← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6094

النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر

ابن مفلح

Полный текст (570 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَقطع فِي الْمُسْتَوْعب وَغَيره أَنه يسْتَحبّ الْجُلُوس بعد صَلَاة الْجُمُعَة إِلَى الْعَصْر وَفِيه خبر فِيهِ ضعف رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا وَلَا يزَال فِي صَلَاة مَا انْتظر الصَّلَاة وَهُوَ عَام فِي الصَّلَوَات كلهَا وروى ابْن مَاجَه وَإِسْنَاده ثِقَات عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ صلينَا مَعَ رَسُول الله ﷺ الْمغرب فَرجع من رَجَعَ وعقب من عقب فجَاء رَسُول الله مسرعا قد حفزه النَّفس قد حسر عَن رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ أَبْشِرُوا هَذَا ربكُم قد فتح بَابا من أَبْوَاب السَّمَاء يباهي بكم الْمَلَائِكَة يَقُول انْظُرُوا إِلَى عبَادي قد أَدّوا فَرِيضَة وهم ينتظرون أُخْرَى وَقد ذكر ابْن تَمِيم وَصَاحب الرِّعَايَة أَنه يسن الْجُلُوس بعد الْعَصْر إِلَى غرُوب الشَّمْس وَبعد الْفجْر إِلَى طُلُوعهَا وَلَا يسْتَحبّ ذَلِك بعد بَقِيَّة الصَّلَوَات نَص عَلَيْهِ وَقد ورد فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ خبر خَاص يدل على اسْتِحْبَاب الْجُلُوس بعدهمَا وَلَكِن لَا يَنْفِي اسْتِحْبَاب الْجُلُوس بعد غَيرهمَا قَوْله وَلَا يتخطى أحدا إِلَّا لفرجة يَعْنِي يكره لقَوْله وَعنهُ يكره ذَلِك أَيْضا وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي كَلَام الْأَصْحَاب مَعَ أَن دليلهم على الْكَرَاهَة يَقْتَضِي التَّحْرِيم وَقد رَأَيْت الشَّيْخ وجيه الدّين بن المنجا فِي شرح الْهِدَايَة صرح بِأَنَّهُ لَا يجوز وَفِي كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين فِي مَسْأَلَة التبكير إِلَى الْجُمُعَة أَن التخطي مَذْمُوم وَالظَّاهِر أَن الذَّم إِنَّمَا يتَوَجَّه على فعل يحرم وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين لَيْسَ لأحد أَن يتخطى النَّاس ليدْخل فِي الصَّفّ إِذا لم تكن بَين يَدَيْهِ فُرْجَة لَا يَوْم الْجُمُعَة وَلَا غير يَوْم الْجُمُعَة بل هَذَا من الظُّلم والتعدي لحدود الله ثمَّ اسْتدلَّ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِك

стр. 142

وللشافعية فِي تَحْرِيمه وكراهته وَجْهَان وَفِي تَعْلِيق أبي حَامِد التَّصْرِيح بِتَحْرِيمِهِ عَن نَص الشَّافِعِي وَذكر فِي مَوضِع آخر من الْبَاب عَن الشَّافِعِي أَنه مَكْرُوه قَوْله فِي الْخطْبَتَيْنِ يحتوي كل مِنْهُمَا على حمد الله ظَاهره أَنه لَا يعْتَبر لفظ مَخْصُوص وَقطع المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَنه يعْتَبر قَول الْحَمد لله لِأَنَّهُ لم ينْقل عَن النَّبِي ﷺ أَنه أخل بِهِ فِي خطْبَة مَا بِحَال وَكَذَا قطع بِهِ الشَّيْخ مجد الدّين وَابْن تَمِيم وَابْن حمدَان وَغَيرهم وَلم أجد فِيهِ خلافًا ثمَّ ذكر فِي الْمُحَرر مَا تحتوي كل وَاحِدَة عَلَيْهِ قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة بعد ذكر اشْتِرَاط الْعدَد يرفع صَوته بِقدر مَا يسمعهم فَإِن منع السماع نوم أَو ضجة أَو غَفلَة أَو وَقع مطر وَنَحْوه لم يُؤثر ذَلِك لِأَن اعْتِبَار حَقِيقَة السماع تشق فتضبط بمظنته وَإِن لم يسمعوه لبعدهم مِنْهُ أَو لكَونه خفض صَوته جدا فَهُوَ كَمَا لَو خطب وَحده وَإِن لم يسمعوا لصمم بهم ووراءه من لَا يسمعهُ لبعد وَلَا صمم بِهِ فَوَجْهَانِ أَحدهمَا يُجزئهُ اعْتِبَار المظنة كَمَا لَو كَانَ من بِقُرْبِهِ أعجميا أَو كَانَ الْجَمِيع صمًّا وَالثَّانِي لَا يجزىء لِأَن السماع لم يحصل وَإِنَّمَا أسقطنا حَقِيقَة السماع حَيْثُ يسْقط اعْتِبَارهَا وَقطع بَعضهم بِأَنَّهُم إِن كَانُوا صمًّا لم تصح وَإِن كَانُوا طرشا أَو عجما لَا يفهمون صحت وَقَالَ ابْن تَمِيم وَإِن كَانَ لطرش وَلَيْسَ من يسمع صحت وَإِن كَانَ من يسمع بَعيدا فَوَجْهَانِ وَلم يذكر فِي الْمُحَرر الْوَقْت للخطبة وَلم أجد فِي اشْتِرَاطه خلافًا وَقطع بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة قَالَ لِأَنَّهَا كبعض الصَّلَاة وَهَذَا قَول الْجَمَاعَة وتشترط أَيْضا الْمُوَالَاة إِلَى آخر الْخطْبَة وَبَين الْخطْبَتَيْنِ وَبَينهمَا وَبَين الصَّلَاة

стр. 143

فِي الْأَصَح وَقطع بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة لِأَنَّهُمَا مَعَ الصَّلَاة كمجموعتين وَلِأَنَّهُمَا ذكر يشْتَرط لصِحَّة الْجُمُعَة فَأشبه أَرْكَان صلاتهما فعلى هَذَا لَو طَال الْفَصْل اسْتَأْنف إِلَّا أَن يقْرَأ سَجْدَة فَينزل لسجودها وَيطول الْفَصْل فَوَجْهَانِ الِاسْتِئْنَاف لِأَنَّهُ من غير جنس الْخطْبَة كالسكوت وَالْبناء لِأَنَّهُ من مسنونات الْقِرَاءَة الْمَشْرُوعَة فِي الْخطْبَة فَأشبه سَائِر سننها إِذا طولت وَظَاهر كَلَامه فِي التَّلْخِيص وَالرِّعَايَة أَنه لَا يضر كثير بِدُعَاء لسلطان وَنَحْوه وَيَنْبَغِي أَن يخرج على هَذَا وَجه اسْتِحْبَابه والمرجع فِي طول الْفَصْل إِلَى الْعرف وَيشْتَرط أَيْضا تَقْدِيم الْخطْبَة على الصَّلَاة وَلم أجد فِيهِ خلافًا لفعله ﵊ وَهُوَ بَيَان مُجمل فَيجب الرُّجُوع إِلَيْهِ وَظَاهر كَلَامه أَنه لَا تشْتَرط الطَّهَارَة بل قد صرح بِهِ بعد ذَلِك فَقَالَ فَالْأَفْضَل أَن يخْطب طَاهِرا وَفِي اشْتِرَاط الطَّهَارَة لصِحَّة الْخطْبَة رِوَايَتَانِ الِاشْتِرَاط كتكبيرة الْإِحْرَام وَعَدَمه كالأذان والأصلان فيهمَا إِشْكَال لَكِن الأَصْل عدم اشْتِرَاط شَيْء وَالنَّقْل عَنهُ يفْتَقر إِلَى دَلِيل وَوجه ابْن عقيل عدم الِاشْتِرَاط بِعَدَمِ اشْتِرَاط طَهَارَة الْبقْعَة وَفِيه نظر وَقد تبعه طَائِفَة كَأبي الْمَعَالِي بن المنجا على هَذَا وَلم يتبعهُ آخَرُونَ نظرا إِلَى التَّسْوِيَة بَينهمَا وَهُوَ أولى ثمَّ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَمَتى قُلْنَا بِاشْتِرَاط الطَّهَارَة اشْترط طَهَارَة الستارة والبقعة لِأَنَّهُمَا أقيما مقَام الرَّكْعَتَيْنِ انْتهى كَلَامه وَقَالَ القَاضِي يشْتَرط لَهما ستر الْعَوْرَة وَلَعَلَّه على الْخلاف وَقد ذكر الْخرقِيّ وَالثنَاء عَلَيْهِ تَعَالَى وَتَبعهُ بَعضهم على هَذِه الْعبارَة كَابْن عقيل وَظَاهره اعْتِبَار الثَّنَاء مَعَ اعْتِبَار الْحَمد بل صَرِيحه

стр. 144

وَقد ذكر الشَّيْخ وجيه الدّين بن المنجا كَلَام الْخرقِيّ وَقَالَ فَيكون الثَّنَاء قسما خَامِسًا انْتهى كَلَامه وَأكْثر الْأَصْحَاب لم يذكر الثَّنَاء مَعَ الْحَمد وَبَعض من شرح الْخرقِيّ لم يتَكَلَّم على هَذَا وَلَعَلَّه حمل الثَّنَاء على الْحَمد قَوْله فِي الْمُحَرر وَتَصِح خطْبَة الْجنب نَص عَلَيْهِ وَهُوَ عَاص بِقِرَاءَة الْآيَة إِلَّا أَن يغْتَسل قبل قرَاءَتهَا ثمَّ يتَيَمَّم وَيتَخَرَّج أَن لَا تصح ذكر هَذَا مَعَ أَنه ذكر أَن قِرَاءَة الْآيَة شَرط فِي صِحَة الْخطْبَة كَمَا هُوَ مَعْرُوف أَنه الرَّاجِح فِي الْمَذْهَب وَأَن الْجنب يحرم عَلَيْهِ قرَاءَتهَا مَعَ أَنه قدم مَا هُوَ الرَّاجِح فِي الْمَذْهَب من أَن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة لَا تصح وَتَصْحِيح خطْبَة الْجنب مَعَ ذَلِك مُشكل وَفِيه نظر ظَاهر وَلم أجد أحدا ذكره غير صَاحب الْمُحَرر وَالْإِمَام أَحْمد إِنَّمَا نَص على صِحَة خطْبَة الْجنب نصا مُطلقًا لم يتَعَرَّض فِيهِ لشَيْء مِمَّا تقدم فَمن الْأَصْحَاب كَابْن عقيل من قَالَ هَذَا من الإِمَام أَحْمد يعْطى أحد أَمريْن إِمَّا أَن تكون الْآيَة لَيست شرطا أَو جَوَاز قِرَاءَة الْآيَة للْجنب فَأَما أَن تكون الْآيَة شرطا أَو لَا يجوز قرَاءَتهَا للْجنب ثمَّ يجمع بَينهمَا فَلَا وَجه لذَلِك وَالْأَشْبَه أَن يخرج أَنه لَا يشْتَرط الْآيَة هَذَا كَلَامه وَذكر ابْن عقيل أَيْضا فِي عمد الْأَدِلَّة أَن صِحَة خطْبَة الْجنب تلْحق بِصِحَّة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة قَالَ وَيحْتَمل أَن نقُول يجوز للْجنب قِرَاءَة آيَة أخذا من تَصْحِيحه خطْبَة الْجنب وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْمَعَالِي وجيه الدّين بن المنجي فِي شرح الْهِدَايَة نَص الإِمَام على إِجْزَاء خطْبَة الْجنب ثمَّ قَالَ وَهَذَا إِنَّمَا يكون إِذا خطب فِي غير الْمَسْجِد أَو خطب فِي الْمَسْجِد غير عَالم بِحَال نَفسه ثمَّ علم بعد ذَلِك ثمَّ قَالَ

стр. 145

وَالْأَشْبَه بِالْمذهبِ اشْتِرَاط الطَّهَارَة من الْجَنَابَة فَإِن أَصْحَابنَا قَالُوا تشْتَرط قِرَاءَة آيَة فَصَاعِدا وَلَيْسَ ذَلِك للْجنب وَلِأَن الْخرقِيّ اشْترط للأذان الطَّهَارَة من الْجَنَابَة فالخطبة أولى وَصحح فِي التَّلْخِيص مَا صَححهُ فِي الْمُغنِي من اشْتِرَاط الطَّهَارَة الْكُبْرَى وَقَالَ هُوَ أليق بِالْمذهبِ وَذكر فِي الْمُغنِي أَيْضا أَن ظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد أَنه لَا تشْتَرط لصِحَّة الْخطْبَة الْقِرَاءَة وَاحْتج بِنَصّ أَحْمد على إِجْزَاء خطْبَة الْجنب وَقَالَ غير وَاحِد من الْأَصْحَاب فَإِن جَازَ للْجنب قِرَاءَة آيَة أَو لم تجب الْقِرَاءَة فِي الْخطْبَة خرج فِي خطبَته وَجْهَان قِيَاسا على أَذَانه وَقَالَ الشَّيْخ مجد الدّين فِي شرح الْهِدَايَة خطْبَة الْجنب تصح نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة صَالح فَقَالَ إِذا خطب بهم جنبا ثمَّ اغْتسل وَصلى بهم أَرْجُو أَن تُجزئه قَالَ وَمن أَصْحَابنَا من شَرط أَن يكون خَارج الْمَسْجِد لِأَن لبثه فِيهِ مَعْصِيّة تنَافِي الْعِبَادَة وَمِنْهُم من قَالَ يُجزئهُ بِنَاء على الصَّحِيح فِي اعْتِبَار الْآيَة للخطبة وَمنع الْجنب مِنْهَا وَالصَّحِيح أَن ذَلِك لَا يشْتَرط لِأَنَّهُ قد يكون متوضئا فَيُبَاح لَهُ اللّّبْث وَقد يغْتَسل فِي أَثْنَائِهَا قبل الْقِرَاءَة ثمَّ يتَيَمَّم وَقد ينسى جنابته وَلَا يكون عَاصِيا بلبث وَلَا قِرَاءَة ثمَّ على تَقْدِير عدم ذَلِك نقُول تَحْرِيم اللّّبْث لَا أثر لَهُ فِي الْفساد لِأَنَّهُ لَا تعلق لَهُ بِشَيْء من وَاجِبَات الصَّلَاة فَأشبه من أذن فِي الْمَسْجِد جنبا أَو صلى وَفِي كمه ثوب غصب وَأما تَحْرِيم الْقِرَاءَة فَإِنَّهُ أَيْضا لَا يخْتَص هَذِه الْعِبَادَة لكنه مُتَعَلق بِفَرْض لَهَا فالتحقيق فِيهِ أَن يلْحق حكم الْخطْبَة مَعَه بِالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة انْتهى كَلَامه وَقِيَاس هَذِه الْمَسْأَلَة على مَسْأَلَة الْأَذَان للْجنب فِي الْمَسْجِد فِي الْحَالة الْمُحرمَة فِيهِ نظر لِأَن الْأَذَان فِي هَذِه الْحَالة كالأذان وَالزَّكَاة فِي أَرض مَغْصُوبَة وَفِي

стр. 146

الصِّحَّة مَعَ التَّحْرِيم قَولَانِ وَذكر بعض الْأَصْحَاب رِوَايَتَيْنِ فَإِن قُلْنَا بِعَدَمِ الصِّحَّة فَلَا كَلَام وَإِن قُلْنَا بِالصِّحَّةِ وَهُوَ الصَّحِيح من الْمَذْهَب فَالْفرق مَا ذكره بعض الْأَصْحَاب أَن الْبقْعَة لَيست من شَرَائِط ذَلِك فَلم يُؤثر تَحْرِيمهَا فِي صِحَّته بِخِلَاف الْخَاتم وَحمل شَيْء مَغْصُوب لِأَنَّهُمَا لم يتعلقا بِشَرْط الْعِبَادَة الْمَأْمُور بهَا وَهَذَا ظَاهر إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين ويعصي الْجنب بِدُخُول الْمَسْجِد بِلَا أَذَان وَيجْزِي أَذَانه وَكَذَا لَو كَانَ مكشوفا عَن عَوْرَته لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَرَائِط الصَّلَاة بِخِلَاف الْخطْبَة فَإِنَّهَا من شَرَائِط الصَّلَاة وفيهَا للشَّافِعِيَّة وَجْهَان مَعَ صِحَة الْأَذَان عِنْدهم قَوْله فِي الْمُحَرر إِلَّا أَن يغْتَسل قبل قرَاءَتهَا ثمَّ يتَيَمَّم عِبَارَته تَقْتَضِي وَلَو طَال الْفَصْل وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك لِأَن الْمُوَالَاة شَرط هُنَا عِنْده وَهُوَ الْمَذْهَب وَهنا اسْتثِْنَاء آخر فِي الْمَسْأَلَة وَهُوَ استنابة من يقْرَأ ذكره جمَاعَة مِنْهُم ابْن عقيل وَابْن الْجَوْزِيّ لِأَن مَقْصُود الْخطْبَة حَاصِل مَعَ ذَلِك فَهُوَ كخطبة الْوَاحِد أَو كأذان شخص وَإِقَامَة آخر وَهَذَا بِخِلَاف الْأَذَان الْوَاحِد فَإِنَّهُ لَا يَصح من اثْنَيْنِ لقَوْله ﵊ فليؤذن لكم أحدكُم وَلِأَن مَقْصُوده وَهُوَ الْإِعْلَام يحصل بذلك غَالِبا لاخْتِلَاف الْأَصْوَات وقاسه فِي الْمُغنِي على الصَّلَاة وَالْأول هُوَ معنى كَلَام القَاضِي وَجَمَاعَة قَالَ القَاضِي فِي الْجَامِع الْكَبِير وَيُفَارق هَذَا الصَّلَاة لِأَنَّهُ يجوز أَن يسْتَخْلف فِيهَا إِذا أحدث على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فَتكون صَلَاة وَاحِدَة بإمامين وَأما الْخطْبَة إِذا أحدث فِيهَا فَهَل يجوز أَن يسْتَخْلف فِيهَا فَحكمهَا حكم

стр. 147

الصَّلَاة يخرج على الرِّوَايَتَيْنِ وَقد نَص على الرِّوَايَتَيْنِ فِي مَوضِع وَهل تصح أَن تكون الْخطْبَة من رجل وَالصَّلَاة من آخر على رِوَايَتَيْنِ وَإِنَّمَا كَانَت الْخطْبَة كَالصَّلَاةِ لِأَنَّهَا شَرط فِي صِحَّتهَا انْتهى كَلَامه وَظَاهره الْقطع بِأَن الْخطْبَة لَا تصح من اثْنَيْنِ فِي غير حَال الْحَدث كَالصَّلَاةِ وَقد قَالَ القَاضِي وَالْأَصْحَاب بِأَن الْأَذَان وَالْإِقَامَة يتولاهما وَاحِد فَإِنَّهُمَا فصلان من الذّكر من جنس وَاحِد كَصَلَاة وَاحِدَة فَالْأَفْضَل أَن يتولاهما وَاحِد أَصله الخطبتان قَالَ القَاضِي وَفِيه احْتِرَاز من الْأَذَان وَالْخطْبَة الأولى كالإمامة وَالْخطْبَة الثَّانِيَة أَنه يتولاهما اثْنَان لِأَنَّهُمَا من جِنْسَيْنِ وَقَالَ ابْن عقيل وَهل يجوز أَن يتَوَلَّى الْخطْبَتَيْنِ اثْنَان يخْطب كل وَاحِد خطْبَة فِيهِ احْتِمَالَانِ أَحدهمَا يجوز كالأذان وَالْإِقَامَة وَالثَّانِي لَا يجوز وَقَالَ لما بَينا من الْوُجُوه الْمَانِعَة أَن يتولاهما غير من يتَوَلَّى الصَّلَاة وَكَذَا ذكر هَذِه الْمَسْأَلَة الشَّيْخ وجيه الدّين فِي شرح الْهِدَايَة وَظَاهره أَن الْخطْبَة الْوَاحِدَة لَا تصح من اثْنَيْنِ قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين أَيْضا فِي بَاب الْأَذَان وَإِن قيل هَل يجوز الِاسْتِخْلَاف فِي الْخطْبَة قُلْنَا فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا يجوز كَالصَّلَاةِ وَالثَّانِي لَا يجوز كالأذان انْتهى كَلَامه وَقطع ابْن عقيل فِي بَاب الْأَذَان بِالْوَجْهِ الأول وَقطع بِهِ الشَّيْخ مجد الدّين فِي شرح الْهِدَايَة فَلَا يُقَال إِنَّه لم يذكر الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ لَعَلَّه لم يره وَهَذِه الْمَسْأَلَة يعايى بهَا فَيُقَال عبَادَة وَاحِدَة بدنية مَحْضَة تصح من اثْنَيْنِ

стр. 148

قَوْله وَمن دخل وَالْإِمَام يخْطب لم يزدْ على رَكْعَتَيْنِ خفيفتين لَو كَانَ فِي آخر الْخطْبَة بِحَيْثُ إِذا اشْتغل بهَا فَاتَهُ مَعَه تَكْبِيرَة الْإِحْرَام فَقَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة لَا نستحبها فِي مثل ذَلِك وَكَذَا قَالَ الشَّيْخ فِي الْمُغنِي إِذا تشاغل بِالرُّكُوعِ فَاتَهُ أول الصَّلَاة لم يسْتَحبّ لَهُ التشاغل بِالرُّكُوعِ حكى القَاضِي عِيَاض عَن دَاوُد وَأَصْحَابه وجوب تَحِيَّة الْمَسْجِد وَمذهب الشَّافِعِيَّة لَا يشْتَرط أَن يَنْوِي التَّحِيَّة بل تكفيه رَكْعَتَانِ من فرض أَو سنة راتبة أَو غَيرهَا وَلَو نوى بِصَلَاتِهِ الْمَكْتُوبَة والتحية انْعَقَدت صلَاته وحصلتا لَهُ قَوْله وَيحرم الْكَلَام وَالْإِمَام يخْطب إِلَّا على الْخَاطِب وَله لمصْلحَة وَعنهُ يكره من غير تَحْرِيم يُبَاح من الْكَلَام مَا يجوز قطع الصَّلَاة لَهُ كتحذير ضَرِير أَو غافل عَن بِئْر أَو حفيرة لِأَنَّهُ إِذا لم تمنع مِنْهُ الصَّلَاة مَعَ فَسَادهَا بِهِ فالخطبة أولى وَيجوز للمستمع إِذا عطس أَن يحمد الله خُفْيَة لِأَنَّهُ ذكر وجد سَببه وَلَا يخْتل بِهِ مَقْصُود وَله أَن يُؤمن على دُعَاء الْخَاطِب كَمَا يُؤمن على دُعَاء الْقُنُوت وَله أَن يصلى على رَسُول الله ﷺ إِذا ذكر فِي الْخطْبَة نَص عَلَيْهِ لِأَنَّهُ سنة فِي الْخطْبَة فَأشبه التَّأْمِين بل أولى لِأَن الصَّلَاة عَلَيْهِ آكِد من التَّأْمِين على الدُّعَاء وَلَيْسَ للأخرس الْإِشَارَة بِمَا يمْنَع مِنْهُ الْكَلَام لِأَن الشَّارِع جعل إِشَارَته كنطق الْقَادِر قطع بِهَذَا كُله المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَغَيره وَلم أجد مَا يُخَالف ذَلِك صَرِيحًا بل إطلاقا وظاهرا وَقَالَ إِسْحَاق بن ابراهيم وسمعته يَقُول فِي

стр. 149

رجل يَأْتِي وَالْإِمَام فِي الْخطْبَة وَهُوَ يتَكَلَّم قَالَ لَا بَأْس بالْكلَام مَا لم يجلس وَكَلَامه فِي الْمُحَرر ظَاهر فِي تَحْرِيم ابْتِدَاء نَافِلَة بعد الشُّرُوع فِي الْخطْبَة وَأَنه على الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَحْرِيم الْكَلَام وَكَذَا ظَاهر كَلَام غَيره وَقطع الشَّيْخ وجيه الدّين المنجا بِأَنَّهُ يحرم ابْتِدَاء نَافِلَة من حِين خُرُوج الإِمَام وَأَنه يُخَفف مَا كَانَ فِيهِ لِأَن الْكَلَام لَا ضَرَر فِي قطفه بِالْحَال بِخِلَاف الصَّلَاة وَمرَاده على ظَاهر الْمَذْهَب فِي تَحْرِيم الْكَلَام وَتَحْرِيم إِبَاحَة الِاشْتِغَال عَن اسْتِمَاع الْخطْبَة بِكَلَام لَا فَائِدَة فِيهِ مَعَ تَحْرِيم الِاشْتِغَال عَنْهَا بِالصَّلَاةِ وَهَذَا معنى كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين وَالْمُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة فَلْيتَأَمَّل فِي عدَّة مسَائِل وَقد جعل المُصَنّف ابْتِدَاء نَافِلَة فِي حَال الْخطْبَة أصلا كَمَسْأَلَة تَحْرِيم الْكَلَام وَمرَاده على الشَّافِعِي من تَأمل كَلَامه فِي مسَائِل لِأَن أَكثر الشَّافِعِيَّة يَقُولُونَ بذلك وَإِن لم يجب الانصات وَقد نقل صَاحب الْحَاوِي من الشَّافِعِيَّة الْإِجْمَاع على تَحْرِيم ابْتِدَاء النَّافِلَة وَقد عرف من مَسْأَلَة إِكْمَال النَّفْل أَن كَلَامه صَادِق عَلَيْهَا وَأَنه غير مُرَاد وَقد حكى الشَّيْخ موفق الدّين عَن أبي حنيفَة وَمَالك كَرَاهَة فعل تَحِيَّة الْمَسْجِد وَالْإِمَام يخْطب وَقَالَ لِأَن الرُّكُوع يشْغلهُ عَن اسْتِمَاع الْخطْبَة فكره كركوع غير الدَّاخِل وَلم يجب عَن ذَلِك وَكَذَا ذكر الشَّيْخ مجد الدّين وبحثهما مَعَ ابْن عقيل فِي أَن من لَا يستمع الْخطْبَة لَهُ أَن يبتدىء نَافِلَة يدل على التَّحْرِيم وَذكر أَن التَّنَفُّل يَنْقَطِع بجلوس الإِمَام على الْمِنْبَر ومرادهما بِخُرُوجِهِ بِدَلِيل مَا استدلوا بِهِ وَقد صرح بِهِ الشَّيْخ مجد الدّين وَلم يتَعَرَّض الشَّيْخ موفق الدّين لتَحْرِيم وَلَا كَرَاهَة

стр. 150

صَرِيحَة إِلَّا أَنه قَالَ بعد كَلَامه الْمَذْكُور فَلَا يُصَلِّي أحد غير الدَّاخِل يُصَلِّي تَحِيَّة الْمَسْجِد ويتجوز فِيهَا وَلَعَلَّ ظَاهره التَّحْرِيم لِأَنَّهُ ظَاهر النَّهْي فِي لِسَان الشَّرْع وَحكمه وَهَذَا معنى عِبَارَته فِي الْمُسْتَوْعب مَعَ أَنه قطع بِأَنَّهُ لَا يكره الْكَلَام فِي هَذِه الْحَال وَقَالَ الشَّيْخ مجد الدّين فِي بحث الْمَسْأَلَة وَلِأَن النَّفْل فِي هَذِه الْحَال قد يُفْضِي إِلَى الْمَنْع من سَماع الْخطْبَة فَإِن قطعه مَكْرُوه أَو محرم بِخِلَاف الْكَلَام فَإِن قطعه عِنْد الْأَخْذ فِي الْخطْبَة لَا مَحْذُور فِيهِ فَلذَلِك لم يكره قبلهَا وَهَذَا الْكَلَام يَقْتَضِي ابْتِدَاء النَّفْل بعد خُرُوج الإِمَام وَقد سبق أَن الشَّيْخ وجيه الدّين ذكر التَّحْرِيم وَقَالَ المُصَنّف فِي بحث مَسْأَلَة تَحِيَّة الْمَسْجِد لِأَنَّهَا صَلَاة لَهَا سَبَب فَلم تمنع الْخطْبَة مِنْهَا كالفائتة وإكمال النَّفْل الْمُبْتَدَأ إِذا خرج الإِمَام وَهُوَ فِيهِ وَذكر أَيْضا فِيهَا أَن الْقيَاس على النَّفْل الْمُطلق لَا يَصح لِأَنَّهُمَا أوكد مِنْهُ وَلِهَذَا لَو شرع فِي تطوع مُطلق بِأَرْبَع ثمَّ جلس الإِمَام على الْمِنْبَر وَهُوَ فِي أَولهَا تعين عَلَيْهِ أَن يقْتَصر على رَكْعَتَيْنِ وَلَو كَانَت الْأَرْبَع الرَّاتِبَة قبل الْجُمُعَة فَإِنَّهُ يُتمهَا عِنْد أبي حنيفَة لِأَنَّهَا سنة مُؤَكدَة عِنْده فَكَذَلِك هُنَا وَلَعَلَّ ظَاهر هَذَا مُوَافقَة كَلَام الشَّيْخ وجيه الدّين وَفِيه نظر لِأَنَّهُ تَحِيَّة من قَالَ بِكَرَاهَة التَّحِيَّة وَغَيرهَا وَلم يحل التَّحْرِيم وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعب وَلَا يُصَلِّي بعد صعُود الإِمَام الْمِنْبَر إِلَّا من دخل الْمَسْجِد يوجز فيهمَا وَالَّذِي يظْهر مِمَّا تقدم أَن النَّفْل الْمُبْتَدَأ يحرم بعد الشُّرُوع فِي الْخطْبَة وَهل يحرم بعد خُرُوج الإِمَام على وَجْهَيْن

стр. 151

وَقَالَ فِي الْمُحِيط للحنفية وَيكرهُ التَّطَوُّع من حِين يخرج الامام للخطبة إِلَى أَن يفرغ من الصَّلَاة قَالَ وَكَذَلِكَ الْكَلَام عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا لَا بَأْس بِهِ قبل الْخطْبَة وَبعدهَا مالم يدْخل الامام فِي الصَّلَاة وَاحْتج صَاحب الْمُحِيط بقوله ﵊ إِذا خرج الامام فَلَا صَلَاة وَلَا كَلَام حَتَّى يفرغ وَهَذَا لَا تعرف صِحَّته فيعتمد عَلَيْهِ وَرِوَايَة عدم تَحْرِيم الْكَلَام على ظَاهرهَا عِنْد أَكثر الْأَصْحَاب وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين بن المنجا وَهَذَا مَحْمُول على الْكَلِمَة والكلمتين لِأَنَّهُ لَا يخل بِسَمَاع الْخطْبَة وَلِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ التَّحَرُّز من ذَلِك غَالِبا لَا سِيمَا إِذا لم يفته سَماع أَرْكَانهَا وَذكر أَيْضا مَا ذكر غير وَاحِد أَنه هَل يجب الانصات لخطبة الْعِيد إِذا وَجب الانصات لخطبة الْجُمُعَة على رِوَايَتَيْنِ وَقَالَ عَن رِوَايَة عدم الْوُجُوب وَهَذَا مَحْمُول على كَمَال الانصات وَإِلَّا فَتَركه بِالْكُلِّيَّةِ والتشاغل بِاللَّغْوِ غير جَائِز وفَاقا قَوْله وَمن أدركهم بعد الرُّكُوع فِي الثَّانِيَة فقد فَاتَتْهُ الْجُمُعَة فَقطع بِهِ أَكثر الْأَصْحَاب وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ لما روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من أدْرك من الْجُمُعَة رَكْعَة أضَاف إِلَيْهَا أُخْرَى وَمن أدركهم جُلُوسًا صلى الظّهْر أَرْبعا رَوَاهُ جمَاعَة مِنْهُم ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَقل أَن تسلم طَرِيق لهَذَا الحَدِيث عَن الْقدح إِلَّا أَن أَحْمد قَالَ فِي رِوَايَة حَنْبَل وَعبد الله لَوْلَا الحَدِيث الَّذِي يرْوى فِي الْجُمُعَة لَكَانَ يَنْبَغِي أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إِذا أدركهم جُلُوسًا وَهَذَا يدل على

стр. 152

أَنه قد صَحَّ لَهُ طَرِيق عِنْده وَهُوَ كَمَا قَالَ المُصَنّف لِأَن كَلَام الإِمَام يعْطى أَنه ترك قِيَاسا وأصلا لهَذَا الحَدِيث فَلَا بُد وَأَن يكون النَّاقِل لَهُ عَن الأَصْل صَالحا للحجة وَقد روى الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك هَذَا الحَدِيث من طرق ثَلَاثَة وَقَالَ أسانيدها صَحِيحَة وروى غير وَاحِد من الْأَئِمَّة هَذَا الْمَعْنى عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَرَوَاهُ بَعضهم عَن أنس وَلم يعرف لَهُم مُخَالف وَقد ذكر أَبُو بكر فِي التنبية أَن ذَلِك إِجْمَاع الصَّحَابَة وَقَالَ مهنى قلت لِأَحْمَد إِذا أدْركْت التَّشَهُّد مَعَ الإِمَام يَوْم الْجُمُعَة كم أُصَلِّي قَالَ أَرْبعا كَذَلِك قَالَ ابْن مَسْعُود وَكَذَلِكَ فعل أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَعَن أَحْمد يُصَلِّي جُمُعَة رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَدَاوُد لقَوْله ﷺ مَا أدركتم فصلوا وَمَا فاتكم فَأتمُّوا أَو فاقضوا وَأجِيب بِأَن هَذَا لَا يتَنَاوَل إِلَّا من أدْرك شَيْئا يعْتد بِهِ بِدَلِيل قَوْله فَأتمُّوا وَلَا يُقَال أدْرك تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَهِي مُعْتَد بهَا لأَنا نقُول لم يُدْرِكهَا مَعَه وَإِنَّمَا يَأْتِي بهَا ليدْخل بهَا مَعَه على أَنه عَام فَيخْتَص بِمَا تقدم فَإِن أدْرك دون الرَّكْعَة إدراكا يعْتد بِهِ كَمثل المرجوم وَنَحْوهَا فقد ذكر المُصَنّف قبل هَذِه وفيهَا رِوَايَات إِحْدَاهَا يُتمهَا جُمُعَة كَقَوْل أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَالثَّانيَِة ظهرا كَقَوْل الشَّافِعِي وَالثَّالِثَة يسْتَأْنف ظهرا كَقَوْل مَالك فَأَما بَاقِي الصَّلَوَات الْخمس فَمن أدْرك الإِمَام فِيهَا قبل سَلَامه فقد أدْرك الْجَمَاعَة نَص عَلَيْهِ أَحْمد وَقطع بِهِ أَكثر الْأَصْحَاب وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَهَذَا إِجْمَاع من أهل الْعلم لَا نعلم فِيهِ خلافًا لعُمُوم الْأَدِلَّة فِي دُخُوله مَعَه على أَي حَال كَانَ وَعَن كثير بن شنظير عَن عَطاء

стр. 153

ابْن أبي رَبَاح عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من أدْرك رَكْعَة من الصَّلَاة فقد أدْرك فضل الْجَمَاعَة وَمن أدْرك الامام قبل أَن يسلم فقد أدْرك فضل الْجَمَاعَة رَوَاهُ أَبُو أَحْمد بن عدي فِي الْكَامِل قَالَ حَدثنَا حَاجِب بن مَالك أخبرنَا عباد بن الْوَلِيد أخبرنَا صَالح بن رزين الْمعلم مُحَمَّد بن جَابر عَن أبان بن طَارق عَن كثير فَذكره وَكثير بن شنطير من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَتكلم فِيهِ بَعضهم وَاخْتلف قَول ابْن معِين فِيهِ وَقَالَ أَحْمد صَالح الحَدِيث وَذكر ابْن عدي هَذَا الْخَبَر فِي تَرْجَمَة كثير وَقَالَ ولكثير بن شنطير من الحَدِيث غير مَا ذكرت وَلَيْسَ فِي حَدِيثه شَيْء مُنكر وَأَحَادِيثه أَرْجُو أَن تكون مُسْتَقِيمَة انْتهى كَلَامه وَهَذَا يدل على أَن الحَدِيث قد صَحَّ إِلَى كثير وَأَن الحَدِيث حَدِيثه وَأَنه يعرف بِهِ وَأَنه لَيْسَ بمنكر عِنْد ابْن عدي مَعَ أَن فِي الاسناد إِلَى كثير ضعفا وَلِأَنَّهُ أدْرك جُزْءا من صَلَاة الإِمَام أشبه مَا لَو أدْرك رَكْعَة لِأَنَّهُ أدْرك جُزْءا من الصَّلَاة فَأشبه مَا لَو أدْركهُ فِي تشهد صَلَاة الْعِيد وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي الأَصْل قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي شرح الْمقنع وَلِأَنَّهُ إِذْ أدْرك جُزْءا من صَلَاة الإِمَام فَأحْرم مَعَه لزمَه أَن يَنْوِي الصّفة الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا وَهُوَ كَونه مَأْمُوما فَيَنْبَغِي أَن يدْرك فضل الْجَمَاعَة وَظَاهر كَلَام ابْن أبي مُوسَى أَن الْجَمَاعَة لَا تدْرك إِلَّا بِرَكْعَة قَالَه بَعضهم وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَة قولا وَهَذَا اخْتِيَار الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قَالَ وَهُوَ مَذْهَب مَالك

стр. 154

وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ اخْتَارَهَا جمَاعَة من أَصْحَابه قَالَ وَهُوَ وَجه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي وَاخْتَارَهُ أَبُو المحاسن الرَّوْيَانِيّ وَغَيره وَجه هَذَا مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أدْرك رَكْعَة من الصَّلَاة فقد أدْرك الصَّلَاة وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث يُونُس عَن الزُّهْرِيّ وَزَاد مَعَ الإِمَام وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَمعمر وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَيُونُس وَعبيد الله عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة وَلَيْسَ فِي حَدِيث أحد مِنْهُم مَعَ الإِمَام وَفِي حَدِيث عبيد الله قَالَ فقد أدْرك الصَّلَاة كلهَا وَلمن اخْتَار الأول أَن يَقُول هَذَا الحَدِيث يدل بِالْمَفْهُومِ وَلَيْسَ بِحجَّة وَلَو كَانَ فَهَذَا الْمَفْهُوم لَيْسَ بِحجَّة لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا وَهُوَ الَّذِي قطع بِهِ فِي مُسلم أَنه خرج على الْغَالِب فَإِن غَالب مَا يُمكن معرفَة إِدْرَاكه رَكْعَة وَنَحْوهَا وَأما التَّكْبِيرَة فَلَا يكَاد يحس بهَا الثَّانِي أَن التَّقْيِيد بِرَكْعَة إِنَّمَا كَانَ لكَمَال ثَوَاب الصَّلَاة بإدراكها عملا بِرِوَايَة عبيد الله الْمَذْكُورَة إِذْ هُوَ أولى من إلغائها وَلَا يُمكن حملهَا على أَن من أدْرك من الصَّلَاة مَا يعْتد بِهِ لَا يجب عَلَيْهِ قَضَاء شَيْء وَمَا ذكره المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة فِي بحث مَسْأَلَة وَمن أدْرك مَعَ الإِمَام مِنْهَا رَكْعَة أتمهَا جُمُعَة لِأَنَّهُ يفوت الثَّوَاب الْكَامِل بِفَوَات الْخطْبَة فَلَا يُنَافِي ذَلِك فَإِنَّهُ قد يكون ثَوابًا كَامِلا وأكمل مِنْهُ وَقد ذكر فِي الْمُغنِي فِي بحث مَسْأَلَة صِحَة الصَّوْم بنية من النَّهَار أَنه يحكم لَهُ بِالصَّوْمِ الشَّرْعِيّ المثاب عَلَيْهِ وَقت النِّيَّة فِي الْمَنْصُوص وَهُوَ قَول بعض الشَّافِعِيَّة

стр. 155

وَقَالَ أَبُو الْخطاب يحكم لَهُ بذلك من أول النَّهَار وَهُوَ قَول بعض الشَّافِعِيَّة لِأَنَّهُ لَو أدْرك بعض الرَّكْعَة أَو بعض الْجَمَاعَة كَانَ مدْركا لجميعها وَقَالَ الشَّيْخ مجيبا عَن هَذَا وَأما إِدْرَاك الرَّكْعَة وَالْجَمَاعَة فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه لَا يحْتَاج إِلَى قَضَاء رَكْعَة وَيَنْوِي أَنه مَأْمُوم وَلَيْسَ هَذَا مستحيلا أما أَن يكون مَا صلى الْأَمَام قبله من الرَّكْعَات محسوبا لَهُ بِحَيْثُ يُجزئهُ عَن فعله فكلا وَلِأَن مدرك الرُّكُوع مدرك لجَمِيع أَرْكَان الرَّكْعَة لِأَن الْقيام وجد حِين كبر وَفعل سَائِر الْأَركان مَعَ الإِمَام وَأما الصَّوْم فَلِأَن النِّيَّة شَرط لَهُ أَو ركن فِيهِ فَلَا يتَصَوَّر وجوده بِدُونِ شَرطه أَو رُكْنه انْتهى كَلَامه وَلَو سلم أَن هَذَا الْمَفْهُوم حجَّة فَهَل يخص عُمُوم الْأَمر بِالدُّخُولِ مَعَ الامام على أَي حَال كَانَ وللعلماء فِيهِ خلاف مَشْهُور وَمن جملَة الْأَدِلَّة حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَنهُ ﵊ إِذا جئْتُمْ وَنحن سُجُود فاسجدوا وَلَا تعدوها شَيْئا وَمن أدْرك الرَّكْعَة فقد أدْرك الصَّلَاة رَوَاهُ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَإِسْنَاده حسن وَفِيه يحيى بن أبي سُلَيْمَان الْمدنِي روى لَهُ النَّسَائِيّ وَلم يتَكَلَّم فِيهِ مَعَ أَنه شَرطه فِي الرِّجَال وَكَذَا أَبُو دَاوُد وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَقَالَ أَبُو حَاتِم يكْتب حَدِيثه لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَقَالَ البُخَارِيّ مُنكر الحَدِيث وَلَو سلم أَنه يخص الْعُمُوم فَلَا نسلم أَن الْمَفْهُوم عُمُوما وَفِيه لنا خلاف وَاخْتَارَ الشَّيْخ موفق الدّين فِي بحث مَسْأَلَة المَاء الْجَارِي هَل ينجس بِمُجَرَّد الملاقاة أَنه لَا عُمُوم لَهُ وَأَنه تَكْفِي الْمُخَالفَة فِي صُورَة وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَمَفْهُوم قَوْله وَمن أدْرك الرَّكْعَة فقد أدْرك الصَّلَاة أَن من لم يدْرك الرَّكْعَة لم يدْرك الصَّلَاة وَنحن نقُول بِهِ فِي بعض الصُّور

стр. 156

قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة فَإِن كبر وَالْإِمَام فِي التسليمة الأولى أَو لم يفرغ مِنْهَا حَتَّى أَخذ فِيهَا فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا يكون مدْركا لِأَنَّهُ كبر وَالْإِمَام فِي الصَّلَاة لم يُتمهَا لِأَن السَّلَام عندنَا مِنْهَا وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَح لَا يكون مدْركا لَهُ وَبِه قَالَت الْحَنَفِيَّة لِأَنَّهُ لم يدْرك مَعَه مَا يجوز مُتَابَعَته فِيهِ بل صادفه فِي نفس الْخُرُوج والتحلل وَلِأَنَّهُ أحد طرفِي الصَّلَاة فَلم ينْعَقد إِحْرَام الْمُؤْتَم وَالْإِمَام فِيهِ كالتحريمة وَكَذَا الْوَجْهَانِ عندنَا إِذا كبر بعد التسليمة الأولى وَقبل الثَّانِيَة وَقُلْنَا بِوُجُوبِهَا فَأَما أَن قُلْنَا إِنَّهَا سنة لم يدْرك الْجَمَاعَة وَجها وَاحِدًا انْتهى كَلَامه وَإِن أدْركهُ فِي سُجُود سَهْو بعد السَّلَام فَهَل يدْخل مَعَه وَتَصِح صلَاته فِيهِ رِوَايَتَانِ وَلَو سلم عُمُوم الْمَفْهُوم خص بِمَا تقدم من الْأَثر وَالْقِيَاس وَالْفرق بَين الْجُمُعَة وَغَيرهَا من أوجه أَحدهَا مَا ذكره المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَهُوَ أَن الْجَمَاعَة لَو زَالَت فِي أول رَكْعَة لسَبَب كَانَ مدْركا لفضلها وَلَو نقص الْعدَد فِي أول رَكْعَة من الْجُمُعَة لم يدْرك الْجُمُعَة الثَّانِي أَن الْجُمُعَة عِنْد أبي حنيفَة وصاحبيه وَالشَّافِعِيّ وَرِوَايَة لنا يشْتَرط وُقُوع جَمِيعهَا فِي الْوَقْت فبعضها خَارج الْوَقْت لما نقلنا حكمهَا توقف مدركها على رَكْعَة بِخِلَاف غَيرهَا فَإِنَّهُ يجوز وُقُوع بَعْضهَا فِي الْوَقْت وَبَعضهَا خَارجه وفَاقا فَكَانَ حكمهَا أخف الثَّالِث أَن الْإِدْرَاك نَوْعَانِ إِدْرَاك إِلْزَام يحصل بتكبيرة الاحرام كإحرام الْمُسَافِر خلف الْمُقِيم يلْزمه الْإِتْمَام وَإِدْرَاك إِسْقَاط لَا يحصل

стр. 157

إِلَّا بِرَكْعَة كمن أدْرك الإِمَام سَاجِدا لم تسْقط عَنهُ الرَّكْعَة إِلَّا بِإِدْرَاك جَمِيعهَا وَإِدْرَاك الْجُمُعَة كَذَلِك فَإِن الأَصْل إِقَامَة الصَّلَاة أَربع رَكْعَات وَالْجُمُعَة أُقِيمَت مقَامهَا بشرائط فَفِي إِدْرَاكهَا إِسْقَاط لأَرْبَع بِخِلَاف إِدْرَاك الْإِلْزَام الرَّابِع أَن صَلَاة الْجُمُعَة مدركة بِالْفِعْلِ وَهَذَا يسْقط بِفَوَات الْفِعْل فَلم يصر مدْركا إِلَّا بِمَا يعْتد بِهِ من أفعالها وَسَائِر الصَّلَوَات تدْرك بِالزَّمَانِ فَلذَلِك تسْقط بِفَوَات الزَّمَان فَصَارَ مدْركا لَهَا بِقَلِيل الزَّمَان وَكَثِيره الْخَامِس أَن الْجُمُعَة آكِد فِي نظر الشَّرْع وَلذَلِك اخْتصّت بأَشْيَاء وَأجْمع النَّاس على تعْيين الْجَمَاعَة لَهَا بِخِلَاف غَيرهَا فَجَاز أَن تخْتَص بِخِلَاف غَيرهَا السَّادِس أَن الْجَمَاعَة فِيهَا لَا تَتَكَرَّر كثيرا فَفِي القَوْل بِأَنَّهَا لَا تدْرك إِلَّا بِرَكْعَة حرج ﷺ َ - صَلَاة الْعِيدَيْنِ قَوْله وَأَن يبكر الْمَأْمُوم إِلَيْهَا مَاشِيا احْتج لَهُ جمَاعَة بِفِعْلِهِ ﵊ وَقِيَاسًا على الْجُمُعَة وَغَيرهَا وَقَالَ ابْن عقيل وَالْمَشْي إِلَى صَلَاة الْعِيد أفضل من الرّكُوب لِأَن الْمَشَقَّة أَكثر وثواب الْعِبَادَة على قدر الْمَشَقَّة

стр. 158

وَظَاهر كَلَامهم أَنه إِن ركب لم يكره لَكِن ترك الْمُسْتَحبّ وَمَتى كَانَ عذر من بعد أَو غَيره فَلَا بَأْس قَالَ بَعضهم نَص عَلَيْهِ وَظَاهر كَلَامهم أَنه إِن شَاءَ ركب فِي الرُّجُوع وَإِن شَاءَ لم يركب وَصرح بِهِ ابْن عقيل فَقَالَ فَإِذا رَجَعَ فالمشي وَالرُّكُوب سَوَاء لِأَن رُجُوعه إِلَى بَيته لَيْسَ بِعبَادة وَقَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة فَأَما الْعود مِنْهَا فَيُسْتَحَب الْمَشْي فِيهِ لَكِن إِن ركب لم يكره نَص عَلَيْهِ لِأَن السَّعْي إِلَى الْعِبَادَة قد انْقَضى وَقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه ركب فِي عوده من الْجِنَازَة وَمَا نَحن فِيهِ بِمَعْنَاهُ انْتهى كَلَامه وَظَاهره كَرَاهَة الْمَشْي فِي ذَهَابه فَظهر أَن فِي كَرَاهَة الْمَشْي فِي ذَهَابه وَجْهَيْن وَأَن فِي اسْتِحْبَاب الْمَشْي من عودته مِنْهُ وَجْهَيْن وَأطلق هُنَا اسْتِحْبَاب التبكير كَمَا أطلقهُ فِي الْجُمُعَة وَظَاهره اسْتِحْبَابه من أول الْيَوْم وَهُوَ ظَاهر كَلَام غَيره وَذكره جمَاعَة فِي التبكير إِلَى الْجُمُعَة مِنْهُم المُصَنّف وَالشَّيْخ موفق الدّين وَالشَّيْخ وجيه الدّين وَذكروا فِي التبكير إِلَى الْعِيد بعد صَلَاة الصُّبْح وَظَاهره أَنه لَا يسْتَحبّ التبكير من طُلُوع الْفجْر وَفِيه نظر وَلم يستدلوا لَهُ وَلَعَلَّ مُرَادهم أَن صَلَاة الْعِيد تفعل فِي الصَّحرَاء وَلَيْسَت محلا لِاجْتِمَاع الْجَمَاعَة كَصَلَاة الْفَرْض غَالِبا وَإِلَّا فَلَا إلجاء لذَلِك وَكَلَامهم فِي دَلِيل الْمَسْأَلَتَيْنِ يَقْتَضِي اسْتِحْبَاب التبكير إِلَى الصَّلَاتَيْنِ من طُلُوع الْفجْر وَقَالَ ابْن عقيل وَيسْتَحب للْمَأْمُوم أَن يدْخل الْمصلى بعد صَلَاة الْفجْر فَإِن صلى فِيهِ صَلَاة الْفجْر فَلَا بَأْس

стр. 159

قَوْله وَلَا سنة لصَلَاة الْعِيد قبلهَا وَلَا بعْدهَا لَا يدل كَلَامه على كَرَاهَة الصَّلَاة قبلهَا وَبعدهَا بل قد يُقَال ظَاهر كَلَامه عدم الْكَرَاهَة لمَذْهَب جمَاعَة من أهل الْعلم وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي إِلَّا أَنه كرهه للْإِمَام خَاصَّة وَالْمذهب كَرَاهَة الصَّلَاة قبلهَا وَبعدهَا فِي موضعهَا حَتَّى تَحِيَّة الْمَسْجِد نَص عَلَيْهِ وَهَذَا معنى كَلَام أَكثر الْأَصْحَاب وَهَذَا الْكَلَام يُعْطي أَنه لَا سنة قبلهَا وَلَا بعْدهَا لَكِن مُرَادهم بِكَرَاهَة التَّطَوُّع بعْدهَا إِذا لم يُفَارق مَوضِع صلَاته لِأَنَّهُ لَو فَارقه ثمَّ عَاد إِلَيْهِ لم يكره التَّنَفُّل نَص عَلَيْهِ وَهُوَ وَاضح وَظَاهر كَلَامهم هَذَا أَنه لَا يكره غير التَّطَوُّع فِي مَوضِع صَلَاة الْعِيد وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد يكره قَضَاء الْفَوَائِت فِي الْمصلى إِن خَافَ أَن يَقْتَدِي بِهِ بعض من يرَاهُ وَوجه كَرَاهَة التَّطَوُّع قبلهَا وَبعدهَا مَا هُوَ صَحِيح مَشْهُور أَنه ﵊ صلى رَكْعَتَيْنِ لم يصل قبلهمَا وَلَا بعدهمَا وَفِيه نظر لِأَن عدم الْفِعْل لَا يدل على الْكَرَاهَة وَترك الْمُسْتَحبّ لمستحب أولى مِنْهُ لَا يدل على أَن الْمَتْرُوك لَيْسَ بمستحب إِنَّمَا غَايَته أَن يدل على أَن يفعل هَذَا اقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ لَكِن يدل على أَنه لَيْسَ لَهَا سنة راتبة قبلهَا وَلَا بعْدهَا كَمَا ذكره فِي الْمُحَرر وَقد اخْتَار ابْن عقيل أَنه يسْتَحبّ للْإِمَام أَن يتَطَوَّع فِي غير مَوضِع الْمَكْتُوبَة

стр. 160

وَأَنه لَا يكره بِنَاء مِنْهُ على أَنه لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَة إِلَّا أَنه ﵊ كَانَ يتَطَوَّع فِي غير موضعهَا فَنَهَضَ هَذَا للاستحباب وَلم ينْهض للكراهة فَقَالَ بذلك وَصرح القَاضِي وَأَبُو الْخطاب وَابْن عقيل وَجَمَاعَة بِكَرَاهَة فعل صَلَاة الْعِيد فِي الْجَامِع لغير عذر وَعدل فِي الْكَافِي وَالْمُحَرر عَن هَذَا الْعبارَة فَذكر أَنه يسن فعلهَا فِي الصَّحرَاء نظرا مِنْهُمَا إِلَى أَنه لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَة إِلَّا الِاقْتِدَاء بِهِ ﵊ وبالخلفاء الرَّاشِدين ﵃ فِي فعلهَا فِي الصَّحرَاء وَهَذَا ينْهض للاستحباب وَكَرَاهَة الأولى فَقَالَا بِهِ فَصَارَت الْمَسْأَلَة على وَجْهَيْن وَالْأَكْثَر على كَرَاهَة التَّنْزِيه وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول لَا صَلَاة قبلهَا وَلَا بعْدهَا وَعَن جرير قَالَ حفظت من رَسُول الله ﷺ لَا صَلَاة فِي الْعِيدَيْنِ قبل الإِمَام رَوَاهُمَا أَبُو عبد الله ابْن بطة من أَصْحَابنَا وَلم أَقف على كَلَام لأحد فِي سندهما وَيبعد صحتهما وَقَالَ النَّسَائِيّ فِي سنَنه أخبرنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور أخبرنَا عبد الرَّحْمَن عَن الْأَشْعَث عَن الْأسود بن هِلَال عَن ثَعْلَبَة بن زَهْدَم أَن عليا اسْتخْلف أَبَا مَسْعُود على النَّاس فَخرج يَوْم عيد فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِنَّه لَيْسَ من السّنة أَن يُصَلِّي قبل الإِمَام الْأَشْعَث هُوَ ابْن أبي الشعْثَاء من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَكَذَا الْأسود وَهُوَ قديم أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَرُوِيَ عَن عمر ومعاذ وَغَيرهمَا وثعلبة مُخْتَلف فِي صحبته وَلم أجد أحدا تكلم فِيهِ وللمخالف أَن يمْنَع ثُبُوت صِحَّته وَيَقُول لم يرو عَنهُ غير الْأسود وَقد عرف أَن الْجَهَالَة لَا تَزُول بِهِ أَو بِوَاحِد هَذَا الْمَشْهُور وَهَذَا يَنْبَغِي أَن يكون فِي الْمُتَأَخِّرين فَأَما المتقدمون فَكَلَام الْمُحدثين فيهم على قَوْلَيْنِ وَيعرف ذَلِك بِكَلَام الْأَئِمَّة فِي حَدِيث أبي ذَر إِذا وجدت المَاء فأمسه بشرتك فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنهُ عَمْرو بن بجدان وَانْفَرَدَ عَنهُ أَبُو قلَابَة فِي حَدِيث عبَادَة خمس صلوَات

стр. 161

كتبهن الله على العَبْد فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنهُ الْمذْحِجِي وَانْفَرَدَ ابْن محيريز وَغير ذَلِك من الْأَحَادِيث وَبِتَقْدِير صِحَة هَذَا الْخَبَر وَأَن قَول الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ من السّنة ينْصَرف إِلَى سنة النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ الظَّاهِر فالصحابي لم ينْقل لفظا عَن النَّبِي ﷺ فِي هَذَا إِنَّمَا قَالَ إِنَّه من السّنة فَيحْتَمل أَن يكون أَخذه من كَونه ﵊ لم يصل قبلهَا وَلَا بعْدهَا بل هَذَا هُوَ الظَّاهِر لِأَن هَذَا هُوَ الشَّائِع الْمَشْهُور الصَّحِيح أما صِيغَة نهي فَلَيْسَ بِمَشْهُور وَلَا تعرف صِحَّته وَإِذا احْتمل وَتردد توقف الحكم والمتحقق أَنه رَأْي صَحَابِيّ واجتهاد وَلَيْسَ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِجْمَاع الصَّحَابَة ﵃ وَالْخلاف عَنْهُم فِيهَا مَعْرُوف فِي كتب الحَدِيث وَقد نقل الإمامان الشَّافِعِي وَأحمد الْخلاف عَنْهُم فِيهَا وَأكْثر مَا يقدر أَن يكون فِيهَا قَول بَعضهم وَلم ينْقل عَن غَيره خِلَافه وَلَا سَبِيل إِلَى إِثْبَات دَعْوَى انتشاره وَبِتَقْدِير الثُّبُوت فَهَل هُوَ حجَّة أَو إِجْمَاع أَو لَا وَاحِد مِنْهُمَا أَو غيرذلك من الْأَقْوَال فِيهَا الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة فِي الْأُصُول وَالْأَصْل اسْتِحْبَاب الصَّلَاة وَالْكَرَاهَة تفْتَقر إِلَى دَلِيل وَالْأَصْل عَدمه وعَلى تَقْدِير ثُبُوت الْكَرَاهَة فقد ذكر الشَّيْخ أَبُو الْفرج الشِّيرَازِيّ الْمَقْدِسِي احْتِمَالا أَن تَحِيَّة الْمَسْجِد تصلى وَذكره بعض الْمُتَأَخِّرين قولا وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي قَتَادَة أَنه ﵊ قَالَ إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد فَلَا يجلس حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهَذَا الدَّلِيل بِفعل تَحِيَّة الْمَسْجِد بَينه وَبَين دَلِيل كَرَاهَة الصَّلَاة قبل الْعِيد وَبعدهَا عُمُوم وخصوص لَكِن هَذَا أصح وَهِي صِيغَة نهي فرجح لَو تساقطا

стр. 162

فالأدلة الْمُطلقَة على اسْتِحْبَاب الصَّلَاة مُطلقًا تتَنَاوَل هَذَا الْفَرد الْخَاص لَا معَارض لَهَا فِيهِ فَيعْمل بهَا قَوْله وَمن فَاتَتْهُ صَلَاة مَعَ الإِمَام صلاهَا على صفتهَا كَمَا لَو أدْركهُ فِي التَّشَهُّد ظَاهره أَنه لَو أدْركهُ فِي التَّشَهُّد لَا خلاف فِيهِ وَلَعَلَّ مُرَاده عَن أَحْمد فقد خرج القَاضِي وَجها أَنه يُصَلِّي أَرْبعا إِذا قُلْنَا يَقْضِيهَا الْمُنْفَرد أَرْبعا قِيَاسا على الْجُمُعَة وَقد صرح أَحْمد بالتفرقة فِي رِوَايَة حَنْبَل قَالَ فِي المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَمَعَ تَصْرِيح الامام بالتفرقة يمْنَع التَّخْرِيج وَالْفرق بَينهمَا من وُجُوه أَحدهَا أَن الْجُمُعَة تسْقط بِخُرُوج وَقتهَا بِخِلَاف الْعِيد الثَّانِي أَن مدرك التَّشَهُّد فِي الْجُمُعَة قد انْضَمَّ إِلَى فَوَات مَا فَاتَهُ من الْخطْبَتَيْنِ القائمتين مقَام رَكْعَتَيْنِ وَهَهُنَا بِخِلَافِهِ الثَّالِث أَن الْقيَاس أَن يقْضى كل صَلَاة على حسب مَا فَاتَت لَكِن تَرَكْنَاهُ فِي الْجُمُعَة للنَّص الْوَارِد فِيهَا وَلم يرد فِي الْعِيد مثله فبقينا فِيهِ على الْقيَاس وَقد أَوْمَأ أَحْمد إِلَى هَذَا التَّعْلِيل فَقَالَ فِي رِوَايَة حَنْبَل وَعبد الله لَوْلَا الحَدِيث الَّذِي يرْوى فِي الْجُمُعَة لَكَانَ يَنْبَغِي أَن يصلى رَكْعَتَيْنِ إِذا أدركهم جُلُوسًا انْتهى كَلَامه قَوْله وَإِن لم يعلم بالعيد إِلَّا بعد الزَّوَال من يَوْمه صلاه من الْغَد وَكَذَا الحكم إِن لم يصلوا الْعِيد حَتَّى زَالَت الشَّمْس عَالمين بِهِ لعذر أَو لغير عذر وَلَو تركوها من الْغَد أَيْضا صلوا بعده قبل الزَّوَال وَكَذَا لَو مضى عَلَيْهِ أَيَّام قطع بِهِ جمَاعَة من الْأَصْحَاب قَالَ ابْن حمدَان وَفِيه نظر وَذكر القَاضِي أَن

стр. 163

الْخلاف إِذا علمُوا بالعيد قبل الزَّوَال وَلم يصلوا فِي الْيَوْم الثَّانِي لم يصلوا بعد ذَلِك وَوجه الأول أَنَّهَا صَلَاة لم يسْقط وُجُوبهَا بل تقضى بعد فَوَاتهَا بِيَوْم بِالنَّصِّ الصَّحِيح فَكَذَلِك بأيام كَسَائِر الصَّلَوَات المقضيات وَفَارق من فَاتَتْهُ مَعَ الإِمَام فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا مَتى شَاءَ بِأَنَّهَا نَافِلَة وَلَا يشرع لَهَا الِاجْتِمَاع وَقد سقط شعار الْيَوْم بِدُونِهَا وَعند ابْن عقيل لَا يَقْضِيهَا إِلَّا من الْغَد كالمسألة قبلهَا قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين إِذا فعلت من الْغَد هَل تكون قَضَاء تفْتَقر إِلَى نِيَّة الْقَضَاء أم تكون أَدَاء فَإِن كَانَ مَعَ عدم الْعلم أَو الْعذر فِي تَركهَا باشتغالهم بِأَمْر عَظِيم من فتْنَة أَو جِهَاد وَنَحْوه كَانَت أَدَاء لِأَن هَذَا الْوَقْت يصلح أَن تكون فِيهِ أَدَاء عِنْد إِكْمَال الْعدة وَعند تَجْوِيز الْغَلَط فِي حق الشُّهُور وَإِن كَانَ مَعَ الْعلم وَعدم الْعذر كَانَت قَضَاء لفَوَات وَقتهَا كَسَائِر الصَّلَوَات انْتهى كَلَامه وَظَاهر كَلَام غَيره أَنَّهَا قَضَاء مُطلقًا قَوْله وَفِي الْأَضْحَى للمحل من الْفجْر يَوْم عَرَفَة إِلَى آخِره لَو أَتَى بِعِبَارَة صَرِيحَة فِي أَن ابْتِدَاء تَكْبِيرَة الْحَلَال عقب صَلَاة الْفجْر يَوْم عَرَفَة وتكبير الْمحرم عقب صَلَاة الظّهْر ويمتد حَتَّى يكبران عقب صَلَاة الْعَصْر من آخر أَيَّام التَّشْرِيق وَيَنْتَهِي كَانَ أَجود وَكَلَامه يصدق على الصَّلَوَات الْخمس سَوَاء وَقعت فرضا أَو نفلا كَالصَّلَاةِ الْمُعْتَادَة وَصَلَاة الصَّبِي وَهَذَا كَمَا نقُول تكبر الْمَرْأَة إِذا صلت مَعَ رجال تبعا فِي الْمَشْهُور وَإِن قُلْنَا لَا تكبر إِذا صلت بنساء أَو وَحدهَا على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَقد يُقَال كَلَامه ينْصَرف إِلَى الصَّلَاة الْمَعْهُودَة الْمَعْرُوفَة فَتخرج الصَّلَاة

стр. 164

الْمُعَادَة وَتدْخل صَلَاة الصَّبِي وَقد قطع ابْن عقيل وَغَيره بِأَن الصَّبِي يكبر عقب صلَاته لِأَنَّهَا فِي صُورَة الْفَرْض ويدخلها بنية الطُّهْر وَيضْرب عَلَيْهَا بِخِلَاف نفل الْبَالِغ وَلِأَنَّهُ إِذا شرع لَهُ الْإِتْيَان فِيهَا على صُورَة الْفَرِيضَة فِي سننها وفرائضها كَذَلِك يشرع التَّكْبِير بعْدهَا على الصُّورَة وَإِن لم تكن وَاجِبَة وَإِطْلَاق كَلَامه فِي الْمُحَرر يَقْتَضِي أَن كل أحد يكبر عقب كل صَلَاة هَذِه الْمدَّة وَذكر الشَّيْخ وجيه الدّين بن المنجا أَن الإِمَام إِذا كَانَ لَا يرى التَّكْبِير فِي تِلْكَ الصَّلَاة وَالْمَأْمُوم يرَاهُ أَو بِالْعَكْسِ فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَن الْمَأْمُوم يتبع إِمَامه فعلا وتركا لِأَن التَّكْبِير من تَوَابِع الصَّلَاة فَأشبه مَا هُوَ جَار فِي نفس الصَّلَاة إِلَّا أَن يتَيَقَّن خطأ الإِمَام فَإِنَّهُ لَا يُتَابِعه كَمَا قُلْنَا فِيمَا زَاد على سبع تَكْبِيرَات فِي صَلَاة الْجِنَازَة والعيد وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّانِي يجْرِي على مُوجب اعْتِقَاده لِأَن الِاقْتِدَاء لَا أثر لَهُ فِي هَذَا فَإِن الإِمَام إِذا تحلل من صلَاته فقد انْقَطع أثر الْقدْوَة قَوْله وَفِي صَلَاة الْعِيد وَجْهَان سِيَاق كَلَامه فِي عيد الْأَضْحَى وَهُوَ صَحِيح لِأَن عيد الْفطر لَيْسَ فِيهِ تَكْبِير مُقَيّد وَكَذَا قطع بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَلنَا وَجْهَان هَل فِي عيد الْفطر تَكْبِير مُقَيّد وعَلى القَوْل بِهِ يخرج فِي التَّكْبِير عقب عيد الْفطر وَجْهَان كَمَا نقُول فِي عيد الْأَضْحَى وَذكر فِي الْكَافِي فِي التَّكْبِير عقب عيد الْفطر رِوَايَتَيْنِ وَحكى جمَاعَة كَابْن عقيل وَصَاحب التَّلْخِيص فِي التَّكْبِير عقب صَلَاة الْعِيد رِوَايَتَيْنِ وَذكر ابْن عقيل أَن

стр. 165

التَّكْبِير أشبه بِالْمذهبِ قَالَ لِأَنَّهَا صَلَاة مَكْتُوبَة أَو مَفْرُوضَة فسن التَّكْبِير عقيبها كَصَلَاة الْوَقْت وَهَذَا يُوَافق مَا تقدم فصل اخْتلف قَول الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى فِي الحَدِيث الصَّحِيح الْمَشْهُور وَهُوَ قَول النَّبِي ﷺ شهرا عيد لَا ينقصان رَمَضَان وَذُو الْحجَّة فروى عبد الله والأثرم وَغَيرهمَا أَنه قَالَ لَا يجْتَمع نقصانهما إِن نقص رَمَضَان ثمَّ الْحجَّة وَإِن نقص ذُو الْحجَّة ثمَّ رَمَضَان لَا يجْتَمع نقصانهما فِي سنة وَاحِدَة وَأنكر تَأْوِيل من تَأَوَّلَه على السّنة الَّتِي قَالَ النَّبِي ﷺ ذَلِك فِيهَا وَنقل أَبُو دَاوُد أَنه ذكر لِأَحْمَد هَذَا الحَدِيث فَقَالَ لَا أَدْرِي مَا هَذَا قد رأيناهما ينقصان وَظَاهر هَذَا من أَحْمد التَّوَقُّف عَمَّا قَالَه من أَنه لَا يجْتَمع نقصانهما وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ مَعْنَاهُ أَن ثَوَاب الْعَامِل فيهمَا على عهد أبي بكر الصّديق وَالْيَوْم وَاحِد قَالَ الْحَرْبِيّ وَقد رأيتهما نقصا فِي عَام وَاحِد غير مرّة وَذكر التِّرْمِذِيّ عَن إِسْحَاق أَن مَعْنَاهُ لَا ينقص ثوابهما إِن نقص الْعدَد قَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن قَالَ الْوَالِد السعيد وَالْأَشْبَه مَا قَالَه أَحْمد فِي الرِّوَايَة الأولة لِأَن فِيهِ دلَالَة على معْجزَة النُّبُوَّة لِأَنَّهُ أخبر بِمَا يكون فِي الثَّانِي وَمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فَإِنَّمَا هُوَ إِثْبَات حكم قَوْله وَيسن مُطلق التَّكْبِير فِي عشر ذِي الْحجَّة وَكَذَلِكَ الْإِكْثَار فِيهِ من الطَّاعَات وَإِنَّمَا خص التَّكْبِير لِأَنَّهُ فِي بَيَان الْمُقَيد مِنْهُ وَالْمُطلق وَهَذَا الْعشْر أفضل من غَيره إِلَّا الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان فَإِن فِيهِ ترددا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين يُقَال أَيَّام عشر ذِي الْحجَّة أفضل من أَيَّام

стр. 166

الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان وليالي ذَاك أفضل من ليَالِي هَذَا وَقد يُقَال مَجْمُوع عشر ذِي الْحجَّة أفضل من مَجْمُوع الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان قَالَ وَهُوَ الْأَظْهر وَيَوْم النَّحْر من جملَة عشر ذِي الْحجَّة صرح بِهِ جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ وجيه الدّين بن المنجا وَالْمُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَقَالَ وَهُوَ الْأَفْضَل وَكَذَا ذكر حفيده الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي أَقسَام الْقُرْآن أَن أفضل الْأَيَّام يَوْم النَّحْر وَقد روى الإِمَام أَحْمد وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن قرط مَرْفُوعا أعظم الْأَيَّام عِنْد الله يَوْم النَّحْر ثمَّ يَوْم القر وَهُوَ الَّذِي يَلِي يَوْم النَّحْر رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه أفضل الْأَيَّام عِنْد الله يَوْم النَّحْر وَيَوْم القر وَذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَن ابْن عقيل علل أَن لَيْلَة الْجُمُعَة أفضل اللَّيَالِي لِأَنَّهَا تَابِعَة لما هُوَ أفضل الْأَيَّام وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة وَظَاهر هَذَا أَن أَفضَلِيَّة يَوْم الْجُمُعَة مَحل وفَاق وَعَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا خير يَوْم طلعت فِيهِ الشَّمْس يَوْم الْجُمُعَة رَوَاهُ مُسلم وَغَيره وَعَن أبي أُمَامَة البدري قَالَ إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ سيد الْأَيَّام يَوْم الْجُمُعَة وَأَعْظَمهَا عِنْد الله وَأعظم عِنْد الله من يَوْم الْفطر وَيَوْم الْأَضْحَى إِسْنَاده جيد وَفِيه عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل وَحَدِيثه حسن رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَيتَوَجَّهُ فِي الْمَسْأَلَة قَول ثَالِث أَن أفضل الْأَيَّام يَوْم عَرَفَة لِأَنَّهُ لم ير يَوْمًا أَكثر عُتَقَاء من النَّار من يَوْم عَرَفَة روى ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَإِسْنَاده حسن عَن جَابر مَرْفُوعا مَا من أَيَّام أفضل عِنْد الله من أَيَّام عشر ذِي الْحجَّة وَمَا من يَوْم أفضل عِنْد الله من يَوْم عَرَفَة ينزل الله ﵎ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فيباهي بِأَهْل الأَرْض أهل السَّمَاء فَيَقُول انْظُرُوا إِلَى عبَادي شعثا غبرا ضاحين جَاءُوا من كل فج عميق

стр. 167

يرجون رَحْمَتي وَلم يرَوا عَذَابي فَلم ير يَوْمًا أَكثر عُتَقَاء من النَّار من يَوْم عَرَفَة وَعَن أَوْس بن أَوْس مَرْفُوعا أفضل أيامكم يَوْم الْجُمُعَة رَوَاهُ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَظَاهره أَنه لَيْسَ هُوَ أفضل الْأَيَّام لإتيانه بِلَفْظَة من وَقد ثَبت بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدّم أَنه أفضل من يَوْم النَّحْر فَلم يبْق أفضل مِنْهُ إِلَّا أَن يكون يَوْم عَرَفَة وَأفضل الشُّهُور شهر رَمَضَان على ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب وَغَيرهم لِأَن أفضل الصَّدَقَة عِنْدهم صَدَقَة رَمَضَان للْخَبَر فِيهِ وَلِأَن الْحَسَنَات فِيهِ تضَاعف وَهَذَا يدل على أفضليته على غَيره من الشُّهُور وَيَنْبَنِي على ذَلِك فَوَائِد من الطَّلَاق وَالْعِتْق وَالنّذر وَغير ذَلِك ﷺ َ - صَلَاة الْكُسُوف قَوْله وَلَا يصلى بعد تجلي الْكُسُوف وَلَا غروبه وَظَاهره سَوَاء كَانَ الْغَائِب شمسا أَو قمرا لِأَنَّهُ قد ذهب الِانْتِفَاع بنورهما وكما نقُول لَا تشرع صَلَاة الاسْتِسْقَاء عَن الْجبَال والبراري الَّتِي لَا تسكن وَلَا تزرع فَكَذَا هُنَا وَحكى المُصَنّف هَذَا فِي شرح الْهِدَايَة فِي خُسُوف الْقَمَر احْتِمَالا وَحَكَاهُ غَيره وَجها وَالْمَشْهُور فِي الْقَمَر إِذا غَابَ خاسفا لَيْلًا صلى لَهُ وَقطع بِهِ جمَاعَة كَالْقَاضِي وَأبي الْمَعَالِي وَهُوَ ظَاهر كَلَام آخَرين لِأَن سُلْطَان

стр. 168

الْقَمَر اللَّيْل وَهُوَ بَاقٍ فَهُوَ كَمَا لَو حجب الشَّمْس غيم فعلى هَذَا إِن غَابَ خاسفا بعد طُلُوع الْفجْر وَقبل طُلُوع الشَّمْس فَهَل تصلي لِأَن سُلْطَان الْقَمَر بَاقٍ مَا بقيت الظلمَة وَلَا يَنْقَطِع حَتَّى تطلع الشَّمْس أَو لَا يُصَلِّي لِأَنَّهُ ابْتِدَاء نَهَار فِيهِ وَجْهَان ذكرهمَا أَبُو الْمَعَالِي بن المنجا قَوْله فِي صَلَاة الْكُسُوف ثمَّ يرفع ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ ظَاهر كَلَامه أَنه لَا يُطِيل هَذَا الْقيام وَهُوَ الْقيام الَّذِي يَلِيهِ السُّجُود وَهُوَ صَحِيح لظَاهِر أَكثر الْأَحَادِيث وَيحمل مَا يُخَالف هَذَا من الْأَحَادِيث على الْجَوَاز أَو على مُدَّة قَليلَة قدر مَا يَقُول أهل الثَّنَاء وَالْحَمْد إِلَى آخر الدُّعَاء الْمَشْهُور وَنَحْوه وَلَو قَالَ ثمَّ يرفع فَيسْجد كَانَ أولى وَلم أجد فِي هَذَا خلافًا فِي الْمَذْهَب صَرِيحًا وَذكره فِي الرِّعَايَة قولا وَلم يذكر فِيهِ مَا يُخَالف وَظَاهر كَلَامه أَيْضا أَنه لَا يُطِيل الْجُلُوس بَين السَّجْدَتَيْنِ لِأَنَّهُ لم يذكر الإطالة فِيهَا كَمَا ذكره فِي غَيرهَا وَهُوَ ظَاهر كَلَام أَكثر الْأَصْحَاب كظاهر أَكثر الْأَحَادِيث وَلنَا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَجْهَان أَحدهمَا يُطِيل وَهُوَ قَول الْآمِدِيّ وَقطع بِهِ فِي التَّلْخِيص وَزَاد كالركوع وَقد ورد عَنهُ ﵊ إطالة الجلسة بَين السَّجْدَتَيْنِ فِي حَدِيث إِن صَحَّ فَهُوَ مَحْمُود على الْجَوَاز وَظَاهر كَلَامه فِي قَوْله ثمَّ يُصَلِّي الثَّانِيَة كَذَلِك ويقصرها عَن الأولى فِي الْقِرَاءَة وَالتَّسْبِيح أَنه إِن شَاءَ جعل الْقيام الأول مِنْهَا كالقيام الثَّانِي من الرَّكْعَة الأولى أَو أطول أَو أقصر وَهُوَ ظَاهر مَا قدمه فِي الرِّعَايَة وَغَيرهَا

стр. 169

وَذكر القَاضِي وَابْن عقيل وَالْمُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَغَيرهم أَن تكون أقصر وَأَن الْقِرَاءَة فِي كل قيام أقصر من الَّتِي قبلهَا وَكَذَا التَّسْبِيح وَذكر أَبُو الْخطاب وَغَيره أَنه يقْرَأ فِي الْقيام الأول من الرَّكْعَة الأولى بالبقرة أَو نَحْوهَا وَفِي الْقيام الثَّانِي مِنْهَا بآل عمرَان أَو نَحْوهَا وَفِي الثَّالِث من الرَّكْعَة الثَّانِيَة بِالنسَاء أَو نَحْوهَا وَفِي الرَّابِع مِنْهَا بالمائدة أَو نَحْوهَا وَذكر القَاضِي إِن قَرَأَ هَكَذَا فَحسن قَالَ وَلَيْسَ هَذَا التَّقْدِير عَن الإِمَام أَحْمد لكنه أَوْمَأ إِلَى تَطْوِيل الأولى على الثَّانِيَة وَالثَّانيَِة على الثَّالِثَة وَالثَّالِثَة على الرَّابِعَة فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقْوَال وَدَعوى ظُهُور شَيْء من الْأَحَادِيث لهَذَا القَوْل أَو الَّذِي قبله فِيهِ نظر يبْقى القَوْل الأول بالتخيير وَظَاهر كَلَامه أَن صَلَاة الْكُسُوف تصلى فِي أَي وَقت حدث فِيهِ الْكُسُوف وَأَن ذَلِك لَا يتَقَيَّد بِوَقْت وَأَنه لَا يلْتَفت إِلَى قَول المنجمين فِي ذَلِك وَهُوَ صَحِيح قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة لَا يلْتَفت إِلَى قَول المنجمين أَن الْكُسُوف لَا يَقع فِي يَوْم الْعِيد وَأَنه لَا يكون إِلَّا فِي الثَّامِن وَالْعِشْرين أَو التَّاسِع وَالْعِشْرين من الشَّهْر ذكره القَاضِي وَغَيره وَقد قدمنَا عَن الشَّافِعِي اخْتِلَاف قَوْله فِي تَقْدِيم الْعِيد على الْكُسُوف إِذْ قد ثَبت بِالنَّقْلِ الْمخْرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَن الشَّمْس انكسفت يَوْم توفّي إِبْرَاهِيم بن النَّبِي ﷺ وَقد اتّفق أهل السّير أَنه توفّي فِي الْيَوْم الْعَاشِر من الشَّهْر كَذَا حَكَاهُ القَاضِي وَقَالَ نقل الْوَاقِدِيّ أَنه مَاتَ يَوْم الْعَاشِر من ربيع الأول وَكَذَلِكَ نقل الزبير بن بكار انْتهى كَلَامه وَقَالَ ابْن عقيل فَإِن انكسفت الشَّمْس قبل النّصْف من الشَّهْر صلينَا

стр. 170

صَلَاة الْكُسُوف ولانعول على قَول المنجمين أَن ذَلِك يخْتَص بِالنِّصْفِ الْأَخير من الشَّهْر وَلَا نقُول ذَلِك عَارض وَلَيْسَ بخسوف فَإِن الْفُقَهَاء فرعوا وَقَالُوا إِذا اتّفق عيد وكسوف وبنوا ذَلِك على مَا رُوِيَ أَن الشَّمْس كسفت عقب موت ابراهيم فِي الْيَوْم الْعشْر من الشَّهْر وَلَا يخْتَلف النَّقْل فِي ذَلِك وَأَنه مَاتَ يَوْم الْعَاشِر من ربيع نَقله الْوَاقِدِيّ والزبيري وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين بن المنجا فِي شرح الْهِدَايَة فَإِن قيل مَا فرضتموه من اجْتِمَاع الصَّلَوَات لَا يتَصَوَّر لِأَن الْعِيد فِي أول شَوَّال أَو عشر ذِي الْحجَّة والخسوف فِي مطرد الْعَادة فِي الرَّابِع عشر عِنْد إبدار الْقَمَر وكسوف الشَّمْس عِنْد الِاجْتِمَاع بالقمر فِي التَّاسِع وَالْعِشْرين أَو الثَّامِن وَالْعِشْرين قُلْنَا قد أجَاب الْعلمَاء عَن هَذَا من وُجُوه أَحدهَا أَن الْغَرَض بَيَان معنى الْأَحْكَام وتصويرها كَمَا قَالُوا مائَة جدة فقد يقدر الْفَقِيه أمرا لَا يتَوَقَّع وُقُوع مثله لتشحيذ الخاطر وتنبيه القريحة والتدرب فِي مجَال الأقيسة والمعاني الثَّانِي أَن النَّقْل صَحَّ فِي كسوف الشَّمْس يَوْم مَاتَ إِبْرَاهِيم بن النَّبِي ﷺ فِي الْعَاشِر من شهر ربيع الأول وَقيل فِي الْعَاشِر من شهر رَمَضَان فَهَذَا رَوَاهُ عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود وَذكره الزبير فِي كتاب الْأَنْسَاب فِي الْكُسُوف وَأَن الشَّمْس كسفت فِي الْعَاشِر من شهر ربيع الأول وَقيل فِي الثَّالِث عشر وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيّ أَيْضا وَقيل كسفت الشَّمْس فِي يَوْم عَاشُورَاء يَوْم مَاتَ الْحُسَيْن وَإِنَّمَا نقل الْعلمَاء ذَلِك وَرَوَوْهُ لأَنهم رَأَوْا شَيْئا يدعى على خلاف الْمُعْتَاد

стр. 171

الْوَجْه الثَّالِث أَن الْعَادَات تنْتَقض إِذا قربت السَّاعَة فَتَطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا وَكَذَلِكَ كسوفها وخسوفها انْتهى كَلَامه قَالَ الشَّيْخ أَبُو شامة الْمَقْدِسِي الشَّافِعِي فِي مذيله فِي سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة قَالَ فِيهَا فِي لَيْلَة السَّادِس عشر من جُمَادَى الْآخِرَة خسف الْقَمَر أول اللَّيْل وَكَانَ شَدِيد الْحمرَة ثمَّ انجلى وكسفت الشَّمْس فِي غده احْمَرَّتْ وَقت طُلُوعهَا وَقَرِيب غُرُوبهَا وَبقيت كَذَلِك أَيَّامًا مغبرة اللَّوْن ضَعِيفَة النُّور وَالله تَعَالَى على كل شئ قدير واتضح بذلك مَا صوره الشَّافِعِي ﵁ من اجْتِمَاع الْكُسُوف والعيد واستبعده أهل النجامة انْتهى كَلَامه وَمَا يحْكى عَن المنجمين فِي هَذَا هُوَ اخْتِيَار الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وبحثه فِي غير مَوضِع من كَلَامه صَلَاة الاسْتِسْقَاء قَوْله وَإِذا أجدبت الأَرْض وَاحْتبسَ الْقطر ظَاهره أَنَّهَا لَا تسن لخوف الجدب وَدَلِيله ظَاهر وَقيل تسن وَقَوله وعظ الإِمَام النَّاس إِلَى آخِره اطلاق كَلَامه يدل على أَنَّهَا لَا تخص بِأَهْل الجدب وَقطع بِهِ جمَاعَة كَابْن عقيل وَابْن تَمِيم وَقَالَ فِي الرِّعَايَة وَإِن استسقى مخصب لمجدب جَازَ وَقيل يسْتَحبّ وَلَعَلَّ الظَّاهِر اسْتِحْبَابه بِالدُّعَاءِ لَا بِالصَّلَاةِ

стр. 172

قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَلَا يخْتَص بِأَهْل الجدب بل يسْتَحبّ أَن يستسقى لَهُم أهل الخصب أَيْضا فَإِن دُعَاء الْمُؤمن أقرب إِجَابَة وَيعرف من كَلَامه إِن نذر الإِمَام أَو آحَاد النَّاس الاسْتِسْقَاء لزمَه لِأَنَّهُ قربَة وَطَاعَة ذكره جمَاعَة وَلَا يلْزم عَن النَّاذِر وَلَا يتَعَيَّن زمَان وَلَا مَكَان فَإِن عين صَلَاة أَن خطْبَة لزمَه وَإِن عين بِغَيْر صَلَاة وَلَا خطْبَة لم يلْزمه وَإِن أطلق فَوَجْهَانِ وَيعرف من كَلَام صَاحب الْمُحَرر أَيْضا أَنه لَو نذر فِي زمَان الخصب أَن يُصَلِّي للاستسقاء لم ينْعَقد نَذره وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا ينْعَقد وَالثَّانِي ينْعَقد لِأَنَّهُ قربَة فِي الْجُمْلَة فَيصَلي وَيسْأل الله دوَام النِّعْمَة وَالْخصب عَلَيْهِم وشمول بَقِيَّة الْخلق بِهَذِهِ النِّعْمَة انْتهى كَلَامه وَالْأول أولى وَظَاهر كَلَامه أَنه لَا يسْتَحبّ الاسْتِسْقَاء لغور مَاء عين أَو نهر لقَوْله احْتبسَ الْقطر وَلَو قَالَ وَاحْتبسَ المَاء دخلت الْمَسْأَلَة تَحت كَلَامه وَذكر فِي شرح الْهِدَايَة وَجْهَيْن فِي الِاسْتِحْبَاب وَذكر فِي التَّلْخِيص وَغَيره رِوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَ ابْن عقيل الِاسْتِحْبَاب وَقَالَ إِن الْأَصْحَاب اخْتَارُوا عَدمه وَذكر فِي الرِّعَايَة أَن الِاسْتِحْبَاب أَقيس وَقطع بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب وَقيد جمَاعَة الْمَسْأَلَة بلحوق الضَّرَر بذلك وَهُوَ صَحِيح وَقَالَ فِي الشَّرْح قَالَ القَاضِي وَابْن عقيل إِذا نقصت مياه الْعُيُون أَو غارت وتضرر النَّاس اسْتحبَّ الاسْتِسْقَاء كَمَا يسْتَحبّ لانْقِطَاع الْمَطَر وَقَالَ أَصْحَابنَا لَا يسْتَحبّ لِأَنَّهُ لم ينْقل انْتهى كَلَامه قَوْله وَمَعَهُ الشُّيُوخ والعجائز وَأهل الصّلاح يحْتَمل أَن يكون مُرَاده أَنه يسْتَحبّ خُرُوج هَؤُلَاءِ خَاصَّة وعَلى هَذَا يكون

стр. 173

قَوْله وعظ الإِمَام النَّاس وَوَعدهمْ يَوْمًا لخروجهم يَعْنِي من يسْتَحبّ خُرُوجه مِنْهُم وَيكون الْوَعْد الْمَعْطُوف خَاصّا والوعد الْمَعْطُوف عَلَيْهِ عَاما وَهَذَا ظَاهر كَلَامه فِي شرح الْهِدَايَة فَإِنَّهُ قَالَ أما الْمُسْتَحبّ فخروج الشُّيُوخ وَمن كَانَ من أهل الصّلاح لِأَن دعاءهم أَرْجَى للإجابة وَيحْتَمل أَن يكون مُرَاده أَن يكون خُرُوج هَؤُلَاءِ أَشد اسْتِحْبَابا وَهَذَا أقوى لَكِن يرد عَلَيْهِ الشَّبَاب من النِّسَاء فَإِنَّهُ لم يستثنهن وخروجهن غير مُسْتَحبّ لم أجد فِيهِ خلافًا صَرِيحًا وَفِي اسْتِحْبَاب خُرُوج الْعَجَائِز وَمن لاهيئة لَهَا وَجْهَان الِاسْتِحْبَاب مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ كالشيوخ وَعَدَمه ذكر القَاضِي أَنه ظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد وَهُوَ قَول مَالك لِأَن الْمَرْأَة فِي الْجُمْلَة عَورَة وَكَذَا حكى بَعضهم عَن ابْن عقيل أَنه ذكر هَذَا ظَاهر كَلَام أَحْمد وَالَّذِي رَأَيْت فِي فُصُول ابْن عقيل وَلَا يجوز إِخْرَاج الْعَجَائِز على ظَاهر كَلَام أَحْمد وعَلى قَول ابْن حَامِد يسْتَحبّ ذَلِك على مَا قدمنَا فِي صَلَاة الْعِيد وَوجه الْمَنْع أَن النَّص ورد فِي الْمَسَاجِد فَأَما فِي الصَّحرَاء فَلَا وَوجه الْجَوَاز أَن الْفِتْنَة امْتنعت فِي حقهن وَالدُّعَاء مِنْهُنَّ مرجو إجَابَته انْتهى كَلَامه وَكَأَنَّهُ يَقُول فِي تَوْجِيه الْمَنْع إِن الأَصْل عدم خُرُوج الْمَرْأَة لِأَنَّهَا إِذا خرجت استشرفها الشَّيْطَان وَخيف مِنْهَا الافتتان وَالنَّص الْوَارِد فِي الْمَسَاجِد يخْتَص بهَا هَذَا وَجهه إِن كَانَ مَحْفُوظًا وَفِيه نظر لَا يخفى واعتباره الْمَسْأَلَة على قَول ابْن حَامِد بِصَلَاة الْعِيد يدل على أَن حكمهَا حكمهَا وَخُرُوج النِّسَاء فِي صَلَاة الْعِيد فِيهِ أَقْوَال الْإِبَاحَة والاستحباب اخْتَارَهُ ابْن حَامِد وَالْمُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَقَالَ فِي رِوَايَة اسحق بن ابراهيم وَقيل لَهُ هَل على النِّسَاء صَلَاة الْعِيد قَالَ ماسمعنا فِيهِ شَيْئا وَأرى أَن يفعلنه يصلين وَقَالَ مرّة أُخْرَى مَا سمعنَا أَن على الْمَرْأَة صَلَاة الْعِيدَيْنِ وَإِن صلت فَحسن وَهُوَ

стр. 174

أحب إِلَيّ وَالْكَرَاهَة فَأَنَّهُ روى عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ لَا يُعجبنِي خُرُوج النِّسَاء فِي وقتنا هَذَا لِأَنَّهُ فتْنَة قَالَه فِي رِوَايَة صَالح فِي خروجهن إِلَى الْعِيد وَاخْتَارَ القَاضِي أَنه لَا يسْتَحبّ لِأَنَّهُنَّ فتْنَة وَيخرج من هَذَا قَول رَابِع بِالتَّحْرِيمِ بِنَاء على اخْتِلَاف الْأَصْحَاب فِي قَول الامام لَا يُعجبنِي هَل هُوَ للتَّحْرِيم أَو للكراهة على وَجْهَيْن وَفِي الْمَسْأَلَة قَول آخر رُوِيَ عَن الإِمَام أَحْمد يكره للشابة وَلَا بَأْس بِهِ للعجوز وَقَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَأما شواب النِّسَاء وَذَوَات الهيئات فَلَا يسن حضورهن بل يكره عِنْد الْجَمِيع بِخِلَاف الْعِيد لوُرُود الْأَثر بِهِ هُنَاكَ وَلَيْسَ هَذَا مثله لِأَنَّهُ لايخشى بحضورهن مفْسدَة هَكَذَا فِي مجمع الْبَحْرين الْعَكْس مَقْصُود الْحُضُور وَهُوَ إِجَابَة الدُّعَاء ومقصود الْعِيد لَا يخْتل بذلك وَلِأَنَّهُ بِحُضُور الْعِيد يعرفن كثيرا من شَعَائِر الدّين وَأَحْكَامه بِمَا يسمعنه فِي الْخطْبَة وَهنا جلّ الْمَقْصُود الدُّعَاء وَهُوَ مُمكن مِنْهُنَّ فِي بُيُوتهنَّ انْتهى كَلَامه وَلَا يَخْلُو من مناقشة وَنظر قَوْله وَيجوز خُرُوج الصّبيان وَقَالَ ابْن حَامِد يسْتَحبّ ظَاهره سَوَاء كَانُوا مميزين أم لَا وَهُوَ ظَاهر كَلَام غَيره وَقد احْتج الشَّيْخ وجيه الدّين بن المنجا بالاستحباب بِمَا روى من قَوْله ﵊ لَوْلَا شُيُوخ ركع وَأَطْفَال رضع وبهائم رتع لصب عَلَيْكُم الْعَذَاب صبا

стр. 175

وَلم يزدْ على ذَلِك وَهَذَا يُؤَيّد عدم الْفرق وَقَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة إِنَّمَا يخرج مِنْهُم المميزون قَالَ وَإِن قُلْنَا لَا اسْتِحْبَاب فلعدم التَّكْلِيف كَمَا فِي الطِّفْل وَالْمَجْنُون وَإِن قُلْنَا يسْتَحبّ وَهُوَ أصح فلأنهم من أهل الْعِبَادَة ويمتازون عَن البلغ بِرَفْع الآثام عَنْهُم وكونهم أقرب لِأَن يرحموا ويجابوا وَلَعَلَّ هَذَا أقوى فَإِن من لَيْسَ أَهلا لِلْعِبَادَةِ لَا فرق بَينه فِي هَذَا وَبَين الْبَهِيمَة وَلَا يسْتَحبّ إخْرَاجهَا عندنَا لَكِن يجوز قطع بِهِ جمَاعَة وَحكى غير وَاحِد وَجها بكراهته قَوْله وَإِن خرج أهل الذِّمَّة لم يمنعوا وأفردوا عَن الْمُسلمين ظَاهر هَذَا أَنه يكره إخراجهم وَإِن كُنَّا لَا نمنعهم إِن خَرجُوا وَكَذَا ذكر غير وَاحِد أَنه يكره إخراجهم وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ لبعد إجابتهم لأَنهم أَعدَاء لله وَإِن أغيث الْمُسلمُونَ فَرُبمَا قَالُوا هَذَا حصل بدعائنا وَذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَن ظَاهر كَلَام أبي بكر أَنه لَا بَأْس بإخراجهم وَأما كَونهم لَا يمْنَعُونَ إِذا خَرجُوا فلأنهم يطْلبُونَ أَرْزَاقهم وَالله قد تكفل برزق الْمُسلم وَالْكَافِر وَقَوله وأفردوا عَن الْمُسلمين يَعْنِي إِذا خَرجُوا يَوْم خُرُوج الْمُسلمين يفردون عَنْهُم لِئَلَّا يحصل عَذَاب فَيعم الْجَمِيع وَلِهَذَا أفردوا عَن مَقَابِر الْمُسلمين وَالْأولَى أَن لَا يفردوا بِيَوْم على ظَاهر ماقطع بِهِ فِي الْمُغنِي وَغَيره وَاخْتَارَهُ المُصَنّف لعدم نَقله فِي الْأَعْصَار السَّابِقَة وَلما فِيهِ من استقلالهم بِهِ وَرُبمَا نزل غيث فَيكون أعظم لفتنتهم وَرُبمَا اغْترَّ بهم غَيرهم وَقَالَ ابْن أبي مُوسَى الأولى إفرادهم بِيَوْم وَقطع بِهِ جمَاعَة مِنْهُم صَاحب الْمُسْتَوْعب وَالتَّلْخِيص لِئَلَّا يظنون أَن مَا حصل من الْغَيْث بدعائهم

стр. 176

قَوْله وَإِن سقوا قبل الْخُرُوج صلوا شكرا يَعْنِي فِيمَا إِذا عزموا على الْخُرُوج وتأهبوا لَهُ وَإِلَّا فَلَو سقوا قبل الْعَزْم على الْخُرُوج والتأهل لَهُ لم يصلوا على ظَاهر كَلَام المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَالْأَصْحَاب وَذَلِكَ لأَنهم قد شرعوا فِي أَمر الاسْتِسْقَاء فَهُوَ كَمَا لَو خَرجُوا فسقوا قبل أَن يصلوا فَإِنَّهُم يصلونَ وَقد علل بَعضهم بِأَن الصَّلَاة شرعت لإِزَالَة الْعَارِض من الجدب وَذَلِكَ لَا يحصل بِمُجَرَّد النُّزُول وَمُقْتَضى هَذَا أَنهم يصلونَ مُطلقًا فعلى هَذَا هَل يخرجُون فِيهِ وَجْهَان وَالْقَوْل باستحباب الْخُرُوج قَول القَاضِي وَابْن عقيل وَقطع بِهِ جمَاعَة مِنْهُم صَاحب الْمُسْتَوْعب وَالتَّلْخِيص وَقيل لَا يخرجُون وَلَا يصلونَ اخْتَارَهُ الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره لِأَن الصَّلَاة ترَاد لإنزال الْمَطَر وَقد وجد وَلِأَنَّهُ لم يرد فِيهِ أثر وَفِيه كلفة قَالَ المُصَنّف وَيُفَارق مَا لَو خَرجُوا فسقوا قبل الصَّلَاة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّكْمِيل كَبِير مشقة بل قد شرعوا وَأتوا بِأَكْثَرَ الْمَقْصُود من الِاجْتِمَاع وَالدُّعَاء وَلذَلِك كَانَ تكميله بِالصَّلَاةِ أولى انْتهى كَلَامه وَظَاهر كَلَام الْآمِدِيّ أَنهم يخرجُون فَيدعونَ وَلَا يصلونَ وَهُوَ قَول بعض الشَّافِعِيَّة

стр. 177

- ﷺ َ - كتاب الْجَنَائِز قَوْله يُوَجه المحتضر إِلَى آخِره هَذَا الْمَذْهَب وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم وَخَالف فِيهِ سعيد بن الْمسيب وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك كَرَاهَته وَقَالَ الْخرقِيّ إِذا تَيَقّن الْمَوْت وَجه إِلَى الْقبْلَة قَالَ فِي الْمُغنِي وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ حُضُور الْمَوْت وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ تَيَقّن وجود الْمَوْت لِأَن سَائِر مَا ذكر إِنَّمَا يفعل بعد الْمَوْت وَهُوَ تغميض الْعين وَغَيره وَكَلَام ابْن عقيل وَغَيره مثل كَلَام الْخرقِيّ وَهَذَا التَّوْجِيه قبل الدّفن مُسْتَحبّ صرح بِهِ جمَاعَة من الْأَصْحَاب وَلم أجد خِلَافه صَرِيحًا وَهُوَ المحكي عَن مَذَاهِب الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَقَوله على جنبه الْأَيْمن أَو مُسْتَلْقِيا على ظَهره يَعْنِي يجوز هَذَا وَيجوز هَذَا فَيكون تعرض لجَوَاز الْأَمريْنِ وَلم يتَعَرَّض للأفضلية وَيحْتَمل أَن يكون مُرَاده التَّخْيِير وَأَنه الأولى ومنصوص الإِمَام أَن تَوْجِيهه على جنبه الْأَيْمن أفضل وَذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَنه الْمَشْهُور عَنهُ وَأَنه قَول الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة قَالَ وَهُوَ أصح وَهَذَا اخْتِيَار ابْن عقيل وَغَيره وَعَن الإِمَام أَحْمد مُسْتَلْقِيا على ظَهره أفضل وَهُوَ الَّذِي فعله عِنْد مَوته وَاخْتَارَهُ أَكثر الْأَصْحَاب وَحَكَاهُ الشَّيْخ وجيه الدّين عَن اخْتِيَار الْأَصْحَاب وَعنهُ التَّسْوِيَة بَينهمَا وَلم أجد أحدا اخْتَارَهَا قَوْله ويبل حلقه إِلَى قَوْله وسورع فِي تَجْهِيزه كل ذَلِك مُسْتَحبّ

стр. 178

قَوْله وَصِيّه إِلَى آخِره أطلق وَلَا بُد من إِسْلَامه فِي الْمَشْهُور بِنَاء على اعْتِبَار النِّيَّة لِأَنَّهَا عبَادَة مفترضة وَلَيْسَ الْكَافِر من أَهلهَا كالتيمم وَذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَنه يحْتَمل عِنْده أَن الْمُسلم إِذا حضر وَأمر الْكَافِر بمباشرته وَفعله فِي الْحَال لن يَصح كالحي إِذا نوى رفع الْحَدث وَأمر كَافِرًا بِغسْل أَعْضَائِهِ وكالأضحية إِذا بَاشر ذَبحهَا ذمِّي على الْمَشْهُور اعْتِمَادًا على نِيَّة الْمُسلم وَظَاهر كَلَامه أَنه يجوز أَن يكون مُمَيّزا وَهُوَ أصح الْقَوْلَيْنِ لصِحَّة طَهَارَته وكأذانه وَظَاهر كَلَامه أَنه يجوز أَن يكون فَاسِقًا قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَالْأَفْضَل أَن يكون ثِقَة أَمينا عَارِفًا بِأَحْكَام الْغسْل وَكَذَا قَالَ غَيره وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعب لَا يغسل الْمَيِّت إِلَّا عَالم بِالْغسْلِ وَيسْتَحب أَن يكون من أهل الدّين وَالْفضل وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين يجب أَن يكون مَأْمُونا موثوقا بِدِينِهِ ومعرفته للْغسْل ونظافته فَصَارَ فِي اعْتِبَار عَدَالَته ومعرفته بِأَحْكَام الْغسْل ثَلَاثَة أوجه الثَّالِث يعْتَبر علمه بِأَحْكَام الْغسْل فَقَط وَقطع فِي الرِّعَايَة بِأَنَّهُ لَا بُد أَن يكون غير فَاسق وَهَذَا فِيهِ نظر بِخِلَاف شَرْطِيَّة عَدَالَته فِي الصَّلَاة على أصلنَا

стр. 179

وَظَاهر كَلَامه أَنه يجوز أَن يكون جنبا أَو حَائِضًا أَو نفسَاء أَو حَدثا وَنَصّ عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد مَعَ أَن الْأَفْضَل تَركه وَعنهُ يكره وكراهته التغميض مِنْهُم لكراهية السّلف لذَلِك قَالَ المُصَنّف وَلَعَلَّ ذَلِك لأجل حُضُور مَلَائِكَة الْقَبْض وَالْمَلَائِكَة لَا تدخل بَيْتا فِيهِ جنب وَلم يثبت حُضُورهَا وَقت الْغسْل وَقطع غير وَاحِد بِأَن الْحر الْبعيد أولى من العَبْد الْقَرِيب لِأَن العَبْد لَا ولَايَة لَهُ فِي المَال وَالنِّكَاح وَقطع المُصَنّف وَغَيره بِأَن سيد الرَّقِيق أولى بِغسْلِهِ وَدَفنه وَالصَّلَاة عَلَيْهِ لِأَن علقَة الْملك أقوى من علقَة النّسَب قَوْله وَيجوز أَن يغسل الرجل زَوجته وَأم وَلَده وَأَن يغسلاه ظَاهره جَوَاز نظر كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى جَمِيع بدن الآخر حَتَّى الفرجين وَذكره الشَّيْخ وجيه الدّين فِي شرح الْهِدَايَة وَالشَّافِعِيَّة وَقَالَ ابْن تَمِيم وَلكُل وَاحِد مِنْهُم النّظر إِلَى الآخر بعد الْمَوْت مَا عدا الْفرج قَالَه أَصْحَابنَا وَسُئِلَ الإِمَام عَن ذَلِك فَقَالَ اخْتلف فِي نظر الرجل إِلَى امْرَأَته انْتهى كَلَامه أَي وَقطع بِهَذَا فِي الرِّعَايَة أَن أَي الزَّوْجَيْنِ مَاتَ فللآخر نظر غير فرجيه إِن جَازَ أَن يغسلهُ وَقطع الشَّيْخ وجيه الدّين فِي شرح الْهِدَايَة أَن الْقَاتِل لَا حق لَهُ فِي غسل الْمَقْتُول عمدا أَو خطأ وَلَا فِي الصَّلَاة والدفن لِأَنَّهُ بَالغ فِي قطيعة الرَّحِم فَلَا يُرَاعى حَقه بعد الْمَوْت كَمَا فِي الْمِيرَاث فَأَما الْقَاتِل قصاصا بِحَق فَفِيهِ وَجْهَان بِنَاء على الْمِيرَاث انْتهى كَلَامه وَظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب خِلَافه

стр. 180

قَوْله وَله دَفنه إِن لم يجد من يدفنه ظَاهره أَنه لَا يجب دَفنه فِي هَذِه الْحَال وعَلى هَذَا لَا تجب مواراته مُطلقًا وَقطع بِهِ الشَّيْخ وجيه الدّين وَهُوَ ظَاهر كَلَام غير وَاحِد وَقطع المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة بِأَنَّهُ يجب ذِمِّيا كَانَ أَو حَرْبِيّا أَو مُرْتَدا وَقَالَ هَذَا ظَاهر كَلَام أَصْحَابنَا اقْتِدَاء بِفِعْلِهِ ﵊ فِي حق كفار أهل بدر حَيْثُ واراهم فِي القليب وَلِأَن فِي تَركه سَببا للمثلة بِهِ وَهِي مَمْنُوع مِنْهَا فِي حَقه بِدَلِيل عمومات النَّهْي عَنْهَا وَفِي هَذَا نظر لِأَن فعله هَذَا لَا يدل على الْوُجُوب وَاحْتِمَال وُقُوع الْمَحْذُور لَا ينْهض سَببا لتَحْرِيم شَيْء وَلَا وُجُوبه بِهِ قَوْله وَيمْسَح بِالْمَاءِ بَاطِن شَفَتَيْه وَمنْخرَيْهِ الأولى أَن يكون بِخرقَة نَص عَلَيْهِ وَهِي خرقَة سَائِر الْبدن وَهِي غير خرقَة الِاسْتِنْجَاء ذكره المُصَنّف وَغَيره وَيسْتَحب قبل ذَلِك غسل كفي الْمَيِّت كالحي نَص عَلَيْهِ وَمسح بَاطِن شَفَتَيْه وَمنْخرَيْهِ مُسْتَحبّ عِنْد الإِمَام وَأكْثر الْأَصْحَاب وأوجبه أَبُو خطاب فِي الِانْتِصَار فِي بحث مَسْأَلَة الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق
следующие страницы →