Полный текст (570 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
صلَاته وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِم وَأطلق اعْتِبَار قَول الْأَكْثَر وَكَذَا غَيره وَمِنْهُم من قَالَ ديانَة
قَالَ القَاضِي وَالْمُسْتَحب أَن لَا يؤمهم صِيَانة لنَفسِهِ فَإِن اسْتَووا فَالْأولى أَن لَا يؤمهم
وَذكر الشَّيْخ شمس الدّين فِي الشَّرْح قَالَ ابْن عقيل فَإِن اسْتَووا اسْتحبَّ لَهُ إِزَالَة الْخلاف بترك الْإِمَامَة وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَذْهَب فِيمَا اذا اسْتَويَا وَجْهَيْن
وَاحْتج الْأَصْحَاب حَيْثُ قَالُوا يكره بِمَا يدل على التَّحْرِيم وَلِهَذَا قَالَ بعض الْأَصْحَاب تفْسد صلَاته إِذا تعمد وللشافعية أَيْضا وَجْهَان فِي التَّحْرِيم وَنَصّ الشَّافِعِي على تَحْرِيمه فَقَالَ لَا يحل لرجل أَن يُصَلِّي بِجَمَاعَة وهم لَهُ كَارِهُون
نَقله الْمَاوَرْدِيّ فِي كتاب الْحَاوِي وَفِي الْأُم مَا يَقْتَضِيهِ وَكَأن الْأَخْبَار لِضعْفِهَا لَا تنهض للتَّحْرِيم وَإِن كَانَت تَقْتَضِيه فيستدل بهَا على الْكَرَاهَة كَمَا يسْتَدلّ بِخَبَر ضَعِيف ظَاهره يَقْتَضِي وجوب أَمر على ندبية ذَلِك الْأَمر وَلَا يُقَال لَعَلَّ هُنَاكَ صارفا عَن مُقْتَضى الدَّلِيل وَلم يذكر لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر وَأَكْثَرهم يخص الْكَرَاهَة بِالْإِمَامِ كعبارته فِي الْمُحَرر
وَمن كرهت إِمَامَته كره الائتمام بِهِ قَالَ ابْن عقيل تكره لَهُ الْإِمَامَة وَيكرهُ الائتمام بِهِ
قَوْله لَا تصح الصَّلَاة قُدَّام الإِمَام بِحَال
الِاعْتِبَار بالقدمين فِي الْوُقُوف بِالْأَرْضِ فَإِن شخص الْمَأْمُوم قد يكون أطول فيتقدم رَأسه وَإِن تَأَخّر قدمه فَإِن كَانَ قدم أَحدهمَا أكبر من الآخر فالاعتبار
стр. 107
بمؤخر الْقدَم وَهِي الْعقب وَإِن تقدم رَأس الْقدَم على رَأس الْقدَم كَمَا لَو كَانَ الْقدَم كَذَا ذكره الشَّيْخ وجيه الدّين بن المنجى فِي شرع الْهِدَايَة وَأطلق فِي الْمُحَرر عدم صِحَة الصَّلَاة قُدَّام الإِمَام وَمرَاده غير حول الْكَعْبَة فَإِنَّهُ إِذا اسْتَدَارَ الصَّفّ حول الْكَعْبَة وَالْإِمَام مِنْهَا على ذراعين والمقابلون لَهُ على ذِرَاع صحت صلَاتهم نَص عَلَيْهِ الامام أَحْمد
قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَلَا أعلم فِيهِ خلافًا وَحَكَاهُ الشَّيْخ وجيه الدّين إِجْمَاعًا لِأَن الْقدَم إِنَّمَا يعْتَبر حكمه إِذا اتّحدت جِهَة الإِمَام وَالْمَأْمُوم
فَأَما إِذا تعدّدت فَلَا أَلا ترى أَن الصفين المقابلين بَين جِهَة الإِمَام ومقابلته تصح صلَاتهم وَإِن كَانَا فِي الْجِهَة الَّتِي بَين يَدي الإِمَام حَيْثُ لم يستقبلوها بِوُجُوهِهِمْ وَلَعَلَّ السَّبَب فِي تسويغ ذَلِك كَثْرَة الْخلق فِي الْموقف فَلَو كلفوا الْقيام فِي جِهَة وَاحِدَة لشق ذَلِك وَتعذر وَظَاهر هَذَا أَنه لَا فرق لمن يَكُونُوا عِنْد الْمَسْجِد أَو خَارجه وَذكر الشَّيْخ وجيه الدّين أَن هَذَا إِذا كَانُوا عِنْد الْمَسْجِد وَإِن كَانُوا خَارج الْمَسْجِد فَبين الإِمَام وَبَين الْكَعْبَة مَسَافَة فِي تِلْكَ الْجِهَة وَالَّذين فِي بَقِيَّة الْجِهَات بَينهم وَبَين الْكَعْبَة دون تِلْكَ الْمسَافَة فَفِيهِ وَجْهَان
وَظَاهر مَا قدم فِي الرِّعَايَة أَنه لَا يضر قرب الْمَأْمُوم إِلَى الْجِدَار أَكثر من الإِمَام من اتِّحَاد الْجِهَة وَفِيه نظر فَأَما إِذا تقَابل الإِمَام وَالْمَأْمُوم دَاخل الْكَعْبَة فِي صَلَاة تصح فِيهَا فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا تصح قطع بِهِ الشَّيْخ وجيه الدّين وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَالثَّانِي لَا تصح لِأَنَّهُ مَعَ كَونه قُدَّام إِمَامه مستدبر لبَعض جِهَة الامام فَأشبه مَا لَو كَانَ قفا الْمَأْمُوم فِي وَجه الإِمَام وَهَذَا بِخِلَاف مَا إِذا وصلوا حول الْكَعْبَة فَإِنَّهُ لم يستدبر شَيْئا من جِهَة إِمَامه
стр. 108
وَمُرَاد صَاحب الْمُحَرر أَيْضا غير الصَّلَاة جمَاعَة فِي شدَّة الْخَوْف فَإِنَّهَا تَنْعَقِد مَعَ إِمْكَان الْمُتَابَعَة نَص عَلَيْهِ وَهُوَ قَول الْأَصْحَاب وَقطع بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة لعمومات النُّصُوص فِي صَلَاة الْجَمَاعَة ويعفى عَن التَّقَدُّم للْعُذْر كَمَا يُعْفَى عَن الاستدبار وَالْمَشْي فِي صَلَاة الْخَوْف غير الشَّديد وَإِن كَانَ يُمكنهُم أَن يصلوا جماعتين أَو فُرَادَى بِدُونِ ذَلِك مُحَافظَة على تَكْثِير الْأجر بإيقاع جمَاعَة وَاحِدَة والوهن الْحَاصِل فِي قُلُوب الْعَدو بذلك
وَقَالَ ابْن حَامِد لَا تَنْعَقِد الصَّلَاة جمَاعَة فِي شدَّة الْخَوْف وَحَكَاهُ فِي الْمُغنِي احْتِمَالا وَرجحه فَلهَذَا قَالَ الشَّيْخ مجد الدّين على عدم صِحَة الصَّلَاة قُدَّام الإِمَام لقَوْل سَمُرَة بن جُنْدُب أمرنَا رَسُول الله ﷺ إِذا كُنَّا جمَاعَة أَن يتَقَدَّم أَحَدنَا حسنه التِّرْمِذِيّ فَأمره بتقدم الإِمَام ينْهَى عَن تقدمهم عَلَيْهِ ومصافتهم لَهُ ترك ظَاهره فِي المصافة لنصوص يبْقى الْبَاقِي على الظَّاهِر وَلِأَن وُقُوفه عَن يسَاره أَو خلف الصَّفّ فَذا أحسن حَالا وَأقرب إِلَى معنى الِاقْتِدَاء والمتابعة من وُقُوفه قدامه ثمَّ صلَاته تبطل هُنَاكَ على أصلنَا فَهُنَا أولى وَلِأَن الأَصْل إِن كَانَ إِنْسَان يُصَلِّي بِنَفسِهِ ويستقل بتأدية فَرْضه وَلَا يحمل غَيره عَنهُ شَيْئا فَحَث الشَّرْع بِالْجَمَاعَة أوجب فعلهَا على مَا جَاءَت بِهِ النُّصُوص وَلم يرد فِي شَيْء مِنْهَا الْوُقُوف بَين يَدي الإِمَام ثمَّ ذكر قِيَاسا ضَعِيفا وَفِي الْمَسْأَلَة أَدِلَّة ضَعِيفَة وَقيل تصح الصَّلَاة قُدَّام الإِمَام ضَرُورَة فِي عيد أَو جُمُعَة وجنازة فَقَط وَقيل مُطلقًا
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره قَول أَن صَلَاة الْمَأْمُوم تصح قُدَّام الإِمَام مَعَ الْعذر دون غَيره قَالَ وَهَذَا أعدل الْأَقْوَال وأرجحها وَهُوَ قَول طَائِفَة من الْعلمَاء وَذَلِكَ لِأَن ترك الْمُتَقَدّم على الْأَمَام غَايَته أَن يكون
стр. 109
وَاجِبا من وَاجِبَات الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة والواجبات كلهَا تسْقط بالعذر وَإِن كَانَت وَاجِبَة فِي أصل الصَّلَاة وَالْوَاجِب فِي الْجَمَاعَة أولى بالسقوط انْتهى كَلَامه
وَقد يُقَال انْعِقَاد الصَّلَاة جمَاعَة فِي شدَّة الْخَوْف مَعَ الْعَفو عَن التَّقَدُّم للْعُذْر يُقَوي هَذَا القَوْل وَقد تقدم مَا يدل على الْفرق بَينهمَا
وَإِذا بطلت صَلَاة الْمَأْمُوم قُدَّام الامام فَهَل تبطل صَلَاة الامام فِيهِ وَجْهَان ذكره ابْن تَمِيم وَغَيره وَالْأولَى أَن يُقَال إِن نوى الامامة بِمن يُصَلِّي قدامه مَعَ علمه لم تَنْعَقِد صلَاته كَمَا لَو نَوَت الْمَرْأَة الامامة بِالرِّجَالِ لِأَنَّهُ يشْتَرط أَن يَنْوِي الامامة بِمن يَصح اقْتِدَاؤُهُ بِهِ وَإِن نوى الْإِمَامَة ظنا واعتقادا أَنهم يصلونَ خَلفه فصلوا قدامه انْعَقَدت صلَاته عملا بِظَاهِر الْحَال كَمَا لَو نوى الامامة من عَادَته حُضُور جمَاعَة عِنْده ثمَّ هَل تبطل صلَاته ذكر المُصَنّف فِي مَسْأَلَة الأَصْل إِذا لم يَأْته أحد وَأحرم إِمَام بحاضرين فانصرفوا عَنهُ قبل أَن يحرموا احْتِمَالَيْنِ وَهَذَا مثله أَحدهمَا تبطل لأَنا تَبينا أَنه نوى الامامة بِغَيْر مَأْمُوم وَالثَّانِي يُتمهَا مُنْفَردا لِأَن احرامه إِمَامًا انْعَقَد لَكِن تَعَذَّرَتْ الامامة فِي الدَّوَام فَأشبه مَا لَو أَحْدَثُوا وَانْصَرفُوا كلهم بعد دُخُولهمْ مَعَه قَالَ وَالْوَجْه الأول أشبه بِكَلَام أَحْمد لِأَنَّهُ قَالَ فِي رجلَيْنِ نوى كل وَاحِد مِنْهُمَا أَنه إِمَام صَاحبه صلاتهما فَاسِدَة وَكَانَ يجب على قِيَاس الثَّانِي أَن تصح صَلَاة الَّذِي أحرم ابْتِدَاء لِأَن الثَّانِي أعرض عَنهُ بَعْدَمَا انْعَقَدت تحريمته إِمَامًا انْتهى كَلَامه
وَالِاسْتِدْلَال بالمنصوص لهَذِهِ الْمَسْأَلَة فِيهِ نظر لِأَن مَسْأَلَة النَّص لَا ظَاهر فِيهَا يعْمل بِهِ فنظيره مَا لَو نوى الامامة وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ أحد وَلَكِن يحْتَمل الْحُضُور وَعَدَمه فَإِنَّهَا لَا تصح بِخِلَاف مَسْأَلَتنَا فَإِنَّهُ طَرَأَ الْبطلَان وعَلى صَلَاة الْمَأْمُوم
стр. 110
بتقدمه على الامام فَهُوَ كَمَا لَو حدث الْبطلَان بِغَيْرِهِ على مَا تقدم عِنْد ذكر صَاحب الْمُحَرر الْمَسْأَلَة
وَكَلَامهم يتَنَاوَل صَلَاة الْجِنَازَة أَيْضا وَصرح الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِيهَا بروايتين وَاخْتَارَ الْجَوَاز
فصل
قد اشْتهر أَن تَسْوِيَة الصُّفُوف أَمر مَطْلُوب للشارع وَعِنْدنَا وَعند عَامَّة الْعلمَاء أَن ذَلِك مُسْتَحبّ وَفِيه إِشْكَال فَإِن فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أنس أَنه ﵊ قَالَ سووا صفوفكم فَإِن تَسْوِيَة الصَّفّ من تَمام الصَّلَاة وَفِيهِمَا من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير أَنه ﵊ قَالَ لتسون صفوفكم أَو ليخالفن الله بَين وُجُوهكُم وَفِي لفظ أقِيمُوا صفوفكم ثَلَاثًا
وَالله لتقيمن صفوفكم أَو ليخالفن الله بَين قُلُوبكُمْ قَالَ فَرَأَيْت الرجل يلزق مَنْكِبه بمنكب صَاحبه وركبته بركبته وكعبه بكعبه إِسْنَاده صَحِيح رَوَاهُ الامام أَحْمد وَأَبُو دَاوُد قيل فِي قَوْله ليخالفن الله بَين وُجُوهكُم مَعْنَاهُ يمسخها ويحولها عَن صورتهَا كَقَوْلِه فِي الَّذِي يرفع قبل الإِمَام يَجْعَل صورته صُورَة حمَار وَقيل يُغير صفتهَا وَقيل مَعْنَاهُ يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة وَاخْتِلَاف الْقُلُوب لِأَن اخْتِلَاف الظَّاهِر سَبَب لاخْتِلَاف الْبَاطِن وَمُخَالفَة الصُّفُوف مُخَالفَة فِي الظَّاهِر وَهَذَا ظَاهر فِي الْوُجُوب وعَلى هَذَا بطلَان الصَّلَاة بِهِ مَحل نظر
وَقد قَالَ فِي شرح الْأَحْكَام الصُّغْرَى قَوْله من تَمام الصَّلَاة قد يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه مُسْتَحبّ غير وَاجِب لِأَنَّهُ لم يذكر أَنه من أَرْكَانهَا وَلَا من واجباتها
стр. 111
وَتَمام الشَّيْء زَائِد على وجود حَقِيقَته الَّتِي لَا يُسمى إِلَّا بهَا فِي مَشْهُور الِاصْطِلَاح وَقد يُطلق بِحَسب الْوَضع على بعض مَالا تتمّ الْحَقِيقَة إِلَّا بِهِ انْتهى كَلَامه
وَهَذَا اللَّفْظ دلَالَته مُحْتَملَة فَلَا ينْهض أَن يُؤْخَذ مِنْهُ خلاف مَا تقدم وروى البُخَارِيّ عَن أنس مرفعوعا أقِيمُوا صفوفكم وتراصوا فَإِنِّي أَرَاكُم من وَرَاء ظَهْري وَأخذ عدم الْوُجُوب من هَذَا مُتَوَقف على القَوْل بِدلَالَة الاقتران وَلَيْسَ مذهبا لنا ومتوقف أَيْضا على أَن التراص لَا يجب بالاجماع
فصل
والتسوية فِي الصَّفّ بمحاذاة المناكب والأكعب فِيهِ دون أَطْرَاف الْأَصَابِع ذكره المُصَنّف وَغَيره لما روى أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رصوا صفوفكم وقاربوا بَينهَا وحاذوا بَين الْأَعْنَاق إِسْنَاده صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَرووا أَيْضا والاسناد جيد عَن أنس مَرْفُوعا أَتموا الصَّفّ الأول ثمَّ الَّذِي يَلِيهِ فَإِن كَانَ نُقْصَان فَلْيَكُن فِي الصَّفّ الْمُؤخر
وَالْمَشْهُور القَوْل بِمُوجبِه وَأَن ترك الصَّفّ الأول نَاقِصا مَكْرُوه خلافًا لِابْنِ عقيل فَإِنَّهُ اخْتَار أَن لَا يكره تطوع الامام فِي مَوضِع الْمَكْتُوبَة وقاسه على ترك الصَّفّ الأول للمأمومين وَالْأول أولى وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين
وَيدخل فِي إِطْلَاق كَلَامهم لَو علم أَنه لَو مَشى إِلَى الصَّفّ الأول فَاتَتْهُ رَكْعَة وَإِن صلى فِي الصَّفّ الْمُؤخر لم تفته لَكِن فِي صُورَة نادرة وَلَا يبعد القَوْل بالمحافظة على الرَّكْعَة الْأَخِيرَة وَإِن كَانَ غَيرهَا مَشى إِلَى الصَّفّ الأول وَقد يُقَال يحافظ على الرَّكْعَة الأولى والأخيرة وَهَذَا كَمَا قُلْنَا لَا يسْعَى إِذا أَتَى الصَّلَاة للْخَبَر الْمَشْهُور وَقَالَ الامام أَحْمد فَإِن أدْرك التَّكْبِيرَة الأولى فَلَا بَأْس أَن يسْرع مَا لم يكن
стр. 112
أعجل بِفَتْح جَاءَ الحَدِيث عَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَنهم كَانُوا يعجلون شتاء إِذا تخوفوا فَوت التَّكْبِيرَة الأولى وَقد ظهر مِمَّا تقدم أَنه يعجل لإدراك الرَّكْعَة الْأَخِيرَة لَكِن هَل تقيد المسألتان بتعذر الْجَمَاعَة فِيهِ تردد
فصل
فَإِن لم يجد فُرْجَة فِي الصَّفّ وَلَا وجد أحدا يقوم مَعَه فَلهُ أَن يُنَبه من يقوم مَعَه بنحنحة أَو إِشَارَة أَو كَلَام من غير كَرَاهَة لَا يخْتَلف الْمَذْهَب فِيهِ وَهل يجذب من يقوم مَعَه نَص أَحْمد على أَنه يكره ذكره المُصَنّف وَغَيره وَذكر الشَّيْخ وَغَيره أَنه استقبحه أَحْمد وَإِسْحَاق وَهُوَ قَول مَالك وَذكر المُصَنّف أَنه أصح وَنَصره الشَّيْخ وجيه الدّين بن المنجي لِأَنَّهُ تصرف بِلَا إِذن وَلَا ولَايَة وَفِيه تَأْخِيره عَن فَضِيلَة السَّبق إِلَى الصَّفّ الأول وَذكر المُصَنّف أَن هَذَا اخْتِيَار ابْن عقيل قَالَ فِي التَّلْخِيص فِي جَوَاز ذَلِك وَجْهَان وَالَّذِي اخْتَارَهُ ابْن عقيل أَنه لَا يجوز وَهَذَا ظَاهر قَول الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَإِنَّهُ قَالَ صلى وَحده خلف الصَّفّ وَلم يدع الْجَمَاعَة وَلم يجتذب أحدا يُصَلِّي مَعَه
وَقَوله صلى وَحده هَذَا وَجه فِي الْمَذْهَب وَهُوَ قوي بِنَاء على أَن الْأَمر بالمصافة إِنَّمَا هُوَ مَعَ الْإِمْكَان واعترف ابْن عقيل أَن قَول الْأَصْحَاب الْجَوَاز وَاخْتَارَهُ فِي الْمُغنِي لقَوْل النَّبِي ﷺ لينوا فِي أَيدي إخْوَانكُمْ حَدِيث حسن رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي أُمَامَة وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر وقاسه الشَّيْخ على السُّجُود على ظهر إِنْسَان أَو على قدمه
стр. 113
عِنْد الزحام فِي الْجُمُعَة والتسوية بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ صرح بهَا جمَاعَة مِنْهُم ابْن عقيل وَصَاحب التَّلْخِيص وَهُوَ قَول مَالك وَالْمَنْقُول عَن أَحْمد السُّجُود عِنْد الزحام بِخِلَاف مَسْأَلَة الجذب لَكِن هَل السُّجُود وجوبا كَمَا صرح بِهِ جمَاعَة كَمَا هُوَ ظَاهر قَول عمر فليسجد على ظهر أَخِيه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَسَعِيد بن مَنْصُور أَو السُّجُود أولى فَقَط كَمَا رُوِيَ عَن أَحْمد وَهَذِه التَّفْرِقَة اخْتِيَار جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ وجيه الدّين لِأَنَّهُ لَا ضَرَر فِي مَسْأَلَة الزحام وَمَسْأَلَة الجذب فَلَا يُؤثر الِانْتِقَال من الصَّفّ الأول فيفوته فضيلته وَإِن كَانَ لَهُ أجر فِي وُقُوفه مَعَ الْفَذ وعَلى قَول ابْن عقيل يومي غَايَة الْإِمْكَان فِي مَسْأَلَة الزحام فَإِن احْتَاجَ إِلَى وضع يَدَيْهِ أَو رُكْبَتَيْهِ وَقُلْنَا يجوز فِي الْجَبْهَة فَوَجْهَانِ
فصل
فَإِن خرج مَعَه وَإِلَّا تَركه قَالَ مَالك لَا يتبعهُ لقَوْله ﵊ من قطع صفا قطعه الله رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَيُصلي فَذا وَلنَا أَنه لمصحة كتأخيره عَن يَمِين الإِمَام إِذا جَاءَ آخر وَيجْبر مَا يفوتهُ بسبقه إِلَى تَصْحِيح صَلَاة أَخِيه الْمُسلم وروى أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل عَن الْحسن بن عَليّ عَن يزِيد بن هَارُون عَن الْحجَّاج بن حسان عَن مقَاتل بن حَيَّان رَفعه قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ إِن جَاءَ رجل فَلم يجد أحدا فليختلج إِلَيْهِ رجلا من الصَّفّ فَليقمْ مَعَه فَمَا أعطم أجر المختلج كلهم ثِقَات وَذكره الْبَيْهَقِيّ وَغَيره
فصل
إِذا وقف الصَّبِي فِي الصَّفّ الأول أَو قرب الإِمَام فَهَل يُؤَخر قَالَ الشَّيْخ
стр. 114
مجد الدّين فَإِن وضعت جَنَازَة الْمَفْضُول بَين يَدي الإِمَام ثمَّ جِيءَ بالأفضل تَأَخّر الإِمَام إِن أمكنه ليلِي الْأَفْضَل وَإِن لم يُمكن أخرت السَّابِقَة فِي أحد الْوَجْهَيْنِ وَالثَّانِي لَا يُؤَخر وَهُوَ قَول الشَّافِعِي إِن كَانَ السَّابِق صَبيا والمسبوق رجلا مُرَاعَاة للسبق كَمَا لَا يُؤَخر السَّابِق إِلَى الصَّفّ الأول وَإِلَى قرب الإِمَام وَإِن كَانَ مفضولا قَالَ ابْن عبد الْقوي وَقد تقدم فِي صفة الصَّلَاة أَن بعض الصَّحَابَة أخر صَبيا من الصَّفّ الأول
قَالَ الشَّيْخ مجد الدّين وتؤخر هُنَا الْمَرْأَة لمجيء الرجل على المذهبين مَعًا لمَكَان الذكورية وَكَون الْمَرْأَة لَا تقف فِي صف الرِّجَال بِخِلَاف الصَّبِي انْتهى كَلَامه
وَالْوَجْه الثَّانِي اخْتِيَار القَاضِي وَالْأول اخْتِيَار الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين فِي شرح الْهِدَايَة لَو حضرت جَنَازَة امْرَأَة ثمَّ جَنَازَة رجل قدم الرجل إِلَى الْأَمَام وأخرت الْمَرْأَة لقَوْل ﵊ أخروهن من حَيْثُ أخرهن الله وَلَو حضرت جَنَازَة صبي ثمَّ حضرت جَنَازَة رجل قدم الرجل لقَوْله ليليني مِنْكُم ذَوُو الأحلام والنهى وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يُؤَخر الصَّبِي لِأَنَّهُ يجوز أَن يقف فِي صف الرِّجَال بِخِلَاف الْمَرْأَة
قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين فَإِن كَانَت من جنس وَاحِد وتفاوتوا فِي الْفَضَائِل وتعاقبوا فِي الْحُضُور فَمن سبق إِلَى قرب الإِمَام فَهُوَ أَحَق بِهِ كَمَا فِي الصَّفّ الأول فَإِنَّهُ لَا يُؤَخر عَنهُ بِحُضُور من هُوَ أفضل مِنْهُ انْتهى كَلَامه
وَظَاهر كَلَام جمَاعَة من الْأَصْحَاب أَنه لَا فرق بَين الْجِنْس والأجناس خلاف مَا ذكره الشَّيْخ وجيه الدّين كَمَا أَن ظَاهر كَلَامهم أَنه لَا فرق بَين مَسْأَلَة الْجَنَائِز وَمَسْأَلَة الصَّلَاة خلاف مَا ذكره الشَّيْخ مجد الدّين
стр. 115
فَظهر من ذَلِك أَنه هَل يُؤَخر الْمَفْضُول بِحُضُور الْفَاضِل أَولا يُؤَخر أَو يفرق بَين الْجِنْس والأجناس أَو يفرق بَين مَسْأَلَة الْجَنَائِز وَمَسْأَلَة الصَّلَاة أَقْوَال وَالْخَبَر الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن عبد الْقوي رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد عَن قيس بن عباد قَالَ أتيت الْمَدِينَة للقاء أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فأقيمت الصَّلَاة وَخرج أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَقُمْت فِي الصَّفّ الأول فجَاء رجل فَنظر فِي وُجُوه الْقَوْم فعرفهم غَيْرِي فنحاني وَقَامَ فِي مَكَاني فَمَا عقلت صَلَاتي فَلَمَّا صلى قَالَ يَا بني لَا يسؤك الله فَإِنِّي لم آتٍ الَّذِي أتيت بِجَهَالَة وَلَكِن رَسُول الله ﷺ قَالَ لنا كونُوا فِي الصَّفّ الأول الَّذِي يليني وَإِنِّي نظرت فِي وُجُوه الْقَوْم فعرفتهم غَيْرك وَكَانَ الرجل أبي بن كَعْب
وَهَذَا الْخَبَر إِن صَحَّ فَهُوَ رَأْي صَحَابِيّ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ من سبق إِلَى مَا سبق إِلَيْهِ مُسلم فَهُوَ أَحَق بِهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جَابر وَابْن عمر ﵃ أَن النَّبِي ي ﷺ نهى أَن يُقَام الرجل من مَجْلِسه وَيجْلس فِيهِ وَلَكِن تَفَسَّحُوا أَو توسعوا
قَوْله وَمن سمع التَّكْبِير وَلم ير الإِمَام وَلَا من وَرَاءه لم يَصح أَن يأتم بِهِ إِلَّا فِي الْمَسْجِد وَعنهُ لَا يَصح بِحَال وَعنهُ تصح بِكُل حَال
أطلق عدم الرُّؤْيَة وَنقض غير وَاحِد بالأعمى وَنقض المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة فَقَالَ لَو كَانَ الْحَائِل ظلمَة أَو اقْتدى ضَرِير بضرير صَحَّ مَعَ سَماع التَّكْبِير والرؤية ممتنعة وَنقض الشَّيْخ وجيه الدّين فِي شرح الْهِدَايَة بِسوَارِي الْمَسْجِد وَفِيه نظر
وَظَاهر كَلَامه فِي الْمُحَرر أَن الْخلاف الَّذِي ذكره سَوَاء اتَّصَلت الصُّفُوف أم لَا وَأَنه لَا يشْتَرط اتِّصَال الصُّفُوف مُطلقًا أما فِي غير الْمَسْجِد فَسَيَأْتِي
стр. 116
الْكَلَام فِيهِ فِي الْمَسْأَلَة بعْدهَا وَأما فِي الْمَسْجِد فَلَا يعْتَبر حَكَاهُ فِي شرح الْهِدَايَة إِجْمَاعًا وَكَذَا قطع بِهِ الْأَصْحَاب
وَظَاهر هَذَا أَنه سَوَاء كَانَ بَينهمَا حَائِل أم لَا قطع فِي شرح الْهِدَايَة أَبُو الْمَعَالِي ابْن المنجي بِأَنَّهُ إِذا حَال بَينهمَا فِي الْمَسْجِد نهر يُمكن فِيهِ السباحة والخوض مُتَعَذر غير متيسر وَلَا جسر يُمكن العبور عَلَيْهِ أَنه يجوز وَلَا يمْنَع الِاقْتِدَاء لِأَن الْمَسْجِد معد للاجتماع كَمَا لَو صلى فِي سطح الْمَسْجِد وَلَا دَرَجَة هُنَاكَ وَأَنه على روايتي الِاكْتِفَاء بِسَمَاع التَّكْبِير فِي الْمَسْجِد يشْتَرط الِاتِّصَال الْعرفِيّ الَّذِي يعد أَن يجتمعن عرفا كالاتصال فِي الصَّحرَاء انْتهى كَلَامه
وَقَالَ الْآمِدِيّ لَا خلاف فِي الْمَذْهَب أَنه إِذا كَانَ فِي اقصى الْمَسْجِد وَلَيْسَ بَينه وَبَين الإِمَام مَا يمْنَع الاستطراق والمشاهدة أَنه يَصح اقْتِدَاؤُهُ بِهِ فَإِن لم تتصل الصُّفُوف فَظَاهر هَذَا أَن مَا يمْنَع الْمُشَاهدَة يمْنَع صِحَة الِاقْتِدَاء وَهُوَ ظَاهر إِطْلَاق مَا رَوَاهُ أَبُو بكر عبد الْعَزِيز عَن عمر فِي أَن النَّهر مَانع من صِحَة الِاقْتِدَاء
فقد ظهر من هَذَا أَنه لَا يشْتَرط اتِّصَال الصُّفُوف فِي الْمَسْجِد وعَلى قَول الشَّيْخ أَبُو الْمَعَالِي يشْتَرط إِن كَانَ يمْنَع الرُّؤْيَة وَأَنه لَا يضر حَائِل غير مَانع من الرُّؤْيَة فِي الْمَسْجِد خلافًا للآمدي وَأطلق فِي الْمُحَرر الْحَائِل الْمَانِع من الرُّؤْيَة فِي الْمَسْجِد وَغَيره وَكَذَا ذكر غير وَاحِد وَقد نَص الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة الْمروزِي وَأبي طَالب فِي الْمِنْبَر إِذا قطع الصَّفّ لَا يضر
قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة فَمن أَصْحَابنَا من قَالَ هَذَا على عدم اعْتِبَار الْمُشَاهدَة فِي الْمَسْجِد فَأَما على رِوَايَة اعْتِبَارهَا فَيقطع قَالَ وَمِنْهُم من قَالَ هَذَا يجوز على كلتا الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْجُمُعَة وَنَحْوهَا للْحَاجة انْتهى كَلَامه
стр. 117
وَالرِّوَايَة الْخَاصَّة بِالْجمعَةِ عَامَّة سَوَاء كَانَ الإِمَام وَالْمَأْمُوم فِي الْمَسْجِد أَولا وَعنهُ رِوَايَة رَابِعَة أَن ذَلِك يمْنَع مِنْهُمَا فِي الْفَرْض دون النَّفْل قَالَ بعض أَصْحَابنَا فِيمَا إِذا كَانَا فِي الْمَسْجِد وَقيل إِن كَانَ الْمَانِع لمصْلحَة الْمَسْجِد صَحَّ وَإِلَّا لم يَصح وَقَالَ فِيمَا إِذا كَانَ الْمَأْمُوم فِي غير الْمَسْجِد وَعنهُ إِن كَانَ الْحَائِل حَائِط الْمَسْجِد لم يمْنَع وَغَيره يمْنَع
قَوْله فَإِذا ائتم بِهِ خَارج الْمَسْجِد وَهُوَ يرَاهُ أَو يرى من خَلفه جَازَ
وَظَاهره أَنه سَوَاء رَآهُ فِي كل الصَّلَاة أَو فِي بَعْضهَا وَهُوَ صَحِيح وَقد صرح بِهِ غير وَاحِد وَقَالَ فِي الْمُغنِي وَإِن كَانَت الْمُشَاهدَة تحصل فِي بعض أَحْوَال الصَّلَاة فَالظَّاهِر صِحَة الصَّلَاة لحَدِيث عَائِشَة كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي من اللَّيْل وجدار الْمَسْجِد قصير الحَدِيث
وَظَاهره أَيْضا أَنه لَا يشْتَرط اتِّصَال الصُّفُوف وَقد قطع بِهِ غير وَاحِد مِنْهُم القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن وَذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَنه الصَّحِيح من الْمَذْهَب وَأَنه قَول جُمْهُور الْعلمَاء كَمَا لَو كَانَا فِي الْمَسْجِد وَأَن ظَاهر قَول الْخرقِيّ أَنه يشْتَرط لظَاهِر أمره ﵊ بالدنو من الإِمَام وَقطع بِهِ الشَّيْخ فِي الْكَافِي وَقطع بِهِ الشَّيْخ وجيه الدّين أَيْضا فِي شرح الْهِدَايَة
فعلى هَذَا يرجع فِي اتِّصَال الصُّفُوف إِلَى الْعرف قطع بِهِ الشَّيْخ وجيه الدّين فَقَالَ مضبوط بِالْعرْفِ عندنَا وَقطع بِهِ أَيْضا فِي الْكَافِي فَقَالَ لَا يكون بَينهمَا بعد كثير لم تجر الْعَادة بِمثلِهِ وَهُوَ قَول الْخرقِيّ على مَا ذكره المُصَنّف وَذكر فِي التَّلْخِيص وَالرِّعَايَة أَنه يرجع فِيهِ إِلَى الْعرف أَو ثَلَاثَة أَذْرع وَقيل مَتى كَانَ بَين الصفين مَا يقوم صف آخر فَلَا اتِّصَال اخْتَارَهُ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة حَيْثُ اعْتبر اتِّصَال الصُّفُوف وَهُوَ فِي الطَّرِيق على
стр. 118
مَا سَيَأْتِي قَالَ فِي الْمُغنِي معنى اتِّصَال الصُّفُوف أَن لَا يكون بَينهمَا بعد لم تجر الْعَادة بِمثلِهِ فَلَو اقْتصر فِي الْمُغنِي على هَذَا كَانَ مثل قَوْله فِي الْكَافِي وَكَانَ وَاضحا لَكِن زَاد يمْنَع إِمْكَان الِاقْتِدَاء وَهَذِه الزِّيَادَة فِيهَا إِشْكَال
وَفهم الشَّيْخ شمس الدّين من هَذِه الزِّيَادَة أَنَّهَا تَفْسِير وَقيد الْكَلَام قبلهَا فَقَالَ فِي شَرحه معنى اتِّصَال الصُّفُوف أَن لَا يكون بَينهمَا بعد لم تجر الْعَادة بِهِ بِحَيْثُ يمْنَع إِمْكَان الِاقْتِدَاء وَتَفْسِير اتِّصَال الصُّفُوف بِهَذَا التَّفْسِير غَرِيب وَإِمْكَان الِاقْتِدَاء لَا خلاف فِيهِ
وَقَالَ الشَّافِعِي مَتى بَعدت بَينه وَبَين من وَرَاء الإِمَام لم تصح قدوته بِهِ وقدرها بِمَا زَاد على ثَلَاثمِائَة ذِرَاع وَجعل مَا دون ذَلِك قَرِيبا أخذا من مدى الغرضين فِي المفاضلة
وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين وَضَبطه الشَّافِعِي بضابط حسن بِمِائَتي ذِرَاع أَو ثَلَاثمِائَة ذِرَاع
وَظَاهر كَلَامه فِي الْمُحَرر أَنه إِن كَانَ بَينهمَا حَائِل غير مَانع من الرُّؤْيَة لَا يضر إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ على مَا سَيَأْتِي وَقيل إِن كَانَ بَينهمَا شباك وَنَحْوه لم يمْنَع فِي أصح الْوَجْهَيْنِ وَقيل بل فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ وَالْقَوْل بِأَنَّهُ يمْنَع حَكَاهُ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة عَن بعض الشَّافِعِيَّة لانْقِطَاع بعد المكانين عَن الآخر
قَوْله إِلَّا إِذا كَانَ بَينهمَا نهر تجْرِي فِيهِ السفن أَو طَرِيق لم تتصل فِيهِ الصُّفُوف فَهَل يجوز على رِوَايَتَيْنِ
اتِّصَال الصُّفُوف فِي الطَّرِيق فِيهِ الْخلاف السَّابِق إِذْ لَا أثر للطريق فِيهِ هَذَا فِيمَا اذا كَانَ لحَاجَة لعُمُوم الْبلوى بذلك فِي الْجُمُعَة والأعياد وَنَحْوهَا أَو قُلْنَا بِصِحَّة الصَّلَاة فِي الطَّرِيق مُطلقًا فَإِن قُلْنَا بِعَدَمِ الصِّحَّة وَهِي الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة
стр. 119
على مَا ذكره المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة فَحكم من وَرَاء الْوَاقِف فِي الطَّرِيق حكم من اقْتدى بِالْإِمَامِ وَبَينهمَا طَرِيق خَال
وَقَوله فَهَل يجوز على رِوَايَتَيْنِ رِوَايَة الْجَوَاز اخْتَارَهَا الشَّيْخ موفق الدّين وَذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَنه الْقيَاس لكنه ترك للأثر وَرِوَايَة الْمَنْع اخْتِيَار الْأَصْحَاب لما رُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ من صلى وَبَينه وَبَين الامام نهر أَو جِدَار أَو طَرِيق فَلم يصل مَعَ الامام وَعَن عَليّ أَنه رأى قوما فِي الرحبة فَقَالَ من هَؤُلَاءِ فَقَالُوا ضعفاء النَّاس فَقَالَ لَا صَلَاة إِلَّا فِي الْمَسْجِد وَعَن أبي هُرَيْرَة وَحَكَاهُ عَنهُ ابْن الْمُنْذر لَا جُمُعَة لمن صلى فِي رحبة الْمَسْجِد وَعَن أبي بكر أَنه رأى قوما يصلونَ فِي رحبة الْمَسْجِد فَقَالَ لَا جُمُعَة لَهُم روى هَذِه الْآثَار أَبُو بكر عبد العزيز بِإِسْنَادِهِ
وَهَذِه الْآثَار فِي صِحَّتهَا نظر وَالْأَصْل عدمهَا وَبِتَقْدِير صِحَّتهَا لَا دلَالَة لأكثرها على مَحل النزاع بل فِي أصح وَعَن الإِمَام أَحْمد يمْنَع فِي الْفَرْض خَاصَّة
وَألْحق الْآمِدِيّ بالنهر النَّار والبئر وَألْحق صَاحب الْمُبْهِج الشَّيْخ أَبُو الْفرج بذلك السَّبع وَقطع الشَّيْخ وجيه الدّين فِي شرح الْهِدَايَة بِرِوَايَة الْمَنْع كَمَا اخْتَارَهُ الْأَصْحَاب قَالَ لعدم الِاتِّصَال الْعرفِيّ وَهَذَا بناه على اخْتِيَاره فِي اعْتِبَار اتِّصَال الصُّفُوف عرفا وَالْأَصْحَاب من اعْتبر مِنْهُم وَلَا يلْزم اختلاله وَمن لم يعتبره فَلَا إِشْكَال عَلَيْهِ عِنْده قَالَ وَأما الطَّرِيق المختصة بعبور الرجل والساقية الَّتِي يُمكن خوضها فَلَيْسَ بمانع وَلَا قَاطع عرفا
قَوْله وَلَا بَأْس باليسير من ذَلِك
стр. 120
كَذَا ذكر جمَاعَة وَأطلق فِي الْمُسْتَوْعب وَالْمذهب وَغَيرهمَا كَرَاهَة الْعُلُوّ الْيَسِير قطع المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَالشَّيْخ موفق الدّين بِأَنَّهُ كدرجة الْمِنْبَر وَنَحْوهَا وَذكر القَاضِي أَنه يكره بِذِرَاع أَو أَزِيد وَقطع بِهِ فِي الرِّعَايَة وَلَعَلَّه يُقَارب معنى القَوْل الَّذِي قبله وَقطع الشَّيْخ وجيه الدّين فِي شرح الْهِدَايَة بِأَن قدر الِارْتفَاع الْمَكْرُوه قدر قامة الْمَأْمُوم لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يحْتَاج إِلَى رفع رَأسه ليعلم انتقالات إِمَامه وَرفع رَأسه مَكْرُوه وَمَا دون ذَلِك فَلَا يكره لعدم الْحَاجة إِلَى رفع رَأسه الْمُوجب للكراهة
قَوْله وَلَا يكره الْوُقُوف بَين السَّوَارِي إِلَّا لصف تقطعه
وَلم يتَعَرَّض لمقدار مَا يقطع الصَّفّ وَكَأَنَّهُ يرجع فِيهِ إِلَى الْعرف وَشرط بعض أَصْحَابنَا أَن يكون عرض السارية الَّتِي تقطع الصَّفّ ثَلَاثَة أَذْرع وَإِلَّا فَلَا يثبت لَهَا حكم الْقطع وَلَا حكم الْخلَل ذكره الشَّيْخ وجيه الدّين وَهَذَا القَوْل هُوَ معنى قَول من قَالَ من الْأَصْحَاب إِن من وقف عَن يسَار الامام وَكَانَ بَينه وَبَينه مَا يقوم فِيهِ ثَلَاثَة رجال لَا تصح صلَاته لِأَن الرجل يقوم فِي مقاربة ذِرَاع والتحديد بَابه التَّوْقِيف وَلَا تَوْقِيف هُنَا وَمَتى دعت الْحَاجة إِلَى الْوُقُوف بَين السَّوَارِي فَلَا كَرَاهَة قطع بِهِ جمَاعَة مِنْهُم المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة كَالصَّلَاةِ فِي طاق الْقبْلَة وَاسْتثنى فِي الْمُحَرر الْحَاجة فِيهِ دون هَذِه
وَالظَّاهِر أَنه غير مُرَاد وَكَأَنَّهُ تبع غَيره على الْعبارَة
قَوْله وَإِذا عجز الْمَرِيض عَن الْقيام صلى جَالِسا
стр. 121
لَيْسَ الحكم مُخْتَصًّا بِالْعَجزِ فَلَو قدر على الْقيام لَكِن خشِي زِيَادَة مرض أَو ضعف أَو تباطؤ برْء وَنَحْو ذَلِك صلى جَالِسا كَمَا قُلْنَا فِي الصّيام وطهارة المَاء على الصَّحِيح قَالَ الْغَمَام أَحْمد إِذا كَانَ قِيَامه مِمَّا يوهنه ويضعفه صلى قَاعِدا وَقَالَ أَيْضا إِذا كَانَت صلَاته قَائِما توهنه وتضعفه فَأحب إِلَى أَن يُصَلِّي قَاعِدا وَعَن الإِمَام أَحْمد لَا يجلس إِلَّا إِن عجز أَن يقوم لدنياه
وَإِطْلَاق كَلَامه فِي الْمُحَرر يَقْتَضِي أَنه لَو قدر على الْقيام باعتماده على شَيْء أَنه يلْزمه وَصرح بِهِ جمَاعَة وَقَالَ ابْن عقيل لَا يلْزمه أَن يكتري من يقيمه ويعتمد عَلَيْهِ وَإِطْلَاق كَلَامه أَيْضا يَقْتَضِي أَنه إِن أمكنه الصَّلَاة قَائِما مُنْفَردا وَفِي الْجَمَاعَة جَالِسا أَنه يُصَلِّي قَائِما مُنْفَردا وَقدمه الشَّيْخ وجيه الدّين لِأَنَّهُ ركن مُتَّفق عَلَيْهِ وَالْجَمَاعَة مُخْتَلف فِي وُجُوبهَا وَقيل بل يُصَلِّي قَاعِدا جمَاعَة لِأَن الصَّحِيح يُصَلِّي قَاعِدا خلف إِمَام الْحَيّ الْمَرِيض لأجل الْمُتَابَعَة وَالْجَمَاعَة وَالْمَرِيض أولى وَقيل بل يُخَيّر بَين الْأَمريْنِ قطع بِهِ فِي الْكَافِي وَقدمه غير وَاحِد لِأَنَّهُ يفعل فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا وَاجِبا وَيتْرك وَاجِبا وَلِأَن الْقيام إِنَّمَا يجب حَالَة الْأَدَاء فَإِذا أَدَّاهَا فِي الْجَمَاعَة فقد عجز عَنهُ حَالَة الْأَدَاء قطع المُصَنّف بِهَذَا فِي شرح الْهِدَايَة وَذكره عَن الشَّافِعِي وَظَاهر قَول الْحَنَفِيَّة وَاحْتج بِأَن مصلحَة الْجَمَاعَة أَكثر أجرا ومصلحة من الْقيام لِأَن صَلَاة الْقَاعِد على النّصْف من صَلَاة الْقَائِم وتفضل صَلَاة الْجَمَاعَة على صَلَاة الْفَذ بِخمْس وَعشْرين ضعفا
وَإِطْلَاق كَلَامه أَيْضا يَقْتَضِي أَنه إِذا أمكنه الْقيام فِي صُورَة الرَّاكِع أَنه لَا يلْزمه وَلَيْسَ كَذَلِك بل يلْزمه لِأَنَّهُ قيام مثله بِخِلَاف مَا لَو كَانَ لغير آفَة بِهِ كمن فِي بَيت قصير سقفه أَو خَائِف من عَدو يعلم بِهِ إِذا انتصب ويمكنه أَن يستوى جَالِسا فَإِنَّهُ يُصَلِّي جَالِسا على مَنْصُوص الامام أَحْمد لعدم
стр. 122
الِاسْتِطَاعَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن وَيُفَارق الَّذِي قبله لِأَنَّهُ إِن جلس جلس منحنيا فَإِذا لم يكن بُد من الانحناء فقيامه أولى لِأَنَّهُ الأَصْل
وَإِطْلَاق كَلَامه أَيْضا يقتضى أَنه لَو صَامَ فِي رَمَضَان صلى قَاعِدا وَإِن أفطر صلى قَائِما أَنه يُصَلِّي قَائِما وَقطع الشَّيْخ وجيه الدّين بِأَنَّهُ يَصُوم وَيُصلي قَاعِدا لما فِيهِ من الْجمع بَينهمَا
وَإِطْلَاق كَلَامه أَيْضا يَقْتَضِي أَنه لَو صلى قَائِما امْتنعت عَلَيْهِ الْقِرَاءَة أَو لحقه سَلس الْبَوْل وَلَو صلى قَاعِدا امْتنع السلس أَنه يُصَلِّي قَائِما وَقطع الشَّيْخ وجيه الدّين بِأَنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدا لسُقُوط الْقيام فِي النَّفْل وَلَا صِحَة مَعَ ترك الْقِرَاءَة وَالْحَدَث
والنادر وَإِن دخل فِي كَلَام الْمُكَلف فَالظَّاهِر عدم إِرَادَته لَهُ وَهَذِه الصُّورَة أَو بَعْضهَا من النَّوَادِر
قَوْله فَإِن عجز أَوْمَأ بطرفه واستحضر الْأَفْعَال بِقَلْبِه
وَبِهَذَا قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَعَن أَحْمد تسْقط وضعفها الْخلال وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وللقول الأول أَدِلَّة ضَعِيفَة يطول ذكرهَا وَبَيَان ضعفها وَلَا يخفى ضعفها عِنْد المتأمل وَقد اعْتبر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة هَذِه الْمَسْأَلَة بالأسير إِذا خافهم على نَفسه فَصَارَ بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ التَّحْرِيم خوفًا مِنْهُم وَجعلهَا أصلا لَهَا فِي عدم سُقُوط الصَّلَاة لعَجزه عَن الْأَفْعَال فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَكَذَلِكَ عندنَا وَعند مَالك وَالشَّافِعِيّ إِن عجز أَن يومىء بطرفه وَأمكنهُ أَن يَنْوِي ويستحضر أَفعَال الصَّلَاة بِقَلْبِه لزمَه ذَلِك ذكره المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة
وَمرَاده بِأَفْعَال الصَّلَاة القولية والفعلية إِن عجز عَن القولية بِلِسَانِهِ وَكَذَا قطع بِهِ الشَّيْخ وجيه الدّين قَالَ ابْن عقيل إِذا كَانَ الرجل أحدب يجدد من قلبه عِنْد قصد الرُّكُوع إِنَّمَا يقْصد بِهِ الرُّكُوع لِأَنَّهُ لَا يقدر على فعله كَمَا يفعل الْمَرِيض الَّذِي
стр. 123
لَا يُطيق الْحَرَكَة يجدد لكل فعل وركن قصدا بِقَلْبِه أنْتَهى كَلَامه
وَقطع بَعضهم بِأَنَّهُ إِذا عجز عَن الصَّلَاة مُسْتَلْقِيا أَنه يومىء بطرفه وَيَنْوِي بِقَلْبِه
فَلَعَلَّ مُرَاده أَن يَنْوِي الصَّلَاة بِقَلْبِه ويستحضرها فِي ذهنه إِلَى آخرهَا كَمَا ذكره غَيره واقتصاره على هَذَا يُوهم أَنه إِذا عجز عَن الْإِيمَاء بطرفه تسْقط الصَّلَاة مَعَ ثبات عقله وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ قَالَ وَيَنْوِي بِقَلْبِه وَمن عجز عَن بعض الْمَطْلُوب أَتَى بِالْبَعْضِ الآخر
وَذكر فِي الْمُسْتَوْعب أَنه يومىء بطرفه أَو بِقَلْبِه وَظَاهره الِاكْتِفَاء بِعَمَل الْقلب وَلَا يجب الْإِيمَاء بالطرف وَلَيْسَ بِبَعِيد وَلَعَلَّ مُرَاده أَو بِقَلْبِه أَن عجز عَن الْإِيمَاء بطرفه
وَقَالَ فِي الْمقنع فَإِن عجز أَوْمَأ بطرفه وَلَا تسْقط الصَّلَاة وَكَذَا فِي الْكَافِي وَزَاد مَا دَامَ عقله ثَابتا فَيحْتَمل أَنه أَرَادَ إِذا عجز عَن الْإِيمَاء بطرفه سَقَطت الصَّلَاة وَيكون قَوْله وَلَا تسْقط الصَّلَاة مَا دَامَ عقله ثَابتا يَعْنِي على الْوَجْه الْمَذْكُور وَهُوَ قدرته على الْإِيمَاء بطرفه وَهَذَا قَول الْحسن بن زِيَاد الْحَنَفِيّ
وَيدل على هَذَا أَن الظَّاهِر أَنه يَنْوِي بِقَلْبِه مَعَ الْإِيمَاء بطرفه وَلم يذكرهَا وَقد يدل على هَذَا الِاحْتِمَال الثَّانِي وَهُوَ أَنه إِذا عجز عَن الْإِيمَاء بطرفه نوى بِقَلْبِه كَمَا ذكره غَيره واستحضر أَفعَال الصَّلَاة بِقَلْبِه
قَوْله وَلَا يُؤَخر الصَّلَاة مَا لم يغم عَلَيْهِ
يَعْنِي وَيَقْضِي على أصلنَا وَقَالَ جمَاعَة وَلَا تسْقط الصَّلَاة مَا دَامَ عقله ثَابتا ومرادهم بالسقوط التَّأْخِير
стр. 124
قَوْله وَيجوز لمن بِهِ رمد أَن يُصَلِّي مُسْتَلْقِيا إِذا قَالَ ثِقَات الطِّبّ إِنَّه يَنْفَعهُ
لَيْسَ حكم الْمَسْأَلَة مُخْتَصًّا بِمن بِهِ رمد بل من فِي مَعْنَاهُ حكمه حكمه فَإِذا قيل لَهُ إِن صليت مُسْتَلْقِيا زَالَ مرضك أَو أمكن مداواتك فَلهُ ذَلِك وَاحْتج على هَذَا بِأَنَّهُ فرض للصَّلَاة فَإِذا خَافَ الضَّرَر مِنْهُ أَو رجى الْبُرْء بِتَرْكِهِ سقط كالطهارة بِالْمَاءِ فِي حق الْمَرِيض وَلِأَنَّهُ يُبَاح لَهُ الْفطر فِي رَمَضَان لأجل ذَلِك إِذا خشى الضَّرَر بِالصَّوْمِ فَفِي ركن الصَّلَاة أولى وَلِأَنَّهُ يجوز ترك الْجُمُعَة وَالصَّلَاة على الرَّاحِلَة لخوف تأذيه بالمطر والطين فِي بدنه أَو ثِيَابه فَترك الْقيام لدفع ضَرَر يَنْفَعهُ الْبَصَر أَو غَيره أولى
وَيعرف من أصُول هَذِه الأقيسة أَن الْمَسْأَلَة يخرج فِيهَا خلاف فِي الْمَذْهَب وفَاقا لمَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي عدم الْجَوَاز لِأَن أُصُولهَا أَو أَكْثَرهَا فِيهِ خلاف مَرْجُوح فِي الْمَذْهَب فَوَقع الْكَلَام فِيهَا على الرَّاجِح الْمَقْطُوع بِهِ عِنْد غير وَاحِد
وَذكر فِي الْكَافِي الْمَسْأَلَة فِي الرمد كَا ذكرهَا هُنَا وَاحْتج بِمَا ذكره غَيره من أَنه روى أَن أم سَلمَة تركت السُّجُود لرمد بهَا وَلِأَنَّهُ يخَاف مِنْهُ الضَّرَر أشبه الْمَرَض كَذَا قَالَ
وَقَوله إِذا قَالَ ثِقَات الطِّبّ لَا يعْتَبر قَول ثِقَات الطِّبّ كلهم وَلم أجد تَصْرِيحًا بِاعْتِبَار قَول ثَلَاثَة بل هُوَ ظَاهر كَلَام جمَاعَة قَالَ الشَّيْخ زين الدّين بن منجا وَلَيْسَ بِمُرَاد لِأَن قَول الِاثْنَيْنِ كَاف صرح بِهِ المُصَنّف وَغَيره يَعْنِي بالمصنف الشَّيْخ موفق الدّين وَقدم فِي الرِّعَايَة أَنه يقبل قَول وَاحِد وَقد قَالَ أَبُو الْخطاب
стр. 125
فِي الِانْتِصَار فِي بحث مَسْأَلَة التَّيَمُّم لخوف زِيَادَة الْمَرَض قَالَ الْمُعْتَبر بِالظَّاهِرِ وَغَلَبَة الظَّن إِذا اتّفق جمَاعَة من الْأَطِبَّاء على أَنه بترك المَاء يَأْمَن زِيَادَة الْمَرَض والشين المقبح صَار ذَلِك عذرا فِي التّرْك كالمتيقن انْتهى كَلَامه
وثقات الطِّبّ يُعْطي اعْتِبَار إسْلَامهمْ وَهُوَ مُصَرح بِهِ وَيُعْطى الْعلم بِهِ وَيُعْطى أَيْضا الْعَدَالَة لِأَن الْفَاسِق لَيْسَ بِثِقَة وَلَا مؤتمن وَيَنْبَغِي أَن يَكْتَفِي بمستور الْحَال
وَقد احْتج من قَالَ بِالْمَنْعِ فِي الْمَسْأَلَة بِمَا ذكره ابْن الْمُنْذر وَغَيره عَن ابْن عَبَّاس أَنه لما كف بَصَره أَتَاهُ رجل فَقَالَ لَو صبرت على سَبْعَة أَيَّام لم تصل إِلَّا مُسْتَلْقِيا رَجَوْت أَن تَبرأ فَأرْسل إِلَى عَائِشَة وَأبي هُرَيْرَة وَغَيرهمَا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فكلهم قَالَ أَرَأَيْت إِن مت فِي هَذِه السَّبْعَة مَا الَّذِي تصنع بِالصَّلَاةِ فَترك معالجة عَيْنَيْهِ
وَأجَاب فِي الْمُغنِي بِأَنَّهُ إِن صَحَّ فَيحْتَمل أَن الْمخبر لم يخبر بِخَبَر عَن يَقِين وَإِنَّمَا قَالَ أَرْجُو وَأَنه لم يقبل خَبره لكَونه وَاحِدًا أَو مَجْهُول الْحَال بِخِلَاف مَسْأَلَتنَا وَهَذَا يدل على أَنه لَا يَكْفِي قَول وَاحِد وَلَا مَجْهُول الْحَال وَظَاهره سَوَاء جهلت عَدَالَته أَو علم وَأَنه لَا بُد من جزم الطَّبِيب بذلك
وَقَالَ المُصَنّف الظَّاهِر أَنهم يئسوا من عود بَصَره بعد ذَهَابه وَلم يثقوا بقول الْمخبر لقصوره أَو للْجَهْل بِحَالهِ أَو لغير ذَلِك
وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين وَأما ابْن عَبَّاس فَكَانَ الْمخبر وَاحِدًا وَالْبَصَر مكفوف فَطلب عودته لم يخف زِيَادَة مرض وَلَا تباطؤ برْء
قَوْله خير بَين قصر الرّبَاعِيّة
стр. 126
لَو قَالَ إِلَى رَكْعَتَيْنِ كَمَا قَالَ بَعضهم كَانَ أولى لِأَنَّهُ مَمْنُوع من صَلَاة الرّبَاعِيّة ثَلَاثًا قَالَ ابْن عقيل وَغَيره وَإِذا صلى الْمُسَافِر الرّبَاعِيّة ثَلَاثًا ثمَّ سلم مُتَعَمدا بطلت صلَاته كَمَا لَو مسح على أحد خفيه ثمَّ غسل الرجل الْأُخْرَى
قَوْله أَو أخر الْمُسَافِر صلَاته عمدا حَتَّى خرج وَقتهَا أَو ضَاقَ عَنْهَا لزمَه أَن يتم
كَذَا ذكر هَذِه الْمَسْأَلَة وَلم أجد أحدا ذكرهَا قبله وَكَلَامه فِي شرح الْهِدَايَة يدل على أَنه لم يجد أحدا من الْأَصْحَاب ذكرهَا فَإِنَّهُ قَالَ هُوَ كالناسي لذَلِك فِي مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَظَاهر تَقْيِيد أَصْحَابنَا بِذكر النَّاسِي فِي ذَلِك يَعْنِي وَإِن نسي صَلَاة سفر فَذكرهَا فِيهِ أَو فِي سفر آخر الْمَسْأَلَة قَالَ وَفِي مَسْأَلَة تغلب الْإِتْمَام فِيمَن نسي صَلَاة فِي سفر فَذكرهَا فِي الْحَضَر يدلان على أَن الْقصر لَا يجوز هَهُنَا وَهُوَ ظَاهر كَلَام بن أبي مُوسَى فَإِنَّهُ قَالَ إِذا دخل وَقت صَلَاة على مُقيم يُرِيد السّفر فارتحل قبل أَدَائِهَا ثمَّ أَدَّاهَا فِي السّفر ووقتها بَاقٍ فَلهُ الْقصر وَإِن لم يصلها حَتَّى خرج وَقتهَا أتمهَا لَا يُجزئهُ غير ذَلِك
وَوجه ذَلِك أَن الْقصر رخصَة يخْتَص بصلوات السّفر مَعُونَة عَلَيْهَا وعَلى مشاقه فَوَجَبَ أَن تخْتَص بِمن فعلهَا الْفِعْل الْمَأْذُون فِيهِ وَلم يؤخرها تَأْخِيرا محرما كَمَا اخْتصّت بِالسَّفرِ غير الْمحرم وعَلى هَذِه الْمَسْأَلَة يحمل قَول القَاضِي فِي الْخِصَال فَإِن كَانَ قَاضِيا لَهَا أَو لبعضها لم يجز لَهُ الْقصر تَوْفِيقًا بَينه وَبَين الْجَوَاز للناسي فِي سَائِر صِفَاته
стр. 127
وَيحْتَمل أَن يحمل كَلَام القَاضِي فِي الْخِصَال على ظَاهره فَلَا يجوز قصر فَائِتَة بِحَال كَأحد قولي الشَّافِعِي فقد نقل الْمروزِي مَا يدل عَلَيْهِ فَقَالَ سَأَلت أَبَا عبد الله عَمَّن نسي صَلَاة فِي السّفر فَذكرهَا فِي الْحَضَر قَالَ يُصَلِّي أَرْبعا فِي السّفر ذكرهَا أَو فِي الْحَضَر انْتهى كَلَامه
وَعُمُوم كَلَام الْأَصْحَاب يدل على جَوَاز الْقصر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَصرح بِهِ بَعضهم ذكره فِي الرِّعَايَة وَجها وَهُوَ ظَاهر اخْتِيَاره فِي الْمُغنِي فَإِنَّهُ ذكر عَن بعض الْأَصْحَاب أَن من شَرط الْقصر كَون الصَّلَاة مُؤَدَّاة لِأَنَّهَا صَلَاة مَقْصُورَة فَاشْترط لَهَا الْوَقْت كَالْجُمُعَةِ وَهَذَا فَاسد لِأَنَّهُ اشْتِرَاط بِالرَّأْيِ والتحكم وَالْجُمُعَة اشْترط لَهَا شُرُوط فَجَاز أَن يشْتَرط لَهَا الْوَقْت بِخِلَاف هَذِه وَإِطْلَاق كَلَامه يَقْتَضِي أَنه لَا فرق بَين التعمد وَالنِّسْيَان وَلَو فرق الحكم لبينه هُوَ وَغَيره من الْأَصْحَاب وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ وَأما التَّقْيِيد بالناسي فَإِنَّهُ وَقع على الْغَالِب لِأَن الْغَالِب فِي الْمُسلم الْمُصَلِّي عدم تَأْخِير الصَّلَاة عَن وَقتهَا لَا لِأَن حَالَة الْعمد تحالف حَالَة النسْيَان فِي ذَلِك وَلِهَذَا وَقع التَّقْيِيد بِالنِّسْيَانِ فِي كتب عَن الْأَصْحَاب من أهل الْمذَاهب وَلما صَرَّحُوا بِحَالَة الْعمد صَرَّحُوا بِأَنَّهَا كحالة النسْيَان فِي هَذَا الحكم وَإِن افْتَرقَا فِي الْإِثْم وَعَدَمه وَأما كَلَام ابْن أبي مُوسَى فَإِنَّمَا هُوَ فِيمَن سَافر بعد دُخُول وَقت صَلَاة فسافر قبل فعلهَا فَإِن فعلهَا مَعَ بَقَاء وَقتهَا قصرهَا وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا هُوَ الرِّوَايَة الثَّالِثَة عَن إمامنا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَلم يذكرهَا المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة بل حكى عَن بعض الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لَا يقصرها مُطلقًا وَهُوَ الْمَشْهُور وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى يقصرها مُطلقًا حَكَاهَا ابْن عقيل وَهِي قَول الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُسْتَوْعب وَمن سَافر بعد دُخُول الْوَقْت لم يجز لَهُ قصرهَا سَوَاء سَافر فِي أول وَقتهَا أَو فِي
стр. 128
آخِره وَسَوَاء صلاهَا فِي وَقتهَا أَو بعد خُرُوجه وَعنهُ إِن صلاهَا فِي السّفر فِي وَقتهَا جَازَ لَهَا قصرهَا وَإِن لم يصلها حَتَّى خرج وَقتهَا لزمَه إِتْمَامهَا واختارها ابْن أبي مُوسَى فَمَتَى لم يبْق من الْوَقْت مَا يَتَّسِع لفعل جَمِيعهَا أَربع رَكْعَات لم يجز لَهُ الْقصر قولا وَاحِدًا وَهُوَ معنى قَول القَاضِي فِي الْخِصَال لَا يكون قَاضِيا لَهَا وَلَا لبعضها وَكَذَا إِذا سَافر بعد مَا بقى من وَقتهَا مَا يَتَّسِع لفعل جَمِيعهَا لم يجز لَهُ الْقصر انْتهى كَلَامه
وَأما أعتبار هَذِه الْمَسْأَلَة بِالسَّفرِ الْمحرم فِيهِ نظر ظَاهر لِأَن السّفر الْمحرم سَبَب للترخص وَلَا تُبَاح الرُّخص بالأسباب الْمُحرمَة لما فِيهِ من الْإِعَانَة على فعل الْمحرم وَأما هُنَا فَلَيْسَ تَأْخِيره الْمحرم سَببا لرخصة الْقصر حَتَّى يُقَال يلْزم من القَوْل بِهِ ثُبُوت الرُّخْصَة مَعَ تَحْرِيم سَببهَا وَأكْثر مَا فِيهِ أَنه أَتَى بهَا على وَجه محرم وَهَذَا لَا يمْنَع رخصَة الْقصر الَّتِي وجد سَببهَا كَمَا لَو أَتَى بهَا بِغَيْر أَذَان وَلَا إِقَامَة أَو مُنْفَردا مَعَ قدرته على الْجَمَاعَة أَو غير ذَلِك من الْأُمُور الْمُحرمَة
قَوْله وَمن نوى الْإِقَامَة فِي بلد
يَعْنِي يشْتَرط فِي الْإِقَامَة الَّتِي تقطع السّفر إِذا نَوَاهَا الامكان بِأَن يكون مَوضِع لبث وقرار فِي الْعَادة فعلى هَذَا لَو نوى الاقامة بِموضع لَا يُمكن لم يضر لِأَن الْمَانِع نِيَّة الْإِقَامَة فِي بَلَده وَلم تُوجد وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين من أَصْحَابنَا فِي شرح الْهِدَايَة فَإِن كَانَ لَا تتَصَوَّر الاقامة فِيهَا أصلا كالمفازة فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا يقصر لِأَنَّهُ نوى الاقامة وَتعرض للهلاك بِقطع السّفر وَالثَّانِي يقصر لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ الْوَفَاء بِهَذِهِ النِّيَّة للتعذر فلغت وَبَقِي حكم السّفر الأول مستداما
стр. 129
قَوْله والفيج
قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين هُوَ السَّاعِي وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي نهايته الفيج هُوَ المسرع فِي مَشْيه الَّذِي يحمل الْأَخْبَار من بلد إِلَى بلد وَالْجمع فيوج وَهُوَ فَارسي مُعرب وَقَالَ ابْن عبد الْقوي وَهُوَ الرَّاعِي المتنقل وَقيل الْبَرِيد
قَوْله المسافرون بأهليهم دهرهم
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي بن منجا شَرط أَبُو الْخطاب أَن يكون مَعَهم أَهْليهمْ وَلَا نِيَّة لَهُم فِي الْمقَام فِي مقَام يقصدونه وَقَالَ القَاضِي لَيْسَ ذَلِك بِشَرْط بل الْمُعْتَبر أَن لَا يكون لَهُ وَطن يأوي إِلَيْهِ ويقصده وَهَذَا مِنْهُ يُوهم أَن الْمَسْأَلَة على وَجْهَيْن وَقد يُقَال لَيْسَ كَذَلِك لِأَن مُرَاد من ذكر الْأَهْل إِذا كَانَ لَهُ أهل لِأَنَّهُ لَا فرق بَين السائحين المجردين الَّذين يتسمون بالفقراء العزاب الَّذين دأبهم السّير فِي الأَرْض غير ناوين إِقَامَة بِبَلَد وَبَين الملاح وَنَحْوه الَّذين مَعَهم أهلهم وَقَالَ ابْن عبد الْقوي أطلق القَاضِي الحكم وَلَا بُد من تَقْيِيده بكونهم يستصحبون أهلهم ومصالحهم وَفِي كَلَام الإِمَام أَحْمد الْإِشَارَة إِلَيْهِ قَالَ ذكر ذَلِك ابْن عقيل فِي عمد الْأَدِلَّة
وَقَوله إِذا لم ينووا إِقَامَة بِبَلَد لَا يقصرون هَذَا هُوَ مَذْهَب الإِمَام أَحْمد الْمَنْصُوص عَنهُ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابه لِأَنَّهُ غير ظاعن عَن وَطنه وَأَهله أشبه الْمُقِيم وَلِأَنَّهُ فِي حكم الْمُقِيم بِدَلِيل أَن امْرَأَته تَعْتَد عدَّة الطَّلَاق مَعَه وَلِأَن السّفر لَا يسْقط الصَّوْم وَإِنَّمَا يجوز تَأْخِيره عَنهُ وقضاؤه فِي غَيره لمَشَقَّة أَدَائِهِ فَإِذا كَانَ الْأَدَاء وَالْقَضَاء فِي ذَلِك سَوَاء كَانَ جَوَاز التَّأْخِير عَن الْوَقْت الْمعِين عَبَثا فَلَا يجوز
стр. 130
وَعند أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ يجوز لهَؤُلَاء الْقصر وَالْفطر للعمومات وَهِي إِنَّمَا تتَنَاوَل من لَهُ إِقَامَة وسفر فَإِنَّهُ الْمُتَبَادر إِلَى الأفهام هَذَا جَوَاب بَعضهم كالمصنف وَجَوَاب بَعضهم المُرَاد بهَا الظاعن عَن منزله وَهَذَا كَأَنَّهُ يسلم تنَاولهَا ويخصصها بِمَا تقدم وَاخْتَارَ الشَّيْخ موفق الدّين وَالشَّيْخ وجيه الدّين منع الملاح وَالْجَوَاز لغيره لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُم اسْتِصْحَاب الْأَهْل ومصالح الْمنزل فِي السّفر وَإِن أمكن فَفِيهِ زِيَادَة مشقة فهم فِي هَذِه الْحَال أبلغ فِي اسْتِحْقَاق التَّرَخُّص بِخِلَاف الملاح وَأما أَن كَانَ للملاح وَنَحْوه وَطن أَو منزل يأوون إِلَيْهِ فِي وَقت ترخصوا بِلَا إِشْكَال
قَوْله وَهُوَ فِي وَقت الثَّانِيَة أفضل
ظَاهره الْعُمُوم فِي حق كل من جَازَ لَهُ الْجمع وَلَا يَخْلُو من نظر وَفِي مَسْأَلته خلاف وتفصيل ذكره
قَوْله وَيشْتَرط لَهُ فِي وَقت الأولى أَن ينويه عِنْد افتتاحها ويقدمها على الثَّانِيَة
لم أجد فِي هَذِه الْمَسْأَلَة خلافًا مَعَ أَن بعض الْأَصْحَاب لم يذكر هَذَا الشَّرْط مَعَ ذكره شُرُوط الْجمع وَكَأَنَّهُ اكْتفى بِعُمُوم اشْتِرَاطه فِي بَاب الْأَوْقَات يُؤَيّد هَذَا أَن بَعضهم لم يذكرهُ هُنَا مَعَ أَنه جعله أصلا فِي وجوب تَرْتِيب الْفَوَائِت وَلَا يسْقط بِالنِّسْيَانِ وَهَذَا مَذْهَب الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَلَا نعلم فِيهِ مُخَالفا لِأَن الثَّانِيَة لم يدْخل وَقت وُجُوبهَا وَإِنَّمَا جوز فعلهَا تبعا للأولى
стр. 131
فَإِذا لم تُوجد الأولى لم يكن وجود تابعها وَهَذَا بِخِلَاف تَرْتِيب الْفَوَائِت حَيْثُ نسقطه بِالنِّسْيَانِ لِأَن الصَّلَاتَيْنِ هُنَاكَ قد وجبتا واستقرتا وَلَيْسَ إِحْدَاهمَا تبعا لِلْأُخْرَى
قَوْله وَأَن لَا يفرق بَينهمَا إِلَّا بِقدر الْإِقَامَة وَالْوُضُوء
تعْتَبر الْمُوَالَاة بَينهمَا لِأَن حَقِيقَته ضم الشَّيْء وَلَا يحصل مَعَ التَّفْرِيق الْكثير واليسير لَا يُمكن التَّحَرُّز مِنْهُ أَو يعسر جدا فَلم يمْنَع وَحكى القَاضِي أَنه يمْنَع وَقد نقل أَبُو الْخطاب فِي الِانْتِصَار على جَوَاز التَّفْرِيق فِي الْمُوَالَاة فِي الْوضُوء قَالَ كَمَا فِي الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ والمرجع فِي الْيَسِير وَالْكثير إِلَى الْعرف اخْتَارَهُ جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ موفق الدّين لِأَن هَذَا شَأْن مَا لم يرد الشَّرْع بتقديره وَقدره بَعضهم بِقدر الْإِقَامَة وَالْوُضُوء
قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة مرد كَثْرَة التَّفْرِيق الْعرف وَالْعَادَة وَإِنَّمَا قرب تحديده بِالْإِقَامَةِ وَالْوُضُوء لِأَن الْإِقَامَة هَذَا محلهَا وَالْوُضُوء قد يحْتَاج إِلَيْهِ فِيهِ وهما من مصَالح الصَّلَاة وَلَا تَدْعُو الْحَاجة غَالِبا إِلَى غير ذَلِك وَلَا إِلَى تَفْرِيق أَكثر مِنْهُ وَهَذَا إِذا كَانَ الْوضُوء خَفِيفا فَأَما من طَال وضوءه بِأَن يكون المَاء مِنْهُ على بعد بِحَيْثُ يطول الزَّمَان فَإِنَّهُ يبطل جمعه
قَوْله وَالتَّرْتِيب ظَاهره أَن التَّرْتِيب هُنَا كالترتيب إِذا جمع فِي وَقت الأولى وَجعل فِي الْكَافِي التَّرْتِيب بَين المجموعتين أصلا لمن قَالَ بِعَدَمِ سُقُوط التَّرْتِيب فِي قَضَاء الْفَوَائِت وَكَذَلِكَ فِي الْمُغنِي وَكَذَلِكَ أَبُو الْمَعَالِي فِي شرح الْهِدَايَة
стр. 132
وَهَذَا ظَاهر كَلَام جمَاعَة من الْأَصْحَاب وَهَذَا يدل على أَن الْمَذْهَب أَنه لَا يسْقط بِالنِّسْيَانِ وَفِي الرِّعَايَة قَالَ لَا يسْقط بِالنِّسْيَانِ فِي الْأَصَح لِأَن النسْيَان هُنَا لَا يتَحَقَّق لِأَنَّهُ لَا بُد من نِيَّة الْجمع بَينهمَا فَلَا يُمكن ذَلِك مَعَ نِسْيَان أَحدهمَا وَلِأَن اجْتِمَاع الْجَمَاعَة يمْنَع النسْيَان إِذْ لَا يكَاد الْجَمَاعَة ينسون الأولى
وَقَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَالتَّرْتِيب مُعْتَبر هُنَا لَكِن بِشَرْط الذّكر كترتيب الْفَوَائِت لِأَن الصَّلَاتَيْنِ قد استقرتا فِي الذِّمَّة واجبتين فَلذَلِك سقط بَينهمَا بِالنِّسْيَانِ كالفائتتين بِخِلَاف الْجمع بَينهمَا فِي وَقت الأولى ووافقنا على ذَلِك أَبُو حنيفَة وَإِسْحَاق وَمذهب الشَّافِعِي أَن التَّرْتِيب هُنَا لَا يجب كمذهبه فِي الْفَوَائِت ولأصحابه وأصحابنا وَجه بِاعْتِبَار هَذَا مُطلقًا وَفَائِدَته أَنه مَتى أخل بِهِ بَطل حكم الْجمع وَوَقعت الظّهْر قَضَاء عِنْدهم وَكَذَلِكَ عندنَا إِذا كَانَ نَاسِيا حَتَّى لَو كَانَ نَاسِيا خرج فِي صِحَّتهَا الْخلاف فِي قصر الْفَائِتَة وَكَذَا ذكر غَيره هَذَا التَّفْرِيع عَن الشَّافِعِي وينشأ عَلَيْهِ اشْتِرَاط نِيَّة الْقَضَاء وَالْأَدَاء قَالَه ابْن عبد الْقوي
قَالَ المُصَنّف وَهل يشْتَرط التَّرْتِيب هُنَا بِضيق وَقت الثَّانِيَة بِأَن يبْقى من وَقت الثَّانِيَة مَالا يَتَّسِع إِلَّا لوَاحِدَة مِنْهُمَا قَالَ القَاضِي فِي الْمُجَرّد يسْقط كسقوطه فِي الْفَائِتَة مَعَ المؤداة وَذكر فِي تَعْلِيقه أَنه لَا يسْقط
قَالَ المُصَنّف فِي الصَّحِيح عِنْدِي لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيد بِتَرْكِهِ فائده لِأَن وَقت الثَّانِيَة وَقت للمجموعتين أَدَاء لَا قَضَاء فأيتهما بَدَأَ بهَا وَقعت أَدَاء وَالْأُخْرَى قَضَاء
وَعَكسه الْحَاضِرَة مَعَ الْفَائِتَة فَإِنَّهُ لَو رتب لصارتا قَضَاء وَيُمكن الِاعْتِذَار عَنهُ بِأَنَّهُمَا وَإِن كَانَتَا فِيهِ أَدَاء إِلَّا أَن الثَّانِيَة أخص بوقتها من الأولى
قَوْله وَلَا تشرط الْمُوَالَاة على الْأَصَح
стр. 133
وَكَذَا صَححهُ غَيره كالفائتتين فعلى هَذَا إِذا فرق صلاهما بأذانين وَإِقَامَتَيْنِ كالفائتتين إِذا فرقهما قطع بِهِ جمَاعَة من الْأَصْحَاب وَجَمَاعَة لم يفرقُوا كَمَا هُوَ مَعْرُوف فِي مَوْضِعه وَقَالَ أَبُو حنيفَة وصاحباه فِي صَلَاتي مُزْدَلِفَة بِأَذَان وَإِقَامَتَيْنِ لِأَن الْأَذَان للْوَقْت وَالْإِقَامَة للإعلام بِالْفِعْلِ وَهُوَ وَقت وَاحِد وفعلان وينتقض هَذَا عِنْدهم بصلاتي عَرَفَة إِذا فرقهما
وَوجه اشْتِرَاط الْمُوَالَاة مَقْصُود الْجمع بِالتَّفْرِيقِ الْفَاحِش وَلم يحصل إِلَّا بعزيمة فَوَجَبَ الْمَنْع مِنْهُ كَمَا يمْتَنع الْمُسَافِر أَن يَصُوم فِي رَمَضَان عَن غَيره فعلى هَذَا إِن فرق عمدا أَثم وَكَانَت الأولى قَضَاء وَإِن لم يتَعَمَّد لم يُؤثر ذَلِك فِي فَسَادهَا وَلَا فِي فَسَاد الثَّانِيَة كَمَا لَو صلى الأولى فِي وَقتهَا مَعَ نِيَّة الْجمع ثمَّ تَركه فَإِنَّهُ تصح لَكِن لَو كَانَت مَقْصُورَة خرج فِيهَا الْخلاف فِي قصر الْفَائِتَة ﷺ َ - بَاب صَلَاة الْخَوْف
قَوْله إِلَّا أَن الصَّفّ الأول فِي أول رَكْعَة لَا يَسْجُدُونَ مَعَ الإِمَام بل يقفون حرسا
стр. 134
كَذَا ذكر جمَاعَة كَالْقَاضِي وَأبي الْخطاب وَابْن عقيل وَغَيرهم لِأَن حراسته فِي الأولى أحوط وَالصَّوَاب مَا اخْتَارَهُ جمَاعَة كالشيخ موفق الدّين وَالْمُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَغَيرهمَا أَن الصَّفّ الأول يسْجد فِي الأولى ويحرس فِي الثَّانِيَة اقْتِدَاء بِمَا صَحَّ عَنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
стр. 135
- ﷺ َ - بَاب اللبَاس والتحلي
قَوْله وَيُبَاح للرجل حلي من الْفضة الْخَاتم
ظَاهره تَحْرِيم لِبَاس الْفضة والتحلي بهَا إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ وعَلى هَذَا كَلَام غَيره صَرِيحًا وظاهرا وَلم أجد أحدا احْتج لتَحْرِيم لِبَاس الْفضة على الرِّجَال فِي الْجُمْلَة وَدَلِيل ذَلِك فِيهِ إِشْكَال وَحكى عَن الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَنه كَانَ يسْتَشْكل هَذِه الْمَسْأَلَة وَرُبمَا توقف فِيهَا وَكَلَامه فِي مَوضِع يدل على إِبَاحَة لبس الْفضة للرِّجَال إِلَّا مَا دلّ دَلِيل شَرْعِي على تَحْرِيمه
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر لِبَاس الذَّهَب وَالْفِضَّة يُبَاح للنِّسَاء بالِاتِّفَاقِ إِلَى أَن قَالَ فَلَمَّا كَانَت أَلْفَاظه صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ تَامَّة عَامَّة فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة وَفِي لِبَاس الذَّهَب وَالْحَرِير اسْتثْنى من ذَلِك مَا خصصته الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة كيسير الْحَرِير ويسير الْفضة فِي الْآنِية للْحَاجة وَنَحْو ذَلِك فَأَما لبس الْفضة إِذا لم يكن
стр. 136
فِيهِ لفظ عَام بِالتَّحْرِيمِ لم يكن لأحد أَن يحرم مِنْهُ إِلَّا مقَام الدَّلِيل الشَّرْعِيّ على تَحْرِيمه فَإِذا جَاءَت السّنة بِإِبَاحَة خَاتم الْفضة كَانَ هَذَا دَلِيلا على إِبَاحَة ذَلِك
وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَمَا هُوَ أولى مِنْهُ بِالْإِبَاحَةِ وَمَا لم يكن كَذَلِك فَيحْتَاج إِلَى نظر فِي تَحْلِيله وتحريمه انْتهى كَلَامه
وَذَلِكَ لِأَن النَّص ورد فِي الْمَذْهَب وَالْحَرِير وآنية الذَّهَب وَالْفِضَّة فليقتصر على مورد النَّص وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾
وَوجه تَحْرِيم ذَلِك أَن الْفضة أحد النَّقْدَيْنِ اللَّذين تقوم بهما الْجِنَايَات والمتلفات وَغير ذَلِك وفيهَا السَّرف والمباهاة وَالْخُيَلَاء وَلَا تخْتَص مَعْرفَتهَا بخواص النَّاس فَكَانَت مُحرمَة على الرِّجَال كالذهب وَلِأَنَّهَا جنس يحرم فِيهَا اسْتِعْمَال الْإِنَاء فَحرم مِنْهَا غَيره كالذهب وَهَذَا صَحِيح فَإِن التَّسْوِيَة بَينهمَا فِي غَيره وَلِأَن كل جنس حرم اسْتِعْمَال إِنَاء مِنْهُ حرم اسْتِعْمَاله مُطلقًا وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا استقراء صَحِيح وَهُوَ أحد الْأَدِلَّة وَلِأَنَّهُ ﵊ رخص للنِّسَاء فِي الْفضة وحضهن عَلَيْهَا ورغبهن فِيهَا وَلَو كَانَت إباحتها عَامَّة للرِّجَال وَالنِّسَاء لما خصهن بِالذكر ولأثبت ﵊ الْإِبَاحَة عَامَّة لعُمُوم الْفَائِدَة بل يُصَرح بِذكر الرِّجَال لما فِيهِ من كشف اللّبْس وإيضاح الْحق وَذَلِكَ فِيهَا قَالَ الْأَمَام أَحْمد حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن ربعي عَن امْرَأَته عَن أُخْت حُذَيْفَة قَالَت خَطَبنَا النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا معشر النِّسَاء مَا مِنْكُن امْرَأَة تتحلى ذَهَبا تظهره إِلَّا عذبت بِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد عَن
стр. 137
أبي عوَانَة عَن مَنْصُور حَدِيث حسن ورِبْعِي هُوَ ابْن حِرَاش الإِمَام وَقَالَ أَحْمد أَيْضا حَدثنَا عبد الصَّمد حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دِينَار حَدثنِي أسيد بن أبي أسيد عَن ابْن أبي مُوسَى عَن أَبِيه أَو عَن ابْن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من سره أَن يحلق حبيبته حَلقَة من نَار فليحلقها حَلقَة من ذهب وَلَكِن الْفضة فالعبوا بهَا لعبا وَقَوله فالعبوا بهَا لعبا يَعْنِي النِّسَاء لِأَن السِّيَاق فيهم فَقَوله حلوا معاشر الرِّجَال نساءكم بِالْفِضَّةِ مُطلقًا من غير حَاجَة وَلَا يحوج من كره وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَت امْرَأَة يَا رَسُول الله طوق من ذهب قَالَ طوق من نَار إِلَى أَن قَالَ مَا يمْنَع أحداكن أَن تصنع قرطين من فضَّة ثمَّ تصغرهما بالزعفران رَوَاهُ أَحْمد لِأَنَّهُ ﵊ سُئِلَ عَن الْخَاتم من أَي شَيْء أتخذه قَالَ من ورق وَلَا تتمه مِثْقَالا رَوَاهُ جمَاعَة مِنْهُم النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب
وَهَذَا يدل على أَنهم كَانُوا ممنوعين من اسْتِعْمَال الْوَرق وَإِلَّا لما تَوَجَّهت الْإِبَاحَة إِلَيْهِ وأباح الْيَسِير لِأَنَّهُ نهى عَن تتمته مِثْقَالا وَلِأَن الصَّحَابَة ﵃ نقلوا عَنهُ ﵊ اسْتِعْمَال يسير الْفضة ليَكُون ذَلِك حجَّة فِي اخْتِصَاصه بِالْإِبَاحَةِ وَلَو كَانَت الْفضة مُبَاحَة مُطلقًا لم يكن فِي نقلهم اسْتِعْمَال الْيَسِير من ذَلِك كَبِير فَائِدَة فَقَالَ أنس ﵁ كَانَت قبيعة سيف رَسُول الله ﷺ فضَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ
стр. 138
حسن غَرِيب وَقَالَ مزيدة العصري دخل رَسُول الله ﷺ يَوْم الْفَتْح وعَلى سَيْفه ذهب وَفِضة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ غَرِيب وَهَذَا كَقَوْل أنس إِن قدح النَّبِي ﷺ انْكَسَرَ فَاتخذ مَكَان الشّعب سلسلة من فضَّة لتَكون حجَّة إِبَاحَة الْيَسِير فِي الْآنِية وَقد ثَبت فِي الصِّحَاح وَالسّنَن من حَدِيث أنس أَنه ﷺ اتخذ خَاتمًا من الْفضة
وَفِي هَذَا الْبَاب مسَائِل حَسَنَة وفوائد مهمة وَمَا تيَسّر مِنْهَا مَذْكُور فِيمَا علقته فِي الْآدَاب الشَّرْعِيَّة فليطلب هُنَاكَ وَالله أعلم ﷺ َ - صَلَاة الْجُمُعَة
قَوْله وَهل تجوز فِي موضِعين للْحَاجة على رِوَايَتَيْنِ
стр. 139
أطلق الرِّوَايَتَيْنِ وَالْمذهب عِنْد الْأَصْحَاب الْجَوَاز وَهُوَ الْمَنْصُور فِي كتب الْخلاف وَنَصره أَيْضا المُصَنّف
وَقَوله فِي موضِعين لَيْسَ الحكم مُخْتَصًّا بموضعين بل تجوز إِقَامَتهَا فِي مَوَاضِع للْحَاجة وَصرح بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَقد عرف من هَذَا أَن المُصَنّف لَو قَالَ وَتجوز فِي موضِعين فَأكْثر للْحَاجة وَعنهُ لأولى وَقد قَالَ القَاضِي فِي الْخلاف إِن من قَالَ لَا تجوز فِي موضِعين للْحَاجة احْتج بِأَنَّهُ لَا تجوز فِي موضِعين قِيَاسا على الثَّلَاثَة قَالَ وَالْجَوَاب أَن الْخرقِيّ أجَاز ذَلِك من غير أَن يخْتَص ذَلِك بموضعين وَلم يمْتَنع أَن يجوز فِي موضِعين وَلَا تجوز فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع كَصَلَاة الْعِيد وَقد قيل إِن الْقيَاس يَقْتَضِي أَن لَا تجوز إِلَّا فِي مَوضِع وَاحِد لِأَنَّهَا لَو جَازَت فِي موضِعين لجازت فِي سَائِر الْمَسَاجِد كَسَائِر الصَّلَوَات ولجازت فِي سَائِر المواطن من السّفر والحضر كَسَائِر الصَّلَوَات إِلَّا أَنا تركنَا الْقيَاس فِي موضِعين لما ذكرنَا من حَدِيث عَليّ ﵁ وَأَنه أَقَامَ الْعِيد فِي موضِعين وَحكمه حكم الْجُمُعَة من الْوَجْه الَّذِي بَينا انْتهى كَلَامه
стр. 140
وَمَا حَكَاهُ عَن الْخرقِيّ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ كَلَام الْأَصْحَاب وَلَا فرق بَين الْعِيد وَالْجُمُعَة فِي ذَلِك فَكيف يَجْعَل الْعِيد أصلا فِي الْمَنْع وَمَا حَكَاهُ القَاضِي من إجازتها فِي موضِعين للْحَاجة وَالْمَنْع عَن ثَلَاث يرْوى عَن أبي حنيفَة وَمُحَمّد ابْن الْحسن وَظَاهر كَلَام المُصَنّف الْقطع بمنعها فِي موضِعين لغير حَاجَة وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي الْمَذْهَب وَعَن عَطاء أَنه يجوز وَهُوَ قَول الظَّاهِرِيَّة وَعَن أَحْمد مَا يدل عَلَيْهِ قَالَ فِي رِوَايَة الْمروزِي وَقد سُئِلَ عَن صَلَاة الْجُمُعَة فِي مسجدين فَقَالَ صل فَقيل لَهُ إِلَى أَي شَيْء تذْهب فَقَالَ إِلَى قَول عَليّ ﵁ فِي الْعِيد إِنَّه أَمر رجلا يُصَلِّي بضعفه النَّاس وَكَذَلِكَ نقل أَبُو دَاوُد وَعنهُ أَنه سُئِلَ عَن المسجدين اللَّذين جمع فيهمَا بِبَغْدَاد هَل فِيهِ شَيْء مُتَقَدم فَقَالَ أَكثر مَا فِيهِ أَمر عَليّ ﵁ أَن يُصَلِّي بالضعفة
قَالَ القَاضِي بعد أَن ذكر هذَيْن النصين فقد أجَاز الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى ذَلِك على الاطلاق وَقَالَ وَهُوَ مَحْمُول على الْحَاجة قَالَ وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْخرقِيّ لِأَنَّهُ قَالَ إِذا كَانَ الْبَلَد يحْتَاج إِلَى جَوَامِع فَصَلَاة الْجُمُعَة فِي جَمِيعهَا جَائِزَة فَاعْتبر الْحَاجة قَالَ وَكَذَلِكَ ذكره شَيخنَا يَعْنِي أَبَا عبد الله بن حَامِد
قَوْله ويبكر إِلَيْهَا مَاشِيا للْخَبَر فِي ذَلِك
وَذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة فِي بحث هَذِه الْمَسْأَلَة أَن فِيهِ انْتِظَار فَرِيضَة بعد أُخْرَى يَعْنِي أَن هَذَا مُسْتَحبّ قَالَ وَفِي ذَلِك ترغيب مَشْهُور فِي الْأَخْبَار وَقطع الشَّيْخ موفق الدّين فِي مَسْأَلَة وَإِن جلس فِي مَسْجِد أَو طَرِيق وَاسع فعثر بِهِ حَيَوَان أَن انْتِظَار الصَّلَاة قربَة فِي جَمِيع الْأَوْقَات وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي منهاج القاصدين أَن من أفضل الْأَعْمَال انْتِظَار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة للْخَبَر
стр. 141
وَقطع فِي الْمُسْتَوْعب وَغَيره أَنه يسْتَحبّ الْجُلُوس بعد صَلَاة الْجُمُعَة إِلَى الْعَصْر وَفِيه خبر فِيهِ ضعف رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا وَلَا يزَال فِي صَلَاة مَا انْتظر الصَّلَاة وَهُوَ عَام فِي الصَّلَوَات كلهَا وروى ابْن مَاجَه وَإِسْنَاده ثِقَات عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ صلينَا مَعَ رَسُول الله ﷺ الْمغرب فَرجع من رَجَعَ وعقب من عقب فجَاء رَسُول الله مسرعا قد حفزه النَّفس قد حسر عَن رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ أَبْشِرُوا هَذَا ربكُم قد فتح بَابا من أَبْوَاب السَّمَاء يباهي بكم الْمَلَائِكَة يَقُول انْظُرُوا إِلَى عبَادي قد أَدّوا فَرِيضَة وهم ينتظرون أُخْرَى وَقد ذكر ابْن تَمِيم وَصَاحب الرِّعَايَة أَنه يسن الْجُلُوس بعد الْعَصْر إِلَى غرُوب الشَّمْس وَبعد الْفجْر إِلَى طُلُوعهَا وَلَا يسْتَحبّ ذَلِك بعد بَقِيَّة الصَّلَوَات نَص عَلَيْهِ وَقد ورد فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ خبر خَاص يدل على اسْتِحْبَاب الْجُلُوس بعدهمَا وَلَكِن لَا يَنْفِي اسْتِحْبَاب الْجُلُوس بعد غَيرهمَا
قَوْله وَلَا يتخطى أحدا إِلَّا لفرجة
يَعْنِي يكره لقَوْله وَعنهُ يكره ذَلِك أَيْضا وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي كَلَام الْأَصْحَاب مَعَ أَن دليلهم على الْكَرَاهَة يَقْتَضِي التَّحْرِيم وَقد رَأَيْت الشَّيْخ وجيه الدّين بن المنجا فِي شرح الْهِدَايَة صرح بِأَنَّهُ لَا يجوز وَفِي كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين فِي مَسْأَلَة التبكير إِلَى الْجُمُعَة أَن التخطي مَذْمُوم وَالظَّاهِر أَن الذَّم إِنَّمَا يتَوَجَّه على فعل يحرم وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين لَيْسَ لأحد أَن يتخطى النَّاس ليدْخل فِي الصَّفّ إِذا لم تكن بَين يَدَيْهِ فُرْجَة لَا يَوْم الْجُمُعَة وَلَا غير يَوْم الْجُمُعَة بل هَذَا من الظُّلم والتعدي لحدود الله ثمَّ اسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِك
стр. 142
وللشافعية فِي تَحْرِيمه وكراهته وَجْهَان وَفِي تَعْلِيق أبي حَامِد التَّصْرِيح بِتَحْرِيمِهِ عَن نَص الشَّافِعِي وَذكر فِي مَوضِع آخر من الْبَاب عَن الشَّافِعِي أَنه مَكْرُوه
قَوْله فِي الْخطْبَتَيْنِ يحتوي كل مِنْهُمَا على حمد الله
ظَاهره أَنه لَا يعْتَبر لفظ مَخْصُوص وَقطع المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَنه يعْتَبر قَول الْحَمد لله لِأَنَّهُ لم ينْقل عَن النَّبِي ﷺ أَنه أخل بِهِ فِي خطْبَة مَا بِحَال وَكَذَا قطع بِهِ الشَّيْخ مجد الدّين وَابْن تَمِيم وَابْن حمدَان وَغَيرهم وَلم أجد فِيهِ خلافًا
ثمَّ ذكر فِي الْمُحَرر مَا تحتوي كل وَاحِدَة عَلَيْهِ قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة بعد ذكر اشْتِرَاط الْعدَد يرفع صَوته بِقدر مَا يسمعهم فَإِن منع السماع نوم أَو ضجة أَو غَفلَة أَو وَقع مطر وَنَحْوه لم يُؤثر ذَلِك لِأَن اعْتِبَار حَقِيقَة السماع تشق فتضبط بمظنته وَإِن لم يسمعوه لبعدهم مِنْهُ أَو لكَونه خفض صَوته جدا فَهُوَ كَمَا لَو خطب وَحده وَإِن لم يسمعوا لصمم بهم ووراءه من لَا يسمعهُ لبعد وَلَا صمم بِهِ فَوَجْهَانِ أَحدهمَا يُجزئهُ اعْتِبَار المظنة كَمَا لَو كَانَ من بِقُرْبِهِ أعجميا أَو كَانَ الْجَمِيع صمًّا وَالثَّانِي لَا يجزىء لِأَن السماع لم يحصل وَإِنَّمَا أسقطنا حَقِيقَة السماع حَيْثُ يسْقط اعْتِبَارهَا وَقطع بَعضهم بِأَنَّهُم إِن كَانُوا صمًّا لم تصح وَإِن كَانُوا طرشا أَو عجما لَا يفهمون صحت
وَقَالَ ابْن تَمِيم وَإِن كَانَ لطرش وَلَيْسَ من يسمع صحت وَإِن كَانَ من يسمع بَعيدا فَوَجْهَانِ
وَلم يذكر فِي الْمُحَرر الْوَقْت للخطبة وَلم أجد فِي اشْتِرَاطه خلافًا وَقطع بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة قَالَ لِأَنَّهَا كبعض الصَّلَاة وَهَذَا قَول الْجَمَاعَة
وتشترط أَيْضا الْمُوَالَاة إِلَى آخر الْخطْبَة وَبَين الْخطْبَتَيْنِ وَبَينهمَا وَبَين الصَّلَاة
стр. 143
فِي الْأَصَح وَقطع بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة لِأَنَّهُمَا مَعَ الصَّلَاة كمجموعتين وَلِأَنَّهُمَا ذكر يشْتَرط لصِحَّة الْجُمُعَة فَأشبه أَرْكَان صلاتهما
فعلى هَذَا لَو طَال الْفَصْل اسْتَأْنف إِلَّا أَن يقْرَأ سَجْدَة فَينزل لسجودها وَيطول الْفَصْل فَوَجْهَانِ الِاسْتِئْنَاف لِأَنَّهُ من غير جنس الْخطْبَة كالسكوت وَالْبناء لِأَنَّهُ من مسنونات الْقِرَاءَة الْمَشْرُوعَة فِي الْخطْبَة فَأشبه سَائِر سننها إِذا طولت
وَظَاهر كَلَامه فِي التَّلْخِيص وَالرِّعَايَة أَنه لَا يضر كثير بِدُعَاء لسلطان وَنَحْوه وَيَنْبَغِي أَن يخرج على هَذَا وَجه اسْتِحْبَابه والمرجع فِي طول الْفَصْل إِلَى الْعرف
وَيشْتَرط أَيْضا تَقْدِيم الْخطْبَة على الصَّلَاة وَلم أجد فِيهِ خلافًا لفعله ﵊ وَهُوَ بَيَان مُجمل فَيجب الرُّجُوع إِلَيْهِ
وَظَاهر كَلَامه أَنه لَا تشْتَرط الطَّهَارَة بل قد صرح بِهِ بعد ذَلِك فَقَالَ فَالْأَفْضَل أَن يخْطب طَاهِرا وَفِي اشْتِرَاط الطَّهَارَة لصِحَّة الْخطْبَة رِوَايَتَانِ الِاشْتِرَاط كتكبيرة الْإِحْرَام وَعَدَمه كالأذان والأصلان فيهمَا إِشْكَال لَكِن الأَصْل عدم اشْتِرَاط شَيْء وَالنَّقْل عَنهُ يفْتَقر إِلَى دَلِيل وَوجه ابْن عقيل عدم الِاشْتِرَاط بِعَدَمِ اشْتِرَاط طَهَارَة الْبقْعَة وَفِيه نظر وَقد تبعه طَائِفَة كَأبي الْمَعَالِي بن المنجا على هَذَا وَلم يتبعهُ آخَرُونَ نظرا إِلَى التَّسْوِيَة بَينهمَا وَهُوَ أولى ثمَّ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَمَتى قُلْنَا بِاشْتِرَاط الطَّهَارَة اشْترط طَهَارَة الستارة والبقعة لِأَنَّهُمَا أقيما مقَام الرَّكْعَتَيْنِ انْتهى كَلَامه
وَقَالَ القَاضِي يشْتَرط لَهما ستر الْعَوْرَة وَلَعَلَّه على الْخلاف
وَقد ذكر الْخرقِيّ وَالثنَاء عَلَيْهِ تَعَالَى وَتَبعهُ بَعضهم على هَذِه الْعبارَة كَابْن عقيل وَظَاهره اعْتِبَار الثَّنَاء مَعَ اعْتِبَار الْحَمد بل صَرِيحه
стр. 144
وَقد ذكر الشَّيْخ وجيه الدّين بن المنجا كَلَام الْخرقِيّ وَقَالَ فَيكون الثَّنَاء قسما خَامِسًا انْتهى كَلَامه
وَأكْثر الْأَصْحَاب لم يذكر الثَّنَاء مَعَ الْحَمد وَبَعض من شرح الْخرقِيّ لم يتَكَلَّم على هَذَا وَلَعَلَّه حمل الثَّنَاء على الْحَمد
قَوْله فِي الْمُحَرر وَتَصِح خطْبَة الْجنب نَص عَلَيْهِ وَهُوَ عَاص بِقِرَاءَة الْآيَة إِلَّا أَن يغْتَسل قبل قرَاءَتهَا ثمَّ يتَيَمَّم وَيتَخَرَّج أَن لَا تصح ذكر هَذَا مَعَ أَنه ذكر أَن قِرَاءَة الْآيَة شَرط فِي صِحَة الْخطْبَة كَمَا هُوَ مَعْرُوف أَنه الرَّاجِح فِي الْمَذْهَب وَأَن الْجنب يحرم عَلَيْهِ قرَاءَتهَا مَعَ أَنه قدم مَا هُوَ الرَّاجِح فِي الْمَذْهَب من أَن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة لَا تصح وَتَصْحِيح خطْبَة الْجنب مَعَ ذَلِك مُشكل وَفِيه نظر ظَاهر وَلم أجد أحدا ذكره غير صَاحب الْمُحَرر وَالْإِمَام أَحْمد إِنَّمَا نَص على صِحَة خطْبَة الْجنب نصا مُطلقًا لم يتَعَرَّض فِيهِ لشَيْء مِمَّا تقدم فَمن الْأَصْحَاب كَابْن عقيل من قَالَ هَذَا من الإِمَام أَحْمد يعْطى أحد أَمريْن إِمَّا أَن تكون الْآيَة لَيست شرطا أَو جَوَاز قِرَاءَة الْآيَة للْجنب فَأَما أَن تكون الْآيَة شرطا أَو لَا يجوز قرَاءَتهَا للْجنب ثمَّ يجمع بَينهمَا فَلَا وَجه لذَلِك وَالْأَشْبَه أَن يخرج أَنه لَا يشْتَرط الْآيَة هَذَا كَلَامه
وَذكر ابْن عقيل أَيْضا فِي عمد الْأَدِلَّة أَن صِحَة خطْبَة الْجنب تلْحق بِصِحَّة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة قَالَ وَيحْتَمل أَن نقُول يجوز للْجنب قِرَاءَة آيَة أخذا من تَصْحِيحه خطْبَة الْجنب
وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْمَعَالِي وجيه الدّين بن المنجي فِي شرح الْهِدَايَة نَص الإِمَام على إِجْزَاء خطْبَة الْجنب ثمَّ قَالَ وَهَذَا إِنَّمَا يكون إِذا خطب فِي غير الْمَسْجِد أَو خطب فِي الْمَسْجِد غير عَالم بِحَال نَفسه ثمَّ علم بعد ذَلِك ثمَّ قَالَ
стр. 145
وَالْأَشْبَه بِالْمذهبِ اشْتِرَاط الطَّهَارَة من الْجَنَابَة فَإِن أَصْحَابنَا قَالُوا تشْتَرط قِرَاءَة آيَة فَصَاعِدا وَلَيْسَ ذَلِك للْجنب وَلِأَن الْخرقِيّ اشْترط للأذان الطَّهَارَة من الْجَنَابَة فالخطبة أولى وَصحح فِي التَّلْخِيص مَا صَححهُ فِي الْمُغنِي من اشْتِرَاط الطَّهَارَة الْكُبْرَى وَقَالَ هُوَ أليق بِالْمذهبِ
وَذكر فِي الْمُغنِي أَيْضا أَن ظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد أَنه لَا تشْتَرط لصِحَّة الْخطْبَة الْقِرَاءَة وَاحْتج بِنَصّ أَحْمد على إِجْزَاء خطْبَة الْجنب وَقَالَ غير وَاحِد من الْأَصْحَاب فَإِن جَازَ للْجنب قِرَاءَة آيَة أَو لم تجب الْقِرَاءَة فِي الْخطْبَة خرج فِي خطبَته وَجْهَان قِيَاسا على أَذَانه
وَقَالَ الشَّيْخ مجد الدّين فِي شرح الْهِدَايَة خطْبَة الْجنب تصح نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة صَالح فَقَالَ إِذا خطب بهم جنبا ثمَّ اغْتسل وَصلى بهم أَرْجُو أَن تُجزئه قَالَ وَمن أَصْحَابنَا من شَرط أَن يكون خَارج الْمَسْجِد لِأَن لبثه فِيهِ مَعْصِيّة تنَافِي الْعِبَادَة وَمِنْهُم من قَالَ يُجزئهُ بِنَاء على الصَّحِيح فِي اعْتِبَار الْآيَة للخطبة وَمنع الْجنب مِنْهَا وَالصَّحِيح أَن ذَلِك لَا يشْتَرط لِأَنَّهُ قد يكون متوضئا فَيُبَاح لَهُ اللّّبْث وَقد يغْتَسل فِي أَثْنَائِهَا قبل الْقِرَاءَة ثمَّ يتَيَمَّم وَقد ينسى جنابته وَلَا يكون عَاصِيا بلبث وَلَا قِرَاءَة ثمَّ على تَقْدِير عدم ذَلِك نقُول تَحْرِيم اللّّبْث لَا أثر لَهُ فِي الْفساد لِأَنَّهُ لَا تعلق لَهُ بِشَيْء من وَاجِبَات الصَّلَاة فَأشبه من أذن فِي الْمَسْجِد جنبا أَو صلى وَفِي كمه ثوب غصب وَأما تَحْرِيم الْقِرَاءَة فَإِنَّهُ أَيْضا لَا يخْتَص هَذِه الْعِبَادَة لكنه مُتَعَلق بِفَرْض لَهَا فالتحقيق فِيهِ أَن يلْحق حكم الْخطْبَة مَعَه بِالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة انْتهى كَلَامه
وَقِيَاس هَذِه الْمَسْأَلَة على مَسْأَلَة الْأَذَان للْجنب فِي الْمَسْجِد فِي الْحَالة الْمُحرمَة فِيهِ نظر لِأَن الْأَذَان فِي هَذِه الْحَالة كالأذان وَالزَّكَاة فِي أَرض مَغْصُوبَة وَفِي
следующие страницы →