واحتج بقوله : (كما ربياني صغيرا) والتربية لا تكون إلا للوالدين ... قال القاضي عياض - رحمه الله تعالى - في الإكمال: والذي عندي خلاف ما ذهب إليه كله، والمعروف من قول مالك - رحمه الله تعالى - ومن وافقه من أهل العلم من أصحابه لزوم بر الأجداد، وتقديمهم، وقربهم من الآباء، وقد روي عن مالك - رحمه الله تعالى - أنه لا يقتص من الجد لابن ابنه، إلا أن يفعل به ما لا شك في قصده قتله كالأب سواء، وكذلك قالوا في الجهاد بغير إذنه لا يجوز كالآباء، وكذلك اختلف في تغليظ الدية عليه في عمد قتله، وفي قطعه في السرقة من مال حفيده، وأما الحديث الذي احتج به من قوله: " أمك وأباك وأخاك ومولاك " فهو حجة عليه، لأنه لما لم يذكر الأجداد وقد ذكر الموالي، دل على أنهم داخلون في عموم الآباء، وحسن ابن عبد السلام - رحمه الله تعالى - قول الطرطوشي، وقال في احتجاج عياض إنه إنما يتم على من يدعي أن الجد لا حظ له من البر، وهذا لم يذهب إليه أحد ... قال مقيده عفا الله تعالى عنه: وليس هذا بصواب، فعياض إنما اعترض تأخير الجد عن الإخوة، ولم يقل بمساواته للأب، فكلامه في غاية الظهور والله أعلم ... قوله: لو فسقا أو كفرا، معناه أن بر الوالدين واجب، وإن كانا فاسقين أو كافرين، وبر الكافر ينقطع بالموت، وقد تقدم الكلام على طاعته في الجهاد، والحمد لله رب العالمين، ونقل ابن ناجي - رحمه الله تعالى - عن بعضهم أن الفاسق من الأبوين يزاد له في الدعاء على الآخر، وهو بين.
قوله: فلتقل لدى الخطاب البيت، معناه أنه يؤمر بالتذلل لهما في الخطاب، وقد جاء عن سعيد بن المسيب - رضي الله تعالى عنهما - أنه فسر القول الكريم المذكور في الآية الكريمة بقوله: قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ.
قوله: وعاشرنهما بمعروف، أشار به إلى ما جاء في الآية الكريمة من الأمر بمصاحبتهما في الدنيا معروفا.
стр. 912
قوله: ولا تطعهما بما عليك حظلا، معناه أنه لا يجوز برهما في ما حرم الله ، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " إنما الطاعة في المعروف " (١) وقوله: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " (٢) قال القرافي - رحمه الله تعالى - في الفرق الثالث والعشرين بعد بحوث: إذا تقررت هذه المسائل، وهذه المباحث، ظهر لك الفرق بين قاعدة الواجب للأجانب، والواجب للوالدين، فإن كل ما يجب للأجانب يجب للوالدين، وضابط ما يختص به الوالدان دون الأجانب، هو اجتناب مطلق الأذى كيف كان، إذا لم يكن فيه ضرر على الإبن، ووجوب طاعتهما في ترك النوافل، وتعجيل الفروض الموسعة، وترك فروض الكفاية إذا كان ثم من يقوم بها، وما عدا ذلك لا تجب طاعتهم فيه، وإن ندب إلى طاعتهم وبرهم مطلقا، وكذلك الأجانب يندب برهم مطلقا، غير أن الندب في الأبوين أقوى في غير القرب والنوافل، ولا ندب في طاعة الأجانب في ترك النوافل، بل الكراهة من غير تحريم.
وأما ما فيه ضرر فلا يجب فيه البر، وقد سأل رجل مالكا - رحمهما الله تعالى - له والدة وأخت وزوجة، قال: فكلما رأت لي شيئا، قالت: أعطني هذا لأختك، فأكثرت علي من هذا، فإن منعتها سبتني ودعت علي، فقال له: ما أرى أن تغايظها، وتَخَلَّصْ منها بما قدرت عليه وغيب عنها ما كان لك، قال: أين أخبئه؟ ذلك معي في البيت، قال: أما أنا فلا أرى أن تغايظها، وأن تتخلص من سخطها بما قدرت عليه.
стр. 913
قوله: وهكذا يجب أن البيت، معناه أنه يجب عليه الاستغفار لهما في حياتهما وبعد موتهما، لقوله : (وقل رب ارحمهما) والاستغفار بعد الموت خاص بالأبوين المسلمين، فلا يستغفر للكافرين بعد موتهما، لتبين أنهما من أصحاب الجحيم، وأما في حال الحياة فقال الحطاب في حاشيته: قال المهدوي: قال كثير من العلماء لا بأس أن يستغفر المؤمن لأبويه الكافرين، فأما إذا ماتا على الكفر تبين أنهما من أصحاب الجحيم، وقال ابن عطية: الاستغفار للمشرك الحي جائز، إذ يرجى إسلامه.
وقد جاء أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " (١) قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: وقد أجمع العلماء على أن الميت ينتفع بالدعاء له وبالصدقة عليه، واختلف في قراءة القرآن على أربعة أقوال للعلماء، يفصل في الثالث بين أن يكون عند القبر، فينتفع به الميت، وإلا فلا، قال الفاكهاني: وذهب بعض الشافعية - وأظنه أبا المعالي - إلى أن القارئ إذا نوى أول قراءته أن يكون ثواب ما يقرؤه لفلان الميت كان كذلك، وإلا فلا، إذ ليس له أن ينقل ما ثبت ثوابه لغيره ... وقال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: قال ابن الحاج - رحمه الله تعالى - في المدخل: ومن أراد وصول قراءته بلا خلاف فليجعل ذلك دعاء، بأن يقول: اللهم أوصل ثواب ما أقرؤه إلى فلان.
стр. 914
قال مقيده عفا الله عنه هذا غير بين، لأنه إن أراد الدعاء بنقل الثواب، فمن لا يرى ذلك مشروعا دون دعاء، يلزم أن لا يرى الدعاء به مشروعا، وغير المشروع غير نافع، ولو صح هذا لجاز أن ينقل له عمل غيره بالدعاء، بأن يقول: اجعل ثواب قراءة زيد لعمرو، فالمعنى في هذا الوجه متواطئ في عمله وعمل غيره، فالمنظور له الدعاء فقط، ولا أظن أنه يمكن أن يختلف في امتناع هذا، وإن أراد الدعاء بأن يعطيه الله كأجر من قرأ كذا، فهذه مسألة أخرى غير مسألة القراءة، وصحيح أن له أن يدعو له أن يرزقه الله ثواب ألف ختمة، أو ألف حجة، أو صيام ألف رمضان من غير أن يقرأ هو آية، أو يحج حجة، أو يصوم يوما، لكن الأولى أن يدعو له بالمغفرة، والرضوان، وإكرام النزل، وتوسيع المدخل، والتنقية من الخطايا، ونحو ذلك مما يؤثر الدعاء به للميت، فهو أبين وأيمن، والخير كله في التأسي والله أعلم.
٢٠٨١ - كذا موالاة الذين أسلموا ... فهي فرض وكذا نصحهم
٢٠٨٢ - وإنما يؤمن حقا منَ اَحب ... للمسلمين ما لنفسه استحب
٢٠٨٣ - ومنَ اَكيد ما من الأمر لزم ... بلا خلاف بينهم وصل الرحم
٢٠٨٤ - ومن حقوق مسلم على أخيه ... سلامه إذا لقيه عليه
٢٠٨٥ - والعَود إن يمرض وأن يشمتَه ... وهكذا شهوده جنازتَه
٢٠٨٦ - وحفظه إياه في المغيب ... سرا وجهرا وهْو ذو وجوب
стр. 915
قوله: كذا موالاة الذين أسلموا البيت، معناه أن موالات المؤمنين ونصيحتهم واجبة، وقد قال : (إنما المؤمنون إخوة) (والمؤمنون بعضهم والمؤمنات أولياء بعض) وفي الحديث " المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسلمه، من كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كُرْبة، فرج الله عنه بها كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة " (١) وفي حديث الموطإ " لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله تعالى إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال " (٢) قال مالك - رحمه الله تعالى -: لا أحسب التدابر إلا الإعراض عن أخيك المسلم، فتدبر عنه بوجهك، وروى أيضا أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا، وتذهب الشحناء " وفي حديث الصحيح " مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " (٣) وفي حديث الصحيح أيضا " الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم " (٤)
стр. 916
وشدد الشرع في موالاة الكفار، فقال جل من قائل: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون) وقال جل من قائل: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقية) الآية، وقال جل من قائل: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) الآية، وقال جل من قائل: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) وفي حديث الصحيح " المرء مع من أحب " (١).
стр. 917
قوله: وإنما يؤمن حقا من احب البيت، يشير به إلى حديث الصحيح " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " (١) ولفظ الشيخ قريب من لفظ ابن حبان، وهذا دليل للمسألة السابقة، وحبك لأخيك ما تحب لنفسك يستلزم نصحه، والنصح واجب كفاية، وقد يسقط لمعارضة مصلحة عامة، كما في بيع الحاضر للبادي ... قوله: ومن أكيد ما من الأمر لزم البيت، معناه أن من الواجبات المؤكدة صلة الرحم، وقد قال جل من قائل: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) وفي الصحيح أن الله لما خلق الخلق قامت الرحم وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال : " ألا ترضين أن أصل من وصلكِ، وأقطع من قطعكِ؟ " قالت: بلى، قال: " فذلك لكِ " (٢) وفيه " من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه " (٣) وروى الإمام أحمد في مسنده أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم " (٤)
стр. 918
قال عياض - رحمه الله تعالى -: ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة على الجملة، وقطيعتها كبيرة، ولكن الصلة درجات، بعضها أرفع من بعض، أدناها ترك المهاجرة، وصلتها ولو بالسلام، وهذا بحكم القدرة على الصلة، وحاجتها إليها، فمنها ما يتعين ويلزم، ومنها ما يستحب ويرغب فيه، وليس من لم يبلغ أقصا الصلة يسمى قاطعا، ولا من قصر عما ينبغي له ويقدر عليه واصلا، ثم ذكر الخلاف في حد الرحم التي تجب صلتها، وقد حدها بعضهم بالمحرمية مستدلا بتحريم الجمع بين الأختين، والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، مخافة المقاطعة، وجواز ذلك بين بنتي العم والخال، ذكره الطرطوشي عن بعض العلماء كما في الفروق، وحدها بعضهم بما يطلق عليه أولوا الأرحام في المواريث، وكلما كانت القرابة أقعد كانت الصلة آكد، كما في حديث " ثم أدناك فأدناك " وجاء في الحديث " إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم ذمة ورحما " (١) قال الزهري - رحمه الله تعالى -: الرحم أن أم إسماعيل - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - منهم.
стр. 919
قوله: ومن حقوق مسلم الأبيات، أشار به إلى بعض حقوق المسلم على أخيه، فذكر منها السلام، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى، وذكر التشميت عند العطاس، وسيأتي الكلام عليه أيضا إن شاء الله ، وذكر شهود الجنازة، وقد تقدم الكلام عليه، وأنه واجب على الكفاية، ويتعين على الولد، ومنها حفظه بالغيب، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: بأن لا يسيء به الظن، ولا يتعدى على أمانته، ولا غيرها، من مال، أو حرمة، أو عرض، أو غير ذلك، وفي الحديث " من رد عن عرض أخيه في الغيب رد الله تعالى عن وجهه النار يوم القيامة " (١).
стр. 920
وحفظه بالعلانية بأن يعامله بما تقتضيه الأخوة، فلا يستخف به، ولا يسخر منه، ولا يخدعه، ولا يخذله، ولا يسلمه، وأن يرفق به ما أمكنه ذلك ... وذكر منها عيادة المريض، وفي الحديث " إذا عاد الرجل أخاه المسلم، مشى في خرافة الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة، فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح " (١) والأصل في عيادة المريض الندب، وتتأكد في حق بعض الناس أكثر من غيره، لما يكون بينه وبين المريض من معان خاصة، كقرابة وتعليم وصداقة، وربما وجبت، وذلك حيث تضمن تركها عقوقا، أو قطع رحم يجب وصلها، ويرجع إلى العرف في المرض الذي يعاد منه، ويختلف الأمر في تكرارها بحسب ما تقتضيه الحال من تطاول المرض وشدته وصلة العائد بالمريض، ولا بد من اختيار الوقت الذي يليق بالمريض أن يعاد فيه وبأهله أن يدخل عليهم فيه، وليقتصد في مكثه عنده بحسب ما تقتضيه الحال، وليسأله عن حاله تأنيسا له من غير تعرض لما يتوقع عدم رغبته في التعرض له، وليوسع عليه، وليدع له بالشفاء، وقد روى الترمذي وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " للمسلم على المسلم ست بالمعروف، يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويتبع جنازته إذا مات، ويحب له ما يحب لنفسه " (٢).
٢٠٨٧ - وهجره له إذا ما جاوزا ... ثلاث ليلات فليس جائزا
٢٠٨٨ - ولكن الهجران يخرج السلام ... عنه ولا تدع وراءه الكلام
стр. 921
٢٠٨٩ - وهجر ذي البدعة لم ينحظر ... كذا الذي جهر بالكبائر
٢٠٩٠ - حيث إلى تأديبه لم يوصَل ... والوعظ لا يمكن أو لم يقبل
٢٠٩١ - وليس ذكر حاله بالممتنع ... وهكذا ذكرك حال المبتدع
٢٠٩٢ - كذاك لا غيبة في ما تذكر ... من وصف من في نكحه تشاور
٢٠٩٣ - ونحو ذلك كذا التجريح ... ونحوه فهْو له مبيح
٢٠٩٤ - واستحسنوا عفوَك عن من قد ظلم ... ووصْلَ قاطع وإعطا مَن حرم
قوله: وهجره البيت، معناه أنه لا يجوز هجران المسلم أكثر من ثلاث ليال، لحديث الصحيح " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام " (١) وفي الصحيح أيضا " تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا " (٢) قوله: ولكن الهجران يخرج السلام عنه، معناه أن الهجران يخرجه عنه سلامه عليه، والبادئ منهما أعظم أجرا، قال الباجي - رحمه الله تعالى -: والسلام يخرج من الهجران إذا كان متماديا على إذايته والسبب الذي هجره من أجله، وأما إن كان قد أقلع عن ذلك، فلا يخرج من هجرانه حتى تجوز شهادته عليه، بأن يعود معه إلى ما كان عليه، وهذا معنى قول مالك - رحمه الله تعالى -.
وقال القاضي عياض - رحمه الله تعالى -: مقتضى دليل الخطاب أن الهجرة في الثلاث معفو عنها، وإنما الحرج في ما بعد الثلاث، إذ لا بد للبشر من نفاسة، وسوء خلق، ووجد لأمر يقع بينهم.
стр. 922
قوله: ولا تدع وراءه الكلام، معناه أنه يستحب أن لا يكف عن كلامه بعد السلام إذا كان السلام مخرجا عن الهجران، وذلك حيث لم يكف عن السبب كما تقدم ... هذا ومحل ما ذكر من منع الهجران أكثر من ثلاث إذا كان لأمر دنيوي، وأما ما كان لأمر ديني، كالبدعة والفسوق، فواجب لا ينقطع وجوبه إلا بالتوبة، وإلى هذا أشار بقوله: وهجر ذي البدعة البيت، وقوله: حيث إلى تأديبه البيت، معناه أنه إنما يهجره إذا لم يقدر على وعظه، أو قدر عليه ولم يفد، ولم يصل إلى عقوبته، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: والظاهر لمن قدر على ذلك يلزمه، وليس ذلك إلا لمن بسطت يداه في الأرض، أو كان بمحل لا يلحقه به غيره من الأمراء، ولا يلحقهم منه غير، وإلا فالله أولى بالعذر، وهل يبلغ بالعقوبة الحد ويتجاوزه إن رآه زجرا، وهو المشهور، أو لا يتجاوز عشرة أسواط، لحديث " لا يتجاوز عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله " (١) وقال به أشهب في جماعة من العلماء والله أعلم ... قوله: وليس ذكر حاله بالممتنع الأبيات الثلاثة، معناه أن الفاسق المجاهر بفسقه لا غيبة في ذكره بفسوقه، وقد جاء في الصحيح عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: استأذن رجل على رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأنا معه في البيت، فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " بئس ابن العشيرة " ثم أذن له، قالت: فلم أنشَب أن سمعت ضحك رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - معه، فلما خرج الرجل قلت: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قلتَ فيه ما قلتَ، ثم لم تنشَب أن ضحكت معه، فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره " (٢)
стр. 923
قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: فيه من الفقه جواز غيبة المعلن بفسقه ونفاقه، والأمير الجائر، والكافر، وصاحب البدعة، وجواز مداراتهم اتقاء شرهم، لكن ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله نقله الحطاب في حاشيته.
قوله: وهكذا ذكرك حال المبتدع، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: لأنه إن كان معلنا بها، فهو يحب أن يذكر بها، وإن كان مستترا بها، فواجب أن يذكر بها، ويحفظ الناس من اتباعه عليها.
стр. 924
قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: قالوا وكذا علماء السوء، وظلمة الجور، يجوز ذكر حالهم، لا غيره مما يستترون به، قالوا ويجوز أيضا في التظلم والاستفتاء بقدر الحاجة، وكذا في التعريف الذي لا يمكن المعرفة إلا به، أو تكون الشهرة جارية به، كالأعمش، والأعرج، والأعور، وذي اليدين، وذي الشمالين، ومن يلقب جملة ونحوه، فإن هذا كله جائز، وإن كره صاحبه، وأما ما يوجب مخالطة، كالنكاح، والبيع إلى أجل، أو الشركة ونحوها، فالمشورة فيه تبيح القدر المتعلق بما شوور فيه، فقد شاورت امرأة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في نكاح أبي الجهم ومعاوية وأسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهم - فقال ﵊: " أما أبو الجهم فضراب، وأما معاوية فصعلوك، انكحي أسامة " (١) وقالت هند بنت الحارث: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (٢) ولم ينهها عما ذكرت من شحه، لأنها جاءت مستفتية شاكية متظلمة، فأخذ منه العلماء جواز ذلك بقدره، وقال ﵊: " لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته " (٣) ولا خلاف في جواز ذكر ما يقع به التجريح في الشهادة والرواية، إلى أن قال: وذكر القرافي الخلاف في ذكر حال رجل اطلع عليه رجلان بينهما هل يكون ذلك غيبة أم لا.
قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: وينبغي لأهل الفضل والدين أن يحفظوا ألسنتهم من الخوض في ما لا يعنيهم، ويلتزموا الصمت، فلا يتكلموا من أمور الناس إلا في ما يحتاجون إليه.
стр. 925
قوله: واستحسنوا عفوك البيت، معناه أنه يستحب لك أن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، وتعطي من حرمك، فذلك من أعظم مكارم الأخلاق، وأشقها على النفس، وقد قال جل من قائل: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) وقد جاء في شمائل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه لم يكن ينتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها، (١) وقد جاء أن الرجل يدرك بحسن خلقه درجة القائم باليل الظامئ بالنهار، (٢) وجاء في الصحيح أن رجلا قال: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهُم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم، ما دمت على ذلك " (٣)
стр. 926
وربما عرض للانتصار ما يكون به أفضل من العفو، وعلى ذلك تأول أهل العلم قوله : (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) قال القرطبي: قال ابن العربي ﵏ : ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر في موضع المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالتين، إحداهما أن يكون الباغي معلنا بالفجور، وقحا في الجمهور، مؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم، فتجترئ عليهم الفساق، الثانية أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو هنا أفضل، وفي مثله نزلت (وأن تعفوا أقرب للتقوى) وقوله جل من قائل: (فمن تصدق به فهو كفارة له) وقوله جل من قائل: (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم).
٢٠٩٥ - وفي أحاديث لديهم أربعه ... أزمَّة الخير أتت مجتمعه
٢٠٩٦ - حديث حبك للاخوان كما ... تحب للنفس الذي تقدما
٢٠٩٧ - والصمت عن ما ليس خيرا واتقا ... ما ليس يعنيك منَ اَمر مطلقا
٢٠٩٨ - كذا اتقاء غضب، فالغضب ... عنه الشرور كلها تسبب
стр. 927
معناه أن هذه الأحاديث الأربعة تضمنت جماع مكارم الأخلاق، وأزمة البر، ومفاتيح الخير، ومغاليق الشر، وهي حديث " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " (١) ولا يخفى أن متعلق النهي من خلاف ذلك هو الأمور الاختيارية، وأما ما يقع في القلب مما لا يملك فلا حرج فيه إن شاء الله إن كرهه ولم يعمل بمقتضاه، وقد جاء في الحديث الشريف " إن الله ﵎ تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به " (٢) وجاء في الحديث الشريف عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول: " اللهم هذا فعلي في ما أملك، فلا تلمني في ما تملك ولا أملك " (٣) وقال جل من قائل : (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) ومما يستعان به على حب أخيك استحضار أعماله الصالحة، والتماس المخارج الحسنة له في ما اشتبه من أمره، وتذكرك لسيئات أعمالك، وما تعلمه من شناعة حالك، وقد جاء في الموطإ عن عيسى ابن مريم - على نبينا وعليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم - أنه قال: لا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية.
стр. 928
والثاني حديث " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " (١) وحاصله النهي عن فضول الكلام الذي لا خير فيه، فضلا عن ممنوعه، وقد مدح بالإعراض عن اللغو في غير موضع من كتابه الكريم، وقد روى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ بلاغا عن عيسى ابن مريم - على نبينا وعليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم - أنه كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون.
وروى عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - بلاغا أنها كانت ترسل إلى بعض أهلها بعد العتمة فتقول: ألا تريحون الكتاب؟ وذكر سيدي زروق عن مالك - رحمهما الله أنه قال: من عد كلامه من عمله، قل كلامه إلا في ما يعنيه.
وفي جامع ابن أبي زيد قال مالك: ولم يكونوا يهذرون الكلام هكذا، ومن الناس من يتكلم بكلام شهر في ساعة.
وقال المناوي: العبد في سلامة ما سكت، فإذا تكلم عرف ما عنده بالنطق، فيعرض للخطر أو الظفر، وقال ابن عبد البر في كافيه: ومن شيم العاقل والعالم أن يكون عارفا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، متحرزا من إخوانه، فلم يؤذ الناس قديما إلا معارفهم، والمغرور من اغتر بمدحهم، والجاهل من صدقهم على خلاف ما يعرف من نفسه.
ولا ينافي هذا أن يروح العبد نفسه في بعض الأوقات بذكر بعض الطرائف من غير تطويل، وقد كان الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - يتحدثون عند النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بأمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم (٢).
стр. 929
الثالث حديث " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " (١) وهو أعم مما قبله، فما قبله خاص بالكلام، وهذا عام فيه وفي أعمال الجوارح وفكرة القلب، وذلك أن الإعراض عن الفضول أوفر للوقت، وأعون على انتهاز الفرصة، وأجمع للقوى، وأبعد عن الشرور، وقد قالوا من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه، فالاشتغال بالفضول مضيعة للوقت، محرقة للجهد
الرابع قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للرجل الذي قال له: علمني كلمات أعيش بهن، ولا تكثر علي فأنسى: " لا تغضب " (٢) وذلك أن الغضب مثار البغي، ومنشأ الخروج عن الرشد، وتنكب نهج العقلاء، ولذلك جاء في الحديث الشريف " ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " (٣) فالغضب مذموم للمعنى الذي لأجله حرم السكر.
٢٠٩٩ - وسمعك الغناء والملاهي ... على تعمد من المناهي
٢١٠٠ - وهكذا أيضا سماع الباطل ... جميعِه فليس بالمحلل
٢١٠١ - كذا استماع صوت من ليست تحل ... تلذذا به فهو منحظل
стр. 930
قوله: وسمعك الغناء البيت، معناه أن سماع الأغاني منهي عنه، أما ما كان منها بآلة فلا تفصيل فيه، وأما ما كان دونها فلا يمنع لذاته، وإنما يمنع لما يعرض له، ولا ينبغي الإكثار منه على الإطلاق، قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يحرك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل والمجون، الذي يحرك الساكن، ويبعث الكامن، فهذا النوع إذا كان في شعر يشبب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرمات، لا يختلف في تحريمه، لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق، فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح كالعرس والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق، وحدو أنجشة، (١) وسلمة بن الأكوع، (٢)
стр. 931
فأما ما ابتدعه الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة، من الشبابات، والطار، والمعازف، والأوتار، فحرام، ابن العربي: فأما طبل الحرب فلا حرج فيه، لأنه يقيم النفوس، ويرهب العدو، وفي اليراعة تردد، والدف مباح، الجوهري: وربما سموا قصبة الراعي التي يزمر بها هيرعة ويراعة، قال القشيري: ضرب بين يدي النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يوم دخل المدينة، فهم أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - بالزجر، فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح " (١) فكن يضربن، ويقلن: نحن بنات النجار، حبذا محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - من جار (٢).
стр. 932
وقال ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى - في جامعه: وسئل مالك - رحمه الله تعالى - عن ضرب الكبر، وعن المزمار ينالك سماعه، وتجد له لذة، في طريق أو مجلس، قال: فليقم إذا التذ لذلك، إلا أن يكون جلس لحاجة، أو لا يقدر أن يقوم، وأما الطريق فليرجع، أو يتقدم، أو يتأخر، قيل: فالصنيع فيه اللهو؟ قال: لا يصلح لذي الهيئة أن يحضر اللعب، قيل: فاللهو فيه البوق؟ قال: إذا كان كثيرا مشهورا فلا أحبه، قال: ولا بأس بالدف في العرس، قال أصبغ: وهو الغربال المكشوف من ناحية، وفي الكبر في العرس بعض الرخصة.
قوله: وهكذا أيضا سماع الباطل البيت، معناه أن سماع الباطل منهي عنه، وقد ذكروا أن حكم المستمع في سماعه، حكم المتكلم في كلامه، فإذا كان الكلام ممنوعا، كالغيبة والنميمة ونحوهما كان الاستماع ممنوعا، وإذا كان الكلام بالفضول الذي لا حرمة فيه، فالإعراض عنه مطلوب في الجملة، لا سيما في حق أهل العلم والفضل، وقد ذكر القاضي عياض - رحمه الله تعالى - أن مالكا - رحمه الله تعالى - كان لا يراه أحد من أهله ولا من أصدقائه إلا متعمما، لابسا ثيابه، لا يضحك، ولا يتكلم في ما لا يعنيه، ويقول: لا يكون العالم عالما حتى يكون كذلك، وحتى يحتاط لنفسه بما لو تركه لم يكن عليه فيه إثم، نقله المواق في سنن المهتدين.
قوله: كذا استماع صوت من ليست تحل البيت، معناه أن الاستماع لصوت الأجنبية تلذذا به، واستحسانا له، غير جائز، ويكره الاستماع إلى ما لا تدعو الحاجة إليه منه مطلقا، إلا أن تكون متجالة، وما يقع في عبارة بعض أهل المذهب من أن صوتها عورة، لا يراد به أن سماعه على كل حال كرؤية بدنها مكشوفا، بل المراد به أنه يدعو إلى الفتنة بها، كما يقال المرأة عورة، وقد قال بعض الشعراء:
والاذن تعشق قبل العين أحيانا
стр. 933
ولا يخفى أن ذلك الأمر ليس متواطئا فيهن، فشأن صوتها شأن رؤية الوجه واليدين، ورؤية بدنها من فوق الثياب بلا تأمل وإمعان، ورؤية الأمرد، وبالجملة فالاستماع إلى الشابة من غير ضرورة مرجوح مطلقا، والكف عنه مطلوب، ويتأكد ذلك بحسب قوة المظنة حتى يبلغ الوجوب أحيانا، وكذلك يكون العكس أيضا بحسب بعد ذلك المعنى ومسيس الحاجة، وقد قيل إن نساء من قريش قاتلن في اليرموك، والله أعلم.
٢١٠٢ - ومنعوا الترجيع بالقرآن ... كمثل ما ترجّع الأغاني
٢١٠٣ - فكن له عن مثل ذا مجلا ... فهْو كلام الله ليس هزلا
٢١٠٤ - وإنما يقرأ بالوقار ... وبالسكينة والاعتبار
٢١٠٥ - مع التدبر وما يُستيقن ... بأنه عند الإله حسن
стр. 934
معناه أن قراءة القرآن الكريم بالألحان المرجعة ترجيع الأغاني غير جائزة، فهي إخراج له عن العبادة إلى جهة اللهو والمباهات، وما هو لذلك بأهل، وإنما يقرأ بالهيبة، والوقار، والسكينة، والتدبر، والخشوع، والتذلل، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: وأما سماع القرآن باللحون المرجعة كترجيع الغناء، فهو من أقبح ما يسمع، وأبشع ما يسمع، لا سيما إذا كان يؤدي لتغيير نظم القرآن الكريم، أو تضييع حروفه، وإبدال بعضها، أو إسقاطه، أو يكون على هيئة تنفي الخشوع، أو تدعو لنقيصة، فإن ذلك كله ممنوع، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: فالواجب أن ينزه القرآن الكريم عن ذلك، ولا يقرأ إلا على الوجه الذي يخشع القلب، ويزيد في الإيمان، ويشوق في ما عند الله ، وقد اختلف في معنى قوله ﵊: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " (١) فقيل من لم يحسن صوته به، وقيل من لم يستغن به عن الغناء، وقيل من لم يستغن به عن الناس، وقيل غير ذلك، إلى أن قال: وقال أبو موسى - رضي الله تعالى عنه - لما قال ﵊: " لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داوود " (٢) على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا، وبالجملة فتحسين الصوت بالقرآن الكريم مطلوب، والخروج إلى حد يشبه الغناء مذموم، وما يؤدي إلى الخشوع من غير إخلال مندوب إليه.
стр. 935
وقال ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى - في جامعه: قال مالك - رحمه الله تعالى -: لا تعجبني القراءة بالألحان، ولا أحبه في رمضان ولا في غيره، لأنه يشبه الغناء، ويضحك بالقرآن، ويقال فلان أقرأ من فلان، وبلغني أن الجواري يعلمن ذلك كما يعلمن الغناء، أترى هذا من القراءة التي كان يقرأ بها رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ... وقال السيوطي - رحمه الله تعالى - في الإتقان: قال في زوائد الروضة: والصحيح أن الإفراط على الوجه المذكور - يعني الزيادة في المد، وإشباع الحركات، حتى تتولد عنها أمداد - حرام يفسق به القارئ، ويأثم المستمع، لأنه عدل به عن نهجه القويم، قال: وهذا مراد الشافعي - رحمه الله تعالى - بالكراهة، قال السيوطي - رحمه الله تعالى -: وفيه حديث " اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتهم، وإياكم ولحون أهل الكتابين وأهل الفسق، فإنه سيجيء أقوام يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب من يعجبهم شأنهم (١).
٢١٠٦ - والامر بالمعروف معْ تغيير ... مناكر من واجب الأمور
٢١٠٧ - على الذي بسط جل أمْرَهْ ... وكلِّ من له عليه قدره
٢١٠٨ - باليد فاللسانِ فالجَنانِ ... وذا الأخير أضعف الإيمان
стр. 936
معناه أن من الفرائض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومراتب ذلك ثلاثة أن يغيره بيده، كالسلطان، والأمير، والقاضي، وأعوانهم، فإن لم يقدر على ذلك فبلسانه، فإن لم يقدر على ذلك فبقلبه، وذلك لحديث الصحيح " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " (١)
стр. 937
وقال جل من قائل: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) واشترط العلماء لذلك ثلاثة شروط، أحدها علم الآمر والناهي الحكم في ما يأمر به وما ينهى عنه، فالجاهل بالحكم لا يحل له النهي ولا الأمر على ما يراه، فذلك افتراء على الله وهو من أعظم المناكر، كما قال : (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) الثاني ألا يؤدي إنكاره إلى ما هو أعظم مما أنكر، اتفاقا إذا كان ذلك في غير الناهي، كأن ينهاه عن الشرب فيقتل نفسا أخرى، وعلى المعول إذا كان في الناهي، بأن علم أنه إذا نهاه عن الشرب قتله، الثالث ظن الإفادة أو تحققها، وهذا شرط في الوجوب، وأما الشرطان قبله فهما مشترطان في الجواز، والمعروف ما أمر الشرع به، والمنكر ما نهى عنه اتفاقا، فإن اختلف فيه فإن كان فاعله يعتقد الحرمة أنكر عليه، وإن كان يعتقد الإباحة لم ينكر عليه، إلا أن يكون مدرك الإباحة ضعيفا جدا، بحيث ينقض حكم الحاكم به، ولا يشترط في ما علم نهي الشرع عنه ولم يختلف فيه اختلافا معتبرا أن يكون الفاعل عاصيا، قال القرافي في الفروق: قال بعض العلماء لا يشترط في النهي عن المنكر أن يكون ملابسه عاصيا، بل يشترط أن يكون ملابسا لمفسدة واجبة الدفع، أو تاركا لمصلحة واجبة الحصول، وله أمثلة أحدها أمر الجاهل بمعروف لا يعرف وجوبه، ونهيه عن منكر لا يعرف تحريمه، كنهي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أممهم أول بعثتهم، وثانيها قتال البغاة وهم على تأويل، وثالثها ضرب الصبيان على ملابسة الفواحش، ورابعها قتل الصبيان والمجانين إذا صالوا على الدماء والأبضاع ولم يمكن دفعهم إلا بقتلهم إلخ ... قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: إذا كثرت المناكر في الطرقات من حمل الخمر فيها، ومشي الرجال مع النساء الشواب يحادثوهن، وما أشبه ذلك من المناكر الظاهرة، وجب على الإمام تغييرها جهده، بأن يولي من يجعل
стр. 938
إليه تفقد ذلك، والقيام به، قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهارا استحقوا العقوبة كلهم " (١) ويستحب لمن دعاه الإمام إلى ذلك أن يجيبه إذا علم أن به قوة عليه، لما في ذلك من التعاون على فعل الخير، قال الله : (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) ومن مر به شيء من ذلك أو اعترضه في طريقه وجب عليه أن ينكره على الشرائط الثلاثة المذكورة، فإن لم يقدر على ذلك بيده ولا بلسانه أنكره بقلبه.
وسئل مالك - رحمه الله تعالى - هل يأمر الرجل أبويه وينهاهما؟ فقال: يفعل ذلك مع خفض جناح الذل لهما، ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون عدلا، وفي جامع ابن أبي زيد: قال مالك: قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر، قال مالك: ومن هذا الذي ليس فيه شيء؟!
стр. 939
قال ابن ناجي: ويشترط في المنكر ظهوره في الوجود من غير تجسس، ولا يسرق سماعا، ولا يستنشق رائحة يتوصل بذلك إلى المنكر، ولا يبحث عما أخفى في يده، أو ثوبه، أو دكانه، أو داره، فإن السعي في ذلك حرام، لقوله : (ولا تجسسوا) وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أنه أحس من رجل بالخنا فتسور عليه، فرآه على منكر، فصاح عليه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن عصيت الله في واحدة، فقد عصيته أنت في ثلاثة، فقال: وما هن؟ قال: تجسست، وقد قال : (ولا تجسسوا) فقد نهى عنه، وأتيت البيوت من ظهورها، وقد أمر الله بإتيانها من أبوابها، ودخلت غير بيتك من غير استئذان وتسليم، وقد أمر الله بذلك، فقال عمر - رضي الله تعالى عنه -: صدقت، فاستغفر لنا، فقال: غفر الله تعالى لنا ولك يا أمير المؤمنين.
٢١٠٩ - وأخلصنْ بكل قول أو عمل ... برٍّ تحتما لوجه الله جل
٢١١٠ - فما به يُراد غيره معه ... فهو مردود على من صنعه
٢١١١ - وهو شِرْك أصغر والتوبة ... من الذنوب كلها واجبة
٢٢١٢ - من غير إصرار وبالإقامة ... قد فسروه مع الاستدامة
٢٢١٣ - وواجب في التوب رد ظلم ... يمكنه معْ تركه للحِرم
٢١١٤ - وهكذا نية أن لا يرجعا ... بقية العمر لما قد وقعا
стр. 940
قوله: وأخلصن إلى قوله: وهو شرك أصغر، معناه أنه يجب على المكلف أن يخلص لله في عمل البر كله، قولا كان أو فعلا، والإخلاص هو إفراد الله بالعبادة، ويقابله الرياء، ويسمى بالشرك الأصغر، وقد قال : (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وقال جل من قائل : (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) وفي الصحيح " يقول الله ﵎ أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " (١) وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله تعالى ورسوله فهجرته إلى الله تعالى ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " وجاء عن الإمام أحمد أنه قال في هذا الحديث إنه الخناق، وفي جامع ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى -: قال بعض العلماء: الرياء أن تعمل عملا تحب أن يعرفك به الناس، ويثنون به عليك، فإن قبل قلبك هذا فهو رياء، ويقال: من خاف الرياء سلم منه، ويقال: من البر أن لا تترك البر مخافة الرياء، ومن العجب أن ترى لنفسك الفضل على الناس، وتمقتهم ولا تمقت نفسك، قال بعض السلف: إذا كنت في الصلاة فقال لك الشيطان: إنك تراءي، فزدها طولا، فإنه كذوب، قال مالك - رحمه الله تعالى -: وإخفاء النوافل كلها في الصلاة وغيرها أحسن، وقيل لمالك - رحمه الله تعالى - في المصلي لله يقع في نفسه أنه يحب أن يعلم به، ويحب أن يلقى في طريق المسجد، قال: إن كان أول ذلك لله فلا بأس، وربما كان ذلك من الشيطان ليمنعه ذلك، وإن المرء يحب أن يكون صالحا.
стр. 941
قوله: والتوبة من الذنوب كلها واجبة، معناه أن التوبة فرض من كل ذنب على وجه الفور، وهي عبارة عن الندم على حصول الذنب من جهة أنه معصية، فالندم عليه من جهة سببيته لمرض، أو تلف مال، أو وقوع معرة، غير توبة، وإنما التوبة الندم على حصول الذنب من جهة أنه مخالفة لأمر الخالق ، وعلى قدر ندمه ورجوعه يكون رجاء قبول توبته، كما يشير إليه حديث " تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم " (١) وحديث " تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم " (٢) وحديث " تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له " (٣)
стр. 942
وهذا الحديث الشريف صريح في أن المكس أشد من الزنى بكثير، لأن شأن المبالغة تباعد طرفيها، ولا تضر مع الندم شهوة نفس لا يقدر على دفعها، ولا تصح التوبة مع الإصرار، وهو الإقامة على المعصية مع نية الرجوع إليها، وقيل إن الإصرار هو مجرد نية الرجوع إلى الذنب، وإلى شرط عدم الإصرار أشار بقوله: من غير إصرار البيت، وذلك لقوله جل من قائل: (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) ... قوله: وواجب في التوب رد ظلم يمكنه، معناه أنه يشترط في صحة التوبة إذا تعلق الذنب بترك واجب يمكن تداركه، تدارك ذلك الحق، سواء كان حقا لله أو لآدمي، قال القرطبي - رحمه الله تعالى - في تفسيره: قال العلماء: الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو إما أن يكون حقا لله أو للآدميين، فإن كان حقا لله كترك صلاة، فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها، وهكذا إن كان ترك صوم أو تفريطا في الزكاة، وإن كان قتل نفس بغير حق فأن يمكن من القصاص إن كان عليه وكان مطلوبا به، وإن كان قذفا يوجب الحد، فيبذل ظهره للجلد إن كان مطلوبا به، فإن عفي عنه كفاه الندم والعزم على ترك العود بالإخلاص، وكذلك إن عفي عنه في القتل بمال، فعليه أن يؤديه إن كان واجدا له، قال الله : (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) وإن كان ذلك حدا من حدود الله كائنا ما كان، فإنه إذا تاب إلى الله بالندم الصحيح سقط عنه، إلى أن قال: فإن كان الذنب من مظالم العباد، فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه، والخروج عنه، عينا كان أو غيره، إن كان قادرا عليه، فإن لم يكن قادرا فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه، وإن كان أضر بواحد من المسلمين وذلك الواحد لا يشعر به، أو لا يدري من أين أتى، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له، فإذا
стр. 943
عفا عنه فقد سقط الذنب عنه، وإن أرسل من يسأل ذلك له فعفا ذلك المظلوم عن ظالمه - عرفه بعينه أو لم يعرفه - فذلك صحيح، وإن أساء رجل إلى رجل بأن فزّعه بغير حق، أو غمه، أو لطمه، أو صفعه بغير حق، أو ضربه بسوط فآلمه، ثم جاءه مستعفيا نادما على ما كان منه، عازما على أن لا يعود، فلم يزل يتذلل له حتى طابت نفسه فعفا عنه سقط عنه ذلك الذنب، وهكذا إن كان شانه بشتم لا حد فيه.
تنبيه
في حاشية الرهوني: قال في رسم الوصايا من سماع القرينين من كتاب الوصايا الأول ما نصه: قال: وسمعته يسأل عمن كان يلي يتامى فكان لا يتحفظ في أموالهم، ويتناول منها، فلما بلغوا سألهم أن يحللوه ما بين كذا إلى كذا، فحللوه على ما قال، ثم قالوا له بعد زمان: لست في حل، فقال: أنا أرى في مثل هذا أن يحرز الذي يرى أنه أصاب من أموالهم ويحتاط فيه حتى لا يشك، أو يأتي رجلا فيخبره بالمال وأمره، وما كان منه فيه، وما تناوله، حتى يحرزه له ويحتاط فيه حتى لا يشك إن لم يحسن هو حزره ثم يخبرهم بالذي عليه في ذلك من التباعة فيحللونه، فإنهم يقولون بعد ظننا أنه يسير، فأرى أن يحرز ذلك باحتياط، ثم يتحللهم قال محمد بن رشد - رحمه الله تعالى -: هذا كما قال ان التحليل لا يلزمهم إذا لم يعلمهم بمقدار ما لهم عليه من التباعة في ما تناوله من أموالهم، فيلزم أن يعلمهم بمقدار ذلك حتى يحللوه منه بنفوس طيبة وبالله التوفيق.
وأما ما اعترض به الرهوني من صحة هبة المجهول، فلا وجه له، فالمقصود اشتراط كون الهبة عن طيب نفس، وهذا معنى مجمع عليه بين أهل العلم، فلو علم طيب أنفسهم بالتحليل ولو كان الحق قنطارا، لم يلزم الحزر المذكور، كما هو بين، والله أعلم.
٢١١٥ - واستغفر الله علا وخفه معْ ... رجائه وشكر ما بك صنع
٢١١٦ - بفعلك الفرض عليك كلَّه ... وترك ما كره جل فعلَه
٢١١٧ - مع التقرب بكل سهل ... عليك من كل صنوف النفل
стр. 944
٢١١٨ - واقض الذي من الامور الواجبه ... فرطت فيه قبل ذاك قاطبه
٢١١٩ - وفي قبوله إلى الله ارغب ... كذاك من تضييعه قبلُ تُب
قوله: واستغفر الله علا، معناه أنه يجب الاستغفار من الذنوب كلها، وفي الحديث الشريف " يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة " (١) وعن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: إن كنا لنعد لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في المجلس الواحد مائة مرة " رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم " (٢) وفي الحديث أن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم فى أجسادهم، فقال ﵎: " وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني " (٣) وفي الحديث القدسي " يا عبادي إنكم تخطؤون باليل والنهار، وأنا اغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم " (٤) وقال جل من قائل: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون).
стр. 945
قوله: وخفه البيت، أشار به إلى وجوب الخوف والرجاء والشكر، أما الخوف والرجاء فهما أمران متلازمان، فالخوف المحض يأس، وقد قال : (لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) والرجاء المجرد أمن من مكر الله ، وقد قال جل من قائل: (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) وبالخوف يكون الكف عن المناهي، وبالرجاء يكون القيام بالأوامر، وأما الشكر فهو بتذكر نعمه التي لا يدخل أدنى طرف منها تحت حصر، ولو كنت من أعظم الناس بلاء، ولا يمكن حصول أيسرها إلا بمحض فضله ومنه، فيحمده عليها، ويعترف بعجزه عن بلوغ شكر يسيرها، ولقد أحسن من قال:
إذا كان شكري نعمة الله نعمةً ... عليَّ له في مثلها يجب الشكرُ
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتسع العمْرُ
ويتقرب إليه بأداء ما افترض عليه، وترك ما نهاه عنه، مع التقرب بما تيسر من أنواع القرب، وقد جاء في الحديث الشريف عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يقوم من اليل حتى تتفطر قدماه، فقلت: لم تصنع هذا يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: " أفلا أكون عبدا شكورا " (١) وقد جاء في الأثر عن السلف أن نوحا - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - كان يحمد الله على طعامه، وشرابه، ولباسه، وشأنه كله، فلهذا سمي عبدا شكورا، وجاء في الحديث القدسي " ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه وإن استعاذني لأعيذنه " (٢).
стр. 946
قوله: واقض الذي من الأمور الواجبه البيت، معناه أنه يؤدي شكر الله على نعمائه، بما وجب عليه من المبادرة إلى استدراك ما فرط فيه من الواجبات، صلاة، أو صوما، أو زكاة، أو صدقة فطر، أو حجا، أو كفارة، أو نذرا، أو غير ذلك، وكذلك حقوق العباد، كما تقدم ذكره في الكلام على التوبة، وإذا شك في قدر شيء من ذلك احتاط، حتى تطمئن نفسه أن ذمته قد برئت، وأنه أدى ما عليه، ولا يعمل على شك لا تعضده قرينة، فذلك وسوسة يجب الإعراض عنها.
قوله: وفي قبوله البيت، معناه أنه يجب عليه مع ذلك أن يتوب إلى الله مما حصل منه من التفريط في ما ذكر، وليلجأ إلى الله في قبول تداركه لذلك.
٢١٢٠ - ولازم اللجَأَ لله علا ... حيث انقيادك عليك ثقلا
٢١٢١ - فإنه ولي ذا والقادر ... على الذي من الأمور يعسر
٢١٢٢ - لا تيأسنْ لسوء ما منك صدر ... بل الجأنْ له تعالى فهْو بر
٢١٢٣ - ولازم الفكرَ وذكرَ الموتِ مع ... ما من عظائم وراءه يقع
٢١٢٤ - واذكر إساءتَك معْ الامهال ... وبادر الأجل بالأعمال
стр. 947
قوله: ولازم اللجأ الأبيات الثلاثة، معناه إذا ثقل عليك انقياد نفسك، وشق عليك الخروج بها من وحل الشهوات، فلازم اللجأ والتضرع إلى الله ، مستيقنا أنه مالك ذلك، والقادر عليه، وأنه لا سهل إلا ما جعله سهلا، فحرٍ بمدمن القرع للأبواب أن يلج، ولا يؤيسك ما تعلمه من سيء عملك، فهو عفو يحب العفو، ورحمته وسعت كل شيء، وقال : (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) وفي الصحيح أن رجلا قتل تسعا وتسعين نفسا، ثم ندم وسأل عابدا من عباد بني إسرائيل هل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله وأكمل به مائة، ثم سأل عالما من علمائهم هل له من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها، فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة، وذكر أنه نآ بصدره عند الموت، وأن الله ﵎ أمر البلدة الخيرة أن تقترب، وأمر الأخرى أن تتباعد، (١) وفي الصحيح أيضا " لولا أنكم تذنبون لخلق الله قوما يذنبون فيغفر لهم " قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: ومن أحسن ما يذكر هنا قول ابن عطاء الله تعالى - رحمه الله تعالى -: من استغرب أن ينقذه الله تعالى من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز قدرة إلهه، وكان الله على كل شيء مقتدرا.
стр. 948
قوله: ولازم الفكر البيت، أشار به إلى ما ذكر الشيخ من أن التفكر في أمر الله هو مفتاح العبادة، فالتفكر في تغير أمور الدنيا من النعيم إلى البؤس، والصحة إلى المرض، والقوة إلى الضعف، والشبيبة إلى الهرم، والغنى إلى الفقر، والعز إلى الذل والهوان، وما بعد ذلك كله من معالجة الموت وسكراته، والقبر وهوله، وما ينتظر العصاة من النكال والخزي، والعذاب الأليم، وما أعد الله بفضله لعباده الصالحين، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ما يبعث على الهرب من المناهي والسيئات، والجد في امتثال الأوامر والتقرب بالطاعات، ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول: ...
حتى متى أنت في لهو وفي لعب ... والموت نحوك يهوي فاغرا فاه
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... رب امرئ حتفه في ما تمناه
وقد جاء في الحديث الشريف الأمر بالإكثار من ذكر هاذم اللذات، (١) وذلك أنك إن ذكرته وأنت في ضيق من العيش، وسعه عليك، فرضيت بما أنت فيه، وإن ذكرته وأنت في سعة ضيقها عليك، ومنعك من الركون إليها.
قوله: واذكر إساءتك البيت، معناه أنه مما ينبغي أن تتفكر فيه أيضا إمهال الله لك، مع ما أنت فيه من عظائم الجرائم ليلك ونهارك، مما تستحق بأيسره من النقمة ما لا قبل لأحد به، ولتنتهز الفرصة في ما بقي من عمرك، مسابقا الموت، بالإقبال على التوبة، والاستكثار من القرب، وقد كنت قلت:
وبادرنَّ بتدارك الاِسا ... ءة، وحاذرنْ لعل وعسى
لا تجعل الحاضرَ في تفويت ... فُرَصه كسالف الوقوت
وكن على فوات ذاك السالف ... من فُرَصٍ لك شديدَ الاسف
ذاكرا الذنب وما من الفتورْ ... عليك فوَّت قناطير الاجور
فمن على تفريطه لم يأسف ... يكن بحاضر له كالسالف
وهكذا يكون في ما ياتي ... بعدُ كمثل حاضر الأوقات
فلا يزال راكنا إلى الدعه ... وكانت الأوقات منه ضائعه
стр. 949
ولا يزال مشتهى لمشتهى ... آخر يرميه بدون منتهى
وقد ذكر ابن حبان - رحمه الله تعالى - في كتابه روضة العقلاء أن أبا العتاهية دخل على هارون الرشيد أمير المؤمنين - رحمه الله تعالى - فلما رآه قال: أبو العتاهية؟ قال: نعم، قال: الذي يقول الشعر، قال: الذي يقول الشعر، قال: عظني بأبيات شعر، وأوجز، فأنشده:
لا تأمن الموت في طرف وفي نفس ... ولو تمنعت بالحجاب والحرس
واعلم بأن سهام الموت قاصدة ... لكل مُدَّرِع منا ومُتَّرِس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكَها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
قال: فخر مغشيا عليه، قال ابن حبان - رحمه الله تعالى -: العاقل لا ينسى ذكر شيء هو مرتقب له، ومنتظر وقوعه من قدم إلى قدم، ومن لحظة إلى شزرة، فكم من مكرم في أهله، معظم في قومه، مبجل في جيرته، لا يخاف الضيق في المعيشة، ولا الضنك في المصيبة، إذ ورد عليه مذلل الملوك، وقاهر الجبابرة، وقاطع الطغاة، فألقاه صريعا بين الأحبة وجيرانه، مفارقا لأهل بيته وإخوانه، لا يملكون له نفعا، ولا يستطيعون عنه دفعا، فكم من أمة قد أبادها الموت، وبلدة قد عطلها، وذات بعل قد أرملها، وذي أب أيتمه، وذي إخوة قد أفرده، فالعاقل لا يغتر بحالة نهايتها تؤدي إلى ما قلنا، ولا يركن إلى عيش مغبته ما ذكرنا، ولا ينسى حالة لا محالة هو مواقعها، ويوما لا شك يأتيه، إذ الموت طالب حثيث، لا يعجزه المقيم، ولا ينفلت منه الهارب، وأنشد لسليمان بن يزيد العدوي:
ألم تر أن المرء يُودِي شبابه ... وأن المنايا للرجال تَشَعَّب
فمن ذائق كأسا من الموت مُرة ... وآخر أخرى مثلها يترقب
لها منهمُ زاد حثيث وسائق ... وكل بكأس الموت يوما سيشرب
وما وارث إلا سيورث ماله ... ولا سالب إلا وشيكا سيسلب
ولا آلف إلا سيتبع إلفَه ... ولا نعمة إلا تبيد وتذهب
وما من معافى ـ والمصائب جمة ـ ... يعاوره العصران إلا سيعطب
أرى الناس أضيافا أقاموا بغربة ... تقلبهم أيامها وتقلب
стр. 950
باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلك
٢١٢٥ - خمس من الفِطرة قص الشارب ... وهْو الاِطار عند أهل المذهب
٢١٢٦ - وحلق عانة ونتف شعرِ ... إِبْطٍ كذا التقليم للأظافر
٢١٢٧ - ثم الختان خامس الخلال ... يسن في النساء والرجال
أشار بهذا إلى ما جاء في الصحيح من أن قص الشارب، وقلم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان من الفطرة، (١) وفسروا الفطرة هنا بالدين والسنة، ويقال إن خصال الفطرة هي الكلمات التي ابتلى الله بها سيدنا إبراهيم - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - وهي عائدة إلى الزينة، والنظافة، ودرء القاذورات، ومجانبة الروائح النتة، والمراد بقص الشارب عند مالك - رحمه الله تعالى - أن يؤخذ من الإطار حتى يبدو طرف الشفة، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى - في البيان: لأنه روي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " من لم يأخذ شاربه فليس منا " (٢) وأنه قال: " خمس من الفطرة " (٣) فذكر منها قص الشارب، فجعل ذلك من قوله مبينا لأمره بإحفاء الشوارب، فقال: معناه أن يقص حتى يحفي منه الإطار جميعه، وقوله صحيح، لأن استعمال الأحاديث، وحمل بعضها على التفسير لبعض، أولى من الأخذ ببعضها، والاطراح لسائرها، لا سيما وفي العمل المتصل من السلف بالمدينة بترك إحفاء الشوارب دليل واضح على أنهم فهموا عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه إنما أراد بإحفاء الشوارب قصها والأخذ، وأن لا تعفى كما يفعل باللحى، وهو دليل واضح، لذلك قال إن حلق الشارب مثلة، وحكم له بأنه بدعة، ورأى أنه يؤدب من فعل ذلك، إلى أن قال: ولا يصح أن يكون المتأخر أعلم بمراد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - من السلف المتقدم.