Полный текст (570 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فِي فكاك مُسلم وَيعلم الْكَافِر بِنَجَاسَتِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبيع فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ استنقاذ مُسلم انْتهى كَلَامه
وعَلى قِيَاسه مالم يجز بَيْعه كَالْخمرِ وَلحم الْميتَة وَنَحْو ذَلِك
قَوْله وَيجوز بيع النَّحْل فِي كواراته مَعهَا وبدونها إِذا شوهد دَاخِلا إِلَيْهَا
اشْتِرَاط كَونه فِي الكوارات ليَكُون مَقْدُورًا عَلَيْهِ وَاشْتِرَاط مشاهدته دَاخِلا إِلَيْهَا ليحصل الْعلم بِهِ لِأَن رُؤْيَته فِي الكوارة لَا يأتى على جَمِيعه
وَقَالَ فِي الْمُغنِي وَيجوز بيع النَّحْل إِذا شَاهدهَا محبوسة بِحَيْثُ لَا يُمكنهَا أَن تمْتَنع قَالَ وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِي كواراتها فَقَالَ القَاضِي لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا يُمكن مشاهدتها جَمِيعهَا وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من عسل يكون مَبِيعًا مَعهَا وَهُوَ مَجْهُول
وَقَالَ أَبُو الْخطاب يجوز بيعهَا فِي كواراتها ومنفردة عَنْهَا فَإِنَّهُ يُمكن مشاهدتها من كوراتها إِذا فتح رَأسهَا وتعرف كثرته من قلته وخفاء بعضه لَا يمْنَع صِحَة بَيْعه كالصبرة وكما لَو كَانَ فِي وعائها فَإِنَّهُ يكون على بعض فَلَا يُشَاهد إِلَّا ظَاهره وَالْعَسَل حكمه فِي البيع تبعا فَلَا تضر جهالته كأساسات الْحِيطَان
فَإِن لم تمكن مشاهدته لكَونه مَسْتُورا بأقراصه وَلم يعرف لم يجز بَيْعه لجهالته انْتهى كَلَامه
وَقَالَ فِي الْكَافِي وَيجوز بيع النَّحْل فِي كواراته ومنفردا عَنْهَا إِذا رؤى وَعلم قدره
وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَلَامه فِي الْكَافِي ثمَّ قَالَ وَهَذَا الْكَلَام يَقْتَضِي أَنه اشْتِرَاط الْعلم فَقَط وَأَنه يَصح بَيْعه طائرا كَالْعَبْدِ الْخَارِج من الْمنزل وَهُوَ أصح انْتهى كَلَامه
стр. 247
وعَلى قِيَاسه الَّذِي لَهُ منزل يرجع إِلَيْهِ فِي الْعَادة وَيَنْبَغِي أَن تكون الدَّابَّة الْخَارِجَة عَن الْمنزل كَالْعَبْدِ لِأَنَّهُ قَادر على استحضارها
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعب وَيجوز بيع النَّحْل مَعَ الكوارات ومنفردا عَنْهَا وَكَذَا قَالَ فِي الْمَذْهَب وَغَيره وَلَعَلَّ مُرَادهم وَلَا يُمكنهُ أَن يمْتَنع لاشتراطهم الْقُدْرَة على التَّسْلِيم
فقد ظهر أَن بيع النَّحْل وَحده فِي غير كوارته يَصح إِن لم يُمكنهُ الِامْتِنَاع وَإِن أمكنه وَالْعَادَة أَخذه فَقَوْلَانِ وَفِي كواراته وَحده أَو مَعهَا وَمَعَ الْعَسَل هَل يَصح أَولا وَإِن شَاهده دَاخِلا صَحَّ وَإِلَّا فَلَا
وَقَالَ فِي الرِّعَايَة ولاتباع كوارة بِمَا فِيهَا من عسل وَنحل فَيصير هَذَا قولا رَابِعا وَقَالَ ابْن حمدَان بلَى بِشَرْطِهِ الْمَذْكُور وَهَذَا كَلَام غير وَاحِد
قَوْله وَيجوز بيع الْعين الْمُؤجرَة
نَص عَلَيْهِ فِي غير مَوضِع
قَالَ القَاضِي نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة ابْن مَنْصُور وَأحمد بن سعيد وجعفر بن مُحَمَّد وَهُوَ قَول مَالك وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَيْسَ لَهُ أَن يَبِيعهَا قبل انْقِضَاء الْمدَّة إِلَّا برضى الْمُسْتَأْجر أَو يكون عَلَيْهِ دين فَيحْبس بِهِ فيبيعه فِي دينه
وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ أَحدهمَا مثل قَوْلنَا وَالثَّانِي قَول أبي حنيفَة
وَذكر فِي الرِّعَايَة أَن بعض الْأَصْحَاب خرج مِنْهُ البيع وَقد نقل الْمَيْمُونِيّ عَن الإِمَام أَحْمد مَسْأَلَة رجل اكتريت دَارا أَرْبَعَة أشهر فَخرج بعد شهر فَسَمعته يَقُول مَذْهَبنَا أَنه يلْزمه الْكِرَاء
ثمَّ قَالَ أَبُو عبد الله لَيْسَ لَهُ أَن يُخرجهُ من منزله قلت وَلَا لَهُ أَن يَبِيعهُ قَالَ وَلَا لَهُ أَن يَبِيعهُ إِلَّا أَن يبين شَرطه هَذَا الَّذِي لَهُ فِيهِ
стр. 248
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين رِوَايَة الْمَيْمُونِيّ ظَاهرهَا أَنه من بَاعَ الْعين الْمُؤجرَة وَلم يبين للْمُشْتَرِي أَنَّهَا مستأجرة لم يَصح
وَوَجهه أَنه بَاعَ ملكه وَملك الْغَيْر فَهُوَ يشبه مَسْأَلَة تَفْرِيق الصَّفْقَة
وَوجه الأول أَنه عقد على الْمَنْفَعَة فَلم يمْنَع نقل الْملك كَالنِّكَاحِ وَلِأَن للْحَاكِم البيع فَكَذَلِك الْمَالِك ذكره أَبُو الْخطاب وَغَيره
فعلى هَذَا إِن علم مُشْتَرِيه الْأَجْنَبِيّ وَلم يرض بِهِ فَلهُ الْخِيَار بَين الرَّد والإمساك ذكره جمَاعَة كَابْن الْجَوْزِيّ وَالشَّيْخ وَقَالَ لِأَن ذَلِك عيب وَنقص وَهَذَا يدل على أَن لَهُ مَعَ الْإِمْسَاك الْأَرْش وَقطع بِهِ فِي الرِّعَايَة
وَقد نقل جَعْفَر بن مُحَمَّد سَمِعت أَبَا عبد الله سُئِلَ عَن رجل آجر من رجل دَارا سنة ثمَّ بَاعهَا وَلم يعلم المُشْتَرِي قَالَ إِن شَاءَ ردهَا بعيبها وَإِن شَاءَ أمْسكهَا وَله كراؤها حَتَّى تتمّ سنة وَلَيْسَ لَهُ أَن يخرج السَّاكِن
ظَاهر هَذَا أَن الْأُجْرَة للْمُشْتَرِي كَمَا نقُول فِي الشَّفِيع وَمن انْتقل إِلَيْهِ الْوَقْف
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين سَائِر نقل الْملك فِي الْعين الْمُؤجرَة كَالْبيع فَلَو وَهبهَا أَو أعتق العَبْد الْمُؤَجّر أَو وَقفهَا فَيَنْبَغِي أَن يكون كَالْبيع لَا يسْقط حق الْمُسْتَأْجر وَكَذَلِكَ لَو زوج الْحرَّة أَو الْأمة الْمُؤجرَة فَيَنْبَغِي أَن يقدم حق الْمُسْتَأْجر على حق الزَّوْج فَإِن الزَّوْج لَا يكون أقوى من المُشْتَرِي لَا سِيمَا عِنْد من يَقُول إِن السَّيِّد لَا يجب عَلَيْهِ تَسْلِيم الْأمة نَهَارا لِأَن السَّيِّد يسْتَحق الِاسْتِخْدَام فَإِذا قدم حق السَّيِّد فَحق الْمُسْتَأْجر أولى لِأَن الْعُقُود الْوَارِدَة إِذا أوردهَا الْمُسْتَحق قطعت
стр. 249
حَقه بِخِلَاف مَا إِذا أوردهَا غير الْمُسْتَحق وَقَالَ إِذا بِيعَتْ الْعين الْمُؤجرَة أَو الْمَرْهُونَة وَنَحْوهَا مِمَّا قد يتَعَلَّق بِهِ حق غير البَائِع وَهُوَ عَالم بِالْبيعِ فَلم يتَكَلَّم فَيَنْبَغِي أَن يُقَال لَا يملك الْمُطَالبَة بِفساد البيع بعد هَذَا لِأَن إخْبَاره بِالْعَيْبِ وَاجِب عَلَيْهِ بِالسنةِ بقوله وَلَا يحل لمن علم ذَلِك إِلَّا أَن يُبينهُ فكتمانه تغرير والغار ضَامِن
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَن يُقَال فِيمَا إِذا رأى عَبده يَبِيع فَلم يَنْهَهُ وَفِي جَمِيع الْمَوَاضِع فَالْمَذْهَب أَن السُّكُوت لَا يكون إِذْنا فَلَا يَصح التَّصَرُّف لَكِن إِذا لم يَصح يكون تغريرا فَيكون ضَامِنا فَإِن ترك الْوَاجِب عندنَا يُوجب الضَّمَان بِفعل الْمحرم كَمَا نقُول فِي مَسْأَلَة المستضيف وَمن قدر على إنجاء شخص من الهلكة بل الضَّمَان هُنَا أقوى انْتهى كَلَامه
وَقد قَالَ بَعضهم فِيمَا إِذا عتق العَبْد الْمُؤَجّر إِنَّه لَا يرجع على مُعْتقه بِحَق مَا بَقِي فِي الْأَصَح
قَوْله أَو بِصفة تَكْفِي فِي السّلم
تَارَة يصفه بقوله وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف وَتارَة يَقُول هُوَ مثل هَذَا فَيجْعَل لَهُ مِثَالا يرد إِلَيْهِ فَإِن هَذَا كَمَا لَو وصف وَأولى قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين
وَقد نَص الإِمَام أَحْمد على ذَلِك فِي رِوَايَة جَعْفَر بن مُحَمَّد وَغَيره فَإِن ذَلِك الْقيَاس لَيْسَ مَبِيعًا بل يَقُول أبيعك ثوبا مثل هَذَا فَالَّذِي يَنْبَغِي أَنه لَا فرق لِأَن معرفَة الْغَائِب بِرُؤْيَة مثله لَا تخْتَلف يكون ذَلِك الْمثل مَبِيعًا أَو غير مَبِيع
وَمَعْرِفَة الشَّيْء بِرُؤْيَة مثله أتم من مَعْرفَته بوصفه بالْقَوْل
стр. 250
لَكِن إِذا قُلْنَا إِنَّه لَا بُد من رُؤْيَة الْمَبِيع كمذهب الشَّافِعِي فرؤية الْبَعْض تكفى فِي المتماثلات وَنَحْوهَا وَلَو أرَاهُ فِي المتماثلات مَا لَيْسَ من الْمَبِيع وَقَالَ الْمَبِيع مثل هَذَا لم يكف وَهَذَا قِيَاس هَذَا القَوْل انْتهى كَلَامه
وَظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب أَنه يجوز تَقْدِيم الْوَصْف على العقد وَذكره القَاضِي مَحل وفَاق
وَكَذَلِكَ إِن كَانَ مِمَّا يجوز السّلم فِيهِ ذكر بَعضهم هَذَا الْقَيْد وَبَعْضهمْ لم يذكرهُ
وَلما احْتج الْحَنَفِيَّة لمذهبهم فِي صِحَة بيع الْغَائِب من غير رُؤْيَة وَلَا صفة بِمَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَة ﵃ من بيع الْعقار حمل القَاضِي وَالشَّيْخ موفق الدّين ذَلِك على أَنه يحْتَمل أَن يكون وصف لَهُ
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهَذَا يَقْتَضِي أَن بيع الْعقار بِالصّفةِ جَائِز وَالْعَقار لَا يجوز فِيهِ السّلم فَعلم أَن هَذَا أوسع من بَاب السّلم
وَقد عرف من هَذِه الْمَسْأَلَة صِحَة بيع الْأَعْمَى وشرائه
قَالَ القَاضِي وَغَيره شِرَاء الْأَعْمَى وَبيعه جَائِز على قِيَاس الْمَذْهَب وَأَن الرُّؤْيَة لَيست بِشَرْط فِي عقد البيع وَإِنَّمَا الِاعْتِبَار بِالصّفةِ وَهَذَا يُمكن فِي حق الْأَعْمَى
فقد بنى الْمَسْأَلَة على صِحَة بيع الصّفة وَفِيه رِوَايَتَانِ منصوصتان وَظَاهر الْمَذْهَب صِحَّته
وَذكر فِي الرِّعَايَة أَن الإِمَام أَحْمد نَص على صِحَة بيع الْأَعْمَى
فَإِن عدمت الصّفة فَعرف الْمَبِيع بذوق أَو لمس أَو شم صَحَّ وَإِلَّا فَلَا
وَإِن بَاعَ شَيْئا بِثمن معِين احْتمل وَجْهَيْن وَوَافَقَ على صِحَة بَيْعه أَبُو حنيفَة وَمَالك وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يَصح بِنَاء على الأَصْل الْمَذْكُور
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وعَلى الرِّوَايَة الَّتِي توافقه يُمكن أَن نقُول يَصح
стр. 251
هُنَا للْحَاجة وَلَا يشْتَرط مَعَ الرُّؤْيَة ذوق وَلَا لمس وَلَا شم ذكره القَاضِي بِمَا يَقْتَضِي أَنه مَحل وفَاق وَأَنه لَا يثبت الْخِيَار بِعَدَمِهِ عِنْد أبي حنيفَة
وَذكر أَبُو الْخطاب أَنه يشْتَرط أَيْضا الْمعرفَة فَلَا يجوز أَن يَشْتَرِي غير الْجَوْهَرِي جَوْهَرَة وَلَا غير الْكَاتِب كتابا مثمنا أَو يَشْتَرِي الدّباغ عودا كَبِيرا
قَالَ على مَا نَقله أَبُو طَالب عَن الإِمَام أَحْمد إِذا لم يعرف صفته فَهُوَ بيع فَاسد
وَكَذَلِكَ الْمَيْمُونِيّ فَلَا يَبِيعهُ حَتَّى يرَاهُ ويعرفه قَالَ فَشرط الْمعرفَة لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُود عين الْمعرفَة وَإِنَّمَا الْمَقْصُود الْمعرفَة بهَا
ثمَّ ذكر وَجها ثَانِيًا أَنه لَا يشْتَرط وَفرق بَينه وَبَين الرِّوَايَة وَذكر فِي مَوضِع آخر فِي الْمَسْأَلَة أَن الْوَجْه الثَّانِي أصح وَأَنه يَكْفِي مُجَرّد الرُّؤْيَة أَو الصّفة فِي جَمِيع المبيعات
وَهَذَا الَّذِي ذكره القَاضِي مَحل وفَاق مَعَ الشَّافِعِيَّة أَن من اشْترى فصا فَرَآهُ وَهُوَ لَا يعلم أجوهر هُوَ أم زجاج جَازَ العقد وَإِن كَانَت الْجَهَالَة بَاقِيَة مَعَ الرُّؤْيَة
وَذكر بعض الْأَصْحَاب الْمَسْأَلَة على رِوَايَتَيْنِ وَأطلق فِي الْمُحَرر وَغَيره صِحَة البيع بِالصّفةِ وَهُوَ يصدق على مَا إِذا كَانَ الْمَبِيع عينا مُعينَة مثل بِعْتُك عَبدِي وَيذكر صِفَاته وَيصدق على مَا إِذا كَانَ غير معِين مثل بِعْتُك عبدا تركيا وَيذكر صِفَات الْمُسلم فَالْأول صَحِيح وَكَذَا الثَّانِي على مَا قطع بِهِ جمَاعَة كصاحب الْمُسْتَوْعب وَالشَّيْخ اعْتِبَارا بِاللَّفْظِ دون الْمَعْنى
وَظَاهر مَا ذكره فِي التَّلْخِيص أَنه لَا يَصح لِأَنَّهُ اقْتصر على الأول وَذكره فِي الرِّعَايَة قولا فَقَالَ صَحَّ البيع فِي الأقيس وَلَعَلَّ هَذَا مَا ذكره فِي الْمُحَرر وَغَيره لِأَنَّهُ سلم حَال وَلِحَدِيث حَكِيم بن حزَام لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك وَحمله فِي الْمُسْتَوْعب وَغَيره على أَن النَّبِي ﷺ أَرَادَ بيع معِين لَيْسَ فِي ملكه فعلى الصِّحَّة قيل يجوز التَّفَرُّق قبل الْقَبْض كَبيع الْعين
стр. 252
فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يشْتَرط التَّعْيِين وَهُوَ ظَاهر مَا فِي الْمُسْتَوْعب لِأَنَّهُ قَالَ كَقَوْلِه اشْتريت مِنْك ثوبا من صفته كَذَا وَكَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِم وَلَا يكون الْمَبِيع مَوْجُودا وَلَا معينا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِالتَّعْيِينِ يخرج عَن أَن يكون بيع دين بدين وَهُوَ عِلّة الْمَنْع صرح بهَا فِي الْكَافِي وَغَيره وَقد قطعُوا بِأَنَّهُ لَا يجوز بيع الدّين المستقر لمن هُوَ فِي ذمَّته بدين وَقيل لَا يجوز التَّفَرُّق عَن مجْلِس العقد قبل قبض الْمَبِيع أَو قبض ثمنه لِأَنَّهُ بيع فِي الذِّمَّة كالسلم وللشافعية خلاف نَحْو هَذَا
قَوْله فَإِن اخْتلفَا فِي التَّعْيِين أَو الصّفة فَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي مَعَ يَمِينه
وَكَذَا ذكره الْأَصْحَاب لِأَن الأَصْل بَرَاءَة ذمَّته فَلَا يلْزمه مالم يلْتَزم بِهِ وَلم تُوجد بَيِّنَة وَلَا اعْتِرَاف وَاسْتشْكل ابْن حمدَان هَذَا فَقَالَ فِيهِ نظر
وَهَذِه الْمَسْأَلَة يتَوَجَّه فِيهَا قَولَانِ آخرَانِ أَحدهمَا أَن القَوْل قَول البَائِع لِأَن الأَصْل عدم التَّعْيِين وَعدم اشْتِرَاط الصّفة المدعاة وَالْقَوْل الآخر أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ لظُهُور التَّعَارُض كَمَا لَو اخْتلفَا فِي قدر الثّمن أَو صفته وَجعل الْأَصْحَاب الْمَذْهَب هُنَا قَول الْمُشْتَرى مَعَ أَن الْمَذْهَب عِنْدهم فِيمَا إِذا قَالَ بعتني هذَيْن بِمِائَة قَالَ بل أَحدهمَا بِخَمْسِينَ أَو بِمِائَة أَن القَوْل قَول البَائِع لِأَن الأَصْل عدم بيع الآخر مَعَ أَن الأَصْل السَّابِق مَوْجُود هُنَا مُشكل
قَوْله وَإِذا بَاعَ عبدا مُبْهما فِي أعبد لم يَصح
قَالَ القَاضِي إِذا ابْتَاعَ ثوبا من أحد هذَيْن أَو من أحد ثَلَاثَة أَو من أحد أَرْبَعَة فَالْعقد فَاسد وَلم يذكر عَن أَحْمد وَلَا غَيره نصا وَذكر فِي أثْنَاء
стр. 253
الْمَسْأَلَة أَنه يَصح مثل ذَلِك فِي الْإِجَارَة فِيمَا يتقارب نَفعه وَهَذَا مثل مَذْهَب مَالك فِي البيع
قَالَ الشَّافِعِي تَقِيّ الدّين وَالْفرق بَين البيع وَالْإِجَارَة عسر انْتهى كَلَامه
وَمَا قَالَه صَحِيح وَظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب التَّسْوِيَة بَين البيع وَالْإِجَارَة وَهُوَ أولى وَسَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَة بعْدهَا مَا يتَعَلَّق بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة
وَكَذَا مَسْأَلَة بِعْتُك بِعشْرَة نَقْدا وبعشرين نَسِيئَة فَإِن بَاعَ من الْمَعْدُود الْمُنْفَصِل المتقارب كالبيض مثل أَن يَبِيع مائَة بَيْضَة من ألف بَيْضَة فَيَنْبَغِي أَن يخرج على السّلم فِيهِ عددا فَإِن صَحَّ وَهُوَ الرَّاجِح صَحَّ ذَلِك وَإِلَّا فَلَا
وَذكر القَاضِي فِي مَسْأَلَة الْمَبِيع الْمُتَعَيّن أَنه يَصح
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهُوَ مُقْتَضى قَول الْخرقِيّ إِلَّا أَن جعل قَول الْخرقِيّ معدودا يعم المزروع أَيْضا
قَوْله وَإِن بَاعه ذِرَاعا غير معِين من أَرض أَو ثوب لم يَصح إِلَّا أَن يعلمَا ذرع الْكل فَيصح فِي قدره مشَاعا
قَالَ ابْن مَنْصُور قلت للْإِمَام أَحْمد قَالَ سُفْيَان فِي خمس نفر بَينهم خَمْسَة أَبْيَات فِي دَار فَبَاعَ أحدهم نصِيبه فِي بَيت لَا أجيزه وَإِن باعوا جَمِيعًا جَازَ هُوَ ضَرَر يضر بِأَصْحَابِهِ هُوَ لَا يَسْتَطِيع أَن يَأْخُذ نصِيبه من ذَلِك الْبَيْت فَإِن قَالَ أبيعك بَيْتا من الدَّار لَا يجوز بيع مَا لَيْسَ لَهُ قيل لَهُ فان قَالَ أبيعك خمس الدَّار فَقَالَ إِذا قَالَ نَصِيبي قَالَ أَحْمد جيد قيل للْإِمَام أَحْمد قَالَ سُفْيَان إِذا كَانَ دَار بَين اثْنَيْنِ فَقَالَ أَحدهمَا أبيعك نصف هَذِه الدَّار
стр. 254
قَالَ لَا يجوز إِنَّمَا لَهُ الرّبع من النّصْف حَتَّى يَقُول نَصِيبي قَالَ أَحْمد هُوَ كَمَا قَالَ
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا الْكَلَام فِيهِ مَسْأَلَتَانِ
إِحْدَاهمَا إِذا قَالَ الشَّرِيك بِعْتُك ثلث الدَّار أَو ربعهَا أَو قيراطا مِنْهَا لم يجز حَتَّى يَقُول نَصِيبي لِأَن قَوْله الثُّلُث أَو النّصْف يعم النّصْف من نصِيبه وَنصِيب شَرِيكه وَكَذَلِكَ الْهِبَة وَالْوَقْف وَالرَّهْن
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة إِذا بَاعَ نصِيبه من بَيت من دَار لَهُ فِيهَا بيُوت لم يجز بِخِلَاف مَا لَو بَاعَ نصِيبه من الْبيُوت كلهَا وَلِهَذَا إِذا بَاعَ الْبَيْت جَمِيعه لم يجز بَيْعه فِي نصِيبه أَنه لَا يملك بَيْعه مُفردا لِأَن فِي ذَلِك ضَرَرا بالشركاء لِأَن المُشْتَرِي لَا يُمكنهُ الِانْتِفَاع بِبَعْض الْبَيْت إِلَّا بِالِانْتِفَاعِ بِغَيْرِهِ من الارض الْمُشْتَركَة وَإِنَّمَا يملك الِانْتِفَاع من كَانَ شَرِيكا فِي الْبيُوت كلهَا
وَهَذَا معنى قَوْله هُوَ لَا يَسْتَطِيع أَن يَأْخُذ نصِيبه من ذَلِك يَعْنِي أَن الِانْتِفَاع بِنَصِيبِهِ من ذَلِك الْبَيْت دون غَيره لَا يجوز فَكيف يجوز للْمُشْتَرِي مِنْهُ
وَقَالَ بعد أَن ذكر كَلَام صَاحب الْمُحَرر تقدم كَلَام على بيع الْمشَاع وَكَلَام الإِمَام أَحْمد يُخَالف هَذَا وَإِذا علمنَا عدد العبيد وأوجنبا الْقِسْمَة أعيانا فَالْفرق بَين الْمُتَّصِل والمنفصل بَين ذِرَاع من أَرض وَعبد من أعبد لَيْسَ بِذَاكَ وَقد ذكرُوا احْتِمَالا فِي صِحَة بيع ذِرَاع مُبْهَم وَيكون مشَاعا فَكَذَلِك بيع عبد مُبْهَم انْتهى كَلَامه
قَوْله فَإِنِّي أَبى الْمُشْتَرى أَن يذبح لم يجْبر وَلَزِمَه قيمَة الْمُسْتَثْنى
стр. 255
نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة مهنا وَرَوَاهُ عَن عَليّ بِإِسْنَاد جيد وَقَالَ حَنْبَل قَالَ عمى لَهُ مثل مَا شَرط لَهُ وَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ من رِوَايَة جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ قَالَ قضى زيد بن ثَابت وَأَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَرَضي الله عَنْهُم بذلك وَيحْتَمل أَن يلْزمه الذّبْح وَتَسْلِيم الْمُسْتَثْنى لِأَنَّهُ مَال الْغَيْر الْتزم بِأَدَائِهِ فَلَزِمَهُ كَمَا لَو أفْضى تَسْلِيمه إِلَى ذهَاب بعض عين الْمَبِيع بل هَذَا أولى لِأَنَّهُ دخل على هَذَا الضَّرَر
وَيحْتَمل أَن يبطل بيع الْحَيَوَان كَمَا لَو قَالَ إِلَّا فخده أَو شحمه وَقد يَجِيء هَذَا الِاحْتِمَال فِي صُورَة الِامْتِنَاع خَاصَّة لتعذر الْأَمريْنِ أما الأول فَلِأَنَّهَا معاوضه لم يرض بهَا وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ ذبح الْحَيَوَان لغير مأكله لتخصيص حَتَّى الْغَيْر
قَوْله أَو الْأمة إِلَّا حملهَا
نقل ابْن الْقَاسِم وسندى وَغَيرهمَا أَنه يَصح وَنقل حَنْبَل والمروزي أَنه لَا يَصح وَهُوَ قَول الثَّلَاثَة وَهُوَ أشهر
وَكَلَامه فِي الْمُحَرر يصدق على استثنائه بِاللَّفْظِ أَو بِالشَّرْعِ وَذكر القَاضِي أَنه إِذا كَانَ الْحمل حرا أَو كَانَ لغيره لم يَصح بيعهَا كَمَا لَا يَصح لَو اسْتَثْنَاهُ ذكره فِي مَسْأَلَة الحربية الْحَامِل بِولد مُسلم وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
قَالَ الشَّيْخ موفق الدّين وَالْأولَى صِحَّته لِأَن الْمَبِيع مَعْلُوم وجهالة الْحمل لَا تضر لِأَنَّهُ لَيْسَ بمبيع وَلَا مُسْتَثْنى بِاللَّفْظِ وَقد يسْتَثْنى بِالشَّرْعِ مَالا يَصح اسْتِثْنَاؤُهُ بِاللَّفْظِ صَحَّ وَوَقعت مَنْفَعَة الْبضْع مُسْتَثْنَاة بِالشَّرْعِ وَلَو اسْتَثْنَاهُ بِلَفْظِهِ لم يجز
стр. 256
وَلَو بَاعَ أَرضًا فِيهَا زرع للْبَائِع أَو نَخْلَة مؤبرة وَقعت مَنْفَعَتهَا مُدَّة بَقَاء الزَّرْع وَالثَّمَرَة مُسْتَثْنَاة بِالشَّرْعِ وَلَو استثناها بقوله لم يجز
وَلَو بَاعَ الْحَامِل مُطلقًا دخل الْحمل فِي البيع
قَالَ مَالك الْأَمر الَّذِي لَا اخْتِلَاف فِيهِ عندنَا أَن من بَاعَ وليدة أَو شَيْئا من الْحَيَوَان وَفِي بَطنهَا جَنِين أَن ذَلِك الْجَنِين للْمُشْتَرِي اشْتَرَطَهُ أَو لم يَشْتَرِطه قَالَ حَنْبَل قَالَ عمي إِذا اشْتَرَطَهُ كَانَ ذَلِك لَهُ
قَوْله وَإِن بَاعه شَيْئا برقمه
قَالَ الْخلال ذكر البيع بِغَيْر ثمن مُسَمّى ثمَّ ذكر عَن حَرْب سَأَلت الإِمَام أَحْمد قلت الرجل يَقُول لرجل ابْعَثْ لي جريبا من بر واحسبه على بِسعْر مَا تبيع قَالَ لَا يجوز هَذَا حَتَّى يبين لَهُ السّعر
وَعَن إِسْحَق بن مَنْصُور قلت للامام أَحْمد الرجل يَأْخُذ من الرجل سلْعَة فَيَقُول أَخَذتهَا مِنْك على مَا تبيع الْبَاقِي قَالَ لَا يجوز وَعَن حَنْبَل قَالَ عمي أَنا أكرهه لِأَنَّهُ بيع مَجْهُول والسعر يخْتَلف يزِيد وَينْقص وروى حَنْبَل عَن أبي عُبَيْدَة أَنه كره ذَلِك
وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي مسَائِله بَاب فِي الشِّرَاء وَلَا يُسمى الثّمن سَمِعت أَحْمد سُئِلَ عَن الرجل يبْعَث إِلَى الْبَقَّال فَيَأْخُذ مِنْهُ الشئ بعد الشئ ثمَّ يحاسبه بعد ذَلِك قَالَ أَرْجُو أَن لَا يكون بذلك بَأْس قَالَ أَبُو دَاوُد قيل لِأَحْمَد يكون البيع ساعتئذ قَالَ لَا
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَظَاهر هَذَا أَنَّهُمَا اتفقَا على الثّمن بعد قبض الْمَبِيع
стр. 257
وَالتَّصَرُّف فِيهِ وَأَن البيع لم يكن وَقت الْقَبْض وَإِنَّمَا كَانَ وَقت التحاسب وَأَن مَعْنَاهُ صِحَة البيع بالسعر
وَقَوله أَيكُون البيع ساعتئذ يَعْنِي وَقت التحاسب وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر
وأصرح من ذَلِك مَا ذكره فِي مَسْأَلَة المعاطاة عَن مثنى بن جَامع عَن أَحْمد فِي الرجل يبْعَث إِلَى معامل لَهُ ليَبْعَث إِلَيْهِ بِثَوْب فيمر بِهِ فيسأله عَن ثمن الثَّوْب فيخبره فَيَقُول لَهُ اكتبه وَالرجل يَأْخُذ التَّمْر فَلَا يقطع ثمنه ثمَّ يمر بِصَاحِب التَّمْر فَيَقُول لَهُ اكْتُبْ ثمنه فَأَجَازَهُ إِذا ثمنه بِسعْر يَوْم أَخذه وَهَذَا صَرِيح فِي جَوَاز الشِّرَاء بِثمن الْمثل وَقت الْقَبْض لَا وَقت المحاسبة سَوَاء ذكر ذَلِك فِي العقد أَو أطلق لفظ الْأَخْذ زمن البيع
وَقد احْتج القَاضِي فِي مَسْأَلَة المعاطاة بِحَدِيث أبي بكر وَعمر ﵄ وهما دَلِيل على ذَلِك وَهَذَا يشبه الْإِذْن فِي الْإِتْلَاف بعوض كَمَا إِذا قَالَ ألقه فِي الْبَحْر وعَلى قِيمَته أَو أعتق عَبدك عني وَعلي قِيمَته
وعَلى هَذَا فَلَو اخْتلفَا وَالْعين قَائِمَة ردَّتْ وَإِن فَاتَت فَالْقيمَة
وَسَيَجِيءُ فِي أول السّلم هَذِه الْمَسْأَلَة عَن الْأَوْزَاعِيّ إِذا اتفقَا على تَقْدِير الثّمن ثمَّ أَخذ مِنْهُ بعد ذَلِك ثمَّ حَاسبه فَلَعَلَّ كَلَام الإِمَام أَحْمد على ذَلِك
هَذَا وَيتَوَجَّهُ أَن يكون الثّمن بعد العقد والإتلاف كتقدير الصَدَاق بعد العقد أَو بعد الدُّخُول هَذَا كُله كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين
قَالَ القَاضِي وَقد أطلق الإِمَام أَحْمد القَوْل فِي جَوَاز البيع بِالرَّقْمِ فَقَالَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَقد سُئِلَ عَن بيع الرقم فَكَأَنَّهُ لم ير بِهِ بَأْسا
وَقَالَ أَيْضا فِي رِوَايَة أبي طَالب لَا بَأْس بِبيع الرقم يَقُول أبيعك برقم كَذَا وَكَذَا وَزِيَادَة على الرقم كَذَا وَكَذَا كل ذَلِك جَائِز ومتاع فَارس إِنَّمَا
стр. 258
هُوَ بيع بِالرَّقْمِ قَالَ وَهَذَا مَحْمُول على أَنَّهُمَا عرفا مبلغ الرقم فأوقعا العقد عَلَيْهِ
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الرقم رَأس المَال وَمَا اشْترى بِهِ فلَان أَحَالهُ على فعل وَاحِد والسعر إِحَالَة فعل الْعَامَّة مَعَ أَنه مُحْتَمل فَإِنَّهُ شبه التَّوْكِيل وَلَو أذن لرجل أَن يَشْتَرِي لَهُ هَذِه السّلْعَة بِمَا رأى جَازَ لَكِن قد يُقَال هُوَ مُقَيّد بِأَن لَا يكون فِيهِ غير خَارج عَن الْعَادة وَهَذَا مُتَوَجّه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَقَول الإِمَام أَحْمد كل ذَلِك جَائِز دَلِيل على أَنه ذكر صُورَتَيْنِ إِحْدَاهمَا أَن يعين الرقم فَيَقُول برقم كَذَا وَكَذَا وَالثَّانيَِة أَن يَقُول بِزِيَادَة على الرقم كَذَا وَكَذَا وَلَا يُعينهُ فَقَالَ كل ذَلِك جَائِز وَلَوْلَا أَن الرقم غير معِين لم يكن لسؤالهم لَهُ وَجه وَلَا يَقُول أَبُو دَاوُد كَأَنَّهُ لم بر بِهِ بَأْسا وَهَذَا كالتوليه وَالْأَخْذ بِالشُّفْعَة وَنَحْو ذَلِك
ثمَّ قَالَ بيع الشئ بالسعر أَو بِالْقيمَةِ وَهِي معنى السّعر لَهَا صور
إِحْدَاهَا أَن يَقُول بعنى كَذَا بالسعر وَقد عرفا السّعر فَهَذَا لَا ريب فِيهِ
الثَّانِيَة أَن يكون عرف عَام أَو خَاص أَو قرينَة تَقْتَضِي البيع بالسعر وهما عالمان فَهَذَا قِيَاس ظَاهر الْمَذْهَب صِحَّته هُنَا كَبيع المعاطاة مثل أَن يَقُول زن لي من الْخبز أَو اللَّحْم أَو الْفَاكِهَة كَذَا وَكَذَا وَعرف هَذَا البَائِع أَنه يَبِيع النَّاس كلهم بِثمن وَاحِد وَكَذَا عرف أهل الْبَلَد فَإِن الرُّجُوع إِلَى الْعرف فِي قدر الثّمن كالرجوع فِي وَصفه
الثَّالِثَة أَن يتبايعا بالسعر لفظا أَو عرفا وهما أَو أَحدهمَا لَا يعلم فَكَلَام الإِمَام أَحْمد يَقْتَضِي رِوَايَتَيْنِ وَوجه الصِّحَّة إِلْحَاق ذَلِك بِقِيمَة الْمثل فِي الْإِجَارَة إِذا دخل الْحمام أَو قصر الثَّوْب ثمَّ إِن قيل البيع فَاسد وَكَانَت الْعين تالفة فَالْوَاجِب أَن لَا يضمن إِلَّا بِالْقيمَةِ لِأَنَّهُمَا تَرَاضيا بذلك
стр. 259
وَنَظِيره أعتق عَبدك عني وَعلي ثمنه أَو ألق متاعك فِي الْبَحْر وَعلي ثمنه انْتهى كَلَامه
وَقَالَ أَيْضا بعد أَن حكى مَا تقدم من الرِّوَايَات قد يُقَال فِي الْمَسْأَلَة رِوَايَتَانِ لِأَنَّهُ جوزه هُنَاكَ بالسعر كَمَا تقدم وَمنعه هُنَا
وَقد يُقَال هُنَاكَ كَانَ السّعر مَعْلُوما للْبَائِع مُسْتَقرًّا وَهنا لم يكن السّعر مَعْلُوما للْبَائِع لِأَنَّهُ لم يدر بعد مَا يَبِيع بِهِ فَصَارَ البيع بالسعر المستقر الَّذِي يُعلمهُ البَائِع كَالْبيع بِالثّمن الَّذِي اشْتَرَاهُ فِي بيع التَّوْلِيَة والمرابحة وَأخذ الشَّفِيع الشّقص الْمَشْفُوع بِالثّمن الَّذِي اشْترى بِهِ قبل علمه بِقدر الثّمن
وَذكر فِي مَوضِع آخر أَن هَذَا أظهر
قَالَ كل من ألزمهُ الشَّارِع بِالْبيعِ فَإِنَّمَا يلْزمه البيع بِثمن الْمثل وَبِذَلِك حكم رَسُول الله ﷺ كمن أعتق شركا لَهُ فِي عبد قَالَ وَلَيْسَ هَذَا من بَاب ضَمَان التّلف بِالْبَدَلِ كَمَا توهم ذَلِك طَائِفَة من أَصْحَابنَا وَغَيرهم بل هُوَ من بَاب البيع بِقِيمَة الْمثل لِأَن نصيب الشَّرِيك يدْخل فِي ملك الْمُعْتق ثمَّ يعْتق وَيكون وَلَاء العَبْد كُله لَهُ لَيْسَ من قبيل العَبْد الْمُشْتَرك بَينه وَبَين شَرِيكه بل هُوَ كمن ابْتَاعَ نصيب شَرِيكه لَكِن ألزمهما بالتبايع لتكميل حريَّة العَبْد
قَوْله أَو بِأَلف ذَهَبا وَفِضة
قَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن وَغَيره إِذا اشْترى جَارِيَة بِأَلف مِثْقَال ذَهَبا وَفِضة لم يجز البيع هَذَا قِيَاس الْمَذْهَب لِأَن الْخرقِيّ قَالَ وَإِذا أسلم فِي شَيْئَيْنِ ثمنا وَاحِدًا لم يجز حَتَّى يبين ثمن كل جنس فالثمن الْوَاحِد هُنَاكَ بِمَثَابَة الْجَارِيَة هُنَا وَالذَّهَب وَالْفِضَّة هُنَا يمثابة الشَّيْئَيْنِ هُنَاكَ
стр. 260
فقد اعتبروا هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَسْأَلَة السّلم وَفِي مَسْأَلَة السّلم خلاف فَالْقَوْل بِهِ هُنَا أولى لِأَن مثل مَسْأَلَة يجوز فِي بيع الْأَعْيَان قولا وَاحِدًا ومسألتنا من بُيُوع الْأَعْيَان فَالْقَوْل بِجَوَاز مَسْأَلَة السّلم أولى أَن يُقَال بِهِ هُنَا
وَقد قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه بِصِحَّة مثله فِي السّلم وَوجه الْبطلَان جَهَالَة الثّمن كَمَا لَو بَاعَ ألفا بَعْضهَا ذَهَبا وَبَعضهَا فضَّة وَفِيه نظر
وَقَوله أَو بِدِينَار إِلَّا درهما
قَالَ حَرْب سَأَلت الإِمَام أَحْمد قلت الرجل يَقُول أبيعك هَذَا بِدِينَار إِلَّا درهما قَالَ لَا يجوز وَلَكِن بِدِينَار إِلَّا قيراطا وَنَحْو ذَلِك لِأَن الِاسْتِثْنَاء يكون فِي شَيْء يعرف وَالدِّرْهَم لَيْسَ يعرف كم هُوَ من الدِّينَار وَيجوز أَن يَقُول أبيعك بِدِينَار وَدِرْهَم
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قد يُؤْخَذ من هَذَا جَوَاز الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِقْرَار وَنَحْوه لِأَنَّهُ علل بالجهالة وَذَلِكَ لَا يضر فِي الْإِقْرَار وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الِاسْتِثْنَاء بَاطِلا لصَحَّ بالدينار ولغا قَوْله إِلَّا درهما على قَول من يبطل هَذَا الِاسْتِثْنَاء انْتهى كَلَامه
وَوجه الْبطلَان أَنه قصد اسْتثِْنَاء قيمَة الدِّينَار وَهِي غير مَعْلُومَة واستثناء الْمَجْهُول من الْمَعْلُوم يصيره مَجْهُولا كَمَا لَو قَالَ بِمِائَة إِلَّا قَفِيزا وَقيل يَصح لِأَنَّهُ أمكن تَصْحِيح كَلَام الْمُكَلف بِتَقْدِير قيمَة الدِّينَار وَالذَّهَب وَالْفِضَّة كالجنس الْوَاحِد بِخِلَاف غَيرهمَا
وَقَالَ ابْن عقيل فَإِن قَالَ بِعْتُك هَذَا الثَّوْب بِعشْرَة دَنَانِير إِلَّا قَفِيزا من الْحِنْطَة فَهَذَا اسْتثِْنَاء لَا يَصح فَيحْتَمل أَن يَصح البيع لِأَن الِاسْتِثْنَاء من غير الْجِنْس فِيمَا عدا الذَّهَب وَالْفِضَّة مُنْقَطع عَن الْجُمْلَة الْمُسْتَثْنى مِنْهَا فَيلْغُو وَيكون الثّمن مَعْلُوم أَلا ترى أَنه فِي الْإِقْرَار لَو اسْتثْنى دَرَاهِم من دَنَانِير أَو دَنَانِير من دَرَاهِم
стр. 261
حذف من الْجُمْلَة بِالْقيمَةِ وَلَو اسْتثْنى حِنْطَة من ذهب أَو فضَّة لَغَا الِاسْتِثْنَاء وَكَانَ الْإِقْرَار بِالْجُمْلَةِ من الثّمن الْمَذْكُور فَلذَلِك كَانَ الثّمن مَعْلُوما وَيحْتَمل أَن لَا يَصح البيع لِأَن الِاسْتِثْنَاء قصد بِهِ رفع شَيْء من الثّمن فَرفع قيمَة ذَلِك وَقِيمَة ذَلِك مَجْهُولَة فِي حَالَة التَّسْمِيَة فَتَصِير الْجُمْلَة مَجْهُولَة وَالِاحْتِمَال الأول أصح انْتهى كَلَامه
قَوْله أَو بِدِينَار مُطلق وَلَيْسَ للبلد نقد غَالب
وَذكره أَجود لِأَن الْجَهَالَة تَزُول بِظُهُور الْمُعَامَلَة بغالب نقد الْبَلَد
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامه فِي رِوَايَة الْأَثْرَم والانطاكي وسندي وَابْن الْقَاسِم إِذا بَاعه أَو أكراه بِكَذَا وَكَذَا درهما صَحَّ وَله نقد النَّاس وَإِن كَانَت النُّقُود مُخْتَلفَة فَلهُ أوسطها فِي رِوَايَة وأقلها فِي رِوَايَة
وَكَلَامه نَص لمن تَأمله أَن البيع بِالنَّقْدِ الْمُطلق يَصح بِكُل حَال وَإِلَّا لأخبر بِفساد العقد وَهَذَا شَبيه بتصحيح الْمُطلق من الْحَيَوَان فِي الصَدَاق وَغَيره لَكِن الْمُطلق فِي النُّقُود أوسع فَلهَذَا صَححهُ فِي البيع انْتهى كَلَامه
قَالَ الْأَثْرَم قلت لأبي عبد الله رجل لَهُ على رجل دَرَاهِم أَي نقد لَهُ قَالَ بَاعه شَيْئا فَقلت بَاعه ثوبا بِكَذَا وَكَذَا درهما أَو اكترى مِنْهُ دَارا بِكَذَا وَكَذَا درهما فاختلفا فِي النَّقْد فَقَالَ إِنَّمَا يكون لَهُ نقد النَّاس الْمُتَعَارف بَينهم قلت نقد النَّاس بَينهم مُخْتَلف فَقَالَ لَهُ أقل ذَلِك
قَالَ ابْن عقيل فَظَاهره جَوَاز البيع بِثمن مُطلق مَعَ كَون الْعُقُود مُخْتَلفَة وَيكون لَهُ أدناها انْتهى كَلَامه
قَالَ ابْن عقيل وَالْمَشْهُور عِنْد الْأَصْحَاب عدم الصِّحَّة
стр. 262
قَوْله أَو قَالَ بِعْتُك بِعشْرَة نَقْدا أَو بِعشْرين نَسِيئَة
فَإِنَّهُ لَا يَصح يَعْنِي إِن افْتَرقَا قبل تعْيين أحد الثمنين لِأَن هَذَا بيعان فِي بيعَة وَقد نهى عَنهُ الشَّارِع فسره بذلك جمَاعَة مِنْهُم مَالك وَالثَّوْري وَإِسْحَاق وَأحمد فِي رِوَايَة أبي الْحَرْث وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء
وَقَالَ مِنْهَا سَأَلت الإِمَام أَحْمد عَن رجل بَاعَ بيعا بدرهم وَاشْترط عَلَيْهِ الدِّينَار بِكَذَا وَكَذَا فَقَالَ هَذَا لَا يحل هَذِه بيعتان فِي بيعَة وَكَذَا فسره فِي رِوَايَة حَرْب وَمُحَمّد بن مُوسَى بن مشيش وَهَارُون الْحمال وَأبي الْحَرْث أَيْضا
وَقَالَ مهنا سَأَلت أَبَا عبد الله عَن الرجل يَقُول للرجل هَذَا الثَّوْب بِثَلَاثِينَ درهما بالمكسرة وبخمسة وَعشْرين بالصحاح قَالَ لَا يَصح هَذَانِ شَرْطَانِ فِي بيع فَقلت يتْرك لَهُ هَذَا الثَّوْب بِثَلَاثِينَ درهما نَسِيئَة وَعشْرين بِالنَّقْدِ قَالَ لَا يَصح هَذِه بيعتان فِي بيعَة
وَقيل للْإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة الْأَثْرَم إِذا قَالَ بِعشْرَة دَرَاهِم بالصحاح وباثني عشر بالغلة هُوَ شَرْطَانِ فِي بيع قَالَ لَا بيعتان فِي بيعَة
وَقيل للْإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن أبي حَرْب إِن قَالَ إِن أتيتني بِالدَّرَاهِمِ إِلَى مشهر فَهُوَ بِكَذَا وَإِن أتيتني إِلَى شَهْرَيْن فَهُوَ بِكَذَا أَكثر من ذَلِك قَالَ لَا يجوز هَذَا
وَقَالَ فِي رِوَايَة صَالح هَذَا مَكْرُوه إِلَّا أَن يُفَارِقهُ على أحد الْبيُوع
وَقَالَ أَبُو الْخطاب وَيحْتَمل أَن يَصح قِيَاسا على قَول الإِمَام أَحْمد فِي الْإِجَازَة إِن خطته الْيَوْم فلك دِرْهَم وَإِن خطته غَدا فلك نصف دِرْهَم وَفرق غَيره من جِهَة أَن العقد ثمَّ يُمكن أَن يَصح جعَالَة بِخِلَاف البيع
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قِيَاس مَسْأَلَة الْإِجَارَة أَن يكون فِي هَذِه رِوَايَتَانِ
стр. 263
لَكِن الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة فِي الْإِجَازَة فِيهَا نظر وَهَذِه تشبه شَاة من قطيع وعبدا من أعبد ونظيرها من كل وَجه أحد الْعَبْدَيْنِ أَو الثَّوْبَيْنِ انْتهى كَلَامه
وَيخرج عَلَيْهِ إِذا قيل بِالصِّحَّةِ هُنَا قيل بِالصِّحَّةِ هُنَاكَ
قَوْله لَا يَصح وَهُوَ الَّذِي ذكره أَبُو الْخطاب فِي الِانْتِصَار فِي مَسْأَلَة بيع الْأَعْيَان الغائبة وَهُوَ قَول أَكثر الشَّافِعِيَّة لِأَنَّهُ لَيْسَ صبرَة وَلَا يعرف قدره فَهُوَ مَجْهُول كالسلم
وَالثَّانِي يَصح وَلَعَلَّه قَول أَكثر الْأَصْحَاب لِأَنَّهُ مشَاهد مَعْلُوم فَهُوَ كالصبرة
وَيُؤْخَذ من كَلَامه فِي الْمُحَرر أَنه يجوز أَن تكون الصُّبْرَة عوضا فِي البيع ثمنا ومثمنا وَهُوَ صَحِيح لِأَنَّهُ مَعْلُوم بِالرُّؤْيَةِ فَصَارَ كالثياب وَالْحَيَوَان وَلَا يضر عدم مُشَاهدَة الْبَعْض لسده الْبَعْض وَقد صَحَّ قَول ابْن عمر كُنَّا نشتري الطَّعَام جزَافا
وَقدم ابْن عقيل فِي صبرَة فَقَالَ الرِّوَايَة عدم الصِّحَّة لكَونهَا مُخْتَلفَة الْأَجْزَاء
وَحكى الشَّيْخ وَغَيره عَن مَالك أَنه لَا يَصح أَن يكون الثّمن صبرَة وَهُوَ وَجه لنا لِأَن لَهَا خطرا وَلَا مشقة فِي وَزنهَا وعدها والتسوية أشهر وَأَصَح
قَوْله إِذا بَاعه عَبده وَعبد غَيره إِلَى آخِره
هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهَا رِوَايَتَانِ منصوصتان وَرِوَايَة الصِّحَّة نصرها القَاضِي وَأَبُو الْخطاب والشريف وَغَيرهم لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ معلومان لَو أفرد كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْبيعِ صَحَّ فِي أَحدهمَا وَبَطل فِي الآخر فَإِذا جَمعهمَا صَحَّ فِيمَا صَحَّ حَال الِانْفِرَاد كَمَا لَو أفرده وكما لَو بَاعَ عَبده وَعبد غَيره أَو عَبده وَأم وَلَده عِنْد
стр. 264
أبي حنيفَة وَمَالك بِخِلَاف مَسْأَلَة الْحر وَالْعَبْد والخل وَالْخمر عِنْدهمَا وَرِوَايَة الْبطلَان قدمهَا فِي الِانْتِصَار وَذكره الشَّيْخ أَنَّهَا أَولهمَا وَذكر فِي الْخُلَاصَة أَنَّهَا أصَحهمَا
وَاخْتلف فِي تَعْلِيل ذَلِك فَقيل جَهَالَة الثّمن وَلِأَنَّهُ لَو قَالَ بِعْتُك هَذَا بِقسْطِهِ من الثّمن لم يَصح فَكَذَا إِذا لم يُصَرح وَقيل لِأَن الصَّفْقَة جمعت حَلَالا وحراما فغلب التَّحْرِيم وَلِأَن الصَّفْقَة إِذا لم يُمكن تصحيحها فِي جَمِيع الْمَعْقُود عَلَيْهِ بطلت فِي الْكل كالجمع بَين الْأُخْتَيْنِ وَبيع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ وَعَلَيْهِمَا يخرج مَا إِذا عين لكل وَاحِد ثمنا
وَقد ذكر فِي الرِّعَايَة أَنه إِذا جمع فِي عقد مَعْلُوما ومجهولا وَقَالَ كل وَاحِد كَذَا فَوَجْهَانِ وَقيل إِن قُلْنَا تبطل الصَّفْقَة كلهَا لاتحادها وَتعذر تجزئها لم يَصح
قَوْله هُنَا وَإِن قُلْنَا تبطل بِجَهَالَة ثمن مَا يَصح بَيْعه صَحَّ هُنَا
وَقَالَ فِي الرِّعَايَة أَيْضا وَقيل الْخلاف فِيمَن جهل أَنه خل وخمر كَذَا فِي النُّسْخَة وَلَعَلَّه وَللْمُشْتَرِي الْخِيَار وَقيل الْخِيَار فِيمَن جهل أَنه حر وخمر
وَقَوله بِحِصَّتِهِ من الثّمن
قَالَ القَاضِي فِي الْجَامِع إِذا صححنا البيع فِيمَا يملكهُ فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَار إِن كَانَ جَاهِلا بِالْحَال فَإِن أجَاز فَالْوَاجِب عَلَيْهِ حِصَّته من الثّمن فِي أظهر الْقَوْلَيْنِ وَيكون التَّوْزِيع عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَار قيمتهمَا وجميعه فِي الثَّانِي وَلَا خِيَار للْبَائِع هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَكَذَا قَالَ وبيض بعده بَيَاضًا وَبعده
وَقَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة مهنا إِذا تزوج امْرَأَة على عبد بِعَيْنِه فَاسْتحقَّ نصف العَبْد فَهِيَ بِالْخِيَارِ فِي النّصْف الْبَاقِي وَالنِّكَاح جَائِز فَإِن تزَوجهَا على عشرَة
стр. 265
دَرَاهِم وعَلى عبد قِيمَته عشرَة آلَاف فَإِذا هُوَ حر لَهَا قيمَة العَبْد فَإِن تزَوجهَا على عَبْدَيْنِ فَقَالَ تَزَوَّجتك على هذَيْن الْعَبْدَيْنِ فَخرج أَحدهمَا حرا فلهَا قيمَة العَبْد الَّذِي خرج حرا فقد فرق الصَّفْقَة وَأثبت الْخِيَار فِي الْمشَاع دون المفرز
وَكَذَلِكَ فرق القَاضِي بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَقرر النَّص قَالَ القَاضِي لِأَن الْمُسْتَحق لِلنِّصْفِ قد صَار شَرِيكا لَهَا فِي نصفه وَالشَّرِكَة نقص فِي الْعَادة فَجرى مجْرى عيب ظهر بِالنِّصْفِ فلهَا الْخِيَار فِي الْفَسْخ والإمضاء كَذَلِك هُنَا وَأما فِي مَسْأَلَة الْعَبْدَيْنِ فَلم يَجْعَل مَعَ تَفْرِيق الصَّفْقَة إِلَّا قيمَة الْحر وإمساك العَبْد
وَوجدت بِخَط القَاضِي تَقِيّ الدّين الزريراني الْبَغْدَادِيّ وَالظَّاهِر أَنه من نِهَايَة الْأَزجيّ إِجَازَته للْمَبِيع يكون بِقسْطِهِ من الثّمن وَقيل يُخبرهُ بِجَمِيعِهِ لِئَلَّا يُفْضِي إِلَى جَهَالَة الثّمن
قَوْله وَإِذا جمع بعوض وَاحِد بَين بيع وَصرف أَو بيع وإجازة صَحَّ فيهمَا نَص عَلَيْهِ
قَالَ فِي رِوَايَة ابْن مَنْصُور وَذكر لَهُ قَول الثَّوْريّ إِذا صرف دِينَارا بِأَرْبَع عشرَة درهما ومدين قَالَ لَا بَأْس بِهِ قَالَ أَحْمد جَائِز
وَأما مَسْأَلَة البيع وَالْإِجَارَة فَأَخذهَا القَاضِي من نَصه على جَوَاز أَن يَشْتَرِي ثوبا على أَن يخيطه وَوجه ذَلِك أَن اخْتِلَاف حكم الْعقْدَيْنِ لَا يمْنَع الصِّحَّة
كَمَا لَو جمع بَين مَا فِيهِ شُفْعَة وَمَا لَيْسَ فِيهِ شُفْعَة وَقيل لَا يَصح لِأَن حكمهمَا مُخْتَلف وَلَيْسَ أَحدهمَا أولى من الآخر فَبَطل فيهمَا فَإِن الْمَبِيع فِيهِ خِيَار وَلَا يشْتَرط فِيهِ التَّقَابُض فِي الْمجْلس وَلَا يَنْفَسِخ العقد بِتَلف الْمَبِيع وَالصرْف فَشرط
стр. 266
لَهُ التَّقَابُض وينفسخ العقد بِتَلف الْعين فِي الْإِجَارَة وَلَا بُد أَن يكون الثّمن من غير جنس مَا مَعَ الْمَبِيع مثل أَن يَبِيعهُ ثوبا ودراهم بِذَهَب فَإِن كَانَ من جنسه فَهِيَ مَسْأَلَة مد عَجْوَة ذكره القَاضِي فِي الْجَامِع ويقسط الْعِوَض على الْمَبِيع وَالْمَنْفَعَة بِالْقيمَةِ
قَالَ القَاضِي فَإِن قَالَ بِعْتُك دَاري هَذِه وأجرتكها شهرا بِأَلف فَالْكل بَاطِل لِأَن ملك الرَّقَبَة ملك الْمَنَافِع فَلَا يَصح أَن يؤاجره مَنْفَعَة ملكهَا عَلَيْهِ
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وللصحة وَجه بِأَن تكون مُسْتَثْنَاة
قَوْله وَإِن كَانَ الْجمع بَين بيع وَنِكَاح
مثل أَن زوج وَبَاعَ عَبده بِأَلف أَو أصدقهَا عبدا على أَن ترد عَلَيْهِ ألفا صَحَّ النِّكَاح لِأَنَّهُ لَا يفْسد بِفساد الْعِوَض وَفِي البيع وَجْهَان أَحدهمَا يَصح
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهُوَ الَّذِي ذكره القَاضِي فِي كِتَابيه وَابْن عقيل فِي الصَدَاق فتقسط الْألف على مهر الْمثل وَقِيمَة العَبْد وَكَذَلِكَ يقسط العَبْد على مهر الْمثل وَالْألف لِأَن جملَة الْعِوَض مَعْلُومَة
وَالثَّانِي لَا يَصح فيهمَا فَإِنَّهُ إِذا انْفَسَخ البيع لزم توزيع الصَّفْقَة
قَالَ وَلَو قَالَ زَوجتك بِنْتي وَلَك هَذِه الْألف بعبدك هَذَا فَالْعَبْد بعضه مَبِيع وَبَعضه مهر فيقسط العَبْد على مهر الْمثل وَالْألف وَلَو كَانَ لبنته مَال فَقَالَ زَوجتك هَذِه وَلَك هَذِه الْألف مَعهَا بِهَذِهِ الْأَلفَيْنِ من عنْدك بَطل البيع وَالْمهْر جَمِيعًا لِأَنَّهُ من بَاب مد عَجْوَة وردهم هَذَا الَّذِي ذكره القَاضِي وَابْن عقيل وَأَبُو مُحَمَّد من خلاف انْتهى كَلَامه
стр. 267
قَوْله وَإِن كَانَ بَين كِتَابَة وَبيع
مثل قَوْله لعَبْدِهِ بِعْتُك عَبدِي هَذَا وكاتبتك بِمِائَة كل شهر عشرَة بَطل البيع
قَالَ الشَّيْخ وَجها وَاحِدًا لِأَنَّهُ بَاعَ عبد لعَبْدِهِ فَلم يَصح كَبَيْعِهِ إِيَّاه من غير كِتَابَة وَفِي الْكِتَابَة وَجْهَان بِنَاء على تَفْرِيق الصَّفْقَة
وَقَالَ القَاضِي فِي الْجَامِع العقد صَحِيح فيهمَا على قِيَاس الْإِجَارَة وَهُوَ إِذا ابْتَاعَ ثوبا بِشَرْط الْخياطَة
وَقَالَ فِي الْمُجَرّد فَإِن قَالَت طَلقنِي طَلْقَة بِأَلف على أَن تُعْطِينِي عَبدك هَذَا فقد جمعت بَين شِرَاء وخلع وَجمع الزَّوْج بَين بيع وخلع جَمِيعًا بِأَلف فَيصح فيهمَا وأصل ذَلِك فِي الْبيُوع إِذا جمعت الصَّفْقَة عقدين أَحْكَامهَا مُخْتَلفَة مثل بيع وَإِجَارَة وَبيع وَنِكَاح وَبيع وَصرف وَبيع وَكِتَابَة فَإِنَّهُمَا يصحان جَمِيعًا كَذَلِك الْخلْع وَالْبيع ويقسط الْمُسَمّى على قيمَة العَبْد والمسمى حَال العقد فَمَتَى أَصَابَت بِالْعَبدِ عَيْبا ردته وَرجعت عَلَيْهِ بِقِيمَتِه وَإِن ردته بِالْعَيْبِ انْفَسَخ العقد فِيهِ وَأما حكم الْبَدَل فِي الْخلْع فَهُوَ مَبْنِيّ على تَفْرِيق الصَّفْقَة
فَإِن قُلْنَا بتفريق الصَّفْقَة بَطل البيع فِي العَبْد بِبَدَلِهِ وَصَحَّ الْخلْع بِبَدَلِهِ وَإِن قُلْنَا لَا تفرق بَطل فِي البيع وَبَطل الْبَدَل فِي الْخلْع فَكَانَ لَهُ عَلَيْهَا قِيمَته وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن عقيل إِلَّا أَنه قَالَ يقسط الْعِوَض على قيمَة العَبْد وَمهر الْمثل ﷺ َ - فروع تتَعَلَّق بتفريق الصَّفْقَة
قَالَ القَاضِي فِي التَّعْلِيق ضمن الْمَسْأَلَة وَإِذا أوجب فِي عَبْدَيْنِ لم يكن للْمُشْتَرِي أَن يقبل فِي أحداهما ذكره القَاضِي مَحل وفَاق مُسلما لَهُ وَذكر فِي
стр. 268
حجَّة الْمُخَالف أَن امْرَأتَيْنِ لَو قَالَتَا لرجل زَوَّجْنَاك أَنْفُسنَا لَكَانَ لَهُ أَن يقبل إِحْدَاهمَا دون الْأُخْرَى وَسلمهُ القَاضِي وبناه الْمُخَالف على أَنه إِذا جمع بَين محللة ومحرمة فِي النِّكَاح فَإِن نِكَاح الْمُحرمَة لَا يصير شرطا فِي نِكَاح المحللة فَإِن تَفْرِيق الصَّفْقَة فِي النِّكَاح جَائِز وَفِي البيع يصير شرطا
وَقَالَ القَاضِي قبُول البيع فِي أَحدهمَا لَيْسَ شرطا فِي قبُوله فِي الآخر عندنَا قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قَالَ وَأجَاب عَن الحكم جَوَابا فِيهِ نظر وَالتَّحْقِيق أَنه شَرط لَكِن الْمَشْرُوط وجود الْقبُول لَا صِحَة الْقبُول كَمَا لم يشْتَرط لُزُوم الْقبُول فِي أَحدهمَا وَلَو كَانَ الْمَشْرُوط شرطا فَاسِدا لم نسلم أَنه يبطل البيع وَعلله القَاضِي بِأَنَّهُ إِنَّمَا لم يَصح أَن يقبل البيع فِي أحد الْعَبْدَيْنِ لِأَن نصف الثّمن لَا يُقَابل أَحدهمَا لِأَنَّهُ يَنْقَسِم على قدر قيمتهَا فَإِن قبل أَحدهمَا بِنصْف الثّمن لم يكن الْقبُول مُوَافقا للايجاب فَلهَذَا لم يَصح
وَهَذَا التَّعْلِيل يَقْتَضِي الْقبُول كَمَا يَنْقَسِم الثّمن عَلَيْهِ بالأجزاء وَفِيمَا لَو قَالَ بِعْتُك هَذَا بِأَلف وَهَذَا بِخَمْسِمِائَة وَهَذَا فِيهِ نظر
وَقِيَاس الْمَذْهَب أَن ذَلِك لَيْسَ بِلَازِم لِأَن لمن تَفَرَّقت عَلَيْهِ الصَّفْقَة الْخِيَار والصفقة تتفرق هُنَا عَلَيْهِ كَمَا فِيمَا يَنْقَسِم الثّمن عَلَيْهِ بالأجزاء قَالَ وَإِذا جمع بَين
стр. 269
عقدين مُخْتَلفين بعوضين متميزين مثل بِعْتُك عَبدِي بِأَلف وزوجتك بِنْتي بِخَمْسِمِائَة فَهَذَا أولى بِالْجَوَازِ من ذَاك إِذا قُلْنَا بِهِ هُنَاكَ وَإِن قُلْنَا بِالْمَنْعِ وبيض فعلى هَذَا هَل للخاطب أَن يقبل فِي أحد الْعقْدَيْنِ
قِيَاس الْمَذْهَب أَنه لَيْسَ لَهُ ذَلِك لِأَن غَايَة هَذَا أَن يكون كَأَنَّهُ جمع بعوض بَين مَا يَنْقَسِم الثّمن عَلَيْهِ بالأجزاء وَمَعْلُوم أَنه لَو قَالَ بِعْتُك هَذِه الصُّبْرَة بِأَلف لم يكن لَهُ أَن يقبل نصفهَا بِنصْف الْألف وَإِن كَانَ نصِيبهَا من الثّمن مَعْلُوما فَكَذَلِك إِذا أوجب فِي عينين مختلفي الحكم أَو متفقين إِذْ لَا فرق فِي الْحَقِيقَة بَين الْأَعْيَان الَّتِي تتفق أَحْكَامهَا أَو تخْتَلف إِلَّا أَن الْعَطف فِي الْمُخْتَلف كالجمع فِي المؤتلف فَقَوله بِعْتُك هَذِه وزوجتك هَذِه كَقَوْلِه بِعْتُك هذَيْن أَو زوجتكهما انْتهى كَلَامه
قَالَ الشَّيْخ فِي الْمُحَرر فِي مَسْأَلَة تَعْلِيق الطَّلَاق بِالْولادَةِ فَإِن قَالَ أَنْت طَالِق طَلْقَة إِن ولدت ذكرا وطلقتين إِن ولدت أُنْثَى فولدتهما مَعًا طلقت ثَلَاثًا
стр. 270
وَإِن سبق أَحدهمَا بِدُونِ سِتَّة أشهر وَقع مَا علق بِهِ انْقَضتْ الْعدة بِالثَّانِي وَلم يَقع بِهِ شَيْء وَقَالَ ابْن حَامِد يَقع الْمُعَلق بِهِ أَيْضا
فعلى الأول إِن أشكل السَّابِق طلقت طَلْقَة لتيقنها ولغا مَا زَاد وَقَالَ القَاضِي قِيَاس الْمَذْهَب تَعْيِينه بِالْقُرْعَةِ وَإِن كَانَ بَينهمَا فَوق سِتَّة أشهر فَالْحكم كَمَا فصلنا إِن قُلْنَا الثَّانِي تَنْقَضِي بِهِ الْعدة وَلَا يلْحق بالمطلق وَإِن قُلْنَا لَا تَنْقَضِي بِهِ الْعدة وألحقناه بِهِ كملت بِهِ الثَّلَاث انْتهى كَلَامه
الْكَلَام عَلَيْهِ على سَبِيل الِاخْتِصَار
أما وُقُوع الثَّلَاث فِيمَا اذا ولدتهما مَعًا لِأَن الصفتين شَرطهمَا وَقد وجدتا وَأما إِذا سبق أَحدهمَا بِدُونِ سِتَّة أشهر قيد بهَا لِأَنَّهَا أقل مُدَّة الْحمل فَيعلم أَنَّهُمَا حمل وَاحِد وَقد صرح بِهَذَا الْقَيْد جمَاعَة من الْأَصْحَاب وَأَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخ فِي المغنى وَالْكَافِي فَيَقَع بالسابق مَا علق بِهِ لوُجُود شَرطه وَأما الثَّانِي فَهَل تَنْقَضِي بِهِ الْعدة وَلَا يَقع بِهِ شَيْء أم يَقع مَا علق عَلَيْهِ فِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَان هُنَا وهما مشهوران
أَحدهمَا تَنْقَضِي بِهِ الْعد وَلَا يَقع بِهِ شَيْء اخْتَارَهُ أَبُو بكر وَأكْثر الْأَصْحَاب
стр. 271
وَنَصره فِي المغنى وَصَححهُ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَة وَغَيرهمَا وَقدمه غير وَاحِد
وَجه هَذَا أَن الْعدة انْقَضتْ بِوَضْعِهِ فصادفها الطَّلَاق بَائِنا فَلم يَقع كَمَا لَو قَالَ لغير مَدْخُول بهَا إِذا طَلقتك فَأَنت طَالِق ثمَّ قَالَ لَهَا أَنْت طَالِق وَكَذَا إِذا مت فَأَنت طَالِق لَا وُقُوع مَعَ عدم الزَّوْجِيَّة لِأَنَّهَا شَرطه وَلَا صِحَة للمشروط مَعَ عدم شَرطه وَهَذَا من الجليات وَلِأَنَّهُ لَو قَالَ أَنْت طَالِق مَعَ موتى لم تطلق فَهُنَا كَذَلِك بل أولى لِأَن هُنَاكَ صادفها الطَّلَاق بَائِنا وَهنا حصل التَّصَرُّف فِي ملك لِأَنَّهُ تمّ مَعَ تَمَامه وَالْفرق بَين هَذَا ونظائره يطول مَعَ أَنه لَيْسَ الْغَرَض
وَالْوَجْه الثَّانِي يَقع مَا علق عَلَيْهِ اخْتَارَهُ ابْن حَامِد لِأَن زمن الْبَيْنُونَة زمن الْوُقُوع وَلَا تنَافِي بَينهمَا بِهَذَا علل وَقد بَان فَسَاده مِمَّا سبق
стр. 272
وَظَاهر هَذَا أَنه لَا عدَّة عَلَيْهَا بعد وضع الثَّانِي وَكَلَام صَاحب الْمُحَرر صَرِيح فِي ذَلِك أَو ظَاهر
وَصرح الشَّيْخ شمس الدّين بن عبد الْقوي فِي نظمه فِي حِكَايَة قَول ابْن حَامِد وَأَنَّهَا بِوَضْع الثَّانِي تطلق وتنقضي بِهِ الْعدة وَهُوَ يدل على ضعفه لِأَن كل طَلَاق لَا بُد لَهُ من عدَّة متعقبة وعَلى هَذَا يعايى بِهَذَا فَيُقَال على أصلنَا أَن الطَّلَاق بعد الدُّخُول وَلَا مَانع والزوجان مكلفان لَا عدَّة فِيهِ وَيُقَال طَلَاق بِلَا عوض دون الثَّلَاث بعد الدُّخُول فِي نِكَاح صَحِيح لَا رَجْعَة فِيهِ وَقد يُقَال على بعد الطَّلَاق يسْبق الْبَيْنُونَة فَلم يخل من عدَّة المتعقبة إِمَّا حَقِيقَة أَو حكما
وَبِهَذَا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي حِكَايَة قَول ابْن حَامِد تطلق الثَّانِيَة لقرب زمَان
стр. 273
الْبَيْنُونَة والوقوع فَلم يَجْعَل زمانها زمانها فعلى الأول إِن أشكل طلقت طَلْقَة لِأَنَّهَا الْيَقِين وَالزَّائِد مَشْكُوك فِيهِ وَالْأَصْل عَدمه وَلَا يشبه هَذَا مَا إِذا طلق فَلم يدر طلق وَاحِد أَو ثَلَاثًا على قَول الْخرقِيّ لِأَنَّهُ هُنَاكَ شَاك فِي إباحتها بالرجعة بِخِلَاف هَذَا وَيُفَارق مالو أعتق أحد عبديه واشتبه حَيْثُ نقُول بِالْقُرْعَةِ لِأَنَّهَا تعيّنت طَرِيقا إِلَى تعْيين الْعتْق فِي أَحدهمَا لتساويهما وَهنا لم تتَعَيَّن عملا بِالْأَصْلِ فِي نفي الزَّائِد وَلِهَذَا لم تشرع الْقرعَة فِيمَا إِذا شكّ فِي عدد الطلقات والمطلقات وإلحاق الشَّيْء بِجِنْسِهِ وَنَظِيره أولى
وَنَظِير مَسْأَلَة الْعتْق مالو طلق إِحْدَى امرأتيه لِأَنَّهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ شَاك فِي الْمَحْكُوم فيعين وَفِي مَسْأَلَتنَا الْمَحْكُوم بِهِ معِين وَهُوَ المتيقين وَهُوَ مَعْلُوم فَلم يحْتَج إِلَى تعْيين بل تعْيين الْمعِين محَال وَهُوَ وَاضح إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَقَالَ القَاضِي قِيَاس الْمَذْهَب أَن يقرع بَينهمَا فَمن خرجت قرعته فَإِنَّهُ الأول يحكم بِأَنَّهُ الأول لِأَنَّهُ لَا يُمكن الحكم بِوُقُوع طَلْقَة مُطلقَة لِأَن الْكَلَام معِين وَلَا بِوُقُوع الطَّلقَة المفردة لِأَنَّهُ تعْيين لأحد المشروطين مَعَ مُسَاوَاة احْتِمَال
стр. 274
وجود شَرطهمَا وَهُوَ غير جَائِز لما فِيهِ من التحكم وَالتَّرْجِيح من غير مُرَجّح وَلَا يُمكن الحكم بِوُقُوع طَلْقَة من الطلقتين لما تقدم وَلما فِيهِ من وُقُوع بعض الْمَشْرُوط وَهُوَ غير جَائِز
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيجب أَن تتَعَيَّن الْقرعَة طَرِيقا وبيانا للمحكوم بِهِ كَمَا تعيّنت طَرِيقا وبيانا للمحكوم عَلَيْهِ فِيمَا إِذا أعتق أحد عبديه معينا ثمَّ نَسيَه أَو قَالَ إِن جَاءَ زيد فعبد من عَبِيدِي حر وَإِن جَاءَ عَمْرو فعبدان من عَبِيدِي أَحْرَار وَإِن جَاءَ زيد فسالم حر وَإِن جَاءَ عَمْرو فغانم وَبكر حران فجَاء أَحدهمَا وَلم يعلم من هُوَ وَكَذَلِكَ نظيرتها فِي الطَّلَاق
كَذَلِك يَنْبَغِي أَن يكون الحكم فِيمَا إِذا طَار طَائِر وَقَالَ إِن كَانَ غرابا فَأَنت طَالِق وَاحِدَة وَإِن لم يكن غرابا فَأَنت طَالِق اثْنَتَيْنِ فطار وَلم يعلم حَاله وعَلى هَذَا إِن رَاجع قبل وضع الثَّانِي وَقع مَا علق بِهِ وَتعْتَد بعد وَضعه وَأما قَوْله وَإِن كَانَ بَينهمَا فَوق سِتَّة أشهر إِلَى آخِره لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يكون حملا وَاحِدًا وَبَينهمَا فَوق سِتَّة أشهر بل الثَّانِي حمل آخر مُسْتَقل
وَبنى ﵀ الْمَسْأَلَة على أصلين
стр. 275
أَحدهمَا أَن هَذَا الْحمل هَل يلْحق بالمطلق أم لَا
وَالثَّانِي هَل تَنْقَضِي عدتهَا بِهِ على تَقْدِير أَن لَا يحلق بِهِ أم لَا
أما كَون هَذَا الْحمل هَل يلْحق بالمطلق فمأخوذ من قَوْله فِيمَا يلْحق من النّسَب وَإِذا ولدت الرَّجْعِيَّة بعد أَكثر مُدَّة الْحمل مُنْذُ طَلقهَا ولدون سِتَّة أشهر مُنْذُ أخْبرت بِانْقِضَاء عدتهَا أَو لم تخبر بانقضائها أصلا فَهَل يلْحقهُ نسبه على رِوَايَتَيْنِ
وَحل هَذَا أَن الرَّجْعِيَّة إِذا ولدت بعد أَكثر مُدَّة الْحمل مُنْذُ طَلقهَا فلهَا حالان
أَحدهمَا أَن تخبر بِانْقِضَاء عدتهَا وتلد لدوّنَ سِتَّة أشهر مُنْذُ إخبارها فَيعلم بطلَان الْخَبَر وَأَن الْحمل كَانَ مَوْجُودا فِي مُدَّة الْعدة
وَالثَّانِي أَن لَا تخبر وَلم يحكم بانقضائها وَهَذِه الْعبارَة أَشد وأكمل لِأَن عبارَة بَعضهم وَإِن طَلقهَا طَلَاقا رَجْعِيًا فَولدت لأكْثر من أَربع سِنِين مُنْذُ طَلقهَا وَأَقل من أَربع مُنْذُ انْقَضتْ عدتهَا
وَعبارَة بَعضهم وَإِن وطىء زَوجته ثمَّ طَلقهَا طَلَاقا رَجْعِيًا ثمَّ
стр. 276
أَتَت بِولد بعد أَكثر مُدَّة الْحمل وَقبل انْقِضَاء عدتهَا
لِأَن الْعبارَة الأولى هِيَ للحالة الأولى ذكرهَا المُصَنّف وحررها لِأَنَّهَا تصدق على مَا لَو أقرَّت بِانْقِضَاء عدتهَا بالقرء ثمَّ أَتَت بِولد بعد سِتَّة أشهر وَقد صرح قَائِلهَا بِهَذِهِ الصُّورَة وَأَنه لَا يلْحق بِهِ وَكَذَا صرح غَيره
ولسنا ننكر الْخلاف فِيهَا فَإِن فِي المغنى ذكر أَن كَلَام الْخرقِيّ يحْتَمل أَن يلْحق بِهِ وَذكره بعض الْمُتَأَخِّرين قولا
والعبارة الثَّانِيَة هِيَ للحالة الثَّانِيَة وَيدخل فِيهَا الأولى لَكِن هَذِه أَجود وأصرح فَتَأمل ذَلِك
ثمَّ إِن الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة ذكره بَعضهم وَجْهَيْن وَذكره بَعضهم رِوَايَتَيْنِ وَاخْتلف كَلَام الشَّيْخ فِي ذَلِك
وَجه لُحُوق النّسَب وَهُوَ الصَّحِيح وَالرَّاجِح عِنْد جمَاعَة من الْأَصْحَاب أَن حكمهَا حكم الزَّوْجَات فِي أَكثر الاحكام بِلَا إِشْكَال فَكَذَا فِي مَسْأَلَتنَا لِأَنَّهُ الأَصْل كثبوته بالأكثرية وَالنَّقْل عَنهُ يفْتَقر إِلَى دَلِيل وَالْأَصْل عَدمه
стр. 277
لَا سِيمَا وَالنّسب يحْتَاط لَهُ فتحقيقه وإثباته أولى من غَيره من الْأَحْكَام وَقِيَاسًا على مَا قبل الطَّلَاق
وَوجه عدم لُحُوقه أَنَّهَا مُطلقَة علقت بِهِ بعد الطَّلَاق يَقِينا لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون مَوْجُودا قبل الطَّلَاق مَعَ بَقَائِهِ أَكثر من مُدَّة الْحمل فَأَشْبَهت الْبَائِن وَالْأولَى أولى وَالْفرق ظَاهر
إِذا تقرر هَذَا فمسألتنا الْمَقْصُودَة مُطلقَة رَجْعِيَّة تحقق حملهَا بعد طَلاقهَا بِوَضْع الأول وَلم يحكم بِانْقِضَاء عدتهَا فَعلم بذلك أَن التعليلين السَّابِقين يجريان هُنَا وَأَن مَا ذكره فِي لُحُوق النّسَب أصل لما ذكره فِي الطَّلَاق
وَقد يُقَال يحمل قَوْله وَإِن كَانَ بَينهمَا فَوق سِتَّة أشهر على الصُّورَة الْمَذْكُورَة فِي لُحُوق النّسَب لِأَنَّهَا إِذا وضعت بعد أَكثر مُدَّة الْحمل وَقبل الحكم بِانْقِضَاء الْعدة صدق أَنَّهَا وضعت وَبَينهمَا فَوق سِتَّة أشهر وَدلّ على هَذَا الْحمل تَقْيِيد كَلَامه فِي لُحُوق النّسَب
стр. 278
وَصرح بِسِتَّة أشهر فَأكْثر للْفرق بَين الْحمل الْوَاحِد والحملين وَالْأول هُوَ الصَّوَاب لما فِيهِ من التَّقْيِيد بِغَيْر دَلِيل والتفريق بَين المتماثلين
وَالْمَسْأَلَة الْأُخْرَى وَهِي أَن من أَتَت امْرَأَته بِولد لَا يلْحقهُ نسبه هَل تَنْقَضِي عدتهَا بِهِ أم لَا مَشْهُورَة وَقد صرح بهَا المُصَنّف وَغَيره وَالْكَلَام عَلَيْهَا يطول وَالرَّاجِح فِيهَا وَاضح فَلَا حَاجَة إِلَى بحثها
إِذا تقرر هَذَا فَقَوله فَالْحكم كَمَا فصلنا إِن قُلْنَا الثَّانِي تَنْقَضِي بِهِ الْعدة وَلَا يلْحق بالمطلق أَي الْخلاف السَّابِق جَازَ هُنَا وَالدَّلِيل كَمَا تقدم وَإِن قُلْنَا تَنْقَضِي بِهِ الْعدة كملت بِهِ الثَّلَاث لِأَنَّهَا وجدت صفتهَا كَمَا لَو وجدت دفْعَة وَاحِدَة وَانْتِفَاء عدم الْوُقُوع لانْتِفَاء سَببه لآن هَذَا الْحمل الثَّانِي لَا أثر لَهُ فِي انْقِضَاء الْعدة فوجوده كَعَدَمِهِ كَمَا لَو خرج مِنْهَا نُطْفَة أَو دم وَلِهَذَا لَو كَانَ
стр. 279
قَالَ كلما ولدت ولدا فَأَنت طَالِق فَولدت ثَلَاثَة وَاحِد بعد وَاحِد لدوّنَ سِتَّة أشهر طلقت بِالثَّانِي أَيْضا لانْتِفَاء انْقِضَاء الْعدة بِهِ وَلَا تطلق بالثالث على الرَّاجِح كَمَا تقدم
وَإِن قُلْنَا بِأَنَّهُ يلْحق بِهِ كملت بِهِ الثَّلَاث أَيْضا لِأَن الحكم بلحوقه حكم بِثُبُوت وَطْء الزَّوْج وَالْحكم بِثُبُوت وَطئه حكم بِحُصُول الرّجْعَة لِأَن الرّجْعَة تحصل بِالْوَطْءِ فِي ظَاهر الْمَذْهَب وَلَو رَاجعهَا وَقع مَا علق بِالثَّانِي بِلَا إِشْكَال لانْتِفَاء الْعدة
وعَلى رِوَايَة عدم حُصُول الرّجْعَة بِالْوَطْءِ وَأَنَّهَا لَيست مُبَاحَة لَا يلْحقهُ النّسَب على ظَاهر كَلَامه فِي الْمُسْتَوْعب
وَقد قَالَ فِي المغنى فِي النَّفَقَات فِي الْفَصْل قبل مَسْأَلَة وَيجْبر الرجل على
стр. 280
نَفَقَة وَالِديهِ وَولده فِي الْمَرْأَة الرَّجْعِيَّة قَالَ وَإِن وَطئهَا زَوجهَا فِي الْعدة للرجعة حصلت الرّجْعَة وَإِن قُلْنَا لَا تحصل فالنسب لَاحق بِهِ وَعَلِيهِ النَّفَقَة لمُدَّة حملهَا انْتهى كَلَامه
فَيَنْبَغِي أَن يكون قَوْلنَا لَا تحصل الرّجْعَة بِالْوَطْءِ إِن اعْتقد تَحْرِيمه لم يلْحق وَإِلَّا لحق فَإِن قيل مَا تقدم من الْبناء غير صَحِيح لَا سِيمَا على قَول المُصَنّف إِنَّه لَا يلْزم من الحكم بلحوق النّسَب الحكم بِثُبُوت وَطْء الزَّوْج لكَون ذَلِك مستلزما للرجعة بل قد يحكم بلحوق النّسَب وَإِن لم يحكم بِثُبُوت الْوَطْء وَلَا تترتب عَلَيْهِ ثمراته كَمَا ترتبت على الْوَطْء الْحَقِيقِيّ ومظنته فَيحكم بلحوق النّسَب وَإِن لم يحكم بِالْبُلُوغِ وَلَا باستقرار مهر عَن الْمَدْخُول بهَا وَلَا بِثُبُوت الْعدة عَلَيْهَا وَلَا بِثُبُوت الرّجْعَة عَلَيْهَا فِيمَا اذا طلق كَمَا ذكره المُصَنّف فِي بَاب مَا يلْحق من النّسَب
стр. 281
وَيُؤْخَذ ذَلِك من كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين بعضه صَرِيحًا وَبَعضه إِيمَاء لِأَنَّهُ ذكر فِي مَسْأَلَة قذف الصَّغِيرَة من كتاب اللّعان أَن الزَّوْج إِذا كَانَ ابْن عشر فَأكْثر يلْحقهُ نسبه خلافًا لأبي بكر قَالَ وَلَيْسَ لَهُ نَفْيه فِي الْحَال حَتَّى يتَحَقَّق بُلُوغه بِأحد أَسبَاب فَلهُ نفى الْوَلَد واستلحاقه
فَإِن قيل إِذا ألحقتم الْوَلَد فقد حكم بِبُلُوغِهِ فَهَلا منعتم نَفْيه ولعانه قُلْنَا إِلْحَاق الْوَلَد يَكْفِي فِيهِ الْإِمْكَان وَالْبُلُوغ لَا يثبت إِلَّا بِسَبَب ظَاهر وَلِأَن إِلْحَاق الْوَلَد بِهِ حق عَلَيْهِ وَاللّعان حق لَهُ فَلم يثبت مَعَ الشَّك انْتهى كَلَامه
стр. 282
وَكَذَلِكَ احتطنا للنسب فاكتفينا فِيهِ بالإمكان لوُجُود مقتضية وَهُوَ الْفراش الثَّابِت بِالْعقدِ كَمَا هُوَ مَذْكُور مَوْضِعه ونفينا غَيره من الْأَحْكَام على أَصله وَقد تقرر أَنه لَا ينْتَقل عَن الأَصْل بِالِاحْتِمَالِ وَالوهم وَهَذَا كَمَا نحكم بِدُخُول وَقت الْعِبَادَة فيحتاط لَهَا بِإِيجَاب فعلهَا وَإِن لم تترتب بَاقِي الْأَحْكَام كوجوب صَوْم لَيْلَة النَّعيم مَعَ أَنه لَا يَقع طَلَاق وَلَا عتاق وَلَا يحل دين لَهُ وَلَا عَلَيْهِ على ظَاهر الْمَذْهَب وَإِذا انْتَفَت الرّجْعَة انْتَفَى وُقُوع الثَّلَاث فِي مَسْأَلَتنَا لِأَنَّهُ مَبْنِيّ عَلَيْهَا قيل يلْزم من ذَلِك حُصُول الرّجْعَة فِي مَسْأَلَتنَا كَمَا صرح بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب ولظن وَغَيره
وَالظَّاهِر أَن المُصَنّف تبع غَيره من الْأَصْحَاب على ذَلِك لِأَن لُحُوق النّسَب شرعا اعْتِرَاف أَو كاعتراف الزَّوْج بِالْوَطْءِ لِأَنَّهُ دَلِيل عَلَيْهِ ووقوف ثُبُوته على الْبَيِّنَة مُتَعَذر وَلَا يُمكن القَوْل بوقوفه على الِاعْتِرَاف وَلَو اخْتلف فِي الْوَطْء هُنَا كَانَ القَوْل قَول من يَدعِيهِ لِأَنَّهُ اخْتِلَاف بعد الدُّخُول والتمكين وَهَذَا الْخلاف مَا ذكره المُصَنّف فِي لُحُوق النّسَب لِأَن كَلَامه فِيهِ قبل الدُّخُول
стр. 283
وَلَو اخْتلفَا قبل الدُّخُول فِي الْإِصَابَة كَانَ القَوْل قَول من ينفيها لِأَن الأَصْل مَعَه وَلَا معَارض
فَإِن قيل يلْزم على هَذَا مَا لَو طلق مَدْخُولا بهَا ثمَّ أَتَت بِولد يلْحقهُ نسبه كَمَا لَو أَتَت بِهِ قبل مُجَاوزَة أَكثر مُدَّة الْحمل مُنْذُ طلق فَإِن الرّجْعَة لَا تثبت وَإِن لحقه نسبه مَعَ أَنَّهَا مَدْخُول بهَا قبل الطَّلَاق
قُلْنَا لَا يلْزم لِأَن الْوَطْء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة يحْتَمل أَن يكون وجد قبل الطَّلَاق وَيحْتَمل أَن يكون وجد بعده مصادفا زمن الْعدة فَلَا تحصل الرّجْعَة مَعَ الشَّك بِخِلَاف مَا تقدم لأَنا نتحقق مصادفة الْوَطْء زمن الْعدة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون سَبَب الْوَضع الثَّانِي وجد قبل الطَّلَاق مَعَ كَونهمَا حملين كَمَا سبق
стр. 284
وَإِذا كَانَ كَذَلِك لزم حُصُول الرّجْعَة وَمن زعم أَن لفظ المُصَنّف وَإِن قُلْنَا لَا تنقضى بِهِ وألحقناه بِحَذْف الْألف فَلَيْسَ كَمَا زعم بل النّسخ الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة الْمُعْتَمدَة بِإِثْبَات الْألف وَلم أجد حذفهَا فِي نُسْخَة صَحِيحَة وَقد صَحَّ كَمَا سبق أَن عدم انْقِضَاء الْعدة سَبَب مُسْتَقل فِي وُقُوع الثَّلَاث وعَلى تَقْدِير حذف الْألف يكون عدم انْقِضَاء الْعدة جُزْء السَّبَب فَتعين أَن يثبت الْألف حَتَّى يكون عدم انْقِضَاء الْعدة سَببا كَامِلا لوُقُوع الثَّلَاث فَإِن وجدت الْألف فِي نُسْخَة صَحِيحَة محذوفة تعين أَن تكون مقدرَة وَتَكون الْوَاو بِمَعْنى أَو وَهُوَ سَائِغ
وَلَا يَنْبَغِي أَن يَجْعَل مَا إِذا أَبَانهَا فَولدت آخر بعد سِتَّة أشهر أصلا لهَذِهِ الْمَسْأَلَة لِأَنَّهُ إِن جعل أصلا للحوق النّسَب لم يستقم لِأَن فِي لُحُوق النّسَب فِي الْفَرْع تعددا وَلَا خلاف فِي الْمَذْهَب فِي عدم لُحُوق النّسَب فِي الأَصْل وَإِن
стр. 285
جعل أصلا لانقضاء الْعدة فَهُوَ فرع محَال على أصل فَذكر الأَصْل الْمحَال عَلَيْهِ أولى مَعَ أَن فِيهِ تَخْصِيص بعض النَّظَائِر بِالذكر
وَذكر القَاضِي ﵀ الْخلاف فِيمَا إِذا كَانَ بَينهمَا دون سِتَّة أشهر وَذكر أَنه إِن كَانَ بَينهمَا سِتَّة أشهر فَصَاعِدا أَنَّهَا تبين بِالثَّانِي وَلَا تطلق بِهِ وَقَالَ فَهَذَا حمل عَادَتْ بعد الْبَيْنُونَة فَلَا يلْحق بِهِ وَلَا يتَعَلَّق بِهِ طَلَاق
وَقَوله بعد الْبَيْنُونَة أَي بعد سَببهَا لِأَنَّهُ حدث بعد الْحمل الأول الَّذِي وَقع بِهِ الطَّلَاق وَإِلَّا فمحال بينونتها بِالْحملِ الثَّانِي مَعَ بينونتها بِالْأولِ فقد قطع بِأَن الثَّانِي تَنْقَضِي بِهِ الْعدة وَلَا يلْحق بالمطلق وَمَعَ هَذَا قطع بِعَدَمِ وُقُوع الطَّلَاق بِهِ وَفِيه إِشْعَار بِأَنا لَو قُلْنَا لَا تَنْقَضِي بِهِ الْعدة أَو ألحقناه بالمطلق طلقت بِهِ فَيكون كَمَا ذكره صَاحب الْمُحَرر
وَقطع القَاضِي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِأَن لَا يلْحق بِهِ وَقطع فِي مَسْأَلَة لُحُوق النّسَب الْمَذْكُورَة بلحوقه وَهَذَا أَمر قريب لَا سِيمَا فِي اصْطِلَاح الْمُتَقَدِّمين فَإِن الْفَقِيه قد يذكر فِي مَوضِع أحد الْقَوْلَيْنِ وَيذكر فِي مَوضِع آخر القَوْل الآخر وَذكر أَبُو الْخطاب الْخلاف فِيمَا إِذا كَانَ بَينهمَا دون سِتَّة أشهر وَقَالَ فان كَانَ بَينهمَا فَوق سِتَّة أشهر
следующие страницы →