قوله: تفريق الام البيت، معناه أنه لا يجوز التفريق بين الأم وولدها الصغير في البيع لحديث الترمذي (١) " من فرَّق بين الوالدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة " سواء كانت الأم مسلمة أو كافرة، وسواء كان من زوج أو زنى، لعموم الحديث، قال في التاج: وفي الإشراف: أجمع أهل العلم على القول بهذا الخبر إذا كان الولد طفلا لم يبلغ سبع سنين.
قال مالك - رحمه الله تعالى -: وحد ذلك الإثغار ما لم يعجل به، جواري كن أو غلمانا، وقال الليث - رحمه الله تعالى -: حد ذلك أن ينفع نفسه ويستغني عن أمه، فوق عشر سنين، أو نحو ذلك، وروي عن ابن حبيب - رحمه الله تعالى - حده بسبع، وعن ابن وهب حده بعشر، وروى ابن غانم عن مالك أنه ينتهي إلى البلوغ، وعن ابن عبد الحكم لا يفرق بينهما ما عاشا، والمشهور أن التفريق بينه وبين أبيه جائز، و قيل هو كالأم، واختاره اللخمي - رحمه الله تعالى - والمشهور أيضا جوازه في الحيوان، والإثغار سقوط الرواضع، وقيل نبات بدلها.
١٣٣١ - والبيع حيث كان ذا بطلان ... فبائع السلعة ذو ضمان
١٣٣٢ - إلا إذا ما المشتري تسلما ... فمن هناك بالضمان أُلزما
١٣٣٣ - فحيث حال سوقه أو بدنه ... بقيمة ساعة قبض يضمنه
١٣٣٤ - ولا يرده نعم ما يوزن ... وما يكال المثل فيه يضمن
١٣٣٥ - وفوت ما بيع بأن تحولا ... أسواقه لا يشمل الأصولا
стр. 632
قوله: والبيع حيث كان البيتين، معناه أن السلعة في البيع الفاسد باقية على ضمان البائع إذا لم يقبضها المشتري، إذ لم يقع إلا مجرد العقد وهو فاسد، والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا، فإن قبضها كان الضمان منه من يوم القبض، وذلك لما علم من أن خراجه له، وهو علامة الضمان، ولأنه لم يقبضها على وجه الأمانة، وإنما قبضها لنفسه، فأشبهت السلعة المعيبة، ولأنه لو تصرف فيها بمفيت لها كما لو ذبح الشاة لم يكن متعديا، ولا فرق في هذا على المشهور بين المتفق على فساده والمختلف فيه، ولا بين ما ثبت ببينة هلاكه بغير سببه وغيره، ويفسخ البيع ما دامت السلعة قائمة من غير تغير، ولا يجوز الانتفاع به ولا التصرف فيه، فإن حصل فيه مفوت نظر، فإن كان مما اختلف في فساده بين أهل العلم مضى، فيكون لكل ما بيده، ولا يرجع على صاحبه بشيء، مراعاتا للخلاف، وأصل ذلك أن ما وقع على وفق الصواب على مقتضى اجتهاد بعض أهل العلم لا ينقض لغير قاطع، إذ لا ينقض اجتهاد لاجتهاد، وقد جاء عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه أقر قضاءه الأول في المشتركة وعمل بما ترجح عنده من خلافه في ما حضر.
وإن كان فساده مجمعا عليه فسخ على كل حال، فيرد من فات عنده شيءُ صاحبِه قيمتَه يوم قبضه إن كان مقوما، أو مثله إن كان مثليا وكان معروف القدر مثلا، فإن جهل فقيمته اجتهادا، وإلى هذا الإشارة بقوله: فحيث حال سوقه أو بدنه البيتين، وحال معناه تغير، وحوالة السوق: تغير الأثمان بالزيادة أو النقص، وتغير البدن المراد به تغير ذات العبد أو الأمة أو الدابة، وكذلك تغير ذات السلعة.
وقوله: نعم ما يوزن وما يكال المراد به المثلي، وقوله: وفوت ما بيع البيت، معناه أن حوالة الأسواق ليست مفوتة في الأصول وهي العقارات، لأن شأنها في الغالب أن تراد للقنية، لا للتجارة، وما شأنه ذلك لا يؤثر فيه الأمر اليسير.
١٣٣٦ - والقرض حيث جر لانتفاع ... مقرِضه فهو ذو امتناع
стр. 633
١٣٣٧ - وهكذا إن مع بيع اجتمع ... أو الكرا أو الإجارة امتنع
١٣٣٨ - وكل ما سوى تراب الفضه ... أو الجوار جوزنَّ قرضَهْ
قوله: والقرض حيث جر البيت، معناه أن السلف إذا قصد به المسلف انتفاعا امتنع، وهو من قبيل الربا، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: قال عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: السلف على ثلاثة أوجه، سلف تريد به وجه الله ، فلك وجه الله ، وسلف تريد به وجه صاحبك، فلك وجه صاحبك، وسلف تسلفه لتبدل خبيثا بطيب، فذلك الربا، قال: فكيف أصنع؟ قال: أن تشق الصحيفة، فإن أعطاك مثل الذي أعطيته قبلته، وإن أعطاك دون ما أسلفته فأخذته، أجرت، وإن أعطاك فوقه طائبة به نفسه فذلك شكر شكره لك، ولك أجر ما أنظرته به (١).
والقرض عرفه ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: دفع متمول في عوض غير مخالف له لا عاجلا تفضلا، وحكمه من حيث ذاته الندب، وقد يعرض ما يوجبه أو كراهته أو حرمته، وإباحته تعسر.
قوله: وهكذا إن مع بيع البيت، معناه أن اجتماع البيع والسلف ممنوع، وفي الحديث " لا يحل سلف وبيع " (٢) وذكر الباجي - رحمه الله تعالى - الإجماع على ذلك، واختلف إن وقع هل يصح إذا أسقط - وهو المشهور - إن كان قبل الغيبة على السلف، وقيل يصح ولو غيب عليه، وقيل لا يصح مطلقا، بناء على أنه من البيوع الفاسدة، والمشهور أنه من بيوع الشروط، ومثل البيع في ذلك الإجارة والكراء.
قوله: وكل ما سوى البيت، معناه أن القرض جائز في ما سوى تراب الفضة والجواري، أما تراب الفضة فلعدم الانضباط، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: متعلق القرض ما صح ضبطه بصفة كيلا، فيخرج تراب المعادن والصواغين والدور والأرضون والبساتين.
стр. 634
وأما الجواري فإنما يمتنع قرضها إذا كانت تحل للمستقرض، التاج: اللخمي: لا يجوز قرض الجواري إلا أن تكون في سن من لا توطأ، أو يكون المستقرض لا يمكن التذاذه بها لسنه، أو امرأة، أو محرما عليه وطؤها، أو مدينا تقضى عنه، ابن يونس: أو لمن تعتق عليه.
وذلك لأن المقترض بالخيار أن يرد عين الشيء المقترض إذا لم يحصل فيه تغير، أو مثله، فيؤدي ذلك في الجواري إلى إعارة الفروج.
١٣٣٩ - ووضع بعض الدين في نظير ... تعجيله له من المحظور
١٣٤٠ - كذاك أن يزيده فيه على ... تمديده نظير ذاك الاجلا
١٣٤١ - والعرض من بيع إذا يقدم ... نظير زيده كذاك يحرم
١٣٤٢ - وجاز في العرض الذي قدَ اَسلفه ... إن يكن الزيدان فيه في الصفه
١٣٤٣ - ومن يكن بمجلس القضاء رد ... بالقرض زائدا عليه في العدد
١٣٤٤ - من غير شرطه ولا وعد ولا ... عرف فأشهب لذاك حللا
١٣٤٥ - وعدم الجواز لابن القاسم ... وهْو المعول عليه ينتمي
١٣٤٦ - ومن عليه دين عين جاز له ... من قبل أن يحل أن يعجله
١٣٤٧ - وهكذا أيضا ديون العرض ... إن تك قد تربت من قرض
стр. 635
قوله: ووضع بعض البيت، معناه أنه لا يجوز لمن عليه دين لرجل مثلا أن يعجله له قبل أجله على أن يحط عنه بعضه، ويعرف عند الفقهاء بضع وتعجل، وقد روى مالك -رحمه الله تعالى- أن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - نهى عنه، وهو عائد إلى السلف بمنفعة لأن تعجيله له قبل حلوله سلف، وقد انتفع في نظير ذلك بإسقاط البعض، فلا فرق بينه وبين ربا الجاهلية الذي هو الزيادة في الدين في نظير الزيادة في الأجل، قال زيد بن أسلم: كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل، فإذا حل الأجل قال: أتقضي أم تربي؟ فإن قضى أخذ، وإلا زاده في حقه وأخر عنه في الأجل رواه مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ، وقال: الأمر المكروه الذي لا اختلاف فيه عندنا أن يكون للرجل على الرجل الدين إلى أجل، فيضع عنه الطالب ويعجله المطلوب، وذلك عندنا بمنزلة الذي يؤخر دينه بعد محله عن غريمه ويزيده الغريم في حقه، قال: فهذا الربا بعينه لا شك فيه.
وما ذكر أنه ربا الجاهلية هو المراد بقوله: كذاك أن يزيده فيه البيت.
стр. 636
قوله: والعرض من بيع البيتين، معناه أنه لا يجوز تعجيل العرض الذي في الذمة على أن يزيده فيه، سواء كانت الزيادة في الصفة أو في القدر، كأن يسلمه دينارا في ثوبين رديئين إلى شهر، فيرضى المسلم بالتعجيل قبل الشهر على أن يزيده ثوبا ثالثا، أو يعطيه ثوبين جيدين، لأن حط الضمان بزيادة في معنى الضمان بجعل، وقد نقلوا الإجماع على منعه، وأما العرض من قرض فيجوز فيه ذلك، إذا كانت الزيادة في الصفة، لأن الحق في أجل القرض للمقترض، لا للمقرض، فله جبره على قبوله قبل الأجل بلا زيادة، فكانت زيادته له تبرعا، وحسن قضاء، وليست لحط الضمان، وقد استسلف صلى الله تعالى عليه وسلم بَكرا ورد رَباعيا، وقال: " إن خيار الناس أحسنهم قضاء " (١) واختلف إذا كانت الزيادة في القدر، فمنع ذلك ابن القاسم - رحمه الله تعالى - إلا كرجحان ميزان، وأجازه أشهب، ونقل عنه التقييد باليسارة كالدرهمين في المائة، ومنعه ابن حبيب مطلقا، وإلى هذا أشار بقوله: ومن يكن بمجلس القضاء رد الأبيات الثلاثة، وهذا حيث لم تشترط الزيادة عند العقد، ولم يعده بها، ولم تكن له بها عادة خاصة، لأن ذلك في معنى الشرط، فيكون سلفا بزيادة، وهو عين الربا، لا فرق في ذلك بين زيادة القدر وزيادة الصفة، وقوله: بمجلس القضاء، يعني عند قضاء القرض، ويحترز بذلك من الزيادة قبل القضاء المعروفة بهدية المديان، وهي ممنوعة بلا تفصيل، كان الدين من قرض أو من غيره، لأنه من أكل أموال الناس بالباطل، ما لم يكن ذلك لسبب غير الدين، كطرو مصاهرة وجوار، أو يكون لعادة سابقة.
стр. 637
قوله: ومن عليه دين عين البيتين، معناه أن الدين المؤجل إما أن يكون عينا أو عرضا، فإن كان عينا كان لمن عليه أن يعجله قبل أجله، ويجبر صاحبه على القبول، إذ لا مؤنة في حمله ولا نماء فيه، إذ لا ترصد به الأسواق، فلو خاف عليه لم يجبر، وإن كان عرضا فإن كان من قرض فكذلك، لما تقدم من أن الحق في الأجل فيه للمقترض، وذلك إذا كان في البلد، وإن كان من بيع لم يكن له تعجيله إلا إذا رضي صاحبه، لأن الحق في الأجل فيه لهما معا، وهو مما ترصد به الأسواق، والله أعلم.
١٣٤٨ - وبيع ما صلاحه لم يبدُ ... من الحبوب والثمار حَرْدُ
١٣٤٩ - لكن إذا ببعض حائط ظهر ... كفى جميع ما به من الثمر
١٣٥٠ - وليس بالجائز بيع سمك ... يسبح في الأنهار أو في البِرَك
١٣٥١ - وهكذا بيع أجنة الابل ... بظهرها أو بطنها ليس يحل
١٣٥٢ - كغيرها كذا البعير الشارد ... وهكذا الآبق أيضا يحرد
١٣٥٣ - كالكلب إن يك اتخاذه امتنع ... وفي المجَوَّز خلاف قد وقع
١٣٥٤ - لكن من قتل ما قدُ اُذنا ... فغرمه قيمته تعينا
قوله: وبيع ما صلاحه لم يبدو البيت، معناه أنه لا يجوز بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، لما في ذلك من الغرر، ولذلك قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " أرأيت إذا منع الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه " (١) وبدو الصلاح يختلف باختلاف الثمار، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: وجامع ذلك أن يصلح للأكل والانتفاع، ففي التين حلاوته، وفي العنب جريان الماء فيه، وفي الزيتون أن ينحو إلى السواد، وفي القثاء والفقوس أن ينعقد ويبلغ مبلغا يوجد له طعم، وروى أصبغ وأشهب أن يؤكل فقوسا قد تهيأ للتبطيخ.
وكذلك أيضا لا يجوز بيع الحبوب حتى تيبس عند مالك - رحمه الله تعالى - لما في الصحيح من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة. (٢)
стр. 638
قال في التاج: سمع يحيى: سألته عن الرجل يبيع الزرع وقد أفرك، والفول وقد امتلأ حبه وهو أخضر، والحمص والعدس وما أشبه ذلك، فيتركه مشتريه حتى ييبس ويحصد، أيجوز بيعه؟ فقال: إن علم به قبل أن ييبس فسخ البيع، وإن لم يعلم به إلا بعد أن يبس مضى البيع ولم يفسخ، وليس هو مثل من يشتري الثمرة قبل أن تزهي، لأن النهي جاء في بيع الثمار قبل أن تزهي من رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - واختلف العلماء في وقت بيع الزرع فقال بعضهم إذا أفرك، وقال بعضهم حتى ييبس، فأنا أجيز البيع إذا فات باليبس لما جاء فيه من الاختلاف، وأرده إذا علم به قبل أن ييبس، ابن رشد: لا يجوز عند مالك وأصحابه بيع شيء من ذلك حتى ييبس ويستغني عن الماء، إلا أنه إذا بيع عندهم بعد أن أفرك وقبل أن ييبس لا يحكمون له بحكم البيع الفاسد مراعاة لمن أجاز ذلك منهم.
قوله: لكن إذا البيت، معناه أنه إذا بدا الصلاح في بعض ثمار الحائط جاز أن يباع جميعه بذلك، وكذلك ما جاوره، وهذا إذا كان بدو صلاح ذلك على الوجه المعتاد، لا إن كان عن مرض، أو كانت باكورة، وذلك لما في التأخير إلى بدو الصلاح من الضرر بالمالك، لأنه إذا حبس أوله على آخره فسد، وبالمشتري لفوات التفكه، ولجريان العمل بذلك في سائر البلاد والأزمنة، وروى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ عن زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - أنه كان لا يبيع ثماره حتى تطلع الثريا.
قوله: وليس بالجائز بيع سمك البيت، معناه أنه لا يجوز على المشهور بيع السمك في البرك: جمع بركة، كسدرة وسدر، وهو الماء الذي انقطعت جريته، للغرر، قال ابن عرفة: وفي بيع الحيتان في البرك إذا حظر عليها قول أشهب: لا بأس، وقول ابن القاسم فيها: كرهه مالك، قال: كيف يباع الحوت في الماء؟!
стр. 639
قوله: وهكذا بيع أجنة الإبل البيت، معناه أنه لا يجوز بيع الجنين في بطن أمه، وهو المعروف ببيع المضامين، ولا بيعه في ظهر الفحل، وهو المعروف ببيع الملاقيح، ولا نتاج النتاج، بأن يبيعه ولد ما تلده ناقته مثلا، وهو المعروف بحبل الحبلة، وقيل هو بيع السلعة بثمن مؤجل إلى أن ينتج النتاج، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: اشتهر في كتب الفقهاء والأصوليين حديث النهي عن بيع المضامين والملاقيح، ولا أعرفه في كتاب حديث إلا في الموطإ مرسلا، روى مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا ربا في الحيوان، وإنما نهي من الحيوان عن ثلاثة من المضامين والملاقيح وحبل الحبلة، فالمضامين: ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح: ما في ظهور الجمال، ونقله الصقلي عن مالك مطلقا لا بقيد كونها في الإبل، وعزى لابن حبيب عكس قولي مالك فيهما، وخرج مسلم ومالك في الموطإ عن نافع عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهم - عن رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ أنه نهى عن بيع حبل الحبلة، زاد مسلم في رواية ابن عمر وهو في الموطإ قال: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة: أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت، الصقلي عن ابن حبيب وغيره: هو نتاج ما تنتج الناقة، وعزاه أبو عمر لأبي عبيد وابن حنبل وغيرهما.
قوله: كغيرها، أشار به إلى أن غير الإبل مثلها.
стр. 640
قوله: كذا البعير البيت، معناه أنه لا يجوز بيع البعير الشارد ولا العبد الآبق ولو قربت غيبته، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وسمع ابن القاسم: لا أحب شراء الرجل بعيرا رآه مهملا في الرعي، لأنه لا يدري متى يؤخذ كإبل الأعراب المهملة في المهامه، ابن رشد: لأنه في حكم الآبق والشارد، زاد الصقلي والتونسي: إنما كرهه للغرر لعجزه عن أخذها، وإن قدر فقد لا يقدر إلا بعيب يدخلها، وسمع أصبغ ابن القاسم: لا يحل بيع صعاب الإبل للغرر في أخذها، لأنها ربما عطبت، ولجهل ما فيها من العيوب، وكذا المهارات في الفلا، كل ذلك مفسوخ.
قوله: كالكلب البيتين، معناه أن الكلب لا يصح بيعه لنهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن، (١) وتسميته ثمنا لا تقتضي الصحة، فهي كتسمية ما تأخذه البغي على بغائها مهرا، وهذا متفق عليه في الكلب المنهي عن اتخاذه، واختلف في المأذون فيه على سبعة أقوال، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: وفي المأذون فيه ثالثها إلا ما وقع في المغانم، ورابعها: لا بأس بشرائه مطلقا، ولا يعجبني بيعه، وخامسها: ولا يجوز بيعه، بدل لا يعجبني، وسادسها يجوز في الميراث والدين والمغانم، ويكره في غيرها، وسابعها الكراهة مطلقا.
стр. 641
قال في التاج: ابن رشد: مثل قول سحنون يعني الجواز قال ابن نافع وابن كنانة وأكثر أهل العلم، وهو الصحيح في النظر، لأنه إذا جاز الانتفاع به وجب أن يجوز بيعه، وإن لم يحل أكله كالحمار الأهلي يجوز بيعه ولا يحل أكله، قال ابن القاسم: ولا شيء على من قتل كلبا من كلاب الدور، بخلاف ما إذا قتل كلب صيد أو زرع، فعليه قيمته، ابن المواز: ويجوز اقتناء الكلاب للزرع والأجنة، لأنها من الزرع، أبو عمر في تمهيده: وكذا عندي يجوز اقتناؤه للمنافع كلها، ودفع المضار في غير البادية من المواضع المخوف فيها السرقة، ابن يونس: قال مالك - رحمه الله تعالى -: يقتل من الكلاب المؤذي، وما يكون بموضع لا ينبغي، وقال ابن لبابة: إن كان الكلب متخذا بموضع لا يجوز اتخاذه به، فصاحبه ضامن لما نقص الرداء، يقوم صحيحا، ويقوم بالذي أصابه، فما كان بين القيمتين ضمنه، ويوفيه صاحب الكلب، قال ابن سهل: لم يوجب ابن القاسم ضمان ما أصاب العقور إلا بوجهين، أحدهما أن يتقدم إليه، والآخر اتخاذه بموضع لا يجوز له اتخاذه فيه، انظر آخر نوازل ابن سهل - رحمه الله تعالى -.
١٣٥٥ - وبيع لحم مطلقا بحي ... من جنسه ممتنع للنهي
١٣٥٦ - كذاك لا تجوز بيعتان ... أيضا ببيعة وذا ضربان
١٣٥٧ - فبيعها نقدا له بعشرَهْ ... أو اثنتي عشَرَةٍ مؤخره
١٣٥٨ - معَ لزوم أحد البيعين ... بذاك هو أحد النوعين
١٣٥٩ - وبيع إحدى سلعتي نوعين ... بتا بعشر هو ثاني ذين
стр. 642
قوله: وبيع لحم البيت، أشار به إلى أنه لا يجوز بيع الحيوان باللحم من جنسه، وقد تقدم الكلام على أجناس اللحوم، وذلك لما روى مالك - رحمه الله تعالى - من النهي عن الحيوان باللحم، قال في التبصرة: ومحمل الحديث إذا كانا من جنس واحد، وإن كانا من جنسين جاز، فيجوز أن يباع لحم ذوات الأربع بحي من الطير، ولحم الطير بحي ذوات الأربع، والحيتان بحي ذوات الأربع، وبحي الطير كل ذلك جائز يدا بيد، ويفترق الجواب إذا كان إلى أجل، فإن كان الحي يراد للقنية جاز إلى أجل وأن لا يكون يدا بيد، واختلف إذا كان لا يراد للقنية فمنعه مالك - رحمه الله تعالى - إذا كان الحي لا تطول حياته، واختلف عنه إذا كانت تطول، فمنعه مرة وأجازه أخرى، إلى أن قال: واختلف إذا كان الحي واللحم من جنس واحد، فقال مالك وابن القاسم لا يجوز، كان الحي يراد للقنية أو للذبح، لا نقدا ولا إلى أجل لظاهر الحديث، ورأيا أنه شرع غير معلل، وقال ابن القصار معنى الحديث إذا كان الحي لا يراد إلا للحم، وهو من المزابنة بمنزلة الرطب باليابس، وإليه ذهب الأبهري وأبو محمد عبد الوهاب وغيرهم من البغداديين، ورأوا أن الحديث معلل، وإن كان الحي يراد للقنية جاز، وقال ابن القاسم في المدونة إن المنع لأجل المزابنة، إلا أنه مر على المنع جملة، وإذا سلم أن المنع لأجل المزابنة جاز إذا كان الحي يراد للقنية.
стр. 643
قوله: كذاك لا تجوز بيعتان إلخ، معناه أن من البيوع الفاسدة بيعتين في بيعة، لنهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن ذلك، (١) وذلك يكون في الثمن، كأن يبيعه سلعة بخمسة نقدا أو عشرة إلى أجل، على وجه اللزوم لهما أو لأحدهما، فلو وقع مع خيارهما معا جاز، ويكون في المثمن، كأن يقول أبيعك هذا الثوب أو هذه الشاة بدينار على مثل ما سبق من اللزوم، وأما إذا اتفق نوع السلعتين فيجوز ذلك، قال في التاج: فيها لمالك - رحمه الله تعالى -: لا بأس بشراء ثوب من ثوبين يختاره بثمن كذا، أو خمسين من مائة ثوب في عدل يختارها إن كانت جنسا واحدا، ووصف رقاعها وجنسها وطولها، وإن اختلفت القيم بعد أن تكون كلها مروية أو هروية، فإن اختلفت الأجناس لم يجز، يريد على الإلزام، ولو كان كله على غير الإلزام لجاز.
وقال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: وقال ابن المواز إذا لم يختلفا اختلافا يبيح سلم أحدهما في الآخر، ومنع ابن حبيب حتى يستويا في الصفة والقيمة، ابن عرفة: وهو الأقرب، قائلا: ولو قيل بالمنع مطلقا لكان له وجه، لاختلاف الأغراض في المقومات والله أعلم.
وظاهر أن هذا لا يجري في الثياب اليوم ولا في أغلب المصنوعات، لأنها مثلية كما هو بين والله أعلم.
١٣٦٠ - ولا يجوز بيع تمر بالرطب ... وهكذا بيع الزبيب بالعنب
١٣٦١ - فبينها تمتنع المبادله ... مع التماثل أو المفاضله
١٣٦٢ - وبيع رطب سائر الثمار ... بيابس جانَسَ ذو انحظار
١٣٦٣ - وهكذا الكلام في الفواكه ... إذ المزابنة عنها قد نُهِي
١٣٦٤ - وبيع ما جُزِّف بالمكيل ... من صنفه أيضا من المحظول
١٣٦٥ - كذا الجزاف بالجزاف ذو انحراد ... أيضا إذا ما الجنس كان ذا اتحاد
١٣٦٦ - إلا لفضل بين إن حُللا ... في الجنس من ذلك أن يفاضلا
стр. 644
قوله: ولا يجوز بيع تمر الأبيات الأربعة، معناه أنه لا يجوز بيع التمر بالرطب ولا الزبيب بالعنب، لا متماثلا ولا متفاضلا، ولا رطب بيابس من جنسه، من سائر الثمار والفواكه، لنهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن المزابنة، (١) قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: المازري: المزابنة عندنا بيع معلوم بمجهول، أو مجهول بمجهول من جنس واحد فيهما، وتبعه ابن الحاجب وقبلوه، ويبطل عكسه ببيع الشيء بما يخرج منه حسبما يأتي إن شاء الله ، وتكون في الربوي وغيره.
وفي الموطإ أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - سئل عن شراء التمر بالرطب؟ فقال: " أينقص الرطب إذا جف؟ فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك " (٢) قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: واختلف في المذهب هل يجوز بيع الرطب بالرطب أم لا، والمشهور جوازه، وقال ابن عبد الحكم لا يجوز لنقصه إذا جف، قال ابن عبد السلام: وهو أجرى على الأصل، لأنه لا يتحقق مقدار ما ينقص كل واحد منهما، وأما الزيتون بالزيتون مثلا بمثل، فإنه جائز، نص عليه اللخمي قائلا: وإن كان زيت أحدهما أكثر من الآخر، وزعم ابن الحاجب الاتفاق عليه.
قوله: وبيع ما جزف الأبيات، معناه أنه لا يجوز أن يباع جزاف بمكيل من صنفه، ولا جزاف بجزاف من صنفه، لما تقدم من نهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن المزابنة إلا لفضل بين في أحدهما إذا كان ذلك في غير ربوي، وأما الربوي فلا بد فيه من تحقق المماثلة.
١٣٦٧ - وبيع غائب على الوصف يحل ... وشرط الانتقاد فيه ينحظل
١٣٦٨ - ما لم يكن قريبا أو عقارا ... كشجر إلا فلا انحظارا
стр. 645
قوله: وبيع غائب على الوصف يحل، معناه أن بيع الغائب على الصفة جائز، وكذلك بيعه على رؤية متقدمة لا يتغير بعدها، للإجماع على أنه لا يشترط في السلعة إذا كان قد رآها بالقرب أن تحضر وقت العقد، وسواء كان البيع فيهما على البت أو الخيار، وهذا ما لم يبعد جدا كخراسان من إفريقية، وإلا امتنع البت لكثرة الخطر والغرر، ويجوز بيع الغائب دون وصف ولا رؤية سابقة إذا كان على الخيار بالرؤية على المشهور، وقيل لا يجوز، قال في الجامع: قال عبد الوهاب: المبيع على ثلاثة أضرب عين حاضرة مرئية، وغائبة عن العقد، وسلم في الذمة، فلا خلاف في الحاضرة وفي السلم، وأما الغائبة فتجوز عندنا على الصفة أو على تقدم رؤية، خلافا للشافعي، في منع بيعها على الصفة، ودليلنا قوله : (وأحل الله البيع وحرم الربا) ولأن ما تتعذر رؤيته تقوم الصفة فيه مقام الرؤية كالسلم، قال: ولا يجوز بيعه بغير صفة ولا رؤية ولا مع خيار الرؤية، قال: وذكر في المدونة جواز ذلك إذا اشترط خيار الرؤية، وكان شيخنا أبو بكر بن صالح وأصحابه يقولون إنه خارج عن الأصول، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: لا وجه لمنعهم جوازه، لأنه لا غرر فيه، ولا ما يمنع جوازه، وكأن المشتري لم يتحقق عنده الصفة ولا وثق بوصف غيره فاشترط رؤية نفسه، ولأن الصفة في الحقيقة لا تقوم مقام الرؤية، وقد توصف الجارية بصفة يظنها الموصوف له أنها فائقة في الجمال، فإذا نظرها لم تكن كذلك، قال غيره: بيع الشيء الغائب على الصفة أو الرؤية المتقدمة التي لا تتغير السلعة بعدها جائز، وقد تبايع عثمان وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنهما - فرسا غائبة، قال أبو جعفر الأبهري: وأجاز بيع الحيوان الغائب عمر وابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - ولا يعلم مخالف في الصحابة لهما، وقد أجمع الناس على جواز السلم على الصفة فهذا مثله.
стр. 646
قوله: وشرط الانتقاد إلخ، أشار به إلى أن اشتراط النقد في بيع الغائب لا يجوز، إلا أن يكون عقارا، كالدار والأرض والشجر، أو يكون قريبا يؤمن تغيره، وهذا في الغائب المبيع على البت، وأما الغائب المبيع على الخيار فلا يجوز النقد فيه مطلقا، لا طوعا ولا عن شرط، كما تقدم في الكلام على بيع الخيار.
١٣٦٩ - وفي الرقيق جوزنَّ العهده ... إن تشترط أو تك عرف البلده
١٣٧٠ - وعهدة الثلاث كل طار ... فيها يكون موجب الخيار
١٣٧١ - وعهدة السنة ردها يخص ... بجنه أو الجذام والبرص
معناه أنه يقضى في الرقيق المبيع بعهدة الثلاث وعهدة السنة، إذا كانتا عرف البلد، أو اشترطتا، فيرد في عهدة الثلاث بكل حادث من مرض أو عيب، ويرد في عهدة السنة بحدوث جذام، أو برص، أو جنون، دون ما سواها، والأصل في ذلك عمل أهل المدينة المنورة، وروى مالك في الموطإ أن أبان بن عثمان بن عفان وهشام بن إسماعيل كانا يقولان في خطبتهما العهدة ثابتة، عهدة الثلاث وعهدة السنة.
قال في الإشراف: وأما الخلاف فيه اليوم فعلى تقدير أنه إن اتفق عليه أهل بلد وتصالحوا عليه هل يلزم بينهم من لم يشترطه ودخل على البيع المطلق أم لا، هاهنا يتصور الخلاف، فعندنا يلزمه، وعند أبي حنيفة والشافعي لا يلزم، ودليلنا حديث الحسن عن عقبة أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " عهدة الرقيق ثلاثة أيام " (١) ولأن ذلك إجماع أهل المدينة المنورة من طريق النقل.
١٣٧٢ - لا بأس بالسلم في الطعام ... والعرض كله وفي الإدام
١٣٧٣ - والحيوان والرقيق إن وُصِف ... بكل ما القيمة منه تختلف
١٣٧٤ - معْ كونه لأجل قد عُلما ... وكونِ رأس ماله مقدَّما
١٣٧٥ - بحيث في ثلاثة الأيام ... من عقده يكون ذا استلام
١٣٧٦ - فللثلاث لم يكن منحظرا ... ولو مع اشتراطٍ أن يؤخرا
١٣٧٧ - ونصف شهر عندنا هو أقل ... ما ينبغي اتخاذه به أجل
стр. 647
١٣٧٨ - ما لم يكن يقبضه ببلد ... آخرَ غير بلد التعاقد
١٣٧٩ - إن يك سير ذلك المكان ... من ثم أدنى وقته يومان
١٣٨٠ - وبالثلاثة من الأيام ... تأجيله جاز لدى أعلام
١٣٨١ - ببلد السلم والفسخ نُمي ... فيه لقوم منهم ابن القاسم
١٣٨٢ - وسلم الشيء بجنسه وما ... قرب منه سلم قد حرما
السلم عرفه ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة، غير متماثل العوضين، فيخرج شراء الدين، وإن ماثل حكمه حكمه، لأنه لا يصدق عليه عرفا، والمختلفان يجوز اشتراكهما في شيء واحد، والكراء المضمون، والقرض، ولا يدخل إتلاف المثلي غير عين ولا هبة غير معين، والأصل فيه حديث الصحيح " من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم " (١) وحديث عبد الله ابن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - أنه ابتاع البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة بأمر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - (٢)
стр. 648
واحتج له أيضا بعموم قوله : (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى) وجوازه مجمع عليه، وهو رخصة مستثناة من بيع ما ليس عندك، ويجوز في العروض، والرقيق، والحيوان، والطعام، والإدام، كالبيع، وتشترط في السلم شروط، منها أن تبين صفات المسلم فيه التي يترتب عليها تفاوت قيمته، لرفع الخطر والغرر، وذلك يختلف باختلاف البلاد، قال في الجواهر: قال الإمام أبو عبد الله: الصفات التي تجب الإحاطة بها هي التي يختلف الثمن باختلاف أحوالها، فيزيد عند وجود بعضها، وينتقص عند انتقاص بعضها، ولا طريق إلى العلم بهذه الصفات التي يختلف الثمن باختلافها إلا بالرجوع إلى العوائد، واعتبار المقاصد، قال: وقد تختلف العوائد باختلاف البلاد وأغراض سكانها، فيجب على الفقيه أن يجعل العمدة في هذا الإسناد إلى عوائد سكان البلد الذي يفتي أهله، فينظر ما يقصدون إليه من الصفات ويزيدون في الثمن لأجله فيضبطه، ويشترط في صحة السلم ذكره.
قال في الجواهر: ثم يترك كل شيء على الغالب، فإن لم يكن فالوسط.
وإلى هذا الشرط أشار بقوله: إن وصف البيت، ومن الشروط أيضا أن يكون مؤجلا، قال في الإشراف: الصحيح من المذهب أنه لا يجوز السلم الحال خلافا للشافعي، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم " ولأن السلم إنما جوز ارتفاقا للمتعاقدين، لأن المسلم يقدم الثمن للارتخاص، والمسلم إليه يرغب فى ارتخاص الثمن للرفق الذي له في استعجال الانتفاع به، و في الصبر والتأخير، وإذا زال الرفق فكان كالقرض، لما كان الرفق بالمقترض كان ما أخرجه عن ذلك يبطله، ولأن السلم مشتق من اسمه الذي هو السلف، وهو أن يتقدم رأس المال، ويتأخر المسلم فيه، فوجب منع ما أخرجه عن ذلك، ولأنه بدل في السلم فوجب أن يقع على وجه واحد اعتبارا برأس المال.
стр. 649
وحد مالك - رحمه الله تعالى - أقل الأجل بما تتغير فيه الأسواق، وقال ابن القاسم خمسة عشر يوما، وعده بعضهم تفسيرا لقول مالك، لأن الأسواق تتغير في ذلك غالبا، وقال ابن عبد الحكم يجوز إلى يوم، وقال ابن وهب إلى يومين، وقيل إلى خمسة أيام، والمشهور الأول، وإلى هذا أشار بقوله: مع كونه لأجل قد علما، وقوله بعد: ونصف شهر البيت، واختلف إذا وقع السلم إلى ثلاثة أيام هل يمضي ولا يفسخ وهو لأصبغ، قال: لأنه ليس بحرام بين، ولا مكروه بين، واختاره ابن حبيب، وقال ابن المواز فسخه أحب إلينا، وهو ظاهر المدونة عند ابن رشد، قاله سيدي زروق - رحمه الله تعالى -.
وإلى هذا أشار بقوله: وبالثلاثة من الأيام البيتين، فمراده بالجواز المضي بعد الوقوع، ويقوم مقام ضرب الأجل الذي تتغير فيه الأسواق اشتراط القبض ببلد غير بلد العقد، مما تغير الأسواق بينهما كاليومين والثلاثة، قال في التاج: ابن أبي زمنين: إن اشترط أن يقبضه ببلد آخر فلا يجوز إلا أن يضرب أجلا، ويَشترط أن يخرج إليه حالا، فيكون بمنزلة الأجل، ابن يونس: هذا أحسن مما ذكر ابن المواز، قال: وهذا إذا كان الطريق في البر، فأما إن كان في البحر فلا يجوز هذا، لأن السير ليس له وقت معروف.
وإلى هذا أشار بقوله: ما لم يكن يقبضه ببلد البيتين.
ومن الشروط أيضا تعجيل رأس المال، لنهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن الكالئ بمثله، (١) قال ابن شاس - رحمه الله تعالى -: ولا يشترط قبضه في المجلس، ولا يفسد العقد بتأخيره بالشرط اليوم واليومين، وفي كتاب بيع الخيار الثلاثة أيضا، وحكى ابن سحنون وبعض البغداديين فساد السلم إذا افترقا قبل القبض، وهو خلاف في حكم المقارب للشيء هل هو لحكم الشيء أم لا، ويرجع الخلاف أيضا إلى اعتبار ما يسمى دينا بدين وما لا يسمى بذلك.
стр. 650
وإلى هذا أشار بقوله: وكون رأس ماله مقدما إلى قوله: أن يؤخر.
قوله: وسلم الشيء بجنسه البيت، معناه أنه لا يجوز أن يسلم الشيء في أكثر منه أو أجود من جنسه، أو ما قاربه، أو أقل منه أو أردأ، لأنه في الأولين سلف بزيادة، وقد تقدم أنه عين الربا، وفي الأخيرين ضمان بجعل، وقد تقدم الكلام عليه أيضا، وأما سلمه في قدره بصفته من جنسه أو ما قاربه فقرض، فإن كان لنفع المقترض خاصة صح وندب، وإن كان لمنفعة المقرض أو منفعتهما معا منع، وهذا ما لم تختلف المنافع بأن يكون كل يراد لغير ما يراد له الآخر، وإلا جاز، كالأجناس المختلفة، والمدرك في ذلك العرف فتجب مراعاته في كل بلد، وقد كنت قلت:
إن يتحد في السلم الجنس نُظِر ... فإن يك النفع كذاك ينحظر
وحيث في الجنس اختلاف المنفعه ... يحصل فالسلم فيه ذو سعه
لكن إذا ما الاختلاف ضعُفا ... شُرط في العدد أن يختلفا
فجمل الركوب فيه سلمُ ... جملِ حملٍ عندهم لا يحرم
دون شريطة اختلاف العدد ... كمثل ما في الجنس لم يتحد
أما إذا الكل لحمل قُصدا ... فالشرط ثم الاختلاف عددا
فيسلم الرديء ذو التعدد ... بجيد من جنسه منفرد
وهكذا العكس والاختلاف ... مرجعه عندهم الأعراف
والله أعلم.
١٣٨٣ - والدين بالدين كذاك امتنعا ... فالنهي عنه في الحديث وقعا
١٣٨٤ - وفسخ ما بذمة لك على ... آخر في مؤخر قد حُظلا
١٣٨٥ - وبيع شيء ليس عندك معا ... حلوله عليك أيضا مُنعا
стр. 651
قوله: والدين بالدين البيتين، أشار به إلى ما جاء في الحديث من النهي عن الكالئ بالكالئ، والكالئ: الدين، وهو أنواع، منها ابتداء الدين بالدين، كتأخير رأس مال السلم على ما تقدم بيانه، ومنها بيع الدين بالدين، كأن تبيع الشاة المترتبة لك في ذمة زيد من عمرو، بدنانير مترتبة له في ذمة شخص ثالث، ومنها فسخ الدين في الدين، كأن تكون لك على شخص دنانير فتشتري منه بها ثيابا إلى أجل، والمراد بالدين ما لا تتعجله، فيدخل ما إذا جعل لك في دينك عليه شيئا غائبا، كبعير في بلد كذا، أو منافع، سواء كانت مضمونة، بأن لم يعين ما تستوفى منه، أو كانت معينة، خلافا لأشهب في الغائب والمنافع المعينة.
قوله: وبيع شيء البيت، أشار به إلى أن السلم الحال ممنوع، لنهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن أن يبيع المرء ما ليس عنده، (١) قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: وهذا ما لم يكن الغالب وجوده عند المسلم إليه، فإن كان الغالب وجوده فإنه يجوز أن يسلم إليه على الحلول، إجراء له مجرى النقد، كالقصاب والخباز الدائم، وأخذ اللخمي - رحمه الله تعالى - منه جواز السلم على الحلول، وأجيب بأنه إنما أجيز هنا لتيسره عليهم بخلاف غيرهم.
وقد كنت قلت:
وبيع أمر غالب الحصول ... عندك معْ سهولة التحصيل
من غير تعيين على الحلول ... ليس لدى الإمام بالمحظول
فذا يقوم عنده مقاما ... تعيينه فلم يكن حراما
وزاعم بذا إباحة سلم ... حلَّ عن الإمام عندهم وهم
لذا أبو الضياء بالإيجاز ... أومأ بالشرا من الخباز
والله أعلم.
١٣٨٦ - وحيث بعتَ سلعة لرجل ... بثمن مؤجل لأجل
١٣٨٧ - وابتعتها منه فإما بأقل ... أو مثل أو لا نقدا أو إلى أجل
١٣٨٨ - فبأقل نقدا أو مؤجلا ... بأجل أقرب من ذا حُظلا
١٣٨٩ - وهكذا بأزيدٍ من الثمن ... لزمن وراء ذلك الزمن
١٣٩٠ - ومعْ تساوي الاجلين الكل حل ... ويتساقطان إن أتى الأجل
стр. 652
أشار بهذه الأبيات إلى بيوع الآجال، وعرفها ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: لقب لمتكرر بيع على عاقدي الأول، ولو بغير عين، قبل اقتضائه، وعرفها ابن الحاجب - رحمه الله تعالى - بقوله: هو لقب لما يفسد بعض صوره منها لتطرق التهمة بأنهما قصدا إلى ظاهر جائز ليتوصلا إلى باطن ممنوع، حسما للذريعة، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى - بعد أن ساق أدلة من أدلة سد الذرائع: وأبواب الذرائع في الكتاب والسنة يطول ذكرها، ولا يمكن حصرها، من ذلك قول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " (١) وقوله: " الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كان كالواقع حول الحمى يوشك أن يقع فيه " (٢) وقال: " ألا لكل ملك حمى، وإن حمى الله تعالى محارمه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه " والربا أحق ما حميت مراتعه، ومنع منها لئلا يستباح الربا بالذرائع، وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: كان من آخر ما أنزل الله على رسوله آية الربا، فتوفي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولم يفسرها، فدعوا الريبة والريبة، وأيضا فإن مراعاة التهمة أصل يبني الشرع عليه، قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا تجوز شهادة خصم ولا ظِنين ولا جار إلى نفسه " (٣) ولم يجز أهل العلم شهادة الأب لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه، من طريق التهمة، ومنه منعوا القاتل عمدا الميراث، وورثوا المبتوتة في المرض، ومثل هذا كثير.
стр. 653
وقال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: وذكر أهل المذهب طرقا في الدليل على اعتبار سد الذرائع، وأحسنها أن الأمة اجتمعت على المنع من بيع وسلف، وذلك أن البيع على انفراده جائز إجماعا، وكذلك السلف على انفراده إجماعا، والإجماع على المنع من اجتماعهما في عقد واحد، فإذا ثبت ذلك فالمنع ليس لأجل هذا العقد، وإنما هو للهيئة الاجتماعية، وليس ذلك المنع لذاتها، لأن الأحكام الشرعية إنما تتبع الصفات غالبا، فيتعين أن يكون الحكم بالمنع تابعا للصفة في هذا العقد، ولا معنى بعد البحث إلا ما يتقى في هذا العقد أن يكون أسقط شيئا من الثمن أو زيد فيه لأجل انضمامه للبيع، وهذا هو القول بسد الذرائع من حيث الجملة، فلم يبق بعد ذلك نظر إلا في تحقيق الذريعة، فحيث تحققت منع منها.
وقد استبعد ابن عبد السلام رعاية مثل هذه الذرائع وأطال في ذلك، وتتبع ابن عرفة - رحمهما الله تعالى - في مختصره كلامه بالنقض جملة جملة، وكلام ابن عرفة أقعد بالصواب.
стр. 654
وكيفية النظر في هذا الباب أن لا تعتبر الصورة المتحيل بها، بأن تسقط السلعة التي خرجت من يد البائع أولا وعادت إليها، وتركب العقد دونها، فإن كان العقد على ذلك الوجه ممنوعا، نظرت، فإن كان ذلك مما يكثر قصد الناس إليه، كبيع وسلف، وسلف بمنفعة، فذلك ممنوع، وإن كان القصد إليه قليلا كان جائزا، وذلك كضمان بجعل، وأسلفني وأسلفك، ومعنى الأبيات أن من باع سلعة لأجل ثم اشتراها بجنس الثمن، فإما أن يشتريها بأقل مما باعها به، أو بأكثر منه، أو بمثله، وإما أن يكون ذلك على الحلول، أو إلى أجل، ثم الأجل إما أن يكون أبعد، أو أقرب، أو مساو، فتلك اثنتا عشرة صورة، تمنع من ذلك ثلاث صور، وهي شراؤه بأقل نقدا، أو لدون الأجل، لما في ذلك من السلف بزيادة، فإذا باعه شاة بعشرة إلى شهر، واشتراها منه بثمانية حالة، أو إلى نصف شهر، فكأنه أسلفه ثمانية يأخذ عنها بعد شهر عشرة، والشاة ملغاة، لأنها عادت إلى صاحبها، وإنما تذرعا بها للسلف بزيادة، والصورة الثالثة أن يشتريها منه بأكثر لأبعد من الأجل، للعلة المذكورة، فكأن أول ما حصل بينهما دفع الأقل، الذي يأخذ عنه أكثر منه بعد أجل، والضابط أنه متى اتفق الثمنان أو الأجلان فالجواز، وإن اختلفا نظر إلى اليد السابقة بالعطاء بعد إلغاء السلعة، فإن دفعت أقل وعاد إليها أكثر فالمنع، وإلا فالجواز، وصور بيوع الآجال كثيرة جدا، ونقل سيدي زروق - رحمه الله تعالى - عن الديباج المذهب أن الشارمساحي لما دخل بغداد ليقرأ فيها قال له بعض الناس: كم تعرف في مسألة بيوع الآجال من وجه؟ قال ثمانين ألف وجه، فكأنهم استبعدوا ذلك، فأخذ يسرد حتى جاوز المائتين، فاستثقلوها فترك، والله أعلم.
стр. 655
ومثال ما يتهم فيه على قصد البيع والسلف، أن يبيعه سلعتين بدينارين إلى شهر، ثم يشتري إحداهما بدينار نقدا، فقد آل الأمر إلى أنه أعطاه سلعة ودينارا يأخذ عنهما بعد شهرين دينارين، فكأنه باعه السلعة بدينار وأسلفه دينارا، ومثال ما يتصور فيه قصد الضمان بجعل، أن يبيع ثوبين بعشرة دراهم إلى شهر، ثم يشتري منه عند الأجل أو قبله أحدهما بالعشرة، فآل أمره إلى أنه دفع له ثوبين ليضمن له أحدهما إلى أجل، ويكون الثاني جعلا له على الضمان، ومثال تصور قصد أسلفني وأسلفك، أن يبيع ثوبا بدينارين إلى شهر، ثم يشتريه بدينار نقدا ودينار إلى شهرين، فالسلعة قد رجعت إلى صاحبها و دفع الآن دينارا ويأخذ بعد شهر دينارين أحدهما عوض بما كان أعطاه، والثاني كأنه أسلفه ليرده بعد شهر.
قوله: بثمن مؤجل لأجل، مقتضاه أن البيعة الأولى إذا كانت على النقد جاز ذلك كله، وهو كذلك، إلا أن يكونا أو أحدهما من أهل العينة.
قوله: ويتساقطان إلخ، معناه أنه يقضى بالمقاصة في الصور الجائزة، سواء شرطاها أو سكتا عنها، فإن اشترطا عدمها فالمنع للدين بالدين، وإذا اشترطاها في الصور الممنوعة جازت.
١٣٩١ - والبيع للموزون والمكيل ... على الجزاف ليس بالمحظول
١٣٩٢ - وهُو في مسكوك نقد امتنع ... أما النُّقار فجزافه اتسع
١٣٩٣ - وكل ما آحاده ذات اختلاف ... معتبرٍ فلا يباع بالجزاف
١٣٩٤ - مثلِ ثياب لا كبيض مثلا ... فبيعه على الجزاف حللا
١٣٩٥ - وهو في المعدود ذو انحراد ... ما لم يشق العد للآحاد
стр. 656
أشار بهذه الأبيات إلى البيع على الجزاف، والجزاف مثلث الجيم، فارسي معرب، وهو بيع الشيء على التقدير والتخمين، من غير كيل ولا وزن، وعرفه ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: بيع الجزاف: بيع ما يمكن علم قدره دون أن يعلم، والأصل منعه، وخفف في ما شق علمه، أو قل جهله، وقد أجيز البيع على الجزاف رفقا وتيسيرا لما في الكيل والوزن من المشقة، مع أن الفرق بين المكيل مثلا والمجزف من العارف بالجزاف يسير غالبا، شبيه بما تتفاوت به المكاييل، ولا يجوز الجزاف في ما يعد، لأن شأن العد السهولة، فإن شق عده جاز فيه الجزاف، هذا هو المراد بالبيت الأول: والبيع للموزون البيت، والبيت الأخير: وهو في المعدود إلخ.
وتشترط في صحة البيع على الجزاف أمور، منها أن يكون المجزف مرئيا، فلا يصح في الغائب، ومنها أن يكون كل من المتبايعين جاهلا بقدر ذلك الشيء، ومنها استواء مكانه، لأنه إن انخفض زاد على التقدير، وإن علا نقص عنه، ومنها أن يمكن حزره، فلو كثر جدا امتنع الجزاف فيه لغلبة الخطإ، ومنها أن يكون كل منهما قد اعتاد الحزر، ومنها أن لا تتفاوت آحاد المعدود تفاوتا تختلف به الرغبات، كالثياب والرقيق والماشية، إلا أن يقل ثمنه كالبيض، وإلى هذا أشار بقوله: وكل ما آحاده البيتين، قال في التاج: قال ابن بشير: إن قلت أثمان المعدودات جاز بيعها جزافا، وإن كثرت أثمانها واختلفت آحادها اختلافا بينا، لم يجز بيعها جزافا، لأن الغرر فيها من وجهين معرفة الآحاد ومعرفة المبلغ، وإذا كثر الغرر منع البيع، وإذا كان المطلوب الجملة دون الآحاد، فالغرر من وجه واحد، وإذا قل الغرر لم يحرم البيع، القباب: قيدوا الجواز في المعدودات بما تساوت أفراده، أو يكون المقصود مبلغه لا آحاده كالبطيخ.
стр. 657
قوله: وهو في مسكوك البيت، معناه أن النقد المسكوك الذي يتعامل به عددا لا يجوز فيه الجزاف، لما في ذلك من الغرر والمخاطرة، وأما نقار الذهب والفضة فبيعه على الجزاف جائز، وكذلك المسكوك الذي يتعامل به وزنا، هذا هو المشهور، وقيل بالمنع في الجميع، والجواز في الجميع، قال في التاج: ابن رشد: فإن كان التعامل في المسكوك بالوزن فجل أهل المذهب أنه يجوز بيعه جزافا، لأن المطلوب حينئذ مبلغه لا آحاده، وأما ما كان من العين مكسورا أو مصوغا فهو بمنزلة العروض يجوز بيعه جزافا.
١٣٩٦ - وحيث بعتَ شجرا بعد الِابار ... فلك لا للمشتري منك الثمار
١٣٩٧ - إلا لتصريح لدى عقد الشرا ... بكونه يشمل ذاك الثمرا
١٣٩٨ - ثم إِبار النخلة التذكير ... والزرع معناه به الظهور
١٣٩٩ - وإن تبع عبدا فماله لكا ... ما لم يك اشترط غير ذلكا
قوله: وحيث بعت شجرا البيتين، معناه أن من باع نخلة قد أبرت فثمرتها له، إلا أن يشترطها المشتري لحديث الصحيح " من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع " (١) وألحق بالنخل غيره من الشجر، وتأبير النخل: لقاحها، بأن يعلق طلع الذكر على الأنثى، ويسمى بالتذكير، وذلك هو قوله: ثم إبار النخلة التذكير، وإن أبر بعضه دون بعض، نظر فإن كان أحدهما أكثر فالحكم حكمه في الجميع، وإن تساويا فكل على حكمه، قوله: والزرع معناه به الظهور، معناه أن الإبار في الزرع ظهوره وخروجه من الأرض، فإذا باع أرضا بها زرع قد ظهر فهو للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع، هذا هو المشهور، وقيل إباره أن يفرك، وقيل أن يسنبل.
قوله: وإن تبع عبدا البيت، معناه أن من باع عبدا له مال، فماله لبائعه، إلا أن يشترطه المبتاع، وقد جاء ذلك في الحديث الصحيح، (٢) ولا خلاف في هذا عند أهل المذهب، ويتناول العقد عليه ثياب المهنة دون ثياب الزينة.
١٤٠٠ - وبيع ما في العِدل بالبرنامِج ... معْ وصفه ليس به من حرج
стр. 658
١٤٠١ - والبيع للثوب بدون نشر ... ودون ما وصف له ذو حظر
١٤٠٢ - كذاك بيعه بليل أظلما ... بدون ما تأمل قد حرما
١٤٠٣ - وفي ذوات الحافر البيع معا ... ظلام ليلٍ عندهم قد منعا
١٤٠٤ - وأشهب جوزه في النعم ... وليس جائزا لدى ابن القاسم
أشار بالبيت الأول إلى أن البيع على البرنامج جائز، والبرنامج - بفتح الباء وكسر الميم -: فارسي معرب، اسم للدفتر الذي تكون فيه صفة ما في العدل، وإنما أجيز البيع على البرنامج لما يلحق صاحب الأعدال من الضرر بالنشر والطي، قال مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ في الرجل يقدم له أصناف من البز، ويحضره السوام، ويقرأ عليهم برنامجه، ويقول في كل عدل كذا وكذا مِلحفة بِصرية، وكذا وكذا رَيطة سابِرية، ذرعها كذا وكذا، ويسمي لهم أصنافا من البز بأجناسه، ويقول اشتروا مني على هذه الصفة، فيشترون الأعدال على ما وصف لهم، ثم يفتحونها فيَسْتَغِلونها ويندمون: إن ذلك لازم لهم إذا كان موافقا للبرنامج الذي باعهم عليه، قال: وهذا الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا يجيزونه بينهم، إذا كان المتاع موافقا للبرنامج ولم يكن مخالفا له.
قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى -: أبو عمر: لا بأس ببيع البز والقطن والكتان في أعداله بغير برنامج إذا فتح ونظر لبعضه على أن آخره على صفة ما رأى، فإن وجد فيها خلافا يسيرا، والصنف واحد وأشبه بعضه بعضا إلا أن الأول أجود لأن وجه الشيء لزم البيع، وإن جاء بخلاف الصفة أو تغير كثيرا فله الرد، قال ابن عرفة: هذا نص في ما عليه بيع زكائب الكتان وسلل التين والعنب ونحوهما ببلدنا، وكان بعض قضاة شيوخنا يتوقف في بيع الزكائب كذلك، والصواب جوازه، لأن نثر ذلك فساد له.
стр. 659
قوله: والبيع للثوب بدون نشر البيتين، أشار به إلى أن بيع الثوب دون نشر ولا وصف، أو بيعه في ليل دون تأمله، ولا معرفة حقيقة أمره، لا يجوز، وقد جاء في الصحيح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن الملامسة والمنابذة، (١) قال في التاج: مالك: من اشترى ثيابا مطوية ولم ينشرها، ولا وصفت له فالبيع فاسد، والملامسة: شراؤك الثوب لا تنشره ولا تعلم ما فيه، أو تبتاعه ليلا ولا تتأمله، والمنابذة: أن تبيعه ثوبك وتنبذه إليه بثوبه وينبذه إليك من غير تأمل منكما، فذلك غرر.
قوله: وفي ذوات الحافر البيتين، أشار به إلى أن بيع الحيوان في اليل كذلك لا يجوز - مأكول اللحم أو لا - خلافا لأشهب في الأول، لأن سمنه يدرك باللمس.
وحاصل المقام أنه لا يجوز بيع السلعة برؤيتها على وجه لا تحصل به معرفتها معرفة كافية، بحيث يمكنه أن يدرك حقيقة ما يقع فيه التغابن من أمرها والله أعلم.
١٤٠٥ - والبيع ينعقد بالكلام ... بدون شرط فرقة الأجسام
أشار بقوله: والبيع ينعقد بالكلام، إلى أن البيع ينعقد بما يدل على التراضي عرفا، من قول أو فعل، لقوله : (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) وأشار بقوله: بدون شرط فرقة الأجسام، إلى أن انعقاده لا يتوقف على فرقة الأجسام، وأما حديث " البيعان بالخيار " المتقدم في الكلام على الخيار بالشرط فلم يأخذ به مالك - رحمه الله تعالى - وذلك كما قال ابن رشد - رحمه الله تعالى - لاستمرار العمل بالمدينة المنورة على خلافه، وما استمر عليه العمل بالمدينة المنورة واتصل فهو عنده مقدم على أخبار الآحاد العدول، لأن المدينة المنورة دار النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وبها توفي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه متوافرون، فيستحيل أن يتصل العمل منهم في شيء على خلاف ما روي عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلا وقد علموا النسخ فيه.
стр. 660
وبقول مالك - رحمه الله تعالى - أخذ فقهاء المدينة المنورة السبعة غير سعيد بن المسيب، وأخذ بالخيار بالمجلس الشافعي وابن حبيب والسيوري، وهي إحدى المسائل التي حلف لا يأخذ فيها بقول مالك ﵏ أجمعين -.
١٤٠٦ - وجوزوا إجارة على عمل ... محدد أو ضربا له أجل
١٤٠٧ - إن سميا أجرا وفي الجعل احظلا ... ضربَهما للفعل فيه أجلا
١٤٠٨ - برد آبق وفي بعير ... شرد مثل حفره لبير
١٤٠٩ - وبيعه ثوبا ونحوه ولا ... شيء له ما لم يُتم العملا
١٤١٠ - ومن على بيع يؤاجر حيث تم ... أجله فأجره له انحتم
١٤١١ - لو لم يبع وإن يبع خلاله ... فأعطه قدر الذي مضى له
стр. 661
لما أنهى الكلام على البيوع، شرع في الكلام على الإجارة والكراء والجعل، والإجارة مثلثة الهمزة، مأخوذة من الأجر، وعرفها عياض - رحمه الله تعالى - بقوله: بيع منافع معلومة بعوض معلوم، وهي جائزة بالكتاب العزيز، كقوله : (على أن تأجرني ثماني حِجج) وبالسنة المطهرة، كاستئجاره صلى الله تعالى عليه وسلم الرجل الدِّيلي دليلا في الهجرة، (١)
стр. 662
وبالإجماع، وهي كالبيع في العاقد، فيشترط في الانعقاد تمييز المتعاقدين، ويشترط في اللزوم التكليف والطوع، ولا يشترط في المستأجر - بفتح الجيم - الرشد باطراد، وإنما يشترط باطراد في المستأجر - بالكسر - بغير منفعة تستوفى منه، وتنعقد بما ينعقد به البيع مما يدل على الرضا من قول أو غيره، ويشترط في الأجر ما يشترط في عوضي البيع، ويشترط في المنفعة أن يقدر على تسليمها، وأن تكون مما أذن الشرع فيه، بخلاف تعليم غناء ونحوه، وأن لا تكون أمرا متعينا على المستأجر - بالفتح - كركعتي الفجر، بخلاف الكفائي كتجهيز الميت، ولا بد في الإجارة من تحديد المستأجر عليه، بأن يكون معلوم القدر، إما بضرب الأجل كأن يستأجره يوما أو شهرا في العمل كذا، كخياطة الثياب، أو بعمل كأن يستأجره على خياطة ثياب معلومة، وإلى هذا أشار بقوله: وجوزوا إجارة البيت، ولا بد فيها من تسمية الأجر، إلا أن يكون هناك عرف منضبط به، فيكفي عن التسمية، وإلى هذا أشار بقوله: إن سميا أجرا، ويعجل الأجر للعامل إذا اشترط تعجيله، أو كانت العادة جارية بذلك، أو كانت المنافع مضمونة ـ بأن لم يعين ما تستوفى منه ـإذا تأخر الشروع فيها، خوف الدين بالدين، وهذا كله إذا كان الأجر غير معين، وأما إذا كان معينا كأن يستأجره بشياه معينة على حفر بئر فلا بد من اشتراط التعجيل إن لم يكن العرف جاريا بالتعجيل، وإلا فسدت عند ابن القاسم - رحمه الله تعالى - لأن الأصل في الأجر عنده التأخير، وذهب المدنيون كالأخوين إلى أنه إنما يضر اشتراط تأخيره، فإن لم يشترط عجل، ولا يضر كون العرف التأخير.
стр. 663
قوله: وفي الجعل احظلا البيت، أشار به إلى أن الجعل لا يجوز فيه ضرب الأجل، لأن ذلك يزيده غررا، إلا أن يشترط مع ذلك الترك متى شاء، والجعل عرفه ابن عرفة - رحمه الله تعالى - بقوله: معاوضة على عمل آدمي يجب عوضه بتمامه لا بعضه ببعضه، وهو جائز بالكتاب العزيز كقوله : (ولمن جاء به حمل بعير) وبالسنة المطهرة كحديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله تعالى عنه ـفي رقية الملدوغ بالفاتحة، (١) وهو منحل من قبل العامل مطلقا، فله الترك متى شاء، وأما الجاعل فمنحل من قبله ما لم يشرع العامل، بخلاف الإجارة فإنها لازمة لهما معا بمجرد العقد، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: ومن شروط صحة المجاعلة أن يكون الجعل معلوما، وأن لا ينقد، وأن يكون لا منفعة فيه للجاعل إلا بتمامه، وأن لا يضرب للعمل المجعول فيه أجلا، فإن ضرب له أجلا ولم يشترط أن يتركه متى شاء لم يجز، واختلف إن اشترط ذلك.
إلى أن قال: وليس من شروط الجعل أن يكون الجعل في القليل، وإن كان قد قال ذلك عبد الوهاب وغيره فليس بصحيح، وإنما الصحيح أنه جائز في كل ما لا يصح للجاعل فيه منفعة إلا بتمامه ـ كما قدمناه ـ كان قليلا أو كثيرا، وغير جائز فيما يكون للجاعل فيه منفعة قبل تمامه، كان قليلا أو كثيرا، ولذلك قال ابن المواز إن الجعل على حفر الآبار لا يجوز إلا في ما لا يملك من الأرضين، لأن ما يملك من الأرضين إن ترك المجعول له العمل بعد أن حفر بعض البئر انتفع الجاعل بما حفر منها بوجوه كثيرة من وجوه المنافع، وما لا يملك من الأرضين لا منفعة للجاعل في ما حفر المجعول له منها إن لم يتم حفرها، فإذا لم يكن للجاعل في العمل المجعول فيه منفعة إلا بتمامه جاز الجعل، قياسا على قوله : (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) لأنه إذا لم يأت المجعول له في الطلب بالمطلوب، لم ينتفع الجاعل بغايته في الطلب، وهذا بين.
стр. 664
وعد اللخمي - رحمه الله تعالى - من شروط الجعل أن يكون في ما يقل الاشتغال به
وقد كنت قلت:
ألجعل يختص بأفعال البشر ... كما به العَرَفِي جا في المختصر
وشرطُ أن يكون مما قد ندر ... شغل به اللخمي أيضا قد ذكر
ومثل الشيخ للجعل برد البعير الشارد، والعبد الآبق، بأن يقول إن جئتني ببعيري الشارد أو عبدي الآبق، أو من جاءني بذلك فله دينار، ومثل بحفر البئر، ولا يكون ذلك إلا في ما لا يملك الجاعل من الأرض، وأما إذا كان في أرضه فلا يصح فيه إلا الإجارة كما تقدم عن ابن المواز، ونقل ابن عرفة - رحمه الله تعالى - عن المتيطي أن الجم الغفير عليه.
ومثل ببيع الثوب ونحوه، كأن يقول إن بعت هذا الثوب فلك دينار، ومثل البيع الشراء، كأن يقول إن اشتريت لي الشيء كذا فلك كذا، ويشترط في الجعل على البيع أن تبقى السلعة أو السلع عند ربها، فإذا باع منها شيئا أخذه منه مشتريه، وأن يكون للعامل في التعدد إذا باع بعضا فقط منابه، بمثابة عقود متعددة بعدد السلع، فلو كان العامل يأخذ السلعة أو السلع قبل البيع منع، لأن ربها ينتفع بحفظه إياها، وكذلك إذا كان العامل لا يستحق شيئا إلا ببيع الجميع، لانتفاع الجاعل في بيع البعض، وذهاب عمل العامل هدرا.
قوله: ومن على بيع البيتين، معناه أن من استأجر آخر على بيع سلع معينة، كثياب معينة شهرا مثلا، فإن تم الشهر ولم يبع شيئا فله ما سمى له كاملا، وإن باعها أول يوم مثلا كان له من الأجر بحسابه من الشهر، وأما إن استأجره شهرا على بيع ثياب مثلا غير معينة وأعطاه ثيابا وباعها فليأته بثياب أخرى، وليبع له حتى يتم الشهر، ولا يجوز في الصورة الأولى اشتراط النقد، إذ لا يدرى هل يستحق الأجر بتمامه أو لا، فيكون ما يعطيه مترددا بين الأجر والسلف، بخلاف الصورة الثانية فللأجير فيها اشتراط النقد.
١٤١٢ - هذا والاكرية كالبيوع ... بما يُجَوَّز وفي الممنوع
١٤١٣ - وحيث ما اكتريت منه جملا ... معيَّنا إلى بلاد مثلا
стр. 665
١٤١٤ - ثم توى من قبلها فالعقدُ ... منفسخ بما بقي بعدُ
١٤١٥ - كذا الاجير زمنا إن هلكا ... وهْو معين خلال ذلكا
١٤١٦ - والدار تنهدم قبل أن يتم ... زمن الاكراء الذي له بُرم
١٤١٧ - بعكس موت ساكن أو راكب ... فليس ذا لفسخه بموجب
١٤١٨ - كذاك موت غنم قدُ اُوجرا ... لرعيها أو حيوان آخرا
١٤١٩ - وليأتينْ بغنم أو رجل ... يركب أو يسكن مثل الاول
١٤٢٠ - وهكذا إن لم يُعيَّن الجمل ... ألمكترى فحيث مات فالبدل
قوله: هذا والاكرية البيت، معناه أن الكراء بالمعنى الأعم كالبيع في ما يحل ويحرم، فيجب فيه من البيان ما يجب في البيع، ويحرم فيه من الكتمان ما يحرم فيه، وكما يمنع البيع لمن يريد بما يناله معصية، كذلك تمنع الإجارة له، وقد تقدم أنها مثله في الأجر، فيشترط فيه ما يشترط في الثمن، وذلك أن الفرق بين الإجارة والبيع اصطلاحي، واعتراض التادلي الذي نقله ابن ناجي - رحمهما الله تعالى - غير بين، فالبابان سواء في أصل امتناع الدين بالدين،
وإن اختلف صدق اسم الدين فيهما، وقوله في الكراء المضمون الذي لم يشرع فيه إن وجوب تعجيل الأجر فيه لأنه سلم غير بين، ولعل الصواب أنه شبيه بالسلم، وإلا لجاز تأخيره ثلاثا مع الشرط، وأكثر مع عدمه، وكان من شرط المنافع أن تؤجل إلى ما تتغير فيه الأسواق على ما تقدم في السلم والله أعلم.
стр. 666
قوله: وحيث ما اكتريت منه جملا البيتين، معناه أن من اكترى دابة معينة إلى بلد فتعذر ركوبها بأن ماتت أو مرضت أو استحقت فإن الكراء ينفسخ، وإذا كان ذلك قد حصل بعد أن ركبها بعض المسافة انفسخ الكراء في ما بقي، ولربها بحساب ما سار، وكذلك إذا آجره عبدا معينا فمات قبل انتهاء المدة، أو أكراه داره شهرا فانهدمت، أو انهدم منها ما يضر به قبل تمام المدة، بخلاف موت الراكب في مسألة الدابة، أو الساكن في مسألة الدار، وموت الماشية المستأجر على رعيها، فلا ينفسخ الكراء في شيء من ذلك، والقاعدة أن المكترى - بفتح الراء - المعين إذا تعذر استيفاء المنفعة منه بموت ونحوه تنفسخ الإجارة، لأن العقد إنما وقع على عينه، ويتحاسبان، وأما تعذر الاستيفاء من قبل المستأجر له فإن كان مما يلزم تعيينه عند العقد كصبي الرضاع والتعليم وفرس النزو أو الروض، أو يتعذر خلفه كمسألة عفو القصاص فكذلك، وإلا فلا تنفسخ الإجارة، وليستوف المنفعة بمثل ذلك، أو يؤجرها لمن يستوفيها بمثله، وقد كنت قلت:
إن يتعذر في الكرا استيفاءُ ... منافعٍ ينفسخ الكراء
وذاك إن بجهة المنافع ... وقع لا بجهة المنتفع
إلا بما التعيين ذو تحتم ... به كمرضَع وذي تعلم
وما به الخلَف قد تعذرا ... كالسن تبرأ فيفسخ الكرا
وأما المنفعة المضمونة إذا أعطاه ما يستوفيها منه فتلف فلا تنفسخ الإجارة، لأن العقد لم يقع على عينه، ويلزمه أن يأتيه ببدله، وإلى هذا الإشارة بقوله: بعكس موت ساكن الأبيات الثلاثة، وأشار إلى عدم الانفساخ في الكراء المضمون إذا مات الجمل مثلا، بقوله: وهكذا إن لم يعين الجمل البيت.
стр. 667
قوله: كذاك موت غنم قد اوجرا البيت، معناه أنه إذا استأجره على رعي غنم مثلافتلفت أو باعها لم ينفسخ الكراء، وليأته بغنم مكانها، واختلف إذا استأجره على غنم معينة هل يلزمه شرط الخلف، فإن لم يشترط فسد العقد وهو لمالك وابن القاسم - رحمهما الله تعالى - أو لا يلزمه، ويقضى بالخلف، وهو قول سحنون وابن الماجشون وأصبغ وابن حبيب - رحمهم الله تعالى جميعا - قال ابن يونس - رحمه الله تعالى -: وهو عندي أصوب، لأن الأشياء المستأجر عليها لا تتعين، لو استأجر على حمل طعام أو شراب ما يحتاج إلى شرط خلفه إن هلك، والحكم يوجب خلفه، وكذلك في المدونة وكتاب محمد، نقله في التاج.
١٤٢١ - وجاز تعليم على الحِذاق ... أي حفظه قدرا على شقاق
١٤٢٢ - كذا مشارطته للاسي ... على الشفا ليس بها من باس
١٤٢٣ - ومكترِي الماعون أو سواه ... ليس بضامن لدى تواه
١٤٢٤ - وهْو مصدق به ما لم يبنْ ... كذبه وحيث يظهر ضمن
قوله: وجاز تعليم البيت، معناه أن تعليم القرآن على الحذاق جائز، والحذاق: الحفظ، ولا يضرب فيه أجل، فإن فعل نظر، فإن كانت المدة التي سمى لا يدرى هل يمكن حفظ القدر الذي سمى فيها أم لا فسدت الإجارة، واختلف بالجواز والمنع إذا كان الغالب أن يحفظ ذلك فيها، وقيل لا تجوز الإجارة على تعليم القرآن إلا مدة معلومة مشاهرة أو وجيبة، ولا بد من اختبار الصبي إذا وقع العقد على الحذاق، وأما إذا كان مشاهرة أو وجيبة فلا يشترط ذلك.
стр. 668
قوله: كذا مشارطته للاسي البيت، معناه أن الطبيب - وهو المراد بالآسي - تجوز مشارطته على الشفاء، قياسا على ما جاء في حديث أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - في الرقية، ويكون الدواء حينئذ من عند المريض، ولا يجوز أن يكون من عند الطبيب، وتجوز مؤاجرته على المداوات، ويجوز حينئذ أن يكون الدواء من عند الطبيب أو من عند المريض، ولا بد من ضرب الأجل، ولا يجوز اشتراط النقد، إذ قد لا يستحقه كاملا، فيكون المأخوذ مترددا بين السلف والأجر، وقد اختلف في المشارطة على الحذاق والبرء هل هي إجارة أو جعل، وكذلك المعاقدة على استخراج المياه من الآبار والعيون على صفة معلومة من شدة الأرض ولينها وقرب الماء وبعده، وكذلك المغارسة لتردد هذه الأمور بين الأمرين قاله بمعناه ابن شاس.
стр. 669
قوله: ومكتري الماعون البيتين، أشار به إلى أنه لا ضمان على المكتري في ما اكتراه، وهو مصدق في تلفه لأنه أمين، إلا أن يتبين كذبه، وإليه أشار بقوله: وحيث يظهر ضمن، ولا فرق في ما ذكر بين أن يكون ما اكتراه مما يغاب عليه كالماعون - وهو الآلات المنزلية كالسكين والقدر والجفنة - أو لا كالحيوان، وقيل يضمن في ما يغاب عليه، قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: قال التادلي: وقول الشيخ: وصدق، يريد ويحلف إن كان متهما لقد ضاع وما فرطت، ولا يمين عليه إن كان غير متهم قاله ابن القاسم، وقيل يحلف مطلقا، وقيل يحلف غير المتهم أنه ما فرط، قال: ولو أخرجه من يده فهلك فإن كان مما يجوز له أن يكريه من غيره فلا ضمان عليه وإلا ضمن وقال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: قال في المدونة: ومن استأجر فسطاطا أو بساطا أو غرائر أو آنية إلى مكة المكرمة ذاهبا راجعا جاز، فإن ادعى حين رجع ضياع هذه الأشياء في البداءة صدق في الضياع ولزمه الكراء كله، إلا أن يأتي ببينة على وقت الضياع، وذكر عن الغير سقوط الكراء مطلقا إلا ما قال أنه انتفع به، وروى أشهب كقول مالك وابن القاسم في الدمياطية تضمينه بالقصعة.
١٤٢٦ - ويضمن الصانع ما فيه معا ... غيبته عليه كان استُصنعا
١٤٢٧ - وإن يكن عمله مجانا ... إلا لعدلين فلا ضمانا
١٤٢٨ - وصاحب الحمام لم يُضَمَّنِ ... وهكذا أيضا قُواد السفن
١٤٢٩ - وما لصاحب السفينة كرا ... إلا على البلاغ في ما اشتهرا
стр. 670
قوله: ويضمن الصانع البيتين، يعني أن الصانع ضامن ما استصنع فيه إذا نصب نفسه لذلك، سواء عمله بأجر أو لا، إذا غاب عليه، قال في التبصرة: إن ادعى المنتصب التلف فإنه لا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال، إما أن يغيب على ما يعمله، فيعمله في حانوت نفسه أو في بيته، أو يعمل بحضرة صاحبه، أو يدعوه صاحبه إلى داره فيعمله عنده، فإن غاب عليه كان ضامنا له ولم يصدق في تلفه، لأن الغالب من الصناع عدم الأمانة، فلو صدقوا لاجترؤوا على أموال الناس، وإذا علموا أنهم لم يصدقوا لم يجترؤوا عليها، قال مالك - رحمه الله تعالى -: يضمنون لأن ذلك على وجه الحاجة إلى عملهم، وليس على وجه الاختيار لهم والأمانة، ولو كان ذلك إلى أمانتهم لاجترؤوا عليها، ولم يجد الناس مستعملا لتلك الأعمال، فيضمنوا لمصلحة تلك الناس، قال: ومما يشبه ذلك من منفعة العامة قول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " لا يبع حاضر لباد " (١) " ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى السوق " (٢) وإن دعاه لعمل ذلك عنده كان القول قول الصانع في تلفه، وسواء حضر صاحب المتاع في حين عمله أو غاب عنه، فهو المصدق، ويختلف إذا عمله الصانع في حانوت نفسه بحضرة صاحبه، فقال محمد القول قول الصانع في تلفه، وفي كتاب ابن حبيب في مثل ذلك أنه ضامن وليس بحسن ومحل ضمان الصانع ما لم تقم بينة أن هلاكه من غيره، وإلا فلا ضمان عليه ولا أجر له، ومحل ضمانه بسبب الصنعة إذا لم يكن فيها تغرير، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: وأما إن كان فيها تغرير كثقب اللؤلؤة ونقش الفصوص، وتقويم السيوف، واحتراق الخبز عندالفران، والثوب عند الصباغ، فلا ضمان عليه فيها، إلا أن يعلم أنه تعدى فيها، أو أخذها على غير وجه مأخذها، نقله في التوضيح، قال: ونحوه لابن المواز، نقله في المواهب.