← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6094

النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر

ابن مفلح

Полный текст (570 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قَوْله وَإِن سقوا قبل الْخُرُوج صلوا شكرا يَعْنِي فِيمَا إِذا عزموا على الْخُرُوج وتأهبوا لَهُ وَإِلَّا فَلَو سقوا قبل الْعَزْم على الْخُرُوج والتأهل لَهُ لم يصلوا على ظَاهر كَلَام المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَالْأَصْحَاب وَذَلِكَ لأَنهم قد شرعوا فِي أَمر الاسْتِسْقَاء فَهُوَ كَمَا لَو خَرجُوا فسقوا قبل أَن يصلوا فَإِنَّهُم يصلونَ وَقد علل بَعضهم بِأَن الصَّلَاة شرعت لإِزَالَة الْعَارِض من الجدب وَذَلِكَ لَا يحصل بِمُجَرَّد النُّزُول وَمُقْتَضى هَذَا أَنهم يصلونَ مُطلقًا فعلى هَذَا هَل يخرجُون فِيهِ وَجْهَان وَالْقَوْل باستحباب الْخُرُوج قَول القَاضِي وَابْن عقيل وَقطع بِهِ جمَاعَة مِنْهُم صَاحب الْمُسْتَوْعب وَالتَّلْخِيص وَقيل لَا يخرجُون وَلَا يصلونَ اخْتَارَهُ الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره لِأَن الصَّلَاة ترَاد لإنزال الْمَطَر وَقد وجد وَلِأَنَّهُ لم يرد فِيهِ أثر وَفِيه كلفة قَالَ المُصَنّف وَيُفَارق مَا لَو خَرجُوا فسقوا قبل الصَّلَاة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّكْمِيل كَبِير مشقة بل قد شرعوا وَأتوا بِأَكْثَرَ الْمَقْصُود من الِاجْتِمَاع وَالدُّعَاء وَلذَلِك كَانَ تكميله بِالصَّلَاةِ أولى انْتهى كَلَامه وَظَاهر كَلَام الْآمِدِيّ أَنهم يخرجُون فَيدعونَ وَلَا يصلونَ وَهُوَ قَول بعض الشَّافِعِيَّة

стр. 177

- ﷺ َ - كتاب الْجَنَائِز قَوْله يُوَجه المحتضر إِلَى آخِره هَذَا الْمَذْهَب وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم وَخَالف فِيهِ سعيد بن الْمسيب وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك كَرَاهَته وَقَالَ الْخرقِيّ إِذا تَيَقّن الْمَوْت وَجه إِلَى الْقبْلَة قَالَ فِي الْمُغنِي وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ حُضُور الْمَوْت وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ تَيَقّن وجود الْمَوْت لِأَن سَائِر مَا ذكر إِنَّمَا يفعل بعد الْمَوْت وَهُوَ تغميض الْعين وَغَيره وَكَلَام ابْن عقيل وَغَيره مثل كَلَام الْخرقِيّ وَهَذَا التَّوْجِيه قبل الدّفن مُسْتَحبّ صرح بِهِ جمَاعَة من الْأَصْحَاب وَلم أجد خِلَافه صَرِيحًا وَهُوَ المحكي عَن مَذَاهِب الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَقَوله على جنبه الْأَيْمن أَو مُسْتَلْقِيا على ظَهره يَعْنِي يجوز هَذَا وَيجوز هَذَا فَيكون تعرض لجَوَاز الْأَمريْنِ وَلم يتَعَرَّض للأفضلية وَيحْتَمل أَن يكون مُرَاده التَّخْيِير وَأَنه الأولى ومنصوص الإِمَام أَن تَوْجِيهه على جنبه الْأَيْمن أفضل وَذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَنه الْمَشْهُور عَنهُ وَأَنه قَول الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة قَالَ وَهُوَ أصح وَهَذَا اخْتِيَار ابْن عقيل وَغَيره وَعَن الإِمَام أَحْمد مُسْتَلْقِيا على ظَهره أفضل وَهُوَ الَّذِي فعله عِنْد مَوته وَاخْتَارَهُ أَكثر الْأَصْحَاب وَحَكَاهُ الشَّيْخ وجيه الدّين عَن اخْتِيَار الْأَصْحَاب وَعنهُ التَّسْوِيَة بَينهمَا وَلم أجد أحدا اخْتَارَهَا قَوْله ويبل حلقه إِلَى قَوْله وسورع فِي تَجْهِيزه كل ذَلِك مُسْتَحبّ

стр. 178

قَوْله وَصِيّه إِلَى آخِره أطلق وَلَا بُد من إِسْلَامه فِي الْمَشْهُور بِنَاء على اعْتِبَار النِّيَّة لِأَنَّهَا عبَادَة مفترضة وَلَيْسَ الْكَافِر من أَهلهَا كالتيمم وَذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَنه يحْتَمل عِنْده أَن الْمُسلم إِذا حضر وَأمر الْكَافِر بمباشرته وَفعله فِي الْحَال لن يَصح كالحي إِذا نوى رفع الْحَدث وَأمر كَافِرًا بِغسْل أَعْضَائِهِ وكالأضحية إِذا بَاشر ذَبحهَا ذمِّي على الْمَشْهُور اعْتِمَادًا على نِيَّة الْمُسلم وَظَاهر كَلَامه أَنه يجوز أَن يكون مُمَيّزا وَهُوَ أصح الْقَوْلَيْنِ لصِحَّة طَهَارَته وكأذانه وَظَاهر كَلَامه أَنه يجوز أَن يكون فَاسِقًا قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَالْأَفْضَل أَن يكون ثِقَة أَمينا عَارِفًا بِأَحْكَام الْغسْل وَكَذَا قَالَ غَيره وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعب لَا يغسل الْمَيِّت إِلَّا عَالم بِالْغسْلِ وَيسْتَحب أَن يكون من أهل الدّين وَالْفضل وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين يجب أَن يكون مَأْمُونا موثوقا بِدِينِهِ ومعرفته للْغسْل ونظافته فَصَارَ فِي اعْتِبَار عَدَالَته ومعرفته بِأَحْكَام الْغسْل ثَلَاثَة أوجه الثَّالِث يعْتَبر علمه بِأَحْكَام الْغسْل فَقَط وَقطع فِي الرِّعَايَة بِأَنَّهُ لَا بُد أَن يكون غير فَاسق وَهَذَا فِيهِ نظر بِخِلَاف شَرْطِيَّة عَدَالَته فِي الصَّلَاة على أصلنَا

стр. 179

وَظَاهر كَلَامه أَنه يجوز أَن يكون جنبا أَو حَائِضًا أَو نفسَاء أَو حَدثا وَنَصّ عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد مَعَ أَن الْأَفْضَل تَركه وَعنهُ يكره وكراهته التغميض مِنْهُم لكراهية السّلف لذَلِك قَالَ المُصَنّف وَلَعَلَّ ذَلِك لأجل حُضُور مَلَائِكَة الْقَبْض وَالْمَلَائِكَة لَا تدخل بَيْتا فِيهِ جنب وَلم يثبت حُضُورهَا وَقت الْغسْل وَقطع غير وَاحِد بِأَن الْحر الْبعيد أولى من العَبْد الْقَرِيب لِأَن العَبْد لَا ولَايَة لَهُ فِي المَال وَالنِّكَاح وَقطع المُصَنّف وَغَيره بِأَن سيد الرَّقِيق أولى بِغسْلِهِ وَدَفنه وَالصَّلَاة عَلَيْهِ لِأَن علقَة الْملك أقوى من علقَة النّسَب قَوْله وَيجوز أَن يغسل الرجل زَوجته وَأم وَلَده وَأَن يغسلاه ظَاهره جَوَاز نظر كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى جَمِيع بدن الآخر حَتَّى الفرجين وَذكره الشَّيْخ وجيه الدّين فِي شرح الْهِدَايَة وَالشَّافِعِيَّة وَقَالَ ابْن تَمِيم وَلكُل وَاحِد مِنْهُم النّظر إِلَى الآخر بعد الْمَوْت مَا عدا الْفرج قَالَه أَصْحَابنَا وَسُئِلَ الإِمَام عَن ذَلِك فَقَالَ اخْتلف فِي نظر الرجل إِلَى امْرَأَته انْتهى كَلَامه أَي وَقطع بِهَذَا فِي الرِّعَايَة أَن أَي الزَّوْجَيْنِ مَاتَ فللآخر نظر غير فرجيه إِن جَازَ أَن يغسلهُ وَقطع الشَّيْخ وجيه الدّين فِي شرح الْهِدَايَة أَن الْقَاتِل لَا حق لَهُ فِي غسل الْمَقْتُول عمدا أَو خطأ وَلَا فِي الصَّلَاة والدفن لِأَنَّهُ بَالغ فِي قطيعة الرَّحِم فَلَا يُرَاعى حَقه بعد الْمَوْت كَمَا فِي الْمِيرَاث فَأَما الْقَاتِل قصاصا بِحَق فَفِيهِ وَجْهَان بِنَاء على الْمِيرَاث انْتهى كَلَامه وَظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب خِلَافه

стр. 180

قَوْله وَله دَفنه إِن لم يجد من يدفنه ظَاهره أَنه لَا يجب دَفنه فِي هَذِه الْحَال وعَلى هَذَا لَا تجب مواراته مُطلقًا وَقطع بِهِ الشَّيْخ وجيه الدّين وَهُوَ ظَاهر كَلَام غير وَاحِد وَقطع المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة بِأَنَّهُ يجب ذِمِّيا كَانَ أَو حَرْبِيّا أَو مُرْتَدا وَقَالَ هَذَا ظَاهر كَلَام أَصْحَابنَا اقْتِدَاء بِفِعْلِهِ ﵊ فِي حق كفار أهل بدر حَيْثُ واراهم فِي القليب وَلِأَن فِي تَركه سَببا للمثلة بِهِ وَهِي مَمْنُوع مِنْهَا فِي حَقه بِدَلِيل عمومات النَّهْي عَنْهَا وَفِي هَذَا نظر لِأَن فعله هَذَا لَا يدل على الْوُجُوب وَاحْتِمَال وُقُوع الْمَحْذُور لَا ينْهض سَببا لتَحْرِيم شَيْء وَلَا وُجُوبه بِهِ قَوْله وَيمْسَح بِالْمَاءِ بَاطِن شَفَتَيْه وَمنْخرَيْهِ الأولى أَن يكون بِخرقَة نَص عَلَيْهِ وَهِي خرقَة سَائِر الْبدن وَهِي غير خرقَة الِاسْتِنْجَاء ذكره المُصَنّف وَغَيره وَيسْتَحب قبل ذَلِك غسل كفي الْمَيِّت كالحي نَص عَلَيْهِ وَمسح بَاطِن شَفَتَيْه وَمنْخرَيْهِ مُسْتَحبّ عِنْد الإِمَام وَأكْثر الْأَصْحَاب وأوجبه أَبُو خطاب فِي الِانْتِصَار فِي بحث مَسْأَلَة الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق

стр. 181

وَعند أبي حنيفَة لَا يسْتَحبّ ذَلِك وَحكى فِي الْمُغنِي عَن الشَّافِعِي أَنه يمضمضه وينشقه كَمَا يفعل بالحي وَحكى المُصَنّف سُقُوط الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق بِالْإِجْمَاع قَوْله يفعل ذَلِك كُله ثَلَاثًا إِلَّا الْوضُوء فَإِنَّهُ يحصل بِأول مرّة كَذَا ذكر هُوَ وَغَيره أَنه يَكْتَفِي بوضوئه أول مرّة وَنَصّ عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد لِأَنَّهُ وضوء شَرْعِي حصل فِيهِ التّكْرَار الشَّرْعِيّ فِي الْمرة الْوَاحِدَة فَلَا وَجه لإعادته من غير خَارج وَظَاهر كَلَامه أَنه لَا يحصل غسله بِأول مرّة وَمرَاده الْغسْل الْمُسْتَحبّ لِأَنَّهُ يسْتَحبّ غسله ثَلَاثًا مَعَ إِجْزَاء مرّة كَغسْل الْجَنَابَة وَحكى هَذَا عَن مَذَاهِب الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَقد نَص الإِمَام أَحْمد على كَرَاهَة غسله مرّة وَاحِدَة قَالَ لَا يُعجبنِي وللأصحاب فِي قَوْله لَا يُعجبنِي كَذَا هَل هُوَ للتَّحْرِيم أَو للكراهة وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أم عَطِيَّة قَالَت دخل علينا رَسُول الله ﷺ حِين توفيت ابْنَته فَقَالَ اغسلنها ثَلَاثًا أَو خمْسا أَو سبعا أَو أَكثر من ذَلِك إِن رأيتن وَقد قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين فِي ذكر ابْن أبي مُوسَى أَنه إِذا شرع فِي غسله التعبدي وإفاضة المَاء لِأَنَّهُ يعود لإنجائه ثَلَاثًا ولوضوئه وَالَّذِي حَكَاهُ القَاضِي عَن أَحْمد الْوضُوء فِي الْمرة الأولى وَلَا يُعِيدهُ ثَانِيًا انْتهى كَلَامه وَهُوَ معنى مَا ذكره فِي الْمُسْتَوْعب وَقَوله يفعل ذَلِك ثَلَاثًا يَعْنِي لَا يزِيد عَلَيْهَا من غير حَاجَة وعَلى هَذَا الْأَصْحَاب قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين الثَّلَاث أدنى الْكَمَال والمتوسط خمس والأعلى سبع وَهُوَ حد اغلظ النَّجَاسَات من الولوغ وَالزِّيَادَة حِينَئِذٍ سرف

стр. 182

قَوْله فَإِن لم ينق بِالثلَاثِ زَاد حَتَّى ينقى وَيقطع على وتر ظَاهره وَلَو زَاد على سبع لما تقدم من حَدِيث أم عَطِيَّة وَقطع بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة قَالَ وَإِنَّمَا لم يذكر أَصْحَابنَا ذَلِك لِأَن الْغَالِب أَنه لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَلذَلِك لم يسم النَّبِي ﷺ فَوْقهَا عددا بِعَيْنِه وَقَول الإِمَام أَحْمد وَلَا يُزَاد على سبع مَحْمُول على ذَلِك أَو على مَا غسل غسلا منقيا إِلَى سبع ثمَّ خرجت مِنْهُ نَجَاسَة انْتهى كَلَامه وَقَالَ فِي الْمُغنِي بعد أَن ذكر كَلَام أَحْمد هَذَا وَإِن لم ينق بِسبع فَالْأولى غسله حَتَّى ينقى وَلَا يقطع إِلَّا على وتر قَالَ وَلم يذكر أَصْحَابنَا أَنه يزِيد على سبع وَقدم ابْن تَمِيم مَا هُوَ ظَاهر كَلَامه فِي الْمُحَرر ثمَّ قَالَ وَحكى عَن أَحْمد لَا يُزَاد على سبع وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعب فَإِن لم ينق بِالثلَاثِ زَاد إِلَى سبع وَلَا يزِيد عَلَيْهَا وَلَا يقطع إِلَّا على وتر وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَذْهَب فَإِن لم ينق بِالثلَاثِ زَاد إِلَى سبع وَالْأَفْضَل أَن لَا يقطع إِلَّا على وتر وَلَا يجب إِلَّا مرّة وَاحِدَة انْتهى كَلَامه وَهُوَ معنى كَلَام كثير من الْأَصْحَاب أَو أَكْثَرهم وَقد قَالَ ابْن عبد الْبر لَا أعلم أحدا من الْعلمَاء قَالَ يجوز سبع غسلات فِي غسل الْمَيِّت ذكره فِي التَّمْهِيد قَوْله وَالْمَنْصُوص عَنهُ أَنه يُعَاد غسله

стр. 183

يَعْنِي يجب وَظَاهره أَنه يَكْتَفِي بذلك وَهُوَ ظَاهر كَلَام غَيره وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ أَنه يغسل مَوضِع النَّجَاسَة ويوضأ فِي إِعَادَة غسله إِلَى سبع مَرَّات وَجْهَان فعلى هَذَا الِاخْتِلَاف فِي غسل مَوضِع النَّجَاسَة وَالْوُضُوء لَكِن الْخلاف فِي الِاكْتِفَاء بِهِ دون الْغسْل وَلَعَلَّ هَذَا ظَاهر كَلَامه فِي الْمُحَرر لقَوْله إِلَّا أَن يُجَاوز سبعا فيوضأ وَعنهُ لَا يجب الْوضُوء بعد السَّبع لِأَن فِيهِ مشقة وخوفا على الْمَيِّت وَلَا يُؤمن من عود مثله وَلذَلِك غسل الْغسْل وَالْأول أشهر قَالَ المُصَنّف لِأَنَّهُ حدث يُوجِبهُ تنحية السَّبِيل فَأوجب الْوضُوء انْتهى كَلَامه وَقَالَ ابْن عقيل لَا يخْتَلف الْمَذْهَب أَنه إِذا غسل الْمَيِّت فَخرج مِنْهُ شَيْء قبل تكفينه أَنه يُعَاد عَلَيْهِ الْغسْل وَلم يجده بِسبع وَحده بهَا فِي مَوضِع آخر وَإِبْطَال غسل الْمَيِّت وإعادة غسله بِخُرُوج النَّجَاسَة مَسْأَلَة معاياة فَيُقَال حدث أَصْغَر يُوجب غسلا وَيبْطل غسلا قَوْله حشى بالقطن أَو الطين الْحر يَعْنِي لَا بَأْس بذلك وَظَاهر كَلَام جمَاعَة وَصرح بِهِ طَائِفَة وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَهُ الْخرقِيّ وَغَيره وَهُوَ الْمَشْهُور وَعنهُ يكره حشوه حَكَاهُ ابْن أبي مُوسَى وَيجب التلجم بذلك فِي ظَاهر كَلَام جمَاعَة وَصرح بِهِ طَائِفَة كَابْن عقيل قَالُوا لِأَنَّهُ يُرَاد للصَّلَاة فَوَجَبَ أَن يحْتَاط لَهُ بسد مَحل الْحَدث كَمَا قُلْنَا فِي طَهَارَة الْمُسْتَحَاضَة فَإِنَّهَا تتلجم وتحتاط لذَلِك

стр. 184

فَأَما قَوْله لم يعد إِلَى الْغسْل وَحمل يَعْنِي لَا غسله وَلَا غسل النَّجَاسَة وَلَا الْوضُوء لقَوْله وَحمل وَذكر ابْن عقيل رِوَايَة مُطلقَة أَنه يُعَاد غسله وَذكر أَن القَاضِي حملهَا على الْكثير قَوْله وَفِي الْكثير رِوَايَتَانِ يَعْنِي قبل السَّبع وَقطع بِهِ المُصَنّف وَغَيره فَأَما بعْدهَا فَلَا يُعَاد وَذكر بَعضهم رِوَايَة أَنه يُعَاد وَذكر بَعضهم رِوَايَة أَنه يُعَاد غسله ويطهر كَفنه لِأَنَّهُ لَا يُؤمن مثله فِي الثَّانِي وَعلله ابْن عقيل وَغَيره بِأَن ذَلِك فَاحش وَلَا يعفي عَن مثله فِي حق الْحَيّ فَلَا يُعْفَى عَنهُ فِي حق الْمَيِّت كبعض الْأَعْضَاء إِذا نسي غسله وَعنهُ يفعل ذَلِك إِن خرج قبل السَّبع إِلَى سبع فَقَط وَهَذَا فِيهِ نظر وَإِطْلَاق الرِّوَايَتَيْنِ لَيْسَ بمتوجه لِأَن الْمَذْهَب أَنه لَا يُعَاد غسله وَذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة أَنه الْمَشْهُور عَن الإِمَام أَحْمد وَأَنه أصح قَالَ هُوَ وَغَيره لِأَن فِي إِعَادَته مشقة تَطْهِيره وتطهير أَكْفَانه وانتظار جفافها أَو إبدالهما وَلَا يُؤمن ذَلِك ثَانِيَة وثالثة وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِيمَا إِذا وضع على أَكْفَانه وَلم يلف فِيهَا وَظَاهر كَلَامه فِي الْمُحَرر أَن حكم هَذِه الْمَسْأَلَة حكم مَا لم يوضع على أَكْفَانه على الْخلاف الْمَذْكُور لقَوْله وَهُوَ فِي أَكْفَانه وَهُوَ أَيْضا ظَاهر كَلَام غَيره وَصرح بِهِ بَعضهم قَالَ ابْن تَمِيم وَإِن وضع على الْكَفَن وَلم يلف فِيهِ ثمَّ خرج مِنْهُ شَيْء أُعِيد غسله يَعْنِي على الْمَنْصُوص

стр. 185

قَوْله وَلَا يغسل شَهِيد المعركة إِلَى آخِره لم يُصَرح المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة الْغسْل لكنه احْتج بأَمْره ﵊ بدفنهم بدمائهم وَظَاهره يدل على تَحْرِيم غسله وَكَذَا الشَّيْخ موفق الدّين فِي أثْنَاء كَلَامه وَكَلَام غَيره عدم وجوب الْغسْل وَالْعَفو عَنهُ وَظَاهره أَنه لَا يحرم وَأَن قَوْلهم لَا يغسل أَي لَا يجب غسله كَمَا يجب غسل غَيره وَقطع الشَّيْخ وجيه الدّين بِأَنَّهُ لَا يجوز غسله بل يجب تَركه لِأَنَّهُ أثر الشَّهَادَة وَالْعِبَادَة وَأما الصَّلَاة عَلَيْهِ فبعض الْأَصْحَاب يذكر فِي وجوب الصَّلَاة عَلَيْهِ رِوَايَتَيْنِ وَمِنْهُم من لم يذكر الرِّوَايَتَيْنِ فِي اسْتِحْبَاب الصَّلَاة وَذكر المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهمَا يصلى عَلَيْهِ وَالثَّانيَِة لَا قَالَ وَرِوَايَة يُخَيّر وَالْفِعْل أفضل وَرِوَايَة وَالتّرْك أفضل وَهَذَا معنى كَلَام الشَّيْخ وجيه الدّين إِلَّا أَنه لم يذكر الرِّوَايَة الثَّالِثَة وَقَالَ وروى عَنهُ أَنه إِن صلى فَلَا بَأْس وَاحْتج غير وَاحِد بِأَنَّهُ حَيّ والحي لَا يغسل وَلَا يصلى عَلَيْهِ وَحكى الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ الشَّافِعِي فِي شرح الْمُهَذّب أَن مَذْهَب الشَّافِعِيَّة تَحْرِيم غسله وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَحَكَاهُ عَن جمَاعَة مِنْهُم الإِمَام أَحْمد وَأَن أَبَا حنيفَة وافقهم على تَحْرِيم غسله وَمَا تقدم من كَلَام أَصْحَابنَا يُعْطي ثَلَاثَة أوجه الثَّالِث يحرم غسله فَقَط وَقَالَ ابْن عبد الْقوي لم أقع بتصريح لِأَصْحَابِنَا هَل غسل الشَّهِيد حرَام أَو مَكْرُوه فَيحْتَمل الْحُرْمَة لمُخَالفَته الْأَمر انْتهى كَلَامه

стр. 186

قَوْله وعَلى الْغَاسِل إِن رأى سوءا ستره ظَاهره الْوُجُوب وَقد أضَاف المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة إِلَى أبي الْخطاب اخْتِيَار الْوُجُوب لقَوْله وعَلى الْغَاسِل وَظَاهر كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره وَقطع بِهِ ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيره وَقدمه فِي الرِّعَايَة قَالَ المُصَنّف وَعَن الشَّافِعِيَّة كالوجهين وَكَلَام الإِمَام أَحْمد يحتملهما فَإِنَّهُ قَالَ يَنْبَغِي للغاسل أَن يستر مَا يرَاهُ من الْمَيِّت وَلَا يحدث بِهِ أحد قَالَ وَالصَّحِيح أَنه وَاجِب وَأَن التحدث بِهِ حرَام لِأَنَّهُ نوع من الْغَيْبَة وإشاعة الْفَاحِشَة وَقد روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قيل مَا الْغَيْبَة قَالَ ذكرك أَخَاك بِمَا يكره الحَدِيث قَالَ وَهَذَا يَشْمَل الْحَيّ وَالْمَيِّت قَالَ جمَاعَة كَابْن عقيل وَالْمُصَنّف وَأبي الْمَعَالِي وَلِأَن الطَّبِيب والجراح وَالْجَار يحرم عَلَيْهِم التحدث بِمَا اطلعوا عَلَيْهِ مِمَّا يكره الْإِنْسَان تحدثهم بِهِ فَلذَلِك قَالَ هُنَا قَالَ ابْن عقيل وَلِهَذَا يمْنَع من جَمِيع مَا يُؤْذِي الْحَيّ أَن ينَال بِهِ الْمَيِّت كتفريق الْأَجْزَاء وتقرب النَّجَاسَة مِنْهُ وَسَوَاء فِي ذَلِك عيب جِسْمه وَمَا يحدث فِيهِ من تغير أَو عَلامَة سوء صرح بِهِ جمَاعَة وَيسْتَحب إِظْهَار الْخَيْر وَلَا يجب وَإِن وَجب كتم الشَّرّ فِي أشهر الْوَجْهَيْنِ وَالثَّانِي يجب وَقد روى أَبُو دَاوُد عَن ابْن عمر مَرْفُوعا اذْكروا محَاسِن مَوْتَاكُم وَكفوا عَن مساوئهم قَوْله إِلَّا على مَشْهُور ببدعة أَو فجور أَكثر الْأَصْحَاب لم يذكر هَذَا الِاسْتِثْنَاء وَذكره ابْن عقيل وَالشَّيْخ فِي الْكَافِي وَالشَّيْخ وجيه الدّين وَالْمُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَابْن تَمِيم

стр. 187

قاطعين بِهِ كَمَا قطع بِهِ فِي الْمُحَرر ثمَّ هَل هُوَ مُسْتَحبّ أَو مُبَاح فِيهِ خلاف قَالَ ابْن عقيل لَا بَأْس عِنْدِي بِإِظْهَار الشَّرّ عَلَيْهِ ليحذر النَّاس طَرِيقه وَكَلَام ابْن عقيل هَذَا يدل على أَنه لم يجد أحدا من الْأَصْحَاب سبقه إِلَى هَذَا وَتَبعهُ على هَذِه الْعبارَة فِي الْكَافِي وَكَذَلِكَ المُصَنّف ثمَّ قَالَ وَنَظِيره الْفَاسِق الْمُعْلن فَإِنَّهُ لَا غيبَة لَهُ فِيمَا أعلن بِهِ بل ذكره لقصد التحذير مِنْهُ مُسْتَحبّ فَكَذَلِك هَذَا وَذكر الشَّيْخ وجيه الدّين أَنه مُسْتَحبّ وَقَالَ ذكره ابْن عقيل ثمَّ على هَذَا الِاسْتِثْنَاء هَل يسْتَحبّ كتم مَا يرَاهُ عَلَيْهِ من الْخَيْر أم لَا ظَاهر كَلَام ابْن عقيل وَمن اتبعهُ أَن الحكم يخْتَص بِإِظْهَار الشَّرّ عَلَيْهِ وَأَن الْخَيْر يسْتَحبّ إِظْهَاره مُطلقًا وَقطع ابْن تَمِيم بِأَنَّهُ يسْتَحبّ كتمه ﷺ َ - بَاب الْكَفَن قَوْله وَيجب تكفين الْمَيِّت إِلَى آخِره ظَاهر كَلَامه وَكَلَام غَيره أَنه يقدم على دين الرَّهْن وَأرش الْجِنَايَة وَهُوَ مُتَوَجّه وَقيل يقدم دين الرَّهْن وَأرش الْجِنَايَة سَوَاء قُلْنَا الْوَاجِب ثوب يستره أَو أَكثر وَكَذَلِكَ مُؤنَة دَفنه وَمَا لَا بُد مِنْهُ

стр. 188

قَوْله وَإِن لم يكن لَهُ تَرِكَة فعلى من تلْزمهُ مُؤْنَته فَإِن لم يكن فَفِي بَيت المَال فَإِن تعذر فعلى الْمُسلمين الْعَالمين بِحَالهِ إِلَّا أَن الْمُرْتَد وَالْحَرْبِيّ لَا يجب تكفينه بِالْإِجْمَاع وَكَذَلِكَ الذِّمِّيّ عندنَا لَا تجب نَفَقَته فِي حَيَاته من بَيت المَال عندنَا لَكِن يجوز للْإِمَام أَن يُعْطِيهِ مَا ينْفق عَلَيْهِ وَزَاد فِي الرِّعَايَة لمصْلحَة الْمُسلمين لِأَن الذِّمَّة تعصمهم وَلَا تؤذيهم هَذَا معنى كَلَام المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَغَيره وَذكر فِي الرِّعَايَة فِي زَوْجَة الذِّمِّيّ أَنَّهَا فِي بَيت المَال عِنْد الْعَجز وَعَلِيهِ نَفَقَتهَا حَال الْحَيَاة عِنْد الْعَجز وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين فِي شرح الْهِدَايَة إِذا مَاتَ الذِّمِّيّ وَلَا مَال لَهُ وَلَا قرَابَة تلْزمهُ نَفَقَته فَهَل يُكفن من بَيت المَال فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا يُكفن كَمَا يطعم إِذا جَاع للمخمصة وَالثَّانِي يدْفن من غير كفن لِأَن حرمته بِالْعقدِ وَقد ارْتَفع بِالْمَوْتِ قَالَ وَالْملك فِي الْكَفَن بَاقٍ على ملك الْمَيِّت لِحَاجَتِهِ وَقيل الْملك للْوَرَثَة لعدم أَهْلِيَّة الْمَيِّت للْملك ابْتِدَاء فَكَذَلِك دواما لكنه يقدم عَلَيْهِم لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ وَقيل لما لم يكن الْمَيِّت أَهلا للْملك وَالْوَارِث لَا ينفذ تصرفه فِيهِ والإبدال لَهُ تعين أَن يكون حَقًا لله تَعَالَى انْتهى كَلَامه قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة فَلَو جمعت لَهُ دَرَاهِم ليكفنه ففضلت مِنْهَا

стр. 189

فضلَة ردَّتْ على أَصْحَابهَا إِن عرفُوا وَإِن اخْتلطت أَو لم يعرف معطيها بِحَال صرفت فِي كفن آخر نَص عَلَيْهِ فَإِن تعذر ذَلِك تصدق بهَا انْتهى كَلَامه وَلم يزدْ عَلَيْهِ وَذكر ابْن تَمِيم مثله إِلَّا أَنه لم يذكر اختلاطها وَقَالَ فِي الرِّعَايَة وَمن جِيءَ لَهُ بكفن ففضل عَنهُ بعضه أَو كَفنه أَهله بِغَيْرِهِ يصرف ذَلِك أَو مَا فضل مِنْهُ فِي كفن ميت آخر نَص عَلَيْهِ فَإِن تعذر تصدق بِهِ وَقيل إِن علم ربه أَخذه وَإِن دَفعه لَهُ جمَاعَة أَخَذُوهُ بِقدر مَا دفعوه وَإِن جهلوا صرف فِي ثمن كفن آخر نَص عَلَيْهِ وَلَا تَأْخُذهُ ورثته وَقيل بلَى وَهُوَ بعيد بل يتَصَدَّق بِهِ انْتهى كَلَامه وَذكر ابْن عبد الْقوي مَا ذكره فِي شرح الْهِدَايَة ثمَّ قَالَ أما إِذا لم يعرف معطوها فَظَاهر لأَنهم خَرجُوا عَنْهَا لله وَالظَّاهِر أَنهم لَا يعودون فِيهَا ولاضمان على من تصدق بهَا بِخِلَاف الودائع والغصوبات المجهولة الأرباب لأَنهم لم يخرجُوا عَنْهَا هُنَاكَ وَالْقِيَاس دفع الْجَمِيع إِلَى ولي الْأَمر لِأَنَّهُ وَكيل الغياب وَمَوْضِع أمانات الْمُسلمين وَأما إِذا اخْتلطت هُنَا مَعَ معرفَة قوم لَا تعدوهم فَهُوَ كَمَا لَو انهارت أَمْوَالهم بَعْضهَا على بعض أَو اخْتلطت ثَمَرَة المُشْتَرِي وَرب الأَصْل يصطلحون عَلَيْهَا أَو تقسم هُنَا بِالْحِصَصِ إِن عرف مِقْدَار مَا بذل كل وَاحِد لَا سِيمَا إِذا قُلْنَا إِن النَّقْدَيْنِ لَا يتعينان بِالتَّعْيِينِ هَذَا كَلَامه

стр. 190

قَالَ فِي الرِّعَايَة وَإِن أكله سبع أَو أَخذه سيل فَكَفنهُ تَرِكَة وَقيل إِن تبرع بكفنه أَجْنَبِي فَأكل الْمَيِّت سبع أَو نَحوه وَبَقِي كَفنه فَهِيَ إِبَاحَة لَا تمْلِيك بِخِلَاف مَا لَو وهبه أَو ثمنه لوَرثَته أَولا وكفنوه بِهِ ثمَّ وجدوه فَإِنَّهُ يكون لَهُم وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي شرح الْهِدَايَة إِذا افترسه سبع بعد التَّكْفِين فَإِن كَانَ الْكَفَن من مَاله فَهُوَ للْوَرَثَة وَإِن كَانَ من بَيت المَال فَوَجْهَانِ أظهرهمَا أَنه لوَرثَته لِأَن الْمَيِّت صَار أَحَق بِهِ فَإِذا عدمت الْحَاجة فَهُوَ لوَرثَته كَمَا لَو كَانَ من مَاله انْتهى كَلَامه وَالْأولَى أَن يُقَال هَل يَزُول ملك الدَّافِع عَن الْمَدْفُوع نظرا إِلَى ظَاهر الْحَال أم لَا يَزُول لتردد الدّفع بَين الْإِبَاحَة وَالْخُرُوج عَنهُ وَالْأَصْل أَن لَا يخرج من ملكه إِلَّا مَا اعْترف بِخُرُوجِهِ فِيهِ رِوَايَتَانِ فَإِن قُلْنَا يَزُول ملكه عَنهُ صرف ذَلِك أَو الْفَاضِل مِنْهُ فِي كفن ميت آخر قَالَ ابْن عقيل وَغَيره لأَنهم عينوه للأكفان وَالْمَعْرُوف فِي الْمَذْهَب أَنه يجوز دفع فَاضل مغل وقف مَسْجِد وَغَيره إِلَى ذَلِك النَّوْع وَغَيره وَإِن كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال الأولى ذَلِك النَّوْع وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ وَكَذَلِكَ إِن أكل الْمَيِّت السَّبع وَنَحْوه لِأَن الْمَيِّت لم يملكهُ وَإِنَّمَا صَار أَحَق بِهِ مَعَ حَاجته فَإِذا زَالَت فَهُوَ كَمَا لَو كفن بِغَيْرِهِ وَإِن قُلْنَا لَا يَزُول ملكه عَنهُ رد إِلَى صَاحبه فَإِن لم يكن فلورثته كإباحة غَيره فَإِن جهل فَحكمه حكم اللّقطَة والوديعة الْمَجْهُول رَبهَا لَكِن هَذَا إِذا تصرف فِيهِ دفع فِي كفن آخر على الْمَنْصُوص واختلاطه وَنَحْوهمَا على هَذَا لَا أثر لَهُ فيفرد بِحكم هَذَا ظَاهر كَلَام ابْن تَمِيم وَابْن حمدَان وَاخْتَارَهُ ابْن عبد الْقوي

стр. 191

الصَّلَاة على الْمَيِّت قَوْله وَإِن كَانَ صَغِيرا قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لِوَلَدَيْهِ فرطا إِلَى آخر الدُّعَاء يحْتَمل أَن يكون مُرَاده أَن يَأْتِي بِهَذَا الدُّعَاء فَقَط وَيحْتَمل أَن مُرَاده أَن الدُّعَاء لحَال الصَّغِير وَأَن الدُّعَاء الْمُشْتَرك السَّابِق يَأْتِي بِهِ وَكَلَام الْأَصْحَاب ظَاهره مُخْتَلف وَالثَّانِي ذكره السامري قَالَ إِلَّا قَوْله إِن كَانَ محسنا أَو مسيئا لعدم ذَلِك فِيهِ وَقَالَ فِي الْمُغنِي وَإِن كَانَ الْمَيِّت طفْلا جعل مَكَان الاسْتِغْفَار لَهُ وَذكر الدُّعَاء قَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين فَإِن كَانَ الصَّغِير مَمْلُوكا دَعَا لمواليه إِذا لم يعرف إِسْلَام أَبَوَيْهِ لأَنهم أولياؤه وَقَالَ هُوَ وَابْن عقيل وَغَيرهمَا وَإِن كَانَ خُنْثَى سَمَّاهُ بِالِاسْمِ الْعَام فَيَقُول هَذَا الْمَيِّت أَو الشَّخْص قَوْله وَالْغَرَض من ذَلِك الْقيام والتكبيرات تبع أَكثر الْأَصْحَاب وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَذْهَب وَصَاحب التَّلْخِيص فِيهِ الْأَركان وَلم يذكرُوا فِيهَا الْقيام وَقَالَ الْحَنَفِيَّة وَالْقِيَاس جَوَازهَا بِدُونِهِ

стр. 192

كسجود التِّلَاوَة وَإِنَّمَا يمْنَع مِنْهُ اسْتِحْسَانًا ولأصحابنا على وُجُوبه قَوْله ﷺ لعمران بن حُصَيْن صل قَائِما فَإِن لم تستطع فقاعدا وَقَوله ﷺ إِن أَخَاكُم النَّجَاشِيّ مَاتَ فَقومُوا فصلوا عَلَيْهِ وَالْقِيَاس على الْمَكْتُوبَة والمنذورة وَفِي ذَلِك نظر وَذكر صَاحب التَّلْخِيص وَجَمَاعَة أَنه يشْتَرط حُضُور الْمَيِّت بَين يَدي الْمُصَلِّي وَذكره أَيْضا الشَّيْخ وجيه الدّين فَقَالَ لَو صلى على الْجِنَازَة وَهِي مَحْمُولَة على أَعْنَاق الرِّجَال أَو على دَابَّة أَو صَغِير على رجل لم يجز لِأَن الْجِنَازَة يمنزلة الإِمَام وَلِهَذَا لَا تجوز الصَّلَاة بِدُونِ الْمَيِّت وَيجب تَقْدِيمه إِلَى الْمُصَلِّين عَلَيْهِ وَمَتى كَانَ الإِمَام على الدَّابَّة وَالْقَوْم على الأَرْض لم يجز فَكَذَلِك هُنَا وَلم يذكر فِي الْمُحَرر هَذَا الشَّرْط وَكَذَا لم يذكرهُ جمَاعَة مِنْهُم ابْن الْجَوْزِيّ وَالشَّيْخ موفق الدّين قَوْله وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ كَذَا ذكره الْأَصْحَاب مَعَ اخْتلَافهمْ هَل هِيَ وَاجِبَة فِي الصَّلَاة أوركن أَو سنة وَهَذَا يدل على توقف صَلَاة الْجِنَازَة عَلَيْهَا وَإِن لم تتَوَقَّف سَائِر الصَّلَاة عَلَيْهَا وَقد جعل فِي الْمُغنِي رِوَايَة الْوُجُوب وسقوطها بالسهو فِي سَائِر الصَّلَاة اخْتِيَار الْخرقِيّ فِي ظَاهر الْمَذْهَب وَلم يحك فِي صَلَاة الْجِنَازَة خلافًا فِي توقف صِحَّتهَا عَلَيْهَا كالنية وَالتَّكْبِير وَقَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة بافتراض الصَّلَاة عَلَيْهِ قَالَ الشَّافِعِي وأصل ذَلِك وُجُوبهَا فِي سَائِر الصَّلَوَات وَإِذا قُلْنَا لَا تجب هُنَاكَ لم تجب هُنَا وَقَالَ أَيْضا أَجمعُوا أَنه إِذا خَافَ رفع الْجِنَازَة سقط الدُّعَاء وَالصَّلَاة على رَسُول الله ﷺ وَجَاز قَضَاء التَّكْبِير مُتَتَابِعًا كَذَا قَالَ وَفِيه نظر يَأْتِي فِي الْمَسْأَلَة بعْدهَا

стр. 193

قَالَ ابْن عبد الْقوي جعلهَا الشَّيْخ هُنَا ركنا وَقِيَاس مَا ذكر فِي صفة الصَّلَاة أَن تكون وَاجِبَة أَو سنة قَالَ وَلقَائِل أَن يَقُول لَا يلْزم من قَوْلنَا هِيَ هُنَاكَ سنة أَو وَاجِبَة على الْمُخْتَار أَن تكون هُنَا كَذَلِك لِأَن تِلْكَ الصَّلَاة فِيهَا من غَيرهَا لمتلوها مَا هُوَ ركن وَهُوَ التَّشَهُّد بِخِلَاف هَذِه فَمَا الْمَانِع أَن تجْعَل الصَّلَاة عَلَيْهِ ركنا لِأَنَّهَا سَبَب الْإِجَابَة انْتهى كَلَامه وَفِيه نظر قَوْله لِأَن تِلْكَ الصَّلَاة فِيهَا من غَيره لمتلوها مَا هُوَ ركن وَهُوَ التَّشَهُّد قُلْنَا وَإِذا كَانَ فَأَي شَيْء يلْزمه وماذا يكون وَقَوله بِخِلَاف هَذِه قُلْنَا وَهَذِه الصَّلَاة كَذَلِك وَهُوَ أدنى دُعَاء للْمَيت وَقَوله فَمَا الْمَانِع أَن تجْعَل الصَّلَاة عَلَيْهِ هُنَا ركنا قُلْنَا وَمَا الْمُقْتَضِي وَالشَّيْء لَا يثبت بِعَدَمِ الْمَانِع بل لوُجُود الْمُقْتَضى قَوْله لِأَنَّهَا سَبَب للإجابة قُلْنَا وَفِي سَائِر الصَّلَوَات كَذَلِك وَلَو كبر على جَنَازَة فجيء بثانية فَكبر الثَّانِيَة ونواها لَهما جَازَ نَص عَلَيْهِ وَعلله الإِمَام أَحْمد بِجَوَاز التَّكْبِير إِلَى سبع وَكَذَلِكَ الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة فَإِن جِيءَ بِجنَازَة بعد التَّكْبِيرَة الرَّابِعَة لم يجز إدخالها فِي الصَّلَاة وَهل يُعِيد الْقِرَاءَة وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ للَّتِي حضرت بعدهمَا يحْتَمل وَجْهَيْن ذكرهمَا ابْن عقيل أَحدهمَا يُعِيد اخْتَارَهَا الشَّيْخ موفق الدّين ليكمل أَنْوَاع الْأَذْكَار لكل جَنَازَة وَالثَّانِي لَا يُعِيد بل يَدْعُو عقب كل تَكْبِيرَة قَالَ المُصَنّف وَهُوَ أصح وَاخْتَارَهُ القَاضِي فِي الْخلاف لِأَن هَذَا مَحل للدُّعَاء للسابقة وَمحل غَيره للمسبوقة فغلب حكم من امتاز بِالسَّبقِ وَيُمكن أَن يسْقط عِنْد الِاجْتِمَاع تبعا مَا لَا يسْقط مُنْفَردا كَمَا تسْقط أَفعَال الْعمرَة أَو بَعْضهَا فِي

стр. 194

الْقرَان تبعا لِلْحَجِّ وكما يسْقط ترك الْإِحْرَام بِالْحَجِّ من الْمِيقَات إِذا أدخلهُ على الْعمرَة فَكَذَلِك هُنَا وَالَّذِي وجدت ابْن عقيل ذكره الْوَجْه الثَّانِي أَنه يَأْتِي بِالتَّكْبِيرِ مُتَتَابِعًا نسقا كَمَا يفعل الْمَسْبُوق إِذا رفع الْمَيِّت وَكَذَا نَقله الشَّيْخ موفق الدّين وَالشَّيْخ وجيه الدّين وَقَالَ اخْتَارَهُ ابْن عقيل قَوْله وَمن فَاتَهُ التَّكْبِير قَضَاهُ مُتَتَابِعًا وَقيل يَقْضِيه على صفته مالم ترفع الْجِنَازَة ظَاهره أَنه يَقْضِيه مُتَتَابِعًا مُطلقًا وَهُوَ ظَاهر كَلَام غَيره وَحَكَاهُ غير وَاحِد عَن الْخرقِيّ وَقَالَ بَعضهم إِنَّه روى عَن أَحْمد لِأَن ابْن عمر قَالَ لَا يقْضِي فَإِن كبر مُتَتَابِعًا فَلَا بَأْس احْتج بِهِ وَلم يعرف لَهُ مُخَالف من الصَّحَابَة وَقدم غير وَاحِد أَنه يَقْضِيه على صفته من غير تَفْصِيل لِأَن الْقَضَاء على صفة الْإِدْرَاك كَسَائِر الصَّلَوَات وَلِأَن الصَّلَاة على الْمَيِّت تجوز مَعَ غيبته للْعُذْر وَهُوَ الصَّلَاة على الْغَائِب فيقضيها للْعُذْر أولى وَقَالَ القَاضِي وَأَبُو الْخطاب وَقطع بِهِ فِي الْمَذْهَب وَالتَّلْخِيص إِن رفعت الْجِنَازَة قبل إتْمَام التَّكْبِير قَضَاهُ مُتَتَابِعًا لِأَنَّهَا إِذا رفعت زَالَ شَرط الصَّلَاة فَيَقْتَضِي ذَلِك قطعهَا لَكِن التَّكْبِير فِي نَفسه يسير فَأتى بِهِ مُقْتَصرا عَلَيْهِ وَمَا لم ترفع فَالشَّرْط مُسْتَمر وَحَكَاهُ ابْن عبد الْبر عَن جُمْهُور الْعلمَاء وَقَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة إِذا خشِي رفع الْجِنَازَة قَضَاهُ مُتَتَابِعًا رفعت الْجِنَازَة أَو لم ترفع على مَنْصُوص الإِمَام أَحْمد وَحَكَاهُ عَن مَالك وَأحد قولي الشَّافِعِي لِئَلَّا ترفع الْجِنَازَة من بَين يَدَيْهِ وَهُوَ شَرط للصَّلَاة فَكَانَ التَّتَابُع أحوط

стр. 195

وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي فِيمَا حَكَاهُ الْحسن بن زِيَاد عَنْهُم يَقْضِيه مُتَتَابِعًا مالم ترفع فَإِن رفعت قطع التَّكْبِير وَهُوَ قَول ابْن الْمُنْذر وَظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة أبي طَالب لِأَن مَا كَانَ شرطا فِي الِابْتِدَاء فهر شَرط فِي الدَّوَام كَسَائِر الشُّرُوط ثمَّ حكى المُصَنّف القَوْل الثَّانِي عَن الشَّافِعِي أَنه يَقْضِيه على صفته وَحَكَاهُ ابْن عبد الْبر عَن أبي حنيفَة وَوَجهه ثمَّ كَمَا تقدم ثمَّ حكى قَول القَاضِي وَأبي الْخطاب وَقَالَ فِي آخر تَوْجِيهه فَالشَّرْط مُسْتَمر فَكَانَ بذكرها أولى قَالَ فَأَما إِذا علم بعادة أَو قرينَة أَنَّهَا تتْرك حَتَّى يقْضِي فَلَا تردد أَنه يقْضِي التَّكْبِيرَات بذكرها هَذَا مُقْتَضى تَعْلِيل أَصْحَابنَا وَغَيرهم من الْقَائِلين بالتتابع وَقد صرح بِهِ الْمَالِكِيَّة انْتهى كَلَامه قَوْله وَيصلى على الْغَائِب بِالنِّيَّةِ إِلَى شهر هَذَا هُوَ الْمَذْهَب كَقَوْل الشَّافِعِيَّة عملا بِصَلَاتِهِ ﵊ بِأَصْحَابِهِ على النَّجَاشِيّ وَعَن الإِمَام أَحْمد لَا يجوز كَقَوْل أبي حنيفَة وَمَالك لِأَن من شَرط جَوَاز الصَّلَاة حُضُور الْمَيِّت بِدَلِيل مَا لَو كَانَ مَوْجُودا وَظَاهر هَذَا عدم جَوَاز الصَّلَاة وَلَو لم يكن عِنْده من يُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَالَهُ الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَاخْتَارَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَالشَّيْخ شمس الدّين بن عبد القوى أَنه إِن لم يحضر الْغَائِب من يُصَلِّي عَلَيْهِ وَجَبت الصَّلَاة عَلَيْهِ وَأطلق الْغَيْبَة وَظَاهره أَنه من كَانَ خَارج الْبَلَد سَوَاء كَانَ مَسَافَة قصر أَو دونهَا نَص عَلَيْهِ وَصرح بِهِ جمَاعَة وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين مُقْتَضى اللَّفْظ أَن من كَانَ خَارج السُّور أَو خَارج مَا يقدر سورا يصلى عَلَيْهِ بِخِلَاف من كَانَ دَاخله لَكِن هَذَا لَا أصل لَهُ فِي

стр. 196

الشَّرِيعَة فِي المذهبين إِذْ الْحُدُود الشَّرْعِيَّة فِي مثل هَذَا إِمَّا أَن تكون الْعِبَادَات الَّتِي تجوز فِي السّفر الطَّوِيل والقصير كالتطوع على الرَّاحِلَة وَالتَّيَمُّم وَالْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ على قَول فَلَا بُد أَن يكون مُنْفَصِلا عَن الْبَلَد بِمَا يعد الذّهاب إِلَيْهِ نوع سفر وَقد قَالَ طَائِفَة كَالْقَاضِي أبي يعلى إِنَّه يَكْفِي خَمْسُونَ خطْوَة وَإِمَّا أَن يكون الْحَد مَا تجب فِيهِ الْجُمُعَة وَهُوَ مَسَافَة فَرسَخ وَمَا سمع مِنْهُ النداء وَهَذَا أقرب الْحُدُود فَإِنَّهُ إِذا كَانَ دون فَرسَخ حَيْثُ يسمع النداء وَيجب عَلَيْهِ حُضُور الْجُمُعَة كَانَ من أهل الصَّلَاة فِي الْبَلَد فَلَا يعد غَائِبا عَنْهَا بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ فَوق ذَلِك فَإِنَّهُ بالغائب أشبه وَإِمَّا أَن يكون الْحَد مَا لَا يُمكن الذَّاهِب إِلَيْهِ الْعود فِي يَوْمه وَهَذَا يُنَاسب قَول من جعل الْغَائِب عَن الْبَلَد كالغائب عَن مجْلِس الحكم وإلحاق الصَّلَاة بِالصَّلَاةِ أولى من إِلْحَاق الصَّلَاة بالحكم فَهَذِهِ هِيَ المآخذ الَّتِي تبنى عَلَيْهَا هَذِه الْمَسْأَلَة وَإِطْلَاق كَلَامه فِي الْمُحَرر وَكَلَام غَيره يَقْتَضِي الصَّلَاة على كل غَائِب مُسلم وَفِيه نظر وَيُوَافِقهُ قَول صَاحب الْبَحْر من الشَّافِعِيَّة لَو صلى على الْأَمْوَات الَّذين مَاتُوا فِي يَوْمه وغسلوا فِي الْبَلَد الْفُلَانِيّ وَلَا يعرف عَددهمْ جَازَ قَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين النَّوَوِيّ لَا حَاجَة إِلَى التَّخْصِيص بِبَلَد يعرف بل لَو صلى على أموات الْمُسلمين فِي أقطار الأَرْض الَّذين مَاتُوا فِي يَوْمه مِمَّن يجوز الصَّلَاة عَلَيْهِم جَازَ وَكَانَ حسنا مستحسنا لِأَن الصَّلَاة على الْغَائِب صَحِيحَة عندنَا وَمَعْرِفَة بِلَاد الْمَوْتَى وأعدادهم لَيست شرطا وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية مَا يَفْعَله بعض النَّاس أَنه كل لَيْلَة يصلى على جَمِيع من مَاتَ من الْمُسلمين فَلَا ريب أَنه بِدعَة لم يَفْعَله أحد من السّلف قَوْله جَانِبي الْبَلَد قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ من الشَّافِعِيَّة والحنابلة قيد محققوهم الْبَلَد بالكبير وَمِنْهُم من أطلق وَلم يُقيد

стр. 197

قَوْله وَلَا يُصَلِّي الإِمَام على من قتل نَفسه أَو غل من غنيمَة كَذَا أطلق أَبُو الْخطاب قَاتل نَفسه قَالَ المُصَنّف يَعْنِي مُتَعَمدا وَهل ذَلِك وَاجِب أَو مُسْتَحبّ كَلَام الإِمَام أَحْمد مُحْتَمل وَظَاهر نَهْيه التَّحْرِيم وَهُوَ ظَاهر كَلَام ابْن عقيل وَصرح المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة بالاستحباب وَصرح أَيْضا أَنه يجب التأسي بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي تَركه الصَّلَاة عَلَيْهِمَا وَظَاهر كَلَام الشَّيْخ وجيه الدّين الِاسْتِحْبَاب وَقَالَ ابْن تَمِيم امْتنَاع الإِمَام من الصَّلَاة على من تقدم مُسْتَحبّ فَلَو صلى جَازَ وَفِيه وَجه يجب ذَلِك وَحكى فِي الرِّعَايَة رِوَايَتَيْنِ قَوْله من السّنة الْإِسْرَاع بالجنازة

стр. 198

قَالَ المُصَنّف وَصفَة الْإِسْرَاع بالجنازة الخبب بِأَن يمشي بهَا أَعلَى دَرَجَات الْمَشْي الْمُعْتَاد وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَقَالَ أَبُو حنيفَة يخب ويرمل وَكَذَا قَالَ القَاضِي يسْتَحبّ إسراع لَا يخرج عَن الْمَشْي الْمُعْتَاد وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْمَذْهَب يسْرع فَوق السَّعْي وَدون الخبب فَإِن خيف على الْمَيِّت من ذَلِك تأنى وَإِن خيف عَلَيْهِ التَّغْيِير أسْرع وَقَالَ فِي الْكَافِي وَلَا يفرط فِي الْإِسْرَاع فيمخضها ويؤذي متبعيها وَقَالَ فِي الرِّعَايَة يسن الْإِسْرَاع بهَا يَسِيرا وَذكر الشَّيْخ وجيه الدّين قَول القَاضِي الْمَذْكُور وَقَالَ فَإِن خيف انفجارها أَو كَانَ فِي التَّابِعين ضعف رفق بِهِ وبهم قَوْله وَالسّنة أَن يتَوَلَّى دفن الْمَيِّت غاسله كَذَا قَالَ غير وَاحِد قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة إِنَّه مَتى كَانَ الأحق بِالْغسْلِ كَانَ هُوَ الأحق بالدفن فَالْأولى أَن يتولاهما جَمِيعًا بِنَفسِهِ أَو يَسْتَنِيب فيهمَا وَاحِدًا لِأَنَّهُ أقرب إِلَى ستر أَحْوَاله وَقلة الِاطِّلَاع عَلَيْهِ فَأَما الأحق بالدفن فَهُوَ من أوصى إِلَيْهِ الْمَيِّت بذلك كَمَا قُلْنَا لَو أوصى إِلَيْهِ بِغسْلِهِ ثمَّ الْأَقَارِب الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب كَمَا فِي غسله فَأَما الْمَرْأَة فمحارمها الرِّجَال أَحَق بدفنها من النِّسَاء وَهل يقدم الزَّوْج على سَائِر الْمَحَارِم كَقَوْل مَالك وَالشَّافِعِيّ أَو الْعَكْس كَقَوْل أبي حنيفَة فِيهِ رِوَايَتَانِ فَإِن لم يكن محرم فَهَل النِّسَاء أولى بدفنها أم الرِّجَال فِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا الرِّجَال أَحَق فعلى هَذَا لَا مدْخل النِّسَاء فِي الدّفن

стр. 199

إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَالثَّانيَِة النِّسَاء أولى اخْتَارَهُ الْخرقِيّ قَالَ المُصَنّف وَهَذِه الرِّوَايَة مَحْمُولَة عِنْدِي على مَا إِذا لم يكن فِي دفنهن مَحْذُور من اتِّبَاع الْجِنَازَة أَو الْكَشْف بِحَضْرَة الْأَجَانِب أَو غَيره لِأَنَّهُ الْمَنْصُوص عَن الإِمَام أَحْمد فِي مثل ذَلِك وَهَذَا معنى كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره لكِنهمْ لم يذكرُوا حمل الرِّوَايَة على هَذَا وَاخْتِيَار ابْن عقيل وَغَيره كاختيار الْخرقِيّ وَكَذَلِكَ الشَّيْخ وجيه الدّين وَزَاد وَإِن كَانَ لَهَا زوج فَهُوَ أولى بدفنها كَمَا هُوَ أولى بغسلها فَإِن لم يكن فأمهاتهم يلينها على التَّرْتِيب الْمَذْكُور فِي الْغسْل وَلَعَلَّ مُرَاده أَن الزَّوْج يقدم بعد محارمها من الرِّجَال ثمَّ بعده محارمها من النِّسَاء قَوْله ويعمق قَبره قامة وبسطة يَعْنِي أَن هَذَا هُوَ الْمُسْتَحبّ وَفِي الْمَسْأَلَة خلاف مَشْهُور قَالَ فِي التَّلْخِيص وَغَيره وَأَدْنَاهُ حُفْرَة تستر رَائِحَته وتمنع جثته من السبَاع وَنَحْوهَا زَاد فِي الرِّعَايَة نَص عَلَيْهِ قَوْله ويضعه فِي اللَّحْد على جنبه الْأَيْمن مُتَوَجها كَذَا ذكر جمَاعَة وَلم يبينوا حكم ذَلِك وَقَالَ ابْن عقيل فِيمَا إِذا دفن إِلَى غير الْقبْلَة قَالَ أَصْحَابنَا أينبش لِأَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة مَشْرُوع يُمكن فعله فَلَا يتْرك كَمَا ذكر الْمَسْأَلَة وَمثله الدّفن من قبل الْغسْل أَنه ينبش وَيغسل وَيُوجه إِلَّا أَن يخَاف عَلَيْهِ أَن يتفسخ فَيتْرك وَنصب الْخلاف مَعَ أبي حنيفَة وَاسْتدلَّ بِأَنَّهُ

стр. 200

وَاجِب فَلَا يسْقطهُ بذلك كإخراج مَاله قيمَة وَقَوْلهمْ إِن النبش مثلَة قُلْنَا إِنَّمَا هُوَ فِي حق من تغير وَهُوَ لَا ينبش وَنصب المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة الْخلاف مَعَ أبي حنيفَة فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَقَالَ فِي مَسْأَلَة الدّفن قبل الْغسْل لِأَنَّهُ وَاجِب مَقْدُور عَلَيْهِ من غير مَانع وَقَالَ فِي مَسْأَلَة الدّفن إِلَى غير الْقبْلَة عَن قَول أبي حنيفَة قَوْله هَهُنَا أوجه لِأَن تَوْجِيهه سنة وَلَيْسَ بِفَرْض فَلَا يلْزم لتحصيله مَنْهِيّ عَنهُ وَلنَا أَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه قد نبشوا لما هُوَ دون هَذَا فَهَذَا أولى والنبش الْمنْهِي عَنهُ هُوَ الَّذِي لَيْسَ لغَرَض صَحِيح ثمَّ يبطل تَعْلِيلهم بالختان عِنْدهم فَإِنَّهُ سنة يلْزم لَهُ كشف الْعَوْرَة الْمحرم فِي الأَصْل انْتهى كَلَامه وَعلل الشَّيْخ وجيه الدّين مَسْأَلَة الدّفن إِلَى غير الْقبْلَة بِأَن اسْتِقْبَال الْقبْلَة سنة مَشْرُوعَة وشعار من شعار الْمُسلمين أمكن فعله فَلَا يتْرك كَمَا لَو ذكر قبل تَسْوِيَة اللَّبن قَالَ وَذكر الْمَاوَرْدِيّ صَاحب الْحَاوِي فِي كِتَابه أَن أول من وَجه إِلَى الْقبْلَة الْبَراء فَإِنَّهُ أوصى بذلك فَصَارَت سنة انْتهى كَلَامه وَقطع الْآمِدِيّ والشريف أَبُو جَعْفَر وَغَيرهمَا بِوُجُوب التَّوْجِيه إِلَى الْقبْلَة وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي مَجْمُوعه إِذا دفن من غير غسل نبش وَغسل سَوَاء أهيل عَلَيْهِ التُّرَاب أَو لم يهل عَلَيْهِ هَذَا ظَاهر الْمَذْهَب وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَهَكَذَا الحكم إِذا دفن غير موجه هَذَا كُله إِذا لم يتَغَيَّر الْمَيِّت وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِذا أهيل عَلَيْهِ التُّرَاب لم ينبش دليلنا أَنه فَرِيضَة مَقْدُور عَلَيْهِ فَوَجَبَ فعله كَمَا لَو لم يهل عَلَيْهِ التُّرَاب

стр. 201

فَظهر من هَذَا أَن فِي وجوب التَّوْجِيه إِلَى الْقبْلَة وَجْهَيْن فَأن قُلْنَا بِوُجُوبِهِ وَجب نبشه لأَجله فِي الْأَظْهر وَإِلَّا فَالْأَظْهر أَنه لَا يجب لِأَنَّهُ لَا يجب التَّوَصُّل إِلَى فعل مُسْتَحبّ وَلَو دفن موجها على يسَاره أَو مُسْتَلْقِيا على ظَهره هَل ينبش على وَجْهَيْن وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين وَإِن حفر الْقَبْر ممتدا من الْقبْلَة إِلَى الشمَال فَإِن دعت الْحَاجة إِلَى ذَلِك لضيق الْمَكَان لم يكره وَإِن كَانَ مَعَ السعَة وَالْقُدْرَة كره وَلم ينبش بعد دَفنه ليدفن على الصّفة المستحبة وَكَانَ دَفنه على الْحَالة الَّتِي يوضع عَلَيْهَا على المغتسل وَعند الْمَوْت وَقَالَ فَإِن خَالف وأضجعه على جنبه الْأَيْسَر واستقبل الْقبْلَة بِوَجْهِهِ جَازَ وَكَانَ تَارِكًا للأفضل وَإِن علمُوا بذلك بعد الدّفن وَإِن كَانَ قبل أَن يهال عَلَيْهِ التُّرَاب وَجه وَوضع على جنبه الْأَيْمن ليحصل شعار السّنة انْتهى كَلَامه وَفِي وجوب نبشه فِيمَا إِذا دفن قبل الْغسْل وَجه أَنه لَا يجب وَقدم ابْن تَمِيم أَنه يسْتَحبّ نبشه فِيمَا إِذا دفن لغير الْقبْلَة فَهَذِهِ ثَلَاثَة أوجه فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَقطع المُصَنّف فِي مَسْأَلَة الْغسْل لَا ينبش إِذا خيف تفسخه وَلم يَتَبَعَّض هَذِه الْمَسْأَلَة فِي مَسْأَلَة التَّوْجِيه وَيصلى عَلَيْهِ كَمَسْأَلَة من لم يجد مَاء وَلَا تُرَابا وَظَاهر كَلَامه فِي الْمُحَرر أَنه ينبش فيهمَا وَلَو خيف تفسخه بِخِلَاف نبشه للصَّلَاة عَلَيْهِ وَقَالَ غير وَاحِد لَا ينبش إِذا خيف تفسخه فِي الْمسَائِل الثَّلَاث وَظَاهر كَلَام غير وَاحِد عَكسه قَوْله وَلَا يدْفن فِيهِ اثْنَان إِلَّا لضَرُورَة قد يُقَال اسْتثِْنَاء حَالَة الضَّرُورَة تدل على التَّحْرِيم عِنْد انتفائها لِأَنَّهُ

стр. 202

لَا يحسن اسْتثِْنَاء الضَّرُورَة مَعَ الْكَرَاهَة وَظَاهر كَلَام جمَاعَة من الْأَصْحَاب يحْتَمل التَّحْرِيم وَالْكَرَاهَة وَقَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة أبي دَاوُد أما فِي الْمصر فَلَا وَلَا دَلِيل على التَّحْرِيم وَفِي الْكَرَاهَة نظر لِأَنَّهُ أَكثر مَا قيل إِن إِفْرَاد كل ميت بِقَبْر هُوَ الدّفن الْمُعْتَاد حَالَة الِاعْتِبَار وَهَذَا يدل على أَن هَذَا هُوَ الْمُسْتَحبّ وَالْأولَى وَقَالَ المُصَنّف فِي أثْنَاء بحث الْمَسْأَلَة من غير تَصْرِيح بِتَحْرِيم وَلَا كَرَاهَة قَالَ وَنقل أَبُو طَالب عَن أَحْمد إِذا مَاتَت الْمَرْأَة وَقد ولدت ولدا مَيتا فَدفن مَعهَا جعل بَينهمَا حاجز من تُرَاب أَو يحْفر لَهُ فِي نَاحيَة مِنْهَا وَإِن دفن مَعهَا فَلَا بَأْس وَظَاهر هَذَا أَن دفن الِاثْنَيْنِ فِي الْقَبْر من غير ضَرُورَة جَائِز لَا يكره وَيحْتَمل ذَلِك أَن يخْتَص ذَلِك بِمَا إِذا كَانَا أَو أَحدهمَا مِمَّن لَا حكم لعورته لصغره وَقَالَ فِي أثْنَاء بحث مَسْأَلَة ينبش الْمَيِّت إِذا دفن قبل الْغسْل ونبشت الصَّحَابَة موتاهم للافراد فِي الْقَبْر ولإحسان الْكَفَن والتحويل إِلَى خير من الْبقْعَة الأولى وَنَحْو ذَلِك من الْمَقَاصِد الصَّحِيحَة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا فعل فرض وَلَا سنة مُؤَكدَة فَلِأَن يجوز ذَلِك للْغسْل الْوَاجِب أولى انْتهى كَلَامه وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين الْجمع بَين الِاثْنَيْنِ فِي الْقَبْر وَالثَّلَاثَة لغير ضَرُورَة وحاجة غير جَائِز لِأَن السّنة أَن يفرد كل وَاحِد بِقَبْر وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فَأَما مَعَ الضَّرُورَة أَو الْحَاجة فَإِنَّهُ جَائِز فِي الْمصر وَغَيره وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَرُوِيَ عَن إمامنا أَنه لَا بَأْس أَن يدْفن الإثنان وَالثَّلَاثَة فِي الْقَبْر الْوَاحِد قَالَ ابْن عقيل إِفْرَاد كل ميت بِقَبْر مُسْتَحبّ انْتهى كَلَامه وَهُوَ الَّذِي قطع بِهِ ابْن عقيل فِي الْفُصُول وَالَّذِي وجدت فِي كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْقطع بِالْكَرَاهَةِ وَحكى بَعضهم احْتِمَالا أَنه يخْتَص الْجَوَاز بالمحارم وَقطع فِي الرِّعَايَة بِالْخِلَافِ فِي الْجَوَاز وَعَدَمه

стр. 203

قَوْله من مَاتَت وَفِي بَطنهَا ولد يَتَحَرَّك أخرجته القوابل فَإِن عجزن تركنه قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة صَالح فِي الْمَرْأَة تَمُوت وَفِي بَطنهَا صبي حَيّ يشق عَنْهَا قَالَ لَا يشق عَنْهَا إِذا أَرَادَ أَن يُخرجهُ أخرجه وَقيل يشق بَطنهَا إِذا ظن خُرُوجه حَيا وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ فعلى الأول يدْخل النِّسَاء أَيْدِيهنَّ فيخرجنه إِذا طمعن فِي حَيَاته فَإِن عجزن أَو عدمن فَاخْتَارَ ابْن هُبَيْرَة أَنه يشق بَطنهَا وَيخرج الْوَلَد وَقَالَ صَالح فِي مسَائِله وَسَأَلته عَن الْمَرْأَة تَمُوت وَفِي بَطنهَا ولد قَالَ إِذا لم يقدر النِّسَاء فليسنوا عَلَيْهَا رجلا يُخرجهُ وَقَالَ بَعضهم هَل يفعل الرِّجَال ذَلِك على رِوَايَتَيْنِ قَالَ ابْن تَمِيم وَيَنْبَغِي وَظَاهر كَلَام غَيره أَنه يجب أَن يكون من ذَوي أرحامها فَإِن لم يخرج لم يدْفن مَا دَامَ حَيا وَلَو خرج بعض الْوَلَد وَمَات أخرج إِن أمكن وَغسل وَإِلَّا غسل على حَاله وَلَا يحْتَاج إِلَى تيَمّم لما بَقِي لِأَنَّهُ فِي حكم الْبَاطِن قطع بِهِ بَعضهم وَفِيه احْتِمَال قَوْله وَتسن التَّعْزِيَة قبل الدّفن وَبعده أطلق الِاسْتِحْبَاب بعده وَلَيْسَ هُوَ على ظَاهره وَإِنَّمَا أَرَادَ الْإِشَارَة إِلَى مَذْهَب أبي حنيفَة فَإِن عِنْده لايسن بعد الدّفن لِأَنَّهُ خَاتِمَة أمره قَالَ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَإِلَى مَتى يَمْتَد وَقت التَّعْزِيَة لم أجد فِيهِ كلَاما لِأَصْحَابِنَا وَذكر أَصْحَاب الشَّافِعِي أَن وَقتهَا يَمْتَد إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام فَلَا تَعْزِيَة بعْدهَا لِأَنَّهَا فِي حد الْقلَّة وَقد أذن الشَّارِع فِي الْإِحْدَاد فِيهَا ثمَّ ذكر

стр. 204

أَحَادِيث ذَلِك ثمَّ قَالَ وَهَذَا يدل على أَن مَا يهجره الْمُصَاب من حسن الثِّيَاب والزينة لابأس بِهِ مُدَّة الثَّلَاث وَقَالَ فِي مَسْأَلَة كَرَاهَة الْجُلُوس للتعزية وَعِنْدِي أَن جُلُوس أهل الْمُصِيبَة من الرِّجَال وَالنِّسَاء بِالنَّهَارِ فِي مَكَان مَعْلُوم ليأتيهم من يعزيهم مُدَّة الثَّلَاث لَا بَأْس بِهِ انْتهى كَلَامه وَقد ذكر هَذِه الْمَسْأَلَة جمَاعَة مِنْهُم صَاحب الْمُسْتَوْعب أَنه تسْتَحب التَّعْزِيَة إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام وَقَالَ أَبُو الْفرج الشِّيرَازِيّ الْمَقْدِسِي وَيكرهُ فِيمَا زَاد عَلَيْهَا لِأَنَّهُ تَجْدِيد للمصيبة وَقطع بِهِ الْآمِدِيّ وَابْن شهَاب العكبرى وَابْن تَمِيم وَغَيرهم وَقَول المُصَنّف أهل الْمُصِيبَة أَعم من أهل الْمَيِّت فيعزى الْإِنْسَان فِي رَفِيقه وَصديقه وَنَحْوهمَا كَمَا يعزى فِي قَرِيبه وَهَذَا مُتَوَجّه وَقطع بِهِ ابْن عبد الْقوي فِي كِتَابَة مجمع الْبَحْرين مذهبا لِأَحْمَد لاتفقها من عِنْده وَقَول الْأَصْحَاب أهل الْمَيِّت خرج مخرج الْغَالِب وَلَعَلَّ مُرَادهم أهل الْمُصِيبَة وَلم يحد جمَاعَة من الْأَصْحَاب مِنْهُم الشَّيْخ موفق الدّين اسْتِحْبَاب التَّعْزِيَة بِثَلَاث وَإِطْلَاق كَلَامهم يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَاب بعد الثَّلَاث وَهُوَ ظَاهر الْأَخْبَار وَلِأَن الْقَصْد تَسْلِيَة أهل الْمُصِيبَة وَالدُّعَاء لَهُم ولميتهم وَهَذَا الْمَعْنى تستوي فِيهِ الثَّلَاث وَغَيرهَا وَالتَّعْلِيل بتحديد الْمُصِيبَة مُنَاسبَة مُرْسلَة لَيْسَ لَهَا أصل فَلَا تقبل على أَن هَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي الثَّلَاث وَقد حَده بعض الْأَصْحَاب بِيَوْم الدّفن وَفِيه أَيْضا ضعف وَقَالَ ابْن عبد الْقوي فَإِن كَانَ المعزى غَائِبا فَلَا بَأْس بهَا وَلَو بعد الثَّلَاث مالم تنس الْمُصِيبَة لِأَن فِيهِ جبر قلب الْأَخ الْمُسلم وتسليته عَمَّا لم ينسه من مَعْذُور فِي تَأَخره وَلَا بَأْس بالتعزية بالمكاتبة للبعيد لذَلِك انْتهى كَلَامه

стр. 205

قَوْله وَمن تطوع بقربة وَأهْدى ثَوَابهَا للْمَيت الْمُسلم نَفعه ذَلِك ظَاهره أَنه لَو أهْدى ثَوَاب فرض أَو أهْدى إِلَى حَيّ لَا يَنْفَعهُ ذَلِك وَذكر القَاضِي وَغَيره فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ خلافًا وَتَبعهُ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة وَغَيره وَلَو نوى بالقربة الْمَيِّت ابْتِدَاء فَهَل يَكْفِي ذَلِك فِي حُصُول ثَوَابهَا أم لَا بُد من إهدائه فِي كَلَام المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة إِشْعَار بالأمرين وَيُؤْخَذ ذَلِك من كَلَام غَيره أَيْضا وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب ظَاهرهَا مُخْتَلف أَيْضا وَقد قَالَ ابْن عقيل فِيمَا يَفْعَله النَّائِب عَن المستنيب فِي الْحَج وَاجِبا كَانَ أَو تَطَوّعا مِمَّا لم يُؤمر بِهِ مثل أَن يُؤمر بِحَجّ فَيَعْتَمِر أَو بِعُمْرَة فيحج يَقع عَن الْمَيِّت لِأَنَّهُ يَصح عَنهُ من غير إِذْنه قَالَ وَذَلِكَ أَن الْمَيِّت عزى إِلَيْهِ الْعِبَادَة عِنْدَمَا وَقعت عَنهُ وَلَا يحْتَاج إِلَى إِذن والحي بِخِلَافِهِ وَذَلِكَ لِأَن الْحَيّ قَادر على الِاكْتِسَاب وَالْمَيِّت بِخِلَافِهِ وَيصير كَأَنَّهُ مهدى إِلَى الْمَيِّت ثَوَابهَا انْتهى كَلَامه وَفِي كَلَام القَاضِي إِذا جَازَ أَن تقع أَفعاله الَّتِي فعلهَا بِنَفسِهِ عَن غَيره وَهُوَ الْحَج وَالصَّدَََقَة جَازَ أَن يَقع الثَّوَاب لغيره لِأَن الثَّوَاب تبع للْفِعْل فَإِذا جَازَ أَن يَقع الْمَتْبُوع لغيره جَازَ أَن يَقع التبع قَالَ وَاحْتج بَعضهم بِأَن الصَّلَاة وَالصِّيَام وَقِرَاءَة الْقُرْآن مِمَّا لَا مدْخل لِلْمَالِ فِيهِ فَلَا يَصح أَن يَفْعَله عَن غَيره كَصَلَاة الْفَرْض وَصَوْم الْفَرْض قَالَ وَالْجَوَاب أَنا نقُول بِمُوجبِه وَأَنه لَا يَفْعَله عَن غَيره وَإِنَّمَا يَقع ثَوَابه عَن غَيره وَهَذَا ظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة الْمروزِي إِذا دَخَلْتُم الْمَقَابِر فاقرءوا آيَة الْكُرْسِيّ وَقل هُوَ الله أحد ثمَّ قُولُوا اللَّهُمَّ إِن فَضله لأهل الْمَقَابِر يَعْنِي ثَوَابه

стр. 206

وَإِذا ثَبت هَذَا لم يكن فرق بَين الأَصْل وَالْفَرْض بل نقُول لَو صلى صَلَاة مَفْرُوضَة وَأهْدى ثَوَابهَا لِأَبَوَيْهِ صحت الْهَدِيَّة فَإِن قيل هَذَا خلاف الْأُصُول لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَن يعرى عمله عَن ثَوَاب وَأَنه يحصل لمن لم يعْمل ثَوَاب عمل لم يعمله قيل قَوْلك إِنَّه يُفْضِي إِلَى أَن يعرى عمله عَن ثَوَاب غير مُمْتَنع كَمَا قُلْتُمْ إِذا صلى فِي دَار غصب أَو امْتنع من أَدَاء الزَّكَاة وَأَخذهَا الإِمَام قهرا وقولك إِنَّه يحصل للْغَيْر ثَوَاب مَا لم يعْمل فَغير مُمْتَنع كثواب الاسْتِغْفَار فَإِنَّهُ يحصل للمستغفر لَهُ وَإِن لم يُوجد مِنْهُ عمل وَإِنَّمَا وجد الْعَمَل من المستغفر وَمَعْلُوم أَن المستغفر يسْتَحق الثَّوَاب على ذَلِك لِأَنَّهُ مَنْدُوب إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ وَقد قيل فِيهِ جَوَاب آخر وَهُوَ أَن الثَّوَاب يحصل لَهما لِلْعَامِلِ وللمهدى إِلَيْهِ فيضاعف الله لِلْعَامِلِ الثَّوَاب عِنْد وجود الْهَدِيَّة كَمَا يُضَاعف ثَوَاب من يُصَلِّي فِي جمَاعَة على من يُصَلِّي فُرَادَى فينقسم بَينهمَا ويؤكده قَول النَّبِي ﷺ من فطر صَائِما فَلهُ مثل أجره فَجعل الْأجر لَهما انْتهى كَلَامه وَالْأولَى أَن يُقَال الْمهْدي ينْقل ثَوَاب عمله إِلَى الْمهْدي اليه وللمهدي الْأجر على هَذَا الْإِحْسَان وَالصَّدَََقَة والهدية وَلَا يلْزم أَن يكون مثل ثَوَاب عمله إِلَّا أَن يَصح مَا رَوَاهُ حَرْب فِي مسَائِله بِإِسْنَادِهِ عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن عَمْرو بن شُعَيْب

стр. 207

عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا على أحدكُم إِذا أَرَادَ أَن يتَصَدَّق بِصَدقَة تَطَوّعا أَن يَجْعَلهَا عَن وَالِديهِ إِذا كَانَا مُسلمين فَيكون لوَالِديهِ أجرهَا وَله مثل أجورهما من غير أَن ينقص من أجورهما شَيْئا وَقَوله فِي الْمُحَرر وَأهْدى ثَوَابهَا وَكَذَا لَو أهْدى بعضه كنصفه وَثلثه وَنَحْو ذَلِك وَهَذِه الْمَسْأَلَة قد يعايى بهَا فَيُقَال ايْنَ لنا مَوضِع تصح فِيهِ الْهَدِيَّة مَعَ جَهَالَة الْمهْدي قَالَ القَاضِي أما دَعْوَى جهالته فلاتتم إِذا كَانَت مَعْلُومَة عِنْد الله تَعَالَى كمن وكل رجلا فِي أَن يهدي شَيْئا من مَاله لَا يعرفهُ الْمهْدي ويعرفه الْوَكِيل صَحَّ وَهل يسْتَحبّ إهداء الْقرب أم لَا قَالَ القَاضِي فَإِن قيل فَإِذا كَانَ الثَّوَاب يصل وَالْإِحْسَان مَنْدُوب إِلَيْهِ فَلم كره أَحْمد أَن يخرج من الصَّفّ الأول ليؤثر أَبَاهُ بِهِ وَهِي فَضِيلَة آثر أَبَاهُ بهَا وَقد نقل أَبُو الْفرج بن الصَّباح البرزاطي قَالَ قلت لِأَحْمَد يخرج الرجل من الصَّفّ الأول وَيقدم أَبَاهُ فِي مَوْضِعه فَقَالَ مَا يُعجبنِي هُوَ يقدر أَن يبر أَبَاهُ بِغَيْر هَذَا قيل وَقد نقل عَن أَحْمد مَا يدل على نفي الْكَرَاهَة فَقَالَ أَبُو بكر بن حَمَّاد الْمقري إِن الرجل يَأْمُرهُ وَالِده بِأَن يُؤَخر الصَّلَاة ليُصَلِّي بِهِ قَالَ يؤخرها فقد أمره بِطَاعَة أَبِيه بِتَأْخِير الصَّلَاة وَترك فَضِيلَة أول الْوَقْت الْوَجْه فِيهِ أَنه قد ندب إِلَى طَاعَة أَبِيه فِي ترك صَوْم النَّفْل وَصلَاته وَإِن كَانَ ذَلِك قربَة وَطَاعَة وَقد قَالَ فِي رِوَايَة هَارُون بن عبد الله فِي غُلَام يَصُوم إِذا نهياه وَقَالَ الشَّيْخ وجيه الدّين أَبُو الْمَعَالِي بن المنجي فِي بحث الْمَسْأَلَة فَإِن قيل الإيثار بالفضائل وَالدّين غير جَائِز عنْدكُمْ كالإيثار بِالْقيامِ فِي الصَّفّ الأول ثمَّ ذكر نَحْو كَلَام القَاضِي وَهَذَا مِنْهُمَا تَسْوِيَة بَين نقل الثَّوَاب بعد ثُبُوته واستحقاقه وَبَين نقل سَبَب الثَّوَاب قبل فعله وَلَا يَخْلُو من نظر

стр. 208

وَالْمَشْهُور كَرَاهَة إِيثَار الْإِنْسَان بِالْمَكَانِ الْفَاضِل إِذا لم ينْتَقل إِلَى مثل ثَوَابه مَكَانَهُ بالسواء لِأَنَّهُ يُؤثر على نَفسه فِي الدّين وَذكر ابْن عقيل فِي الْفُصُول أَنه لَا يجوز وَقيل لَا يكره وَإِلَّا كره وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي فَتَاوِيهِ أَنه لم يكن من عادات السّلف إهداء ثَوَاب ذَلِك إِلَى موتى الْمُسلمين بل كَانَ عَادَتهم أَنهم كَانُوا يعْبدُونَ الله بأنواع الْعِبَادَات الْمَشْرُوعَة فَرضهَا ونفلها وَكَانُوا يدعونَ للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات كَمَا أَمر الله بذلك يدعونَ لأحيائهم وأمواتهم فَلَا يَنْبَغِي للنَّاس أَن يعدلُوا عَن طَرِيق السّلف فَإِنَّهُ أفضل وأكمل انْتهى قَوْله وَيكرهُ الْمَشْي فِي الْمقْبرَة بنعلين إِلَّا من عذر نَص على ذَلِك وَعنهُ لَا يكره وَلَا يسْتَحبّ الْخلْع كَقَوْلِه الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَظَاهر كَلَامه بالتمشك وَنَحْوه وَفِيه وَجْهَان أَحدهمَا يكره كالنعل لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَلَا يشق خلعه بِخِلَاف الْخُف وَالثَّانِي لَا يكره اخْتَارَهُ القَاضِي وَقطع بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب قصرا للْحكم على مورد النَّص وَهُوَ حَدِيث بشير بن الخصاصية ورد فِي النِّعَال السبتية وَهُوَ عُمْدَة الْمَسْأَلَة وَعَلِيهِ اعْتمد الْأَصْحَاب وَالْإِمَام وَقطع ابْن تَمِيم وَابْن حمدَان بِأَنَّهُ لَا يكره بالنعال وَهَذَا غَرِيب ضَعِيف وَهُوَ مُخَالف للخير وَالْمذهب قَوْله وَيكرهُ الْجُلُوس والاتكاء على الْقُبُور قطع المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة بِالتَّحْرِيمِ إِن كَانَ لقَضَاء حَاجَة وَظَاهر كَلَامه هُنَا أَنه لَا فرق وَترْجم القَاضِي فِي الْخلاف الْمَسْأَلَة

стр. 209

بِالْكَرَاهَةِ كَمَا ذكر غَيره وَقَالَ نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة حَنْبَل فَقَالَ الْقعُود على الْقُبُور والْحَدِيث عِنْدهَا والتغوط بَين الْقُبُور كل ذَلِك مَكْرُوه قَالَ وَكَذَلِكَ نقل أَبُو طَالب وَقَالَ فِي بحث الْمَسْأَلَة وَلِأَن فِي الْجُلُوس عَلَيْهِ اسْتِخْفَافًا بِحقِّهِ واستهانة بِهِ وَهَذَا لَا يجوز وَقد عرف أَن لِأَصْحَابِنَا وَجْهَيْن فِي الْكَرَاهَة فِي كَلَام الإِمَام أَحْمد التَّحْرِيم وَكَرَاهَة التَّنْزِيه وَقَالَ الشريف فِي بحث الْمَسْأَلَة بعد أَن ذكر الْكَرَاهَة لِأَن فِي ذَلِك اسْتِخْفَافًا بِصَاحِبِهِ واستهانة بِهِ أشبه مَا إِذا قعد عَلَيْهِ للبول قَوْله وتستحب زِيَارَة الْقُبُور للرِّجَال ذكره بَعضهم إِجْمَاعًا وَهُوَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيّ وَحكى بَعضهم عَن طَائِفَة كَرَاهَته قَالَ المُصَنّف وَظَاهر كَلَام الْخرقِيّ أَنَّهَا جَائِزَة لَا اسْتِحْبَاب فِيهَا لِأَنَّهُ قَالَ وَلَا بَأْس أَن يزور الرِّجَال الْمَقَابِر وَكَذَا حكى أَبُو الْمَعَالِي عَن الْخرقِيّ أَنه مُبَاح لَا بَأْس بِهِ وَكَذَا عبارَة الْحلْوانِي وَفِي الْعُمْدَة لِأَن الْأَمر بهَا أَمر بعد حظر وَالْمَشْهُور عندنَا أَنه للاباحة وَمن حمله على النّدب فلقرينة تذكر الْمَوْت أَو الْأَمر فِيهِ وَحكى أَبُو الْمَعَالِي عَن مَالك أَنه يكره وَظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب أَنه لَا يكره الْإِكْثَار من زِيَارَة الْمَوْتَى وَقَالَ فِي الرِّعَايَة وَيكرهُ الْإِكْثَار من زِيَارَة قُبُور الْمَوْتَى والاجتماع عِنْدهَا وَالسّفر إِلَيْهَا وَحُضُور الْقَاص لَهَا

стр. 210

- ﷺ َ - كتاب الْبيُوع قَوْله ينْعَقد البيع بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُول فَيَقُول البَائِع بِعْتُك أَو مَلكتك وَنَحْوهمَا وَيَقُول المُشْتَرِي ابتعت أَو قبلت وَنَحْوهمَا وَذكر القَاضِي فِي التَّعْلِيق رِوَايَة أَنه عبارَة عَن بِعْت واشتريت وحكاها فَخر الدّين وللشافعية وَجْهَان فَإِن كَانَ الْقبُول بِلَفْظ الْمُضَارع مثل أَن يَقُول بِعْتُك فَيَقُول أَنا آخذه بذلك لم يَصح نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة مهنى فِي رجل قَالَ لرجل قد بِعْتُك هَذَا العَبْد بِأَلف دِرْهَم فَقَالَ لَهُ الآخر أَنا آخذه قَالَ لَا يكون بيعا حَتَّى يَقُول قد أَخَذته وسيأتى ذَلِك فِي قَوْله وَلَو تقدم عَلَيْهِ فِي النِّكَاح مَا يتَعَلَّق بِهَذَا وَنَصّ فِي رِوَايَة أَحْمد بن الْقَاسِم فِيمَن قيل لَهُ بكم هَذَا الثَّوْب قَالَ بِعشْرَة دَرَاهِم فَيَقُول المُشْتَرِي قد قبلت أَنه يَكْفِي وَلَا يحْتَاج بعد هَذَا إِلَى كَلَام آخر قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فقد نَص على أَن قَوْله هَذَا الثَّوْب بِعشْرَة دَرَاهِم

стр. 211

إِيجَاب وَإِن لم يلفظ بِمَا اشتق من الْمَبِيع وَلَا بِصِيغَة انْتِقَال إِلَى المُشْتَرِي وَقَوله هَذَا بِعشْرَة دَرَاهِم جملَة اسمية لَا فعلية مَعَ احْتِمَاله لِمَعْنى السّوم وَقد نَص على أَن الْقبُول بِصِيغَة الْمُضَارع لَا يَصح انْتهى كَلَامه وَقد ذكر الْجوزجَاني إِذا قَالَ بكم قَالَ بِكَذَا وَكَذَا فَقَالَ الآخر قد أَخَذته فَهُوَ بيع تَامّ لحَدِيث بكر بن عَمْرو قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفرج فَإِن قَالَ لَهُ بكم تبيع هَذَا فَقَالَ بِكَذَا وَكَذَا فَقَالَ شل يدك واتزن الثّمن لم يكن ذَلِك إِيجَابا وَلَا قبولا وَقَالَ مَالك يكون إِيجَابا وقبولا وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا يكون ذَلِك إِيجَابا وقبولا فِيمَا قرب من البضائع كالشيء الْيَسِير وَيسْقط اعْتِبَار الْإِيجَاب وَالْقَبُول فِي هَذِه الْأَشْيَاء للْمَشَقَّة انْتهى كَلَامه وَقَالَ حَرْب سَأَلت أَحْمد عَن بيع عيدَان الْمَعَادِن قَالَ إِذا كَانَ شَيْئا ظَاهرا يرى يَقُول أبيعك هَذَا فَلَا بَأْس قيل لَهُ إِنَّمَا هُوَ جَوْهَر غَائِب فِي الأَرْض فَلم يرخص فِيهِ وَظَاهر هَذَا أَنه إِيجَاب بِلَفْظ الْمُضَارع وَنَصّ أَحْمد فِي مسَائِل مثل هَذَا فَإِن عقد البيع بلغته صَحَّ إِذا عرف مقتضاها ذكره ابْن الْجَوْزِيّ وَظَاهره أَنه لَا يَصح إِذا لم يعرف مقتضاها وبنبغي أَن تكون كنظيرتها فِي الطَّلَاق إِن لم ينْو مقتضاها لم يَصح وَإِن نوى خرج على الْوَجْهَيْنِ قَوْله وَإِن تقدم عَلَيْهِ فعلى رِوَايَتَيْنِ يَعْنِي إِن تقدم بِلَفْظ الْمَاضِي أَو الطّلب وَالَّذِي نَصره القَاضِي وَأَصْحَابه أَنه لَا يَصح قَالَ وَهِي الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة وَاخْتَارَهُ أَبُو بكر وَغَيره وَذكر ابْن هيبرة أَنَّهَا أشهرهما عَن الإِمَام أَحْمد وَمِمَّا احْتج بِهِ أَبُو الْحُسَيْن

стр. 212

بِأَن الْقبُول تقدم الْإِيجَاب فِي عقد يلْحقهُ الْفَسْخ لم يَصح دَلِيله لَو تَأَخّر الْإِيجَاب عَن الْقبُول سَاعَة وهما فِي الْمجْلس وَهُوَ معنى كَلَام أبي الْفرج وَقطع فِي المغنى وَالْكَافِي بِالصِّحَّةِ فِيمَا إِذا تقدم بِلَفْظ الْمَاضِي كَقَوْل الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَقدم الصِّحَّة فِيمَا إِذا تقدم بِلَفْظ الْأَمر خلافًا لأبي حنيفَة وَاخْتَارَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الصِّحَّة وَظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب أَنه لَو قَالَ بِعني عَبدك على أَن على ألفا أَن فِيهِ الْخلاف وَذكر القَاضِي فِي الْجَامِع أَنه لَا يَصح وَقَالَ ابْن عقيل إِذا قَالَ يَعْنِي عَبدك هَذَا وَلَك ألف فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْله يَعْنِي عَبدك بِأَلف فَإِذا قَالَ بِعْتُك صَحَّ فيهمَا وَلزِمَ الْعِوَض إِذا قُلْنَا بِتَقْدِيم الْقبُول على الْإِيجَاب وَذكر القَاضِي فِي ضمن جعل الدّين صَدَاقا فِي قَوْله بِعْتُك بِكَذَا أَو على كَذَا وزوجتك بِكَذَا أَو على كَذَا قَالَ القَاضِي على بعض الْبَدَل كَمَا إِذا قَالَ أجرتك على عشرَة دَرَاهِم اقْتضى أَن يكون بَدَلا ذكره مَحل وفَاق فَأَما إِن كَانَ بِلَفْظ الِاسْتِفْهَام كَقَوْلِه أبعتني هَذَا بِكَذَا أَو أتبيعني هَذَا بِكَذَا أَو أتبيعني هَذَا بِهِ لم يَصح نَص عَلَيْهِ حَتَّى يَقُول بعده اشْتريت أَو شبهه وَهَذَا قَول الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَلم أجد فِيهِ خلافًا فَإِن قَالَ البَائِع للْمُشْتَرِي اشتره بِكَذَا أَو ابتعه بِكَذَا فَقَالَ هُوَ اشْتَرَيْته أَو أبتعته لم يَصح حَتَّى يَقُول البَائِع بعده بِعْتُك أَو نَحوه قطع بِهِ فِي الرِّعَايَة لِأَن طلب المُشْتَرِي قد يقوم مقَام قبُوله لدلالته على رِضَاهُ وَأمر البَائِع بِالشِّرَاءِ لم يوضع للْإِيجَاب وَلَا للبدل وَهَذَا فِيهِ نظر ظَاهر وَالْأولَى أَن يكون كتقدم الطّلب على المُشْتَرِي لِأَنَّهُ دَال على الْإِيجَاب وَالْبدل وللشافعية وَجْهَان وَلَو تَأَخّر الطّلب من المُشْتَرِي لم يَصح قولا وَاحِدًا وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين إِذا كَانَ الْمَبِيع عينا من الطَّرفَيْنِ فكلاهما مُوجب

стр. 213

قَابل فَيَنْبَغِي أَن يقدم أَحدهمَا على الآخر كالعكس لَكِن لَو قَالَ أَحدهمَا ابتعت هَذَا العَبْد بِهَذَا أَو قَالَ بِعني كَانَ تقدما على ظَاهر كَلَام أَصْحَابنَا مَعَ أَن الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا عَن أَحْمد لَيْسَ فِيهَا إِلَّا إِذا تقدم بِلَفْظ الطّلب والاستدعاء وَلَا يلْزم من الْمَنْع هُنَا الْمَنْع إِذا كَانَ بِلَفْظ الْخَبَر مثل قَوْله اشْتريت وابتعت قَالَ وَأما إِذا كَانَ دينا بِعَين وَهُوَ السّلم فَهُنَا الْمَعْرُوف أَن يَقُول أسلمت إِلَيْك هَذِه الْمِائَة فِي وسق حِنْطَة أَو أسلمت إِلَيْك مائَة فِي وسق حِنْطَة فَيَقُول قبلت فيقدمون لفظ المسلف ويجعلونه بِمَنْزِلَة الْمُوجب والمستسلف بِمَنْزِلَة الْقَابِل لِأَن المسلف هُوَ الَّذِي يقدم الْعين فَصَارَ بِمَنْزِلَة البَائِع وَإِن كَانَ فِي الْمَعْنى المستسلف هُوَ البَائِع فَلَو تقدم قَول المستسلف بِصِيغَة البيع مثل أَن يَقُول بِعْتُك وسق حِنْطَة بِعشْرَة دَرَاهِم فَهَذَا جَار على التَّرْتِيب لكنه بِلَفْظ البيع وَلَو قَالَ الْمُسلم اشْتريت مِنْك وسق حِنْطَة بِعشْرَة دَرَاهِم فَقَالَ بِعْت فقد اسْتَويَا من جِهَة أَن السّلف تقدم قبُوله لَكِن هُنَاكَ جَاءَ بِلَفْظ الْقبُول وَهُوَ اشْتريت وَهنا جَاءَ بِلَفْظ إِيجَاب وَهُوَ أسلمت فَهُنَا يَجِيء أَربع مسَائِل لِأَن التَّرْتِيب بِلَفْظ السّلم غير التَّرْتِيب بِلَفْظ البيع وَيجوز أَن يقارن الْقبُول الْإِيجَاب إِذا تولاهما وَاحِد فِي مثل قَوْله جعلت عتقك صداقك وَقَول الْوَلِيّ تزوجت فُلَانَة وَنَحْو ذَلِك ذكره غير وَاحِد من الْأَصْحَاب لِأَن الْجُمْلَة الْوَاحِدَة تَضَمَّنت جملتي الْقبُول والإيجاب فَيكون اشْتِرَاط تقدم الْإِيجَاب على الْقبُول حَيْثُ افْتقر إِلَى جملتين وَلَو قَالَ إِن بعتني عَبدك هَذَا فلك عَليّ ألف فَقَالَ بِعْتُك لم يَصح البيع بِخِلَاف الْخلْع لِأَن البيع يفْتَقر إِلَى استدعاء تمْلِيك وَالْخلْع لَا يفْتَقر إِلَى استدعاء تمْلِيك لِأَن ملكه يَزُول عَنْهَا بِغَيْر رِضَاهَا ذكره القَاضِي فِي الْجَامِع والمجرد

стр. 214

قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ومضمونه أَن تقدم الْقبُول بِصِيغَة الشَّرْط لَا يَصح الْبَتَّةَ قَوْله وَلَو تقدم عَلَيْهِ فِي النِّكَاح لم يَصح رِوَايَة وَاحِدَة سَوَاء كَانَ بِلَفْظ الْمَاضِي مثل تزوجت ابْنَتك فَيَقُول زوجتكها وَهُوَ الَّذِي ذكره القَاضِي وَغَيره وَنَصّ أَحْمد فِي رِوَايَة عَليّ بن سعيد على التَّفْرِقَة بَين هَذِه الْمَسْأَلَة وَبَين البيع فَقَالَ النِّكَاح أَشد وَحكى الشَّيْخ شمس الدّين فِي شَرحه احْتِمَالا أَنه يَصح سَوَاء تقدم بِلَفْظ الْمَاضِي أَو الطّلب وَهُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَاحْتج لعدم الصِّحَّة هُوَ وَغَيره بِأَنَّهُ لَو أَتَى بالصيغة الْمَشْرُوعَة مُتَقَدّمَة فَقَالَ قبلت هَذَا النِّكَاح فَقَالَ الْوَلِيّ زَوجتك ابْنَتي لم يَصح فَلِأَن لَا يَصح إِذا أَتَى بغَيْرهَا أولى قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَذكر أَبُو الْخطاب أَن تقدم الْقبُول على الْإِيجَاب لَا يضر فِي النِّكَاح مثل أَن يَقُول تزوجت فَيَقُول زَوجتك صرح بِهِ فِي مَسْأَلَة النِّكَاح الْمَوْقُوف قَالَ وَكَذَا ذكر أَبُو حَفْص العكبري يَعْنِي فِي كتاب الْخلاف لَهُ بَين مَالك وَأحمد وَقَالَ أَيْضا وَاشْترط تقدم الْإِيجَاب على الْقبُول فِيمَا إِذا كَانَ أحد الْمُتَعَاقدين مُوجبا وَالْآخر قَابلا سَوَاء أوجب فِي امْرَأَة أَو امْرَأتَيْنِ فَأَما إِن كَانَ كل مِنْهُمَا مُوجبا قَابلا مثل مَسْأَلَة الشّغَار إِذا صححناه إِذا قَالَ أَحدهمَا زَوجتك ابْنَتي على أَن تزَوجنِي ابْنَتك فقد أَتَى بِالْقبُولِ بِصِيغَة الْمُضَارع المقترن بِأَن وَقد ذكر هَذَا القَاضِي وَغَيره وَإِن تقدم لفظ الْقبُول فيهمَا بِأَن يَقُول زَوجنِي ابْنَتك على أَن أزَوجك ابْنَتي أَو زَوجنِي بنتك

стр. 215

وأزوجك بِنْتي فَهَذَا قد ذكره الإِمَام أَحْمد لَكِن كَلَامه مُحْتَمل للخطبة وَالْعقد فَقِيَاس قَوْلنَا أَن لَا يَصح هُنَا حَتَّى يَقُول ذَلِك قد زَوجتك ثمَّ يَقُول الأول قبلت لِأَنَّهُ جعل الْقبُول أصلا والإيجاب تبعا وَجعل الْإِيجَاب بِلَفْظَة المضارعة الْمُسْتَقْبلَة وَمن جوز تقدم الْقبُول على الْإِيجَاب صَححهُ قَوْله وَإِن ترَاخى عَنهُ صَحَّ مَا داما فِي الْمجْلس وَلم يتشاغلا بِمَا يقطعهُ وَإِلَّا فَلَا يَصح قَالَ فِي الرِّعَايَة مِمَّا يقطعهُ عرفا يَعْنِي وَالله أعلم بِكَلَام أَجْنَبِي أَو سكُوت طَوِيل عرفا وَنَحْو ذَلِك قَالَ الشَّيْخ موفق الدّين لِأَن العقد إِذا تمّ بِالْقبُولِ فَلم يتم مَعَ تباعده عَنهُ كالاستثناء وَالشّرط وَخبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي لَا يتم الْكَلَام إِلَّا بِهِ وقاسه القَاضِي على خِيَار الْمُجبرَة وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي أثْنَاء كَلَامه فِي اشْتِرَاط الِاتِّصَال قَالَ وَأما فِي الْمُوَالَاة وَهُوَ الِاتِّصَال فإمَّا فِي كَلَام وَاحِد كالأيمان وَالنُّذُور وَالطَّلَاق وَالْعِتْق وفيهَا الرِّوَايَتَانِ فِي الْأَيْمَان وَالطَّلَاق وهما فِي الْعُقُود أولى هَذَا كَلَامه وَقَالَ أَيْضا فِي مَوضِع آخر وَالظَّاهِر أَنه من كَلَام أبي حَفْص العكبري لِأَنَّهُ يعلم لَهُ ك وَفِي الْموضع علم لَهُ ك إِذا قَالَ بِعْت أَو زوجت وَنَحْوهمَا وَطَالَ الْفَصْل قبل الْقبُول ثمَّ قَالَ البَائِع أَلا تقبل مني هَذَا البيع اقبله مني فَقَالَ قبلت فأفتيت بانعقاد البيع وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِن أبرأتني هَذِه السَّاعَة من صداقك فَأَنت طَالِق فَقَالَت مَا أبريك ثمَّ سكتوا زَمَانا ثمَّ قَالَ بل ابريني فَقَالَت أَبْرَأتك أَفْتيت بِوُقُوع الطَّلَاق لِأَن هَذِه الصِّيَغ متضمنة
следующие страницы →