← Фикх малики

Фикх малики · id 607

عون المتين على نظم رسالة القرويين

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (1 054 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

قوله: واقض الذي من الأمور الواجبه البيت، معناه أنه يؤدي شكر الله على نعمائه، بما وجب عليه من المبادرة إلى استدراك ما فرط فيه من الواجبات، صلاة، أو صوما، أو زكاة، أو صدقة فطر، أو حجا، أو كفارة، أو نذرا، أو غير ذلك، وكذلك حقوق العباد، كما تقدم ذكره في الكلام على التوبة، وإذا شك في قدر شيء من ذلك احتاط، حتى تطمئن نفسه أن ذمته قد برئت، وأنه أدى ما عليه، ولا يعمل على شك لا تعضده قرينة، فذلك وسوسة يجب الإعراض عنها. قوله: وفي قبوله البيت، معناه أنه يجب عليه مع ذلك أن يتوب إلى الله مما حصل منه من التفريط في ما ذكر، وليلجأ إلى الله في قبول تداركه لذلك. ٢١٢٠ - ولازم اللجَأَ لله علا ... حيث انقيادك عليك ثقلا ٢١٢١ - فإنه ولي ذا والقادر ... على الذي من الأمور يعسر ٢١٢٢ - لا تيأسنْ لسوء ما منك صدر ... بل الجأنْ له تعالى فهْو بر ٢١٢٣ - ولازم الفكرَ وذكرَ الموتِ مع ... ما من عظائم وراءه يقع ٢١٢٤ - واذكر إساءتَك معْ الامهال ... وبادر الأجل بالأعمال

стр. 947

قوله: ولازم اللجأ الأبيات الثلاثة، معناه إذا ثقل عليك انقياد نفسك، وشق عليك الخروج بها من وحل الشهوات، فلازم اللجأ والتضرع إلى الله ، مستيقنا أنه مالك ذلك، والقادر عليه، وأنه لا سهل إلا ما جعله سهلا، فحرٍ بمدمن القرع للأبواب أن يلج، ولا يؤيسك ما تعلمه من سيء عملك، فهو عفو يحب العفو، ورحمته وسعت كل شيء، وقال : (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) وفي الصحيح أن رجلا قتل تسعا وتسعين نفسا، ثم ندم وسأل عابدا من عباد بني إسرائيل هل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله وأكمل به مائة، ثم سأل عالما من علمائهم هل له من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها، فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة، وذكر أنه نآ بصدره عند الموت، وأن الله ﵎ أمر البلدة الخيرة أن تقترب، وأمر الأخرى أن تتباعد، (١) وفي الصحيح أيضا " لولا أنكم تذنبون لخلق الله قوما يذنبون فيغفر لهم " قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: ومن أحسن ما يذكر هنا قول ابن عطاء الله تعالى - رحمه الله تعالى -: من استغرب أن ينقذه الله تعالى من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز قدرة إلهه، وكان الله على كل شيء مقتدرا.

стр. 948

قوله: ولازم الفكر البيت، أشار به إلى ما ذكر الشيخ من أن التفكر في أمر الله هو مفتاح العبادة، فالتفكر في تغير أمور الدنيا من النعيم إلى البؤس، والصحة إلى المرض، والقوة إلى الضعف، والشبيبة إلى الهرم، والغنى إلى الفقر، والعز إلى الذل والهوان، وما بعد ذلك كله من معالجة الموت وسكراته، والقبر وهوله، وما ينتظر العصاة من النكال والخزي، والعذاب الأليم، وما أعد الله بفضله لعباده الصالحين، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ما يبعث على الهرب من المناهي والسيئات، والجد في امتثال الأوامر والتقرب بالطاعات، ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول: ... حتى متى أنت في لهو وفي لعب ... والموت نحوك يهوي فاغرا فاه ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... رب امرئ حتفه في ما تمناه وقد جاء في الحديث الشريف الأمر بالإكثار من ذكر هاذم اللذات، (١) وذلك أنك إن ذكرته وأنت في ضيق من العيش، وسعه عليك، فرضيت بما أنت فيه، وإن ذكرته وأنت في سعة ضيقها عليك، ومنعك من الركون إليها. قوله: واذكر إساءتك البيت، معناه أنه مما ينبغي أن تتفكر فيه أيضا إمهال الله لك، مع ما أنت فيه من عظائم الجرائم ليلك ونهارك، مما تستحق بأيسره من النقمة ما لا قبل لأحد به، ولتنتهز الفرصة في ما بقي من عمرك، مسابقا الموت، بالإقبال على التوبة، والاستكثار من القرب، وقد كنت قلت: وبادرنَّ بتدارك الاِسا ... ءة، وحاذرنْ لعل وعسى لا تجعل الحاضرَ في تفويت ... فُرَصه كسالف الوقوت وكن على فوات ذاك السالف ... من فُرَصٍ لك شديدَ الاسف ذاكرا الذنب وما من الفتورْ ... عليك فوَّت قناطير الاجور فمن على تفريطه لم يأسف ... يكن بحاضر له كالسالف وهكذا يكون في ما ياتي ... بعدُ كمثل حاضر الأوقات فلا يزال راكنا إلى الدعه ... وكانت الأوقات منه ضائعه

стр. 949

ولا يزال مشتهى لمشتهى ... آخر يرميه بدون منتهى وقد ذكر ابن حبان - رحمه الله تعالى - في كتابه روضة العقلاء أن أبا العتاهية دخل على هارون الرشيد أمير المؤمنين - رحمه الله تعالى - فلما رآه قال: أبو العتاهية؟ قال: نعم، قال: الذي يقول الشعر، قال: الذي يقول الشعر، قال: عظني بأبيات شعر، وأوجز، فأنشده: لا تأمن الموت في طرف وفي نفس ... ولو تمنعت بالحجاب والحرس واعلم بأن سهام الموت قاصدة ... لكل مُدَّرِع منا ومُتَّرِس ترجو النجاة ولم تسلك مسالكَها ... إن السفينة لا تجري على اليبس قال: فخر مغشيا عليه، قال ابن حبان - رحمه الله تعالى -: العاقل لا ينسى ذكر شيء هو مرتقب له، ومنتظر وقوعه من قدم إلى قدم، ومن لحظة إلى شزرة، فكم من مكرم في أهله، معظم في قومه، مبجل في جيرته، لا يخاف الضيق في المعيشة، ولا الضنك في المصيبة، إذ ورد عليه مذلل الملوك، وقاهر الجبابرة، وقاطع الطغاة، فألقاه صريعا بين الأحبة وجيرانه، مفارقا لأهل بيته وإخوانه، لا يملكون له نفعا، ولا يستطيعون عنه دفعا، فكم من أمة قد أبادها الموت، وبلدة قد عطلها، وذات بعل قد أرملها، وذي أب أيتمه، وذي إخوة قد أفرده، فالعاقل لا يغتر بحالة نهايتها تؤدي إلى ما قلنا، ولا يركن إلى عيش مغبته ما ذكرنا، ولا ينسى حالة لا محالة هو مواقعها، ويوما لا شك يأتيه، إذ الموت طالب حثيث، لا يعجزه المقيم، ولا ينفلت منه الهارب، وأنشد لسليمان بن يزيد العدوي: ألم تر أن المرء يُودِي شبابه ... وأن المنايا للرجال تَشَعَّب فمن ذائق كأسا من الموت مُرة ... وآخر أخرى مثلها يترقب لها منهمُ زاد حثيث وسائق ... وكل بكأس الموت يوما سيشرب وما وارث إلا سيورث ماله ... ولا سالب إلا وشيكا سيسلب ولا آلف إلا سيتبع إلفَه ... ولا نعمة إلا تبيد وتذهب وما من معافى ـ والمصائب جمة ـ ... يعاوره العصران إلا سيعطب أرى الناس أضيافا أقاموا بغربة ... تقلبهم أيامها وتقلب

стр. 950

باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلك ٢١٢٥ - خمس من الفِطرة قص الشارب ... وهْو الاِطار عند أهل المذهب ٢١٢٦ - وحلق عانة ونتف شعرِ ... إِبْطٍ كذا التقليم للأظافر ٢١٢٧ - ثم الختان خامس الخلال ... يسن في النساء والرجال أشار بهذا إلى ما جاء في الصحيح من أن قص الشارب، وقلم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان من الفطرة، (١) وفسروا الفطرة هنا بالدين والسنة، ويقال إن خصال الفطرة هي الكلمات التي ابتلى الله بها سيدنا إبراهيم - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - وهي عائدة إلى الزينة، والنظافة، ودرء القاذورات، ومجانبة الروائح النتة، والمراد بقص الشارب عند مالك - رحمه الله تعالى - أن يؤخذ من الإطار حتى يبدو طرف الشفة، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى - في البيان: لأنه روي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " من لم يأخذ شاربه فليس منا " (٢) وأنه قال: " خمس من الفطرة " (٣) فذكر منها قص الشارب، فجعل ذلك من قوله مبينا لأمره بإحفاء الشوارب، فقال: معناه أن يقص حتى يحفي منه الإطار جميعه، وقوله صحيح، لأن استعمال الأحاديث، وحمل بعضها على التفسير لبعض، أولى من الأخذ ببعضها، والاطراح لسائرها، لا سيما وفي العمل المتصل من السلف بالمدينة بترك إحفاء الشوارب دليل واضح على أنهم فهموا عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه إنما أراد بإحفاء الشوارب قصها والأخذ، وأن لا تعفى كما يفعل باللحى، وهو دليل واضح، لذلك قال إن حلق الشارب مثلة، وحكم له بأنه بدعة، ورأى أنه يؤدب من فعل ذلك، إلى أن قال: ولا يصح أن يكون المتأخر أعلم بمراد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - من السلف المتقدم.

стр. 951

وأما حلق العانة فالمراد منه بين، وذكر الحطاب في حاشيته عن الباجي - رحمهما الله حلق ما بين الدبر والأنثيين. وأما الإبطان فالمشروع في إزالة شعرهما النتف خاصة، قال ابن العربي ﵀ : لأنه أشد ذهابا لإنبات الشعر، وأما الحلق فيقويه، نقله عنه ابن ناجي - رحمه الله تعالى - ووجه الأمر بإزالة الشعر في هذه المواضع أنها إذا تركت تلبدت عليها الأوساخ، وتراكمت عليها الأقذار، وثبت العرق فيها، ونشأ عنه الصنان، لا سيما في البلاد الحارة. وأما قلم الأظافر فمعروف أيضا، ووجهه ما يتلبد تحتها من الوسخ، مع تغطيتها لبقع يجب غسلها في الطهارة، وقلمها في مثل تلك الحال واجب، وفي الصحيح من حديث أنس - رضي الله تعالى عنه -: وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة، (١) وفي جامع ابن أبي زيد عن مالك - رحمهما الله تعالى - أنه قال: وأحب إلي أن يوارى الشعر إذا حلق، وأرى تركه خفيفا، قال: وسئل في موضع آخر عن دفن الشعر والأظفار، فقال: لا أرى ذلك، وهو بدعة، وقد كان من شعر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في قُلَنْسِيَة خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - وفيه أيضا قال مالك - رحمه الله تعالى -: ولا أرى بأسا بالاطلاء والحجامة يوم السبت، ويوم الأربعاء، والأيام كلها لله ، وكذلك السفر، والنكاح، وأراه عظيما أن يكون من الأيام يوم يجتنب ذلك فيه، قال: وقد كره بعض أصحابه ترك العمل يوم الجمعة نحو ما عظمت اليهود السبت، والنصارى الأحد ... وأما الختان فقد تقدم الكلام عليه والحمد لله رب العالمين. ٢١٢٨ - وشعر الجسد ليس يحظر ... حلاقُه كما به لايؤمر ٢١٢٩ - أما اللِّحى فالامر بالإعفاء ... بها أتى عن خير الانبياء

стр. 952

٢١٣٠ - صلى وسلم عليه الله ... والال والصحب ومن تلاه ٢١٣١ - والاخذ منها إن تطل كثيرا ... إمامنا جعله جديرا ٢١٣٢ - وغير واحد من الصحب ومن ... تبعهم يرون ذلك حسن ٢١٣٣ - والصبغ للشعر بالسواد ... قد كرهوه دون ما انحراد ٢١٣٤ - وجاز بالحنا كذاك بالكتم ... بل استحبه بذين بعضهم قوله: وشعر الجسد البيت، معناه أن شعر الجسد ليس في حلقه ولا تركه أمر ولا نهي، يعني غير اللحية لما يذكره بعد، ويستثنى من ذلك الحاجبان أيضا لما في حديث الصحيح من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لعن الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ، (١) قال القرطبي - رحمه الله تعالى - في تفسيره: وهذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث بلعن فاعلها، وأنها من الكبائر، واختلف في المعنى الذي نهي لأجله، فقيل لأنها من باب التدليس، وقيل من باب تغيير خلق الله كما قال ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - وهو أصح، وهو يتضمن المعنى الأول، وفي المعيار قال أبو عمر في الكافي: ولا تصل شعرها بشعر غيرها، فقد لعنت الواصلة والمستوصلة كما لعنت الواشمة والمستوشمة والنامصة، والوشم أن توشم في وجهها خالا، والوشر: تفليج الأسنان، والنمص: صناعة الحاجبين، بزيادة أو نقصان، وإحالتهما عن حالهما، ونقل القرطبي عن ابن العربي - رحمهما الله تعالى - ما يقتضي أن نتف الشعر ولو كان مطلوب الإزالة نمص، ونصه: وأهل مصر ينتفون شعر العانة وهو منه ... وقال ابن أبي زيد في جامعه: قال مالك في المرأة تحج فتدخل مكة المكرمة وقد قمل رأسها، وآذاها ذلك، أترى لها سعة أن تحلقه؟ قال: أرجو أن يكون في ذلك سعة على هذه الضرورة، والنساء يأتين يستفتين في ذلك كثير.

стр. 953

قوله: أما اللحى الأبيات الثلاثة، أشار به إلى ما جاء في الصحيح من أمره صلى الله تعالى عليه وسلم بإعفاء اللحى، (١) ورأى مالك - رحمه الله تعالى - أن الأخذ منها إذا طالت حسن، ووجه ابن رشد - رحمه الله تعالى - وغيره ذلك بأن مبنى الأمر بإعفائها كونه زينة، وذلك يقتضيه تحسينها إذا خرجت إلى الشهرة بالطول الفاحش، قالوا: ومخالفة المشركين حاصلة مع ذلك، لأنهم يحلقونها، فالتقصير اليسير غير مخرج عن مخالفتهم، وعمل السلف الآتي صريح في أن ذلك هو المراد بالإعفاء، كنحو ما تقدم لابن رشد - رحمه الله تعالى - في إحفاء الشوارب والله أعلم. وظاهر كلام من وقفت عليه من أهل المذهب الذين يعول على كلامهم في حد الأخذ أنه يكون بقدر ما تحسن به الهيئة، وأما التقصير الذي يقرب فيه من أصول الشعر فلا شك في عدم صدق الإعفاء عليه، وأما ما بين ذلك فقد نص القرطبي - رحمه الله تعالى - في المفهم على منعه، ونصه: ولا يجوز حلق اللحية ولا نتفها، ولا قص الكثير منها، فأما أخذ ما تطاير منها، وما يشوه، ويدعو إلى الشهرة، طولا وعرضا، فحسن عند مالك وغيره من السلف انتهى وأما ما ذكره بعض المتأخرين من الكراهة في ذلك فلم أقف عليه والله أعلم.

стр. 954

قوله: وغير واحد من الصحب البيت، معناه أن الأخذ من اللحية عند الطول، مروي عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين، منهم من روي عنه ذلك مطلقا، ومنهم من روي عنه في النسك، ولا أثر للتقييد به، لأن الإحلال من النسك لا يجيز ما لا يحل ... قوله: والصبغ للشعر البيتين، معناه أن صبغ الشعر، وتغيير الشيب بالسواد، مكروه عند مالك - رحمه الله تعالى - ولم يحرمه، وذكر أنه لم يسمع فيه شيئا، وقد جاء في الصحيح في مجيء أبي قحافة - رضي الله تعالى عنه - إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يوم الفتح ورأسه كالثغامة أنه قال: " غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد " (١) لكن جاء عن جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - أنهم كانوا يصبغون بالسواد، فكرهه لذلك جماعة من أهل العلم كراهة تنزيه، ولم يروه حراما، وأما صبغه بالحناء والكتم فلا خلاف في جوازه كما قال ابن رشد - رحمه الله تعالى - وإنما اختلفوا هل ذلك هو الأفضل، وهو مقتضى قول مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ: وترك الصبغ كله واسع إن شاء الله ليس على الناس فيه ضيق، وروى في الموطإ أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث كان أبيض اللحية والرأس، فغدا على جلسائه ذات يوم وقد حمرها، فقالوا له: هذا أحسن، فقال: إن أمي عائشة - رضي الله تعالى عنها - زوج النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أرسلت إلي البارحة جاريتها نخيلة، فأقسمت علي لأصبغن، وأخبرتني أن أبا بكر الصديق - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - كان يصبغ، قال مالك - رحمه الله تعالى -: في هذا الحديث بيان أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لم يصبغ، ولو صبغ رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأرسلت بذلك عائشة إلى عبد الرحمن - رضي الله تعالى عنهما -. ٢١٣٥ - وقد نهى نبينا الذكورا ... أن يلبسوا الذهب والحريرا

стр. 955

٢١٣٦ - وخاتم الحديد عنه قد زجر ... لا فرق فيه بين مرءة ومر ٢١٣٧ - وحلية الفضة في الخواتم ... والسيف والمصحف لم تُحرم ٢١٣٨ - لا السرج والسكين واللجام ... وغيرها فهْي من الحرام ٢١٣٩ - وللنسا بالذهب التختم ... بل سائر اللباس ليس يحرم ٢١٤٠ - ولتتختمنَّ في اليسار ... فذا له الأكثر ذو اختيار ٢١٤١ - والخلف في الخز فبعض حللا ... لباسه والبعض ذاك استثقلا ٢١٤٢ - وهكذا الخلاف أيضا في العلم ... إلا إذا رق فهو كالعدم قوله: وقد نهى نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم الذكورا البيت، أشار به إلى أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - حرم لبس الذهب والحرير على الرجال، ولفظ الحديث " أُحِلَّ الذهب والحرير للإناث من أمتي، وحرم على ذكورها " (١) وقال في الحرير " إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة " (٢) وفي معنى لبسه افتراشه، وقد وقع التصريح بذلك في بعض الأحاديث، (٣) والمراد بالحرير في البيت خالصه، وأما الخز فأشار إلى حكمه بقوله: والخلف في الخز البيت، ومعناه أن لبس الخز مختلف في منعه، فروي عن ابن عباس وجماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - أنهم لبسوه، وروي عن ابن عباس أنه قال: إنما نهي عن الثوب المصمت من قز، (٤) وروى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ أن عائشة - رضي الله تعالى عنها - كست عبد الله بن الزبير - رضي الله تعالى عنهما - مِطْرَفَ خز كانت تلبسه، قال ابن ناجي عازيا لابن رشد - رحمهما الله : والخز: ما سداه حرير ولحمته وبر الإبل.

стр. 956

قوله: وهكذا الخلاف أيضا في العلم البيت، معناه أنه اختلف في لبس الثوب يكون فيه علم من الحرير قدر الأصبع والأصبعين، فقيل يجوز من غير كراهة، وقد وقع التصريح باستثنائه في الصحيح، (١) وقيل يكره، وفي جامع ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى - أنه قيل لمالك - رحمه الله تعالى -: ملاحف أعلامها حرير قدر أصبعين؟ قال: لا أحبه، وما أراه حراما.

стр. 957

قوله: إلا إذا رق فهو كالعدم، معناه أن الخط الرقيق من الحرير جائز بلا خلاف ... قوله: وخاتم الحديد البيت، معناه أن التختم بالحديد منهي عنه، وفي الحديث الشريف أنه حلية أهل النار، (١) ولا فرق في كراهته بين الرجل والمرأة، وأما حديث " التمس ولو خاتما من حديد " (٢) فلا يستلزم جواز لبسه من غير كراهة، وإنما وقعت المبالغة عليه ليسارة قيمته، فأكثر ما يدل عليه الحديث الشريف جواز تملكه، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم لعمر - رضي الله تعالى عنه -: " إني لم أكسكها لتلبسها " (٣) قوله: وحلية الفضة البيت، معناه أن التختم بالفضة جائز للرجل، وقد كان له صلى الله تعالى عليه وسلم خاتم من فضة، (٤) وكذلك يجوز للرجل خاصة أن يتخذ في سيفه فضة، وقد روى البخاري أن سيف الزبير ـ رضي الله تعالى عنه ـ كان محلى بفضة، وأن سيف عروة أيضا كان محلى بها، واختلف في تحليته بالذهب، وتجوز تحلية المصحف أيضا بالفضة، قال في جامع ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى -: قال مالك - رحمه الله تعالى -: ولا بأس بالحلية للمصحف، وإن عندي مصحفا كتبه جدي إذ كتب عثمان - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - المصاحف عليه فضة كثيرة، إلى أن قال: ورأينا مصحف مالك - رحمه الله تعالى - مغشى بخِرَق ديباج، ومن فوقها غلاف طائفي أحمر، قال مالك - رحمه الله تعالى -: وهذا من ديباج الكعبة، واستخف أن يشترى منه للمصحف، قال: ولا يحلى بشيء من الذهب.

стр. 958

قوله: لا السرج البيت، أشار به إلى أن المشهور في الحلية في ما سوى السيف من آلات الحرب المنع، وقيل يجوز اعتبارا بالسيف، وقيل بالفرق بين ما يطاعن به وما يتقى به، فتجوز في الأول اعتبارا بالسيف دون الثاني. قوله: وللنسا بالذهب التختم، معناه أنه يجوز للنساء التختم بالذهب، ولبسه مطلقا، وقد تقدم حديث " أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي " وقد قال : (أومن ينشأ في الحلية) الآية، قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: قال مجاهد: رخص للنساء في الذهب والحرير، وقرأ هذه الآية الكريمة، قال الكيا: فيه دلالة على إباحة الحلي للنساء، والإجماع منعقد عليه، والأخبار فيه لا تحصى. قوله: ولتتختمن في اليسار البيت، معناه أن التختم في اليسار أفضل عند الأكثرين، وقال ابن أبي زيد في جامعه: قال مالك - رحمهما الله : وأكره التختم في اليمين، وقال: إنما يأكل ويشرب ويعمل بيمينه، فكيف يريد أن يأخذ باليسار ثم يعمل؟ قيل: فيجعل فصه إلى الكف، قال: لا، قيل: فيجعل الخاتم في اليمين للحاجة يذكرها أو يربط خيطا في أصبعه؟ قال: لا بأس بذلك، إلى أن قال: قال مالك - رحمه الله تعالى -: ولا خير أن يكون في نقش فصه تمثال. وقال ابن ناجي: قال ابن رشد - رحمهما الله تعالى -: من السلف من يختار التختم في اليمين، وقد روي ذلك عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - والوجه في ذلك أنه من اللباس والزينة، فيؤثر به اليمنى على اليسرى، كما تؤثر الرجل اليمنى على اليسرى، بما جاء به من السنة في الانتعال، بأن ينعل اليمنى أولا، ويخلع اليسرى قبلها، لتكون اليمنى أكثر استعمالا للباس منها، وقد يكون فيه اسم الله فلا يحتاج إذا تختم في يمينه أن يخلعه عند الاستنجاء، لأن ذلك يستحب في من تختم في شماله.

стр. 959

وما ذكر من عدم تعين نزعه عند الاستنجاء، وقع التصريح به في العتبية، قال في الجواهر: قال القاضي أبو بكر: قال لي بعض أشياخي: هذه رواية باطلة معاذ الله تعالى أن تجري النجاسة على اسم الله ، وهو الأبين. وقال الحطاب في حاشيته نقلا عن ابن عبد البر: وقد كان التختم في اليمين مباحا حسنا، لأنه قد تختم به جماعة من السلف، كما تختم جماعة منهم في الشمال، وقد روي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم الوجهان جميعا، (١) فلما غلبت الروافض على التختم في اليمين ولم يخلطوا به غيره كرهه العلماء منابذة لهم، وكراهة للتشبه بهم، لأنه حرام أو مكروه. ٢١٤٣ - وامنع على النساء كل ما يصف ... إما لكونه محيطا أو يشف ٢١٤٤ - وهكذا جر الرجال بطرا ... أُزُرَهم فهو أيضا حظرا ٢١٤٥ - وهكذا جر الثياب خُيَلا ... فلْتك للكعب فقط لا أنزلا ٢١٤٦ - وانْه عن الصما بدون ستر ... ومعه فيها الخلاف يجري ٢١٤٧ - وإِزْرة المؤمن ليست تنزل ... عن نصف ساقه فذاك الأفضل ٢١٤٨ - وفخِذ الرجل عورة خفيـ ... ـفة على المشهور من مختلف

стр. 960

قوله: وامنع على النساء البيت، معناه أنه لا يجوز للمرأة أن تلبس في خروجها، أو بحضرة غير زوجها، ما يصف بدنها، إما لإحاطته، والتصاقه ببدنها، وإما لكونه رقيقا، وفي حديث الصحيح " صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا " (١) وفيه أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قام من اليل فنظر في أفق السماء فقال: " ما ذا فتح اليلة من الخزائن، وما ذا وقع من الفتن، كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة أيقظوا صواحب الحُجر " (٢) وفي الموطإ أن حفصة بنت عبد الرحمن دخلت على عائشة - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - وعليها خمار رقيق، فشقته عائشة - رضي الله تعالى عنها - وكستها خمارا كثيفا، وقد قال : (يا أيها النبيء قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما) وقال : (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن) الآية الكريمة، وجاء عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: يرحم الله تعالى نساء الأنصار لما نزلت آية الحجاب عمدن إلى أكثف مروطهن فاختمرن بهن (٣). قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: ولا يجوز لها أن تصلي في ثوب خفيف يصف جسدها، ولا في ثوب صفيق رقيق يلتطئ بها، فيصف خلقها، لأنها إذا فعلت ذلك كانت كاسية في حكم العارية.

стр. 961

قوله: وهكذا جر الرجال بطرا البيتين، معناه أنه لا يجوز للرجل أن يجر إزاره أو ثيابه بطرا، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: ومن اللباس المحظور أيضا السرف الزائد على القدر المأذون فيه، الذي يخرج به صاحبه إلى الخيلاء والكبر والبطر، وهو عام في الرجال والنساء، ممنوع لحق الله ، لأن البطر والكبر ممنوعان في الشرع، قال الله : (إن الله لا يحب كل مختال فخور) وقال جل من قائل: (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) وفي الموطإ أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " لا ينظر الله ﵎ يوم القيامة إلى من يجر إزاره بطرا " (١) وأنه قال: " لا ينظر الله تعالى يوم القيامة إلى من يجر ثوبه خيلاء " (٢) وفيه عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أنه قال: سألت أبا سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنهم - عن الإزار، فقال: أنا أخبرك بعلم، سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول: " إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه في ما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك ففي النار، ما أسفل من ذلك ففي النار، لا ينظر الله تعالى يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا " (٣) وفي الصحيح " بينما رجل يتبختر في مشيه قد أعجبته جُمتهوبرداه إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض حتى تقوم الساعة " (٤)

стр. 962

قال ابن عبد البر: مفهومه أن الجر بغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد، إلا أن جر القميص وغيره من الثياب مذموم على كل حال، وروى البخاري أن أبا بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " إنك لست تصنع ذلك خيلاء " قال الحطاب في حاشيته: وأما الكم فقال القرافي: في شرح الجلاب: قال ابن شعبان في الزاهي: لا ينبغي أن يضيق الكم، والجمال أقرب عند الله ، وقد رد شريح شهادة رجل ضيق الكم، قال مالك ـ رحمه الله تعالى ـ: قصر الكم مثلة اهـ وقال في مختصر المدارك لابن رشيق: قال مالك: حياة الثوب طيه، وعيبه قصر أكمامه اهـ وروى الترمذي عن أم سلمة ـ رضي الله تعالى عنها ـ كان أحب الثياب إلى رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ القميص، قال في العارضة: القميص ملبوس بكم ساتر، وسنته أن لا يطول كمه، ولا تبالي به كان جيبه مقدما، أو في الجنب، إلا أن يكون للناس عادة، فسلوكها أشبه بالمرء وأسلم له ثم قال: وترقيع الثوب كان من شعار الصالحين، وسنة المتقدمين، حتى اتخذته الصوفية شعارا، فجعلته من الجديد، وأنشأته مرقعا من أصله، وليس هذا بسنة بل بدعة عظيمة ... وأما النساء ففي الموطإ أن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - قالت حين ذكر الإزار: فالمرأة يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -؟ قال: " ترخيه شبرا " قالت أم سلمة - رضي الله تعالى عنها -: إذا ينكشف عنهن، قال: فذراعا لا تزيد عليه " (١)

стр. 963

وفي جامع ابن أبي زيد: قال مالك - رحمهما الله تعالى -: أكره للرجل سعة الثوب يلبسه، وأكره طوله عليه، قيل: فلباس الصوف الغليظ؟ قال: لا خير في الشهرة، ولو كان يلبسه تارة وينزعه أخرى لرجوت، فأما المواظبة حتى يعرف به ويشتهر، فلا أحبه، ومن غليظ القطن ما هو في مثل ثمنه وأبعد من الشهرة، وقد قال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لذلك الرجل: فليُر عليك مالك، وكان عمر يكسو الحلل، ويقول: أحب أن أرى القارئ أبيض الثياب، إلى أن قال: قيل أفيلبس الرجل القميص الرقيق؟ قال: إذا كان الإزار كثيفا فلا بأس أن يكون القميص رقيقا إذا كان قصدا، ولم يكن على وجه السرف. وفيه عن مالك: لا بأس أن يأتزر الرجل تحت سرته ويبدي سرته إذا كان عظيم البطن. قوله: وانه عن الصما البيت، أشار به إلى ما جاء في الصحيح من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن لبستين اشتمال الصماء، والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو واحد من شقيه، وعن أن يحتبي بثوبه وهو جالس ليس على فرجه منه شيء، (١) قال ابن رشد - رحمه الله تعالى - في الكلام على الصماء: فإن كان عليه إزار جاز له أن يشتمل الصماء عليه، لارتفاع علة النهي، وهي انكشاف العورة، وقيل إن ذلك لا يجوز وإن كان عليه إزار، واختلف في ذلك قول مالك - رحمه الله تعالى - فوجه المنع من ذلك اتباع ظاهر الحديث بحمله على عمومه، وكيلا يكون ذريعة للجاهل الذي لا يعلم العلة في ذلك، فيفعله ولا إزار عليه، إذا رأى العالم يفعله وعليه إزار.

стр. 964

وفي جامع ابن أبي زيد أن مالكا - رحمهما الله تعالى - سئل عن القلانس فقال: قد كانت قديمة في زمان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وقبل ذلك، وكانت لخالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - قُلَنْسِية جعل فيها من شعر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وهي التي قاتل عليها يوم اليرموك، قيل: فالمظال؟ قال: ما كانت من لباس الناس، وما أرى بها بأسا، قال: وسئل مالك - رحمه الله تعالى - عن التقنع بالثوب، فقال: لحر أو برد أو لغيره من العذر فلا بأس به، وأما لغير ذلك فلا، وكان أبو النضر يلزمه لبرد يجده، قال مالك - رحمه الله تعالى - ورأت سكينة أو فاطمة بنت الحسين - رضي الله تعالى عنهم وعن أهل البيت أجمعين - بعض ولدها متقنعا رأسه، فقالت: اكشف عن رأسك، فإن القناع ريبة باليل، ومذلة بالنهار، قال مالك - رحمه الله تعالى -: وأكرهه لغير عذر، وقال: العمة والاحتباء والانتعال من عمل العرب، وليس في العجم، وكانت العمة في أول الإسلام، ثم لم تزل حتى كان هؤلاء القوم، ولم أدرك أحدا من أهل الفضل إلا وهم يعتمون، يحيى بن سعيد، وربيعة، وابن هرمز، وكنت أرى في حلقة ربيعة أحدا وثلاثين رجلا معتمين، وأنا منهم، وكان ربيعة لا يدعها حتى تطلع الثريا، وكان يقول: إني لأجد العمة تزيد في العقل، قيل: فيرخي بين الكتفين؟ قال: لم أر أحدا ممن أدركت يرخي بين كتفيه، ولكن يرسل بين يديه، ولست أكره إرخاءها من خلف لأنه حرام، ولكن هذا أجمل، وكان من أدركت يفعله إلا عامر بن عبد الله، فإنه كان يرخي بين كتفيه، قال: ورئي جبريل - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - في صورة دحية الكلبي وقد أسدل عمامته بين كتفيه، وأكره أن يعتم ولا يجعل منها تحت ذقنه، وأما من يفعل ذلك في بيته، وعند اغتساله، وفي مرضه، فلا بأس به.

стр. 965

وقال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: وأما اللباس المكروه فهو ما خالف زي العرب، وأشبه زي العجم، ومنه التعميم بغير التحاء، وقد روي أن ذلك عمة الشيطان، وقيل إنها صفة عمائم قوم لوط - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم -. قوله: وفخذ الرجل عورة البيت، معناه أن فخذ الرجل عورة خفيفة، فليست كالعورة، فيجوز كشفه عنها عند أهله ونحوهم، وفي جامع ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى -: ولا بأس بكشف الفخذ عند أهله، قيل له: فخادم له خصي يرى فخذه متكشفا؟ قال: ذلك خفيف، قيل: هل ترى خادم الزوجة فخذ زوجها؟ قال: لا، يقول الله : (أو ما ملكت أيمانهم). ٢١٤٩ - وليس للرجل دون ساتر ... دخول حمام كمثل مئزر ٢١٥٠ - وليس للمرأة ذاك جمله ... ما لم يكن دخولهالعله ٢١٥١ - ولم يجز الافضاء دون حائل ... بعورة من رجل لرجل ٢١٥٢ - وذاك في النساء أيضا ذو انحظار ... وما لها الخروج إلا باستتار ٢١٥٣ - بما من الأمور قد تعينا ... مثل شهودها قريبا قد فنى ٢١٥٤ - ونحو ذا من كل ما الخروج له ... مجوز إذا تكون تَفِلَه ٢١٥٥ - وما لها الحضور للمناهي ... كالنوح والمزمار والملاهي

стр. 966

قوله: وليس للرجل البيتين، معناه أنه لا يجوز للرجل أن يدخل الحمام دون مئزر ونحوه مما يستر به عورته، كما لا يجوز أن يدخله مع غير مستورين، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: دخول الحمام إذا كان خاليا جائز، لا كراهة فيه، وأما دخوله مستترا مع مستورين فقال ابن القاسم في رواية أصبغ عنه من كتاب الجامع من العتبية لا بأس بذلك، أي لا حرج عليه فيه، وتركه أحسن، فقد قال مالك - رحمه الله تعالى - في رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب من كتاب الوضوء من العتبية، وقد سئل عن الغسل بالماء المسخن من الحمام: والله ما دخول الحمام بصواب، فكيف يغتسل بذلك الماء، ووجه الكراهة في ذلك وإن دخله مستترا مع مستترين مخافة أن يطلع على عورة أحد بغير قصد، إذ لا يكاد يسلم من ذلك من دخله مع عامة الناس، وأما دخوله غير مستتر، أو مع من لا يستتر، فلا يحل ولا يجوز، لأن ستر العورة فرض، ومن فعل ذلك كان جرحة فيه. وأما المرأة فلا ينبغي أن تدخله جملة إلا من علة بها تستشفي منها، وقد جاء في الحديث النهي عن دخولها الحمام، (١) وقد أطال ابن رشد - رحمه الله تعالى - في توجيه أن ذلك إنما هو من حيث غلبة عدم سلامة دخولهن مما ينهى عنه، فإذا اتفقت السلامة من ذلك فلا فرق بينهن وبين الرجال، والله أعلم.

стр. 967

قوله: ولم يجز الافضاء إلى قوله: انحظار، معناه أنه لا يجوز للرجل أن يفضي إلى الرجل في ثوب واحد ليس بينهما ساتر، وكذلك المرأة مع المرأة، وقد جاء في الحديث الشريف النهي عن ذلك، (١) فإن كانا مستوري العورة فقال الأقفهسي: يجوز أن يتلاصقا بالأجساد، إلا أن المستحب تركه، قال: وحكم التلاصق المتقدم التحريم في ما بين البالغين، وأما غير البالغين ومن يؤمر بالتفريق بينهما كابن عشر سنين، فهو في حقهم مكروه، والمخاطب في ذلك أولياؤهم، فإن تلاصق بالغ وغير بالغ فهو في حق البالغ حرام، وفي حق غير البالغ مكروه، وأما الصغير دون السبع، فيجوز أن يتلاصق مع غير بالغ، نقله الحطاب في حاشيته.

стр. 968

قوله: وما لها الخروج إلى قوله: تفلة، معناه أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج إلا مستترة، ولا ينبغي لها أن تخرج إلا في أمر لا بد لها من الخروج فيه، كشهود جنازة من تعظم مصيبتها فيه، كأب وابن وأخ، وهذا في حق الشابة التي ليست فاتنة، قال في المواهب: قال في شرح المسألة الأولى من رسم البز من سماع ابن القاسم - رحمه الله تعالى - من كتاب الجنائز: النساء في شهود الجنازة ثلاثة، متجالة، وشابة، ورائعة قدِرة جسيمة ضخمة، فالمتجالة تخرج في جنازة الأجنبي والقريب، والشابة تخرج في جنازة أبيها، وأخيها، ومن أشبههما من قرابتها، والمرأة الرائعة القدرة الضخمة الجسيمة يكره لها الخروج أصلا، والتصرف في كل حال، وهذا هو المشهور، وقد ذكر ابن حبيب أن خروج النساء في الجنائز مكروه بكل حال، وقال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: وحيث تخرج فإنها لا تخرج إلا بشروط خمسة، الأول أن يكون خروجها طرفي النهار، ما لم تضطر إلى الخروج في غيرهما اضطرارا فادحا، الثاني أن تلبس أدنى ثيابها، الثالث أن تمشي في حافتي الطريق دون وسطه، حتى تبعد عن الرجال، الرابع أن لا يكون عليها ريح طيبة، الخامس ألا يظهر عليها ما يحرم على الرجال النظر إليه، غير الوجه والكفين، ما لم يكن النظر إلى وجهها يؤدي إلى الفتنة، فيجب عليها ستره.

стр. 969

وإلى الشرط الرابع الإشارة بقوله: إذا تكون تفله، وقد ورد في الحديث الشريف الوعيد الشديد في خروجها متطيبة، (١) وفي جامع ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى - قال مالك - رحمه الله تعالى - في من وطئ جاريته لا بأس أن يرسلها إلى السوق في حوائجه، والحرة تخرج في حاجتها، وقد كانت أسماء - رضي الله تعالى عنها - تقود فرس زوجها الزبير - رضي الله تعالى عنه - في الطريق وهي حامل. قوله: وما لها الحضور للمناهي البيت، معناه أنه لا يجوز لهن حضور مجالس النساء المحرمة، كمجلس النياحة عند المصيبة، والمجالس التي يضرب فيها بالآلات الممنوعة، وقد جاء في الخبر " صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة مزمار عند نعمة، ورَنة عند مصيبة " (٢) وقد تقدم الكلام على ذلك كله، والحمد لله رب العالمين، وخص النساء بالذكر لأن شانهن حضور ذلك، وربما اعتقدن الرخصة في آلات اللهو، لا سيما في الاعراس. ٢١٥٦ - وليس في الدفوف من جناح ... وفاقا إن كانت لدى نكاح ٢١٥٧ - والخلف في الكَبَر جا والمزهر ... ثالثها مجوز للكبر ٢١٥٨ - والاختلا من رجل معَ مره ... ليست بمحْرم وفاقا احظره ٢١٥٩ - والوصل للشعر أمر حِرْم ... موجبُ لعن، وكذاك الوشم ٢١٦٠ - وباليمين ابدأ في الانتعال ... والخلع فيه ابتد بالشمال ٢١٦١ - والانتعال قائما قد حلا ... والمشي في مفرد نعل يُقلى

стр. 970

قوله: وليس في الدفوف البيتين، معناه أن ضرب الدفوف في النكاح واسع باتفاق، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: ورخص من ذلك في النكاح في الدف، وهو الغربال باتفاق، والكبر والمزهر على ثلاثة أقوال، إباحتهما جميعا، وكراهتهما جميعا، وإباحة الكبر دون المزهر، قيل للنساء دون الرجال، وقيل للنساء والرجال، واختلف هل هو من قبيل المباح الذي يستوي فعله وتركه، أو هو من قبيل المباح الذي تركه أحسن من فعله، أو من قبيل المباح الذي فعله أحسن من تركه، ومذهبه في المدونة أنه من قبيل المباح الذي تركه أحسن من فعله، وبالله التوفيق. قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: والكبر بفتحات: طبل صغير مجلد من ناحية، والمزهر بكسر الميم: المجلد من جهتين. قوله: والاختلا من رجل البيت، معناه أنه لا يجوز للرجل أن يخلو بامرأة ليست بمحرم منه، وفي الصحيح " لا يخلونّ أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم " (١) وفي جامع ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى - عن مالك - رحمه الله تعالى -: لا بأس على الرجل لو نظر إلى شعر أم زوجته، ولا ينبغي إن قدم من سفر أن تعانقه، وإن كانت عجوزا، فأما أخت امرأته فليبعد منها ما استطاع. وفيه قيل لمالك - رحمه الله تعالى -: فمن يدخل على امرأته ومعها صاحبة لها في البيت؟ قال: ليس بذلك بأس إذا ألحفت عليها ثيابها. وقال في الكلام على سفر المرأة: وأخوها من الرضاعة ذو محرم، قيل: فابن زوجها؟ فقال: قال الله : (حرمت عليكم أمهاتكم) الآية قال: فهؤلاء ذوات المحرم، وأما رجل كان أبوه قد طلق امرأته وتزوجت أزواجا تريد أن يسافر بها، فلا أحب ذلك، قيل: فالمرأة لا تجد من يعادلها إلا من ليس بذي محرم منها؟ قال: لا، ونهى عنه، قيل: هل يحمل أم ولد أبيه في السفر؟ قال: أما أن يضمها إلى نفسه فلا يعجبني.

стр. 971

وفي الموطإ: قيل: أفتأكل المرأة مع غير ذي محرم منها؟ أو مع غلامها؟ قال: لا بأس بذلك إذا كان على وجه ما يعرف للمرأة أن تؤاكله، قال في الجامع: قال ابن الجهم: يعني العجوز المتجالة، وقد تأكل مع زوجها ومع غيره ممن تؤاكله. وقيل لمالك - رحمه الله تعالى -: أفتلقي المرأة خمارها بين يدي الخصي لها، أو لغيرها، وهو من غير أولي الإربة؟ قال: لا بأس به، إلا أن يكون حرا فلا، وقال في رواية أخرى: إن كان مملوكا وكان وغدا، قال: ودخول خصيان زوجها من كبير أو صغير عليها أبين في خفة ذلك من خصيان غيره، قال: والتي لها الغلام الوغد لا منظر له لا بأس أن يرى شعرها، وكفيها، وقدميها، وأما الفاره فلا، وأما الوغد لزوجها فكرهه، قيل: فغلام نصفه حر ونصفه لها هل يرى شعرها؟ قال: لا، قال: وأحب لمن دخل على أمه أو أخته أن يستأذن عليها قبل أن يدخل. وقيل له: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) إلى آخرها، أترى ذلك على الناس اليوم؟ قال: أرجو إنما كان هذا قبل أن تتخذ الأبواب والستور، وأرجو أن يكون عن الناس موضوعا، لأنه إذا خلا أغلق بابا، وأسدل سترا، قيل: وترى القبة مجزئة؟ قال: نعم، قيل: هل يجامع الرجل امرأته ليس بينها وبينه ستر؟ قال: نعم، قيل: إنهم يرون كراهيته، قال: ألق ما يتحدثون به، قد كان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وعائشة - رضي الله تعالى عنها - يغتسلان عريانين، (١) فالجماع أولى بالتجرد، قال: ولا بأس أن ينظر إلى الفرج في الجماع.

стр. 972

قوله: والوصل للشعر أمر حرم موجب لعن، معناه أن وصل الشعر أمر حرام شديد الحرمة، فقد جاء في الحديث الصحيح اللعن عليه كما تقدم، ولا فرق فيه بين الرجل والمرأة، وكذلك ما ذكر معه في الحديث، وتخصيص النساء بالذكر إنما هو لأن ذلك شأنهن خاصة، فوصف الأنوثة بالنسبة لهذه الأمور طردي، فقد اقتضى ظاهر الحديث أن العلة هي تغيير خلق الله ، بل لا يبعد أن يكون الرجل فحوى، لما هو معلوم في الشرع من التوسعة لها في الزينة أكثر منه، وفي جامع ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى -: قيل لمالك - رحمه الله تعالى -: أفتضع الجمة من الشعر على رأسها وضعا؟ قال: لا خير فيه، قيل: فالخرق تجعلها في قفاها وتربط الوقاية؟ قال: ما من علاجهن أخف من الخرق، وأرجو أن لا يكون به بأس. قوله: وكذاك الوشم، معناه أن الوشم في الوجه، أو الجسد، من الأمور التي ورد اللعن عليها، فهو حرام شديد الحرمة، وهو أن تغرز المرأة مثلا إبرة في موضع من جسدها حتى تؤثر فيه، ثم تحشو مكانها كحلا فيخضر، وقد يفعلن ذلك في اللثة، وكل ذلك ممنوع شديد المنع.

стр. 973

قوله: وباليمين ابدأ البيت، معناه أن التيامن في الانتعال مطلوب، فيلبس نعله اليمنى قبل نعله اليسرى، بخلاف الخلع، فيطلب فيه التياسر، وقد جاء الأمر بذلك منصوصا في الحديث الشريف، ولفظه عند مالك - رحمه الله تعالى - " إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، ولتكن اليمنى أولهما تُنعل، وآخرهما تُنزع " (١) قال ابن ناجي - رحمه الله تعالى -: قال الشيخ محي الدين النووي في شرح مسلم في قول عائشة - رضي الله تعالى عنها -: كان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يعجبه التيامن في تنعله وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله، هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي أن ما كان من باب التكريم والتشريف، كلبس الخف، والسراويل، ودخول المسجد، والسواك، وغسل أعضاء الوضوء، وتقبيل الحجر الأسود، وغير ذلك، مما يستحب التيامن فيه، فأما ما كان مثل دخول الخلاء، والخروج من المسجد، والاستجمار، والاستنجاء، وخلع الثوب، والسراويل، وما أشبه ذلك، فيستحب التياسر فيه، وذلك لكرامة اليمنى وشرفها. ومقتضى كلام أصحابنا أن التيامن مطلوب أيضا في ما ليس فيه تشريف ولا ضده، كدخول المنزل والخروج منه، فيطلب التيامن فيهما جميعا، وهو ظاهر قول عائشة - رضي الله تعالى عنها -: وفي شأنه كله، وقد خرج بالنص ما كان من قبيل التنزه، ونحوه، كالاستطابة، والامتخاط، وذكر بعض أهل العلم أن في معنى الكنيف أماكن السوء، كمواضع الظلم والجور، وبيوت الظلمة، وحوانيت الصيارفة ونحوهم، فيطلب التياسر عند دخولها، والتيامن عند الخروج منها، وأن في معنى المسجد الأماكن الشريفة كلها، كالبيوت المعهودة لتعليم القرآن الكريم، والشرع الشريف، وحوائط المساجد ونحو ذلك، وهو مقتضى القاعدة التي تقدم ذكرها. قوله: والانتعال قائما قد حلا، معناه أن لبس الرجل مثلا نعليه وهو قائم جائز، كلبسهما قبل أن يقوم.

стр. 974

قوله: والمشي في مفرد نعل يقلى، معناه أن المشي في النعل الواحدة منهي عنه، فقد روى مالك - رحمه الله تعالى - في الموطإ عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: " لا يمشين أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعا أو ليحفهما جميعا " (١) قال أبو العباس القرطبي - رحمه الله تعالى -: ولا خلاف في أن أوامر هذا الباب ونواهيه إنما هي من الآداب المكملة، وليس شيء منها على الوجوب، ولا الحظر، عند معتبر بقوله من العلماء، وفي جامع ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى -: قال مالك - رحمه الله تعالى - ولا بأس بالانتعال قائما، ولا يمشي في نعل واحدة، إلا أن يكون أقطع الرجل، وقال في النعل: أحب إلي المُدَوَّر والمختصَر، ويكون له عاقب مؤخر، وقال: ورأيت نعل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلى التقدير ما هي، وهي مختصرة يختصرها من مؤخرها، ومعقبة من خلفها، وكان لها زمامان في كل نعل. وفي حاشية الحطاب على الرسالة ما نصه: وقال في مختصر الوقار: ومن نزع خفيه فلا يلبسهما حتى ينفضهما، فإنه لا يدري ما خالفه إليهما، وفيها في الكلام على كراهة المشي في نعل واحدة قال الأقفهسي: وكذلك إذا مشى في نعلين مختلفتين، لأن مثل هذا يخل بالمروءة. وجاء في مسند الإمام أحمد بإسناد رجاله ثقات أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان ينهاهم عن كثير من الإرفاه، ويأمرهم أن يحتفوا أحيانا. (٢) ٢١٦٢ - كذا التماثيل على الأسِرَّهْ ... أو القباب فهْي أيضا تكْرَهْ ٢١٦٣ - وذاك في الخاتم والجدار ... كذاك في الحيطان أيضا جار ٢١٦٤ - والرقم بالثياب ليس داخلا ... بذا ولكن ترْكه قد فضلا

стр. 975

تكلم في هذه الأبيات على كراهة التماثيل والتصاوير التي ليست مجسدة، وقد جاء في حديث الصحيح الوعيد الشديد على التصوير، وأن المصورين يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة، (١) قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: والمحرم من ذلك بإجماع ما كان مخلوقا له ظل، قائم على صفة الإنسان، أو ما يحيى من الحيوان، وما سوى ذلك من المرسوم في الحيطان، والمرقوم في الستور التي تنشر، أو البسط التي تفرش، أو الوسائد التي يرتفق بها، ويتكأ عليها مكروهة، وليست بحرام في الصحيح من الأقوال. وقيل بحرمة ذلك كله، وقيل بجواز ما عدا المجمع عليه، ثالثها جواز ما عدا المرسوم في الحيطان والجدر، ورابعها جواز ما عدا المرسوم في الحيطان والجدر والستائر التي لا تمتهن ببسطها والجلوس عليها، ذكر الأقوال كلها ابن رشد - رحمه الله تعالى - ومثار الخلاف النظر إلى المعنى الذي لأجله وقع النهي، قال في الجواهر: قال القاضي أبو بكر بن العربي – رحمهما الله تعالى -: وقد قيل الذي يمتهن من الصور يجوز، وما لا يمتهن مما يعلق فيمنع، لأن الجاهلية كانت تعظم الصور، فما يبقى فيه جزء من التعظيم والارتفاع يمنع، وما كان مما يمتهن فهو مباح، لأنه ليس مما كانوا فيه.

стр. 976

وفي جامع ابن أبي زيد عن مالك - رحمهما الله تعالى - أنه قال: وبلغني أن أول ما اتخذت الصور في موت نبي فصور لهم ليأنسوا بصورته، فما زال ذلك حتى صار إلى أن عبدت، وقد وقع في الحديث استثناء الرقم في الثوب، ووجه فرق من فرق بين الثوب والستائر مراعاة امتهان الثوب أكثر، ووجه قول من لم يفرق عدم التعظيم في كل، ووجه المنع مطلقا حديث النمرقة، ووجه الكراهة قول أبي طلحة لسهل بن حنيف - رضي الله تعالى عنهما - لما قال له: ألم يقل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " إلا ما كان رقما في ثوب " قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي، (١) وفي جامع ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى - في الكلام على على ما يوطأ ويمتهن: وتركه أحب إلي، ومن ترك ما فيه رخصة غير محرم له، فلا بأس عليه، وأكره أن يشتري الرجل لابنته الصور، وأن يجعل في فص خاتمه التماثيل. وقال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: والذي يباح من ذلك للعب الجواري به ما كان غير تام الخلقة، لا يحيى ما كان على صورته في العادة، كالعظام التي يجعل لها وجوه بالرسم، وكالتزويق في الحائط، وقد قال أصبغ الذي يباح من ذلك ما يسرع إليه البِلى والفساد، وليس ذلك ببين في وجه القياس والنظر، وبالله التوفيق. والحاصل أن الصور منهي عنها على كل حال، فمنها ما هو ممنوع، ومنها ما هو مكروه كراهة شديدة، ومنها ما هو مكروه كراهة دون ذلك، والفرق بين موضعي الكراهة أن الكراهة الأولى اجتهادية، وهي أشد من المنصوصة، لأنها لمراعاة دليل الحرمة، بخلاف المكروه بالنص، فإنه قد علم فيه انتفاء الحرمة، والله أعلم.

стр. 977

باب في الطعام والشراب ٢١٦٥ - وإن ترد شرابا أو أكلا فسَم ... حينئذ وذا استنانا انحتم ٢١٦٦ - ولتتناول باليمين واحمدِ ... عند انتهاء وأجِد لعْق اليد ٢١٦٧ - من قبل أن تمسحها ولتجعل ... ثلث بطنك فقط للمأكل ٢١٦٨ - وللشراب ثلثا والباقي ... لنفَس دعْ خوفَ الاختناق ٢١٦٩ - وحيث معْ غيرك تأكل كلِ ... إن كان نوعا واحدا مما يلي قوله: وإن ترد شرابا البيت، معناه أنه يؤمر إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يسمي الله ، وظاهر عبارة أهل المذهب أنها على الأعيان، وهو ظاهر حديث عمر بن أبي سلمة - رضي الله تعالى عنهما - (١) وهي عند الشافعية على الكفاية، واختلف هل يقتصر على بسم الله، وهو ظاهر الأحاديث، أو يزيد الرحمن الرحيم، والأمر بالبسملة على الاستنان، فلا تجب وجوب الفرائض الذي يأثم التارك فيه، وقد حكى ابن عبد البر - رحمه الله تعالى - الإجماع على ذلك، وإذا فرغ منه قال: " الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مَكْفِيٍّ ولا مُوَدَّع ولا مستغنًى عنه ربَّنا ". (٢) قوله: ولتتناول باليمين، معناه أن الآكل يؤمر أن يأكل بيمينه خاصة استحبابا، لحديث عمر بن أبي سلمة - رضي الله تعالى عنهما - وكذلك القول في الشرب أيضا، قال ابن أبي زيد - رحمه الله تعالى - في جامعه: وفي بعض الحديث أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أكل الرطب بالبطيخ هذا في يد وهذا في يد. (٣)

стр. 978

قوله: واحمد عند انتهاء، معناه أنه يؤمر كذلك استحبابا أن يحمد الله عند انتهائه من الأكل والشرب، وفي الصحيح " إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها " (١) وجاء أن من أكل طعاما فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه، (٢) وجاء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم شرب لبنا، وقال: " إذا أكل أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه، وإذا سقي لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزئ عن الطعام والشراب إلا اللبن " (٣) قوله: وأجد لعق اليد من قبل أن تمسحها، معناه أنه يؤمر بلعق يده قبل أن يمسحها أو يغسلها لما في الصحيح " إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يَلْعَقَها أو يُلْعِقَها " (٤) قال الحطاب - رحمه الله تعالى - في حاشيته: قال في الكافي: ولا يقام عن الطعام حتى يرفع، وقال القرطبي - رحمه الله تعالى -: ولا يأكل طعاما حتى يعرف أحارا هو أم باردا، فإنه إذا كان حارا فقد يتأذى، وروي عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: " أبردوا بالطعام، فإن الحار غير ذي بركة " (٥) قال: ولا يشمه، فإن ذلك من عمل البهائم، بل إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه.

стр. 979

قوله: ولتجعل إلى قوله: الاختناق، معناه أنه يستحب للمرء تجنب الشبع، والري، لما في ذلك من المضار، وقد قال : (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) وفي الحديث " ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أُكُلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه " (١) قال القرطبي - رحمه الله تعالى - في قوله : (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة، فأما ما تدعو الحاجة إليه - وهو ما سد الجوعة وسكن الظمأ - فمندوب إليه عقلا وشرعا، لما فيه من حفظ النفس، وحراسة الحواس، ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال، لأنه يضعف الجسد، ويميت النفس، ويضعف عن العبادة، وذلك يمنع منه الشرع، ويدفعه العقل، وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر، ولا نصيب من زهد، لأن ما حرمها من فعل الطاعة بالعجز والضعف أكثر ثوابا، وأعظم أجرا، وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين، فقيل حرام، وقيل مكروه، قال ابن العربي - رحمه الله تعالى -: وهو الصحيح، فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان، والأزمان، والأسنان، والطعمان، ثم قيل في قلة الأكل منافع كثيرة، منها أن يكون الرجل أصح جسما، وأجود حفظا، وأزكى فهما، وأقل نوما، وأخف نفسا، وفي كثرة الأكل كظُّ المعدة، ونتن التخمة، ويتولد منه الأمراض المختلفة، فيحتاج من العلاج أكثر مما يحتاج إليه القليل الأكل، وقال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء. وقد كنت قلت في نظم لي: فزَيْدُ وزنٍ لتزايد الطلب ... جدا على أجهزة الجسم سبب كالقلب والكلى وبنكرياس ... من كل عضو دوره أساسي وذاك مُضْعِف لها مؤد ... لعجزها عن بعض ذاك الجهد

стр. 980

قوله: وحيث مع غيرك تأكل البيت، معناه أن الذي يأكل مع غيره يؤمر أن يأكل مما يليه، لحديث عمر بن أبي سلمة - رضي الله تعالى عنهما - " يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك " وهذا إذا كان الطعام نوعا واحدا، فإن اختلف كالفاكهة ونحوها لم يكن بذلك بأس لما في الصحيح عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن خياطا دعا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لطعام صنعه، قال أنس - رضي الله تعالى عنه -: فذهبت مع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فرأيته يتتبع الدباء من حوالي القصعة، قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ. (١) ٢١٧٠ - لا تأخذنَّ لقمة حتى يتم ... بلْعُ الذي من قبل ذلك التُقِم ٢١٧١ - لا تتنفس في الإناء عندا ... شربك منه بل أبنْ ورُدَّا ٢١٧٢ - والماءَ مُصَّه وفيه العَبَّ ذَرْ ... فربما ذلك للكباد جر ٢١٧٣ - ولُكْ طعامَك ومضغا أنعِم ... ونظفنَّ فاك بعد المطعم ٢١٧٤ - كذا من الغَمَر أيضا واللبن ... تمضمضٌ والغسل لليد حسن ٢١٧٥ - وخللنْ ما بين الاسنان بقي ... منَ اَثَر الطعام ذا تعلق ٢١٧٦ - والاكلَ بالشمال ذر كذا الشراب ... وفيهما لا تنفخنْ كذا الكتاب قوله: لا تأخذن لقمة البيت، معناه أنه من الأدب أن يترسل في أكله، فلا يأخذ لقمة حتى يفرغ مما أخذ قبلها، لأن ذلك شره وسوء أدب، وقال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: ومن الأدب إذا أكل الرجل مع القوم أن يأكل كما يأكلون، من تصغير اللقم، والترسيل في الأكل، وإن خالف ذلك عادته. وقال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: وينبغي إذا حضر القوم ذو هيئة أن ينظر إليه، فلا يمد أحد يده إلا بعده، ولا يرفع أحد إلا بعد رفعه، كما قيل، قالوا: ولا يرفع يدا ما داموا في الأكل، وليقم متى أقاموا، قال: والحديث على الطعام من السنة، قالوا: وليكن الكلام بين فترات التناول، لا حالة امتلاء الفم بالطعام، لأنه مثلة، وقد يخرج من فيه ما يكره، مع أنه لا يفهم، أو لا يكاد يفهم.

стр. 981

قوله: لا تتنفس البيت، معناه أنه ينهى عن التنفس في الآنية أثناء شربه منها، للنهي عن ذلك كما في الصحيح، (١) فإن ضاق به النفس نحى القدح وتنفس، ثم عاد للشرب، كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم للذي قال: لا أروي من نفس واحد، (٢) وذلك لخوف التقذير، لما يخشى أن يطير مع نفسه في الآنية، قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: وفي النسائي ما يدل لاستحباب الشرب في ثلاثة أنفاس، يسمي عند كل مرة ويحمد عليها. (٣)

стр. 982

قوله: والماء مصه، معناه أن شرب الماء يطلب أن يكون مصا، وينهى عن عبه، لأنه لا يروي، فيوجب الإكثار منه، وقد تقدم النهي عن السرف في الشرب، وجاء في بعض الأخبار أن شربه عبا يضر بالكبد، (١) والعب هو شرب الماء بلا تنفس، بأن يواصل بلعه، وينهى عن عب غير الماء أيضا من جهة الأدب إن لم ينه عنه من جهة الطب، وفي جامع ابن أبي زيد: قال مالك - رحمهما الله تعالى -: ولا بأس بالشرب من فم السقاء، وما بلغني فيه نهي، قيل: فمن ثلمة القدح وما يلي الاذن؟ قال: قد سمعت سماعا، وما علمت فيه بشيء، كأنه يضعفه. وقال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: ومن المعلوم أن السنة شرب الماء بالمص، واللحم بالنهش، والخبز بالقرض، إلا لعذر فيجوز غير ذلك. قوله: ولك طعامك ومضغا أنعم، معناه أنه يطلب أن يلوك طعامه، بأن يديره في فمه، مجيدا مضغه، ليلين ويمتزج بالريق، فينحدر إلى معدته سهل الهضم، مع ما في ذلك من الاستمتاع بطعمه، وهذا يستلزم تصغير اللقمة مثلا، ويكره التصويت بالمضغ، والارتشاف، واللعق، فيفعل ذلك كله برفق، ويروض نفسه على ذلك. قوله: ونظفن فاك، معناه أنه يؤمر بتنظيف فمه بعد الفراغ من الطعام، بأن يتمضمض، لأن عدم تنظيفه بعده يؤدي إلى تغير رائحته، خاصة في اللحم ونحوه، ويؤدي إلى تسوس الأسنان، وقد جاء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم شرب لبنا فمضمض، وقال: " إن له دسما " (٢) فإذا كان الأمر كذلك في اللبن مع يسارة دسومته، فما بالك باللحم والودك ونحو ذلك.

стр. 983

قوله: كذا من الغمر البيت، معناه أنه يؤمر بالتمضمض بعد شرب اللبن وما فيه دسومة، سواء أراد صلاة أو لا، للحديث المتقدم، وكذلك يستحب غسل اليد مما فيه دسومة تعلق باليد، وقد جاء في الخبر " إذا نام أحدكم وفي يده ريح غمر فلم يغسل يده فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه " (١) والغمر فسره الجوهري بريح اللحم والسمن، وفسره عياض بالودك، وهو أقرب إلى لفظ الخبر المتقدم، فلعله مشترك، قوله: وخللن ما بين الاسنان بقي البيت، معناه أنه يؤمر بتخليل ما يبقى بين أسنانه من الطعام بعود ونحوه، بالاولى من المضمضة والسواك قوله: والأكل بالشمال ذر كذا الشراب، معناه أنه لا ينبغي أن يأكل الآكل بشماله، ولا أن يشرب بها من غير عذر، وقد جاء في الحديث " ليأكل أحدكم بيمينه، ويشرب بيمينه، وليأخذ بيمينه، ويعط بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذ بشماله " (٢) قوله: وفيهما لا تنفخن كذا الكتاب، معناه أنه ينهى عن النفخ في الطعام والشراب للأخبار في ذلك، (٣) وذلك لما تقدم في التنفس في الآنية من خوف التقذير، وفي الموطإ أن رجلا قال: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فإني أرى القذاة فيه - يعني الشراب - قال: " فأهرقها " (٤) وأما الكتاب فالنهي عن النفخ فيه مخافة أن يصيبه ريق، فهو قذر تجل عنه الكتب، ومخافة أن ينمحي منه بذلك شيء. ٢١٧٧ - وناول إن شربت من كان على ... ناحية اليمين منك مسجلا

стр. 984

٢١٧٨ - والشربَ في آنية النقد ذرِ ... للنهي عنه في صحيح الخبر ٢١٧٩ - وجاز شربك من القيام ... دون كراهة لدى الإمام ٢١٨٠ - ومن لكُراثٍ أو الثُّوم أكل ... والكل نِيءٌ وكذلك البصل ٢١٨١ - لا ينبغي دخوله المساجدا ... ونحوها على الذي قدُ اُيدا ٢١٨٢ - ولتأكلنْ من جانب الثريد لا ... وسَطِه فالنهي عن ذا نُقلا ٢١٨٣ - وجاز في التمور والمماثل ... أكلك من غير الذي لك يلي ٢١٨٤ - لا تأكلنْ متكئا لا تَقرنِ ... من بين تمرتين إن لم يُؤذَن ٢١٨٥ - وقيل ذا في الشركا، والاهلُ ... ونحوُهم ذا معهم يحل قوله: وناول إن شربت البيت، معناه أنه يطلب إذا شرب أن يناول الآنية من على يمينه، وفي الموطإ أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أُتِي بلبن قد شيب بماء البئر وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - فشرب ثم أعطى الأعرابي، وقال: " الأيمن فالأيمن " (١) وفيه أيضا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أُتِي بشراب فشرب منه وعن يساره الأشياخ فقال للغلام: " أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا، والله يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لا أوثر بنصيبي منك أحدا، فتله رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في يده. (٢)

стр. 985

قوله: والشرب في آنية النقد ذر البيت، معناه أن الشراب في آنية النقد حرام، لما جاء فيه من الوعيد الشديد، وكذلك الأكل فيها، ففي الصحيح أن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم، (١) وألحق بالأكل والشراب ما سواهما من أنواع الاستعمال، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، وجعل ابن رشد - رحمه الله تعالى - العلة التشبه بالأعاجم والأكاسرة المتكبرين المتجبرين، قال: وأما الحلقة من الذهب والفضة تكون في القدح، والتضبيب في شفته، فقياسه قياس العلم من الحرير في الثوب، كرهه مالك - رحمه الله تعالى - وأجازه جماعة من السلف، وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أنه أجازه على قدر الأصبعين والثلاث والأربع، ووقع ذلك في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان. وقال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: قال الباجي - رحمه الله تعالى -: ولا يتعدى التحريم إلى الياقوت والفيروزج وشبه ذلك من الجواهر النفيسة لمجرد نفاستها، وقال الأبهري: ما يصنع من الياقوت واللؤلؤ والمرجان أولى بالتحريم من الذهب والفضة، ولابن سابق يكره.
следующие страницы →