قوله: وإن يكن دون الثلاث طلقا البيت، معناه أنه إذا كان الطلاق رجعيا فلها النفقة أيضا لأنها زوجة، قال ابن المنذر: أجمع من أحفظ عنه من علماء الأمصار أن للمعتدة التي تملك رجعتها السكنى والنفقة، إذ أحكامها أحكام الأزواج في عامة أمورها.
ولا نفقة للبائن إلا أن تكون حاملا، كما أشار إليه بقوله: ما لم يكن ذلك البيت، وذلك لقوله : (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن) فمفهوم الآية الكريمة عدم وجوب النفقة على غير الحامل، ومنطوقها وجوبها للحامل، وهذا إذا كانت حرة، فإن كانت أمة لم تجب نفقتها للحمل لأنه رقيق، فما يجب له يجب على سيده، ويشترط أيضا كون الأب حرا، فلا تجب على عبد، لأن ذلك تفويت لمال سيده، وتستثنى من الحامل البائن الملاعنة فلا نفقة لحملها إذا نفاه باللعان لعدم لحوقه به، كما أشار إليه بقوله: وليس بالواجب من إنفاق البيت، فإن كان لعانه للرؤية خاصة فعليه النفقة للحمل لأنه لاحق به، وتستثنى من ذلك أيضا المتوفى عنها، فلا نفقة لها مطلقا، حاملا أو لا، أما مع عدم الحمل فلارتفاع أحكام العصمة بالموت كالطلاق البائن، وأما مع الحمل فلأن وجوب النفقة في الحياة للحمل لأنه ولد، فتسقط نفقته كسائر القرابات، وأما السكنى فإن كان المسكن له أو كان قد اكتراه ونقد كراءه فهي أحق به، وإن لم يكن نقد كراءه فلا سكنى لها في ماله، وتؤدي الكراء من مالها ولا تخرج إلا أن يخرجها رب الدار ويطلب من الكراء ما لا يشبه، والأصل في لزوم سكناها حديث الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنهما - (١)
стр. 597
في الموطإ وغيره (١).
١٢٦١ - وما لمعتدة أن تفارقا ... مسكنها الذي به قد طلقا
١٢٦٢ - أو مات عنها، دون عذر ظاهر ... مثلِ غُلوٍّ في الكرا مستنكَر
١٢٦٣ - ونحو ذا، ولتلزمنَّ الاخَرا ... إلا لعذر كالذي قد غبرا
معناه أنه لا يجوز للمعتدة أن تنتقل عن مسكنها في طلاق أو موت، إلا لعذر ظاهر كغلو الكراء، وعورة المنزل، مما لا يمكنها المقام معه لخبر فاطمة بنت قيس أنها قالت يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: أخاف أن يقتحم علي، فأمرها أن تتحول، وقد روى في الموطإ عن يحيى بن سعيد أنه سمع القاسم بن محمد وسليمان بن يسار يذكران أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق ابنت عبد الرحمن بن الحكم البتة فانتقلها عبد الرحمن بن الحكم فأرسلت عائشة أم المؤمنين - رضي الله تعالى عنها - إلى مروان بن الحكم وهو يومئذ أمير المدينة، فقالت: اتق الله تعالى واردد المرأة إلى بيتها، فقال مروان في حديث سليمان: إن عبد الرحمن غلبني، وقال مروان في حديث القاسم: أوما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ فقالت عائشة - رضي الله تعالى عنها -: لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان: إن كان بكِ الشر فحسبك ما بين هذين من الشر.
وإذا انتقلت من مسكنها لعذر لزمت الذي تنتقل إليه، ولا يجوز لها أن تنتقل عنه إلا لعذر، قال في التاج: من المدونة: حكمها في ما انتقلت إليه كما انتقلت عنه، وإن انتقلت لغير عذر ردها الإمام.
١٢٦٤ - وألزموا إرضاع أم غير ... بائن إلا لعلو قدر
١٢٦٥ - بدون أجر ولغيرها الإبا ... والاجر إن ترضع لها قد وجبا
стр. 598
معناه أن أم الصبي يلزمها إرضاعه بلا أجر، إذا كانت غير بائن، ولا شريفة لا يرضع مثلها، وذلك لقوله : (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) قال في الإشراف: ولا يجوز أن يكون المراد به الخبر لأنه لا فائدة فيه، فثبت أن المراد به الأمر، ولأن العرف جار بذلك في غالب أمور الناس أن المرأة تلي رضاع ولدها بنفسها من غير أن يكلف زوجها أجرة، وما وأما المطلقة طلاقا بائنا، والمتوفى عنها، والرجعية تنقضي عدتها، فلا يلزمهن إرضاع، وإن أرضعن فلهن أجرة المثل، لقوله : (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) وهذا إذا لم يقبل الولد غيرهن، فإن قبل غيرهن وطلبن زائدا على أجر المثل كان الأب بالخيار، أو الوصي في المتوفى عنها، وإن طلبن أجر مثلهن ووجد الأب أو الوصي من يرضعه بدون ذلك ففيه قولان أشهرهما لزوم ما أردن لعموم الآية الكريمة، وإن مات الأب أو أعسر، ولم يكن للصبي مال، وكان لهن لبان ومال، فإن شئن أرضعن، وإن شئن استأجرن، إلا أن لا يقبل غيرهن فيتعين عليهن الإرضاع، واحتج لوجوب الإرضاع عليهن في هذه الأحوال بأمره صلى الله تعالى عليه وسلم الزانية أن ترضع ولدها، وفي كتاب ابن الجلاب أن رضاعه في عدم الأب أو موته مع عُدم الصبي على بيت المال، واختاره اللخمي - رحمهما الله تعالى - وأما الأم الشريفة القدر فهي في البينونة كغيرها، وفي الزوجية والطلاق الرجعي فإن أرادت أن ترضعه بأجر كان لها ذلك، إن كان الأب موسرا، أو للابن مال على المشهور، إذ لا يلزمها رضاعه بمقتضى الشرط الذي اقتضاه العرف، و قيل لا أجرة لها إذا أرادت أن ترضعه، وإلى هذا أشار بقوله: ولغيرها الإبا إلخ، فالمراد بالغير البائن والزوجة الشريفة التي لا يرضع مثلها.
١٢٦٦ - حضانة الصبي حيث ما افترق ... ألأبوان أمه بها أحق
١٢٦٧ - إلى بناء البنت والغلام ... يكفيك من شأنه الاحتلام
١٢٦٨ - فجدة فخالة وحيث لم ... يكن له من جهة الأم رحم
стр. 599
١٢٦٩ - فالاخت فالعمة ثم العصبه ... على القرابة له مرتبه
الحضانة مأخوذة من الحضن، وهو ما دون الإبط إلى الكشح، ونواحي كل شيء وجوانبه أحضانه، وكأن الصبي ضم إلى جوانب المحضون.
وعرف الباجي - رحمه الله تعالى - الحضانة بأنها حفظ الولد في مبيته، ومؤنة طعامه، ولباسه، ومضجعه، وتنظيف جسده.
قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: لا خلاف بين أحد من الأمة في إيجاب كفالة الأطفال الصغار، لأن الإنسان خلق ضعيفا مفتقرا إلى من يكفُله ويربيه، حتى ينفع نفسه ويستغني بذاته، فهو من فروض الكفاية، لا يحل أن يترك الصغير دون كفالة ولا تربية حتى يهلك ويضيع، وإذا قام به قائم سقط عن الناس، ولا يتعين ذلك على أحد سوى الأب وحده، ويتعين على الأم في حولي رضاعه إذا لم يكن له أب، ولا مال تستأجر له منه، أو كان لا يقبل ثدي سواها فتجبر على رضاعه.
стр. 600
قوله: حضانة الصبي البيت، معناه أن أم الصبي إذا طلقها أبوه أو مات أحق بحضانته من سائر قراباته لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم للتي قالت: إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحِجري له حواء، وأنا له الفداء، فزعم أبوه أنه ينتزعه مني " أنت أحق به ما لم تنكحي " (١) وهي لهما معا ما داما زوجين، وتلي الأمَّ أمهاتُها، واختلف في الأب والخالة، والمشهور تقديم الخالة عليه، ثم خالتها، والأصل في الخالة قضاؤه صلى الله تعالى عليه وسلم بابنة حمزة لجعفر، لمكان أسماء بنت عميس خالتها منه - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - وقال: " الخالة بمنزلة الأم " (٢) ثم بعد قرابات الأم اختلف أيضا هل الأب أحق من قراباته من النساء، لأنهن يدلين به، أو بالعكس، لأنه يستنيب في الحضانة غيره، أو الجدات أحق منه، وهو أحق من غيرهن، وهو الذي في المدونة، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: نساء الأب من له عليه أمومة، وأول فصل لمن هي له عليه، فتخرج الأخت للأب، ويلي ذلك الوصي، ثم العصبة، قال ابن عرفة: روى محمد الأخ، ثم الجد، ثم ابن الأخ، ثم ابن العم، وهو نقل أهل المذهب.
ويقدم في هذه القرابات عند التعدد الشقيق، لأنه أقوى صلة، ويقدم مع التساوي الأسن، ثم الأشفق، وذلك أن مبنى الترتيب المتقدم التفاوت في العطف والحنان على مجرى العادة، ولذلك قدمت الأم على الأب، وقدمت قرابتها باتفاق على قرابته، وإذا ثبتت قسوة الأقرب مع الصبي قسوة تضر به قدم الأبعد.
стр. 601
وانتهاء الحضانة في الذكر ببلوغه، فإذا بلغ سقطت حضانته، ولو بلغ زمنا، وقال ابن شعبان لا تنتهي في الغلام حتى يبلغ صحيح العقل والبدن، وروى ابن وهب أنها للإثغار، فإذا أثغر كان للأب أن يضمه إليه، وأما البنت فتستمر حضانتها إلى دخول زوج بها، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وصفة الحاضنة ألا تكون عاجزة عن القيام بالمحضون، لا يخشى إدخالها عليه ضررا ولا فساد طبع، ولا بدن، ولا معيشة، فمن بلغ بها ضعفها
ألا تتصرف إلا بمشقة فلا حضانة لها، والسفه في الدين، أو في العقل، أو حفظ المال بتبذيره قبل تمام مدة فرضه يسقطها، والسفيهة المولى عليها ذات صون وقيام غير متلفة لما تقبضه حضانتها ثابتة.
ويشترط كون مكان الحاضن حرزا، ولا سي ما إذا كان المحضون بنتا يخاف عليها، اللخمي: شرط حضانة الرجل وجود أهل زوجة أو سرية في الذكور، ويطلب في الولي للإناث كونه ذا محرم، فإن لم يكنه فعدم أمنه مانع، فإن كان مأمونا ذا أهل فروى محمد: إن تزوجت أم الصبية ولها وصي بقيت عند أمها مع زوجها، لأنه صار ذا محرم، والوصي ليس بمحرم منها، إلا أن يخاف عليها عنده فالوصي أولى، ولأصبغ في العتبية: الوصي أولى من الأم إذا تزوجت، ومن العم والأخ بالإناث، وإن كن قد بلغن أبكارا، والولي إذا لم يكن بينها وبينه محرم كالوصي، وقول مالك - رحمه الله تعالى - أصوب، لأنها في كفالته لا بد أن يطلع منها على ما لا يحل لطول الصحبة والتربية، وفي من لم تبلغ الوطء نظر، يصح حضانتها الوصي والولي إلى بلوغ حد الوطء فتنزع، ومنعها لمشقة نقلها من قوم إلى قوم قاله ابن عرفة - رحمه الله تعالى -.
стр. 602
ويشترط في الحاضنة الأنثى الخلو عن زوج دخل، فإن كان لها زوج قد دخل بها فقال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: إن كان ذا رحم من المحضون فلا يخلو من وجهين أحدهما أن يكون محرما عليه، والثاني ألا يكون محرما عليه، فإن كان محرما عليه فسواء كان ممن له الحضانة كالعم والجد للأب أو ممن لا حضانة له كالخال والجد للأم فلا تأثير له في إسقاط الحضانة، وأما إن كان غير محرم عليه فلا يخلو أن يكون ممن له الحضانة فهي أحق به، ما لم يكن للمحضون حاضنة أقرب إليه منها فارغة من زوج، وإن كان زوجها أبعد من الولي الآخر، وإن كان ممن لا حضانة له فإنه تسقط حضانتها بكل حال كالأجنبي سواء، وذهب ابن وهب إلى أن الزوج يسقط حضانة الحاضنة وإن كان ذا رحم من المحضون.
١٢٧٠ - والمرء ليس ملزما أن ينفقا ... سوى نسائه كما قد سبقا
١٢٧١ - وإن يكن لهن مال جزُلا ... فذا لمتعة بهن قابلا
١٢٧٢ - أو والديه ذوي الافتقار ... أو فُقَرا أولاده الصغار
١٢٧٣ - إلى انتهاء زمن الحضانه ... مع السلامة من الزمانه
١٢٧٤ - وغير هؤلا من الأقارب ... إنفاقه عليهمُ لم يجب
١٢٧٥ - نعم على عبيده ينحتم ... إنفاقه كذاك تكفينهم
стр. 603
معناه أن الذي يجب على المرء أن ينفق عليه هو نساؤه، ووالداه دنية، وأولاده الصغار دنية أيضا، وأرقاؤه، سواء كان الكل مسلمين أو كفارا، أما زوجاته فتجب لهن النفقة مطلقا أعدمن أو أيسرن، حرائر كن أو إماء، لأن النفقة عليهن وجبت للزوجية والمتعة، وأما الأبوان والأولاد فلا تجب نفقتهم إلا إذا لم يكن لهم مال، وكان عنده ما يزيد على نفقته ونفقة زوجته، لأنها مواساة، وفي معنى المال أن تكون لهم صنعة تقوم بهم لا تلحقهم بها معرة، فتسقط نفقتهم بها إلا أن تكسد أو يعوقهم عنها مرض فتجب لهم النفقة على الأب في مسألة الأولاد، وعلى الابن في مسألة الأبوين، وإذا كانت الصنعة تقوم بالبعض فقط كان الواجب الإتمام، ولا فرق في وجوب نفقة الأبوين بين الذكر والانثى، والصغير والكبير، واليتيم وذي الأب، والمتزوجة والأيم، ويجب على الابن أن ينفق على زوجة أبيه على المشهور، وإن كانت له زوجتان فإن كانت إحداهما أمه أنفق على أمه فقط، ولا يلزمه أن ينفق على الأخرى، إلا إذا كانت شابة وكانت أمه مسنة وكانت في الأب بقية، قال في التبصرة: وليس له إذا كان له مال أن يتلفه بصدقة أو هبة وتعود نفقته على ولده، وللولد أن يرد فعله ذلك، وكذا لو تصدق به على بعض ولده كان للآخر أن يرد فعله.
ولا تسقط نفقة الأم بتزوجها من عاجز عن نفقتها، فإن قدر على البعض فعلى الابن أن يتمها لها، وأما الأولاد فالذكر تسقط نفقته ببلوغه صحيحا قادرا على الكسب، وأما الأنثى فلا تسقط عن أبيها إلا بوجوبها على زوج، والأصل في وجوب نفقة الزوجات والأولاد حديث هند، وفي الزوجات أيضا قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " (١).
وفي نفقة الأبوين الأمر بمصاحبتهما معروفا، والإحسان إليهما، والشكر لهما في الآية الكريمة.
стр. 604
ويشترط في وجوب النفقة على الوالدين والأبناء حرية المنفق والمنفق عليه، أما الأول فلأن العبد غير مالك حقيقة حتى تجب عليه المواساة، وأما الثاني فلأن الرقيق تجب نفقته على سيده لحديث الموطإ وغيره " للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق " (١) قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: ومعنى بالمعروف أي من غير إسراف ولا إقتار على قدر سعة السيد وما يشبه حال العبد أيضا، فليس الوغد الأسود الذي هو للخدمة والحرث، كالنبيل التاجر الفاره فيما يجب لهما على سيدهما من الكسوة سواء، ويقضى للعبد على سيده إن قصر عما يجب له عليه بالمعروف، نقله في المواهب.
ولا يلزمه أن يكسو رقيقه مثل ما يكتسي، ولا أن يطعمهم مثل ما يطعم، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله في الباب الجامع.
قوله: كذاك تكفينهم، معناه أنه يجب على السيد تكفين رقيقه، وهذا أمر متفق عليه، وكذلك يجب على المرء تكفين من تجب عليه نفقته بغير الزوجية.
والزمانة في قوله: مع السلامة من الزمانه: العجز لضعف الأعضاء والمرض، والمعنى أن سقوط النفقة يكون بسقوط الحضانة بحيث يبلغ الولد ويدخل بالبنت زوج مع السلامة من الزمانه، فإذا بلغ الابن زمنا، أو غير عاقل، لم تسقط نفقته على المشهور، وإذا دخل بالبنت وهي زمنة وطلقت وهي زمنة عادت نفقتها على أبيها بطلاقها على المشهور.
١٢٧٦ - وحيث كان ذا اتساع أخدما ... نساءه عندئذ تحتما
١٢٧٧ - والخلف هل يلزم كفْن زوجته ... لو ذات مال إن تمت بعصمته
١٢٧٨ - وذا إلى ابن الماجشون ينتمي ... وعدمُ اللزوم لابن القاسم
١٢٧٩ - وحتمه لذات فقر دونا ... غنية عزوا إلى سحنونا
стр. 605
قوله: وحيث كان البيت، معناه أنه إذا كانت للزوج سعة وجب عليه إخدام زوجته، وقال ابن الماجشون هو كالنفقة يجب عليه مطلقا، وتطلق عليه إذا عجز عنه، وقال ابن حبيب إنما يجب الإخدام إذا كان الزوج موسرا والزوجة من ذوات الأقدار.
قال في المواهب: قال القرطبي في كتاب النفقات في حديث السيدة فاطمة (١) - رضي الله تعالى عنها -: ولا خلاف في استحباب خدمتها بنفسها تبرعا، لأنه معونة للزوج، وهي مندوب إليها.
قوله: والخلف هل يلزم الأبيات، معناه أنه اختلف هل يجب على الزوج كفن زوجته التي ماتت وهي في عصمته، فقال ابن القاسم لا يجب لانقطاع الزوجية التي هي سبب وجوب النفقة بالموت، وأوجبه عبد الملك لاتصال حكم الزوجية، بدليل جواز التغسيل، واستحسن سحنون وجوبه للفقيرة دون الغنية ﵏ أجمعين ـ.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحابته أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
تمت مقابلة هذا الجزء المرة الأولى عشية السبت، التاسع عشر، من شهر رمضان المبارك، وتمت مقابلته المرة الثانية عشية الأحد لست بقين من شوال، عام اثنين وأربعين وأربعمائة وألف، من هجرة سيد المرسلين، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأزواجه وذريته وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا، في تسعة وثلاثين مجلسا، بمحروسة كيف، والحمد لله رب العالمين.
стр. 606
باب في البيوع وما شاكل البيوع
١٢٨١ - ألبيع قد اُحِلَّ في الكتاب ... نصا كذاك حُرِّم الترابي
١٢٨٢ - وكان قبل مبعث الميمون ... عندهم الربا ربا الديون
١٢٨٣ - إن شا قضاه دينَه أو زاده ... مؤخرا عنه بذي الزياده
البيع مصدر، يقال باع يبيع بيعا ومبيعا، والقياس: مباع، والشيء مبيع ومبيوع، والبياعة: السلعة أيضا، ويقال للبائع والمشتري البائعان والبيعان، وأبعت الشيء: عرضته للبيع، واستبعت فلانا كذا: سألته أن يبيعه مني، والابتياع: الاشتراء، وجُمع البيع مع أنه مصدر والمصادر لا تجمع، بتأويل الأنواع والتقاسيم، وهو من الأضداد، يقال: باع الشيء إذا شراه أو اشتراه، ومن الثاني حديث " لا يبع بعضكم على بيع بعض " (١) وعرفه ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: البيع الأعم: عقد معاوضة على غير منافع، ولا متعة لذة، فتخرج الإجارة والكراء والنكاح، وتدخل هبة الثواب، والصرف، والمراطلة، والسلم، والغالب عرفا أخص منه بزيادة: ذو مكايسة، أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة، معين غير العين فيه، فتخرج الأربعة.
стр. 607
وقال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: البيع ينقسم على أربعة أقسام، بيع مساومة، وبيع مزايدة، وبيع استرسال واستيهاب، وبيع مرابحة، فالأولان جائزان بلا خلاف، وكذلك يجوز بيع المرابحة بالإطلاق، ومال المازري - رحمه الله تعالى - إلى منعه إن افتقر إلى فكرة حسابية، وكذلك بيع الاسترسال في الأكثر، وسمع عيسى ابن القاسم: من قال لبائع: بعني كما تبيع من الناس فإنه لا يصلح، ويفسخ إن كان قائما، ويرد مثله إن كان مثليا، وإلا رد قيمته، وهل لا يكون الاسترسال إلا في المشتري، أو فيه وفي البائع، قولان لابن القاسم وابن حبيب وغيره، وهو الصحيح قاله ابن رشد.
قال في المواهب: وباب البيع مما يتعين الاهتمام بمعرفة أحكامه، لعموم الحاجة إليه، إذ لا يخلو مكلف غالبا من بيع أو شراء، فيجب أن يعلم حكم الله في ذلك قبل التلبس به، وقول بعض الناس يكفي ربع العبادات ليس بشيء، قاله في التوضيح، ثم قال: فيجب على كل أحد أن يتعلم منه ما يحتاج إليه، ثم يجب على الشخص العمل بما علمه من أحكامه، ويجتهد في ذلك، ويحترز من إهمال ذلك، فيتولى أمر شرائه وبيعه بنفسه إن قدر، وإلا فغيره بمشاورته، ولا يتكل في ذلك على من لا يعرف الأحكام، أو يعرفها ويتساهل في العمل بمقتضاها.
وفي الحديث " أفضل الكسب بيع مبرور وعمل الرجل بيده " (١) والبيع المبرور هو الذي بر فيه صاحبه، فلم يعص الله فيه ولا به.
стр. 608
قوله: والبيع قد أحل البيت، أشار به إلى آية البقرة التي افتتح الشيخ بها هذا الباب تبركا، قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: لا خلاف أن البيع من حيث الجملة جائز، قال ابن عبد السلام: وهو معلوم من الدين ضرورة، فالاستدلال على ذلك من الكتاب والسنة المذكورة في الكتب والمجالس على سبيل التبرك بذكر الآي والأحاديث، مع تمرين الطلبة على الاستدلال، واختلف السلف في معنى قوله : (وأحل الله البيع وحرم الربا) فقيل المراد به ما كانت الجاهلية عليه من فسخ الدين في الدين، يقول المطلوب أخرني وأزيدك، فقالوا سواء علينا إن زدنا في أول البيع أو عند محل الأجل فكذبهم الله ، وإلى هذا ذهب مجاهد وغيره، فالألف واللام لتعريف العهد، وقيل المراد به كل بيع محرم بالإطلاق، وإليه ذهب عمر بن الخطاب وعائشة - رضي الله تعالى عنهما - ولا خلاف أن من استحل الربا كافر.
قوله: وكان قبل مبعث الميمون البيتين، أشار به إلى أن الربا كان في الجاهلية في الديون، وذلك أن يقول صاحب الدين للمدين عند حلول الدين: إما أن تقضيني وإما أن تربي لي، وهذا أمر مجمع على تحريمه.
وقوله في الترجمة: وما شاكل البيوع، يريد به القرض والإجارة والكراء والجعل والشركة والقراض والمساقاة والمزارعة، والمشاكلة: المشابهة.
١٢٨٤ - وبيع فضة بفضة معا ... زَيْدانٍ أو تأخرٍ قد مُنِعا
١٢٨٥ - كذهب بذهب أما ذهب ... بفضة فالفضل في ذا لم يُعَب
١٢٨٦ - حيث يدا بيد الصرف وقع ... وإن يكن مع نَساء امتنع
стр. 609
قوله: وبيع فضة إلى قوله: كذهب بذهب، معناه أنه لا يجوز في بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة زيادة ولا تأخير، سواء كان أحدهما أجود من الآخر أو لا، أو كان أحدهما صحيحا والآخر مكسورا، أو أحدهما تبرا والآخر مضروبا، أو أحدهما مصوغا والآخر مسكوكا، سواء كانا قائمين أو أحدهما دينا، وسواء كانت الزيادة يسيرة أو كثيرة، من جنس النقد أو لا، وقد أتي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بقلادة وهو بخيبر من غنائمها فيها ذهب وخَرْزٌ فأمر بالذهب الذي في القلادة فنزع وبيع وحده، وقال: " الذهب بالذهب وزنا بوزن " (١) وقد جاء عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا قال له: إني أصوغ الذهب وأبيعه بأكثر من وزنه فأستفضل قدر عمل يدي فيها، فقال له: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلينا، وعهدنا إليكم، (٢)
стр. 610
ولا فرق في التأخير كذلك بين أن يكون يسيرا أو كثيرا، وقد روى مالك - رحمه الله تعالى - في موطئه عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري أنه التمس صرفا بمائة دينار، قال فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني، وأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهم - يسمع، فقال عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: لا والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، ثم قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " الذهب بالورق ربى إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربى إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربى إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربى إلا هاء وهاء " (١) قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: فلا يجوز في الصرف، ولا في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مواعدة، ولا خيار، ولا كفالة، ولا حوالة، ولا يصح إلا بالمناجزة الصحيحة، لا يفارق صاحبه وبينه وبينه عمل، قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تُشِفُّوا (٢) بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها شيئا غائبا بناجز " (٣) وقال عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الرماء، والرماء: الربا، (٤)
стр. 611
ثم قال: والنظرة في الصرف تنقسم على ثلاثة أقسام، أحدها أن ينعقد الصرف بينهما على أن ينظر أحدهما صاحبه بشيء مما اصطرفا فيه وإن قل، فهذا إذا وقع فسخ جميع الصرف باتفاق، لانعقاده على فساد، والثاني أن ينعقد الصرف بينهما على المناجزة ثم يؤخر أحدهما صاحبه بشيء مما اصطرفا فيه، فهذا ينتقض الصرف في ما وقع فيه التأخير باتفاق، وإن كان درهما انتقض صرف دينار واحد، ما بينه وبين أن يكون الذي وقع فيه التأخير أكثر من صرف دينار، فينتقض صرف دينارين كذا أبدا على هذا الترتيب، واختلف هل يجوز من الصرف ما وقعت فيه المناجزة ولم يقع فيه تأخير أم لا على قولين، أحدهما أن ذلك لا يجوز، لأنهما متهمان على القصد لذلك والعقد عليه، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة وقول محمد بن المواز، والثاني أن ذلك يجوز ولا يفسخ، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز، والقسم الثالث أن ينعقد الصرف بينهما على المناجزة فيتأخر شيء مما وقع الصرف عليه بنسيان أو غلط أو سرقة من الصراف أو ما أشبه ذلك مما يغلبان عليه أو أحدهما، فهذا يمضي الصرف في ما وقع فيه التناجز، ولا ينتقض باتفاق، واختلف هل ينتقض في ما حصل فيه التأخير إن تجاوز النقصان مثل أن يصرف منه دينارا بدراهم فيجد من الدراهم درهما ناقصا فيقول أنا أتجاوزه فلا ينتقض من الصرف شيء على قولين أحدهما قول ابن القاسم إن ذلك لا يجوز، وينتقض من الصرف صرف دينار واحد، إلا أن يكون العدد الذي نقص أكثر من صرف دينار فينتقض صرف دينارين كذا أبدا على المثال والترتيب، والثاني قول أشهب إن الصرف يجوز ولا ينتقض منه شيء إن تجاوز النقصان، كالدانق إذا رضي به، وقد روي عن ابن القاسم، وقد روى ابن القاسم مثل قول أشهب في النقصان اليسير كالدانق والدانقين، وقاله أصبغ في الدرهم من الألف درهمٍ، وذلك لأن الموازين قد تختلف في مثل هذا المقدار، وما تختلف فيه الموازين لا اختلاف عندي في جواز تجاوزه، وليس ما روي عن ابن
стр. 612
القاسم في هذا اختلافا من قوله، وإنما المعنى في ذلك أن الدانق والدانقين مرة رأى أن الموازين تختلف عليه فأجاز التجاوز عنه، ومرة رأى أن الموازين لا تختلف عليه، فلم يجز التجاوز عنه، وأما إن أراد أن يرجع بالنقصان فيأخذه فلا يجوز إلا على مذهب من أجاز البدل في الصرف، ورأى أن الغلبة على التأخير فيه بالنسيان والغلط والسرقة والتدليس وما أشبه ذلك لا يبطل الصرف ولا يفسده، فإن وجد في ما صارفه فيه بعد الافتراق زائفا أبدله، وإن وجد ناقصا أخذه، وإن استحق منه شيء أخذ عوضه، وهذا كله على مذهبهم في المجلس ما لم يفترقا على معرفة ذلك.
قوله: أما ذهب بفضة إلخ، معناه أنه إذا اختلف النوع بأن كان أحد العوضين ذهبا والآخر فضة فالفضل جائز، وأما التأخير فيمنع مطلقا اتحد النوع أو اختلف، وهذا النوع هو المسمى في الاصطلاح بالصرف، ويستعمل أيضا في ما يعم المراطلة، والحاصل أن الربا يدخل في الصرف من نوع واحد - وهو المراطلة - من وجهين الفضل والنساء، فلا بد من التماثل والتناجز، ويدخل في الصرف من نوعين من وجه واحد، وهوالنساء، ولضيق أمر الصرف كره العمل به لغير أهل الخشية، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: العتبي: كره مالك - رحمهما الله تعالى - العمل به إلا لمتق، ابن رشد - رحمه الله تعالى -: وقليل ما هو، العتبي عن أصبغ: يكره أن يستظل بظل صيرفي، وروى الشيخ: الصرف من الباعة أحب إلي من الصيارفة.
١٢٨٧ - وما من الأقوات أيضا يُدَّخَر ... ففيه كل من الامرين انحظر
١٢٨٨ - إذا بجنسه يباع أما ... بغيره فالفضل ليس حِرْما
١٢٨٩ - والادخار شرْط منع الفضل ... أما ربا النَّسا فذا في الكل
١٢٩٠ - فإن بجَزْر بعتَه بطاطسا ... فالفضل جائز ويحرم النسا
١٢٩١ - كذاك إن بالجزر بعتَ جزرا ... فالفضل في ذلك ليس حظْرا
١٢٩٢ - أما الشعير بالشعير مثلا ... فالفضل كالنساء فيه حُظلا
١٢٩٣ - من كل قابل ادخار من طعام ... وسائر الشراب أيضا والادام
стр. 613
١٢٩٤ - ويابس الفاكهة الذْ يُدخَر ... على الذي الشيخ بذلك ذكر
١٢٩٥ - والماء ليس بطعام جمله ... فجوزنَّ ذاك فيه كلَّهْ
قوله: وما من الأقوات أيضا إلى قوله: منع الفضل، معناه أن الأقوات المدخرة يحرم الفضل بينها أيضا إذا بيع بعضها ببعض، وكانت نوعا واحدا، فإن اختلف نوعها جازت المفاضلة بينها، وأما النَّساء فيمنع في المطعومات كلها، اتحد جنسها أو اختلف، ادخرت أو لم تدخر، كما أشار إليه بقوله: أما ربا النسا فذا في الكل، والأصل في منع الربا في الطعام حديث " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " (١) وقد اتفق القائلون بالقياس على أن الحكم المذكور لا يختص بهذه المذكورات، بل يلحق بها ما كان مثلها في المعنى الذي هو مناط الحكم، واختلفوا فيه على أقوال كثيرة، والمشهور في المذهب أنه الاقتيات والادخار، قال في الإشراف: ودليلنا من طريق الترجيح أن علتنا يتعلق تأثيرها بكل واحد من المنصوص عليه، لأنه لو لم يذكره لم يستفد تعلق الربا بنوعه، ولا يوجد ذلك في علل مخالفنا، لأنه يستوي فيه نصه على واحد منها وعلى جميعها، لأن الأكل والكيل واحد فيها، ولا عبرة عندهم في اختلافها، فكانت علتنا أولى به، لأن علتنا تستوفي أصلها ولا تنفرد بتخصيصه، فكانت أولى من علة أبي حنيفة العائدة بمخالفة أصلها ورفع بعضه، لأن علتنا - وهي الاقتيات والادخار - معنى ثابت لازم في الأشياء المعللة به، وليس كذلك الكيل والوزن، ولأن نظير علتهم في الأصول لا تؤثر في الربا، وهو الذرع والعدد بأنهما يرادان ليعرف بهما مقدار الأشياء، كما يراد الكيل والوزن لذلك.
стр. 614
وقال أيضا: نبه بالبر على كل مقتات تعم الحاجة إليه، وتقوم الأبدان بتناوله، ونص على الشعير منبها به على مساواته للبر وكل ما في معناه مما يقتات حال الضرورة كالذرة والدخن وغيرهما، وأن انفراد كونه علفا للبهائم لا يخرجه عن حكم القوت، وأن الربا لا يتعلق بما يقتات به في حال الرفاهة والسعة دون حال الضرورة والشدة، وذكر التمر منبها به على العسل والزبيب والسكر وكل حلاوة مدخرة غالبا للاقتيات، وأن الربا يتعلق بنوع الحلاوات، وذكر الملح تنبيها على الأبازير وما يتبع الاقتيات ويصلح المقتات، وأن الربا ليس بمقصور على نفس القوت دون ما يصلحه ويتبعه، فقد بان بما ذكرناه أن نصه على كل واحد منها أفاد ما لا يفيده اقتصاره على واحدها، وليس مثل هذا مستفادا مع التعليل بمجرد الأكل والكيل.
ولم أهتد إلى وجه الفرق بين الفضل والنساء، حيث جعلوا الثاني عاما في الأطعمة مع قوله: " فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ".
قوله: فإن بجزر البيتين، معناه أنه يجوز في ما لا يدخر من الأطعمة الفضل اتحد النوع كالجزر بالجزر، أو اختلف كالجزر بالبطاطس، وأما النساء فيحرم في ذلك كله.
قوله: أما الشعير الأبيات الثلاثة، معناه أن الشعير إذا بيع بالشعير فلا بد من التماثل والتناجز، وكذلك كل مدخر من الطعام والإدام، وهو المصلح، والشراب كاللبن، والفواكه اليابسة كالجوز، واللوز، والتين، قال في التاج: ابن المواز: الزفيزف وعيون البقر والتفاح من رطب الفواكه وإن يبس بعضه فليس بالغالب، ولا ييبس لأصل معاش، بل ليتداوى به، فله حكم رطب الفواكه، ولا بأس بالتفاضل في رطبه برطبه ويابسه بيابسه، وكذلك الموز.
وما ذكر الشيخ من جريان الربا في الفاكهة اليابسة المدخرة هو نص مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ في باب بيع الفاكهة.
стр. 615
قوله: والماء ليس بطعام جمله البيت، معناه أن الماء ليس بطعام أصلا، فيجوز بيع بعضه ببعضه متفاضلا، ويجوز بيعه بطعام إلى أجل.
١٢٩٦ - والقمح والشعير والسلت معا ... جنسٌ فبينها التفاضلَ امنعا
١٢٩٧ - كذا الزبيب كله صنف فلا ... يجوز فيه الفضل حيث بودلا
١٢٩٨ - وصنفٌ التمور والقطنيه ... نُقل فيها القول بالجنسيه
١٢٩٩ - وعكسه عن مالك مروي ... أيضا وهو هاهنا القوي
١٣٠٠ - ومن ذوات أربع على العموم ... من نعم والوحش جنس اللحوم
١٣٠١ - كذا لحوم الطير كلا لحم ... ذوات ماً، وكاللحوم الشحم
١٣٠٢ - والصنف منه صنفٌ الألبان ... أيضا كذا الأجبان والأسمان
قوله: والقمح والشعير البيت، معناه أن القمح والشعير والسلت جنس واحد، فيمتنع التفاضل بينها، وذهب الشافعي وغيره إلى اختلاف الشعير والقمح، وجواز الفضل بينهما للحديث المتقدم، وقد خالف مالك - رحمه الله تعالى - ذلك لعمل أهل المدينة، وروى مثله في الموطإ عن سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وابن مُعَيْقِيب الدَّوسي، وقال: هو الأمر عندنا، وبقول الشافعي - رحمه الله تعالى - أخذ السيوري وتلميذه عبد الحميد الصائغ، وهذه إحدى المسائل التي حلف الصائغ بالمشي إلى مكة المكرمة ألا يفتي فيها بقول مالك - رحمهما الله تعالى - والثانية خيار المجلس والثالثة التدمية البيضاء، وسيأتي الكلام عليهما إن شاء الله .
والسلت حب يشبه الشعير المقشور في صورته، ويقرب من القمح في لونه وطعمه، ويعرف بشعير النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عند أهل المغرب قاله سيدي زروق - رحمه الله تعالى -.
стр. 616
قوله: كذا الزبيب البيت، معناه أن الزبيب كله أحمره وأسوده صنف واحد، فلا يجوز أن يباع بعضه ببعض متفاضلا، وكذلك التمر، فهو صنف واحد جيده ورديئه، أحمره وغيره، وقد جاء في الصحيح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فأتاه بتمر جَنِيب، (١) فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: أكل تمر خيبر كذا؟ قال: لا والله يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إنا لنأخذ الصاع منه بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا تفعل بع الجَمْع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا " (٢).
قوله: والقطنيه البيتين، معناه أن القطاني أصناف على المشهور في المذهب، وهو المرجوع عنه، وهي: الفول، والترمس، والجلبان، والعدس، واللوبيا، والحمص، والبسيلة، والكرسنة، وقيل هي كل ما له خروبة، قال سند - رحمه الله تعالى -: لاختلاف صورها وأسمائها الخاصة بها ومنافعها وعدم استحالة بعضها إلى بعض، ولأن المرجع في اختلاف الأصناف إلى العرف، وهي في العرف أصناف، ألا ترى أنها لا تجتمع في القسم بالسهم، وقيل إنها جنس واحد، وهو قول مالك - رحمه الله تعالى - الثاني، قال في الرسالة: والقطنية أصناف في البيوع، وقد اختلف فيها قول مالك - رحمه الله تعالى - ولم يختلف فيها قوله في الزكاة أنها صنف واحد، وذلك - والله أعلم - لأن الزكاة لا يعتبر فيها المجانسة العينية، وإنما يعتبر فيها تقارب المنفعة، وإن اختلفت العين، بخلاف البيع، ألا ترى أن الذهب والفضة جنس واحد في الزكاة وهما جنسان في البيع نقله في المواهب.
стр. 617
قوله: ومن ذوات إلى قوله ذوات ماً، معناه أن اللحم ثلاثة أجناس، أحدها لحوم ذوات الأربع كيف كانت إنسية أو وحشية، الثاني لحوم الطير كلها صغيرة أو كبيرة، وحشية أو إنسية، طارت أو لم تطر، الثالث لحوم الحيتان على اختلاف أنواعها.
قوله: وكاللحوم الشحم، معناه أن الشحم تابع للحم لتولده عنه، فلا تجوز مبادلة شحم الإبل مثلا بشحم الغنم إلا مثلا بمثل يدا بيد، وكذلك شحم الإبل بلحمها، قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: لا يريد الشيخ بالشحم خصوصه، بل وكذلك غيره، قال في المدونة: وما أضيف للحم من شحم، وكبد، وكرش، وقلب، ورئة، وطحال، وكلى، وحلقوم، وكراع، وخصا، ورأس وشبهه، حكمه حكم اللحم.
قوله: والصنف منه صنف البيت، معناه أن لبن الصنف وجبنه وسمنه صنف، قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: قال الفاكهاني: ظاهر قول الشيخ: وألبان ذلك الصنف إلخ، يقتضي جواز بيع بعضه ببعض متماثلا، لأن ذلك شأن الصنف الواحد، ولم يجز ذلك مالك ولا أحد من أصحابه، فلا يجوز لبن بجبن ولا بسمن، فانظر هذا فإنه عندي من مشكلات الرسالة.
ونقل في موارد النجاح عن الجزولي أنه قال: وتقرير كلامه ذلك الصنف صنف، وجبنه صنف، وسمنه صنف، فتلك الأصناف الثلاثة يجوز بيع كل صنف منها بعضه ببعض متماثلا، ولا يجوز متفاضلا.
وهو نحو مما للفاكهاني، والذي يفهم من كلام أهل المذهب هو ما يقتضيه ظاهر الشيخ من أن ذلك كله صنف واحد، وبه فسر في المواهب قول خليل - رحمهما الله : ومطلق لبن، وأما ما قاله الفاكهاني فهو - وإن سلمه ابن ناجي رحمهما الله غير بين، لأن مطلق الجنسية لا يستلزم جواز المبادلة، فقد يعرض معها ما يمنع من المبادلة، كتعذر تحقق المماثلة، كما في رطب التمر مثلا بيابسه، فليس في كلام الشيخ ﵏ جميعا - إشكال.
стр. 618
هذا واللبن وما تولد عنه سبعة أنواع الحليب، والمخيض، والمضروب، والزبد، والسمن، والجبن، والأقط.
والمخيض والمضروب كلاهما قد أخرج زبده، ومنهم من عدهما نوعا واحدا، قال في المواهب: واعلم أن صور بيع هذه الأنواع السبعة بعضها ببعض من نوعه أو خلاف نوعه بعد إسقاط المكرر ثمان وعشرون صورة، فبيع كل واحد بنوعه جائز إذا كان متماثلا، ولا يجوز التفاضل في هذه السبع صور، وبيع كل واحد من الحليب والزبد والسمن والجبن والأقط ببقية الأنواع لا يجوز متماثلا ولا متفاضلا، كما صرح به اللخمي - رحمه الله تعالى - لأنه من باب بيع الرطب باليابس، فلا يتحقق التماثل، وأخذ من مفهوم كلام ابن إسحاق جواز بيع الأقط بالجبن متماثلا، وفي هذه الأنواع عشر صور، ويجوز بيع المخيض بالمضروب متماثلا لا متفاضلا على المعروف، لأنهما في الحقيقة شيء واحد، وأجاز في المدونة بيع الحليب بالمضروب متماثلا، فيجوز بيع الحليب بالمخيض أيضا، لأن المضروب والمخيض سواء، فهذه ثلاث صور، وأجاز في المدونة أيضا بيع السمن بلبن قد أخرج زبده، وذلك شامل لصورتين لأن الذي أخرج زبده يشمل المخيض والمضروب، وذكر ابن عرفة عن الشيخ أبي محمد أن مالكا - رحمهم الله تعالى جميعا - أجاز بيع الزبد بالمضروب، فيجوز بيعه بالمخيض أيضا، لأنهما شيء واحد كما قد علمت، فهاتان صورتان أيضا، وذكر الشيخ أبو إسحاق أنه اختلف في بيع الجبن بالمضروب على قولين بالجواز والكراهة، وعزى ابن عرفة الجواز لابن القاسم، فيجوز عنده أيضا بيع الجبن بالمخيض، فهاتان صورتان أيضا، فجملة الصور ستة وعشرون صورة، وبقي صورتان، وهي بيع الأقط بالمخيض وبالمضروب، وظاهر كلام اللخمي والجزولي والشيخ يوسف بن عمر والزناتي أن حكمهما الجواز، كحكم بيع السمن والزبد والجبن بالمضروب.
ثم أشار إلى منع بيع طعام المعاوضة قبل قبضه فقال:
١٣٠٣ - ومن يك ابتاع طعاما حرِّم ... عليه بيعَه إلى التسلم
стр. 619
١٣٠٤ - إذا على الكيل شراء ذاك كان ... أو كان بالعدد أو بالاتزان
١٣٠٥ - عكس المجزَّف وكالطعام ... سائر الاشربة والإدام
١٣٠٦ - والماء ذاك فيه لا يمتنع ... كذاك الادوية والزرائع
١٣٠٧ - كالسِّلق لا ذات زيوت الاكل ... كمثل أحمر حبوب الفجل
١٣٠٨ - وكل ذلك إذا ما أبدلا ... بجنسه يجوز أن يفاضلا
١٣٠٩ - وقوت قرض بيعه من قبل ... كيل ووزن مثلا ذو حل
١٣١٠ - وجاز في الطعام قبل التوفيه ... إقالة شركة وتوليه
قوله: ومن يك ابتاع طعاما الأبيات الثلاثة، معناه أن من اشترى طعاما يحرم عليه أن يبيعه حتى يقبضه، والمراد بالاشتراء أن يكون ملكه بمعاوضة، فيشمل ما كان صداقا، أو مخالعا به، أو مصالحا به عن دم، ونحو ذلك، لأن ذلك كله معاوضة، فيتناوله قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه " (١) ولا فرق في ذلك بين الطعام الربوي وغيره على المشهور، لعموم الأحاديث، خلافا لرواية ابن وهب اختصاص ذلك بالربوي، قال اللخمي: كأنه حمل الحديث على ما كان غالبا أنهم يبتاعونه ويسلمون فيه وهو التمر، وقاس عليه جميع المدخرات.
стр. 620
ويختص النهي بما فيه حق توفية، بأن يكون مكيلا، أو موزونا، أو معدودا، لنهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن، (١) وهو عند مالك - رحمه الله تعالى - خاص بالطعام، بخلاف الطعام المبيع على الجزاف، فله أن يبيعه قبل أن يقبضه لدخوله في ضمانه، وفي بعض ألفاظ الحديث " حتى يكتاله " (٢) وقيل يمنع ذلك في الجزاف كغيره، وقيل يستحب ألا يبيعه حتى يقبضه، وأما إذا كان ملكه للطعام من غير معاوضة كالموروث والموهوب والمتصدق به، فيجوز أن يبيعه قبل أن يقبضه، وكذلك إذا اشترى غير طعام كثياب وماشية، فله أن يبيعه قبل أن يقبضه، وكذا إذا اشترى طعاما وأراد أن يهبه أو يتصدق به قبل أن يقبضه فله ذلك أيضا، وكذلك إذا أراد أن يقرضه، وكذلك إذا صار له الطعام قضاء عن قرض فله أن يبيعه قبل أن يقبضه، كما أشار له بقوله: وقوت قرض البيت، قوله: وكالطعام سائر الأشربة والإدام، معناه أن ما ذكر من منع بيع طعام المعاوضة قبل استيفائه جار في الأشربة والإدام والطعام كله.
стр. 621
قوله: والماء ذاك فيه لا يمتنع، معناه أن الماء المعاوض عنه يجوز بيعه قبل قبضه، لما تقدم من أنه غير طعام، وكذلك ما لا يراد إلا للدواء، وكذلك الزراريع التي لا تؤكل ولا يعتصر منها زيت يؤكل كالسلق، وذلك يختلف باختلاف أعراف البلاد، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وسمع أبو زيد ابن القاسم: كل زريعة لا تؤكل ويستخرج منها ما يؤكل، تباع قبل استيفائها، ويجوز منها واحد باثنين، وكل زريعة تؤكل ويستخرج منها طعام يؤكل لا تباع قبل استيفائها ولا متفاضلة، ابن رشد: كذا الرواية " لا تؤكل ويستخرج منها " والصواب ولا يستخرج منها، لأن التي يستخرج منها الزيت كزريعة الفجل طعام قاله في المدونة، ومعناه في البلد الذي يتخذ فيه لذلك، وتأويل الرواية إن صحت ويستخرج منها شيء يؤكل أي بأن يزرع كزريعة البصل وشبهه، وقوله: لا يؤكل، أي لا يؤكل تقوتا ولا تفكها، كالحرف، وحمل بعضهم الرواية على ظاهرها أن الزريعة التي لا تؤكل غير طعام، ولو أخرج منها الزيت، وهو خلاف قولها وقوله كل زريعة تؤكل ويستخرج منها ما يؤكل، معناه أو يستخرج منها ما يؤكل، لأنها إن كانت تؤكل فهي طعام وإن لم يستخرج منها ما يؤكل اتفاقا كالكمون ونحوه، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: ففي قوله: اتفاقا نظر، لما يأتي في كون بزر الكتان ربويا رواية زكاته، ونقل اللخمي عن ابن القاسم: لا زكاة فيه إذ ليس بعيش، القرافي: وهو ظاهر المذهب.
قوله: وكل ذلك إذا ما أبدلا البيت، معناه أن الأدوية والزراريع التي لا تؤكل ولا يستخرج منها زيت يؤكل، تجوز مبادلة النوع منها متفاضلا.
стр. 622
قوله: وجاز في الطعام قبل التوفيه البيت، معناه أن هذه العقود الثلاثة تجوز في طعام المعاوضة قبل قبضه، لأنها خرجت عن البيع بقصد المعروف، فأشبهت الهبة والصدقة، وقد حكي في جواز ذلك الإجماع، وهذا إذا وقعت بنفس الثمن، وكان الثمن عينا، ولم يشترط المولي والمشرك - بالكسر فيهما - على المولى والمشرك - بالفتح - أن ينقد عنه، لما في ذلك من السلف بمنفعة.
والتولية: تصيير مشتر ما اشتراه لغير بائعه بثمنه قاله ابن عرفة، فإن وقع ذلك في البعض فهو شركة.
والسلق - بكسر السين وسكون اللام -: ورق عريض يؤكل نيئا، يعرف عندنا بصلات، بفتح الصاد وسكون التاء، ومنهم من يقول اصلاط بسكون الصاد وفتح الطاء بدل التاء، والفجل الأحمر: ثمرة في قدر الباذنجان، إلا أنها حمراء داخلها أبيض، وزريعته شبيهة بالفلفل السوداني الذي يعرف عندنا بكرت، بكاف معقودة وراء ساكنة مرققة وتاء مفتوحة.
١٣١١ - وكل بيع أو إجارة كرا ... بخطر أو غرر قد حُظرا
١٣١٢ - وذاك في الثمن قد يكون ... أو أجل كذلك المثمون
١٣١٣ - والغش في البيوع والخديعه ... خلابة جميعها ممنوعه
١٣١٤ - كذاك تدليس بكتم ما دَرى ... من عيب شيئه عن الذي اشترى
١٣١٥ - وواجب بيان ما إذا دُري ... منَ اَمر شيئه قلاه المشتري
١٣١٦ - وما إذا ذُكر كان أبخسا ... لثمن ككون ثوب نجسا
قوله: وكل بيع أو إجارة البيتين، معناه أن هذه العقود الثلاثة تمنع إذا وقعت على غرر أو خطر، سواء كان ذلك في الثمن أو المثمون، وهو السلعة في البيع، والمنفعة في الإجارة والكراء، أو في الأجل، والفرق بين الثلاثة أن العقد في البيع على ذات، بخلاف الإجارة والكراء، فالعقد فيهما على المنفعة، والفرق بينهما أن المنفعة في الإجارة منفعة عاقل، كإجارة الراعي، والحارس، والبناء، والخادم، والصانع، والكراء في منفعة ما لا يعقل كالدابة والسفينة والآلات.
стр. 623
والخطر غرر خاص، ومثلوه ببيع المحرم المشرف، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: والغرر الكثير المانع من صحة العقد يكون في ثلاثة أشياء، أحدها العقد والثاني أحد العوضين الثمن أو المثمون أو كليهما، والثالث الأجل فيهما أو في أحدهما، فأما الغرر في العقد فهو مثل نهي النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن بيعتين في بيعة، (١) وعن بيع العربان (٢) وعن بيع الحصاة، (٣) على أحد التأويلين وما أشبه ذلك مما لا جهل فيه في ثمن ولا مثمون، وإنما حصل الغرر فيه بانعقاده بين المتبايعين على هذه الصفات، إلى أن قال: وأما الغرر في الثمن والمثمون أو في أحدهما فإنه يكون بثلاثة أوجه أحدها الجهل بصفة ذلك، أو بمقداره، فأما الجهل بصفة ذلك فهو مثل أن يبيع جنينا في بطن أمه، أو غائبا على غير صفة، أو بيع سلعة بدنانير مسماة من غير صفة ونقد البلد مختلف، وما أشبه ذلك، وأما الجهل بمقداره فهو أن يبيع الطعام بكيل مجهول، أو بيع سلعة بجزاف من الدنانير والدراهم، والثاني عدم القدرة على تسليمه، إلى أن قال: وأما الغرر بالأجل في الثمن والمثمون فذلك مثل أن يبيع منه السلعة بثمن إلى قدوم زيد، أو إلى موته، أو يسلم إليه في سلعة إلى مثل ذلك الأجل وما أشبه ذلك.
стр. 624
قوله: والغش في البيوع البيتين، أشار به إلى ما ذكره الشيخ - رحمه الله تعالى - من أن التدليس والغش والخلابة والخديعه ممنوعة في البيع، وكذلك في الإجارة والكراء وغيرها من عقود المعاوضات، وهذه الألفاظ قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: قيل إنها مترادفة، والصحيح أنها متباينة، فمثال التدليس أن يعلم بسلعته عيبا فيكتمه، ومثال الغش أن يجعل في اللبن ماء، ومثال الخلابة أن يكذب في الثمن، أو يرقم على السلعة أكثر مما اشتراها به، ومثال الخديعة أن يخدعه بالكلام.
وذلك كله راجع إلى الكذب والكتمان الذي هو سبب محق البركة كما في حديث الصحيح " فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما فعسى أن يربحا ربحا ويمحقا بركة بيعهما " (١) وفي الصحيح أيضا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: " من غشنا فليس منا " (٢).
وإذا وصف البائع مثلا السلعة بوصف عند العقد ووجدت على غيره ثبت الخيار، كما لو كان اتصافها بذلك مشترطا، قال في التاج: قال مالك - رحمه الله تعالى - في الأمة تباع في الميراث فيقول الصائح عليها: إنها تزعم أنها بكر، ولا يشترطون ذلك، فتوجد غير بكر فله الرد، وكذلك لو قال: إنها تزعم أنها طباخة ثم لم توجد كذلك فلترد.
قال في المواهب: قال ابن رشد - رحمه الله تعالى - وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه سواء قال في الجارية: أبيعها منك على أنها عذراء، أو على أنها رقامة، أو خبازة، أو وصفها بذلك، فقال: أبيعها منك وهي عذراء، أو رقامة، أو صباغة، أو أبيعها وهي تزعم أنها عذراء، أو رقامة، أو خبازة، ذلك كله كالشرط، لأنه إذا قال: إنها تزعم أنها على صفة كذا وكذا، وقالت عند البيع: إني على صفة كذا، ولم يكذبها ولا تبرأ منه، فقد أوهم أنها صادقة في ما زعمت، فكأنه قد باع على ذلك وشرطه للمبتاع.
стр. 625
ويثبت الخيار أيضا إذا فعل في المبيع فعلا يظن به المشتري كمالا فلا يوجد كذلك، قال ابن شاس - رحمه الله تعالى -: من أسباب الخيار التغرير الفعلي، وهو أن يفعل في المبيع فعلا يظن به المشتري كمالا، فلا يوجد كذلك، والأصل في اعتبار هذا قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا تصروا الإبل " (١) انتهى.
قوله: وواجب بيان ما إذا دري البيتين، معناه أنه يجب على البائع أن يبين ما يعلم في سلعته مما إذا اطلع عليه الآخر كرهه، أو نقص من رغبته فيها وكانت عنده به أبخس مما إذا سلمت منه، ولا يكفي ذكره للعيب على وجه مجمل إذا كان فيه تفاوت، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: البراءة من عيب معين إن لم يقبل التفاوت برئ بذكره، الباجي: كالعور، وإلا لم يبع حتى يبين قدره، كالكي منه المتفاحش وغيره، لا يبرئه إلا أن يخبره بشنيع الكي، أو يريه إياه.
وقال النخعي - رحمه الله تعالى -: لو قال: أبيعك لحما على بارية لم يبرأ حتى يسمي العيب، قال شريح - رحمه الله تعالى -: حتى يضع يده عليه.
وما ذكر من وجوب البيان لا يختص بالبائع كما هو ظاهر، بل المشتري كذلك، وكذلك الكلام في سائر عقود المعاوضات.
١٣١٧ - ومن على عيب بما اشترى اطلع ... فإن يشأْ رَدَّ ويُعطى ما دفع
١٣١٨ - وحيث ما أحب أن يستمسكا ... به فلا أرش له عن ذلكا
١٣١٩ - وإن يكن قبل العثور عنده ... أيضا تعيب، فإن شا رده
١٣٢٠ - معَ اَرش طارئ وإن يُبقِ استحَق ... أيضا على البائع أرشَ ما سبق
стр. 626
قوله: ومن على عيب البيتين، معناه أن من اشترى سلعة وظهر على عيب فيها سابق الحدوث على العقد، فهو بالخيار إن شاء ردها وأخذ ثمنه، وإن شاء تماسك بها ولا شيء له، وذلك أن الخيار ينفي الضرر، والمراد بوجودها معيبة أن يجدها متصفة بأمر تقتضي العادة أنه إنما دخل على السلامة منه، وكان يحط من الثمن، وكانت السلعة تنفك عنه، والأصل في هذا حديث المصراة " لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلُبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر " (١) وظاهر الشيخ أنه لا فرق في العيب بين اليسير والكثير، وهو المشهور في العروض، وإن رضي بعد أن ظهر على العيب - قولا أو فعلا - فلا رد له.
قوله: وإن يكن قبل العثور عنده البيتين، معناه أنه إذا لم يطلع على العيب حتى تعيبت السلعة عنده، كان بالخيار بين أن يردها مع أرش العيب الحادث عنده ويأخذ ثمنه، أو يتماسك بها ويأخذ أرش العيب القديم، خلافا للشافعي وأبي حنيفة حيث قالا ليس له أن يرد، بل يعطى أرش العيب القديم فقط، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: والدليل على صحة قولنا قول رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " من ابتاع شاة مصراة فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعا من تمر " وجه الدليل من هذا الحديث أن المبتاع لما أتلف بعض المبيع وهو البن المصرى فى الضرع خيره النبيعليه الصلاة والسلام بين أن يرد ويغرم قيمة ما أتلف من اللبن وهو الصاع، وبين أن يمسك، وهذا نص في موضع الخلاف، ومن جهة المعنى والقياس أن هذين عيبان حدث أحدهما عند البائع والثاني عند المبتاع، وكل واحد منهما غير راض بالتزام ما حدث عند صاحبه بقيمته فلما تعارض الحقان كان أولاهما بالتغليب حق المبتاع، لأنه لم يدلس ولا أخطأ على صاحبه، والبائع لا يخلو من أن يكون دلس على المبتاع أو أخطأ عليه بأن باع منه معيبا على أنه صحيح ولم يتثبت في ذلك.
стр. 627
وما ذكره من جهة المعنى بين.
وأما كون اللبن جزءا فلا يخلو من نظر خاصة مع ما يأتي من فوز المشتري بما استغل والله أعلم.
ومحل ما ذكر إذا لم يكن العيب الحادث عنده مخرجا عن المقصود، وإلا رجع بقيمة العيب القديم دون خيار، لأن الخروج عن المقاصد في معنى التلف، ومحل تخييره ما لم يرض البائع بالسلعة بالعيب الذي حدث فيها، فإن رضي بها بذلك كانت كالسلعة التي لم يحدث فيها عيب جديد، فيخير بين أن يردها ويأخذ ثمنه، أو يتماسك بها بلا شيء.
١٣٢١ - والرد بالعيب إذا ما قبلهْ ... كان استغل لا يرد الغلهْ
١٣٢٢ - وجوزوا البيع على الخيار ... لأجل دنا للاختبار
١٣٢٣ - أو المشورة وشرط النقد ... مع الخيار عندهم ذو حرْد
١٣٢٤ - كعهدة الثلاث والمواضعه ... فشرطَ نقد في الثلاثة امنعه
١٣٢٥ - ومُؤْنة المبيع سائر زمانْ ... جميعِها من بائع كذا الضمان
قوله: والرد بالعيب إذا ما قبله البيت، معناه أنه إذا استغل السلعة قبل أن يطلع على العيب ثم اطلع عليه وأراد أن يرد لم يرد الغلة، وفي الحديث أن رجلا ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، فوجده به عيبا فخاصمه إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فرده عليه فقال الرجل يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قد استغل غلامي، فقال ﵊: " الخراج بالضمان " (١) وليس من الغلة الولد، فإذا اشترى شاة وولدت عنده، ثم اطلع على عيب فيها، وأراد أن يردها ردها مع ولدها، وليس من الغلة أيضا الصوف التام وقت الشراء، ولا الثمرة المؤبرة قبل الشراء فكلاهما مبيع، فإذا رد الغنم رد معها الصوف، وإذا رد النخل رد معه الثمرة أو مثلها.
стр. 628
قوله: وجوزوا البيع على الخيار البيت، معناه أنه يجوز البيع على شرط الخيار للبائع أو المشتري أو لهما معا، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار " (١) وهو مستثنى من بيع الغرر للتردد في العقد أجازه الشرع للحاجة إليه، لأن العاقد قد لا تكون له معرفة بقيمة شيئه، أو شيء صاحبه، أو غير عارف بحال شيء صاحبه، وهل هو مما يصلح له أو لا ونحو ذلك، فرخص له الشرع في اشتراط الخيار، ليختبر أو يستشير من هو أعلم منه بذلك.
قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: لولا الخبر عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ما جاز الخيار لا في ثلاث ولا في غيرها، والزمن الذي يجوز اشتراط الخيار إليه يختلف عند مالك - رحمه الله تعالى - بحسب سرعة دخول التغير في السلعة وبطئه، فيجوز في الدواب والعروض ثلاثة أيام، ويجوز في الرقيق جمعة، ويجوز في الرباع شهرا، فإن اشترطا مدة زائدة على ذلك فسد البيع للغرر، وأما إذا اشترطا الخيار وسكتا عن تحديد الزمن فيرجع إلى التحديد المتقدم، ولا يفسد البيع، وإذا اشترطا أقل من المدة المذكورة لم يزد على ما اشترطا، ولا يجوز عند الشافعي - رحمه الله تعالى - إلى أكثر من ثلاثة أيام مطلقا.
قوله: وشرط النقد البيت، معناه أن شرط النقد في بيع الخيار ممنوع مفسد للبيع، لتردده بين الثمنية إن مضى البيع، والسلفية إن رد، وأما النقد من غير شرط فيجوز إلا في ما لا يمكن التناجز فيه بعد أمد الخيار، كالسلم والغائب والمواضعة، لأنه إن تم البيع دخله فسخ الدين في الدين.
قوله: كعهدة الثلاث البيت، معناه أنه يمتنع شرط النقد أيضا في الرقيق المبيع على عهدة الثلاث، والأمة المواضعة، للعلة المذكورة في الخيار، وسيأتي الكلام قريبا إن شاء الله على العهدة والمواضعة.
стр. 629
قوله: ومؤنة المبيع البيت، معناه أن ضمان المبيع بالخيار، والأمة المواضعة، والرقيق المبيع على عهدة الثلاث، على البائع، لعدم تمام انتقال الملك، وعليه نفقته وله غلته، قال في التاج: ابن يونس: القضاء أن الضمان في أمد الخيار مما يحدث بالسلعة من البائع إذ هو أقدم ملكا فلا ينتقل الضمان عنه إلا بتمام انتقال ملكه عنها، والضمان منه في ما قبضه المبتاع مما لا يغاب عليه، وفي ما ثبت هلاكه مما يغاب عليه، لأن هلاكه ظاهر بغير صنعه، وأنه غير متعد في قبضه كالرهن والعارية، وأما ما لم يثبت هلاكه مما يغاب عليه فالمبتاع يضمنه، لأن قبضه خارج من قبض الأمانة، وإنما قبضه لمنفعة نفسه، وعلى وجه المبايعة دون الأمانة، وكقبض الرهن والعارية التي جعلها صلى الله تعالى عليه وسلم مضمونة في السلاح، فكان ما يغاب عليه مثله.
١٣٢٦ - وفي العلية من الإماء ... أوجب تواضعا للاستبراء
١٣٢٧ - كغيرها أيضا إذا أقرا ... بائعها بأنه قدَ اَرَّا
معناه أن الأمة تجب مواضعتها إذا كانت علية شأن مثلها أن يراد للفراش، أو أقر بائعها بوطئها، ولو كانت دنيئة لا يشتهى مثلها غالبا، وهذا ما لم تكن متزوجة، أو معتدة، أو مستبرأة من زنى أو غصب، والمواضعة عرفها ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: جعل الأمة مدة استبرائها في حوز مقبول خبره على حيضتها.
وهذا في من تحيض، وأما غيرها فتتواضع ثلاثة أشهر، سواء كانت مأمونة الحمل أو لا، ولا مواضعة في الصغيرة التي لا يوطأ مثلها اتفاقا.
وقوله: أر معناه وطئ.
١٣٢٨ - ومنعوا تبرؤا من حمل ... نعم إذا بدا فذا ذو حل
١٣٢٩ - وبيعك الرقيق بالتبري ... يجوز إن بعيبه لم تدري
١٣٣٠ - تفريقَ الام مع نجلها احظرا ... ببيع واحد إلى أن يثغرا
стр. 630
قوله: ومنعوا تبرءا البيت، معناه أن بيع الأمة على البراءة من الحمل لا يجوز، إلا أن يكون ظاهرا، ومعنى البراءة منه اشتراط ألا ترد عليه به، وقد اعترض بعض الشيوخ كلام الشيخ بأن فيه إجمالا، لاختصاص هذا بالجواري الرفيعة، والمتبادر أنه لا إجمال فيه، لأن البراءة إنما تكون في العيوب، والحمل ليس عيبا في الجواري غير الرفيعة، بل يزيد في ثمنها، وأما عكس صورة المصنف وهو البيع على شرط الحمل فهو ممنوع على المشهور، لأنه من قبيل بيع الأجنة.
قوله: وبيعك الرقيق البيت، معناه أنه يجوز في الرقيق مطلقا البيع على البراءة مما لا يعلم فيه من العيوب، إذا طالت إقامته عنده، قال في التاج: المتيطي: وجه بيع البراءة عند مالك - رحمه الله تعالى - في ما اختبره البائع وطالت إقامته عنده، وأما ما لم يختبره ولا طال مكثه عنده، فروى ابن القاسم - رحمه الله تعالى - المنع منه، قال ابن القاسم: وتبطل البراءة منه إذا وقع.
ولا تجوز البراءة في ما سوى الرقيق على المشهور، قال القاضي في الإشراف: البيع بشرط البراءة جائز في الرقيق دون غيره، ويبرأ البائع منه مما لا يعلم، ولا يبرأ مما علمه وكتمه، هذا هو المعمول عليه في المذهب، وفيه رواية أخرى أنه يبرأ من الرقيق وغيره، ورواية ثالثة أن بيع البراءة لا ينفع، ولا يقع به البراءة، وللشافعي - رحمه الله تعالى - فيه اختلاف أقوال كثيرة، فدليلنا على جوازه وبراءة البائع مما لا يعلمه حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - لما باع عبدا له بالبراءة فلم ينكره عثمان ولا غيره - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - ولأن شرط البراءة من عيب لم يدلس به ولا كتمه، في جنس يقدرون على كتمان عيوبهم، فأشبه إذا أراه إياه ووقف عليه.
стр. 631
قوله: تفريق الام البيت، معناه أنه لا يجوز التفريق بين الأم وولدها الصغير في البيع لحديث الترمذي (١) " من فرَّق بين الوالدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة " سواء كانت الأم مسلمة أو كافرة، وسواء كان من زوج أو زنى، لعموم الحديث، قال في التاج: وفي الإشراف: أجمع أهل العلم على القول بهذا الخبر إذا كان الولد طفلا لم يبلغ سبع سنين.
قال مالك - رحمه الله تعالى -: وحد ذلك الإثغار ما لم يعجل به، جواري كن أو غلمانا، وقال الليث - رحمه الله تعالى -: حد ذلك أن ينفع نفسه ويستغني عن أمه، فوق عشر سنين، أو نحو ذلك، وروي عن ابن حبيب - رحمه الله تعالى - حده بسبع، وعن ابن وهب حده بعشر، وروى ابن غانم عن مالك أنه ينتهي إلى البلوغ، وعن ابن عبد الحكم لا يفرق بينهما ما عاشا، والمشهور أن التفريق بينه وبين أبيه جائز، و قيل هو كالأم، واختاره اللخمي - رحمه الله تعالى - والمشهور أيضا جوازه في الحيوان، والإثغار سقوط الرواضع، وقيل نبات بدلها.
١٣٣١ - والبيع حيث كان ذا بطلان ... فبائع السلعة ذو ضمان
١٣٣٢ - إلا إذا ما المشتري تسلما ... فمن هناك بالضمان أُلزما
١٣٣٣ - فحيث حال سوقه أو بدنه ... بقيمة ساعة قبض يضمنه
١٣٣٤ - ولا يرده نعم ما يوزن ... وما يكال المثل فيه يضمن
١٣٣٥ - وفوت ما بيع بأن تحولا ... أسواقه لا يشمل الأصولا
стр. 632
قوله: والبيع حيث كان البيتين، معناه أن السلعة في البيع الفاسد باقية على ضمان البائع إذا لم يقبضها المشتري، إذ لم يقع إلا مجرد العقد وهو فاسد، والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا، فإن قبضها كان الضمان منه من يوم القبض، وذلك لما علم من أن خراجه له، وهو علامة الضمان، ولأنه لم يقبضها على وجه الأمانة، وإنما قبضها لنفسه، فأشبهت السلعة المعيبة، ولأنه لو تصرف فيها بمفيت لها كما لو ذبح الشاة لم يكن متعديا، ولا فرق في هذا على المشهور بين المتفق على فساده والمختلف فيه، ولا بين ما ثبت ببينة هلاكه بغير سببه وغيره، ويفسخ البيع ما دامت السلعة قائمة من غير تغير، ولا يجوز الانتفاع به ولا التصرف فيه، فإن حصل فيه مفوت نظر، فإن كان مما اختلف في فساده بين أهل العلم مضى، فيكون لكل ما بيده، ولا يرجع على صاحبه بشيء، مراعاتا للخلاف، وأصل ذلك أن ما وقع على وفق الصواب على مقتضى اجتهاد بعض أهل العلم لا ينقض لغير قاطع، إذ لا ينقض اجتهاد لاجتهاد، وقد جاء عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه أقر قضاءه الأول في المشتركة وعمل بما ترجح عنده من خلافه في ما حضر.
وإن كان فساده مجمعا عليه فسخ على كل حال، فيرد من فات عنده شيءُ صاحبِه قيمتَه يوم قبضه إن كان مقوما، أو مثله إن كان مثليا وكان معروف القدر مثلا، فإن جهل فقيمته اجتهادا، وإلى هذا الإشارة بقوله: فحيث حال سوقه أو بدنه البيتين، وحال معناه تغير، وحوالة السوق: تغير الأثمان بالزيادة أو النقص، وتغير البدن المراد به تغير ذات العبد أو الأمة أو الدابة، وكذلك تغير ذات السلعة.
وقوله: نعم ما يوزن وما يكال المراد به المثلي، وقوله: وفوت ما بيع البيت، معناه أن حوالة الأسواق ليست مفوتة في الأصول وهي العقارات، لأن شأنها في الغالب أن تراد للقنية، لا للتجارة، وما شأنه ذلك لا يؤثر فيه الأمر اليسير.
١٣٣٦ - والقرض حيث جر لانتفاع ... مقرِضه فهو ذو امتناع
стр. 633
١٣٣٧ - وهكذا إن مع بيع اجتمع ... أو الكرا أو الإجارة امتنع
١٣٣٨ - وكل ما سوى تراب الفضه ... أو الجوار جوزنَّ قرضَهْ
قوله: والقرض حيث جر البيت، معناه أن السلف إذا قصد به المسلف انتفاعا امتنع، وهو من قبيل الربا، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: قال عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: السلف على ثلاثة أوجه، سلف تريد به وجه الله ، فلك وجه الله ، وسلف تريد به وجه صاحبك، فلك وجه صاحبك، وسلف تسلفه لتبدل خبيثا بطيب، فذلك الربا، قال: فكيف أصنع؟ قال: أن تشق الصحيفة، فإن أعطاك مثل الذي أعطيته قبلته، وإن أعطاك دون ما أسلفته فأخذته، أجرت، وإن أعطاك فوقه طائبة به نفسه فذلك شكر شكره لك، ولك أجر ما أنظرته به (١).
والقرض عرفه ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: دفع متمول في عوض غير مخالف له لا عاجلا تفضلا، وحكمه من حيث ذاته الندب، وقد يعرض ما يوجبه أو كراهته أو حرمته، وإباحته تعسر.
قوله: وهكذا إن مع بيع البيت، معناه أن اجتماع البيع والسلف ممنوع، وفي الحديث " لا يحل سلف وبيع " (٢) وذكر الباجي - رحمه الله تعالى - الإجماع على ذلك، واختلف إن وقع هل يصح إذا أسقط - وهو المشهور - إن كان قبل الغيبة على السلف، وقيل يصح ولو غيب عليه، وقيل لا يصح مطلقا، بناء على أنه من البيوع الفاسدة، والمشهور أنه من بيوع الشروط، ومثل البيع في ذلك الإجارة والكراء.
قوله: وكل ما سوى البيت، معناه أن القرض جائز في ما سوى تراب الفضة والجواري، أما تراب الفضة فلعدم الانضباط، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: متعلق القرض ما صح ضبطه بصفة كيلا، فيخرج تراب المعادن والصواغين والدور والأرضون والبساتين.
стр. 634
وأما الجواري فإنما يمتنع قرضها إذا كانت تحل للمستقرض، التاج: اللخمي: لا يجوز قرض الجواري إلا أن تكون في سن من لا توطأ، أو يكون المستقرض لا يمكن التذاذه بها لسنه، أو امرأة، أو محرما عليه وطؤها، أو مدينا تقضى عنه، ابن يونس: أو لمن تعتق عليه.
وذلك لأن المقترض بالخيار أن يرد عين الشيء المقترض إذا لم يحصل فيه تغير، أو مثله، فيؤدي ذلك في الجواري إلى إعارة الفروج.
١٣٣٩ - ووضع بعض الدين في نظير ... تعجيله له من المحظور
١٣٤٠ - كذاك أن يزيده فيه على ... تمديده نظير ذاك الاجلا
١٣٤١ - والعرض من بيع إذا يقدم ... نظير زيده كذاك يحرم
١٣٤٢ - وجاز في العرض الذي قدَ اَسلفه ... إن يكن الزيدان فيه في الصفه
١٣٤٣ - ومن يكن بمجلس القضاء رد ... بالقرض زائدا عليه في العدد
١٣٤٤ - من غير شرطه ولا وعد ولا ... عرف فأشهب لذاك حللا
١٣٤٥ - وعدم الجواز لابن القاسم ... وهْو المعول عليه ينتمي
١٣٤٦ - ومن عليه دين عين جاز له ... من قبل أن يحل أن يعجله
١٣٤٧ - وهكذا أيضا ديون العرض ... إن تك قد تربت من قرض
стр. 635
قوله: ووضع بعض البيت، معناه أنه لا يجوز لمن عليه دين لرجل مثلا أن يعجله له قبل أجله على أن يحط عنه بعضه، ويعرف عند الفقهاء بضع وتعجل، وقد روى مالك -رحمه الله تعالى- أن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - نهى عنه، وهو عائد إلى السلف بمنفعة لأن تعجيله له قبل حلوله سلف، وقد انتفع في نظير ذلك بإسقاط البعض، فلا فرق بينه وبين ربا الجاهلية الذي هو الزيادة في الدين في نظير الزيادة في الأجل، قال زيد بن أسلم: كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل، فإذا حل الأجل قال: أتقضي أم تربي؟ فإن قضى أخذ، وإلا زاده في حقه وأخر عنه في الأجل رواه مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ، وقال: الأمر المكروه الذي لا اختلاف فيه عندنا أن يكون للرجل على الرجل الدين إلى أجل، فيضع عنه الطالب ويعجله المطلوب، وذلك عندنا بمنزلة الذي يؤخر دينه بعد محله عن غريمه ويزيده الغريم في حقه، قال: فهذا الربا بعينه لا شك فيه.
وما ذكر أنه ربا الجاهلية هو المراد بقوله: كذاك أن يزيده فيه البيت.