحر ... وفي معان حده بالشطر
стр. 581
قوله: ثم طلاق العبد طلقتان، معناه أن عصمة العبد طلقتان، فإذا طلق امرأته مرتين لم تحل إلا بعد زوج، سواء كانت حرة أو أمة، وسواء كان قنا أو عتق أكثره وبقيت فيه بقية رق، وقد روى مالك ـ رحمه الله تعالى ـ في الموطإ أن مكاتبا لأم سلمة ـ رضي الله تعالى عنها ـ يدعى نُفَيْعا كانت تحته حرة فطلقها اثنتين ثم أراد أن يراجعها فأمره أزواج النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ أن يأتي عثمان ـ رضي الله تعالى عنه ـ فيسأله عن ذلك فلقيه عند الدَّرَج آخذا بيد زيد بن ثابت ـ رضي الله تعالى عنهما ـ فسألهما فابتدراه جميعا، فقالا: حرمت عليك، حرمت عليك.
قوله: كما الإما عدتها قرآن، معناه أن عدة الأمة قرآن، وقد روى ذلك مالك ـ رحمه الله تعالى ـ في الموطإ عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ ولا فرق في ذلك بين كون الزوج حرا أو عبدا.
قوله: والعبد في تكفيره البيت، معناه أن الرقيق في الكفارات كالحر، لأنها من قبيل العبادات، بخلاف الحدود لقوله : (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وبخلاف الطلاق لما تقدم قريبا وما في معناه.
١٢١٧ - وحرمنَّ بارتضاع من مرهْ ... لو مصةً، ما نسب قد حظره
١٢١٨ - إن يك في الحولين ذاك حصلا ... أو بعد ذين بكشهر مثلا
١٢١٩ - وبعضهم ألحق بالحولين ... شهرين، أو ما قارب الشهرين
١٢٢٠ - ولا يحرم ارتضاع مَن غَنِي ... بمأكل ومشرب عن لبن
١٢٢١ - ويقع التحريم بالوَجور ... وهكذا السَّعوط في المشهور
стр. 582
قوله: وحرمن بارتضاع الأبيات الثلاثة، أشار به إلى تحريم الرضاع، والرضاع وصول لبن آدمية لمحل مظنة الغذاء، سواء كان وصوله بإرضاعها له أو بارتضاعه منها نائمة مثلا، أوصبه في فمه، وأما قوله : (أرضعنكم) فهو خارج مخرج الغالب، لظواهر الأحاديث، ولعدم تأثير الفارق، ومعنى الأبيات أن الرضاع يحرم به ما يحرم من النسب إذا كان في الحولين وما قاربهما بيسير، ولو مصة واحدة، أما أنه يحرم ما يحرم من النسب فلحديث الصحيح " إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة " (١) وأما اشتراط كونه في الحولين فلقوله : (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) فقد اقتضت الآية الكريمة أن أقصى أمد الرضاع حولان، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: وما قرب من الحولين فله حكمهما عند أكثر أصحابنا لوجود معنى تحريم الرضاعة فيه، وهو انتفاع الصبي به، وكونه له غذاء، ومن طريق اختلاف الشهور بالزيادة والنقصان، وقد قال الله : (حولين كاملين) واختلف في حد القرب ما هو فقيل اليوم واليومان، وقيل الأيام اليسيرة، وقيل الشهر ونحوه، وقيل الشهر والشهران، وهو قوله في المدونة، وقيل الشهر والشهران والثلاثة، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك.
واختار اللخمي - رحمه الله تعالى - رواية الوليد، قال: ومحمل الآية الكريمة في السنتين أنها كافية للمرضع، وليس أنه لا منفعة له في ما زاد لقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام " (٢) وهذا صحيح ذكره الترمذي، فعلق التحريم بما كان قبل الفطام وقبل أن ينتقل غذاؤه عن البن، وهذا لم يفطم، واللبن قوام جسمه، يشبع لوجوده ويجوع لعدمه، وهذا إذا كان مقصورا على الرضاع، أو يأكل مع ذلك ما يضر به الاقتصار عليه دون الرضاع.
стр. 583
وروى في الموطإ عن يحيى بن سعيد أن رجلا سأل أبا موسى الأشعري فقال: إني مَصِصْتُ عن امرأتي من ثديها لبنا، فذهب في بطني، فقال أبو موسى - رضي الله تعالى عنه -: لا أُراها إلا قد حرمت عليك، فقال عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: انظر ما تفتي به الرجل، فقال أبو موسى: فما ذا تقول أنت؟ فقال عبد الله بن مسعود: لا رضاعة إلا ما كان في الحولين، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحبر بين أظهركم، وأما حديث سهلة بنت سهيل في رضاع سالم مولى أبي حذيفة فقد كان أزواج النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - غير عائشة ـ رضي الله تعالى عنهن ـ يرينه رخصة من رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - مع الأحاديث المصرحة بخلافه كحديث " انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة " (١) وأما عدم اشتراط عدد فلعموم قوله : (وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " يحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم " (٢) فلم يخص عددا فوجب تعليق الحكم بما يقع عليه اسم الرضاع، وكذلك عدم استفصاله صلى الله تعالى عليه وسلم للذي أخبره أن امرأة زعمت أنها أرضعته وأرضعت زوجته، وعلى هذا جماهير أهل العلم، بل حكى عليه الليث بن سعد الإجماع، قال الحافظ أبو عمر: لم يقف الليث على الخلاف في ذلك، وعليه عمل أهل المدينة، وقال مالك في الموطإ بعد أن ذكر حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - في اشتراط الخمس: إن العمل ليس عليه، وقد تكلم عليه ابن رشد في المقدمات كلاما حسنا.
стр. 584
واختلف إذا كانت المرضع صغيرة لا يوطأ مثلها، وظاهر المدونة التحريم بذلك في قولها: إذا درت بكر لا زوج لها فأرضعت صبيا فهي له أم، وذهب ابن الجلاب إلى أنه لا يؤثر، ومثله للكافي، والاتفاق على اعتبار إرضاع من توطأ قاله ابن ناجي - رحمه الله تعالى -واختلف في رضاع الرجل، والمشهور أنه لا يحرم، قال مالك - رحمه الله تعالى - لقوله : (وأمهاتكم التي أرضعنكم) قال: ولا أرى هذا أما.
قوله: ولا يحرم ارتضاع البيت، معناه أن من استغنى عن اللبن بالطعام فرضاعه غير محرم، لحديث " إنما الرضاعة من المجاعة " سواء كان رضاعه قبل انتهاء الحولين أو بعدهما، خلافا لأصبغ حيث قال بتحريمه إذا كان في الحولين، واختاره اللخمي إن رد إلى الرضاع دون طعام.
قوله: ويقع التحريم البيت، معناه أن الوجور والسعوط لهما حكم الرضاع، لاستوائهما معه في إنبات اللحم والدم، والوجور - بالفتح - الصب في وسط الحلق وجانبي الفم وتحت اللسان، والسعوط - بالفتح -: ما صب في المنخرين، وقوله: على المشهور، راجع للسعوط خاصة، وأما الوجور فلا خلاف فيه.
١٢٢٢ - هذا وسائر فروع المرضعه ... على الذي ارتضعها ممتنعه
١٢٢٣ - كذا فروع فحلها من قبل ... أو بعد ذا، عليه ذات حظْل
١٢٢٤ - وكل ذاك لأخي المرتضع ... من غير ذا الرضاع لم يمتنع
قوله: هذا وسائر البيتين، معناه أن من ارتضع من امرأة صارت أما له، فتحرم عليه، ويحرم عليه كل من لها عليه ولادة بنسب أو رضاع، مباشرة أو بواسطة، وتحرم عليه أمهاتها كذلك من رضاع أو نسب، وتحرم عليه أخواتها من رضاع أو نسب، فهن خالات له، ويصير زوجها أبا له، فتحرم عليه بناته، وأخواته، وأمهاته، سواء كان كل ذلك من رضاع أو نسب، سواء كان الزوج أبا الطفل الذي ترضعه، أو كان ربيبا له، وإذا كان ربيبا له كان المرتضع من هذه المرأة ابنا لأبي الولد وللزوج الثاني إذا كان قد دخل بها.
قوله: وكل ذاك لأخي المرتضع البيت، معناه أن البنوة الحاصلة بالرضاع خاصة بالمرتضع دون إخوته من النسب، أو من رضاع امرأة أخرى، فيحل للرجل تزوج أخت شقيقه من الرضاع، إذا لم يكن بينه وبينها رضاع، وهذا أمر ظاهر ولا خلاف فيه.
стр. 585
باب في العدة والنفقة والاستبراء
١٢٢٥ - ومِن طلاقٍ بثلاثة قُرو ... تعتد لو من عبد الحرائر
١٢٢٦ - والقرء طهر بين حيضتين ... واكتفت الأمة بالقرأين
١٢٢٧ - وهِي في غير القُروء والتوى ... في الاعتداد كالحرائر سوا
١٢٢٨ - من لم تحض عدتها بأشهر ... ثلاثة، عن يأس أو عن صغر
١٢٢٩ - والمستحاضة هنا تحل ... إذا مضى على الطلاق حول
١٢٣٠ - أما الحوامل فوضْع الحمل ... عدتها، لو بوفات البعل
قوله: ومن طلاق بثلاثة البيتين، معناه أن عدة المطلقة ثلاثة قروء، إذا كانت مدخولا بها، وكانت ممن تحيض، ولم تكن حاملا، ولا مستحاضة، وذلك لقوله : (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) وهذا إذا كانت حرة، فإن كانت أمة فعدتها قرآن كما تقدم قريبا، والقرء في اللغة مشترك بين الحيض والطهر، والمراد به هنا عند مالك وأهل الحجاز الطهر، لأنه مذكر، والعدد في مثل هذا إنما يؤنث للمذكر، ولقوله : (فطلقوهن لعدتهن) وقد روى مالك في الموطإ ذلك عن عائشة وعبد الله بن عمر ومعاوية ـ رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ ورواه عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وأبي بكر بن عبد الرحمان وسليمان بن يسار وابن شهاب ـ رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ وروي عن ابن شهاب أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا، يريد قول عائشة - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - قال مالك - رحمه الله تعالى -: وهو الأمر عندنا، فتحل المطلقة بأول الحيضة الثالثة، ولو طلقها قبل الحيضة بيسير، وأما المطلقة التي ليست مدخولا بها فلا عدة عليها كما تقدم في قوله:
كذا إذا كان الطلاق قبلا ... دخوله، إذ لا اعتداد أصلا
стр. 586
وذلك لقوله : (إذا نكحتم المومنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها)
وأما المطلقة التي لا تحيض لصغر أو يأس فعدتها في الطلاق ثلاثة أشهر، سواء كانت حرة أو أمة، لقوله : (والئ يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر والئ لم يحضن) وقيل إذا كانت أمة فعدتها شهران، وقيل شهر ونصف، والمشهور أنها كالحرة، لأن الثلاثة أشهر هي المدة التي يظهر فيها الحمل، وهذا معنى تستوي فيه الحرة والأمة، وإلى هذا أشار بقوله: من لم تحض عدتها بأشهر البيت.
وأما المستحاضة التي لا تميز فتمكث سنة، سواء كانت حرة أو أمة، وقد روى ذلك في الموطإ عن سعيد بن المسيب ـ رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ واختلف هل السنة عدة كلها، أو العدة منها ثلاثة أشهر، والتسعة قبلها للاستبراء، إذ هي معتاد أمد الحمل، وهو صريح ما في الموطإ عن عمر - رضي الله تعالى عنه - في التي ترتفع حيضتها، وإلى هذا أشار بقوله: والمستحاضة البيت، ومثلها في الاعتداد بسنة من ارتفعت حيضتها لمرض، وأما من تأخرت حيضتها لرضاع فتنتظر الأقراء بعد الرضاع، فإن لم تحض حلت بسنة بعد الفطام، وأما المستحاضة التي تميز فالمشهور أنها تعتد بالأقراء.
وأما الحامل فعدتها وضع حملها كله، حرة أو أمة، مطلقة أو متوفى عنها، لقوله : (وأولت الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وقيل تعتد في الوفاة بأقصى الأجلين الوضع وأربعة أشهر وعشر، والمشهور الأول لحديث سُبَيعة الأسلمية " قد حللت فانكحي " (١) وإلى عدة الحامل أشار بقوله: أما الحوامل البيت.
стр. 587
قوله: وهي في غير القروء البيت، معناه أن عدة الأمة وعدة الحرة سواء، إلا في موضعين أحدهما عدة الأقراء كما سبق، والثاني عدة الوفاة كما سيأتي في الأبيات بعد إن شاء الله ، والتوى: الهلاك.
١٢٣١ - وعدة الحرة غير الحامل ... من موت بعلها وإن لم يدخل
١٢٣٢ - وإن تكن كافرة أو طفله ... عَشْرٌ ورا أربعة الأهله
١٢٣٣ - وغير حرة مقام نصف ... ذلك منها في الطلاق يكفي
١٢٣٤ - نعم إذا التي تحيض ارتابت ... فلتمكثنْ إلى زوال الريبة
١٢٣٥ - ومن تكن ليست تحيض من إما ... بمكث أشهر ثلاث أَلْزِما
١٢٣٦ - في الموت إن كان بها قد دخلا ... وحيث لم يدخل كفى ما قد خلا
قوله: وعدة الحرة البيتين، معناه أن عدة المتوفى عنها التي ليست بحامل في نكاح صحيح أربعة أشهر وعشر ليال، صغيرة كانت أو كبيرة، مدخولا بها أو لا، مسلمة أو كتابية، فإن كانت غير مدخول بها حلت بذلك وإن لم تحض في تلك المدة، وإن كانت مدخولا بها فإن حاضت أثناء المدة المذكورة حلت اتفاقا، وإن لم تحض فإن كان ذلك لعدم مرور وقت حيضتها ولم تكن بها ريبة حلت أيضا، وكذا إن تأخر لرضاع أو مرض ولم تكن بها ريبة.
قوله: وغير حرة البيت، معناه أن عدة الأمة في الوفاة شهران وخمس ليال، فتحل بها إذا حاضت فيها اتفاقا، وإذا لم تحض فيها فإن كانت ممن لا تحيض لصغر أو يأس فلا تحل إلا بثلاثة أشهر إن كان قد دخل بها، وكذا المرضع كما صرح به في التبصرة، وقال إنه الصحيح من المذهب، وإن لم يدخل بها حلت بالخمس والشهرين، وإلى هذا أشار بقوله: ومن تكن ليست تحيض من إما البيتين، وقد روى ذلك في الموطإ عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وابن شهاب ـ رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ.
стр. 588
قوله: نعم إذا التي تحيض البيت، أشار به إلى أن من ارتابت بارتفاع حيضتها لا تحل حتى تزول الريبة، وذلك بمضي تسعة أشهر أمد الحمل غالبا، أو مجيء حيض، ولا فرق في هذا بين الحرة والأمة، لأن المعنى المبني عليه سواء في الحرة والأمة، وقيل تحل الحرة في ذلك وفي الاستحاضة بأربعة أشهر وعشر، واستحسنه اللخمي لوجهين أحدهما عموم الآية
الكريمة في قوله : (والذين يتوفون منكم) والثاني أنها إنما ألزمت التربص إلى أمد حركة الولد، فلا يلزمها أن تنتظر أمد الوضع.
وعلى هذا القول تكتفي الأمة في ذلك بثلاثة أشهر، وهو الذي لمالك في كتاب محمد، ولابن القاسم في العتبية أنها تعتد بشهرين وخمس كغيرها، نقل ذلك في التبصرة.
وأما المرتابة بحس بطن فلا تحل حتى تزول الريبة بوضع أو مضي أقصى أمد الحمل، والمشهور أنه خمسة أعوام، وقيل لا حد له، فلا تحل إلا بالوضع.
١٢٣٧ - ثمت الاحداد اجتناب كل ... تزيُّنٍ، كحِلْيةٍ، وكحل
١٢٣٨ - وغير ذا، ولتتركنْ ما صُبغا ... فليس لبسه لها مسوَّغا
١٢٣٩ - ولا تَخَضَّبُ بحناء، ولا ... تمس دهنا فيه طيب جُعلا
١٢٤٠ - كذا للامتشاط أيضا تذرُ ... بكل ما برأسها يختمر
١٢٤١ - وهُو واجب بحق المسلمه ... ولو صغيرة تكون أو أمه
١٢٤٢ - وفي الكتابية خلف نقلا ... هل واجب، وهْو الذي قد عُوِّلا
١٢٤٣ - وليس يطلب من المطلقات ... وإنما هو بعدة الوفات
стр. 589
قوله: ثمة الإحداد الأبيات الأربعة، معناه أن الإحداد الواجب على المتوفى عنها طول عدتها هو اجتناب كل زينة، من اللباس، والطيب، وكل ما تتزين به المرأة لزوجها، ويدعو الزوج إلى نكاحها، ويهيج الشهوة، كما قال القاضي عبد الوهاب، وذلك كالكحل والحلي، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وفيها لا تلبس حليا، ولا قرطا، ولا خاتم حديد، ولا خلخالا، ولا سوارا، ولا تمس طيبا، ولا تدهن بزنبق، أو بنفسج خيري، ولا تمتشط بدهن مربب، ولا حناء، ولا كتم، وتدهن بالشبرق، والزيت، وتمتشط بالسدر وشبهه مما لا يختمر في رأسها.
وتمنع من حضور عمل الطيب والتجر فيه، وتمنع من الخضاب ودخول الحمام وطلي جسدها بنورة، وتمنع من مصبوغ الثياب، وقال القاضي في المعونة: كل لون يتزين به النساء تمنعه الحاد، وقال اللخمي: أرى أن تمنع من الثياب الحسنة، وإن كانت بيضا، لأنها تزيد في الوضاءة، إلى أن قال: وكذلك الرفيع من السواد، وعلى هذا يدل قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب " (١) أنه راعى الجيد من الدنيء، ولا أرى أن يمنع الأخضر والأزرق الرديء، ويباح النفيس من الحرير، وإذا لم تجد إلا ثوبا مصبوغا فقدرت على بيعه، أو تغيير صبغه بسواد فعلت، وإن لم تجد لبست، وقد يستخف بقاؤه على حاله إذا كان في تغييره فساد.
قال: والأصل فيه قول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط وأظفار، أخرجه البخاري ومسلم.
стр. 590
وقيل في قول الله : (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) أي عن الزينة والتزويج (فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) التزويج وأن تتزين وتتشوف وتلتمس الأزواج، وحمل الآية الكريمة على العموم في كل ما هي ممنوعة منه في العدة من نكاح وغيره.
قوله: وهو واجب البيتين، معناه أن الإحداد يجب على المسلمة الكبيرة اتفاقا، حرة كانت أو أمة، ويجب على الصغيرة والكتابية على المشهور لاستواء الجميع في العلة.
قوله: وليس يطلب من المطلقات البيت، معناه أن الإحداد إنما يطلب من المتوفى عنها خاصة، وليس يطلب من المطلقة، سواء كانت بائنا أو رجعية، لاقتضاء النصوص فيه الاختصاص بالمتوفى عنها، وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وجوبه في المطلقة ثلاثا.
١٢٤٤ - واجبر كتابية اَن تعتدا ... من مسلم مات، كذا إن ردَّا
١٢٤٥ - ومن وفاة سيد أم الولد ... والعتقِ تعتد بحيضةٍ فقد
١٢٤٦ - وبثلاثة من الشهور إن ... من المحيض فيهما تيأس لسن
١٢٤٧ - وبانتقال الملك أيضا في الاما ... كالبيع، الاستبراء قد تحتما
١٢٤٨ - بحيضة فقط، وفي صغيره ... توطأ، واليائسة الكبيره
١٢٤٩ - بأشهر ثلاثة تستبرأ ... وليس مطلوبا بمن لا توطأ
стр. 591
قوله: واجبر كتابية أن تعتدا البيت، معناه أن الكتابية تجبر على العدة في الطلاق والموت إذا كان زوجها مسلما، وتعتد في الطلاق بثلاثة قروء، واختلف هل تعتد في الوفات بأربعة أشهر وعشر وهو المشهور، أو لا تطلب بما زاد على الاستبراء، قال في الإشراف: إذا مات المسلم عن الكتابية ففي عدتها روايتان، إحداهما الشهور كعدة المسلمة، والأخرى استبراء رحمها، فوجه الأولى عموم الظاهر، ولأنه نوع من البينونة كالطلاق، ولأنها زوجة للمسلم مات عنها كالمسلمة، ولأن كل عدة لزمت المسلمة لزمت الكتابية كوضع الحمل، ووجه الثانية أن تربصها يتعلق به حقان، حق النسب، وهو العلم ببراءة الرحم، وحق الله وهو ما زاد على ذلك إلى آخر الشهور، والكفار لا يؤاخذون بحقوق الله المتجردة عن حقوق الآدميين.
واختلف إذا لم يدخل بها في الموت هل تجب عليها عدة كالمسلمة، أو لا يجب عليها شيء، وهو راجع في مبناه إلى ما قبله، وقوله في البيت: رد معناه طلق.
قوله: ومن وفات سيد أم الولد البيتين، معناه أن عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها حيضة، قال في التبصرة: قال ابن القاسم: وإن مات عنها أو أعتقها وهي في أول دمها لم يجزها واستأنفت حيضة، وذلك لاختلاف أهل العلم فيها، فقال بعضهم عليها أربعة أشهر وعشر، وقال بعضهم ثلاث حيض، فأما الأشهر فلأنها حرة تعتد من وطء ميت فقاسها على الزوجة، وأما الثلاثة الأقراء فلأنها حرة تعتد من وطء ميت بغير زوجية، وقول مالك - رحمه الله تعالى - أصوب، لأن المراعى أصل الوطء، ليس ما آل إليه، فإذا كان بملك يمين كان استبراء.
стр. 592
وقد روى في الموطإ عن ابن عمر والقاسم بن محمد - رضي الله تعالى عنهم - ما ذكر من أن عدتها حيضة، قال مالك - رحمه الله تعالى -: وهو الأمر عندنا، قال: وإن لم تكن ممن تحيض فعدتها ثلاثة أشهر، قال في التبصرة: وإذا كانت عادة أم الولد تأخر الحيض لبعد الثلاثة الأشهر انتظرت الحيضة، والقياس إذا مرت الثلاثة الأشهر أن تحل.
وقد روى في الموطإ عن القاسم بن محمد أنه أنكر إيجاب يزيد بن عبد الملك على أمهات الأولاد الاعتداد بأربعة أشهر وعشر في موت سادتهن، وقال: سبحان الله تعالى يقول الله في كتابه الكريم: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا) ما هن من الأزواج.
ومثل موت السيد في ما تقدم إعتاقه إياها أعني أم الولد.
قوله: وبانتقال الملك أيضا في الاما البيت، معناه أنه يجب استبراء الأمة على من انتقل إليه ملكها بشراء، أو إرث، أو هبة، أو صدقة، أو وصية، أو من مغنم، أو بغير ذلك، واستبراؤها حيضة، فإن كانت صغيرة لا تحيض ومثلها يوطأ أو يائسة فثلاثة أشهر، وأما الصغيرة التي لا يوطأ مثلها فلا استبراء فيها أصلا، لتيقن البراءة، وشرط وجوب الاستبراء عدم تيقن البراءة، ويشترط فيه كذلك جواز التسري، بخلاف ما إذا اشترى متزوجة، ويشترط فيه أيضا عدم جواز الوطء قبل الملك، بخلاف ما إذا اشترى زوجته، فلا يجب عليه فيها استبراء، والأصل في وجوب الاستبراء قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في سبي أوطاس: " لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة " (١) وحديث أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه - قال: أتى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم
стр. 593
- على امرأة مُجِحٍّ على باب فسطاط، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " لعل صاحبها يلم بها " قالوا: نعم، قال: " لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له؟ وكيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ " (١) وحديث " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره " (٢)
١٢٥٠ - ومن تحض بحوزه قبل الشرا ... ثم اشترى، كفاه ما قد غبرا
١٢٥١ - إن تك لا تغيب غيبا يمكن ... فيه تعاطيها لما يستهجن
١٢٥٢ - وإن ملكت حاملا من غير ... بكاشترا فوطؤها ذو حظر
١٢٥٣ - كذا التمتع إلى أن تضعا ... جنينها، بكل وجه منعا
قوله: ومن تحض البيتين، معناه أن من حاضت الأمة في حوزه قبل أن يشتريها كفاه ذلك، فلا يجب عليه فيها استبراء، إذا كانت لا تغيب غيبا يمكن فيه حصول فجور، قال في الجواهر: ولا يجزئ الاستبراء قبل البيع إلا في حالات، منها أن تكون تحت يده للاستبراء، أو بالوديعة فتحيض عنده ثم يشتريها حينئذ، أو بعد أيام، وهي لا تخرج ولا يدخل عليها سيدها، ومنها أن يشتريها ممن هو ساكن معه من زوجته أو ولد له صغير في عياله وقد حاضت، فابن القاسم يقول إن كانت لا تخرج أجزأه ذلك، وقال أشهب: إن كانت معه في دار وهو الذاب عنها والناظر في أمرها أجزأه كانت تخرج أو لا تخرج.
وقال في التاج: المازري: القول الجامع أن كل أمة أمن عليها فلا استبراء فيها، وكل من غلب على الظن حملها أو شك فالاستبراء لازم، وكل من جوز حصوله فالمذهب على قولين كالصغيرة المطيقة للوطء واليائسة، وكاستبراء الأمة خوف أن تكون زنت، وهو المعبر عنه بالاستبراء لسوء الظن، وكاستبراء الوخش، لأن الغالب عدم وطء السادات لهن، وكاستبراء من باعها مجبوب، أو امرأة، أو ذو محرم، والمشهور في هؤلاء الثلاثة الاستبراء.
стр. 594
قوله: وإن ملكت البيتين، معناه أن من ملك أمة حاملا من غيره لم يجز له أن يطأها، ولا أن يستمتع بها حتى تضع، لأنها إن كانت مطلقة فهي معتدة، ولا تنقضي عدتها إلا بالوضع، ولا يجوز الاستمتاع بها بوجه لأنها باقية على الزوجية لزوجها من جهة امتناع الاستمتاع بها لغيره، حتى تنقضي العدة، ولو بنظر أو صوت، وإن كانت مسبية أو كانت حاملا من زنى أو غصب فقد تقدم وجوب استبرائها وهو بالوضع أيضا، وقد نص في المدونة أنه لا يجوز لسيد المستبرأة استمتاع بها بتقبيل، أو جس، أو نظر، لأنه وسيلة الوطء، ووسيلة الحرام حرام، وقد تقدم حديث المجح، ونقل عن ابن حبيب - رحمه الله تعالى - جواز ما سوى الوطء فيهما.
١٢٥٤ - وكل من قد طلقت بعد البنا ... إسكانها بعدة تعينا
١٢٥٥ - وإن يكن دون الثلاث طلقا ... كان عليه واجبا أن ينفقا
١٢٥٦ - ما لم يكن ذاك بخلع حصلا ... إلا إذا ما كانت اَيضا حاملا
١٢٥٧ - كذاك مَن ثلاثةً تُطلق ... إن تك حاملا عليها يُنفَق
١٢٥٨ - وليس بالواجب من إنفاق ... لذات الالتعان بالإطلاق
١٢٥٩ - وهكذا مَن زوجُها عنها فَنِي ... كذاك لا حق لها في السكن
١٢٦٠ - إلا بمسكن له، أو نقدا ... كراءه لربه قبل الردى
стр. 595
قوله: وكل من قد طلقت البيت، معناه أن كل مطلقة بعد الدخول يجب إسكانها، سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا، وكذلك المستبرأة من فسخ، أو لعان، أو طلاق، لمساواتها للمطلقة في حبسها، قال في التبصرة في تعليل وجوب السكنى للمطلقة: وذلك حق للزوج، لحفظ النسب، وحق لها، لأنها ممنوعة من الأزواج من أجل مائه، وحق لله ، ثم قال: والأصل في السكنى لها في الطلاق الرجعي قول الله : (لا تخرجوهن من بيوتهن) وفي وجوبه عليها قوله : (ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) ووجب لها في الطلاق البائن بقوله : (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) ثم قال : (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) فبان بهذا أن هذه العدة عن طلاق بائن، لأنه لم يجعل لهن النفقة إلا بوجود الحمل، ولو كان رجعيا لكانت لها النفقة وإن لم تكن حاملا.
وصفة السكنى أن تلزم المسكن بالليل، قال مالك - رحمه الله تعالى -: ولا بأس أن تخرج قبل الفجر، وتأتي بعد المغرب ما بينها وبين العشاء، وذلك لما روى في الموطإ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن السائب بن خباب توفي وأن امرأته جاءت إلى عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - فذكرت له وفات زوجها، وذكرت له حرثا لهم بقناةَ، وسألته هل يصلح لها أن تبيت فيه، فنهاها عن ذلك، فكانت تخرج من المدينة المنورة سحرا، فتصبح في حرثهم فتظل فيه يومها، ثم تدخل المدينة المنورة إذا أمست، فتبيت في بيتها، قال في التبصرة: وهذا في بعض الأوقات وعند الحاجة تعرض، وليس لها أن تجعل هذا عادة تكون سائر النهار في غير الموضع الذي تعتد فيه، قال مالك في كتاب محمد: ولا أحب أن تكون عند أمها النهار كله.
стр. 596
قوله: وإن يكن دون الثلاث طلقا البيت، معناه أنه إذا كان الطلاق رجعيا فلها النفقة أيضا لأنها زوجة، قال ابن المنذر: أجمع من أحفظ عنه من علماء الأمصار أن للمعتدة التي تملك رجعتها السكنى والنفقة، إذ أحكامها أحكام الأزواج في عامة أمورها.
ولا نفقة للبائن إلا أن تكون حاملا، كما أشار إليه بقوله: ما لم يكن ذلك البيت، وذلك لقوله : (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن) فمفهوم الآية الكريمة عدم وجوب النفقة على غير الحامل، ومنطوقها وجوبها للحامل، وهذا إذا كانت حرة، فإن كانت أمة لم تجب نفقتها للحمل لأنه رقيق، فما يجب له يجب على سيده، ويشترط أيضا كون الأب حرا، فلا تجب على عبد، لأن ذلك تفويت لمال سيده، وتستثنى من الحامل البائن الملاعنة فلا نفقة لحملها إذا نفاه باللعان لعدم لحوقه به، كما أشار إليه بقوله: وليس بالواجب من إنفاق البيت، فإن كان لعانه للرؤية خاصة فعليه النفقة للحمل لأنه لاحق به، وتستثنى من ذلك أيضا المتوفى عنها، فلا نفقة لها مطلقا، حاملا أو لا، أما مع عدم الحمل فلارتفاع أحكام العصمة بالموت كالطلاق البائن، وأما مع الحمل فلأن وجوب النفقة في الحياة للحمل لأنه ولد، فتسقط نفقته كسائر القرابات، وأما السكنى فإن كان المسكن له أو كان قد اكتراه ونقد كراءه فهي أحق به، وإن لم يكن نقد كراءه فلا سكنى لها في ماله، وتؤدي الكراء من مالها ولا تخرج إلا أن يخرجها رب الدار ويطلب من الكراء ما لا يشبه، والأصل في لزوم سكناها حديث الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنهما - (١)
стр. 597
في الموطإ وغيره (١).
١٢٦١ - وما لمعتدة أن تفارقا ... مسكنها الذي به قد طلقا
١٢٦٢ - أو مات عنها، دون عذر ظاهر ... مثلِ غُلوٍّ في الكرا مستنكَر
١٢٦٣ - ونحو ذا، ولتلزمنَّ الاخَرا ... إلا لعذر كالذي قد غبرا
معناه أنه لا يجوز للمعتدة أن تنتقل عن مسكنها في طلاق أو موت، إلا لعذر ظاهر كغلو الكراء، وعورة المنزل، مما لا يمكنها المقام معه لخبر فاطمة بنت قيس أنها قالت يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: أخاف أن يقتحم علي، فأمرها أن تتحول، وقد روى في الموطإ عن يحيى بن سعيد أنه سمع القاسم بن محمد وسليمان بن يسار يذكران أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق ابنت عبد الرحمن بن الحكم البتة فانتقلها عبد الرحمن بن الحكم فأرسلت عائشة أم المؤمنين - رضي الله تعالى عنها - إلى مروان بن الحكم وهو يومئذ أمير المدينة، فقالت: اتق الله تعالى واردد المرأة إلى بيتها، فقال مروان في حديث سليمان: إن عبد الرحمن غلبني، وقال مروان في حديث القاسم: أوما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ فقالت عائشة - رضي الله تعالى عنها -: لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان: إن كان بكِ الشر فحسبك ما بين هذين من الشر.
وإذا انتقلت من مسكنها لعذر لزمت الذي تنتقل إليه، ولا يجوز لها أن تنتقل عنه إلا لعذر، قال في التاج: من المدونة: حكمها في ما انتقلت إليه كما انتقلت عنه، وإن انتقلت لغير عذر ردها الإمام.
١٢٦٤ - وألزموا إرضاع أم غير ... بائن إلا لعلو قدر
١٢٦٥ - بدون أجر ولغيرها الإبا ... والاجر إن ترضع لها قد وجبا
стр. 598
معناه أن أم الصبي يلزمها إرضاعه بلا أجر، إذا كانت غير بائن، ولا شريفة لا يرضع مثلها، وذلك لقوله : (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) قال في الإشراف: ولا يجوز أن يكون المراد به الخبر لأنه لا فائدة فيه، فثبت أن المراد به الأمر، ولأن العرف جار بذلك في غالب أمور الناس أن المرأة تلي رضاع ولدها بنفسها من غير أن يكلف زوجها أجرة، وما وأما المطلقة طلاقا بائنا، والمتوفى عنها، والرجعية تنقضي عدتها، فلا يلزمهن إرضاع، وإن أرضعن فلهن أجرة المثل، لقوله : (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) وهذا إذا لم يقبل الولد غيرهن، فإن قبل غيرهن وطلبن زائدا على أجر المثل كان الأب بالخيار، أو الوصي في المتوفى عنها، وإن طلبن أجر مثلهن ووجد الأب أو الوصي من يرضعه بدون ذلك ففيه قولان أشهرهما لزوم ما أردن لعموم الآية الكريمة، وإن مات الأب أو أعسر، ولم يكن للصبي مال، وكان لهن لبان ومال، فإن شئن أرضعن، وإن شئن استأجرن، إلا أن لا يقبل غيرهن فيتعين عليهن الإرضاع، واحتج لوجوب الإرضاع عليهن في هذه الأحوال بأمره صلى الله تعالى عليه وسلم الزانية أن ترضع ولدها، وفي كتاب ابن الجلاب أن رضاعه في عدم الأب أو موته مع عُدم الصبي على بيت المال، واختاره اللخمي - رحمهما الله تعالى - وأما الأم الشريفة القدر فهي في البينونة كغيرها، وفي الزوجية والطلاق الرجعي فإن أرادت أن ترضعه بأجر كان لها ذلك، إن كان الأب موسرا، أو للابن مال على المشهور، إذ لا يلزمها رضاعه بمقتضى الشرط الذي اقتضاه العرف، و قيل لا أجرة لها إذا أرادت أن ترضعه، وإلى هذا أشار بقوله: ولغيرها الإبا إلخ، فالمراد بالغير البائن والزوجة الشريفة التي لا يرضع مثلها.
١٢٦٦ - حضانة الصبي حيث ما افترق ... ألأبوان أمه بها أحق
١٢٦٧ - إلى بناء البنت والغلام ... يكفيك من شأنه الاحتلام
١٢٦٨ - فجدة فخالة وحيث لم ... يكن له من جهة الأم رحم
стр. 599
١٢٦٩ - فالاخت فالعمة ثم العصبه ... على القرابة له مرتبه
الحضانة مأخوذة من الحضن، وهو ما دون الإبط إلى الكشح، ونواحي كل شيء وجوانبه أحضانه، وكأن الصبي ضم إلى جوانب المحضون.
وعرف الباجي - رحمه الله تعالى - الحضانة بأنها حفظ الولد في مبيته، ومؤنة طعامه، ولباسه، ومضجعه، وتنظيف جسده.
قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: لا خلاف بين أحد من الأمة في إيجاب كفالة الأطفال الصغار، لأن الإنسان خلق ضعيفا مفتقرا إلى من يكفُله ويربيه، حتى ينفع نفسه ويستغني بذاته، فهو من فروض الكفاية، لا يحل أن يترك الصغير دون كفالة ولا تربية حتى يهلك ويضيع، وإذا قام به قائم سقط عن الناس، ولا يتعين ذلك على أحد سوى الأب وحده، ويتعين على الأم في حولي رضاعه إذا لم يكن له أب، ولا مال تستأجر له منه، أو كان لا يقبل ثدي سواها فتجبر على رضاعه.
стр. 600
قوله: حضانة الصبي البيت، معناه أن أم الصبي إذا طلقها أبوه أو مات أحق بحضانته من سائر قراباته لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم للتي قالت: إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحِجري له حواء، وأنا له الفداء، فزعم أبوه أنه ينتزعه مني " أنت أحق به ما لم تنكحي " (١) وهي لهما معا ما داما زوجين، وتلي الأمَّ أمهاتُها، واختلف في الأب والخالة، والمشهور تقديم الخالة عليه، ثم خالتها، والأصل في الخالة قضاؤه صلى الله تعالى عليه وسلم بابنة حمزة لجعفر، لمكان أسماء بنت عميس خالتها منه - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - وقال: " الخالة بمنزلة الأم " (٢) ثم بعد قرابات الأم اختلف أيضا هل الأب أحق من قراباته من النساء، لأنهن يدلين به، أو بالعكس، لأنه يستنيب في الحضانة غيره، أو الجدات أحق منه، وهو أحق من غيرهن، وهو الذي في المدونة، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: نساء الأب من له عليه أمومة، وأول فصل لمن هي له عليه، فتخرج الأخت للأب، ويلي ذلك الوصي، ثم العصبة، قال ابن عرفة: روى محمد الأخ، ثم الجد، ثم ابن الأخ، ثم ابن العم، وهو نقل أهل المذهب.
ويقدم في هذه القرابات عند التعدد الشقيق، لأنه أقوى صلة، ويقدم مع التساوي الأسن، ثم الأشفق، وذلك أن مبنى الترتيب المتقدم التفاوت في العطف والحنان على مجرى العادة، ولذلك قدمت الأم على الأب، وقدمت قرابتها باتفاق على قرابته، وإذا ثبتت قسوة الأقرب مع الصبي قسوة تضر به قدم الأبعد.