← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6094

النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر

ابن مفلح

Полный текст (570 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَيُؤْخَذ ذَلِك من كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين بعضه صَرِيحًا وَبَعضه إِيمَاء لِأَنَّهُ ذكر فِي مَسْأَلَة قذف الصَّغِيرَة من كتاب اللّعان أَن الزَّوْج إِذا كَانَ ابْن عشر فَأكْثر يلْحقهُ نسبه خلافًا لأبي بكر قَالَ وَلَيْسَ لَهُ نَفْيه فِي الْحَال حَتَّى يتَحَقَّق بُلُوغه بِأحد أَسبَاب فَلهُ نفى الْوَلَد واستلحاقه فَإِن قيل إِذا ألحقتم الْوَلَد فقد حكم بِبُلُوغِهِ فَهَلا منعتم نَفْيه ولعانه قُلْنَا إِلْحَاق الْوَلَد يَكْفِي فِيهِ الْإِمْكَان وَالْبُلُوغ لَا يثبت إِلَّا بِسَبَب ظَاهر وَلِأَن إِلْحَاق الْوَلَد بِهِ حق عَلَيْهِ وَاللّعان حق لَهُ فَلم يثبت مَعَ الشَّك انْتهى كَلَامه

стр. 282

وَكَذَلِكَ احتطنا للنسب فاكتفينا فِيهِ بالإمكان لوُجُود مقتضية وَهُوَ الْفراش الثَّابِت بِالْعقدِ كَمَا هُوَ مَذْكُور مَوْضِعه ونفينا غَيره من الْأَحْكَام على أَصله وَقد تقرر أَنه لَا ينْتَقل عَن الأَصْل بِالِاحْتِمَالِ وَالوهم وَهَذَا كَمَا نحكم بِدُخُول وَقت الْعِبَادَة فيحتاط لَهَا بِإِيجَاب فعلهَا وَإِن لم تترتب بَاقِي الْأَحْكَام كوجوب صَوْم لَيْلَة النَّعيم مَعَ أَنه لَا يَقع طَلَاق وَلَا عتاق وَلَا يحل دين لَهُ وَلَا عَلَيْهِ على ظَاهر الْمَذْهَب وَإِذا انْتَفَت الرّجْعَة انْتَفَى وُقُوع الثَّلَاث فِي مَسْأَلَتنَا لِأَنَّهُ مَبْنِيّ عَلَيْهَا قيل يلْزم من ذَلِك حُصُول الرّجْعَة فِي مَسْأَلَتنَا كَمَا صرح بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب ولظن وَغَيره وَالظَّاهِر أَن المُصَنّف تبع غَيره من الْأَصْحَاب على ذَلِك لِأَن لُحُوق النّسَب شرعا اعْتِرَاف أَو كاعتراف الزَّوْج بِالْوَطْءِ لِأَنَّهُ دَلِيل عَلَيْهِ ووقوف ثُبُوته على الْبَيِّنَة مُتَعَذر وَلَا يُمكن القَوْل بوقوفه على الِاعْتِرَاف وَلَو اخْتلف فِي الْوَطْء هُنَا كَانَ القَوْل قَول من يَدعِيهِ لِأَنَّهُ اخْتِلَاف بعد الدُّخُول والتمكين وَهَذَا الْخلاف مَا ذكره المُصَنّف فِي لُحُوق النّسَب لِأَن كَلَامه فِيهِ قبل الدُّخُول

стр. 283

وَلَو اخْتلفَا قبل الدُّخُول فِي الْإِصَابَة كَانَ القَوْل قَول من ينفيها لِأَن الأَصْل مَعَه وَلَا معَارض فَإِن قيل يلْزم على هَذَا مَا لَو طلق مَدْخُولا بهَا ثمَّ أَتَت بِولد يلْحقهُ نسبه كَمَا لَو أَتَت بِهِ قبل مُجَاوزَة أَكثر مُدَّة الْحمل مُنْذُ طلق فَإِن الرّجْعَة لَا تثبت وَإِن لحقه نسبه مَعَ أَنَّهَا مَدْخُول بهَا قبل الطَّلَاق قُلْنَا لَا يلْزم لِأَن الْوَطْء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة يحْتَمل أَن يكون وجد قبل الطَّلَاق وَيحْتَمل أَن يكون وجد بعده مصادفا زمن الْعدة فَلَا تحصل الرّجْعَة مَعَ الشَّك بِخِلَاف مَا تقدم لأَنا نتحقق مصادفة الْوَطْء زمن الْعدة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون سَبَب الْوَضع الثَّانِي وجد قبل الطَّلَاق مَعَ كَونهمَا حملين كَمَا سبق

стр. 284

وَإِذا كَانَ كَذَلِك لزم حُصُول الرّجْعَة وَمن زعم أَن لفظ المُصَنّف وَإِن قُلْنَا لَا تنقضى بِهِ وألحقناه بِحَذْف الْألف فَلَيْسَ كَمَا زعم بل النّسخ الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة الْمُعْتَمدَة بِإِثْبَات الْألف وَلم أجد حذفهَا فِي نُسْخَة صَحِيحَة وَقد صَحَّ كَمَا سبق أَن عدم انْقِضَاء الْعدة سَبَب مُسْتَقل فِي وُقُوع الثَّلَاث وعَلى تَقْدِير حذف الْألف يكون عدم انْقِضَاء الْعدة جُزْء السَّبَب فَتعين أَن يثبت الْألف حَتَّى يكون عدم انْقِضَاء الْعدة سَببا كَامِلا لوُقُوع الثَّلَاث فَإِن وجدت الْألف فِي نُسْخَة صَحِيحَة محذوفة تعين أَن تكون مقدرَة وَتَكون الْوَاو بِمَعْنى أَو وَهُوَ سَائِغ وَلَا يَنْبَغِي أَن يَجْعَل مَا إِذا أَبَانهَا فَولدت آخر بعد سِتَّة أشهر أصلا لهَذِهِ الْمَسْأَلَة لِأَنَّهُ إِن جعل أصلا للحوق النّسَب لم يستقم لِأَن فِي لُحُوق النّسَب فِي الْفَرْع تعددا وَلَا خلاف فِي الْمَذْهَب فِي عدم لُحُوق النّسَب فِي الأَصْل وَإِن

стр. 285

جعل أصلا لانقضاء الْعدة فَهُوَ فرع محَال على أصل فَذكر الأَصْل الْمحَال عَلَيْهِ أولى مَعَ أَن فِيهِ تَخْصِيص بعض النَّظَائِر بِالذكر وَذكر القَاضِي ﵀ الْخلاف فِيمَا إِذا كَانَ بَينهمَا دون سِتَّة أشهر وَذكر أَنه إِن كَانَ بَينهمَا سِتَّة أشهر فَصَاعِدا أَنَّهَا تبين بِالثَّانِي وَلَا تطلق بِهِ وَقَالَ فَهَذَا حمل عَادَتْ بعد الْبَيْنُونَة فَلَا يلْحق بِهِ وَلَا يتَعَلَّق بِهِ طَلَاق وَقَوله بعد الْبَيْنُونَة أَي بعد سَببهَا لِأَنَّهُ حدث بعد الْحمل الأول الَّذِي وَقع بِهِ الطَّلَاق وَإِلَّا فمحال بينونتها بِالْحملِ الثَّانِي مَعَ بينونتها بِالْأولِ فقد قطع بِأَن الثَّانِي تَنْقَضِي بِهِ الْعدة وَلَا يلْحق بالمطلق وَمَعَ هَذَا قطع بِعَدَمِ وُقُوع الطَّلَاق بِهِ وَفِيه إِشْعَار بِأَنا لَو قُلْنَا لَا تَنْقَضِي بِهِ الْعدة أَو ألحقناه بالمطلق طلقت بِهِ فَيكون كَمَا ذكره صَاحب الْمُحَرر وَقطع القَاضِي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِأَن لَا يلْحق بِهِ وَقطع فِي مَسْأَلَة لُحُوق النّسَب الْمَذْكُورَة بلحوقه وَهَذَا أَمر قريب لَا سِيمَا فِي اصْطِلَاح الْمُتَقَدِّمين فَإِن الْفَقِيه قد يذكر فِي مَوضِع أحد الْقَوْلَيْنِ وَيذكر فِي مَوضِع آخر القَوْل الآخر وَذكر أَبُو الْخطاب الْخلاف فِيمَا إِذا كَانَ بَينهمَا دون سِتَّة أشهر وَقَالَ فان كَانَ بَينهمَا فَوق سِتَّة أشهر

стр. 286

فَهُوَ على مَا تقدم من الْوَجْهَيْنِ وَظَاهر هَذَا ثُبُوت الْوَجْهَيْنِ فِي جَمِيع الصُّور وَكَأن الشَّيْخ فِي كتاب الْمقنع لما رأى أَبَا الْخطاب حَال الْوَجْهَيْنِ فِيمَا اذا كَانَ فَوق سِتَّة أشهر على الْوَجْهَيْنِ فِيمَا اذا كَانَ بَينهمَا دونهَا لم يتَعَرَّض للتفصيل لعدم فَائِدَته وَكَذَلِكَ قَول الشَّيْخ فِي كتاب زَوَائِد الْهِدَايَة على الْخرقِيّ وَالشَّيْخ وجيه الدّين أَبُو الْمَعَالِي فِي كتاب الْخُلَاصَة تبع أَبَا الْخطاب فِي التَّفْضِيل من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان إِلَّا أَنه صحّح عدم وُقُوع الطَّلَاق فِي الْحَالين وَكَذَلِكَ فعل غَيرهمَا وَذَلِكَ من إقرارهم وَعدم تغييرهم ظَاهر فِي فهمهم ظَاهره فَإِن قيل كَلَام أبي الْخطاب مَحْمُول على القَوْل بِأَن الثَّانِي تَنْقَضِي بِهِ الْعدة وَلَا يلْحق بالمطلق كَمَا قَيده صَاحب الْمُحَرر

стр. 287

قيل كَلَام شخص لَا يُقيد كَلَام شخص آخر بل يحمل من أطلق على عُمُومه اللَّهُمَّ إِلَّا أَن ينْدَرج تَحت الْإِطْلَاق صُورَة لَا يكون لِلْقَوْلِ بهَا مساغ فَحِينَئِذٍ تخرج تِلْكَ الصُّورَة من الْإِلْحَاق لتعذر حمل الْمُطلق عَلَيْهَا لَا سِيمَا هُنَا لِأَن أَبَا الْخطاب ذكر انْقِضَاء الْعدة بِمَا لَا يلْحق بالمطلق احْتِمَالا فَجعل كَلَامه تَفْرِيعا مِنْهُ على احْتِمَال بعيد من غير إِشَارَة مِنْهُ إِلَى ذَلِك بعيد بل قد يُقَال فِيهِ إِشَارَة إِلَى الْخلَافَة لِأَنَّهُ أحَال هَذِه الْمَسْأَلَة على الَّتِي قبلهَا فَدلَّ على اشتراكهما فِي الْمدْرك وَالْحكم يُؤَيّد هَذَا أَن صَاحب الْوَجِيز من متأخري الْأَصْحَاب ذكر فِيهِ أَنَّهَا تطلق بِالْأولِ وَتبين بِالثَّانِي وَلَا تطلق بِالثَّانِي وَقطع بِهَذَا وَلم يفصل بَين سِتَّة أشهر وَغَيرهَا وَقطع فِي مَسْأَلَة لُحُوق النّسَب بِأَنَّهُ يلْحقهُ وَقطع فِي الْعدة بِأَن مَالا يلْحقهُ نسبه لَا تنقضى بِهِ الْعدة وَهُوَ كتاب حسن وَقد اطلع عَلَيْهِ القَاضِي تَقِيّ الدّين الزريراني الْبَغْدَادِيّ وَأَجَازَ الْفتيا بِهِ وَأَنه الْمَذْهَب فقد ظهر من هَذَا أَن الْأَصْحَاب رَحِمهم الله تَعَالَى فِي الْحَال الرَّابِع وَهُوَ فِيمَا إِذا ألحقناه بِهِ هَل تكمل بِهِ الثَّلَاث على وَجْهَيْن وَقِيَاس القَوْل

стр. 288

بالتسوية بَين الْأَحْكَام فِي مَسْأَلَة الْغَيْم أَنه يلْزم من الحكم بلحوق النّسَب الحكم بِجَمِيعِ الْأَحْكَام لِأَنَّهُ مَحْكُوم بِوَطْئِهِ شرعا بِالنِّسْبَةِ إِلَى بعض الْأَحْكَام فَكَذَلِك إِلَى الْبَعْض الآخر تَسْوِيَة بَين جَمِيعهَا وَقد قَالَ صَالح قَالَ أبي إِذا أغلق الْبَاب وأرخى السّتْر لزمَه الصَدَاق قلت وَإِن لم يطَأ قَالَ وَإِن لم يطَأ أَرَأَيْت لَو جَاءَت بِولد أَلَيْسَ تلْزمهُ إِيَّاه الْعَجز جاءمن قبله قلت فَإِنَّهُ قَالَ لم أَطَأ وَقَالَت لم يطأني قَالَ هَذَا فار من الصَدَاق وَهَذِه فارة من الْعدة

стр. 289

فقد احْتج الإِمَام أَحْمد على لُزُوم الصَدَاق بِلُزُوم الْوَلَد لَو جَاءَت بِهِ فَدلَّ على تلازمهما عِنْده ظَاهرا وَشرعا وَالْمَشْهُور من قَول الْأَصْحَاب أَنه لَا فرق فِي الْوَصِيَّة للْحَمْل بَين أَن تكون الْمَرْأَة فراشا لزوج أَو سيد يَطَؤُهَا أَو لَا يَطَؤُهَا لأَنهم لم يفرقُوا فِي لُحُوق النّسَب بِالزَّوْجِ وَالسَّيِّد فِي حكم من يَطَؤُهَا فقد جعلُوا الْحَالين سَوَاء فِي الْوَصِيَّة لِاسْتِوَائِهِمَا فِي لُحُوق النّسَب وَلَو كَانَ لرجل ولد من امْرَأَة فَقَالَ مَا وطئتها لم يثبت إحْصَانه وَلَا

стр. 290

يرْجم إِذا زنا عندنَا وَعند الشَّافِعِي وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِيمَا حَكَاهُ أَصْحَابنَا عَنهُ يرْجم لِأَن الْوَلَد لَا يكون إِلَّا من وَطْء فقد حكم بِالْوَطْءِ ضَرُورَة الحكم بِالْوَلَدِ وأصحابنا يَقُولُونَ الْوَلَد يلْحق بالإمكان والإحصان لَا يثبت بالإمكان وَلَا يكون أَحدهمَا دَالا على الآخر وَبَيَانه أَنَّهَا يجوز أَن تعلق من وَطْء دون الْفرج أَو تستدخل مَاء الرجل فَتعلق وَبِهَذَا لَا يجوز أَن يثبت الْإِحْصَان وَالْمَقْصُود أَن مَسْأَلَتنَا على أصُول أبي حنيفَة أولى لِأَن الْإِحْصَان لَا يثبت إِلَّا بِحَقِيقَة الْوَطْء وَلَا يثبت بالخلوة بِخِلَاف مَسْأَلَتنَا وَإِذا تقرر هَذَا فَلَا يستبعد مَا أُشير إِلَيْهِ من جري الْخلاف فِي مَسْأَلَتنَا وَالله أعلم

стр. 291

قَوْله وَإِن غلظها بِزَمَان أَو مَكَان أَو لفظ جَازَ وَلم يسْتَحبّ وَهَذَا اخْتِيَار القَاضِي وَغَيره وَقطع بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب وَغَيره وَاخْتَارَ أَبُو الْخطاب الِاسْتِحْبَاب كمذهب الشَّافِعِي وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَن أحد الْأَقْسَام معنى الْأَقْوَال أَنه يسْتَحبّ إِذا رَآهُ الإِمَام مصلحَة وَقَالَ بن هُبَيْرَة وَاخْتلفُوا فِي تَغْلِيظ الزَّمَان وَالْمَكَان فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ تغلظ وَعند أبي حنيفَة لَا تغلظ وَعَن الإِمَام أَحْمد رِوَايَتَيْنِ كالمذهبين

стр. 292

وَاخْتَارَ الشَّيْخ موفق الدّين أَن تَركه أولى إِلَّا فِي مَوضِع ورد الشَّرْع بِهِ وَصَحَّ وَقدم فِي الرِّعَايَة الْكَرَاهَة وَاخْتَارَ أَبُو بكر التَّغْلِيظ فِي حق أهل الذِّمَّة فَقَط وَاخْتَارَ الْخرقِيّ التَّغْلِيظ فِي حق الْكَافِر فِي الْمَكَان وَاللَّفْظ فَهَذِهِ نَحْو ثَمَانِيَة أَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة وَلم أجد فِي وُجُوبه خلافًا فِي الْمَذْهَب فَأَما الْبَيِّنَة فَإِنَّهَا تكون بِموضع الدَّعْوَى وَلَا تغلظ بمَكَان وَلَا زمَان وَلَا لفظ ذكره القَاضِي مَحل وفَاق قَاس عَلَيْهِ وَسلم لَهُ قَوْله وَبَيت الْمُقَدّس عِنْد الصَّخْرَة كَذَا ذكر غَيره وَكَأن ذَلِك إِمَّا لوُرُود آثَار لَا يحْتَج بِمِثْلِهَا تدل على فضيلتها وَبَعضهَا مَذْكُور فِي فَضَائِل الشَّام وَإِمَّا لِأَن الْعَامَّة يَعْتَقِدُونَ فِيهَا ويعظمونها وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ فيهمَا نظر أما الأول فَظَاهر وَأما الثَّانِي فَلِأَن الْيَمين لَا تغلظ باعتقاد الْعَامَّة كَمَا لَا تغلظ عِنْد قبر بعض الْمَشَايِخ أَو بعض الشّجر وَنَحْو ذَلِك بِأَن لَهُ عِنْد الْعَامَّة عَظمَة واعتقاد وحظ وافر على أَن كَانَ يلْزم تَخْصِيص الْمَسْأَلَة بالعامة لِئَلَّا يلْزم أَن يكون الدَّلِيل أخص وَهَذَا يدل على إرادتهم الْمَعْنى الأول وَهُوَ غير صَالح للحجة لضعف تِلْكَ الْآثَار وَعدم وجوب الرُّجُوع إِلَى قَائِلهَا وَهُوَ وهب وَكَعب وَنَحْوهمَا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي اقْتِضَاء الصِّرَاط الْمُسْتَقيم بعد ذكره هَذِه الْمَسْأَلَة لَيْسَ لَهَا أصل فِي كَلَام الإِمَام أَحْمد وَنَحْوه من الْأَئِمَّة بل السّنة أَن تغلظ الْيَمين

стр. 293

فِيهَا كَمَا تغلظ فِي سَائِر الْمَسَاجِد عِنْد الْمِنْبَر وَلَا تغلظ الْيَمين بالتحليف عِنْد مَا لم يشرع للْمُسلمين تَعْظِيمه كَمَا لَا تغلظ بالتحليف عِنْد الْمشَاهد وَنَحْو ذَلِك قَوْله وَيَقُول النَّصْرَانِي إِلَى آخِره قَالَ بعض الْأَصْحَاب تَغْلِيظ الْيَمين بذلك فِي حَقهم فِيهِ نظر لِأَن أَكْثَرهم إِنَّمَا يعْتَقد أَن عِيسَى ابْنا لله قَوْله وَيحلف الْمَجُوسِيّ إِلَى آخِره لِأَنَّهُ يعظم خالقه ورازقه وَذكر ابْن أبي مُوسَى أَنه يحلف مَعَ ذَلِك بِمَا يعظمه من الْأَنْوَار وَغَيرهَا وَفِي تَعْلِيق أبي إِسْحَاق بن شاقلا عَن أبي بكر بن جَعْفَر أَنه قَالَ وَيحلف الْمَجُوسِيّ فَيُقَال لَهُ قل والنور والظلمة قَالَ القَاضِي هَذَا غير مُمْتَنع أَن يحلفوا بهَا وَإِن كَانَت مخلوقة كَمَا يحلفُونَ فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يعظمونها وَإِن كَانَت مَوَاضِع يعْصى الله فِيهَا كَالْبيع وَالْكَنَائِس وَبَيت النَّار قَوْله وَإِن بذل الْحَالِف الْيَمين بِاللَّه وَأبي التَّعْظِيم لم يكن ناكلا لِأَنَّهُ قد بذل الْوَاجِب عَلَيْهِ فَيجب الِاكْتِفَاء بِهِ وَيحرم التَّعَرُّض لَهُ وَفِيه نظر لجَوَاز أَن يُقَال يجب التغليط إِذا رَآهُ الْحَاكِم وَطَلَبه وَقد ذكر

стр. 294

القَاضِي فِي الْجَواب عَن تَغْلِيظ الصَّحَابَة أَنه روى عَن زيد خلاف ذَلِك لِأَنَّهُ خَاصم إِلَى مَرْوَان فتوجهت عَلَيْهِ الْيَمين فَقَالَ لَهُ زيد تحلف عِنْد الْمِنْبَر فَقَالَ زيد أَحْلف هَهُنَا قَالَ مَرْوَان لَا بل عِنْد الْمِنْبَر فوزن المَال قَالَ القَاضِي وَلَو كَانَ التَّغْلِيظ وَاجِبا أَو مَنْسُوبا لم يجز أَن يمْتَنع من الْإِجَابَة بعد أَن دَعَا إِلَيْهِ انْتهى كَلَامه وَهَذَا يدل على أَنه لَا يجوز الِامْتِنَاع مِنْهُ إِذا رَآهُ الْحَاكِم وعَلى هَذَا يكون بامتناعه مِنْهُ ناكلا عَمَّا يجب عَلَيْهِ فَيكون كالنكول عَن الْيَمين قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قصَّة مَرْوَان تدل على أَن القَاضِي إِذا رأى التَّغْلِيظ فَامْتنعَ من الْإِجَابَة أدّى مَا ادّعى بِهِ عَلَيْهِ وَلَو لم يكن كَذَلِك مَا كَانَ فِي التَّغْلِيظ زجر قطّ وَهَذَا الَّذِي قَالَه صَحِيح والردع والزجر عِلّة التَّغْلِيظ كَمَا ذكره جمَاعَة من أَصْحَابنَا وَغَيرهم فَلَو لم يجب بِرَأْي الإِمَام لتمكن كل أحد من الِامْتِنَاع مِنْهُ لعدم الضَّرَر عَلَيْهِ فِي ذَلِك وانتفت فَائِدَته وَقَالَ أَيْضا مَتى قُلْنَا هُوَ مُسْتَحبّ للامام فَيَنْبَغِي أَنه إِذا امْتنع مِنْهُ الْخصم صَار ناكلا قَوْله وَلَا يسْتَحْلف فِي الْعِبَادَات وَلَا فِي حُدُود الله تَعَالَى وَعند الشَّافِعِي وَأبي يُوسُف يسْتَحْلف فِي الزَّكَاة وَنَحْوهَا لِأَنَّهَا دَعْوَى مسموعة يتَعَلَّق بهَا حق آدَمِيّ أشبه حق الْآدَمِيّ وَاخْتَارَهُ ابْن حمدَان فِي الزَّكَاة وَوجه قَوْلنَا أَنه حق لَهُ أشبه الصَّلَاة وَالْحَد وَلَو ادّعى عَلَيْهِ أَن عَلَيْهِ كَفَّارَة أَو نذرا أَو صَدَقَة أَو غَيرهَا فَكَذَلِك قَالَ الشَّيْخ موفق الدّين لَا تسمع الدَّعْوَى فِي هَذَا وَلَا فِي حد لله تَعَالَى

стр. 295

لِأَنَّهُ حق للْمُدَّعى فِيهِ وَلَا ولَايَة لَهُ عَلَيْهِ وَلَا تسمع مِنْهُ دَعْوَاهُ كَمَا لَو ادّعى حَقًا لغيره من غير إِذْنه وَلَا ولَايَة وَكَذَا ذكره ابْن الزَّاغُونِيّ وَغَيره وَذكر القَاضِي الْحُدُود مَحل وفَاق وَأَنه لَا يَصح دَعْوَاهَا وَلَا يجب سماعهَا وَلَا يسْأَل الْمُدعى عَلَيْهِ عَن الْجَواب عَنْهَا لَكِن قَالَ شَهَادَة الشُّهُود دَعْوَى مِنْهُم وَذكر أَيْضا فِي مَوضِع آخر أَن الزِّنَا وَالشرب وَنَحْوه لَا يسمع الاستعداء فِيهِ والإعداء فِيهِ وَتسمع الشَّهَادَة بِهِ وَذكر الشَّيْخ موفق الدّين فِي مَوضِع آخر أَن مَا كَانَ حَقًا لله كالحدود وَالزَّكَاة وَالْكَفَّارَة لَا تفْتَقر الشَّهَادَة بِهِ إِلَى تقدم دَعْوَى قَالَ وَكَذَلِكَ مَالا يتَعَلَّق بِهِ حق أحد كتحريم الزَّوْجَة أَو إِعْتَاق الرَّقِيق يجوز الْحِسْبَة بِهِ وَلَا يعْتَبر بِهِ دَعْوَى قَالَ فَإِن تَضَمَّنت دَعْوَاهُ حَقًا مثل أَن يدعى سَرقَة مَاله لتضمين السَّارِق أَو ليَأْخُذ مِنْهُ مَا سَرقه أَو يَدعِي عَلَيْهِ الزِّنَا بِجَارِيَتِهِ ليَأْخُذ مهرهَا مِنْهُ سَمِعت دَعْوَاهُ ويستحلف الْمُدعى عَلَيْهِ لحق الْآدَمِيّ دون حق الله وَكَذَا ذكره ابْن عقيل فَإِن حلف برىء وَإِن نكل قضى عَلَيْهِ بِالْمَالِ دون الْقطع وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَأَما حُقُوق الله تَعَالَى إِذا تعلق بهَا حق آدَمِيّ معِين أَو غير معِين على الْفرق بَين الزَّكَاة وَغَيرهَا مثل أَن يدعى على من يطْلب ولَايَة المَال أَو النِّكَاح أَو الْحَضَانَة أَنه فَاسق فينكر ذَلِك فَيحلف فَإِن مَضْمُون الْيَمين الْحلف على اسْتِحْقَاق الْولَايَة أَو على نفي مَا يَدْفَعهَا وَهُوَ بِمَنْزِلَة أَن يدعى على الحاضنة أَنَّهَا تزوجت فتنكر أَو تدعى على الْوَلِيّ أَن ثمَّ وليا أقرب مِنْهُ وَكَذَا لَو ادّعى الْقَرِيب الْإِرْث فَقيل إِنَّه رَقِيق فَهَل يحلف على نفي الرّقّ كَمَا يحلف لَو ادَّعَاهُ مُدع وَكَذَلِكَ لَو تعلق بِصَلَاتِهِ وصيامه حق الْغَيْر مثل تَعْلِيق طَلَاق أَو عتق بِهِ وَنَحْو ذَلِك فَهَل يحلف على فعل ذَلِك لَكِن

стр. 296

هَذَا الْحق الْمُتَعَلّق بِهِ لَيْسَ لَهُ وَلَاء عَلَيْهِ فَهُوَ أَمِين مَحْض بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الْحق لَهُ أَو عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إِذا ادّعى الْمَشْهُود عَلَيْهِ فسق الشَّاهِد مُفَسرًا أَو مُطلقًا فَهَل لَهُ أَن يحلفهُ على نفي ذَلِك السَّبَب أَو على نفي الْفسق وَكَذَلِكَ إِذا ادّعى فِي الشَّاهِد مَا يُوجب رد الشَّهَادَة من قرَابَة أَو عَدَاوَة أَو تبرع أَو صداقة ملاطفة على القَوْل بهَا وَأنكر الشَّاهِد ذَلِك فَهَل لَهُ أَن يحلف الشَّاهِد على نفي ذَلِك وَسَوَاء كَانَ الشَّاهِد مزكيا أَو جارحا لشاهد أَو وَال فَادّعى عَلَيْهِ تُهْمَة توجب رد التَّزْكِيَة وَالْجرْح أَو شَاهد بِغَيْر صفة الشَّاهِد والوالي وَلَا يُقَال الشَّاهِد لَا يحلف فَإِنَّمَا ذَلِك إِذا ثَبت مَا يُوجب قبُول شَهَادَته لَكِن يُقَال لَا بُد أَن يعلم الْحَاكِم مَا يقبل مَعَه فِي الظَّاهِر ثمَّ الشَّأْن فِي وجود الْمعَارض فِي الْبَاطِن أَو فَوَات بعض الشُّرُوط فِي الْبَاطِن وَإِن لم يحلف الشَّاهِد فَهَل يحلف الْمَشْهُود لَهُ بِأَنَّهُ لَا يعلم هَذَا القادح وَهَذَا مُتَوَجّه إِذا استحلفناه على مَا شهد بِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الَّتِي قضى بهَا عَليّ ﵁ وَابْن أبي ليلى وَالْيَمِين على حق الله الْمُتَعَلّق بهَا حق آدَمِيّ لَهَا أصل فِي الشَّرِيعَة وَهُوَ اللّعان فَإِن دَعْوَى الزِّنَا دَعْوَى مَا يُوجب الْحَد وَالْقِيَاس أَن لَا يَمِين فِيهَا لَكِن شرعت إِذا ادَّعَاهُ الزَّوْج لِأَن لَهُ حَقًا فِي ذَلِك وَهُوَ إِفْسَاد فرَاشه وإفساد الْعَارِية كَمَا أُقِيمَت يَمِينه مقَام شَهَادَة غَيره فِي دَرْء الْحَد عَنهُ وَهَكَذَا دَعْوَى السّرقَة لَا يحلفهُ على مَا يَنْفِي الْقطع لَكِن على مَا يَنْفِي اسْتِحْقَاق

стр. 297

المَال فَيَنْبَغِي أَن يحلف أَنه مَا أَخذ المَال لَا أَنه مَا سرق بِخِلَاف الْقصاص وحد الْقَذْف وَأما الْيَمين فِي الْمُحَاربَة فصل وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يُلَاحظ الْفرق بَين الْيَمين فِي نفس كَونه شَهَادَة وَفِي صفته مثل أَن يدعى الْمَشْهُود عَلَيْهِ أَن المَال للشَّاهِد أَو أَنه شريك وَأَنه جَار بِهَذِهِ الشَّهَادَة أَو دَافع بهَا فَإِن حَقِيقَة الْأَمر أَن يَقُول لَهُ لست بِشَاهِد بل خصم مُدع أَو مدعى عَلَيْهِ فَهُنَا يقوى تَحْلِيفه بِخِلَاف الدَّعْوَى فِي صفته وحاله بعد تَسْلِيم أَنه شَاهد مَحْض قَوْله ويستحلف الْمُنكر فِي كل حق لآدَمِيّ للْأَخْبَار الْمَشْهُورَة فِي ذَلِك وَكَلَامه يصدق على مَا إِذا علم صَاحب الْحق كذب الْحَالِف قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة إِسْحَاق بن مَنْصُور إِذا كَانَ يعلم أَن عِنْده مَالا لَا يُؤدى إِلَيْهِ حَقه فَإِن أحلفه أَرْجُو أَن لَا يَأْثَم قَالَ القَاضِي وَظَاهر هَذَا أَن لَهُ أَن يحلفهُ مَعَ علمه بكذبه وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا يدل على أَن تَحْلِيف البريء حرَام دون الظَّالِم وَقَالَ أَيْضا إِن هَذِه الرِّوَايَة تدل على الْجَوَاز

стр. 298

وَظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة أبي طَالب الْكَرَاهَة وَهِي مَكْتُوبَة فِي الْ فَصْل عقب مَسْأَلَة أَن أَدَاء الشَّهَادَة فرض عين وَقَالَ فِي رِوَايَة الْمَيْمُونِيّ فِي الْمُعسر يتْركهُ حَتَّى يوسر وَلَا يجوز أَن يحلف الْمُعسر أَن لَا حق لَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَنْوِي فِي الْحَال لأجل أَنه مُعسر نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة الْجَمَاعَة وَقَالَ عَن قَوْله تَعَالَى ٢ ٢٨٠ ﴿وَإِن كَانَ ذُو عسرة فنظرة إِلَى ميسرَة﴾ قَالَ إِنَّمَا نزلت هَذِه الْآيَة فِي الْأَنْصَار فصل قَالَ فِي المغنى وَإِن ادّعى على شَاهِدين أَنَّهُمَا شَهدا عَلَيْهِ بزور أحضرهما فَإِن اعترفا أغرمهما وَإِن أنكرا وللمدعي بَيِّنَة على إقرارهما بذلك فأقامها لزمهما ذَلِك وَإِن أنكرا لم يستحلفا لِأَن إحلافهما بطرق عَلَيْهِمَا الدَّعَاوَى

стр. 299

وَالشَّهَادَة والامتهان وَرُبمَا منع ذَلِك إِقَامَة الشَّهَادَة وَهَذَا قَول الشَّافِعِي وَلَا أعلم فِيهِ مُخَالفا انْتهى وَظَاهر كَلَامه فِي الْمُحَرر وَغَيره من الْأَصْحَاب أَنه يسْتَحْلف فِي هَذَا وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِالنّكُولِ لظَاهِر الْأَخْبَار وكسائر حُقُوق الْآدَمِيّ وإحلافهما لَيْسَ سَببا لتطرق الدَّعَاوَى عَلَيْهِمَا وَإِن كَانَ فَلَيْسَ هُوَ مَانِعا من الِاسْتِحْلَاف كَمَا أَنه لَيْسَ مَانِعا من إحضارهما مَعَ أَن فِيهِ امتهانا وَنَحْوه وَهُوَ سَبَب فِي تطرق الدَّعَاوَى وَسَيَأْتِي بعد قَوْله إِنَّه لَا يحل كتمان الشَّهَادَة أَنه هَل تصح الدَّعْوَى بِالشَّهَادَةِ فصل فَإِن كَانَ الْحق لآدَمِيّ معِين لم تسمع الشَّهَادَة فِيهِ إِلَّا بعد الدَّعْوَى ذكره فِي المغنى وَغَيره لِأَن الشَّهَادَة فِيهِ حق لآدَمِيّ فَلَا تستوفى إِلَّا بمطالبته وإذنه وَلِأَنَّهُ حجَّة على الدَّعْوَى وَدَلِيل لَهَا فَلَا يجوز تَقْدِيمهَا عَلَيْهَا انْتهى كَلَامه

стр. 300

وَقد قَالَ مهنا سَأَلت أَبَا عبد الله عَن رجل ادّعى على رجل ألف دِرْهَم فَأَقَامَ شَاهدا بِأَلف ثمَّ جَاءَ آخر فَشهد لَهُ بِأَلف وَخَمْسمِائة فَقَالَ تجوز شَهَادَتهم على الْألف وَذكره عَن شُرَيْح وَظَاهره أَنه لَا تسمع شَهَادَته فِي الزَّائِد لعدم دَعْوَاهُ وَقد ذكر الْأَصْحَاب أَن من كَانَت عِنْده شَهَادَة لآدَمِيّ لَا يعلمهَا لَهُ إِقَامَتهَا قبل إِعْلَامه بهَا لقَوْله ﵊ أَلا أنبئكم بِخَير الشُّهَدَاء الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قبل أَن يسْأَلهَا رَوَاهُ مُسلم وَلَا يسْتَلْزم هَذَا جَوَاز الشَّهَادَة قبل الدَّعْوَى وَذكر القَاضِي فِي التَّعْلِيق أَن الشُّهُود لَو شهدُوا بِحَق قبل دَعْوَى الْمُدعى قبلت شَهَادَتهم إِن شهدُوا بِمَا لَا يُعلمهُ صَاحب الْحق وَإِن شهدُوا بِمَا يُعلمهُ قبل أَن يَدعِيهِ لم تقبل وَفرق بَينه وَبَين الْيَمين أَنه لَو لم تسمع الشَّهَادَة أدّى إِلَى ضيَاع حَقه لِأَنَّهُ غير عَالم بِهِ فَيُطَالب بِهِ بِخِلَاف الْيَمين فَإِن الِامْتِنَاع من سماعهَا بعد حُضُوره لَا يُؤدى إِلَى إِسْقَاطهَا لِأَنَّهُ حق لَهُ وَهُوَ عَالم بِهِ وَلِأَن الشُّهُود إِذا علمُوا بِالْحَقِّ لَزِمَهُم إِقَامَة الشَّهَادَة لِأَن فِي الِامْتِنَاع كتمانها وَلَا يجوز أَن يلْزمهُم إِقَامَتهَا وَلَا تسميعها للْحَاكِم

стр. 301

قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بعد ذكر كَلَام القَاضِي هَذَا وَهَذَا الَّذِي قَالَه القَاضِي من صِحَة الشَّهَادَة قبل الدَّعْوَى غَرِيب انْتهى كَلَامه وَذكر القَاضِي فِي مَسْأَلَة شَهَادَة الْمَرْأَة الْوَاحِدَة أَن الشَّهَادَة يعْتَبر فِيهَا لفظ الشَّهَادَة وَتقدم الدَّعْوَى بِخِلَاف الرِّوَايَة مِمَّا يدل على أَنه مَحل وفَاق وَذكر أَيْضا فِي مَسْأَلَة الشَّاهِد وَالْيَمِين إِذا رَجَعَ الشَّاهِد أَن الْيَمين لَا تصح حَتَّى يطْلب الْمُدعى إحلافه وَتَصِح الشَّهَادَة من غير سُؤال جعله مَحل وفَاق مَعَ الشَّافِعِيَّة قَالَ وَإِنَّمَا افْتَرقَا من هَذَا الْوَجْه لِأَن الْيَمين حق للْمُدَّعى فَلَا تستوفى من غير مُطَالبَة وَالشَّهَادَة وَإِن كَانَت حَقًا لَهُ فقد لَا يعلم بهَا الْمُدعى فَيلْزم الشَّاهِد إِقَامَتهَا وعَلى هَذَا الْمَعْنى حَدِيث زيد بن ثَابت أَلا أخْبركُم بِخَير الشُّهَدَاء الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ أَو يخبر بِشَهَادَتِهِ قبل أَن يسْأَلهَا وروى يخبر بِشَهَادَتِهِ وَلَا يعلم

стр. 302

بهَا الَّتِي هِيَ لَهُ وَذكر أَن الْيَمين لَا تصح حَتَّى يعرضهَا الْحَاكِم وَيَأْذَن فِيهَا وَتَصِح الشَّهَادَة من غير عرض الْحَاكِم وإذنه ذكره مَحل وفَاق قَالَ وَإِنَّمَا افْتَرقَا من هَذَا الْوَجْه لِأَن الْحَاكِم يستحلفه على نِيَّته ليمنعه من التَّأْوِيل فَإِذا حلف قبل أَن يستحلفه عدم هَذَا الْمَعْنى وَهَذَا مَعْدُوم فِي الشُّهُود فَلهَذَا لم يعْتَبر عرض الْحَاكِم عَلَيْهِم وَلِأَن فِي ترك الِاعْتِدَاد بِيَمِينِهِ قبل عرض الْحَاكِم ضربا من التَّغْلِيظ انْتهى كَلَامه وَقَالَ فِي المغنى فِي الشَّهَادَات فِي فصل إِذا شهد رجلَانِ على رجلَيْنِ أَنَّهُمَا قتلا رجلا ثمَّ شهد الْمَشْهُود عَلَيْهِمَا على الْأَوَّلين أَنَّهُمَا اللَّذَان قتلا قَالَ فَإِن قيل فَكيف يتَصَوَّر فرض تصديقهم وتكذيبهم قُلْنَا يتَصَوَّر أَن يشهدَا قبل الدَّعْوَى إِذا لم يعلم الْوَلِيّ من قَتله وَلِهَذَا روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ خير الشُّهَدَاء الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قبل أَن يسْأَلهَا وَهَذَا معنى ذَلِك انْتهى كَلَامه

стр. 303

وَذكر أَبُو الْخطاب فِي الِانْتِصَار مثل هَذ فِي قبُول شَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال وَقَالَ فِي الْكَافِي فِي أول بَاب اخْتِلَاف الشُّهُود إِذا ادّعى أَلفَيْنِ على رجل فَشهد شَاهد بهَا وَشهد لَهُ آخر بِأَلف ثَبت الْألف بِشَهَادَتِهِمَا لاتِّفَاقهمَا وَيحلف مَعَ شَاهده على الْألف الْأُخْرَى لِأَن لَهُ بِهِ شَاهدا وَسَوَاء شهِدت الْبَيِّنَة بِإِقْرَار الْخصم أَو بِثُبُوت الْحق عَلَيْهِ وَسَوَاء ادّعى ألفا أَو أقل مِنْهُ لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون لَهُ الْحق فيدعى بعضه وَيجوز أَن لَا يعلم أَن لَهُ من يشْهد بِجَمِيعِهِ انْتهى كَلَامه

стр. 304

فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا الْمَنْع إِلَّا بعد الدَّعْوَى وَالثَّانِي الْجَوَاز إِذا لم يعلم صَاحبه وَيَنْبَغِي على هَذَا أَن يصدق صَاحبه فِي عدم الْعلم إِذا لم تخَالفه قرينَة وَالثَّالِث يجوز ضمنا وتبعا لَا اسْتِقْلَالا كَمَا فِي الدَّعْوَى للْغَيْر وَعَلِيهِ تبعا وَسَتَأْتِي هَذِه الْمَسْأَلَة بعد مَسْأَلَة وَإِذا قَالَ من لَهُ بَيِّنَة بِأَلف أُرِيد أَن تشهد لي بِخَمْسِمِائَة ثمَّ هَل يعْتَبر أَن يكون ثمَّ عَلَيْهِ وَقد ذكر الْأَصْحَاب أَن الْحَاكِم يسمع الْبَيِّنَة على الْوكَالَة من غير حُضُور خصم وَكَذَا عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَظَاهره أَنه لَو ادّعى على شخص أَنه وَكله سمع الْحَاكِم دَعْوَاهُ وبينته وَأثبت ذَلِك من غير نصب خصم لِأَن الْمَقْصُود هُنَا الْفَصْل وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَإِذا كَانَ الْحق مُؤَبَّدًا كالوقف وَغَيره وَيخَاف إِن لم يحفظ بِالْبَيِّنَاتِ أَن ينسى شَرطه أَو يجْحَد وَلَا بَيِّنَة وَنَحْو ذَلِك فَهُنَا فِي سَماع الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة من غير خصم حفظ الْحق الْمَوْجُود عَن خصم مُقَدّر وَهَذَا أحد مقصودي الْقَضَاء فَلذَلِك يسمع طوائف من الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة والحنابلة

стр. 305

فَعنده لَيْسَ للْقَضَاء فَائِدَة إِلَّا فصل الْخُصُومَة وَلَا خُصُومَة فَلَا قَضَاء فَلذَلِك لَا تسمع الْبَيِّنَة إِلَّا فِي وَجه مدعى عَلَيْهِ لتظهر الْخُصُومَة وَمن قَالَ بالخصم المسخر فَإِنَّهُ ينصب الشَّرّ ثمَّ يقطعهُ وَمن قَالَ يسمع فَإِنَّهُ يحفظ الْحق الْمَوْجُود ويذر الشَّرّ الْمَفْقُود وَقَالَ أَيْضا وَتارَة تكون الدَّعْوَى خَبرا لَيْسَ مَعهَا طلب أجل كالادعاء بدين مُؤَجل انْتهى كَلَامه وَقَالَ أَيْضا وَمن الدَّعَاوَى مَا يكون على غير مدعى عَلَيْهِ مَوْجُود مثل رجل ابْتَاعَ شَيْئا وتسلمه فيدعى أَنه ابْتَاعَ وتسلم أَو يَدعِي أَن الْمَكَان الَّذِي بِيَدِهِ وقف على كَذَا وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا ضمونه دَعْوَى تثبت لَا دَعْوَى حكم فَإِن الطَّالِب إِمَّا أَن يطْلب إِقْرَارا أَو إِعْطَاء وَطلب الْإِقْرَار مَقْصُوده هُوَ الإعطا فَإِذا طلب إِقْرَارا من معِين لأ طلب مَعَه فَطلب من الْحَاكِم تثبتا بِأَن يسمع الشَّهَادَة

стр. 306

أَو الْإِقْرَار فَهَذَا نوع وَاسع لما احْتَاجَ إِلَيْهِ النَّاس أَحْدَثُوا الْخصم المسخر وَالدَّعْوَى المسخرة وَهُوَ بَاطِل وتلاعب بالشريعة وَهُوَ مَوْقُوف على سَماع الدَّعْوَى الْمُقْتَضِيَة للثبوت فَقَط لَا الحكم فَائِدَته بَقَاء الْحجَّة إِن حدث مُنَازع وَكَأَنَّهُ دَعْوَى على خصم مظنون الْوُجُود أَو خصم مُقَدّر وَهَذَا قد يدْخل فِي كتاب القَاضِي وَفَائِدَته كفائدة الشَّهَادَة على الشَّهَادَة وَهُوَ مثل كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي إِذا كَانَ فِيهِ ثُبُوت مَحْض فَإِنَّهُ هُنَاكَ يكون مُدع فَقَط من غير مدعى عَلَيْهِ حَاضر لَكِن هُنَا لَا مدعي عَلَيْهِ حَاضر وَلَا غَائِب لَكِن الْمُدَّعِي عَلَيْهِ مخوف فَإِنَّمَا الْمُدعى يطْلب من القَاضِي سَماع الْبَيِّنَة أَو الْإِقْرَار كَمَا يسمع ذَلِك شُهُود الْفَرْع فَيَقُول القَاضِي ثَبت ذَلِك عِنْدِي بِلَا مدعى عَلَيْهِ وَهَذَا لَيْسَ بِبَعِيد وَقد ذكره قوم من الْفُقَهَاء وَفعله طَائِفَة من الْقُضَاة انْتهى كَلَامه وَبنى القَاضِي وَالْأَصْحَاب سَماع الْبَيِّنَة بِالْوكَالَةِ على الْقَضَاء على الْغَائِب وَهُوَ جَائِز عِنْد أبي حنيفَة وَرِوَايَة لنا

стр. 307

قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بِنَاء هَذِه الْمَسْأَلَة على الْقَضَاء على الْغَائِب فِيهِ نظر من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه يخرج فِيهَا رِوَايَتَانِ الثَّانِي أَن الْخصم الْحَاضِر فِي الْبَلَد لَا يجوز الْقَضَاء عَلَيْهِ إِذا لم يمْتَنع وَهنا يثبتون الْوكَالَة وَإِن كَانَ الْخصم حَاضرا فِي الْبَلَد فَلَيْسَ هَذَا من هَذَا بل الأجود أَن يُقَال الْوكَالَة لَا تثبت حَقًا وَإِنَّمَا تثبت اسْتِيفَاء حق وإبقاءه وَذَلِكَ مِمَّا لَا حق للْمُدَّعى عَلَيْهِ فِيهِ فَإِنَّهُ سيان عَلَيْهِ دفع الْحق إِلَى هَذَا الْوَكِيل أَو إِلَى غَيره وَلِهَذَا لم يشْتَرط فِيهَا رِضَاهُ وَأَبُو حنيفَة يَجْعَل للْمُوكل عَلَيْهِ فِيهَا حَقًا وَلِهَذَا لَا يجوز الْوكَالَة بِالْخُصُومَةِ إِلَّا برضى الْخصم لَكِن طرد هَذِه الْعلَّة أَن الْحِوَالَة بِالْحَقِّ أَيْضا تثبت من غير حُضُور الْمحَال عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يعْتَبر رِضَاهُ وَكَذَلِكَ الْوَفَاة وَعدد الْوَرَثَة يثبت من غير حُضُور الْمَدِين وَالْمُودع وَكَذَلِكَ لَو ادّعى أَنه ابْتَاعَ دَار

стр. 308

زيد الْغَائِب فَلهُ أَن يثبت ذَلِك من غير حُضُور من الدَّار فِي يَده وَحَاصِله أَن كل من عَلَيْهِ دين لَو عِنْده عين إِذا لم نعتبر رِضَاهُ فِي إقباضها أَو إخْرَاجهَا عَن ملكه لَا يعْتَبر حُضُوره فِي ثُبُوتهَا وعَلى هَذَا فَيجوز أَن تثبت الْوكَالَة بِعلم القَاضِي كَمَا تثبت الشَّهَادَة وتوكيل عَليّ بن أبي طَالب لعبد الله بن جَعْفَر كالدليل على ذَلِك فَإِنَّهُ أعلم الْخُلَفَاء أَنه وَكله وَلم يشْهد على ذَلِك وَلَا أثبتها فِي وَجه خصم وَهَذَا كُله فِي غيبَة الْمُوكل عَلَيْهِ فَأَما الْمُوكل إِذا كَانَ حَاضرا فِي الْبَلَد فَلَا ريب أَن رِضَاهُ مُعْتَبر فِي الْوكَالَة وَقد يكون عَلَيْهِ ضَرَر فِي ثُبُوتهَا فَإِن اشْترط حُضُوره تعذر إِثْبَاتهَا بِالْبَيِّنَةِ لِأَن جحوده عزل فِي أحد الْوَجْهَيْنِ فَهُنَا قد يُقَال لَيْسَ فِي هَذَا قَضَاء عَلَيْهِ بل هُوَ لَهُ من وَجه آخر فَإِن التَّوْكِيل مثل الْولَايَة بِالشَّهَادَةِ على الْمولى مَعَ حُضُوره فِي الْبَلَد وَمن هَذَا كتاب الْحَاكِم إِلَى الْحَاكِم فِيمَا حكم بِهِ انْتهى كَلَامه

стр. 309

وَقَالَ ابْن حمدَان تسمع الدَّعْوَى بدين مُؤَجل لإثباته إِذا خَافَ سفر الشُّهُود أَو الْمَدْيُون مُدَّة تغير أَجله وَقيل لَا تسمع حَتَّى يبين بَاقِيهَا وَذكر أَيْضا أَنه تسمع دَعْوَى التَّدْبِير ثمَّ قَالَ من عِنْده إِن قُلْنَا إِنَّه عتق بِصفة قَالَ غَيره تسمع الدَّعْوَى لِأَنَّهُ يَدعِي اسْتِحْقَاق الْعتْق وَيحْتَمل أَن تصح الدَّعْوَى لِأَن السَّيِّد إِذا أنكر كَانَ بِمَنْزِلَة إِنْكَار الْوَصِيَّة وإنكار الْوَصِيَّة رُجُوع عَنْهَا فِي أحد الْوَجْهَيْنِ فَيكون إِنْكَار التَّدْبِير رُجُوعا عَنهُ وَالرُّجُوع عَنهُ يُبطلهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالصَّحِيح أَن الدَّعْوَى صَحِيحَة لِأَن الرُّجُوع عَن التَّدْبِير لَا يُبطلهُ فِي الصَّحِيح من الْمَذْهَب وَلَو أبْطلهُ فَمَا ثَبت كَون الْإِنْكَار رُجُوعا وَلَو ثَبت ذَلِك فَلَا يتَعَيَّن الْإِنْكَار جَوَابا للدعوى فَإِنَّهُ يجوز أَن يقر وَقد عرف من هَذِه الْمَسْأَلَة إِثْبَات الْوكَالَة فِي وَجه الْمُوكل وَيُشبه هَذَا إِثْبَات الْوَصِيَّة

стр. 310

قَالَ الْخلال بَاب الرجل يزْعم أَنه وكل وَالْمُوكل غَائِب قَالَ مهنا سَأَلت الإِمَام أَحْمد عَن رجل أَقَامَ بَيِّنَة أَنه وَكيل لرجل وَالَّذِي يدعى وكَالَته فِي بَلْدَة أُخْرَى قَالَ تثبت عِنْد الْحَاكِم فَقلت لَهُ لَا بُد أَن يثبت وكَالَته عِنْد الْحَاكِم قَالَ نعم حَتَّى يسْأَل الْحَاكِم عَن بَينته إِن كَانُوا عُدُولًا وَقَالَ الْجوزجَاني سُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن رجل ادّعى وكَالَة رجل غَائِب قَالَ إِذا ثَبت ذَلِك عِنْد الْحَاكِم فَهُوَ جَائِز قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي هَذِه الْمَسْأَلَة ثُبُوت الْوكَالَة وَسَمَاع الْبَيِّنَة بِمُجَرَّد دَعْوَى الْمُدعى للوكالة من غير حُضُور مدعى عَلَيْهِ فَكَذَلِك الْوَصِيَّة لِأَن الْحَاضِرين الَّذِي تقبض الْأَمْوَال مِنْهُم وتخاصمهم لَيْسُوا خصوما لذَلِك فِي وَصيته وَإِنَّمَا هم خصوم فِي الْمُوكل بِهِ وَالْمُوكل الَّذِي يَسْتَوْفِي هَذَا على مَاله غَائِب وَالْوكَالَة لَيست قَضَاء عَلَيْهِ بل قَضَاء لَهُ وَعَلِيهِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَة لَيست قَضَاء على الْغَائِب بل قَضَاء عَلَيْهِ وَله انْتهى كَلَامه وَقَالَ ابْن عقيل فِي الشَّهَادَات وَإِن كَانَت الدَّعْوَى على الْمَيِّت لَيست مَالا

стр. 311

لَكِن أسبابا تؤول إِلَى إِيجَاب المَال مثل أَن ادّعى مُدع أَن أَبَاكُم ضرب عَبدِي هَذَا بِغَيْر حق وَهُوَ على ضَرُورَة من ضربه أَخَاف مَوته أَو أجج نَارا فِي ملكه مَعَ هَذِه الرّيح وَفِي زرع بِقرب ضيعته وأخاف تعدى النَّار إِلَى ضيعتي احْتمل أَن لَا يلْزمهُم الْجَواب لِأَنَّهُ لم يتَحَقَّق دَعوَاهُم حَتَّى يُوجب غَرَامَة مَال وَلَهَب فِي خَاص الْملك لَا يُوجب غَرَامَة فَإِن مَاتَ العَبْد وَاحْتَرَقَ الزَّرْع سَمِعت الدَّعْوَى وَوَجَب الْجَواب لتحَقّق دَعْوَى مَا يُوجب الضَّمَان وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَيْضا فِي تَعْلِيق آخر الدَّعَاوَى قَالَ لما امْتنع أَصْحَاب أبي حنيفَة من سَماع الْبَيِّنَة من غير الْمُدعى عَلَيْهِ رتبوا نصب خصم لَا يسْتَغْنى بِهِ عَن حُضُور الْمُدعى عَلَيْهِ من تَوْكِيل الْمَدِين وَالْوَصِيَّة إِلَيْهِ وَمَا يصنعه الْوَكِيل وَالْحَاكِم لاشتراطهم مجْلِس الحكم مَعَ الْحَاكِم إِيَّاه فَأَما وصف مَا رتبوه فَإِنَّهُم كتبُوا تَوْكِيل الْمقر للْمَدِين وَرُبمَا جعلُوا التَّوْكِيل لَهُ ولابنه أَو لَهُ وَلآخر

стр. 312

مَعَه وَالْوَصِيَّة إِلَيْهِمَا استظهارا ليَكُون إِن مَاتَ أَحدهمَا قبل أَن يثبت الْكسْب يكون الآخر بَاقِيا وَإِذا أشهد الْمقر على نَفسه فِي كتاب الْإِقْرَار سفها فصل أطلق فِي الْمُحَرر وَغَيره أَنه لَا تقبل شَهَادَة من فعل شَيْئا من ذَلِك وَقيد جمَاعَة ذَلِك بَعضهم صَرِيحًا وَبَعْضهمْ ظَاهرا بِتَكَرُّر ذَلِك والإكثار مِنْهُ وإدمانه لِأَن صَغِير الْمعاصِي لَا يمْنَع الشَّهَادَة إِذا قل فَهَذَا أولى وَلِأَن الْمُرُوءَة

стр. 313

لَا تختل بِقَلِيل هَذَا مَا لم يكن عَادَة وَزَاد فِي المغنى فَقَالَ وَمن فعل شَيْئا من هَذَا مختفيا بِهِ لم يمْنَع من قبُول شَهَادَته لِأَن مروءته لَا تسْقط بِهِ وَفِي كَلَام غَيره إِذا تساتر بِهَذَا وَظَاهر كَلَام جمَاعَة خِلَافه أَو صَرِيحَة قَالَ بَعضهم وَمن غشيه المغنون أَو غشي بيُوت الْغناء للسماع متظاهرا بِهِ وَكثر ذَلِك مِنْهُ ردَّتْ شَهَادَته وَإِن استتر بِهِ وَأكْثر مِنْهُ ردهَا من حرمه أَو كرهه وَقيل أَو أَبَاحَهُ لِأَنَّهُ سفه ودناءة تسْقط الْمُرُوءَة وَقَالَ فِي المغنى من اتخذ الْغناء صَنْعَة يُؤْتى إِلَيْهِ وَيَأْتِي لَهُ أَو اتخذ غُلَاما أَو جَارِيَة مغنيين يجمع عَلَيْهِمَا النَّاس فَلَا شَهَادَة لَهُ لِأَن هَذَا عِنْد من لم يحرمه سفه ودناءة وَسُقُوط مُرُوءَة وَمن حرمه فَهُوَ مَعَ سفهه عَاص مصر متظاهر بِفِسْقِهِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي وَأَصْحَاب الرَّأْي وَإِن كَانَ لَا ينْسب نَفسه إِلَى الْغناء وَإِنَّمَا يترنم لنَفسِهِ وَلَا يُغني للنَّاس أَو كَانَ غُلَامه وجاريته إِنَّمَا يغنيان لَهُ انبني هَذَا على الْخلاف فِيهِ فَمن أَبَاحَهُ أَو

стр. 314

كرهه لم ترد شَهَادَته وَمن حرمه قَالَ إِن دوَام عَلَيْهِ ردَّتْ شَهَادَته كَسَائِر الصَّغَائِر وَإِن لم يداوم عَلَيْهِ لم ترد شَهَادَته وَإِن فعله من يعْتَقد حلّه فَقِيَاس الْمَذْهَب أَن لَا ترد شَهَادَته بِمَا لَا يشْتَهر بِهِ مِنْهُ كَسَائِر الْمُخْتَلف فِيهِ من الْفُرُوع وَمن كَانَ يغشى بيُوت الْغناء أَو يَغْشَاهُ المغنون للسماع متظاهرا بذلك وَكثر مِنْهُ ردَّتْ شَهَادَته فِي قَوْلهم جَمِيعًا لِأَنَّهُ سفه ودناءة قَالَ ابْن عقيل فَإِن قُلْنَا إِنَّه يحرم على الرِّوَايَة الْأُخْرَى ردَّتْ شَهَادَته وَلَو بدفعة وَاحِدَة قَالَ فِي المغنى وَإِن كَانَ مستترا بِهِ فَهُوَ كالمغنى لنَفسِهِ على مَا ذكر من التَّفْصِيل انْتهى كَلَامه فَظهر أَن الْمُسْتَتر بِأحد هَذِه الْأَشْيَاء هَل ترد شَهَادَته فِيهِ خلاف فِي الْمَذْهَب فِي الْمُسْتَتر بِالْغنَاءِ إِن قُلْنَا بِتَحْرِيمِهِ لم ترد شَهَادَته مرّة وَاحِدَة فِي الْمَشْهُور

стр. 315

وَإِن قُلْنَا بِعَدَمِ تَحْرِيمه فَهَل ترد أم لَا أم إِن قُلْنَا بكراهته ردَّتْ وَإِن قُلْنَا بإباحته لم ترد فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال وَالْقَوْل الْمُفْتى بِهِ فصل إِذا قصد تَعْلِيم الْحمام حمل الْكتب مِمَّا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ أَو استفراخها أَو الْأنس بأصواتها من غير أَذَى جَازَ وَقد روى عَن عبَادَة أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ فَشكى اليه الوحشة فَقَالَ اتخذ زوجا من حمام وَإِن قصد الْمُرَاهنَة أَو أَخذ حمام غَيره وَنَحْوه حرم وَإِن كَانَ عَبَثا وَلَعِبًا فَهُوَ دناءة وسفه

стр. 316

قَالَ الإِمَام أَحْمد من لعب بالحمام الطيارة يراهن عَلَيْهَا أَو يسرحها من الْمَوَاضِع لعبا وَفِي لفظ أَو يسيرها فِي الْمزَارِع فَلَا يكون هَذَا عدلا لِأَن النَّبِي ﷺ رأى رجلا يسرح حَماما ثمَّ أتبعه بَصَره فَقَالَ شَيْطَان يتبع شَيْطَانَة وَهَذَا الحَدِيث فِي السّنَن فصل قد تقدم أَن اللّعب إِذا لم يتَضَمَّن ضَرَرا وَلَا شغلا عَن فرض وَلَيْسَ فِيهِ دناءة لَا ترد بِهِ الشَّهَادَة

стр. 317

قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قَول النَّبِي ﷺ كل لَهو يلهو بِهِ فَهُوَ بَاطِل إِلَّا رمية بقوس وتأديب فرسه وملاعبته امْرَأَته فَإِنَّهُنَّ من الْحق يدل فِي معني الثَّلَاثَة مَا كَانَ من جنسهن فَإِن ملاعبة السّريَّة كملاعبة الْمَرْأَة سَوَاء وَأما تَأْدِيب الْفرس فقريب مِنْهُ تَأْدِيب الْبَعِير لِأَن كِلَاهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الإيجاف والسباق وَلِهَذَا أسْهم للبعير فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِذا كَانَ لِلْقِتَالِ لَا للحمولة فَقَط كَمَا كَانَت زمن بدر فَأَما تَأْدِيب الحمولة من البغال وَالْحمير وَالْإِبِل فَهَل لَهَا نصيب من تَأْدِيب الموجفة فِي الْقِتَال وَكَذَلِكَ رميه بقوسه فِي مَعْنَاهُ عمله برمحه وسيفه فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 318

أقرّ الْحَبَشَة فِي الْمَسْجِد يَوْم الْعِيد على اللّعب بالحراب وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي الْعَمَل بِالرُّمْحِ والقوس إِنَّه أفضل من الصَّلَاة فِي الثغر وَأما فِي غير الثغر فسوى بَينهمَا وَلِأَنَّهُ قَالَ ٨ ٦٠ ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة﴾ يتَنَاوَل كلما يُسْتَطَاع من الْقُوَّة فَيدْخل فِيهِ مَا يرْمى بِهِ وَمَا يضْرب بِهِ وَمَا يطعن بِهِ سَوَاء كَانَ المرمى بِهِ سَهْما أَو حَرْبَة وَسَوَاء كَانَ السهْم مُنْفَردا أَو جَارِيا فِي مجري وَسَوَاء كَانَ يُؤثر بِالْيَدِ أَو بِالرجلِ الَّذِي يُسمى الجرخ وَكَذَلِكَ الْمَضْرُوب بِهِ يدْخل فِيهِ مَا يقتل بحده كالسيف والخنجر والسكين وَمَا يقتل بثقله كاللت وَمَا يقتل بهما كالدبوس فَأَما قَوْله ﷺ أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي فقد أَرَادَ بِهِ الْقُوَّة الْكَامِلَة وَهَذَا كثيرا مَا يكون لحصر الْكَمَال لَا لحصر أصل الأسم كَقَوْلِه تَعَالَى ٣٠ ١٥ ﴿قل إِن الخاسرين الَّذين خسروا أنفسهم وأهليهم يَوْم الْقِيَامَة أَلا ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين﴾ وَقَوله ﷺ وَلَكِن الْمِسْكِين الَّذِي لَا يجد غناء يُغْنِيه وَنَحْو ذَلِك وَذَلِكَ لِأَن الرمى يُصِيب الْعَدو الْبعيد مَعَ الْحَائِل من نهر وَنَحْوه وَيدْفَع الْعَدو عَن الْإِقْدَام فَفِيهِ ثَلَاثَة فَوَائِد لَا تُوجد فِي غَيره من السِّلَاح انْتهى كَلَامه

стр. 319

قَوْله وَلَا تقبل شَهَادَة الْقَاذِف حَتَّى يَتُوب سَوَاء حد أَو لم يحد أطلق جمَاعَة من الْأَصْحَاب أَن شَهَادَة الْقَاذِف لَا تقبل مِنْهُم الشَّيْخ فِي الْكَافِي وقاسه على الزِّنَا وَقَالَ فِي المغنى وَعِنْدنَا تسْقط شَهَادَته بِالْقَذْفِ إِذا لم يحققه وَعند أبي حنيفَة وَمَالك لَا تسْقط إِلَّا بِالْجلدِ ثمَّ احْتج بِالْآيَةِ وَقَالَ رتب على رمي الْمُحْصنَات ثَلَاثَة أَشْيَاء إِيجَاب الْجلد ورد الشَّهَادَة وَالْفِسْق فَيجب أَن يثبت رد الشَّهَادَة بِوُجُود الرَّمْي الَّذِي لَا يُمكنهُ تَحْقِيقه بِالْجلدِ وَلِأَن الرَّمْي هُوَ الْمعْصِيَة والذنب الَّذِي يسْتَحق بِهِ الْعقُوبَة وَتثبت بِهِ الْمعْصِيَة الْمُوجبَة لرد شَهَادَته وَالْحَد كَفَّارَة وتطهير فَلَا يجوز تَعْلِيق رد الشَّهَادَة بِهِ وَإِنَّمَا الْجلد ورد الشَّهَادَة حكمان للقذف فيثبتان جَمِيعًا بِهِ وتخلف اسْتِيفَاء أَحدهمَا لَا يمْنَع ثُبُوت الآخر وَقَوْلهمْ إِنَّمَا يتَحَقَّق بِالْجلدِ لَا يَصح لِأَن الْجلد حكم الْقَذْف الَّذِي تعذر تَحْقِيقه فَلَا يسْتَوْفى قبل تحقق الْقَذْف وَكَيف يجوز أَن يسْتَوْفى قبل تحقق الْقَذْف وَكَيف يجوز أَن يسْتَوْفى حَتَّى قبل تحقق سَببه وَيصير مُسْتَحقّا بعده هَذَا بَاطِل انْتهى كَلَامه وَقَالَت الْحَنَفِيَّة الزَّانِي وَنَحْوه يفسق بِنَفس الْفِعْل الْمُوجب للحد والقاذف لَا يفسق بِنَفس الْقَذْف لجَوَاز أَن يكون صَادِقا

стр. 320

وَقَالَ القَاضِي إِذا عجز عَن تَصْدِيق نَفسه بِإِقَامَة الْبَيِّنَة صَار فَاسِقًا وَسَقَطت شَهَادَته وَقَوْلهمْ يجوز أَن يكون صَادِقا فِي قذفه غير صَحِيح لِأَنَّهُ إِذا عجز عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة حكمنَا بكذبه أَلا ترى أَنه يُوجب الْحَد عَلَيْهِ وَلَا يجوز أَن نوجب الْحَد عَلَيْهِ وَلم نحكم بكذبه قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عَن كَلَام القَاضِي هَذَا وَهَذَا الْكَلَام يَقْتَضِي أَنه يفسق حِين يجب عَلَيْهِ الْحَد وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي مُطَالبَة الْمَقْذُوف وَقَالَت الْحَنَفِيَّة الْحَاكِم لَو شَاهد رجلا يَزْنِي أَو يسرق يحكم بِفِسْقِهِ وَلم يقبل شَهَادَته وَلَو رَآهُ يقذف لم يحكم بِفِسْقِهِ لجَوَاز كَونه صَادِقا قَالَ القَاضِي إِذا عجز عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة حكم بِفِسْقِهِ وَقَالَ أَبُو الْخطاب فِي الِانْتِصَار وَلَا فرق بَينهمَا وَلِأَنَّهُ لم يذكر شَهَادَته بِصُورَة الزِّنَا وَالسَّرِقَة لجَوَاز الشُّبْهَة فَإِن انْكَشَفَ لَهُ الْحَال بِأَنَّهُ زنى بِانْتِفَاء الشُّبْهَة رد حِينَئِذٍ كالقذف سَوَاء إِذا عجز عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة على صدقه وشهادته وَحكم بِفِسْقِهِ وَحده وَلَا فرق بَينهمَا وَقَالَ القَاضِي بعد ذَلِك لَا يحكم بكذبه بِنَفس الْقَذْف وَإِنَّمَا يحكم بِالْقَذْفِ وَالْعجز عَن تَصْدِيقه بِالْبَيِّنَةِ وَذَلِكَ مُتَأَخّر عَن حَال الْقَذْف بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ٢٤ ١٣ ﴿فَإذْ لم يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِك عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ﴾ فَحكم بكذبهم بِالْعَجزِ عَن الإيتاء بِالشَّهَادَةِ ثمَّ قَالَ فَإِن قيل فَيجب أَن تقبل شَهَادَته قبل عَجزه عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة لِأَنَّهُ لم يحكم بكذبه قيل إِنَّمَا لم تقبل شَهَادَته قبل ذَلِك لِأَن الْقَذْف سَبَب فِي الْقدح فِي الْعَدَالَة فأكسب ذَلِك شُبْهَة فِي قبُولهَا كطعن الْخصم فِي الشُّهُود
следующие страницы →