Полный текст (570 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
قَالَ الإِمَام أَحْمد من لعب بالحمام الطيارة يراهن عَلَيْهَا أَو يسرحها من الْمَوَاضِع لعبا وَفِي لفظ أَو يسيرها فِي الْمزَارِع فَلَا يكون هَذَا عدلا لِأَن النَّبِي ﷺ رأى رجلا يسرح حَماما ثمَّ أتبعه بَصَره فَقَالَ
شَيْطَان يتبع شَيْطَانَة وَهَذَا الحَدِيث فِي السّنَن
فصل
قد تقدم أَن اللّعب إِذا لم يتَضَمَّن ضَرَرا وَلَا شغلا عَن فرض وَلَيْسَ فِيهِ دناءة لَا ترد بِهِ الشَّهَادَة
стр. 317
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قَول النَّبِي ﷺ
كل لَهو يلهو بِهِ فَهُوَ بَاطِل إِلَّا رمية بقوس وتأديب فرسه وملاعبته امْرَأَته فَإِنَّهُنَّ من الْحق يدل فِي معني الثَّلَاثَة مَا كَانَ من جنسهن فَإِن ملاعبة السّريَّة كملاعبة الْمَرْأَة سَوَاء
وَأما تَأْدِيب الْفرس فقريب مِنْهُ تَأْدِيب الْبَعِير لِأَن كِلَاهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الإيجاف والسباق وَلِهَذَا أسْهم للبعير فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِذا كَانَ لِلْقِتَالِ لَا للحمولة فَقَط كَمَا كَانَت زمن بدر
فَأَما تَأْدِيب الحمولة من البغال وَالْحمير وَالْإِبِل فَهَل لَهَا نصيب من تَأْدِيب الموجفة فِي الْقِتَال
وَكَذَلِكَ رميه بقوسه فِي مَعْنَاهُ عمله برمحه وسيفه فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 318
أقرّ الْحَبَشَة فِي الْمَسْجِد يَوْم الْعِيد على اللّعب بالحراب وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي الْعَمَل بِالرُّمْحِ والقوس إِنَّه أفضل من الصَّلَاة فِي الثغر وَأما فِي غير الثغر فسوى بَينهمَا وَلِأَنَّهُ قَالَ ٨ ٦٠ ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة﴾ يتَنَاوَل كلما يُسْتَطَاع من الْقُوَّة فَيدْخل فِيهِ مَا يرْمى بِهِ وَمَا يضْرب بِهِ وَمَا يطعن بِهِ سَوَاء كَانَ المرمى بِهِ سَهْما أَو حَرْبَة وَسَوَاء كَانَ السهْم مُنْفَردا أَو جَارِيا فِي مجري وَسَوَاء كَانَ يُؤثر بِالْيَدِ أَو بِالرجلِ الَّذِي يُسمى الجرخ
وَكَذَلِكَ الْمَضْرُوب بِهِ يدْخل فِيهِ مَا يقتل بحده كالسيف والخنجر والسكين وَمَا يقتل بثقله كاللت وَمَا يقتل بهما كالدبوس فَأَما قَوْله ﷺ
أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي فقد أَرَادَ بِهِ الْقُوَّة الْكَامِلَة وَهَذَا كثيرا مَا يكون لحصر الْكَمَال لَا لحصر أصل الأسم كَقَوْلِه تَعَالَى ٣٠ ١٥ ﴿قل إِن الخاسرين الَّذين خسروا أنفسهم وأهليهم يَوْم الْقِيَامَة أَلا ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين﴾ وَقَوله ﷺ
وَلَكِن الْمِسْكِين الَّذِي لَا يجد غناء يُغْنِيه وَنَحْو ذَلِك وَذَلِكَ لِأَن الرمى يُصِيب الْعَدو الْبعيد مَعَ الْحَائِل من نهر وَنَحْوه وَيدْفَع الْعَدو عَن الْإِقْدَام فَفِيهِ ثَلَاثَة فَوَائِد لَا تُوجد فِي غَيره من السِّلَاح انْتهى كَلَامه
стр. 319
قَوْله وَلَا تقبل شَهَادَة الْقَاذِف حَتَّى يَتُوب سَوَاء حد أَو لم يحد
أطلق جمَاعَة من الْأَصْحَاب أَن شَهَادَة الْقَاذِف لَا تقبل مِنْهُم الشَّيْخ فِي الْكَافِي وقاسه على الزِّنَا
وَقَالَ فِي المغنى وَعِنْدنَا تسْقط شَهَادَته بِالْقَذْفِ إِذا لم يحققه وَعند أبي حنيفَة وَمَالك لَا تسْقط إِلَّا بِالْجلدِ ثمَّ احْتج بِالْآيَةِ وَقَالَ رتب على رمي الْمُحْصنَات ثَلَاثَة أَشْيَاء إِيجَاب الْجلد ورد الشَّهَادَة وَالْفِسْق فَيجب أَن يثبت رد الشَّهَادَة بِوُجُود الرَّمْي الَّذِي لَا يُمكنهُ تَحْقِيقه بِالْجلدِ وَلِأَن الرَّمْي هُوَ الْمعْصِيَة والذنب الَّذِي يسْتَحق بِهِ الْعقُوبَة وَتثبت بِهِ الْمعْصِيَة الْمُوجبَة لرد شَهَادَته وَالْحَد كَفَّارَة وتطهير فَلَا يجوز تَعْلِيق رد الشَّهَادَة بِهِ وَإِنَّمَا الْجلد ورد الشَّهَادَة حكمان للقذف فيثبتان جَمِيعًا بِهِ وتخلف اسْتِيفَاء أَحدهمَا لَا يمْنَع ثُبُوت الآخر
وَقَوْلهمْ إِنَّمَا يتَحَقَّق بِالْجلدِ لَا يَصح لِأَن الْجلد حكم الْقَذْف الَّذِي تعذر تَحْقِيقه فَلَا يسْتَوْفى قبل تحقق الْقَذْف وَكَيف يجوز أَن يسْتَوْفى قبل تحقق الْقَذْف وَكَيف يجوز أَن يسْتَوْفى حَتَّى قبل تحقق سَببه وَيصير مُسْتَحقّا بعده هَذَا بَاطِل انْتهى كَلَامه
وَقَالَت الْحَنَفِيَّة الزَّانِي وَنَحْوه يفسق بِنَفس الْفِعْل الْمُوجب للحد والقاذف لَا يفسق بِنَفس الْقَذْف لجَوَاز أَن يكون صَادِقا
стр. 320
وَقَالَ القَاضِي إِذا عجز عَن تَصْدِيق نَفسه بِإِقَامَة الْبَيِّنَة صَار فَاسِقًا وَسَقَطت شَهَادَته
وَقَوْلهمْ يجوز أَن يكون صَادِقا فِي قذفه غير صَحِيح لِأَنَّهُ إِذا عجز عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة حكمنَا بكذبه أَلا ترى أَنه يُوجب الْحَد عَلَيْهِ وَلَا يجوز أَن نوجب الْحَد عَلَيْهِ وَلم نحكم بكذبه
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عَن كَلَام القَاضِي هَذَا وَهَذَا الْكَلَام يَقْتَضِي أَنه يفسق حِين يجب عَلَيْهِ الْحَد وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي مُطَالبَة الْمَقْذُوف وَقَالَت الْحَنَفِيَّة الْحَاكِم لَو شَاهد رجلا يَزْنِي أَو يسرق يحكم بِفِسْقِهِ وَلم يقبل شَهَادَته وَلَو رَآهُ يقذف لم يحكم بِفِسْقِهِ لجَوَاز كَونه صَادِقا قَالَ القَاضِي إِذا عجز عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة حكم بِفِسْقِهِ
وَقَالَ أَبُو الْخطاب فِي الِانْتِصَار وَلَا فرق بَينهمَا وَلِأَنَّهُ لم يذكر شَهَادَته بِصُورَة الزِّنَا وَالسَّرِقَة لجَوَاز الشُّبْهَة فَإِن انْكَشَفَ لَهُ الْحَال بِأَنَّهُ زنى بِانْتِفَاء الشُّبْهَة رد حِينَئِذٍ كالقذف سَوَاء إِذا عجز عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة على صدقه وشهادته وَحكم بِفِسْقِهِ وَحده وَلَا فرق بَينهمَا
وَقَالَ القَاضِي بعد ذَلِك لَا يحكم بكذبه بِنَفس الْقَذْف وَإِنَّمَا يحكم بِالْقَذْفِ وَالْعجز عَن تَصْدِيقه بِالْبَيِّنَةِ وَذَلِكَ مُتَأَخّر عَن حَال الْقَذْف بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ٢٤ ١٣ ﴿فَإذْ لم يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِك عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ﴾ فَحكم بكذبهم بِالْعَجزِ عَن الإيتاء بِالشَّهَادَةِ
ثمَّ قَالَ فَإِن قيل فَيجب أَن تقبل شَهَادَته قبل عَجزه عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة لِأَنَّهُ لم يحكم بكذبه قيل إِنَّمَا لم تقبل شَهَادَته قبل ذَلِك لِأَن الْقَذْف سَبَب فِي الْقدح فِي الْعَدَالَة فأكسب ذَلِك شُبْهَة فِي قبُولهَا كطعن الْخصم فِي الشُّهُود
стр. 321
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا يدل على أَنه يتَوَقَّف عَن الْقبُول بعد الْقَذْف وَقبل الْعَجز ثمَّ قَالَ وَاحْتج بِأَنَّهُ يجوز أَن يأتى بِالْبَيِّنَةِ قبل وُقُوع الْحَد عَلَيْهِ فَلَا يتَبَيَّن عَجزه عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة قبل وُقُوع الْحَد عَلَيْهِ فَيجب أَن تقبل شَهَادَته
وَالْجَوَاب أَن هَذَا التجويز لم يمْنَع من إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ كَذَلِك لَا يمْنَع من رد الشَّهَادَة لِأَن الْحَد لَا يجوز اسْتِيفَاؤهُ إِلَّا بعد ثُبُوت سَببه كَسَائِر الْحُدُود فَلَمَّا جَازَ اسْتِيفَاؤهُ فِي هَذَا الْحَال وَجب الحكم بِفِسْقِهِ ورد شَهَادَته
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فقد تحرر أَن الْقَاذِف لَهُ ثَلَاثَة أَحْوَال أَحدهَا أَن لَا تطلب مِنْهُ الْبَيِّنَة الثَّانِي أَن تطلب مِنْهُ فيعجز الثَّالِث أَن تطلب مِنْهُ فَيذْهب ليَأْتِي بهَا وَهنا يتَوَجَّه أَن ينظر ثَلَاثَة أَيَّام فَمن عجز فَهُوَ فَاسق وَمَتى ذهب ليَأْتِي بهَا فَهُوَ بِمَنْزِلَة المطعون فِيهِ وَإِن لم يُطَالب بِالْحَدِّ وَلَا بِالْبَيِّنَةِ فَهُنَا على مُقْتَضى كَلَام القَاضِي لم تزل عَدَالَته وَهُوَ ظَاهر الْقُرْآن وَيحْتَمل كَلَامه الثَّانِي أَن يكون مطعونا فِيهِ وعَلى عُمُوم كَلَامهم فِي أَن الْقَذْف يُوجب الْفسق لَا تقبل شَهَادَته انْتهى كَلَامه
وَكَلَام أبي الْخطاب الْمَذْكُور يقتضى أَن الحكم بِالْفِسْقِ ورد الشَّهَادَة وَالْحَد يتَعَلَّق بِالْعَجزِ عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة وَأَن مَا كَانَ ثَابتا من قبُول الشَّهَادَة وَغَيره يستصحب إِلَى حِين الْعَجز وَلم أَجِدهُ ذكر فِي بحث الْمَسْأَلَة مَا يُنَافِيهِ بِخِلَاف القَاضِي فَصَارَ فِيمَا إِذا طلبت مِنْهُ الْبَيِّنَة فَذهب ليَأْتِي بهَا أَو لم تطلب مِنْهُ ثَلَاثَة أَقْوَال الثَّالِث تقبل إِذا لم يُطَالب بهَا وَفِي الْمَسْأَلَة أَيْضا قَول غَرِيب
قَالَ القَاضِي فِي الْعدة فَأَما أَبُو بكرَة وَمن جلد مَعَه فَلَا يرد خبرهم لأَنهم جَاءُوا مَجِيء الشَّهَادَة وَلَيْسَ بِصَرِيح فِي الْقَذْف وَقد اخْتلفُوا فِي وجوب الْحَد فِيمَا
стр. 322
يسوغ فِي الِاجْتِهَاد وَلَا ترد الشَّهَادَة بِمَا يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد وَلِأَن نُقْصَان الْعدَد من معنى وجهة غَيره فَلَا يكون سَببا فِي رد شَهَادَته انْتهى كَلَامه
وَيُوجه بِأَنَّهُ أحد نَوْعي الْقَذْف فاستوت فِيهِ الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة فِي الْقبُول كالنوع الآخر فَإِن الْقَاذِف فِي الشتم لَا تقبل شَهَادَته وَلَا رِوَايَته حَتَّى يَتُوب وَحكي هَذَا عَن الشَّافِعِي
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عقيب كَلَام القَاضِي الْمَذْكُور مَضْمُون هَذَا الْكَلَام أَنه يقبل خَبره وشهادته وَهُوَ خلاف الْمَشْهُور وَالْمَحْفُوظ عَن عمر فِي قَوْله لأبي بكرَة بن أقبل شهادتك وَلَكِن النَّاس قبلوا رِوَايَة أبي بكرَة فَيجوز أَن ترد شَهَادَته كَمَا لَو جلد وَيقبل خَبره كالمتأول فِي شرب النَّبِيذ وَنَحْو ذَلِك وَلِأَن الْخَبَر لَا يرد بالتهمة الَّتِي ترد بهَا الشَّهَادَة من قرَابَة أَو صداقة أَو عَدَاوَة أَو نَحْو ذَلِك أَو لاشتراك الْمخبر والمخبر فِيهِ بِخِلَاف الشَّهَادَة انْتهى
فصل
وَقَوله حَتَّى يَتُوب
يَعْنِي إِذا تَابَ قبلت شَهَادَته جلد أَو لم يجلد وَقَالَ أَيْضا فِي رِوَايَة عبد الله حَدثنَا عبد الصَّمد حَدثنَا سُلَيْمَان يَعْنِي ابْن كثير حَدثنَا الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب أَن عمر حِين ضرب أَبَا بكرَة ونافعا وشبلا استتابهم وَقَالَ من تَابَ مِنْكُم قبلت شَهَادَته
стр. 323
وَقَالَ فِي رِوَايَة ابْن مَنْصُور فِي المحدودين إِذا تَابُوا جَازَت شَهَادَتهم
وَقَالَ حَرْب قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي الْقَاذِف إِذا تَابَ قبلت شَهَادَته
وَكَذَا نقل عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم صَالح وَزَاد أذهب إِلَى قَول عمر بن الْخطاب وَقَالَ لَهُ بكر بن مُحَمَّد تعتمد على حَدِيث عمر فِي قَوْله لأبي بكرَة إِن تبت قبلت شهادتك قَالَ نعم وَقَول الله تَعَالَى ٢٤ ٥ إِلَّا ﴿الَّذين تَابُوا﴾
وَقَالَ فِي رِوَايَة حَنْبَل إِذا تَابَ وَرجع جَازَت شَهَادَته على فعل عمر وَإِلَّا لم تقبل كَذَا قَالَ الله تَعَالَى ٢٤ ٤ ﴿وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا﴾ ثمَّ قَالَ ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ فَإِذا تَابَ قبلت شَهَادَته
وَقَالَ فِي رِوَايَة حَرْب شَهَادَة الْقَاذِف إِذا تَابَ قبلت شَهَادَته حد أَو لم يحد وَكَذَلِكَ كل مَحْدُود تقبل شَهَادَته إِذا كَانَ عدلا قيل للْإِمَام أَحْمد جلد أَو لم يجلد قَالَ نعم فَذهب إِلَى قَول عمر بن الْخطاب ﵁
وَبِهَذَا قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا تقبل وَتقبل فِي رُؤْيَة الْهلَال على مَا ذكره القَاضِي عَنهُ
وَتقبل شَهَادَة الذِّمِّيّ إِذا حد بِالْقَذْفِ ثمَّ أسلم وَاعْتذر عَن رُؤْيَة الْهلَال بِأَنَّهُ خبر وَلَيْسَ بِشَهَادَة فَقَالَ القَاضِي لَو لم تكن شَهَادَة لم يعْتَبر فِيهَا الْعدَد وَقد قَالَ أَبُو حنيفَة إِذا لم تكن فِي السَّمَاء عِلّة اعْتبر فِيهِ عدد كثير وَكَذَلِكَ يعْتَبر فِيهَا مجْلِس الحكم
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهَذَا من القَاضِي يَقْتَضِي أَن شَهَادَة الْوَاحِد عِنْد غير الْحَاكِم لَا تُؤثر وَقد ذكرت اعْتِبَار اللَّفْظ فِي مَوْضِعه انْتهى كَلَامه
وَاعْتذر الْحَنَفِيّ عَن الذِّمِّيّ بِأَنَّهُ اجتلب باسلامه عَدَالَة لم يُبْطِلهَا حد الْقَذْف بِخِلَاف الْمُسلم فَإِنَّهُ أبطل عَدَالَته بحده فِي الْقَذْف فَلم يستفد بتوبته عَدَالَة لم تكن فَلهَذَا لم تقبل شَهَادَته فَقَالَ أَبُو الْخطاب لَا فرق بَينهمَا فَإِن الذِّمِّيّ كَانَ عدلا
стр. 324
فِي دينه لَا سِيمَا عِنْدهم وعَلى رِوَايَة لنا بِأَن شَهَادَة بَعضهم على بعض مَقْبُولَة وولايته على بنيه ثابته فَأبْطل عَدَالَته بِالْقَذْفِ وَالْحَد ثمَّ استحدث عَدَالَة بِالْإِسْلَامِ وَمثله الْمُسلم أبطل عَدَالَته ثمَّ بِالتَّوْبَةِ استحدث عَدَالَة أُخْرَى ثمَّ تبطل فِي الْمُسلم إِذا زنى وسرق وَشرب وحد فَإِنَّهُ قد أبطل عَدَالَته وَإِذا تَابَ قبلت شَهَادَته وَإِن لم تتجدد عَدَالَة بِإِسْلَامِهِ على زعمهم ثمَّ يجب أَن يُعلل بِهَذَا فِي رد شَهَادَته فِي رُؤْيَة الْهلَال وأخبار الديانَات وولايته على أَوْلَاده فِي أَمْوَالهم وَقد قَالَ يَصح مِنْهُ جَمِيع ذَلِك انْتهى كَلَامه
قَوْله وتوبته إكذابه نَفسه
قَالَ القَاضِي فَيَقُول كذبت فِيمَا قلت وَهَذَا ظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد تَوْبَة الْقَاذِف أَن يكذب نَفسه وَإِن كَانَ صَادِقا وَرجحه بَعضهم قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة الْمروزِي وَحرب وَابْن مَنْصُور وَيَعْقُوب وَصَالح تَوْبَة الْقَاذِف أَن يكذب نَفسه وَقَالَ فِي رِوَايَة الْمَيْمُونِيّ تَوْبَته عِنْدِي أَن ينْزع عَن الْقَذْف ويكذب نَفسه وَحَدِيث عمر ﵁ يدل على هَذَا وَقَالَ فِي رِوَايَة الْحَارِث وَقد قيل لَهُ عَن الْقَاذِف ماتوبته قَالَ يكذب نَفسه يَقُول إِنِّي قد قذفت فلَانا وَإِنِّي قد تبت من قذفي إِيَّاه قلت وَإِن كَانَ قد شهد وَقد رَآهُ يَزْنِي يَتُوب من حق قد شهد بِهِ قَالَ ماأدري هَذِه تَوْبَة الْقَاذِف قَالَ وَإِنَّمَا أذهب إِلَى حَدِيث أبي بكرَة
وَقَالَ فِي رِوَايَة حَنْبَل لَا تقبل شَهَادَته حَتَّى يَقُول إِنِّي تائب لِأَن أَبَا بكرَة قَالَ لَهُ عمر إِن تبت قبلت شهادتك
وَقَالَ فِي رِوَايَة حَنْبَل أَيْضا يكذب نَفسه وَيرجع عَن قَوْله وَيَتُوب
стр. 325
لَيْسَ بِالتَّوْبَةِ خَفَاء وَقَالَ أَبُو طَالب سَمِعت أَحْمد قَالَ وتوبة الْقَاذِف أَن يقوم فيكذب نَفسه وَيَقُول إِنِّي تائب مِمَّا قلت
وَقَالَ أَيْضا فِي رِوَايَة أبي طَالب وَقد سَأَلَهُ عَن تَوْبَة الْقَاذِف قَالَ تَوْبَته إِذا رَجَعَ فَقَالَ قد رجعت وَتَابَ وأعلن مثل قَول عمر لأبي بكرَة إِن تبت قبلت شهادتك
وَقَالَ مهنا قَالَ أَحْمد تجوز شَهَادَة الْمَحْدُود فِي الْقَذْف إِذا عرفت تَوْبَته يَقُول إِنِّي قد رجعت عَمَّا كنت قلت فِي فلَان لَا بُد من هَذَا
وَقَالَ لَهُ مهنا فِي مَوضِع آخر لَا بُد من أَن يتَكَلَّم بِهِ قَالَ لَا بُد أَن يتَكَلَّم بِهِ وَإِلَّا من أَيْن تعلم بتوبته فقد روى عَن ابْن الْمسيب عَن عمر مَرْفُوعا تَوْبَته إكذاب نَفسه وَلِأَن إكذاب نَفسه يزِيل تلوث عرض الْمَقْذُوف الْحَاصِل بقذفه فَتكون التَّوْبَة بِهِ وَبِه قَالَ مَالك وَهُوَ مَنْصُوص الشَّافِعِي
وَقيل إِن علم صدق نَفسه فتوبته أَن يَقُول قد نَدِمت على مَا قلت وَلَا أَعُود إِلَى مثله وَأَنا تائب إِلَى الله تَعَالَى مِنْهُ لِأَن الْمَقْصُود يحصل بذلك وَلِأَن النَّدَم تَوْبَة وَإِنَّمَا اعْتبر القَوْل ليعلم تحقق النَّدَم
وتتمة هَذَا القَوْل وَإِن لم يعلم صدق نَفسه فتوبته إكذاب نَفسه سَوَاء كَانَ الْقَذْف بِشَهَادَة أَو سبّ لِأَن قد يكون كَاذِبًا فِي الشَّهَادَة صَادِقا فِي السب وَهَذَا معنى مَا اخْتَارَهُ فِي المغنى وَقطع بِهِ فِي الْكَافِي وَقيل إِن كَانَ سبا فالتوبة إكذاب نَفسه وَإِن كَانَ شَهَادَة فبأن يَقُول الْقَذْف حرَام بَاطِل وَلست أَعُود إِلَى مَا قلت قَالَ القَاضِي وَهُوَ الْمَذْهَب لِأَنَّهُ قد يكون صَادِقا فَلَا يُؤمر بالذنب وَقطع بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب إِلَّا أَنه قَالَ يَقُول نَدِمت على مَا
стр. 326
كَانَ مني وَلَا أَعُود إِلَى مَا أتهم فِيهِ وَلَا يَقُول وَلَا أَعُود إِلَى مثل مَا كَانَ مني لِأَن فِي ذَلِك أَن لَا يشْهد
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَيتَوَجَّهُ أَن يحمل قَوْله إِذا أكذب نَفسه على الشَّهَادَة بِالْقَذْفِ كقضية أبي بكرَة
فرع
وَتقبل شَهَادَة الْقَاذِف بِمُجَرَّد التَّوْبَة فِي ظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد وَقطع بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب وَغَيره وَقدمه فِي الْكَافِي وَهُوَ الْمَشْهُور وَقطع بِهِ ابْن هُبَيْرَة عَن الإِمَام أَحْمد وَيحْتَمل أَن يعْتَبر مُضِيّ مُدَّة يعلم تَوْبَته فِيهَا
وَذكر فِي الرِّعَايَة أَنه إِن كَانَ شَهَادَة قبل بِمُجَرَّد التَّوْبَة وَإِن كَانَ شتما وقذفا فيعد إصْلَاح الْعَمَل سنة وَذكر ابْن هُبَيْرَة عَن مَالك أَنه يعْتَبر ظُهُور أَفعَال الْخَيْر من غير حد وَعَن الشَّافِعِي أَنه قدره بِسنة
وَقَالَ القَاضِي فِي بحث الْمَسْأَلَة على أَن فِي الْآيَة مَا يمْنَع رُجُوعه إِلَى مايليه وَهُوَ زَوَال تَتِمَّة الْفسق من وُجُوه
أَحدهَا أَنه لَو عَاد إِلَى زَوَال تَتِمَّة الْفسق لم يشْتَرط فِيهِ صَلَاح الْعَمَل ولكان يقْتَصر على قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ لِأَن الْفسق يرْتَفع بِمُجَرَّد التَّوْبَة وَإِنَّمَا قبُول الشَّهَادَة يشْتَرط فِيهِ صَلَاح الْعَمَل فَثَبت أَن الِاسْتِثْنَاء عَاد إِلَيْهِ
وَاحْتَجُّوا للمسألة بِمَا رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر وَغَيره عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ٢٤ ٤ ٥ ﴿وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ فَمن تَابَ وَأصْلح فشهادته فِي كتاب الله تقبل وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ أَنه قَالَ إِذا قَالَ بعد ضربه أسْتَغْفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ من قذف الْمُحْصنَات حِين يفرغ من ضربه وَلم يعلم مِنْهُ بعد إِلَّا خيرا قبلت شَهَادَته
стр. 327
ثمَّ إِن القَاضِي ذكر بعد ذَلِك الْمَسْأَلَة بِخِلَاف ذَلِك وَقَالَ إِن شَهَادَته تقبل بِمُجَرَّد التَّوْبَة لأَنا قد حكمنَا بِصِحَّة التَّوْبَة فِي الْبَاطِن فَلم نعتبر فِي قبُول الشَّهَادَة إصْلَاح الْعَمَل كالتوبة عَن الرِّدَّة
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عِنْد قَوْله إِن الْقَاذِف تقبل شَهَادَته إِذا تَابَ مَعْنَاهُ التَّوْبَة الصَّحِيحَة الَّتِي يعلم صِحَّتهَا وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بعد سنة وَصَلَاح الْعَمَل الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن إِنَّمَا هُوَ لتصحيح التَّوْبَة وَسُقُوط الْعقُوبَة لَا يسْتَلْزم قبُول الشَّهَادَة فَإِن الْعقُوبَة تسْقط بالشهادات وبالدخول فِي أَوَائِل الْخَيْر وعَلى هَذَا فَلَا فرق بَين التَّوْبَة من الرِّدَّة وَغَيرهَا وَقَوله يَعْنِي القَاضِي قد حكمت بِصِحَّة التَّوْبَة فِي الْبَاطِن فِيهِ نظر ونصوص أَحْمد تخَالف ذَلِك فَإِنَّهُ إِن أَرَادَ أَنه هُوَ الَّذِي حكم بذلك فقد يصدق وَأما نَحن فَلم نحكم بِصِحَّتِهَا فِي الْبَاطِن
قَالَ القَاضِي وَلِأَن الْقَذْف على ضَرْبَيْنِ قذف بِلَفْظ الشتم كَقَوْلِه زَيْنَب وَأَنت زَان وَقذف بِلَفْظ الشَّهَادَة الْمَرْدُودَة ثمَّ إِذا كَانَ بِلَفْظ الشَّهَادَة الْمَرْدُودَة قبلت شَهَادَته بِمُجَرَّد التَّوْبَة كَمَا دلّ عَلَيْهِ حَدِيث عمر فَكَذَلِك إِذا كَانَ بِلَفْظ الشتم قَالَ وَلِأَنَّهُ يقبل خَبره بِمُجَرَّد التَّوْبَة وَلَا يعْتَبر فِيهِ صَلَاح الْعَمَل كَذَلِك فِي بَاب الشَّهَادَة وَاسْتشْهدَ بِآيَة الْفرْقَان وَالْبَقَرَة وَفِي كِلَاهُمَا نظر قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين
قَالَ القَاضِي وَلِأَن التَّوْبَة الْبَاطِنَة بِحكم بِصِحَّتِهَا فِي الْحَال وَهُوَ إِذا وجد التركي والندم والعزم على الْخُرُوج من الْمظْلمَة أَو يكون فِيمَا بَينه وَبَين الله تَائِبًا وَلَا يشْتَرط فِيهَا صَلَاح الْعَمَل كَذَلِك التَّوْبَة الْحكمِيَّة بعلة أَنَّهَا إِحْدَى التوبتين
فقد ظهر من ذَلِك أَن لنا فِي قبُول شَهَادَة الْقَاذِف بِمُجَرَّد التَّوْبَة خَمْسَة أَقْوَال
وَالْمَعْرُوف فِي الْمَذْهَب أَن التَّوْبَة من الرِّدَّة لَيست كَغَيْرِهَا كَمَا أَن الْمَعْرُوف الحكم بِصِحَّة التَّوْبَة فِي الْبَاطِن
стр. 328
وَظَاهر كَلَام بَعضهم التَّسْوِيَة بَين قبُول الْخَبَر وَالشَّهَادَة بِمُجَرَّد التَّوْبَة وَعَدَمه خلاف مَا صرح بِهِ القَاضِي فَتكون الْمَسْأَلَة على وَجْهَيْن
فرع
رجل حلف بِالطَّلَاق أَنه رأى شخصا يَزْنِي فَهَل تطلق امْرَأَته
يَنْبَغِي أَن يُقَال إِن علم كذب نَفسه طلقت بَاطِنا وظاهرا وَإِن علم صدق نَفسه طلقت فِي الحكم
قَوْله وَإِذا تَابَ الْفَاسِق قبلت شَهَادَته بِمُجَرَّد تَوْبَته
هَذَا هُوَ الرَّاجِح فِي الْمَذْهَب لما تقدم وَقَوله ﵊
التَّوْبَة تجب مَا قبلهَا رَوَاهُ مُسلم وَعَن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه وَلم يسمع مِنْهُ عَن النَّبِي ﷺ
التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ إِسْنَاده ثِقَات رَوَاهُ ابْن ماجة وَغَيره
قَوْله وَعنهُ يعْتَبر مَعهَا فِي غير الْقَاذِف إصْلَاح الْعَمَل
سنة لما تقدم لِأَن فِيهَا يتَبَيَّن صَلَاحه لاخْتِلَاف الأهوية وَتغَير الطباع وَعَن الشَّافِعِي كالروايتين وَقيل إِن فسخ بِفعل وَإِلَّا فَلَا يعْتَبر فِيهِ إصْلَاح ذَلِك
وَقيل يعْتَبر مضى مُدَّة يعلم فِيهَا حَالَة بذلك
وَذكر القَاضِي فِي مَوضِع أَن التائب من الْبِدْعَة يعْتَبر لَهُ مضى سنة لحَدِيث صبيغ أَن عمر ﵁ لما ضربه أَمر بهجرانه حَتَّى بلغته تَوْبَته فَأمر أَن لَا يكلم إِلَّا بعد سنة رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد ﵁
وروى الْمروزِي عَن أَحْمد أَنه قَالَ لَا يكلم التائب عَن الْبِدْعَة إِلَّا بعد أَن
стр. 329
يَأْتِي عَلَيْهِ سنة كَمَا أَمر عمر بن الْخطاب أَن لَا نُكَلِّم صبيغ إِلَّا بعد سنة وَقَالَ من عَلامَة تَوْبَته فِي هَذِه السّنة أَن ينظر إِلَيْهِ فان كَانَ يوالي من عَادَاهُ على بدعته ويعادي من وَالَاهُ فَهَذِهِ تَوْبَة صَحِيحَة وَاخْتَارَ القَاضِي فِي مَوضِع أَن التائب من الْبِدْعَة كَغَيْرِهِ فِي أَنه لَا يعْتَبر إصْلَاح الْعَمَل وَقَالَ عَن هَذَا النَّص مَحْمُول على طَرِيق الِاخْتِيَار الإحتياط وَقَالَ وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة يَعْقُوب فِي رجل من الشكاك أظهر التَّوْبَة فَقَالَ يَتُوب فِيمَا بَينه وَبَين الله وبجانب أهل مقَالَته حَتَّى يعرف النَّاس أَنه تائب قَالَ وَظَاهر هَذَا أَنه لم يَجْعَل مجانبته شرطا فِي صِحَة تَوْبَته وَإِنَّمَا جعلهَا ليَكُون ذَلِك دلَالَة على تَوْبَته عِنْد من عرف ذَلِك مِنْهُ وَلم يشْتَرط معنى زَائِدا على ذَلِك وَهَذَا اخْتِيَاره فِي المغنى قَالَ وَالصَّحِيح أَن التَّوْبَة من الْبِدْعَة كَغَيْرِهَا إِلَّا أَن تكون التَّوْبَة بِفعل يشبه الْإِكْرَاه كتوبة صبيغ فَتعْتَبر لَهُ مُدَّة تظهر أَن تَوْبَته عَن إخلاص لَا عَن إِكْرَاه
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين من تَأمل كَلَام أَحْمد وجده إِنَّمَا يعْتَبر فِي جَمِيع الْمَوَاضِع التَّوْبَة لَكِن نَحن لَا نعلم صدقه فِي تَوْبَته بِمُجَرَّد قَوْله قد تبت فَلَا بُد من انكفافه عَن ذَلِك الذَّنب وعلاماته سنة ليَكُون هَذَا دَلِيلا لنا على صدق تَوْبَته فِيمَا بَينه وَبَين الله وبجانب أهل مقَالَته حَتَّى يعرف النَّاس أَنه تائب فَجعل التَّوْبَة فِيمَا بَينه وَبَين الله صَحِيحه فِي الْحَال وَأما عِنْد النَّاس فَيتْرك مَوَاضِع الذَّنب وَهُوَ مجانبة أَصْحَاب الذَّنب وَقَول القَاضِي إِنَّمَا أَمر بذلك ليَكُون دَلِيلا على تَوْبَته عِنْد من عرف ذَلِك مِنْهُ ضَعِيف لِأَن المجانبة لأهل الْمقَالة المبتدعة وَاجِبَة وَإِنَّمَا أَمر بِهِ لِأَن ملازمته دَلِيل على الْقيام بِمُوجب التَّوْبَة وَلِأَنَّهُ قَالَ حَتَّى يعرف النَّاس مِنْهُ ذَلِك وَهَذَا يَقْتَضِي معرفَة من عرف أَنه قد تَابَ وَمن لم يعرف أَنه تَابَ أَلا ترى أَن الْمَسْأَلَة أَنه أظهر التَّوْبَة فحقيقة
стр. 330
التَّوْبَة عَن إِظْهَار وَكَذَلِكَ قَوْله من عَلامَة تَوْبَته مُوالَاة من عَادَاهُ على الْبِدْعَة ومعاداة من وَالَاهُ عَلَيْهَا وَقَالَ فَهَذِهِ تَوْبَة صَحِيحَة فَعلمت أَنه لَا بُد من عَلامَة تدلنا على صِحَة التَّوْبَة وَإِلَّا فَلَو كَانَ مجردالتكلم بِالتَّوْبَةِ مُوجبا لصحتها لم يحْتَج إِلَى عَلامَة
ثمَّ ذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَلَامه الْمَكْتُوب فِي الْقَاذِف وَذكر ابْن عقيل أَن المبتدع إِذا تَابَ هَل تقبل شَهَادَته أَو يعْتَبر بِهِ صَلَاح الْعَمَل قَالَ وَالْقِيَاس قبُول شَهَادَته لصِحَّة تَوْبَته كَمَا قدمْنَاهُ فِي الرِّدَّة وَالْقَذْف لَكِن طرحنا الْقيَاس هَهُنَا لأجل الْإِثْم والأثر ثمَّ ذكر رِوَايَة الْمروزِي الْمَذْكُورَة لقَوْل عمر لأبي بكرَة إِن تبت قبلت شهادتك وَقَالَ مَالك لَا أعرف هَذَا قَالَ الشَّافِعِي وَكَيف لَا يعرفهُ وَقد أَمر النَّبِي ﷺ بِالتَّوْبَةِ وَقَالَهُ عمر لأبي بكرَة
قَوْله وَمن أَتَى شَيْئا من الْفُرُوع الْمُخْتَلف فِيهَا كمن تزوج بِلَا ولى أَو شرب من النَّبِيذ مَالا يسكره أَو أخر زَكَاة أَو حجا مَعَ إمكانهما وَنَحْوه متأولا لم ترد شَهَادَته
نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة صَالح وَغَيره وَأَنه يحد شَارِب النَّبِيذ وَيصلى خَلفه وَتقبل شَهَادَته وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور من الْمَذْهَب وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ لِأَن الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي الْفُرُوع فَلم يكن بَعضهم يعيب من خَالفه وَلَا يفسقه
وَنقل عَنهُ عَليّ بن الْمُوفق فِي الصَّلَاة خلف من يشرب النَّبِيذ لَا يصلى خلف من يشرب هَذَا وَلَا خلف من يجلس إِلَى من يشرب هَذَا
قَالَ القَاضِي وَهَذَا مَحْمُول على مَا يسكر وَيجوز أَن يحمل على ظَاهره
стр. 331
فَيخرج رِوَايَتَانِ وَيشْهد لذَلِك مَا قَالَه فِي رِوَايَة أبي الْحَارِث فِي إِمَام يَبِيع كرمه مِمَّن يَتَّخِذهُ خمرًا لَا يصلونَ خَلفه
وَقَالَ فِي رِوَايَة عبد الله وَإِبْرَاهِيم من اسْتَطَاعَ الْحَج وَلم يحجّ لَا تجوز شَهَادَته انْتهى كَلَام القَاضِي وَكَذَا نقل أَبُو الْحَارِث
قَالَ القَاضِي فِي مَوضِع آخر وَهَذَا مُبَالغَة فِي الْفَوْر لِأَنَّهُ قد أسقط عَدَالَته فِي الْموضع الَّذِي يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد وَقَالَ أَيْضا وَظَاهر هَذَا أَنه لم يسوغ الِاجْتِهَاد فِي تَأْخِيره أَي تَأْخِير الْحَج
وَذكره فِي المغنى قولا وَاحْتج لَهُ فِي المغنى يَقُول عمر مَا هم بمسلمين
وَقَالَ بن أبي مُوسَى الْأَظْهر من قَول الإِمَام أَحْمد أَنه لَا تقبل شَهَادَة من شرب النَّبِيذ متأولا وَلم يسكر قَالَ فِي الرِّعَايَة لفسقه إِذا وَهَذَا قَول مَالك وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَقَالَ ترد شَهَادَته لاستحقاقه الهجر والعقوبة كالمبتدع وَالْعلَّة أَنه مُوجب للحد وَهَذَا لَا يتعداه
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة الْعَبَّاس بن مُحَمَّد فِي شَارِب النَّبِيذ أَنا أُجِيز شَهَادَته وَلَا أُصَلِّي خَلفه إِن وجدته فِي الْجَامِع
وَلَعَلَّ لَا زَائِدَة
وَنقل غير وَاحِد عَن الإِمَام أَحْمد فِيمَن ترك الْوتر مُتَعَمدا سَاقِط الْعَدَالَة
وَقَالَ فِي رِوَايَة سندى قيل لَهُ فترى أَن يكْتب عَمَّن يَبِيع هَذِه الْعينَة قَالَ لَا يُعجبنِي أَن يكْتب عَن معِين وَفِي اللاعب بالشطرنج خلاف سَيَأْتِي
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي المصرين على ترك الْجَمَاعَة ترد شَهَادَتهم بل يُقَاتلُون فِي أحد الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا عِنْد من لَا يَقُول بِوُجُوبِهَا فَأَما من قَالَ بِوُجُوبِهَا فَإِنَّهُ يُقَاتل تاركها ويفسق المصرين على تَركهَا إِذا قَامَت عَلَيْهِم الْحجَّة الَّتِي تبيح الْقِتَال والتفسيق كَمَا يُقَاتل أهل الْبَغي بعد إِزَالَة الشُّبْهَة وَرفع الْمظْلمَة
قَوْله فِي الْمُحَرر متأولا
стр. 332
وَكَذَا من قلد متأولا وَيدخل فِي كَلَامه وَكَلَام غَيره من قَالَ يَقُول ﵊
المَاء من المَاء أَو أجَاز بيع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ نَقْدا
وَظَاهر كَلَامه فِي الرِّعَايَة أَنه يفسق فِي هَاتين الصُّورَتَيْنِ اتِّفَاقًا وَذكر فِي الْمُسْتَوْعب الْمَسْأَلَة كَمَا ذكر غَيره وَقَالَ وَذكر ابْن أبي مُوسَى أَنه لَا تقبل شَهَادَة من يَقُول المَاء من المَاء وَلَا من يجوز بيع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ نَقْدا وتعليل هَذَا أَنه لضعف الْخلاف فيهمَا وَفِي هَذَا نظر وَأما لاعتقاد أَن فيهمَا إِجْمَاعًا بعد اخْتِلَاف وَأَن هَذَا إِجْمَاع صَحِيح فَفِيهِ نظر يضا
فصل
قَالَ القَاضِي على ظهر أَجزَاء الْعدة نقلت من الْمَجْمُوع لأبي حَفْص الْبَرْمَكِي من خطّ وَلَده أبي إِسْحَاق عبد الله سَمِعت أبي يَقُول لَو أَن رجلا عمل بِكُل رخصَة بقول أهل الْكُوفَة فِي النَّبِيذ وَأهل الْمَدِينَة فِي الْمشَاع وَأهل مَكَّة فِي الْمُتْعَة لَكَانَ فَاسِقًا
قَالَ القَاضِي هَذَا مَحْمُول على أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يكون من أهل الِاجْتِهَاد وَلم يؤده اجْتِهَاده إِلَى الرُّخص فَهَذَا فَاسق لِأَنَّهُ ترك مَا هُوَ الْحق عِنْده وَاتبع الْبَاطِل أَو يكون عاميا فأقدم على الرُّخص من غير تَقْلِيد فَهَذَا أَيْضا فَاسق لِأَنَّهُ أخل بفرضه وَهُوَ التَّقْلِيد فَأَما إِن كَانَ عاميا وقلد فِي ذَلِك لم يفسق لِأَنَّهُ قلد من يسوغ اجْتِهَاده
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قد فسق العَاصِي الْمُجْتَهد إِذا عمل بِرُخْصَة مُخْتَلف فِيهَا من غير اجْتِهَاد والعامي إِذا عمل بهَا من غير تَقْلِيد وَمَعَ هَذَا فَكَلَام الإِمَام أَحْمد إِنَّمَا هُوَ فِيمَن يتبع الرُّخص مُطلقًا الْمُخْتَلف فِيهَا مَعَ ضعفها وَهَذَا فَاسق لِأَنَّهُ يفعل الْحَرَام قطعا انْتهى كَلَامه
стр. 333
وَلم يقل فِي مَوضِع آخر مَعَ ضعفها انْتهى كَلَامه
وَمَا ذكره القَاضِي هُوَ ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب رَحِمهم الله تَعَالَى وَقد ذكرُوا فِيمَن صلى وَترك شرطا أَو ركنا سَاغَ فِيهِ الْخلاف من غير تَأْوِيل وَلَا تَقْلِيد أَنه لَا تصح صلَاته فِي أصح الرِّوَايَات لِأَن فَرْضه التَّقْلِيد وَقد تَركه وَالثَّانيَِة لَا إِعَادَة إِن طَال الزَّمن وَالثَّالِثَة تصح مُطلقًا لخفاء طرق هَذِه الْمسَائِل وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يخرج عدم الْفسق فِي مَسْأَلَتنَا
ويوافق كَلَام القَاضِي قَول ابْن عقيل لَو شرب النَّبِيذ عَامي بِغَيْر تَقْلِيد لعالم فسق
وَوجدت بِخَط القَاضِي تَقِيّ الدّين الزريراني الْبَغْدَادِيّ الْحَنْبَلِيّ الْآخِذ برخص الْعلمَاء هَل يفسق أم لَا فِيهِ رِوَايَتَانِ مثل الْآخِذ برخص مَالك فِي ترك الشَّهَادَة فِي النِّكَاح وَالْقَوْل بِطَهَارَة الْكَلْب وَالْخِنْزِير فِي حَال الْحَيَاة وكاستباحة النَّبِيذ على قَول النُّعْمَان وتزويج ابْنَته من الزِّنَا على قَول الشَّافِعِي وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَيْسَ لَهُ شُبْهَة قَوِيَّة فَأَما مَا قويت شبهته كمس الذّكر فِي حق المتوضىء وَخُرُوج الدَّم من بقيه الْبدن وَمَا أشبه ذَلِك فَلَا يفسق وَهَذَا كُله فِي حق الْعَالم فَأَما الْعَاميّ فموسع عَلَيْهِ فِي ذَلِك انْتهى كَلَامه
فَظهر من ذَلِك أَن من فعل مُخْتَلفا فِيهِ بِغَيْر تَأْوِيل وَلَا تَقْلِيد أَنه يفسق فِي الْمَشْهُور وَإِن تَأَول أَو قلد إِن لم يترخص فَلَا يفسق وَإِن تتبع الرُّخص فَهَل يفسق أم لَا أم يفرق بَين مَا قوى دَلِيله وَمَا ضعف أم لَا يُقَال بِهَذِهِ التَّفْرِقَة فِي حق الْعَالم فَقَط أم يفرق بَين الْعَاميّ والعالم مُطلقًا فِيهِ أَقْوَال
قَوْله وَإِن اعْتقد تَحْرِيمه ردَّتْ نَص عَلَيْهِ وَقد تقدم
وَقَالَ فِي رِوَايَة الْأَثْرَم فِي المحتجم يُصَلِّي وَلَا يتَوَضَّأ فَإِن كَانَ مِمَّن يتدين بِهَذَا
стр. 334
فَلَا وضوء فِيهِ فَلَا يعيدون وَإِن كَانَ يعلم أَنه لَا يجوز يعيدون كلهم
قَالَ القَاضِي فقد أبطل إِمَامَته مَعَ اعْتِقَاده التَّحْرِيم وَإِبْطَال الْإِمَامَة هَهُنَا كإبطال الشَّهَادَة لِأَن الْعَدَالَة شَرط فِيهَا وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور لِأَنَّهُ فعل يحرم على فَاعله فَأشبه الْمُتَّفق على تَحْرِيمه
وَاعْتبر فِي المغنى على هَذَا أَن يتَكَرَّر وَلم أَجِدهُ فِي غَيره
وَذكر فِي الْمُسْتَوْعب فِي الصَّلَاة أَنه يفسق وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَة فسق على الْأَصَح
وَقَوله فِي الْمُحَرر وَقيل لَا ترد أَيْضا
وَهُوَ قَول الشَّافِعِيَّة لِأَن لفعله مساغا فِي الْجُمْلَة فَأشبه الْمُتَّفق على حلّه
وَنقض على الشَّافِعِيَّة بِنَصّ الشَّافِعِيَّة فِي الْمُعْتَاد مَعَ خلاف إِبْرَاهِيم بن سعيد وَعبيد الله بن الْحسن وبمن طلق ثَلَاثًا وَأمْسك امْرَأَته مَعَ خلاف الْحسن
فَأَما اعْتِقَاد اسْتِبَاحَة هَذَا الْمحرم فَلَا يسْقط الشَّهَادَة ذكره القَاضِي وَغَيره من الْأَصْحَاب مَحل وفَاق
وَقد قَالَ عبد الله سُئِلَ أبي عَن عبد الصَّمد بن النُّعْمَان قَالَ نَحن لَا نكتب عَن عبد الصَّمد قيل لعبد الله فَلم كرهه قَالَ كَانَ يرى الْعينَة
فصل
هَل يجوز أَن يشْهد العقد الْفَاسِد الْمُخْتَلف فِيهِ وَيشْهد بِهِ
يَنْبَغِي أَن يُقَال يدْخل فِي كَلَام الْأَصْحَاب فَإِن كَانَ متأولا أَو مُقَلدًا لمتأول جَازَ وَفِي بعض الْمَوَاضِع خلاف سبق وَإِلَّا لم يجز
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قَالَ القَاضِي هَل يجوز أَن يشْهد العقد الْفَاسِد
стр. 335
وَيشْهد بِهِ فَإِن كَانَ ذَلِك فِي عقد مُتَّفق على فَسَاده كعقد الرِّبَا وَالْعقد الْمَشْرُوط فِيهِ الْخِيَار الْمَجْهُول أَو شَرط بَاطِل بِإِجْمَاع لم يجز شُهُوده وَلم تجز الشَّهَادَة بِهِ فَأَما إِن كَانَ فَسَاده مِمَّا يسوغ الِاجْتِهَاد فِيهِ فَلَا يمْنَع لِأَنَّهُ لَا يقطع على فَسَاده نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة أَحْمد بن صَدَقَة وَقد سَأَلَهُ فَإِن كَانُوا يشْهدُونَ على رَبًّا قَالَ لَا يشْهدُونَ على رَبًّا إِذا علمُوا
وَقَالَ فِي رِوَايَة حَرْب فِي الرجل يدعى إِلَى الشَّهَادَة ويظن أَنه رَبًّا أَو بيع فَاسد قَالَ إِذا علم ذَلِك فَلَا يشْهد
وَقَالَ فِي رِوَايَة بكر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه فِي الرجل يفضل بعض وَلَده يشْهد قَالَ لَا يشْهد قيل لَهُ فقد شهد فَقَالَ لَا تشهد للَّذي أشهدك وَلَا لوَلَده
وَكَذَلِكَ نقل إِسْمَاعِيل بن سعيد لَا تشهد على عَطِيَّة من لم يعدل فِيهَا وَكَذَلِكَ نقل أَبُو الْحَارِث إِذا علمت أَنه يُرِيد أَن يزوى مِيرَاثه عَن ورثته يصيره لبَعض دون بعض لَا تشهد لَهُ بِشَيْء
قَالَ وَظَاهر هَذَا يَقْتَضِي أَنه لَا يشْهد وَإِن كَانَ مُخْتَلفا فِيهِ لِأَن تَفْضِيل بَعضهم على بعض مُخْتَلف فِيهِ وَاحْتج بقوله لَا ينْكح الْمحرم وَلَا ينْكح وَلَا يشْهد
وَلِحَدِيث النُّعْمَان بن بشير وَلِحَدِيث
لعن شَاهدا الرِّبَا قَالَ وَلِأَن فعل الْفَاسِد مُنكر وَحُضُور الْمُنكر مُنكر
فَإِن قيل مَا رويتموه من الْأَخْبَار فِي أَحْكَام يسوغ فِيهَا الِاجْتِهَاد وَهُوَ الشَّهَادَة فِي نِكَاح الْمحرم وَإِذا خص بعض أَوْلَاده قيل فِي هَذَا تَنْبِيه على تَحْرِيم ذَلِك فِيمَا اتّفق على فَسَاده وَإِذا قَامَ الدَّلِيل على الْمُخْتَلف فِيهِ خصصناه وَبَقِي تنبيهه على ظَاهره
فان قيل فالشاهد لَا يلْزم بِشَهَادَتِهِ وَإِنَّمَا ذَلِك إِلَى اجْتِهَاد الْحَاكِم
قيل وَإِن لم يلْزم فَلَا يجوز لَهُ أَن يحضر الْمُنكر لِأَن حُضُوره مُنكر
стр. 336
فَإِن قيل فَللَّه حكم فِي الْفَاسِد كَمَا لَهُ حكم فِي الصَّحِيح فَهُوَ ينْقل الْفساد فينفذه الْحَاكِم
قيل فَيجب أَن يحضر المؤاجر الْمشَاهد بيع الْخمر فَيشْهد بذلك وَكَذَلِكَ دور الْفسق لشاهد الزِّنَا فَيشْهد بذلك لِأَن لله فِيهِ حكما وَهُوَ سُقُوط ثمن الْخمر وَمهر الزَّانِيَة
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الشَّهَادَة عَلَيْهِ إِعَانَة على حُصُوله والإعانة على الْمحرم مُحرمَة فَأَما إذاغلب على ظَنّه أَنه يشْهد عَلَيْهِ ليبطله فَذَلِك شَيْء آخر انْتهى كَلَامه
وَظَاهر قَول الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَمَا تقدم فِي أول الْفَصْل وَعَلِيهِ مَا ذكره القَاضِي فِي نَص الإِمَام أَحْمد
وَكَذَا مَا رَوَاهُ أَبُو النَّصْر الْعجلِيّ أَنه سمع أَبَا عبد الله يكره الْعينَة وَيكرهُ أَن يشْهد الرجل على شَيْء مِنْهَا هَذَا إِن حملت الْكَرَاهَة على التَّحْرِيم وَإِطْلَاق القَاضِي عدم الْمَنْع يقتضى جَوَاز الشَّهَادَة مُطلقًا وَهُوَ خلاف كَلَام الإِمَام أَحْمد
وَقد يُقَال مَا ضعف دَلِيله وَكَانَ خلاف خبر وَاحِد لم يشْهد فِيهِ وَإِلَّا شهد كعطية الْأَوْلَاد وَمَا فِي مَعْنَاهَا
وَقَالَ القَاضِي سعد الدّين الْحَارِثِيّ فِي شَرحه الْعلم بالتفضيل أَو التَّخْصِيص يمْنَع تحمل الشَّهَادَة بِهِ وأداؤها مُطلقًا حَكَاهُ الْأَصْحَاب وَنَصّ عَلَيْهِ ثمَّ ذكر النُّصُوص السَّابِقَة وَأَن الإِمَام أَحْمد قَالَ فِي رِوَايَة أَحْمد بن سعيد وَإِن سَأَلَهُ بِمَا اسْتمع عِنْد قَاض يرى ذَلِك جَائِزا لم يشْهد لَهُ بِهِ وَعلله الْحَارِثِيّ بِأَنَّهُ جور فامتنعت الْإِعَانَة عَلَيْهِ وَذكر أَنه قَول إِسْحَاق
وَنقل أَبُو طَالب عَن الإِمَام أَحْمد أَنه سُئِلَ عَن رجل نحل نحلة لِابْنِهِ وَلم يعلم الشُّهُود أَن لَهُ ابْنا غَيره ثمَّ علمُوا بعد أَن لَهُ غَيره فَدَعَاهُمْ إِلَى الشَّهَادَة قَالَ إِن لم يشْهدُوا لَهُ أَرْجُو لَيْسَ عَلَيْهِم شَيْء انْتهى كَلَامه
стр. 337
فَأَما إِن احْتمل عِنْد الشَّاهِد أَن العقد فَاسد فَإِنَّهُ يشْهد وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي إِن ظن فَسَاده على مُقْتَضى كَلَام الإِمَام أَحْمد السَّابِق لَكِن هُنَا يَنْبَغِي أَن يُقَال يكره وَقد يُقَال بِتَحْرِيمِهِ كَمَا فِي ظن جعل الْعصير خمرًا وَظن جعل الدَّار الْمُسْتَأْجرَة مَكَانا يُبَاع فِيهِ الْخمر
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي مَوضِع آخر فصل الشَّهَادَة على الْإِقْرَار الَّذِي يعلم أَنه تلجئه أَو كَاذِب أَو فِيهِ تَأْوِيل وَقد أبطل الإِمَام أَحْمد إِقْرَار التلجئة وَنَصه مَكْتُوب عِنْد مَسْأَلَة الْإِقْرَار للزَّوْجَة إِذا أَبَانهَا ثمَّ تزَوجهَا وَقَالَ فِي مَوضِع آخر إِن الْأَمر بِإِقْرَار بَاطِل مثل أَمر الْمَرِيض أَن يقر لوَارث بِمَا لَيْسَ بِحَق ليبطل بِهِ حق بَقِيَّة الْوَرَثَة فَإِن الْأَمر بذلك وَالشَّهَادَة عَلَيْهِ بَاطِل
قَوْله وَأما الْمُرُوءَة فاستعمال مَا يجمله ويزينه وتجنب فِي يدنسه ويشينه إِلَى آخِره
الْمُرُوءَة الإنسانية وَقَالَ ابْن فَارس الرجولية وَقيل صَاحب الْمُرُوءَة من يصون نَفسه عَن الأدناس وَلَا يشينها عِنْد النَّاس وَقيل هُوَ الَّذِي يسير بسيرة أَمْثَاله فِي زَمَانه ومكانه قَالَ أَبُو زيد يُقَال مرؤ الرجل أَي صَار ذَا مُرُوءَة فَهُوَ مرى على وزن فعل وتمرأ إِذا تكلّف الْمُرُوءَة
والرقاص الَّذِي يعْتَاد الرقص وَيُقَال رقص يرقص
وَالشطْرَنْج قَالَ الجواليقي فَارسي مُعرب وَهُوَ بالشين الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة ومكسورة وَحكى فِيهِ بَعضهم بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْمَعْرُوف فِي الْمَذْهَب تَحْرِيم اللّعب بالشطرنج
قَالَ حَرْب قيل للامام أَحْمد أَتَرَى بلعب الشطرنج بَأْسا قَالَ الْبَأْس
стр. 338
كُله قيل فَإِن أهل الثغر يَلْعَبُونَ بهَا للحرب قَالَ لَا يجوز هَكَذَا وجدت هَذَا النَّص
وَنقل الشَّيْخ تَقِيّ الدّين من زَاد الْمُسَافِر لأبي بكر عَن حَرْب قَالَ قلت لأبي إِسْحَاق أَتَرَى بلعب الشطرنج بَأْسا قَالَ الْبَأْس كُله قلت فَإِن أهل الثغر يَلْعَبُونَ بهَا للحرب قَالَ هُوَ فجور
وَذكرهَا أَبُو حَفْص عَن الإِمَام أَحْمد انْتهى كَلَامه
وَقَالَ ابْن عقيل وَقد قَالَ أَبُو بكر قِيَاس قَول الإِمَام أَحْمد وَمَعْنَاهُ قَول الشَّافِعِي بالشطرنج وَأَنه إِذا لم يَأْخُذ الْعِوَض لم ترد شَهَادَته انْتهى كَلَامه
وَظَاهره أَنه لَا ترد شَهَادَة لاعب الشطرنج بهَا إِذا لم يَأْخُذ الْعِوَض
وَقَالَ فِي الرِّعَايَة وَقيل يكره فَتقبل شَهَادَة من لم يكثر
فَظهر من ذَلِك أَنه لَا يحرم فِي وَجه وَأَن عَلَيْهِ هَل تقبل شَهَادَة من أَكثر مِنْهُ فِيهِ وَجْهَان
وعَلى التَّحْرِيم قَالَ القَاضِي فِي مَوضِع هُوَ كالنرد فِي رد الشَّهَادَة وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك
وَقَالَ أَيْضا فِي مَوضِع اللّعب بالشطرنج وَسَمَاع الْغناء بِغَيْر آلَة نقُول فِيهِ مَا نقُول فِي شرب النَّبِيذ وَأَنه إِذا فعل ذَلِك متأولا لم ترد شَهَادَته وَقد أَوْمَأ إِلَيْهِ أَبُو بكر فِي كتاب الْخلاف من الشَّهَادَات لِأَنَّهُ حكى قَول الشَّافِعِي فِي سَماع المغنى واللعب بالشطرنج وَقَالَ قِيَاس قَول أبي عبد الله على مَذْهَب الشَّافِعِي لِأَن التَّأْوِيل يحتملها وَكَذَا حكى فِي المغنى قَول أبي بكر إِن فعله من يعْتَقد تَحْرِيمه فَهُوَ كالنرد وَإِن فعله من يعْتَقد إِبَاحَته لم ترد شَهَادَته إِلَّا أَن يشْغلهُ عَن الصَّلَاة عِنْد أَوْقَاتهَا أَو يُخرجهُ إِلَى الْحلف الْكَاذِب أَو نَحوه من الْمُحرمَات أَو
стр. 339
يعلب بهَا على الطَّرِيق أَو يفعل فِي لعبة مَا يستخف بِهِ من أَجله وَنَحْو هَذَا مِمَّا يُخرجهُ عَن الْمُرُوءَة وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي كَسَائِر الْمُخْتَلف فِيهِ انْتهى كَلَامه
وَكَذَا مثل غير وَاحِد من الْأَصْحَاب بحكاية مَا يضْحك مِنْهُ النَّاس ونارنجيات وتعزيم وَأكله فِي طَرِيق النَّاس يرونه وبوله فِي شَارِع ومشرعة وكشف رَأسه أَو بَطْنه أَو صَدره أَو ظَهره فِي مَوضِع لم تجر عَادَته بكشفه فِيهِ وخطاب زَوجته أَو أمته حَيْثُ يسمع النَّاس بِلَا عذر واستماع الْغناء وكشف عَوْرَته فِي حمام أَو غَيره وتحريش الْبَهَائِم والجوارح للصَّيْد ودوام اللّعب والمعالجة بشيل الْأَحْجَار الثقال والمقيرات والأخشاب وَمَا عده النَّاس سفها وَإِسْقَاط مُرُوءَة وَمَا فِيهِ المخاطرة بالنفوس والثقاف
وَقَالَ فِي الرِّعَايَة وَيسْتَحب تَأْدِيب الْخَيل والثقاف واللعب بالحراب وَسَائِر اللّعب إِذا لم يتَضَمَّن ضَرَرا وَلَا شغلا عَن فرض إِذا لم يكن فِيهِ دناءة وَلَا ترد بِهِ الشَّهَادَة
وَقَالَ ابْن عقيل فِي الْفُنُون مثل الْأكل على الطَّرِيق وَمد الرجلَيْن بَين الجلساء وكشف الرَّأْس بَين الْمَلأ والقهقهة وَقَالَ فِي مَوضِع آخر الأرجوحة والتعلق عَلَيْهَا وَالتَّرْجِيح فِيهَا مَكْرُوه نهى عَنهُ السّلف وَقيل إِنَّهَا لعبة الشَّيْطَان فَلَا تقبل شَهَادَة المدمن لَهَا وَقَالَ فِي مَوضِع آخر وَتكره الأراجيح وكل مَا يُسمى لعبا إِلَّا مَا كَانَ إِعَانَة على الْحَرْب كاللعب بالحراب والأسلحة والرماية وَقَالَ فِي مَوضِع آخر فَأَما حبس المطربات من الأطيار كالقمارى والبلابل لترنهما فِي الأقفاص فقد كرهه أَصْحَابنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ من الْحَاجَات لكنه من البطر والأشر ورقيق الْعَيْش وحبسها تَعْذِيب فَيحْتَمل أَن ترد باستدامته الشَّهَادَة وَيحْتَمل أَن لَا ترد لِأَن ذَلِك لَيْسَ من الْأُمُور الْبَعِيدَة عَن الْمُبَاح وَقَالَ أَيْضا فِي مَوضِع آخر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أفيحسن بعاقل أَن يعذب حَيا
стр. 340
لينوح فيستلذ بنياحته وَقد منع من هَذَا أَصْحَابنَا وسموه سفها
فَإِنَّمَا جَازَت شَهَادَته لِأَن الإِمَام أَحْمد قد نَص على أَن القَاضِي إِذا شهد بعد عَزله على قَضِيَّة أَن شَهَادَته تقبل فَأولى أَن تقبل شَهَادَة الْقَاسِم وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف والاصطخري
قَالَ القَاضِي دليلنا أَن الْقَاسِم بِغَيْر أجر يتَصَرَّف من جِهَة الحكم فَوَجَبَ أَن يقبل قَوْله فِيهِ دَلِيله الْحَاكِم يقبل قَوْله فِيمَا يحكم بِهِ بِهِ فِي حَال ولَايَته عِنْدهم وَعِنْدنَا يقبل فِي حَالَة الْولَايَة وَبعد الْولَايَة وَلَا يلْزم عَلَيْهِ إِذا قسم بِأُجْرَة لِأَن تصرفه لَا يكون من جِهَة الحكم لِأَنَّهُ أجِير وَشَهَادَة الْأَجِير لَا تجوز فِيمَا يسْتَحق عَلَيْهِ الْأُجْرَة لِأَن لَهما فِيهِ مَنْفَعَة وَهُوَ اسْتِحْقَاق الْأُجْرَة مَتى صحت الْقِسْمَة وَهَذَا معنى كَلَام أَصْحَاب القَاضِي كَأبي الْخطاب والشريف
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَالتَّعْلِيل الأول يَقْتَضِي أَن قَول الْقَاسِم خبر لَا شَهَادَة كالحاكم وَالتَّعْلِيل الثَّانِي ضَعِيف لِأَنَّهُ يُوجب أَن لَا تقبل شَهَادَتهمَا بِالْقيمَةِ وَالْقدر لِأَنَّهُمَا يستحقان عَلَيْهِ الْأُجْرَة وَلِأَن الْأُمَنَاء تقبل أَقْوَالهم فِيمَا يسْتَحقُّونَ عَلَيْهِ أُجْرَة كالوصي فِي الْعَمَل والإنفاق وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا تَرَاضيا بِأَن يكون حكما بَينهمَا يَجْعَل كالحاكم لَو أعطيناه جعلا على مَا ذكره بعض أَصْحَابنَا وشبيه بِهَذَا مَا لَو رَضِي الْخصم بِشَهَادَة عدوه أَو أَبى خَصمه وَمن يتهم عَلَيْهِ أَو رَضِي بِقَضَائِهِ وَكَذَلِكَ شَهَادَة الظِّئْر الْمُسْتَأْجرَة بِالرّضَاعِ وَشَهَادَة الْقَابِلَة بِالْولادَةِ انْتهى كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين
وَقَالَ أَيْضا بناها القَاضِي على أَن شَهَادَة الْإِنْسَان على فعل نَفسه تقبل
стр. 341
كالمرضعة ضعف مأخذهما من وَافقه أَنَّهُمَا ليسَا شَهَادَة على فعل نَفسه انْتهى كَلَامه
وَقَالَ القَاضِي قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لَا تجوز شَهَادَتهمَا
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَكَذَلِكَ قَالَ القَاضِي فِي مَسْأَلَة الحكم بِالْعلمِ فِي حكمه بِعِلْمِهِ سَبَب يُوجب التُّهْمَة وَهُوَ أَنه يثبت حكمه بقوله فَهُوَ كقاسمي الْحَاكِم إِذا شَهدا بِالْقِسْمَةِ لم يحكم بِشَهَادَتِهِمَا لِأَنَّهُمَا أثبتا فعلهمَا بِشَهَادَتِهِمَا
وَقَوله وَأما أَصْحَاب الصِّنَاعَة الدنيئة عرفا إِلَى آخِره
فالنخال الَّذِي يغربل فِي الطَّرِيق على فلوس وَغَيرهَا والقمام الَّذِي يجمع القمامة وَهِي الكناسة ويحملها وَالْفِعْل مِنْهُ قُم يقم وَالْجمع قمام والمقمة المكنسة وقممت الْبَيْت كنسته
قَوْله فَتقبل شَهَادَتهم إِذا عرف حسن طريقتهم فِي دينهم
لِأَن للنَّاس حَاجَة إِلَى ذَلِك فَرد شَهَادَة فَاعله تمنع من تعاطيه وَمن الْأَصْحَاب من ذكر الْمَسْأَلَة على الْوَجْهَيْنِ وَمِنْهُم من ذكر فِيهَا رِوَايَتَيْنِ
وَوجه عدم الْقبُول أَن تعَاطِي ذَلِك يتجنبه أهل المروءات وَقطع فِي الْكَافِي أَن الحائك والدباغ والْحَارث تقبل شَهَادَتهم لغَيرهم
وَقطع فِي المغنى بِأَن الكساح والكناس لَا تقبل شَهَادَتهم لغَيرهم وَهُوَ معنى مَا روى عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس ﵄
قَالَ فِي الرِّعَايَة بعد حِكَايَة الْخلاف وَكَذَا الْخلاف فِي النخاس والدباب والوقاد والصائغ
стр. 342
قَالَ ابْن حمدَان وَكَذَا الْجَصَّاص والطفيلي والقيم والمصارع والمصور والمكاري والحمال والجزار وَمن لبس من الرِّجَال زِيّ النِّسَاء أَو زِيّ أهل الذِّمَّة أَو غير زِيّ بَلَده الَّذِي يسكنهُ أَو غير الزي الْمُعْتَاد بِلَا عذر أَو أَكثر الضحك والاستهزاء بِالنَّاسِ وَكَلَامهم وإطراحهم ومناكدتهم
وَقَالَ فِي الْمُغنِي فَأَما سَائِر الصناعات الَّتِي لَا دناءة فِيهَا فَلَا لَا ترد الشَّهَادَة إِلَّا من كَانَ مِنْهُم يحلف كَاذِبًا أَو يعد ويخلف وَغلب هَذَا عَلَيْهِ فَلَا شكّ أَن شَهَادَته ترد وَكَذَلِكَ من كَانَ يُؤَخر الصَّلَاة عَن أَوْقَاتهَا أَولا يتنزه عَن النَّجَاسَات فَلَا شَهَادَة لَهُ وَمن كَانَت صناعته مُحرمَة كصانع الزمامير والطنابير فَلَا شَهَادَة لَهُ وَمن كَانَت صناعته يكثر فِيهَا الرِّبَا كالصائغ والصيرفي وَلم يتق ذَلِك ردَّتْ شَهَادَته
قَالَ وَلَا تقبل شَهَادَة الطفيلي وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي طَعَام النَّاس من غير دَعْوَى وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَلَا نعلم فِيهِ خلافًا قَالَ لِأَنَّهُ يَأْكُل محرما وَيفْعل مَا فِيهِ سفه ودناءة وَذَهَاب مُرُوءَة فَإِن لم يتَكَرَّر هَذَا مِنْهُ لم ترد شَهَادَته فَإِنَّهُ من الصَّغَائِر
وَقَالَ الْأَزجيّ الْحَنْبَلِيّ فِي نِهَايَة الْمطلب لَهُ والصناعات تَنْقَسِم إِلَى مُبَاح وَهِي مَالا دين فِيهِ ككتابة وَبِنَاء وخياطة وَإِلَى حرَام كتصوير وَنَحْوه وَإِلَى مَكْرُوه وَهُوَ مَا يُبَاشر فِيهِ النَّجَاسَة كحجام وجزار
قَالَ وَهل يدْخل الفاصد فِي هَذِه الْكَرَاهَة الظَّاهِر أَنه يلْتَحق بذلك وَكَذَلِكَ الْخِتَان بل أولى لكَونه يُبَاشر العورات وعَلى هَذَا يكره كل كسب
стр. 343
دنىء كدباغ وَسماك وقيم وحلاق وَقد قيل إِن الحمامي يلْتَحق بهؤلاء وَالصَّحِيح أَنه لَا يلْتَحق بهم انْتهى كَلَامه
وَذكره السماك فِي هَؤُلَاءِ فِيهِ نظر وَصرح ابْن عقيل فِي الْفُنُون أَنه لَا تقبل شَهَادَة الْخياط وَفِي ذكره الْخياط نظر
قَوْله إِلَّا بِالْوَصِيَّةِ فِي السّفر مِمَّن حَضَره الْمَوْت من مُسلم أَو كَافِر إِذا لم يُوجد غَيرهم
كَذَا ذكره الْأَصْحَاب تَصْرِيحًا وظاهرا قَالَ القَاضِي نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة عبد الله فَقَالَ قَالَ الله تَعَالَى ٢ ٢٨٢ ﴿مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ وَلَيْسَ مِمَّن يرضى وَقَالَ تَعَالَى ٥ ٩٥ ذَوا عدل وَلَيْسوا بعدول
فَظَاهر الْآيَة يدل على أَن لَا شَهَادَة لَهُم فِي الْمَوَاضِع الَّتِي أجازها أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي السّفر فِي الْوَصِيَّة
وَكَذَلِكَ نقل الْمروزِي فَقَالَ الْآيَة تدل على ذَلِك فيقسمان بِاللَّه ثمَّ أقبل شَهَادَتهم إِذا كَانُوا فِي سفر لَيْسَ فِيهِ غَيرهم وَهَذِه ضَرُورَة
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهل تعْتَبر عَدَالَة الْكَافرين فِي الْوَصِيَّة فِي دينهما عُمُوم كَلَام الْأَصْحَاب يَقْتَضِي أَنه لَا يعْتَبر وَإِن كُنَّا إِذا قبلنَا شَهَادَة بَعضهم على بعض اعْتبرنَا عدالتهم فِي دينهم
وَصرح القَاضِي بِأَن الْعَدَالَة غير مُعْتَبرَة فِي هَذِه الْحَال والقرائن تدل عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْآثَار المرفوعة والموقوفة
وَأما الْمُسلمُونَ فَصرحَ القَاضِي أَنه لَا تقبل شَهَادَة فساق الْمُسلمين فِي هَذِه الْحَال جعله مَحل وفَاق وَاعْتذر عَنهُ انْتهى كَلَامه
стр. 344
وَسَيَأْتِي فِي ذكر مَسْأَلَة ومالا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال كعيوب النِّسَاء من كَلَامه مَا يُخَالِفهُ وَقَالَ أَكثر الْعلمَاء مِنْهُم الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة لَا تقبل شَهَادَتهم على الْمُسلمين بِحَال وَلم أجد بِهَذَا قولا فِي مَذْهَبنَا
وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة حَرْب وَغَيره لَا تجوز شَهَادَة أهل الْكتاب بَعضهم على بعض وَلَا على غَيرهم لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ٣ ٢٨٢ ﴿مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ وَلَيْسوا مِمَّن نرضى وَظَاهره كَقَوْل الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة إِلَّا أَنه صرح بِخِلَافِهِ فِي غير مَوضِع
قَوْله وَفِي اعْتِبَار كَونهم من أهل الْكتاب رِوَايَتَانِ
إِحْدَاهمَا يعْتَبر قطع بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب وَالْكَافِي وَغَيرهمَا لِأَن الأَصْل عدم قبُول خُولِفَ فِي أهل الْكتاب لِأَن الْأَخْبَار المروية فِي ذَلِك إِنَّمَا هِيَ فِي أهل الْكتاب فَيقْتَصر عَلَيْهَا
وَالثَّانيَِة لَا يعْتَبر قدمه فِي الرِّعَايَة وَهُوَ ظَاهر كَلَام جمَاعَة فِي ظَاهر قَوْله تَعَالَى ٥ ١٠٦ ﴿أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ﴾
فعلى الأولى هَل يعتبركونهم من أهل الذِّمَّة ظَاهر كَلَامه فِي الْمُسْتَوْعب وَالْمُغني وَابْن هييرة وَغَيرهم كَلَام أَنه يعْتَبر وَظَاهر كَلَامه فِي الْكَافِي وَغَيره أَنه لَا يعْتَبر وَقدمه فِي الرِّعَايَة فَهَذَا وَجْهَان على هَذِه الرِّوَايَة وَقطع بَعضهم بِأَنَّهُ يعْتَبر أَن يَكُونُوا رجَالًا وَلم أجد مَا يُخَالِفهُ صَرِيحًا
قَوْله ويحلفهم الْحَاكِم بعدالعصر مَا خانوا وَلَا حرفوا وَإِنَّهَا لوَصِيَّة الرجل لِلْآيَةِ وتصريح خبر أبي مُوسَى
قَالَ ابْن قُتَيْبَة لِأَنَّهُ وَقت يعظمه أهل الْأَدْيَان
стр. 345
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا يُنَاسب الشَّهَادَة وَالْأَمَانَة على المَال مَا خانوا فِي الْأَمَانَة وَلَا حرفوا الشَّهَادَة انْتهى كَلَامه
قَالَ فِي الرِّعَايَة يجب ذَلِك وَقيل يسْتَحبّ قَالَ القَاضِي فِي ضمن مَسْأَلَة تَغْلِيظ الْيَمين فِي الدعاوي يحمل الِاسْتِحْلَاف فِي الْآيَة عَلَيْهِ إِذا رَآهُ الإِمَام أزْجر للْحَالِف يَعْنِي كاستحلاف الْخصم
وَقَالَ القَاضِي فِي احكام الْقُرْآن يسْتَحْلف الشُّهُود بعد صَلَاة الْعَصْر إِذا كَانُوا من غير أهل ملتنا إِذا اتهمهم الْوَرَثَة فِي الشَّهَادَة لِأَنَّهُ قَالَ ٥ ١٠٦ ﴿فيقسمان بِاللَّه إِن ارتبتم لَا نشتري بِهِ ثمنا وَلَو كَانَ ذَا قربى﴾ وَلَو كَانَ الْمُوصي الْمَشْهُود لَهُ من ذَوي قربى الشُّهُود ﴿وَلَا نكتم شَهَادَة الله﴾ فِيمَا أوصى بِهِ الْمَيِّت وأشهدهما عَلَيْهِ وَلذَلِك قَالَ فِيمَا بعد ٥ ١٠٨ ﴿أَن ترد أَيْمَان بعد أَيْمَانهم﴾ يَعْنِي أَيْمَان الشُّهُود عِنْد ارتياب الْوَرَثَة
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهَذَا يَقْتَضِي أَن استحلاف الشُّهُود حق للْمَشْهُود عَلَيْهِ فَإِن شَاءَ حلفهم وَإِن شَاءَ لم يحلفهم لَيست حَقًا لله وَهُوَ ظَاهر الْقُرْآن
فصل
لَو حكم حَاكم بِخِلَاف قَوْلنَا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَهَل ينْقض حكمه
احْتج بِهِ فِي المغنى بِالْآيَةِ الْكَرِيمَة ثمَّ قَالَ وَهَذَا نَص الْكتاب وَقضى بِهِ رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه انْتهى كَلَامه
وَقد عرف من مَذْهَبنَا أَن حكم الْحَاكِم ينْقض إِذا خَالف نَص كتاب أَو سنة
وَهَذَا يُوَافق مَا قَالَه فِي الرَّوْضَة أَن النَّص إِذا تطرق إِلَيْهِ الِاحْتِمَال وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ لَا يُخرجهُ عَن كَونه نصا
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين يتَوَجَّه أَن ينْقض حكم الْحَاكِم إِذا حكم بِخِلَاف هَذِه الْآيَة فَإِنَّهُ خَالف نَص الْكتاب بتأويلات غير متجهة انْتهى كَلَامه
стр. 346
وَهَذِه الْمَسْأَلَة قد يعايى بهَا يُقَال أَيْن لنا مُفْردَة لَا يتَحَقَّق فِيهَا خلاف عندنَا لَو حكم حَاكم بِخِلَاف قَوْلنَا فِيهَا نقض حكمه
فصل
الْمَذْهَب أَنه لَا تقبل شَهَادَة الْكَافِر فِي غير الْوَصِيَّة فِي السّفر وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي شَهَادَة بَعضهم على بعض وَقَالَ أَبُو حَفْص الْبَرْمَكِي تقبل شَهَادَة السَّبي بَعضهم على بعض فِي النّسَب إِذا ادّعى الآخر أَنه أَخُوهُ
قَالَ ابْن عقيل وَلَا أعرفهُ التَّعْلِيل يجب أَن يكون تَصْحِيحا لشهادة بَعضهم على بعض فِي الْجُمْلَة
وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي التَّمام لَا تخْتَلف الرِّوَايَة إِذا سبى قوم ثمَّ عتقوا فَادعوا أنسابهم لم يقبل إقرارهم حَتَّى يقيموا الْبَيِّنَة وَاخْتلفت الرِّوَايَة هَل من شَرط الْبَيِّنَة أَن يَكُونُوا من الْمُسلمين على رِوَايَتَيْنِ
أصَحهمَا لَا تسمع إِلَّا من مُسلم وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَالثَّانيَِة تسمع من الْكَافِر
وَجه الأولى اخْتَارَهَا الْخرقِيّ مَا روى الشّعبِيّ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ كتب إِلَى شُرَيْح أَن لَا تورث حميلا حَتَّى تقوم بَيِّنَة من الْمُسلمين والحميل الْمَجْهُول من النّسَب على غَيره وَقد جَاءَ عَن الْعَرَب حميل بِمَعْنى مَحْمُول
وَوجه الثَّانِيَة أَنه يتَعَذَّر إِقَامَة الْمُسلمين فَأشبه الْوَصِيَّة فِي السّفر تقبل فِيهَا شَهَادَة أهل الذِّمَّة لتعذر الْمُسلمين هُنَاكَ انْتهى كَلَامه
وَقد ذكر القَاضِي أَبُو يعلى هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي السَّبي إِذا ادعوا نسبا وَأَقَامُوا بَيِّنَة من الْكفَّار قبلت شَهَادَتهم نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة حَنْبَل وَصَالح وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم لِأَنَّهُ قد تتعذر الْبَيِّنَة العادلة وَلم يجز ذَلِك فِي رِوَايَة عبد الله وَأبي طَالب لِأَنَّهُ لَا نَص فِي ذَلِك
стр. 347
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فعلى هَذَا كل مَوضِع ضَرُورَة غير الْمَنْصُوص فِيهِ رِوَايَتَانِ لَكِن التَّحْلِيف هُنَا لم يتَعَرَّضُوا لَهُ فَيمكن أَن يُقَال لِأَنَّهُ إِنَّمَا يحلف حَيْثُ تكون شَهَادَتهم بَدَلا فِي التحميل بِخِلَاف مَا إِذا كَانُوا أصولا قد علمُوا من غير تحميل
وَقَالَ أَيْضا نقل ابْن صَدَقَة عَن الإِمَام أَحْمد سُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن الرجل يُوصي بأَشْيَاء لأقاربه وَيعتق وَلَا يحضر إِلَّا النِّسَاء هَل تجوز شَهَادَتهنَّ قَالَ نعم تجوز شَهَادَتهنَّ فِي الْحُقُوق ذكرهَا القَاضِي مستشهدا بِقبُول الشَّهَادَة حَال الضَّرُورَة
وَظَاهر هَذِه أَنه تقبل شَهَادَة النِّسَاء منفردات فِي الْوَصِيَّة مُطلقًا كَمَا تقبل شَهَادَة الْكفَّار وَهَذَا يُؤَيّد مَا ذكرته يَعْنِي مَا تقدم من أَنَّهَا تقبل فِي السّفر والحضر إِذا لم يكن ثمَّ مُسلم
وَفِي مَوضِع آخر قَالَ يَعْنِي القَاضِي نقلت من خطّ أبي حَفْص عَن سندى الْقَزاز قَالَ وَسُئِلَ عَن الرجل يُوصي بأَشْيَاء لأقاربه وَيعتق وَلَا يحضرهُ إِلَّا النِّسَاء هَل يجوز شَهَادَتهنَّ فِي الْحُقُوق يحْتَمل أَنَّهَا تقبل مَعَ يَمِين الْمُوصى لَهُ كَأحد الزَّوْجَيْنِ
وَيتَوَجَّهُ أَن يكون ذَلِك فِيمَا لَيْسَ لَهُ مُنكر فَإِن الشَّهَادَة على الْمَيِّت لَيست كَالشَّهَادَةِ على الْحَيّ فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يقر أَو يجْحَد فَإِن جحد كل جَحده مُعَارضا لأَحَدهمَا وَسلم الآخر بِخِلَاف مَالا معَارض لَهُ وَلِهَذَا قُلْنَا إِن الإِمَام لَا يرجع حَتَّى يسبح بِهِ اثْنَان فِي الصَّلَاة وَهَذَا فرق معنوي
وَقَالَ أَيْضا قَول الإِمَام أَحْمد أقبل شَهَادَتهم إِذا كَانُوا فِي سفر لَيْسَ فِيهِ غَيرهم هَذِه ضَرُورَة فَيَقْتَضِي عُمُومه أَنَّهَا لَا تقبل فِي السّفر على كل شَيْء عِنْد عدم
стр. 348
الْمُسلمين فَتقبل على الْإِقْرَار وعَلى نفس الْمَوْت لأجل انْتِقَال الْإِرْث وَزَوَال النِّكَاح وعَلى الْقِتَال وعَلى غير ذَلِك وَهَذَا هُوَ الْقيَاس الْجَلِيّ فَإِنَّهَا إِذا قبلت على الْوَصِيَّة فَلِأَن تقبل على الْمَوْت أولى وَأَحْرَى وَلَيْسَ فِي الْوَصِيَّة معنى إِلَّا وَقد يُوجد فِي غَيرهَا مثله أَو أقوى أَو قريب وَلذَلِك قُلْنَا شَهَادَتهم فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بِالنّسَبِ والولادة فِي مَسْأَلَة الْحميل إِذْ لَيْسَ هُنَاكَ من يعلم النّسَب من الْمُسلمين
قَالَ وَقَوله هَذِه ضَرُورَة يقتضى هَذَا التَّعْلِيل قبُولهَا فِي كل ضَرُورَة حضرا وسفرا وعَلى هَذَا فشهادة بَعضهم على بعض ضَرُورَة فَلَو قيل إِنَّهُم يحلفُونَ فِي شَهَادَة بَعضهم على بعض كَمَا يحلفُونَ فِي شَهَادَتهم على الْمُسلمين وأصحابهم فِي وَصِيَّة السّفر لَكَانَ مُتَوَجها وَلَو قيل بِقبُول شَهَادَتهم مَعَ أَيْمَانهم فِي كل شَيْء عدم فِيهِ الْمُسلمُونَ لَكَانَ لَهُ وَجه وَتَكون شَهَادَتهم بَدَلا مُطلقًا يُؤَيّد مَا ذكرته مَا ذكره القَاضِي وَغَيره محتجا بِهِ وَهُوَ فِي النَّاسِخ والمنسوخ لأبي عبيد أَن رجلا من الْمُسلمين خرج فَمر بقرية فَمَرض وَمَعَهُ رجلَانِ من الْمُسلمين فَدفع إِلَيْهِمَا مَاله ثمَّ قَالَ ادعوا لي من أشهده على مَا قبضتماه فَلم يَجدوا أحدا من الْمُسلمين فِي تِلْكَ الْقرْيَة فدعوا أُنَاسًا من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فأشهدهم على مَا دفع إِلَيْهِمَا وَذكر الْقِصَّة فَانْطَلقُوا إِلَى ابْن مَسْعُود فَأمر الْيَهُود أَن يحلفوا بِاللَّه لقد ترك من المَال كَذَا ولشهادتنا أَحَق من شَهَادَة هذَيْن الْمُسلمين ثمَّ أَمر أهل الْمُتَوفَّى أَن يحلفوا أَن شَهَادَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى حق فَحَلَفُوا فَأَمرهمْ ابْن مَسْعُود أَن يَأْخُذُوا من الْمُسلمين مَا شهِدت بِهِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَكَانَ ذَلِك فِي خلَافَة عُثْمَان ﵁
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس فَهَذِهِ شَهَادَة الْمَيِّت على وَصيته قد قضى بهَا ابْن مَسْعُود مَعَ يَمِين الْوَرَثَة لأَنهم المدعون وَالشَّهَادَة على الْمَيِّت لَا تفْتَقر إِلَى يَمِين الْوَرَثَة
стр. 349
وَلَعَلَّ ابْن مَسْعُود أَخذ هَذَا من جِهَة أَن الْوَرَثَة يسْتَحقُّونَ بأيمانهم على الشَّاهِدين إِذا استحقا إِثْمًا فَلذَلِك يسْتَحقُّونَ على الْوَصِيّين بِشَهَادَة الذميين بطرِيق الأولى وَهَذَا يُؤَيّد مَا ذكرته بَاطِنهَا انْتهى كَلَامه يَعْنِي بَاطِن الورقة وَسَيَأْتِي ذَلِك
فَظهر من مَجْمُوع ذَلِك أَنه هَل تقبل شَهَادَة الْكفَّار فِي غير الْوَصِيَّة فِي السّفر فِي كل شَيْء عِنْد عدم الْمُسلمين حضرا وسفرا أَو لَا تقبل فِي غير الْوَصِيَّة فِي السّفر أَو تقبل ضَرُورَة فِي السّفر خَاصَّة أَو تقبل فِي مَسْأَلَة الْحميل خَاصَّة أَربع رِوَايَات
وَإِذا قبلت شَهَادَتهم فَهَل يحلفُونَ فِيهِ تَفْصِيل سبق وَقد قَالَ ابْن حزم اتَّفقُوا على أَنه لَا يقبل مُشْرك على مُسلم فِي غير الْوَصِيَّة فِي السّفر
فصل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين سنح لي فِي الْآيَة ٥ ١٠٦ ١١٨ أَن وَرَثَة السَّهْمِي لما ادعوا الْجَام المفضض والمخوص فَأنْكر الوصيان الشَّاهِدَانِ أَنه كَانَ هُنَاكَ جَام على ظهر الْجَام الْمُدعى وَذكر مُشْتَرِيه أَنه كَانَ اشْتَرَاهُ من الْوَصِيّين صَار هَذَا لوثا يُقَوي دَعْوَى المدعيين فَإِذا حلف الأوليان أَن الْجَام كَانَ لصَاحِبِهِمْ صدقا فِي ذَلِك وَهَذَا لوث فِي الْأَمْوَال نَظِير اللوث فِي الدِّمَاء لَكِن هُنَاكَ ردَّتْ الْيَمين على الْمُدعى بعد أَن حلف الْمُدعى عَلَيْهِ فَصَارَت يَمِين الْمَطْلُوب وجودهَا كَعَدَمِهِ كَمَا أَنه فِي الدَّم لَا يسْتَحْلف ابْتِدَاء وَفِي كلا الْمَوْضِعَيْنِ يعْطى الْمُدعى بِدَعْوَاهُ مَعَ يَمِينه وَإِن كَانَ الْمَطْلُوب حَالفا أَو باذلا للْحَالِف وَفِي استحلاف الله للأوليين دَلِيل على مثل ذَلِك فِي الدَّم حَتَّى تصير يَمِين الْأَوليين مُقَابلَة ليمين المطلوبين فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ حلفا أَن الْجَام لصَاحِبِهِمْ وَفِي حَدِيث عِكْرِمَة ادّعَيَا أَنَّهُمَا اشترياه مِنْهُ فَحلف الأوليان على
стр. 350
أَنَّهُمَا مَا كتما وَلَا غيبا وَهِي أَشْيَاء فَكَانَ فِي هَذِه الرِّوَايَة أَنه لما كذبهما بِأَنَّهُ لم يكن لَهُ جَام ردَّتْ الْأَيْمَان على المدعيين فِي جَمِيع مَا ادعوهُ
فجنس هَذَا الْبَاب أَن الْمَطْلُوب إِذا حلف ثمَّ ظهر كذبه هَل يقْضِي للْمُدَّعى بِيَمِينِهِ فِيمَا يَدعِيهِ لِأَن الْيَمين مَشْرُوعَة فِي جَانب الْأَقْوَى فَإِذا ظهر صدق الْمُدعى فِي الْبَعْض وَكذب الْمَطْلُوب قوى جَانب الْمُدَّعِي فَحلف كَمَا يحلف مَعَ شَاهد وَاحِد وكما يحلف صَاحب الْيَد الْعُرْفِيَّة مقدما على الْيَد الحسية
قَالَ وَقَالَ القَاضِي فِي أَحْكَام الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى ٥ ١٠٧ ﴿فَإِن عثر على أَنَّهُمَا استحقا إِثْمًا﴾ يَعْنِي ظُهُور شَيْء من مَال الْمَيِّت فِي يَد الْوَصِيّ لم يشهدَا بِهِ ﴿فآخران يقومان مقامهما﴾ يَعْنِي فِي الْيَمين لِأَن الْوَصِيّ يحصل مُدعيًا وَالْوَرَثَة ينكرونه فَصَارَت الْيَمين عَلَيْهِم وعسي أَنه لَو لم يكن للْمَيت إِلَّا وارثان فَكَانَا يدعيا عَلَيْهَا لِأَن هَذِه الْآيَة وَردت على سَبَب معِين فَيحْتَمل أَن يكون الْوَرَثَة اثْنَان
وَقَالَ فِي مَسْأَلَة الْقَضَاء بِالنّكُولِ هَذِه الْآيَة وَردت فِي شَهَادَة أهل الذِّمَّة فِي الْوَصِيَّة فِي السّفر إِذا شهدُوا على الْمَيِّت وَحلف الشُّهُود إِذا كَانُوا من أهل الذِّمَّة ثمَّ ظهر فِي يَد الْوَصِيّ شَيْء من مَال الْمَيِّت لم يشْهد بِهِ الشُّهُود فَإِن للْوَرَثَة أَن يحلفوا أَنه لم يوص بِهِ لأَنهم منكرون لدعوى الْوَصِيّ أَنه موصى لَهُ فَيكون قَوْله تَعَالَى ٥ ١٠٨ ﴿أَن ترد أَيْمَان بعد أَيْمَانهم﴾ يَعْنِي أَيْمَان الْوَرَثَة فِيمَا ظهر أَنه لم يكن موصى بِهِ بعد أَيْمَان الشُّهُود أَنه كَانَ موصى بِهِ
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَيفَ بعد أَيْمَان الشُّهُود أَنه كَانَ موصى بِهِ وَقد قَالَ لم يشْهد بِهِ الشُّهُود لَكِن كَأَنَّهُ قصد بعد أَيْمَان الشُّهُود فِيمَا شهدُوا أَنه موصى بِهِ وَهَذَا الْمَعْنى ضَعِيف لِأَن رد الْيَمين بِهَذَا الِاعْتِبَار لأوصيتم على
стр. 351
بِهِ حَتَّى يحلفوا أَن ترد أَيْمَان بعد أَيْمَانهم اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال هَذَا يحملهم على أَن يشْهدُوا بِجَمِيعِ مَا قَبضه الْوَصِيّ وَلَا يكتموا الشَّهَادَة بِبَعْض مَا قَبضه لِئَلَّا ترد لَكِن الشَّهَادَة عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ لَيست شَهَادَة على الْمَيِّت وَهل حكمهَا حكمهَا قد بَينته فِي غير هَذَا الْموضع
وَقَالَ يَعْنِي القَاضِي من يَقُول يرد الْيَمين على الْمُدعى إِذا نكل الْمَطْلُوب يَقُول معنى الْآيَة أقرّ برد أَيْمَان عِنْد عدم أَيْمَانهم
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَقد ذكر الْمَالِكِيَّة مَسْأَلَة يحكم فِيهَا بِيَمِين المدعيين على أحد الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ مَا إِذا غَار قوم على بَيت رجل فَأخذُوا مَا فِيهِ وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِم وَلم يشْهدُوا على مُعَاينَة مَا أَخَذُوهُ وَلَكِن على أَنهم أَغَارُوا وانتبهوا فَقَالَ ابْن الْقَاسِم وَابْن الْمَاجشون القَوْل قَول المنتهب مَعَ يَمِينه لِأَن مَالِكًا قَالَ فِي منتهب الصرة يَخْتَلِفَانِ فِي عَددهَا القَوْل قَول المنتهب مَعَ يَمِينه وَقَالَ مطرف وَابْن كنَانَة وَابْن حبيب القَوْل قَول المنتهب مِنْهُ مَعَ يَمِينه فِيمَا يشبه وَيحمل على الظَّالِم قَالَ مطرف وَمن أَخذ من المغيرين ضمن مَا أَخذه رفاقه لِأَن بَعضهم عون لبَعض كالسراق الْمُحَاربين وَلَو أخذُوا جَمِيعًا وهم أملياء كل وَاحِد مِنْهُم مَا ينوبه وَقَالَ ابْن الْمَاجشون وَأصبغ فِي الضَّمَان قَالُوا والمغيرون كالمحاربين إِذا شهروا السِّلَاح على وَجه المكابرة كَانَ ذَلِك على أصل مَا مره بَينهم أَو على وَجه الْفساد وَكَذَلِكَ والى الْبَلَد يُغير على أهل ولَايَته وينهب ظلما مثل ذَلِك فِي المغيرين
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين المحاربون قصدهم المَال مُطلقًا والمغيرون قصدهم من قوم بأعيانهم
قَالَ ابْن الْقَاسِم وَلَو ثَبت أَن رجلَيْنِ غصبا عبدا ففات فَلهُ بِهِ أَخذ قِيمَته من الملىء وَيتبع الملىء ذمَّة رَفِيقه المعدم بِمَا ينوبه انْتهى كَلَامه
стр. 352
فصل
قَالَ القَاضِي لَا يحلف الشَّاهِد على أصلنَا إِلَّا فِي موضِعين هُنَا وَفِي شَهَادَة الْمَرْأَة بِالرّضَاعِ
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَانِ الموضعان قبل فيهمَا الْكَافِر وَالْمَرْأَة وَحدهَا للضَّرُورَة فقياسه أَن كل من قبلت شَهَادَته للضَّرُورَة اسْتحْلف
قَوْله وَعنهُ تقبل شَهَادَة أهل الذِّمَّة بَعضهم على بعض
نقل الْجَمَاعَة الْمَرْوذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَحرب والميموني لَا تجوز شَهَادَة بَعضهم على بعض وَلَا على غَيرهم لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ٢ ٢٨٢ ﴿مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ وَلَيْسَ الذِّمِّيّ مِمَّن نرضى وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ
قَالَ القَاضِي وَنقل حَنْبَل عَنهُ تجوز شَهَادَة بَعضهم على بعض
وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِي ذَلِك فَقَالَ أَبُو بكر الْخلال وَصَاحبه غلط حَنْبَل فِيمَا نقل وَالْمذهب أَنه لَا تقبل
وَكَانَ شَيخنَا يحمل الْمَسْأَلَة على رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهمَا تجوز شَهَادَة بَعضهم على بعض على ظَاهر مَا رَوَاهُ حَنْبَل وَالثَّانيَِة لَا تجوز وَهُوَ الصَّحِيح انْتهى كَلَامه
قَالَ أَبُو الْخطاب وَقَالَ ابْن حَامِد وَشَيخنَا الْمَسْأَلَة على رِوَايَتَيْنِ قَالَ وَهُوَ الصَّحِيح فَإِن حنبلا ثِقَة ضَابِط وَرِوَايَته أقوى فِي بَاب الْقيَاس ويعضد هَذَا أَن الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى أجَاز شَهَادَتهم على الْمُسلمين فِي الْوَصِيَّة فِي السّفر فلولا كَونهم أَهلا للشَّهَادَة لما جَازَت وَنصر أَبُو الْخطاب هَذِه الرِّوَايَة وَهِي قَول أبي حنيفَة وَجَمَاعَة
стр. 353
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهِي إِن شَاءَ الله أصح انْتهى كَلَامه وَقد روى جَابر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ أجَاز شَهَادَة بَعضهم على بعض رَوَاهُ ابْن ماجة وَغَيره من رِوَايَة مجَالد وَهُوَ ضَعِيف عِنْد الْأَكْثَر وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ الْيَمين فَإِنَّهَا تسمى شَهَادَة قَالَ الله تَعَالَى ٢٤ ٦ ﴿فشهادة أحدهم﴾
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهَذَا الْخلاف على أصلنَا إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ لَا نجيز شَهَادَتهم على الْمُسلمين فَأَما إِذا أجزنا شَهَادَتهم على الْمُسلمين فعلى أنفسهم أولى كَمَا ذكره الْجد فِي الْوَصِيَّة فِي السّفر وَقد ذكر فِي قبُول شَهَادَتهم فِي كل ضَرُورَة غير الْوَصِيَّة رِوَايَتَيْنِ كَالشَّهَادَةِ على الْأَنْسَاب الَّتِي بَينهم فِي دَار الْحَرْب فعلى هَذِه الرِّوَايَة تقبل شَهَادَة بَعضهم على بعض فِي كل مَوضِع ضَرُورَة كَمَا تقبل على الْمُسلمين وَأولى بِنَفْي التَّحْلِيف وضرورة شَهَادَة بَعضهم على بعض أَكثر من ضَرُورَة الْمُسلمين فَيقرب الْأَمر انْتهى كَلَامه وَقد تقدّمت هَذِه الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا
وَأما على الرِّوَايَة الَّتِي تقبل شَهَادَة بَعضهم على بعض فَتقبل مُطلقًا بَعضهم تَصْرِيحًا وَبَعْضهمْ ظَاهرا لما فِي تكليفهم إِشْهَاد الْمُسلمين من الْحَرج وَالْمَشَقَّة وعَلى هَذِه الرِّوَايَة لَا يخْتَلف
وَتقدم كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَتَارَة مَال إِلَيْهِ مُطلقًا وَتارَة فصل وعَلى هَذِه الرِّوَايَة تعْتَبر عَدَالَته فِي دينه صرح بِهِ القَاضِي وَأَبُو الْخطاب وَغَيرهمَا وَلم أجد مَا يُخَالِفهُ صَرِيحًا
فصل
ترْجم القَاضِي وَغَيره الْمَسْأَلَة بِقبُول شَهَادَة أهل الذِّمَّة بَعضهم على بعض
وَترْجم أَبُو الْخطاب وَغَيره الْمَسْأَلَة بِقبُول شَهَادَة أهل الْكتاب بَعضهم على بعض وَقَالَ فِي أثْنَاء بحث الْمَسْأَلَة فَأَما الْحَرْبِيّ فَلَا تقبل شَهَادَته على أهل ذمتنا
стр. 354
لعلوه على ذمَّة الْإِسْلَام ولانقطاع الْولَايَة بَينه وَبَين أهل الذِّمَّة فَأَما شَهَادَته على حَرْبِيّ مثله فَتقبل
فَظهر من ذَلِك أَنه هَل تقبل شَهَادَة الْمُسْتَأْمن وَالْحَرْبِيّ أَولا أَو تقبل على مثله خَاصَّة فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال وَأَنه هَل تقبل شَهَادَة الذِّمِّيّ على الْمُسْتَأْمن وَالْحَرْبِيّ فِيهِ قَولَانِ
قَوْله وَفِي اعْتِبَار اتِّحَاد الْملَّة وَجْهَان
ذكر أَبُو الْخطاب وَغَيره مَا مَعْنَاهُ أَنه إِنَّمَا لم تقبل شَهَادَتهم على الْمُسلمين لأَنهم يعادونهم بِالْبَاطِلِ وَشَهَادَة الْعَدو لَا تقبل وَلَا يلْزمنَا شَهَادَة الْيَهُود على النَّصَارَى فَإنَّا لَا نقبلها إِذا قُلْنَا الْكفْر ملل وَهُوَ رِوَايَة لنا وَبِه قَالَ قَتَادَة وَالزهْرِيّ وَابْن أبي ليلى وَأَبُو عُبَيْدَة وَإِسْحَاق
وَإِذا قُلْنَا الْكفْر مِلَّة وَاحِدَة وَهِي رِوَايَة لنا قبلناها وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَبينهمْ عَدَاوَة ظَاهِرَة وَهِي عَدَاوَة بباطل وَيجوز أَن يُقَال بل وعدواتهم بِحَق لِأَن الْيَهُود تنكر على النَّصَارَى قَوْلهم الْمَسِيح ابْن الله وَهُوَ إِنْكَار بِحَق وَالنَّصَارَى تنكر على الْيَهُود جحد نبوة عِيسَى وَقَوْلهمْ عَزِيز ابْن الله وَهُوَ إِنْكَار بِحَق فَقبلت شَهَادَتهم كَشَهَادَة الْمُسلمين عَلَيْهِم
قَوْله وَلَا تقبل شَهَادَة الصّبيان بِحَال
هَذَا هُوَ الْمَذْهَب وَذكر جمَاعَة أَنه أصح الرِّوَايَات مِنْهُم القَاضِي وَقَالَ نقل ذَلِك الْمَيْمُونِيّ وَحرب وَابْن مَنْصُور فَقَالَ لَا تجوز شَهَادَة الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم أَو يتم لَهُ خَمْسَة عشر سنة وَهُوَ اخْتِيَار الْخرقِيّ وَأبي بكر انْتهى كَلَامه وَاخْتَارَهُ غَيرهمَا من الْأَصْحَاب وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ
стр. 355
قَوْله وَعنهُ تقبل من المميزين إِذا وجدت فيهم بَقِيَّة الشُّرُوط
قَالَ القَاضِي وَفِي رِوَايَة أُخْرَى تجوز شَهَادَته فِي الْجُمْلَة إِذا كَانَ مُمَيّزا وَهُوَ ظَاهر مَا رَوَاهُ ابْن ابراهيم وَسُئِلَ هَل تجوز شَهَادَة الْغُلَام قَالَ إِذا كَانَ ابْن عشر سِنِين أَو اثنى عشرَة سنة وَأقَام شَهَادَته جَازَت شَهَادَته انْتهى كَلَامه
وَهَذَا النَّص إِنَّمَا يدل لما ذكره بعض الْأَصْحَاب من أَنه تقبل شَهَادَة ابْن عشر لِأَنَّهُ يضْرب على الصَّلَاة أشبه الْبَالِغ وَلم أجد مَا ذكره المُصَنّف نصا عَن الإِمَام أَحْمد وَوَجهه أَنه مَأْمُور بِالصَّلَاةِ أشبه الْبَالِغ وَقد يُقَال إِذا وجدت فِيهِ بَقِيَّة الشُّرُوط يدخول فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء﴾ قَالَ ابْن حَامِد تقبل على هَذِه الرِّوَايَة فِي غير الْحُدُود وَالْقصاص كَالْعَبْدِ
قَوْله وَعنهُ لَا تقبل إِلَّا فِي الْجراح إِذا أدوها قبل تفريقهم عَن الْحَال الَّتِي تجارحوا عَلَيْهَا
لِأَن الظَّاهِر صدقهم وضبطهم وَإِذا تفَرقُوا احْتمل أَن تلغو
قَالَ القَاضِي وَفِيه رِوَايَة أُخْرَى تجوز شَهَادَتهم فِي الْجراح وَالْقَتْل إِذا جَاءُوا مُجْتَمعين على الْحَال الَّتِي تجارحوا عَلَيْهَا أَو يشْهد على شَهَادَتهم قبل أَن يتفرقوا وَلَا يلْتَفت بعد ذَلِك إِلَى رجوعهم فَأَما إِن تفَرقُوا ثمَّ شهدُوا بهَا لم تقبل وَهَذَا ظَاهر مَا نَقله حَنْبَل عَنهُ تجوز شَهَادَة الصّبيان فِيمَا بَينهم فِي الْجراح فَإِذا كَانُوا فِي المَال سا بِأَنَّهُم عقلوا
следующие страницы →