Полный текст (570 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
قَوْله وَلَو رَجَعَ شُهُود الزِّنَا دون الْإِحْصَان أَو بِالْعَكْسِ لَزِمَهُم كَمَال الضَّمَان أَي كل دِيَته قَالَ ابْن عبد الْقوي لِأَنَّهُمَا يقران أَن قَتله حصل بكذبهما وَهَذَا فِيهِ نظر ظَاهر وَقَالَ ابْن حمدَان بل نصفهَا وَيَنْبَغِي أَن يخرج هَذَا على الْوَجْه الْأَوْسَط الَّتِي قبلهَا وَأما على الَّذِي قبله فَيلْزم شُهُود الزِّنَا الثُّلُثَانِ وشهود الْإِحْصَان الثُّلُث
قَوْله وَإِن شهد أَرْبَعَة بِالزِّنَا وَاثْنَانِ مِنْهُم بالإحصان صَحَّ
كَمَا لَو شهد بِهِ غَيرهم
قَوْله فَإِن رجم ثمَّ رجعُوا ألزمنا شَاهِدي الْإِحْصَان ثُلثي الدِّيَة على الأول وَثَلَاثَة أرباعها على الثَّانِي وَالْبَاقِي على الآخرين
أما على الأول فَالثُّلُث بِشَهَادَتِهِمَا بالإحصان وَأما على الثَّانِي فالنصف بالإحصان وَالرّبع بِشَهَادَتِهِمَا بِالزِّنَا قَالَ فِي المغنى وَغَيره وَيحْتَمل أَن لَا يجب على شَاهِدي الْإِحْصَان إِلَّا النّصْف لأَنهم كأربعة أنفس حَتَّى اثْنَان جنايتين وجنى الْآخرَانِ أَربع جنايات
قَوْله وَلَو شهد بتعليق الْعتْق شُهُود وبشرطه شُهُود إِلَى آخِره
تقدّمت فِيمَا إِذا شهد شُهُود بِالزِّنَا وشهود بالإحصان وَالتَّعْلِيل وَاحِد
стр. 422
قَوْله وَإِذا حكم فِي مَال بِشَاهِد وَيَمِين ثمَّ رَجَعَ الشَّاهِد عَن الشَّهَادَة غرم المَال كُله نَص عَلَيْهِ
فِي رِوَايَة الْأَثْرَم وَإِبْرَاهِيم بن الْحَارِث وَأبي الْحَارِث يضمن الشَّاهِد جَمِيع المَال وَلَا يرجع بِنصفِهِ على الْمَشْهُود لَهُ وَقَالَ إِنَّمَا ثَبت الْحق بِشَهَادَتِهِ
وَكَذَلِكَ نقل ابْن مشيش وَابْن بختان وَهَذَا قَول مَالك
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بنى القَاضِي الْمَسْأَلَة على أَن الحكم إِنَّمَا وَقع بِالشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا الْيَمين للِاحْتِيَاط كاليمين مَعَ الشَّاهِدين على الْغَائِب وَأَن الْيَمين قَول الْمُدعى فَلَا يحكم لَهُ بهَا وَهَذِه بحوث تشبه بحوث الْحَنَفِيَّة فَإِنَّهُم لَا يجْعَلُونَ الْيَمين فِي جنبة الْمُدعى قطّ وَيتَوَجَّهُ للمسألة مَأْخَذ آخر وَهُوَ أَن الْيَمين هُنَا قَول آخر فَأَشْبَهت دَعْوَاهُ وَقَبضه فَإِن الشَّاهِد هُوَ الَّذِي مكنه من أَن يحلف وَيَأْخُذ كَمَا أَن الشَّاهِدين هما اللَّذَان مكناه من أَن يَأْخُذ أَلا ترى أَنه لَا يحلف إِلَّا بعد الشَّهَادَة بِخِلَاف أحد الشَّاهِدين مَعَ الآخر وَحَقِيقَته أَن الشَّاهِد متسبب فِي الْإِتْلَاف والحالف مبَاشر وَلم يُمكن إِحَالَة الحكم عَلَيْهِ فيحال على السَّبَب وكل وَاحِد من الشَّاهِدين متسبب وَهَذَا فقه جيد يبين بِهِ حسن فقه أبي عبد الله
وَقَالَ القَاضِي فِي التَّعْلِيق ضمن مَسْأَلَة الشَّاهِد إِذا ادّعى على ميت أَو صبي أَو مَجْنُون واستحلفه الْحَاكِم مَعَ بَينته فَإِن الحكم بِالْبَيِّنَةِ لَا بِالْيَمِينِ ذكره مَحل وفَاق فَلَو رَجَعَ الشَّاهِدَانِ هُنَا ضمنا جَمِيع المَال قَالَ وَهُوَ يسْتَحْلف عندنَا إِذا ألزمهُ الْحَاكِم وفيهَا رِوَايَتَانِ مُطلقًا فَاعْتَذر الْمُخَالف بِأَن الْيَمين هُنَاكَ على وَجه الِاسْتِظْهَار لِأَن الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يعبر عَن نَفسه وَالْيَمِين هُنَا لإِثْبَات الْحق فَقَالَ لَا نسلم أَنَّهَا لإِثْبَات الْحق وَإِنَّمَا هِيَ للِاحْتِيَاط وَإِنَّمَا يثبت الْحق بِالشَّاهِدِ
стр. 423
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهَذَا يُؤَيّد أَن الرِّوَايَتَيْنِ فِي مَسْأَلَة الْغَائِب أَن يحلف على ثُبُوت الْحق الْمَشْهُود بِهِ لَا على بَقَائِهِ كَمَا فِي الشَّاهِد وَالْيَمِين إِذْ لَوْلَا ذَلِك لَكَانَ عذر الْمُخَالف عَن تِلْكَ الْمَسْأَلَة ظَاهرا لِأَن الْمَحْلُوف عَلَيْهِ الْمَشْهُود بِهِ
قَوْله وَقيل يغرم النّصْف
خرجه أَبُو الْخطاب من رد الْيَمين على الْمُدعى وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَحَكَاهُ بَعضهم عَن مَالك وَرِوَايَة عَن الشَّافِعِي يرجع بِنصفِهِ على الْمَشْهُود لَهُ
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهَذِه الْعبارَة لَيست بجيدة إِلَّا فِيمَا إِذا رجعا مَعًا وَفِي هَذِه الصُّورَة قَرَار الْجَمِيع على الْمَشْهُود لَهُ وَأما الشَّاهِد فَيضمن إِمَّا الْجَمِيع وَإِمَّا النّصْف وَيرجع بِهِ
قَوْله وَيضمن شُهُود التَّزْكِيَة إِذا رجعُوا عَنْهَا مَا يضمنهُ من زكوهم لَو رجعُوا
وَكَذَا ذكره الشَّيْخ موفق الدّين مَحل وفَاق قَاس عَلَيْهِ رُجُوع شُهُود الأَصْل لِأَن الحكم ينبنى على شَهَادَتهم كشهود الْفَرْع
فصل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَإِذا تبين خطأ الشُّهُود أَو كذبهمْ أَو خطأ المزكين فَهُنَا الحكم بَاطِل لَكِن يَنْبَغِي أَن تكون الشَّهَادَة أَو التَّزْكِيَة سَببا للضَّمَان والقرار على الْمُتْلف بِخِلَاف الرُّجُوع فَإِنَّهُ لَا ضَمَان إِلَّا على الرَّاجِع انْتهى كَلَامه
وَلَعَلَّ هَذِه الْمَعْنى يُؤْخَذ من كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره
وَقَالَ القَاضِي لَو شَهدا عَلَيْهِ بالقرض فَحكم الْحَاكِم عَلَيْهِ بِالْمَالِ وَسلمهُ إِلَى الْمقْرض ثمَّ أَقَامَ الْمَشْهُود عَلَيْهِ الْبَيِّنَة بعد ذَلِك أَنه كَانَ قَضَاهُ لم يضمن شُهُود
стр. 424
الْقَرْض لِأَنَّهُ لم يكن فِي شَهَادَتهم إِثْبَات المَال فِي الْحَال وَلَو كَانُوا شهدُوا بِأَن لفُلَان عَلَيْهِ ألف دِرْهَم فَحكم الْحَاكِم بِشَهَادَتِهِم ثمَّ أَقَامَ الْمقْضِي عَلَيْهِ الْبَيِّنَة أَنه كَانَ قَضَاهُ قبل ذَلِك ضمن الشُّهُود الَّذين شهدُوا بِالْمَالِ ذكره مَحل وفَاق مَعَ الْحَنَفِيَّة
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهَذَا يقتضى أَن خطأ الْمَشْهُود مُوجب للضَّمَان كرجوعهم وَإِن ظهر ذَلِك بِبَيِّنَة كَمَا قيل فِي شَاهد الزُّور قد يظْهر كذبة بِإِقْرَار أَو تَبْيِين لَكِن هُنَا قَالُوا بِبَيِّنَة
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَكَذَا يجب فَإِن الشَّهَادَة إِذا كَانَت بَاطِلَة فَسَوَاء علم بُطْلَانهَا برجوعهم أَو بطرِيق آخر وَكَذَلِكَ التَّزْكِيَة لَو ظهر فسق الشُّهُود ضمن المزكون وَكَذَلِكَ يجب أَن يكون فِي الْولَايَة لَو أَرَادَ الإِمَام أَن يولي قَاضِيا أَو واليا لَا يعرفهُ فَسَأَلَ عَنهُ فزكاه أَقوام ووصفوه بِمَا يصلح مَعَه للولاية ثمَّ رجعُوا أَو ظهر بطلَان تزكيتهم فَيَنْبَغِي أَن يضمنوا مَا أفْسدهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي وَكَذَلِكَ لَو أشاروا عَلَيْهِ أَو أَمرُوهُ بولايته فَإِن الْآمِر بِالْأَمر بِمَنْزِلَة الشَّهَادَة بِالشَّهَادَةِ لَكِن الَّذِي لَا ريب فِي ضَمَانه من تعمد الْمعْصِيَة مثل أَن يعلم مِنْهُ الْخِيَانَة أَو الْعَجز ويخبر عَنهُ بِخِلَاف ذَلِك أَو يَأْمر بولايته أَو يكون لَا يعلم بِحَالهِ ويزكيه أَو يُشِير بِهِ فَأَما إِذا اعْتقد صَلَاحه وَأَخْطَأ فَهَذَا مَعْذُور وَالسَّبَب هُنَا لَيْسَ محرما وعَلى هَذَا فالمزكى لِلْعَامِلِ من الْمقْرض وَالْمُشْتَرِي وَالْوَكِيل كَذَلِك فالتزكية أبدا جنس وَاحِد وَأما الْأَمر فَهُوَ نَظِير التَّزْكِيَة الَّتِي هِيَ خبر انْتهى كَلَامه
قَوْله وَإِذا رَجَعَ شُهُود الْحق قبل الحكم لغت شَهَادَتهم وَلم يضمنوا
وَهَذَا قَول عَامَّة الْعلمَاء لِأَنَّهَا شَرط الحكم فَيشْتَرط استدامتها إِلَى انقضائه كعدالتها وَلِأَن رُجُوعهَا يظْهر كذبهَا وَلِأَنَّهُ يَزُول ظَنّه فِي أَن مَا شهد بِهِ حق
стр. 425
كَمَا لَو تغير اجْتِهَاده وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة الْأَثْرَم فِي شَاهِدين شَهدا على رجل بِأَلف دِرْهَم فَقَالَ أَحدهمَا بعد إِقَامَة الشَّهَادَة قد قَضَاهُ مِنْهَا خَمْسمِائَة دِرْهَم قد أفسد مَا شهد بِهِ إِذا كَانَ بِحَضْرَة ذَلِك وَلَو جَاءَ بعد هَذَا الْمجْلس فَقَالَ أشهد أَن قَضَاهُ مِنْهَا خَمْسمِائَة لم يقبل لِأَنَّهُ قد أمضى الشَّهَادَة قَالَ ابْن عقيل وَظَاهر هَذَا من كَلَامه أَنه لم يعْتَبر حكم الْحَاكِم وَإِنَّمَا اعْتبر انْقِضَاء الْمجْلس وَهُوَ مَحْمُول على أَن الإِمَام أَحْمد أبطل شَهَادَته فِي قدر المرجوع فِيهِ قبل أَن يحكم الْحَاكِم بِشَهَادَتِهِمَا
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عقيب هَذَا النَّص وشهادته بِالْقضَاءِ رُجُوع أَو بِمَنْزِلَة الرُّجُوع وَقد قَالَ إِذا كَانَ فِي غير ذَلِك الْمجْلس لم يقبل لِأَن الشَّهَادَة عِنْد الْحَاكِم قد تعلق بهَا حق الْمَشْهُود لَهُ وَثبتت عِنْده فرجوعه حِينَئِذٍ كرجوعه بعد الحكم لَكِن لم يذكر ضَمَانه للْمَشْهُود عَلَيْهِ إِمَّا لعدم الْحَاجة أَو كمذهب الشَّافِعِي انْتهى كَلَامه
قَوْله وَإِذا زَاد الْعدْل فِي شَهَادَته أَو نقص قبل الحكم
قَالَ ابْن مَنْصُور قلت للامام أَحْمد الرجل يُغير شَهَادَته وَيزِيد وَينْقص قَالَ من الرجل الْعدْل لَيْسَ بِهِ بَأْس وَقطع بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب وَالْكَافِي وَغَيرهمَا
وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَإِسْحَاق أَنَّهَا شَهَادَة من عدل كَغَيْرِهَا وَالشَّهَادَة شَرط الحكم فَيجب استمراره على شَهَادَته إِلَى تَمَامه لِأَن مَا ذكره مُحْتَمل لاحْتِمَال سبق اللِّسَان وَقيل يُؤْخَذ بقوله الأول وَهُوَ قَول مَالك لِأَنَّهُ أَدَّاهَا غير مُتَّهم كَمَا لَو اتَّصل بهَا الحكم وَقيل ترد شَهَادَته فِي ذَلِك مُطلقًا وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ لِأَنَّهُ مقرّ بغلط فِي الأولى وَلَا يُؤمن مثله فِي الثَّانِيَة
стр. 426
قَوْله أَو أَدَّاهَا بعد إنكارها قبلت نَص عَلَيْهِ
فِي رِوَايَة ابْن مَنْصُور إِذا قيل لَهُ عنْدك شَهَادَة قَالَ لَا ثمَّ شهد بهَا شَهَادَته جَائِزَة وَكَذَلِكَ ذكره القَاضِي مَحل وفَاق إِذا أنكر الشَّاهِد شَهَادَته ثمَّ شهد بهَا قبلت وَكَذَلِكَ قطع بِهِ جمَاعَة كالمستوعب وَالْكَافِي لِأَن مَا ذكره مُحْتَمل لاحْتِمَال النسْيَان وَقد أَشَارَ أَحْمد إِلَى هَذَا فَقَالَ ذكر مَا لم يقبل ذَلِك وَقيل لَا تقبل كالمدعى إِذا أنكر أَن تكون لَهُ بَيِّنَة فان بَينته لَا تقبل فِي الْمَشْهُور والتفريق بَينهمَا فِيهِ إِشْكَال وَفرق القَاضِي بَين مَسْأَلَة الْكتاب وَبَين الْمُدعى إِذا أنكر الشَّهَادَة لَهُ بِأَن الْبَيِّنَة غير متهمة وَصَاحب الْحق مُتَّهم
قَوْله وَإِذا علم الْحَاكِم بِشَاهِد الزُّور بِإِقْرَارِهِ أَو تبين كذبه يَقِينا عزره وَطَاف بِهِ حَتَّى يشْتَهر أمره وَيُقَال إِنَّا وَجَدْنَاهُ شَاهد زور فَاجْتَنبُوهُ
قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة عبد الله وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فِي شَاهد الزُّور يُطَاف بِهِ فِي حيه ويشهر أمره ويؤدب أَيْضا مَا بِهِ بَأْس
وَقَالَ فِي رِوَايَة ابْن مَنْصُور ويقام للنَّاس وَيعرف ويؤدب وَهَكَذَا فِي رِوَايَة يَعْقُوب يشهر أمره وَبِهَذَا قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لِأَنَّهُ قَول محرم يضر بِهِ النَّاس لَا كَفَّارَة فِيهِ أشبه السب وَالْقَذْف وَلِأَن فِيهِ زجرا وَذكر القَاضِي فِي تَعْزِير الإِمَام على الظِّهَار وَجْهَيْن وَفرق غَيره بِأَن فِيهِ كَفَّارَة وَبِأَنَّهُ يخْتَص بِنَفسِهِ وَلَو سبّ نَفسه أَو شتمها لم يُعَزّر وَلَو سبّ غَيره وَشَتمه عزّر
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا مَعَ قَوْله إِن كل مَعْصِيّة لَا حد فِيهَا وَلَا كَفَّارَة يجب فِيهَا التَّأْدِيب وَالتَّعْزِير انْتهى كَلَامه
стр. 427
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يُعَزّر ثمَّ حكى أَنه يُوقف فِي قومه وَيُقَال إِنَّه شَاهد زور وَحكى عَنهُ عَدمه وَوَافَقَ أَنه إِذا كَانَ مصرا فعل بِهِ ذَلِك لَكِن إِذا ظهر مِنْهُ النَّدَم وَالتَّوْبَة لم يُعَزّر وَقد روى عَن عمر ﵁ أَنه كتب فِيهِ أَن يجلد ظَهره وَفِي رِوَايَة أَرْبَعِينَ ويسخم وَجهه ويطال حَبسه وَيُطَاف بِهِ وَفِي رِوَايَة يحلق رَأسه والأسانيد فِيهَا ضعف
فتأولت الْحَنَفِيَّة ذَلِك على أَنه كَانَ مصرا وَلِهَذَا جمع بَين التَّعْزِير وَالْحَبْس والتسخيم قَالُوا وعندكم يفعل التسخيم وَالْحَبْس وَالتَّعْزِير فَقَالَ القَاضِي الظَّاهِر يَقْتَضِي الْجمع بَينهمَا لَكِن قَامَ دَلِيل الْإِجْمَاع على إِسْقَاط الْحَبْس
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قَالَ الإِمَام أَحْمد يُؤَدب والأثران عَن عمر هُوَ رَوَاهُمَا فَلَعَلَّ الْأَدَب عِنْده هُوَ مَا رَوَاهُ عَن عمر انْتهى كَلَامه
وَنقل عَنهُ حَنْبَل يحكم فِيهِ السُّلْطَان بِمَا يرى وَقَالَ فِي رِوَايَة مهنا يبْعَث بِهِ إِلَى مَجْلِسه ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا فلَان شهد بالزور اعرفوه فَقلت لَهُ ثمَّ يضْرب قَالَ نعم قلت كم قَالَ يُعَزّر كم قَالَ نصف الْحَد لَا أقل قلت ويسود وَجهه قَالَ قد روى عَن عمر أَنه سود وَجه شَاهد الزُّور قلت ترى أَنْت أَن يسود وَجهه قَالَ لَا أرى فَرَأَيْت أَنه كره تسويد الْوَجْه
وَنقل عَنهُ حَنْبَل أَيْضا قَالَ يبين أمره قلت لَهُ فَعَلَيهِ عُقُوبَة فِي نَفسه قَالَ يبين للنَّاس أمره ويشهر لِئَلَّا يغر غَيره وَلَا يغتر بِهِ وَذَاكَ إِلَى السُّلْطَان إِن شَاءَ عاقب
وَقَالَ القَاضِي وَغَيره لَا يزِيد فِي التَّعْزِير على عشر جلدات وَالله أعلم بِمَعْنى قَول الإِمَام أَحْمد نصف الْحَد
قَالَ ابْن عقيل وَلَا أَدْرِي من أَيْن لَهُ هَذَا التَّقْدِير يَعْنِي القَاضِي وَقَالَ ابْن عقيل أَيْضا قَالَ أَصْحَابنَا وَلَا يركب وَلَا يحلق رَأسه وَلَا يمثل بِهِ وَهَذَا
стр. 428
إِنَّمَا يكون بِحَسب حَاله فعندي أَنه لَا يفعل ذَلِك بِمن ندرت مِنْهُ نادرة وَهُوَ من أهل البيوتات وَذَوي الهيئات فَأَما إِن كَانَ مَعْرُوفا بذلك يتَكَرَّر مِنْهُ أشباه ذَلِك فردعه بِمَا يرَاهُ الْحَاكِم رادعا لمثله وَإِن أفْضى إِلَى إشهاره رَاكِبًا وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ مثل بالعرنيين لما رأى ذَلِك حَدهمْ وعقوبتهم وَالصَّحَابَة ﵃ بعده مثلت لما رَأَتْ ذَلِك فَأَبُو بكر أحرق فِي اللواط وَعلي أحرق الزَّنَادِقَة فِي الأخاديد وَلما شاور أَبُو بكر فِي حد اللواط وَفِي الَّذِي يلاط بِهِ اخْتلف الصَّحَابَة فِي أَنْوَاع الْمثلَة فَقيل يحرق وَقيل يرْجم وَقيل يرْمى من شَاهِق أَعلَى بَيت فِي الْقرْيَة وَقيل يحبس إِلَى أَن يَمُوت انْتهى كَلَامه
وَكَلَام الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة حَنْبَل السَّابِق يشْهد لَهُ
وَاحْتج الْحَنَفِيَّة فَقَالُوا الرُّجُوع عَن القَوْل الْمُوجب وَهُوَ الْإِقْرَار بِالزِّنَا أسقط عَنهُ الْحَد فالرجوع عَن القَوْل الَّذِي يُوجب التَّعْزِير وَهُوَ التزوير على الْمَشْهُود عَلَيْهِ أولى أَن يسْقط عَنهُ
فَقَالَ القَاضِي وَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ الْخلاف فِيمَن تَابَ وَإِنَّمَا الْخلاف فِيمَن ثَبت عَلَيْهِ أَنه شهد بالزور إِمَّا بِقِيَام الْبَيِّنَة على إِقْرَاره بذلك أَو بِعلم الْحَاكِم بِهِ قطعا بِأَن شهد بقتل رجل وَالْحَاكِم يعلم أَنه لم يقتل وَهُوَ أَن يكون الرجل عِنْده وَقت الْقَتْل أَو يكون الَّذِي يَدعِي أَنه مقتول حَيّ لم يقتل فَأَما إِذا تَابَ فَإنَّا لَا نعزره وَقيل لَا يسْقط التَّعْزِير بِالتَّوْبَةِ لِأَنَّهُ قد تعلق بِحَق آدَمِيّ وَهُوَ شَهَادَته عَلَيْهِ وَحُقُوق الْآدَمِيّين لَا تُؤثر فِيهَا التَّوْبَة
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أما إِذا تَابَ بعد الحكم فِيمَا لَا يبطل بِرُجُوعِهِ فَهُنَا قد تعلق بِهِ حق آدَمِيّ ثمَّ تاره يَجِيء إِلَى الإِمَام تَائِبًا فَهَذَا بِمَنْزِلَة قَاطع الطَّرِيق إِذا تَابَ قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِ وَتارَة يَتُوب بعد ظُهُور تزويره فَهُنَا لَا يَنْبَغِي أَن يسْقط
стр. 429
عَنهُ التَّعْزِير وَقد احْتج الْحَنَفِيَّة بِأَنَّهُ ساع فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ فَهُوَ كقاطع الطَّرِيق وَذَلِكَ لَو جَاءَنَا تَائِبًا قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِ لم نعزره كَذَلِك شَاهد الزُّور إِذا جَاءَ تَائِبًا فَقَالَ القَاضِي وَالْجَوَاب عَنهُ مَا تقدم
فصل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْإِقْرَار بِالشَّهَادَةِ هَل يكون بِمَنْزِلَة الشَّهَادَة على الشَّهَادَة فِيهِ حَدِيث الْأمة السَّوْدَاء فِي الرَّضَاع فَإِن عقبَة بن الْحَارِث أخبر النَّبِي ﷺ أَن الْمَرْأَة أخْبرته أَنَّهَا أرضعتهما فَنَهَاهُ عَنْهَا من غير سَماع من الْمَرْأَة وَقد احْتج بِهِ الْأَصْحَاب من قبُول شَهَادَة الْمَرْأَة الْوَاحِدَة فِي الرَّضَاع فلولا أَن الْإِقْرَار بِالشَّهَادَةِ بِمَنْزِلَة الشَّهَادَة مَا صحت الْحجَّة وَهُوَ ظَاهر يُؤَيّدهُ أَن الْإِقْرَار كَحكم الْحَاكِم بِالْعقدِ الْفَاسِد مسوغ للْحَاكِم الثَّانِي أَن ينفذهُ مَعَ مُخَالفَته لمذهبه وَالشَّهَادَة على الشَّهَادَة بِمَنْزِلَة كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي فَإِذا كَانَ الْإِقْرَار بالحكم يجوز الْعَمَل بِهِ كَالشَّهَادَةِ فَكَذَلِك الْإِقْرَار بِالشَّهَادَةِ إِلَّا أَنه إِنَّمَا لم يجب الْعَمَل بِالْإِقْرَارِ بِالْكتاب إِذا خَالف رَأْي القَاضِي الثَّانِي لِأَن إقرارهم لَا يقبل عَلَيْهِ
فَلَو كَانَ الْإِقْرَار بِكِتَاب لَا يرى مُخَالفَته وَجب عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ وعَلى هَذَا فَمَتَى أقرّ أهل الْوَقْف بِكِتَاب يتَضَمَّن شَرط الْوَاقِف أَو غَيره وَجب الْعَمَل بِهِ فِي حَقهم وضابطه أَن الْإِقْرَار ثَلَاثَة أَنْوَاع إِقْرَار بِنَفس الحكم كإقراره بِأَن لَهُ عَليّ ألفا أَو بِأَن هَذَا الْعين ملكه أَو بِأَنِّي عَبده أَو أَنه أَخُوهُ أَو أَنِّي زوجه وَنَحْو ذَلِك وَإِقْرَار بِسَبَبِهِ كَالْإِقْرَارِ بِالْبيعِ وَالْهِبَة وَالْإِرْث وَنَحْو ذَلِك وَإِقْرَار بِحجَّة الحكم كَالْإِقْرَارِ بِالْإِقْرَارِ وَالْإِقْرَار بِالشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَار بالحكم وكل هَذِه شَهَادَات على نَفسه فَأَما الْإِقْرَار بِالسَّبَبِ فمعروف
وَأما الْإِقْرَار بالحكم فمقبول إِلَّا أَن يكون فِيهِ حق لله تَعَالَى وَهُوَ مِمَّا يجهل الْمقر ثُبُوته مثل إِقْرَاره بِأَنَّهُ يجب رجمه أَو يجب قطع يَده أَو يجب حد قذفه
стр. 430
أَو يجب قَتله قودا أَو أَن هَؤُلَاءِ يسْتَحقُّونَ دَمه فالأشبه فِي مثل هَذَا أَن يستفسر عَن صفة الْإِقْرَار كَمَا استفسر النَّبِي ﷺ ماعزا أَو يفرق بَين الْحق الْمَحْض لله تَعَالَى وَبَين الْقود وحد الْقَذْف
وَأما الأقرار بِالْحجَّةِ فمقبول أَيْضا لَكِن لَو قَالَ أَقرَرت بِهَذَا المَال وَكنت غالطا فَهُنَا يتَوَجَّه أَن لَا يحكم بِهَذَا الْإِقْرَار كَمَا لَو قَالَ كَانَ لَهُ عَليّ وَقَضيته لِأَن الْإِقْرَار الأول لم يثبت وَالثَّانِي إِنَّمَا أثْبته على صفة لَا يحكم بهَا فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ شهد على شَاهد وَهُوَ كَاذِب وَالشَّاهِد لم تعلم عَدَالَته وَفِيه نظر
يُوضح هَذَا أَن أَصْحَابنَا شبهوا الشَّهَادَة على الشَّهَادَة بِالشَّهَادَةِ على الْإِقْرَار وقبلوا على كل شَاهد شَاهدا وَالرجل هُنَا أَعنِي عقبَة بن الْحَارِث مقرّ شَاهد على الشَّهَادَة والاحتجاج بِحَدِيث الْأمة السَّوْدَاء على أَن الْإِقْرَار بِالشَّهَادَةِ بِمَنْزِلَة الشَّهَادَة على الشَّهَادَة فِيهِ نظر لِأَنَّهُ فتيا من النَّبِي ﷺ لعدم شُرُوط الحكم من الدَّعْوَى وَغَيرهَا واقتصار الْأَصْحَاب فِي الشَّهَادَة على الشَّهَادَة على مُجَرّد الْمَعْنى يدل على أَنه لَا أثر فِي الْمَسْأَلَة عِنْدهم = كتاب الْإِقْرَار
قَالَ بعض الْأَصْحَاب رَحِمهم الله تَعَالَى الْإِقْرَار الِاعْتِرَاف وَهُوَ إِظْهَار الْحق لفظا وَقيل تَصْدِيق الْمُدعى حقيقه أَو تَقْديرا وَقيل هُوَ صِيغَة صادرة من مُكَلّف مُخْتَار رشيد لمن هُوَ أهل لاسْتِحْقَاق مَا أقرّ بِهِ مكذب للْمقر وَمَا أقرّ بِهِ تَحت حكمه غير مَمْلُوك لَهُ وَقت الْإِقْرَار بِهِ
وَقَالَ ابْن حمدَان هُوَ إِظْهَار الْمُكَلف الرشيد الْمُخْتَار مَا عَلَيْهِ لفظا أَو كِتَابَة فِي الأقيس أَو إِشَارَة أَو على مُوكله أَو موروثه أَو موليه بِمَا يُمكن صدقه فِيهِ
стр. 431
قَوْله أَو كِتَابه فِي الأقيس
وَذكر فِي كِنَايَة الطَّلَاق أَن الْكِتَابَة للحق لَيست إِقْرَارا شَرْعِيًّا فِي الْأَصَح وَقَوله أَو إِشَارَة
بعد مُرَاده من الْأَخْرَس وَنَحْوه أما من غَيره فَلَا أجد فِيهِ خلافًا
وَالْأَصْل فِيهِ الْكتاب وَالسّنة وَأَجْمعُوا على صِحَة الْإِقْرَار قَالَ فِي المغنى لِأَنَّهُ إِخْبَار على وَجه يَنْفِي عَنهُ التُّهْمَة والريبة وَلِهَذَا كَانَ آكِد من الشَّهَادَة فَإِن الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا اعْترف لَا تسمع عَلَيْهِ الشَّهَادَة وَإِن أكذب الْمُدعى بِبَيِّنَتِهِ ثمَّ أكذب الْمقر ثمَّ صدقه سمع
وَيجب الْإِقْرَار بِحَق الْآدَمِيّ وَحقّ الله تَعَالَى الَّذِي لَا يسْقط بِالشُّبْهَةِ كَزَكَاة وَكَفَّارَة وَلَا يَصح إِقْرَار وَاحِد بِمَا لَيْسَ بِيَدِهِ وتصرفه شرعا واختصاصه قَالَ فِي الرِّعَايَة وَلَا بِمَا هُوَ ملكه حِين الْإِقْرَار على الْأَشْهر فِيهِ واطلق غَيره الرِّوَايَتَيْنِ وَنَصّ القَاضِي فِي الْخلاف على صِحَة الإقرارمع أَنه إِضَافَة الْملك إِلَيْهِ قَالَ فِي الرِّعَايَة وَلَا بِمَا يَسْتَحِيل مِنْهُ وَلَا لمن لَا يَصح أَن يثبت ذَلِك لَهُ بِحَال وَإِقْرَاره بِمَا فِي يَد غَيره وتصرفه شرعا وحسا دَعْوَى أَو شَهَادَة فَإِذا صَار بِيَدِهِ وتصرفه شرعا لزمَه حكم إِقْرَاره
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين إِن الْإِقْرَار يَنْقَسِم إِلَى مَا يعلم كذبه كإقراره لمن هُوَ أكبر مِنْهُ أَنه ابْنه وَمن هَذَا الْجِنْس كل إِقْرَار بِحَق أسْندهُ إِلَى سَبَب وَذَلِكَ السَّبَب بَاطِل مثل أَن يقر أَن لَهُ فِي تَرِكَة أَبِيه ثلثهَا بِجِهَة الْإِرْث وَلَيْسَ بوارث أَو أَن لفُلَان عَليّ كَذَا من ثمن كَذَا أقْرض كَذَا أَو نِكَاح كَذَا إِذا كَانَ السَّبَب لَا يثبت بِهِ ذَلِك الْحق فَحَيْثُمَا أضَاف الْحق إِلَى سَبَب بَاطِل فَهُوَ بَاطِل وَإِن أَضَافَهُ إِلَى سَبَب يصلح أَن يكون حَقًا لَكِن قد علم ارتفاعه مثل أَن يَقُول لَهُ عَليّ ألف من ثمن هَذِه الدَّار وَيكون المُشْتَرِي قد أَبرَأَهُ قبل ذَلِك أَولهَا عَليّ
стр. 432
صَدَاقهَا وَتَكون قد أَبرَأته مِنْهُ قبل ذَلِك أَوله عَليّ حَقه من إِرْث أبي ويكونان قد اصطلحا قبل ذَلِك وتبارآ فَهَذَا أَيْضا كَذَلِك لِأَن الْإِقْرَار إِخْبَار فَإِذا كَانَ الْخَبَر قد علم كذبه وبطلانه كَانَ بَاطِلا
قَالَ وَإِلَى مَا يعلم صدقه كإقراره بِأَن هَذَا المَال الَّذِي خَلفه أَبوهُ هُوَ بَينه وَبَين أَخِيه ابْن الْمَيِّت نِصْفَيْنِ وَإِلَى مَا يحْتَمل الْأَمريْنِ فَالْأَصْل فِيهِ التَّصْدِيق إِلَّا أَن يثبت مَا يُعَارضهُ مِمَّا يقفه أَو يرفعهُ
فَالْأول مثل تَكْذِيب الْمقر لَهُ فَإِنَّهُ أَيْضا خبر فَلَيْسَ تَصْدِيق أَحدهمَا أولى من الآخر فَيَعُود الْأَمر كَمَا كَانَ
وَأما الثَّانِي فالبينات فَإِذا قَامَت الْبَيِّنَة بِأَنَّهُ كَانَ مكْرها على إِقْرَاره فإقرار الْمُكْره لَا يَصح أَيْضا وَإِن أمكن أَن يكون مطابقا كَانَ إِقْرَار تلجئة وَهُوَ أَن يتَّفق الْمقر وَالْمقر لَهُ على الْإِقْرَار ظَاهرا مثل بَقَاء الْمقر بِهِ للْمقر فَهُوَ بَاطِل فَإِذا شهِدت بَيِّنَة بِأَنَّهُمَا اتفقَا قبل الْإِقْرَار كَانَ ذَلِك مُبْطلًا لهَذَا الْإِقْرَار وَإِذا كَانَ الْإِقْرَار إنْشَاء فِي الْبَاطِن مثل إِقْرَار الْمَرِيض لمن يقْصد التَّبَرُّع لَهُ إِمَّا بعطية وَإِمَّا بإبراء فَيجْعَل الْإِنْشَاء إِقْرَارا لينفذ
قَالَ فَإِذا قَامَت الْبَيِّنَة بِأَنَّهُمَا اتفقَا على الْإِقْرَار على ذَلِك مثل أَن يشْهد الشَّاهِد أَنه قيل للْمَرِيض أعْط فلَانا ألف دِرْهَم أَو أوص لَهُ بهَا فَقيل لَهُ بل أجعَل ذَلِك إِقْرَارا أَو أَنه قَالَ الْمَرِيض كَيفَ أصنع حَتَّى أعطي فلَانا ألفا من أصل المَال فَقيل لَهُ أقرّ لَهُ بهَا أَو أَن اثْنَيْنِ تَرَاضيا على ذَلِك ثمَّ أمرا بِهِ
стр. 433
الْمَرِيض فَإِنَّهُ يجب الْعَمَل بِهَذِهِ الْبَيِّنَة أَو يَقُول مَا لَهُ عِنْدِي شَيْء أَو مَا لأحد عِنْدِي شَيْء لَكِن أَنا مقرّ أَو أقرّ لَهُ يألف أَو اشْهَدُوا عَليّ أَن لَهُ عِنْدِي ألفا أَو يَقُول بعد ذَلِك لَهُ عِنْدِي ألف فَيكون قد تقدم الْإِقْرَار مَا يُبطلهُ وَمَا يُنَافِيهِ وَإِن شهِدت بَيِّنَة بِأَن هَذَا الْمقر بِهِ لم يكن ملكا للْمقر لَهُ بل كَانَ ملكا للْمقر إِلَى حِين الْإِقْرَار إِن كَانَ عينا أَو كَانَت ذمَّته بريئة مِنْهُ إِن كَانَ دينا فَهَل تقبل هَذِه الْبَيِّنَة فَإِنَّهَا تَضَمَّنت نفيا فَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِن كَانَ نفيا يحاط بِهِ قبل ذَلِك وَإِلَّا لم يقبل وَهل يست فصل الْمقر لَهُ من أَيْن لَك هَذَا الْملك نعم
قَالَ وَكَذَلِكَ يستفصل الْمُدَّعِي عِنْده التُّهْمَة وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ
فصل
من ملك شَيْئا ملك الْإِقْرَار بِهِ وَمن لَا فَلَا وَهَذَا الْمَشْهُور فِي كَلَام الْأَصْحَاب وَثمّ صور مُسْتَثْنَاة
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين مَا يملك إنشاءه يملك الْإِقْرَار بِهِ وَمَا لَا يملكهُ فَإِن كَانَ مِمَّا لَا يُمكنهُ إنشاؤه بِحَال ملك الْإِقْرَار بِهِ أَيْضا كالنسب وَالْوَلَاء وَمَا يُوجب الْقود عَلَيْهِ إِذا لَا طَرِيق إِلَى ثُبُوته إِلَّا بِالْإِقْرَارِ بِهِ فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ بالاستفاضة فِيمَا يتَعَذَّر علمه غَالِبا بِدُونِهَا لَكِن يسْتَثْنى النِّكَاح وَالْولد على مَا فِيهِ من الْخلاف
وَإِن كَانَ مِمَّا يُمكنهُ إنْشَاء سَببه فِي الْجُمْلَة كالأفعال الْمُوجبَة للعقوبة قبل إِذا لم يكن مُتَّهمًا فِيهِ وَأحسن من هَذَا أَن مَا لَا يَصح أَو مَالا يحل إنشاؤه مِنْهُ إِن كَانَ مُتَّهمًا فِي إِقْرَاره بِهِ لم يقبل وَإِلَّا قبل وَهنا يتَبَيَّن أَن الْمقر شَاهد على نَفسه بمالا يُمكنهُ إنشاؤه وَمن هَذَا إِقْرَاره بالبينونة فَإِنَّهُ لَا يملك إنشاءها لكنه لَا يتهم على إِسْقَاط حَقه من الرّجْعَة وَسُقُوط حَقّهَا من النَّفَقَة ضمنا وتبعا
стр. 434
وَقد ذكر القَاضِي فِي إِخْبَار الْحَاكِم بعد الْعَزْل لما قاسه على الْإِخْبَار قبل الْعَزْل فَقيل لَهُ الْمَعْنى فِي الأَصْل أَنه يملك الحكم فَلهَذَا ملك الْإِقْرَار بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك هَهُنَا لِأَنَّهُ لَا يملكهُ فَلم يملك الْإِقْرَار بِهِ كمن بَاعَ عبدا ثمَّ أقرّ أَنه أعْتقهُ أَو بَاعه بعد أَن بَاعه لم يقبل مِنْهُ
فَقَالَ هَذَا غير مُمْتَنع كالوصي إِذا ادّعى دفع المَال إِلَى الصَّبِي بعد بُلُوغه أَو ادّعى الْإِنْفَاق عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يقبل وَإِن كَانَ فِي حَال لَا يملك التَّصَرُّف عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ العَبْد الْمَأْذُون إِذا حجر عَلَيْهِ فَأقر بِثمن مَبِيع فِي حَال الْإِذْن وَكَذَلِكَ الْمكَاتب إِذا أقرّ بعد الْعَجز بِثمن مَبِيع فِي حَال الْكِتَابَة يقبل ذَلِك وَإِن لم يملك ذَلِك فِي حَال الْإِقْرَار كَذَلِك هَهُنَا وَكَذَلِكَ الْمُوصى وَكَذَلِكَ الْمُودع إِذا ادّعى رد الْوَدِيعَة أَو تلفهَا بعد عزل الْمُودع لَهُ وَكَذَلِكَ العَبْد إِذا أقرّ بِجِنَايَة عمدا فَإِنَّهُ يقبل إِقْرَاره وَإِن لم يكن مَالِكًا لما أقرّ بِهِ
قَالَ وَلَا معنى لقَولهم إِن دَعْوَى النَّفَقَة لَا يُمكن إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهَا فَإِنَّهُ منقوض برد الْوَدِيعَة يُمكن إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ يقبل قَوْله فِيهَا وَيقبل والإنفاق على الزَّوْجَة لَا يُمكن إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ وَمَعَ هَذَا لَا يقبل قَوْله فِيهَا
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين تَسْمِيَة هَذِه الْأَشْيَاء إِقْرَارا يجوز وَقد ذكر الْجد وَغَيره تَسْمِيَة بعض هَذَا إِقْرَار وَالتَّحْقِيق أَن يُقَال الْمخبر أَن أخبر بِمَا على نَفسه فَهُوَ مقرّ وَإِن أخبر بِمَا على غَيره لنَفسِهِ فَهُوَ مدعى وَإِن أخبر بِمَا على غَيره لغيره فَإِن كَانَ مؤتمنا عَلَيْهِ فَهُوَ مخبر وَإِلَّا فَهُوَ شَاهد فَالْقَاضِي وَالْوَكِيل والمأذون لَهُ وَالْوَصِيّ كل هَؤُلَاءِ مَأْذُون لَهُم مؤتمنون فإخبارهم بعد الْعَزْل لَيْسَ إِقْرَارا وَإِنَّمَا هُوَ خبر مَحْض انْتهى كَلَامه
فصل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَأَما مَا يملك الْإِنْسَان إنشاءه فَهَل يجوز إِقْرَاره بِهِ
стр. 435
وَيجْعَل الْإِنْشَاء فِي ضمن الْإِقْرَار قَاصِدا بِالْإِقْرَارِ الْإِنْشَاء مثل أَن يقر أَنه ملك ابْنه الشَّيْء الْفُلَانِيّ أَو أَنه قد وقف الْمَكَان الْفُلَانِيّ أَو أَنه وقف عَلَيْهِ من وَاقِف جَائِز الْأَمر يَعْنِي نَفسه انْتهى كَلَامه وَالْجَوَاز مُتَوَجّه
فصل
قَالَ القَاضِي فِي التَّعْلِيق ضمن مَسْأَلَة النّكُول الْإِنْسَان لَا يكون مُخَيّرا بَين أَن يقر وَبَين أَن لَا يقر لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الْحق عَلَيْهِ فَلَا يَسعهُ أَن لَا يقر أَولا يكون عَلَيْهِ فَلَا يَسعهُ أَن يقر لِأَنَّهُ كَاذِب
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَأَما إِذا كَانَ الْإِنْسَان بِبَلَد سُلْطَان ظَالِم أَو قطاع طَرِيق وَنَحْوهم من الظلمَة فخاف أَو يُؤْخَذ مَاله أَو المَال الَّذِي يتْركهُ لوَارِثه أَو المَال الَّذِي بِيَدِهِ للنَّاس إِمَّا بِحجَّة أَنه ميت لَا وَارِث لَهُ أَو بِحجَّة أَنه مَال غَائِب أَو بِلَا حجَّة أصلا فَهَل للْإنْسَان أَن يقر إِقْرَارا يدْفع بِهِ ذَلِك الظُّلم ويحتفظ المَال لصَاحبه مثل أَن يَقُول لحاضر إِنَّه ابْنه أَو يقر أَن لَهُ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا أَو يقْرَأ أَن المَال الَّذِي بِيَدِهِ لفُلَان فَإِن ظَاهر هَذَا الْإِقْرَار يتَضَمَّن مفسدتين إِحْدَاهمَا الْكَذِب وَالثَّانيَِة صرف المَال إِلَى من لَا يسْتَحقّهُ عَمَّن يسْتَحقّهُ وَهَذَا إِقْرَار تلجئه
أما الأول فَيَنْبَغِي أَن يكون كالتعريض فِي الْيَمين فَيجوز لَهُ أَن يتَأَوَّل فِي إِقْرَاره بِأَن يَعْنِي بقوله ابْني كَونه صَغِيرا وَبِقَوْلِهِ أخي أخوة الْإِسْلَام وَأَن المَال الَّذِي بيَدي لَهُ أَي لَهُ ولَايَة قَبضه لكوني قد وكلته فِي إيصاله إِلَى مُسْتَحقّه وَإِن لَهُ فِي ذِمَّتِي عشرَة آلَاف دِرْهَم أَي لَهُ فِي عهدتي أَي يسْتَحق فِيمَا عهِدت إِلَيْهِ قبض ذَلِك وَنَحْو ذَلِك فَإِن النَّبِي كَانَ مَعَ أبي بكر وَأقر أَنه أَخُوهُ وَحلف على ذَلِك وَكَذَلِكَ إِبْرَاهِيم ﵇ أقرّ على زَوجته أَنَّهَا أُخْته وَكَذَلِكَ النَّبِي ﷺ أقرّ أَنهم من مَاء
стр. 436
وَأما الثَّانِيَة فَلَا يجوز ذَلِك إِلَّا إِذا أَزَال هَذِه الْمفْسدَة بِأَن يكون الْمقر أَمينا حَقًا وَالِاحْتِيَاط أَن يشْهد على الْمقر لَهُ أَن هَذَا إِقْرَار تلجئة تَفْسِيره كَذَا وَكَذَا
وَيَنْبَغِي أَن يكون التَّعْرِيض فِي الشَّهَادَة إِذا خَافَ الشَّاهِد من إِظْهَار الْبَاطِن ظلم الْمَشْهُود عَلَيْهِ كَذَلِك بِأَن يستنطق الشَّهَادَة وَلَا يُمكن كتمانها وَكَذَلِكَ التَّعْرِيض فِي الحكم إِذا خَافَ الْحَاكِم من إِظْهَار الْأَمر وُقُوع الظُّلم وَكَذَلِكَ التَّعْرِيض فِي الْفَتْوَى وَالرِّوَايَة وَالْإِقْرَار وَالشَّهَادَة وَالْحكم وَالْفَتْوَى وَالرِّوَايَة يَنْبَغِي أَن يكون كاليمين بل الْيَمين خبر وَزِيَادَة
قَوْله وَلَا يَصح الْإِقْرَار من غير مُكَلّف مُخْتَار
لِأَن الْقَلَم مَرْفُوع عَنهُ بِنَصّ الحَدِيث الْمَشْهُور وكبيعه وَغَيره
وَقَوله مُخْتَار لما تقدم وَلِأَنَّهُ عفى عَن الْمُكْره بِنَصّ الْخَبَر الْمَشْهُور
وَقَالَ الْخلال من تقدم إِلَى الْحَاكِم فدهش فَأقر ثمَّ أنكر قَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم سُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن الرجل يقدم إِلَى السُّلْطَان بِحَق لرجل عَلَيْهِ فيمدده السُّلْطَان فيدهش فَيقر لَهُ ثمَّ يرجع بعد مَا أقرّ بِهِ فَيَقُول هددني ودهشت للسُّلْطَان أَن يَأْخُذهُ بِمَا أقرّ بِهِ أَو يستثبت وَهُوَ رُبمَا علم أَنه أقرّ بتهديده إِيَّاه قَالَ أَبُو عبد الله يُؤْخَذ بِإِقْرَارِهِ الأول
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين السُّلْطَان هُوَ الْحَاكِم كَمَا ترْجم الْخلال والتهديد من الْحَاكِم إِنَّمَا يكون على أَن يَقُول الْحق لَا على أَن يقر مثل أَن يَقُول اعْترف بِالْحَقِّ أَو أَن كذبت عزرتك أَو إِن تبين لي كَذبك أدبتك فيهدده على الْكَذِب
стр. 437
والكتمان ويأمره بِالصّدقِ وَالْبَيَان فَإِن هَذَا حسن فَأَما أَن كَانَ التهديد على نفس الْإِقْرَار فَهَذَا أَمر بِمَا يجوز أَن يكون حَقًا وباطلا ومحرما فَالْأَمْر بِهِ حرَام والتهديد عَلَيْهِ أحرم وَهُوَ مَسْأَلَة الْإِكْرَاه على الْإِقْرَار فَفرق بَين أَن يكرههُ على قَول الْحق مُطلقًا أَو على الْإِقْرَار انْتهى كَلَامه
قَوْله إِلَّا من الصَّبِي الْمَأْذُون لَهُ فَيصح فِي قدر مَا أذن لَهُ فِيهِ إِذا صححنا تصرفه بِالْإِذْنِ
أما قَوْله إِذا صححنا تصرفه بِالْإِذْنِ فقيد وَاضح لِأَنَّهُ إِذا لم يَصح تصرفه بِالْإِذْنِ فوجود الْإِذْن كَعَدَمِهِ لعدم فَائِدَته وَكَذَا مَا زَاده فِي الرِّعَايَة مَعَ اتِّفَاق الدّين واختلافه
وَأما صِحَة إِقْرَاره فِيمَا أذن لَهُ فِيهِ فَهُوَ الْمَذْهَب كَمَا قطع بِهِ هُنَا وَقطع بِهِ غَيره وَلَو كَانَ فِي الْمُحَرر زَاد نَص عَلَيْهِ كَانَ أولى وَهُوَ نَص مَشْهُور قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة مهنا فِي إِقْرَار الْيَتِيم يجوز إِقْرَاره بِقدر مَا أذن لَهُ الْوَصِيّ فِي التِّجَارَة وَهُوَ قَول أبي حنيفَة كَالْبَالِغِ وَالْفرق بالتكليف لَا أثر لَهُ وَقَالَ أَبُو بكر وَابْن أبي مُوسَى إِنَّمَا يَصح إِقْرَاره فِيمَا أذن لَهُ فِي التِّجَارَة فِيهِ فِي الشَّيْء الْيَسِير يتَسَامَح بِهِ كَمَا صَحَّ تصرفه فِيهِ بِدُونِ إِذْنه أَن نقُول لَا يَصح إِقْرَاره مُطلقًا كَقَوْل مَالك وَالشَّافِعِيّ
وَظَاهر مَا رَوَاهُ الْأَثْرَم عَن الإِمَام أَحْمد فِي ابْن أَربع عشرَة سنة كَانَ أَجِيرا مَعَ رجل فقد أستاذه شَيْئا فَأقر الْغُلَام أَنه أَخذه ثمَّ انكره فَقَالَ لَا يجب عَلَيْهِ إِقْرَاره حَتَّى يَأْتِي أحد الْحُدُود الانبات أَو الِاحْتِلَام أَو خَمْسَة عشر سنة
وَقَالَ القَاضِي فِي التَّعْلِيق وَهَذَا مَحْمُول على أَنه غير مَأْذُون لَهُ فِي التِّجَارَة
стр. 438
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد أَنه إِذا أَتَى عَلَيْهِ الْحُدُود صَحَّ إِقْرَاره بِمثل هَذَا وَإِن لم يكن رشيدا وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْجد
لَكِن قد يُقَال يقبل فِي الْحُدُود لَا فِي الْأَمْوَال فتقطع يَده وَلَا يغرم كَالْعَبْدِ انْتهى كَلَامه
وَالْمَشْهُور صِحَة إِقْرَار السَّفِيه بِمَال وَيتبع بِهِ بعد فك الْحجر
فرع
لَو أقرّ الْأَب على ابْنه الْمَأْذُون لَهُ لم ينفذ وَذكره القَاضِي مَحل وفَاق فِي حجَّة الْمُخَالف وَسلمهُ وَاعْتذر بِأَنَّهُ لَا يملك بِإِذْنِهِ الْإِقْرَار وَإِنَّمَا يرْتَفع عَنهُ الْحجر بِإِذْنِهِ فِي التِّجَارَة فَيجوز إِقْرَاره لنَفسِهِ
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا يشبه مَذْهَب أبي حنيفَة وَأما على أصلنَا فَإِنَّمَا اسْتَفَادَ الْإِقْرَار بِإِذْنِهِ بِدَلِيل أَنه يتَقَدَّر فِي قدر مَا أذن فِيهِ وعَلى أصل أبي حنيفَة لَا يتَقَدَّر وَلَو أقرّ الْأَب بِصَدقَة فِي مَال ابْنه فَإِنَّهُ يقبل لِأَن الْأَب يملك التَّصَرُّف
قَوْله وَإِذا أقرّ من يشك فِي بُلُوغه وَذكر أَنه لم يبلغ فَالْقَوْل قَوْله بِلَا يَمِين
وَكَذَا قطع بِهِ الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره أما كَون القَوْل قَوْله فَلِأَن الأَصْل مَعَه وَهُوَ الصغر وَسَيَأْتِي كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي الْفَصْل بعده
وَأما كَونه بِلَا يَمِين فكحكمنا بِعَدَمِ بُلُوغه وَغير الْمُكَلف لَا يجوز تَكْلِيفه بِوُجُوب الْيَمين عَلَيْهِ
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين يتَوَجَّه أَن يجب عَلَيْهِ الْيَمين لِأَنَّهُ إِن كَانَ لم يبلغ لم يضرّهُ وَإِن كَانَ قد بلغ حجزته فَأقر بِالْحَقِّ انْتهى كَلَامه
فَأَما إِن كَانَ اخْتِلَافهمَا بعد ثُبُوت بُلُوغه وَادّعى أَنه حِين الْإِقْرَار لم يبلغ
стр. 439
فَهَل يقبل قَوْله مَعَ يَمِينه عملا بِالْأَصْلِ وَهُوَ الصغر قطع بِهِ فِي المغنى أَولا يقبل لتعليق الْحق بِذِمَّتِهِ ظَاهرا فِيهِ وَجْهَان ذكرهمَا فِي الْكَافِي
وَهَذَا بِخِلَاف دَعْوَى زَوَال الْعقل حِين الْإِقْرَار لِأَن الأَصْل السَّلامَة ذكره الشَّيْخ موفق الدّين
وَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِلَّا أَن يكون يَعْتَرِيه ذَلِك فِي بعض الأحيان فَتكون كَمَسْأَلَة الصَّغِير على الْخلاف كَمَا سوى بَينهمَا فِي دَعْوَى البَائِع الصغر أَو زَوَال الْعقل حِين البيع
قَالَ الشَّيْخ موفق الدّين فَإِن ادّعى أَن كَانَ مكْرها لم يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة فَإِن ثَبت أَنه كَانَ مُقَيّدا أَو مَحْبُوسًا أَو موكلا بِهِ فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه لِأَن هَذِه دلَالَة الْإِكْرَاه انْتهى كَلَامه
وعَلى هَذَا تحرم الشَّهَادَة عَلَيْهِ وَكِتَابَة حجَّة عَلَيْهِ وَمَا أشبه ذَلِك فِي هَذِه الْحَال
فصل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قد نَص أَحْمد على أَنَّهُمَا إِذا اخْتلفَا فَقَالَ بِعْتُك قبل أَن أبلغ وَقَالَ المُشْتَرِي بل بعد بلوغك فَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي وَهَذَا يتَّجه فِي الْإِقْرَار وَسَائِر التَّصَرُّفَات لِأَن الأَصْل فِي الْعُقُود الصِّحَّة فإمَّا أَن يُقَال هَذَا عَام وَإِمَّا أَن يفرق بَين أَن يتَيَقَّن أَنه وَقت التَّصَرُّف كَانَ مشكوكا فِيهِ غير مَحْكُوم بِبُلُوغِهِ أَولا يتَيَقَّن فَإنَّا هُنَا تَيَقنا صُدُور التَّصَرُّف مِمَّن لم نثبت أَهْلِيَّته وَالْأَصْل عدمهَا فقد شككنا فِي الشَّرْط وَهُنَاكَ يجوز صدوره فِي حَال الْأَهْلِيَّة وَحَال عدمهَا وَالظَّاهِر صَدره وَقت الْأَهْلِيَّة وَالْأَصْل عَدمه قبل وَقت الْأَهْلِيَّة والأهلية هُنَا مُتَيَقن وجودهَا
стр. 440
فصل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين سُئِلت عَن مَسْأَلَة وَهِي من أسلم أَبوهُ فَادّعى أَنه بَالغ فَأفْتى بَعضهم بِأَن القَوْل قَوْله فِي ذَلِك وَقلت إِذا لم يقر بِالْبُلُوغِ إِلَى حِين الْإِسْلَام فقد حكم بِإِسْلَامِهِ قبل الْإِقْرَار بِالْبُلُوغِ بِمَنْزِلَة مَا إِذا ادَّعَت انْقِضَاء الْعدة بعد أَن ارتجعها وَهَكَذَا يَجِيء فِي كل من أقرّ بِالْبُلُوغِ بعد حق ثَبت فِي حق الصَّبِي مثل الْإِسْلَام وَثُبُوت الذِّمَّة للْوَلَد تبعا لِأَبِيهِ وَلَو ادّعى الْبلُوغ بعد تصرف الْوَلِيّ وَكَانَ رشيدا أَو بعد تَزْوِيج ولي أبعد مِنْهُ إِلَّا أَن يُقَال لَا يحكم بِإِسْلَام الْوَلَد وذمته حَتَّى يسْأَل هَل بلغ أَو لم يبلغ بِخِلَاف تصرف الْوَلِيّ لَهُ أَو لموليته فَإِن الْولَايَة كَانَت ثَابِتَة وَالْأَصْل بَقَاؤُهَا وَهنا الأَصْل عدم إِسْلَام الْوَلَد وذمته فَيُقَال فِي الرّجْعَة كَذَلِك يَنْبَغِي أَن لَا تصح الرّجْعَة حَتَّى تسْأَل الْمَرْأَة وَمَعَ أَن فِي مَسْأَلَة الرّجْعَة وَجْهَيْن على قَول الْخرقِيّ يَنْبَغِي أَن يكون القَوْل قَوْله هُنَا مُطلقًا كَمَا فِي الرّجْعَة وَمَا ذكرته على الْوَجْه الْمُقدم وَلم أجد فرقا بَين كَون الْمَرْأَة مؤتمنة على فرجهَا فِي انْقِضَاء الْعدة أَو فِي بُلُوغهَا وَهَكَذَا فِي كل مَوضِع كَانَ الْإِنْسَان مؤتمنا فِيهِ إِذا ادّعى ذَلِك بعد تعلق الْحق بِهِ وَنَظِيره اخْتِلَاف الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إِذا ادّعى الْمَجْهُول الرّقّ بعد التَّصَرُّف فَفِيهِ رِوَايَتَانِ لَكِن هُنَاكَ إِذا قبلناه فَلِأَن الرّقّ حق آدَمِيّ فالمقر بِهِ حق آدَمِيّ بِخِلَاف الْحيض أَو الْبلُوغ فَإِنَّهُ سَبَب يثبت لَهُ وَعَلِيهِ بِهِ حُقُوق وَقد يُقَال فِي الرّجْعَة لم يقبل قَوْله لِأَن فِيهِ إبِْطَال حق آدَمِيّ بِخِلَاف الْإِسْلَام والذمة فَيُقَال بل إبِْطَال الْإِسْلَام والعصمة أعظم وَنَظِيره فِي الْمَجْهُول الْمَحْكُوم بِإِسْلَامِهِ كاللقيط فاللقيط إِذا ادّعى الْكفْر بعد الْبلُوغ انْتهى كَلَامه
стр. 441
قَوْله وَمن أكره على أَن يقر لزيد فَأقر لعَمْرو أَو أَن يقر بِدَرَاهِم فَأقر بِدَنَانِير صَحَّ إِقْرَاره
لِأَنَّهُ أقرّ بِمَا لم يكره عَلَيْهِ فَهُوَ كَمَا لَو أقرّ بِهِ ابْتِدَاء
قَوْله وَمن أقرّ فِي مَرضه بِشَيْء فَهُوَ كإقراره فِي صِحَّته
لِأَن لاأصل التَّسَاوِي وَدَعوى مُخَالفَة حَال الْمَرَض وَحَال الصِّحَّة فِي ذَلِك تفْتَقر إِلَى دَلِيل وَالْأَصْل عَدمه وَقد يُعلل بِعَدَمِ التُّهْمَة
فصل
وَلَا تفْتَقر الشَّهَادَة إِلَى أَن يَقُولُوا طَوْعًا فِي صِحَة عقله لِأَن الظَّاهِر السَّلامَة وَصِحَّة الشَّهَادَة دكره فِي المغنى
قَوْله إِلَّا فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا إِقْرَاره بِالْمَالِ لوَارث فَإِنَّهُ لَا يقبل
هَذَا الْمَذْهَب قَالَ القَاضِي نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة الْجَمَاعَة فَقَالَ فِي رِوَايَة ابْن مَنْصُور إِقْرَار الْمَرِيض فِي مَرضه للْوَارِث لَا يجوز
وَقَالَ فِي رِوَايَة أبي طَالب فِي الرجل يقر عِنْد مَوته أَن لامْرَأَته عَلَيْهِ صدَاق ألف دِرْهَم تقيم الْبَيِّنَة على الْألف فَإِن لم تكن بَيِّنَة فصداق نسائها
وَقَالَ فِي رِوَايَة مهنا فِي امْرَأَة أقرَّت فِي مَرضهَا أَنه لَيْسَ لَهَا على زَوجهَا مهر لم يجز إِقْرَارهَا إِلَّا أَن يُقيم شُهُودًا أَنَّهَا أَخَذته وَلَا يصدق قَوْلهَا وَهَذَا قَول أبي حنيفَة كهبته وَلِأَنَّهُ مَحْجُور عَلَيْهِ فَأشبه إِقْرَار الصَّبِي فعلى هَذَا لَو أجَازه
стр. 442
بَقِيَّة الْوَرَثَة صَحَّ ذكره جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ موفق الدّين وَاحْتج لَهُ وَقَالَ مَالك يقبل ذَلِك إِذا كَانَ لَا يتهم لَهُ وَلَا يقبل إِذا كَانَ يتهم لَهُ كمن لَهُ بنت وَابْن عَم فَأقر لبنته لم يَصح وَلَو أقرّ لإبن عَمه صَحَّ وَلَو كَانَت لَهُ زَوْجَة وَابْن عَم صَحَّ إِقْرَاره لِابْنِ الْعم دون الزَّوْجَة وَلَو كَانَت لَهُ زَوْجَة وَولد صَحَّ إِقْرَاره للزَّوْجَة دون الْوَلَد لِأَن عِلّة الْمَنْع التُّهْمَة واختص الحكم بهَا
وَجَوَابه أَن التُّهْمَة لَا يُمكن اعْتِبَارهَا بِنَفسِهَا فاعتبرت مظنتها وَهُوَ الْإِرْث
وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ أَحدهمَا كَقَوْلِنَا وَالثَّانِي يقبل وَهُوَ قَول جمَاعَة مِنْهُم إِسْحَاق كَالْأَجْنَبِيِّ وَالْفرق وَاضح وَسلم الشَّافِعِي على مَا ذكره القَاضِي لَو قَالَ كنت وهبت لفُلَان الْوَارِث كَذَا ثمَّ أتْلفه لَا يجوز بِخِلَاف مَا لَو قَالَ كنت وهبت لفُلَان الْأَجْنَبِيّ كَذَا ثمَّ أتْلفه عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يجوز
وَذكر ابْن الْبَنَّا من أَصْحَابنَا أَنه يَصح إِقْرَار الْمَرِيض بِاسْتِيفَاء دين الصِّحَّة وَالْمَرَض جَمِيعًا
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعب وَهُوَ مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ الْغُرَمَاء غير الْوَارِثين
وَقَالَ ابْن هُبَيْرَة إِذا أقرّ الْمَرِيض بِاسْتِيفَاء دُيُونه قَالَ أَبُو حنيفَة يقبل قَوْله فِي دُيُون الصِّحَّة دون دُيُون الْمَرَض وَقَالَ مَالك إِن كَانَ مِمَّن لَا يتهم قبل إِقْرَاره سَوَاء كَانَ إِقْرَاره فِي الْمَرَض أَو فِي الصِّحَّة وَقَالَ الإِمَام أَحْمد يقبل فِي دُيُون الْمَرَض وَالصِّحَّة جَمِيعًا كَذَا ذكر وَهُوَ صَحِيح لِأَن مُرَاده من أَجْنَبِي وَكَذَا ذكره أَصْحَابنَا فِي كتب الْخلاف
قَالَ فِي الرِّعَايَة وَلَا يَصح إِقْرَار رجل مَرِيض بِقَبض صدَاق وَلَا عوض خلع بِلَا بَيِّنَة وَيصِح بِقَبض حِوَالَة ومبيع وقرض وَنَحْو ذَلِك وَإِن أطلق احْتمل وَجْهَيْن
وَقَالَ الْأَزجيّ فِي نهايته فَإِن أقرّ مَرِيض بِهِبَة أَنَّهَا صدرت مِنْهُ فِي صِحَّته
стр. 443
لأَجْنَبِيّ صَحَّ وَإِن كَانَ لوَارث فَوَجْهَانِ
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي الْإِقْرَار للْوَارِث هُنَا احتمالات أَحدهَا أَن يَجْعَل إِقْرَاره للْوَارِث كَالشَّهَادَةِ فَترد فِي حق من ترد شَهَادَته لَهُ كَالْأَبِ بِخِلَاف من لَا ترد ثمَّ على هَذَا هَل يحلف الْمقر لَهُ مَعَه كالشاهد وَهل تعْتَبر عَدَالَة الْمقر ثَلَاث احتمالات
وَيحْتَمل أَن يفرق مُطلقًا بَين الْعدْل وَغَيره فَإِن الْعدْل مَعَه من الدّين مَا يمنعهُ من الْكَذِب ويخرجه إِلَى بَرَاءَة ذمَّته بِخِلَاف الْفَاجِر وَإِنَّمَا حلف الْمقر لَهُ مَعَ هَذَا للتَّأْكِيد فَإِن فِي قبُول الْإِقْرَار مُطلقًا فَسَادًا عَظِيما وَكَذَا فِي رده مُطلقًا فَسَاد وَإِن كَانَ أقل فَإِن المبطلين فِي هَذَا الْإِقْرَار أَكثر من المحقين وَهَذِه الْحجَّة لمن رده كَالشَّهَادَةِ مَعَ التُّهْمَة وكطلاق الفار انْتهى كَلَامه
فصل
وَإِن كَانَ على الْمَرِيض دين للْوَارِث فَقَالَ القَاضِي هُوَ مَأْمُور بإيصال الْحق إِلَى وَارثه وَيقدر أَن يَقْضِيه دينه بَاطِنا ويوصله إِلَيْهِ فيتخلص بذلك من ظلمه وَإِن كَانَ لَو أقرّ لم يقبل إِقْرَاره كَمَا أَن الْوَصِيّ إِذا كَانَ شَاهدا على الْمَيِّت بدين وَلَيْسَ مَعَه شَاهد غَيره فَهُوَ مَأْمُور بِقَضَاء الدّين سرا وإيصاله إِلَى مُسْتَحقّه ليخلص الْمَيِّت وَإِن أظهر ذَلِك أَو أقرّ بِهِ لم يقبل قَوْله فِيهِ وَلم يثبت بِهِ الدّين وَإِن كَانَ مَأْمُورا بِالْقضَاءِ
فصل
وَيجوز عندنَا للْمَيت الْإِقْرَار لجَمِيع الْوَرَثَة ويخيرون بَين أَخذ المَال وَالْإِقْرَار بِالْإِرْثِ هَذَا لفظ القَاضِي وَأَظنهُ مُوَافقَة للحنفية قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين
قَوْله وَلَو أقرّ لامْرَأَته بِالصَّدَاقِ فلهَا قدر مهر الْمثل بِالزَّوْجِيَّةِ
لَا بِإِقْرَارِهِ وَالَّذِي قطع بِهِ الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره أَنه يَصح الْإِقْرَار لِأَنَّهُ
стр. 444
إِقْرَار بِمَا تحقق سَببه وَلم يعلم الْبَرَاءَة مِنْهُ أشبه مَا لَو اشْترى عبدا من وَارثه فَأقر للْبَائِع بِثمن مثله وَقيل لَا يَصح ذكره فِي الرِّعَايَة
ثمَّ ذكر مَا فِي الْمُحَرر قولا فَيكون وَجه عدم الصِّحَّة أَنه أقرّ لوَارث وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وَصَاحب الْمُحَرر تبع القَاضِي وَهُوَ معنى كَلَامه فِي الْمُسْتَوْعب
قَالَ القَاضِي وَأما إِذا أقرّ لزوجته بِالصَّدَاقِ فَنقل أَبُو طَالب عَنهُ إِذا أقرّ عِنْد مَوته أَن لامْرَأَته عَلَيْهِ صدَاق ألف دِرْهَم تقيم الْبَيِّنَة أَن لَهَا صدَاق ألف دِرْهَم لَا يجوز إِقْرَاره لَهَا لَعَلَّ صَدَاقهَا أقل فَإِن لم يكن لَهَا بَيِّنَة فصداق نسائها إِذا كَانَ ذَلِك يعرف فَإِن لم يعرف ذَلِك يكون ذَلِك من ثلثه
قَالَ فقد نَص على أَنه لَا يقبل إِقْرَاره بِالصَّدَاقِ على الْإِطْلَاق وَإِنَّمَا يقبل مَا صَادف مهر الْمثل لِأَن ثُبُوته بِالْعقدِ لَا بِإِقْرَارِهِ فَإِن تعذر مهر الْمثل اعْتبر من ثلثه وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِي قدر الصَدَاق فَنقل أَبُو الْحَارِث مهر الْمثل لِأَنَّهَا مُعَاوضَة فِي مرض الْمَوْت أشبه ثمن الْمَبِيع وَلَا يعْتَبر من الثُّلُث لِأَنَّهَا وَصِيَّة لوَارث
وَنقل أَبُو طَالب من الثُّلُث لِأَن الزِّيَادَة على مهر الْمثل مُحَابَاة لَا يقابلها عوض فَهِيَ كالمحاباة والمحاباة هُنَاكَ من الثُّلُث فَكَذَلِك هُنَا هَكَذَا نقل الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَلَام القَاضِي ثمَّ قَالَ من عِنْده كَلَامه فِي رِوَايَة أبي طَالب يَقْتَضِي أَنه اذا لم يعرف مهر الْمثل اعْتبر مَا أقرّ بِهِ من الثُّلُث لأَنا قد تَيَقنا أَن لَهَا صَدَاقا فَلم نبطل الْإِقْرَار وَلم نعلم أَن هَذَا كُله وَاجِب فَكَأَنَّهُ ملك أَن يوصى بِهِ لِأَنَّهُ لَا طَرِيق إِلَى مَعْرفَته من غَيره ووصيته من الثُّلُث لِأَنَّهُ غير مُصدق للْوَارِث انْتهى كَلَامه
قَوْله وَلَو أقرّ أَنه كَانَ أَبَانهَا فِي صِحَّته لم يسْقط إرثها
كَذَا ذكره غَيره وَذكر فِي الْمُغنِي أَنه قَول أبي حنيفَة وَمَالك لِأَنَّهُ غير
стр. 445
أَمِين أقرّ بِمَا يسْقط حق غَيره فَهُوَ كإقراره بِمَال غَيره وَعند الشَّافِعِي يقبل
قَوْله وَلَو أقرّ بهَا بدين ثمَّ أَبَانهَا ثمَّ تزَوجهَا لم يَصح إِقْرَاره
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْفرق بَين هَذِه وَبَين أَن يتَبَرَّع فِي مَرضه ظَاهر بِمَنْزِلَة أَن يقر ثمَّ يَصح ثمَّ يمرض ونظيرها أَن يتَبَرَّع لِأَخِيهِ ثمَّ ينحجب بِولد يُولد لَهُ ثمَّ يَمُوت الْوَلَد انْتهى كَلَامه
وَوجه الْمَسْأَلَة أَنه أقرّ لوَارث فِي مرض الْمَوْت أشبه مالو لم يبنهما قَالَ القَاضِي أَوْمَأ إِلَيْهِ أَحْمد فِي رِوَايَة ابْن مَنْصُور فِيمَن أقرّ فِي مَرضه لَا مرأة بدين ثمَّ تزَوجهَا ثمَّ مَاتَ وَهِي وارثة يجوز هَذَا أقرّ لَهَا وَلَيْسَت لَهُ بِامْرَأَة إِلَّا أَن يكون تلجئة فقد أجَاز الْإِقْرَار فَاقْتضى أَنَّهَا لَو كَانَت وارثة لم يَصح وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن إِقْرَاره جَائِز فَإِن برأَ من ذَلِك الْمَرَض ثمَّ تزَوجهَا ثمَّ مَاتَ صَحَّ الْإِقْرَار وفَاقا على مَا ذكره القَاضِي
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَخذ مَذْهَب الإِمَام أَحْمد من عكس علته وَقد يكون الحكم ثَابتا فِي هَذِه الصُّورَة لعِلَّة أُخْرَى عِنْده ثمَّ قَوْله أقرّ لَهَا وَلَيْسَت لَهَا بأمرأة
قد يُرَاد بِهِ لَيست امْرَأَة فِي بعض زمَان الْإِقْرَار ثمَّ الْأَخْذ بتعليله يَقْتَضِي أَنه إِذا صَحَّ ثمَّ تزَوجهَا يكون الْإِقْرَار أَيْضا بَاطِلا وَإِن كَانَ الْبُرْء لَيْسَ من فعله وَقد فرق القَاضِي بالتهمة فِي الطَّلَاق بِأَن يَكُونَا قد تواطآ على ذَلِك وَهَذِه الْعلَّة منتفية فِيمَا إِذا انْفَسَخ النِّكَاح بِغَيْر فعله وَفِيمَا إِذا طَلقهَا ثَلَاثًا وَفِيمَا إِذا كَانَ الزَّوْج الْمُطلق سَفِيها فَيخرج فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ثَلَاثَة أوجه انْتهى كَلَامه
стр. 446
وَالْقَاضِي وَالْأَصْحَاب اعتبروا المظنة وعللوا بِجَوَاز أَن يكون على وَجه الْحِيلَة فقد اكْتسب تُهْمَة فَيخرج وَجه فِي مَسْأَلَة الْمُحَرر فِيهِ بعد والتخريج فِيمَا إِذا برىء من ذَلِك الْمَرَض فِيهِ بعد أَيْضا لِأَن كل مرض مُعْتَبر بِنَفسِهِ بِدَلِيل مَا لَو تبرع فِي الْمَرَض الأول أَو طلق فَارًّا أَو غير ذَلِك
قَوْله وَلَو أقرّ لوَارث ثمَّ صَار عِنْد الْمَوْت أَجْنَبِيّا أَو بِالْعَكْسِ فَهَل يعْتَبر بِحَالَة الْإِقْرَار أَو الْمَوْت على رِوَايَتَيْنِ
إِحْدَاهمَا يعْتَبر بِحَالَة الْإِقْرَار قطع بِهِ القَاضِي وَغَيره وَهُوَ الْمَشْهُور وَنَصره فِي الْمُغنِي لوُجُود التُّهْمَة فِي هَذِه الْحَال بِخِلَاف الْعَكْس كَالشَّهَادَةِ
وَالثَّانيَِة بِحَالَة الْمَوْت وَهِي مَذْهَب الشَّافِعِي لِأَنَّهُ معنى يعْتَبر فِيهِ عدم الْمِيرَاث فَأشبه الْوَصِيَّة وَالْفرق أَن الْوَصِيَّة عَطِيَّة بعد الْمَوْت فَاعْتبر فِيهَا حَالَة الْمَوْت بِخِلَاف مَسْأَلَتنَا
قَوْله وَإِذا أقرّ بدين لوَارث وأجنبي لزمَه فِي حِصَّة الْأَجْنَبِيّ
هَذَا هُوَ الْمَنْصُور فِي الْمَذْهَب كَمَا لَو كَانَ الْإِقْرَار بلفظين
قَالَ القَاضِي وَهَذَا بِنَاء على أصلنَا فِي تَفْرِيق الصَّفْقَة فِي البيع مَعَ انْتِفَاء الْجَهَالَة فِيهِ فَأولى أَن يفرق فِي الْإِقْرَار مَعَ دُخُول الْجَهَالَة فِيهِ
وَذكر أَبُو الْخطاب وَالْأَصْحَاب قولا بِعَدَمِ اللُّزُوم وَالصِّحَّة أخذا من تَفْرِيق الصَّفْقَة وقاس القَاضِي الصِّحَّة على الْوَصِيَّة
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَكَانَ التَّفْرِيق بَينهمَا مَحل وفَاق وَلَو أقرّ لأَجْنَبِيّ ولعبده بدين فَإِنَّهُ يَصح فِي حِصَّة الْأَجْنَبِيّ ذكره مَحل وفَاق وَلَو أقرّ برق خمر
стр. 447
وبزق خل وبملكه وبملك غَيره ذكره مَحل وفَاق وقاس فِي المغنى عدم الصِّحَّة على شَهَادَته لِابْنِهِ وأجنبي وَفرق بِأَن الْإِقْرَار أقوى وَلذَلِك لَا تعْتَبر فِيهِ الْعَدَالَة وَلَو أقرّ بِشَيْء لَهُ فِيهِ نفع كَالْإِقْرَارِ بِنسَب مُوسر قبل وَهَذَا الْفرق على مَنْصُوص الإِمَام أَحْمد وَهُوَ عدم صِحَة الشَّهَادَة لَهما وَلنَا قَول تصح شَهَادَته للْأَجْنَبِيّ وَكَأن صَاحب الْمُحَرر رأى أَن الْإِقْرَار لقُوته ودخوله الْجَهَالَة فِيهِ لَا يتَخَرَّج فِيهِ عدم الصِّحَّة مُطلقًا قَالَ وَيتَخَرَّج أَن لَا يلْزم إِذا عزاهُ إِلَى سَبَب وَاحِد أَو أقرّ لأَجْنَبِيّ بذلك وَلم أجد هَذَا التَّخْرِيج لغيره وَهَذَا قَول أبي حنيفَة
قَوْله الثَّانِي إِقْرَاره بِالْمَالِ لغير وَارِث فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أصَحهمَا قبُوله
هَذَا هُوَ الْمَنْصُوص وَذكر فِي الْكَافِي أَنه ظَاهر الْمَذْهَب لعدم التُّهْمَة فِي حَقه بِخِلَاف الْوَارِث وَذكر فِي الْمُغنِي أَن الْأَصْحَاب حكوا رِوَايَة لَا يقبل مُطلقًا تَسْوِيَة بَين الْوَارِث وَغَيره لِأَن حق الْوَرَثَة تعلق بِمَالِه أشبه الْمُفلس وَالْفرق ظَاهر
قَوْله لَكِن هَل يحاص بِهِ دين الصِّحَّة على وَجْهَيْن
وَذكر فِي الْمُسْتَوْعب رِوَايَتَيْنِ وَأَن أصَحهمَا عدم المحاصة
وَذكر القَاضِي فِي مَوضِع أَنه قِيَاس الْمَذْهَب أخذا من مَسْأَلَة الْمُفلس لِأَنَّهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أقرّ بعد تعلق الْحق بِمَا لَهُ وَصَححهُ فِي الْخُلَاصَة وَقدمه غير وَاحِد وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَنَصه أَن إِقْرَار لَا يبطل التَّبَرُّعَات السَّابِقَة على الْإِقْرَار يُقَوي أَنهم لَا يزاحمون وَالْقَوْل بالمحاصة ظَاهر كَلَام الْخرقِيّ وَاخْتَارَهُ ابْن أبي مُوسَى وَأَبُو الْحسن التَّمِيمِي وَقَالَ القَاضِي فِي مَوضِع وَقطع بِهِ أَبُو الْخطاب
стр. 448
والشريف فِي رُءُوس الْمسَائِل وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لِأَنَّهُمَا حقان يجب قضاؤهما من رَأس المَال فتساويا كديني الصِّحَّة وكما لَو ثبتا بِبَيِّنَة وكالمهر وكما لَو أقرّ لَهما جَمِيعًا فِي الْمَرَض ذكره القَاضِي وَغَيره مَحل وفَاق وَاعْترض الْمُخَالف بِأَن مهر الْمثل ثَبت بِالْعقدِ لَا بِالْإِقْرَارِ
فَقَالَ القَاضِي النِّكَاح ثَبت بِإِقْرَارِهِ لَا بِالْبَيِّنَةِ وَلِأَنَّهَا قد تكون مُطلقَة مِنْهُ فتستحق نصف الْمهْر فَإِذا أقرّ بِالدُّخُولِ اسْتحقَّت كَمَال الصَدَاق بِإِقْرَارِهِ فَيكون نصف الصَدَاق مُسْتَحقّا بِإِقْرَارِهِ
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين إِذا أقرّ فِي مَرضه بدين ثمَّ أقرّ لآخر أَو أقرّ فِي صِحَّته بدين ثمَّ أقرّ فِي مَرضه بوديعة أَو غصب أَو عَارِية فَتخرج على الْوَجْهَيْنِ وعَلى هَذَا لَو أقرّ بدين ثمَّ بوديعة لم يبعدالخلاف انْتهى كَلَامه
وَيَنْبَغِي أَن يكون إِن أقرّ لَهُ بِعَين أَن يكون الْمقر لَهُ أولى بهَا على الثَّانِي دون الأول وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَة وَلَو أقرّ بِعَين لزمَه فِي حَقه وَلم ينْفَرد بهَا الْمقر لَهُ حَتَّى يسْتَوْفى الْغُرَمَاء وَقيل بلَى
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعب بعد حِكَايَة الرِّوَايَتَيْنِ فِي المحاصة قَالَ أَبُو الْحسن التَّمِيمِي وَكَذَلِكَ إِذا أقرّ بِعَين مَاله لزمَه الْإِقْرَار فِي حَقه وَلم ينْفَرد بِهِ الْمقر لَهُ حَتَّى يسْتَوْفى الْغُرَمَاء قَالَ فِي الْمُسْتَوْعب وَهَذَا على الرِّوَايَة الأولة يَعْنِي عدم المحاصة
قَوْله وَالْأُخْرَى لَا يقبل فِيمَا زَاد على الثُّلُث فَلَا يحاص دين الصِّحَّة لِأَنَّهُ مَمْنُوع من عَطِيَّة الزَّائِد على الثُّلُث لأَجْنَبِيّ كالوارث فِيمَا دونه وَعدم
стр. 449
المحاصة عَليّ هَذِه الرِّوَايَة وَاضح ذكره غير وَاحِد
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَيُؤْخَذ من معنى كَلَام غَيره فعلى هَذِه الرِّوَايَة يكون الْإِقْرَار بِمَا زَاد على الثُّلُث وَصِيَّة قَالَ وَكَذَلِكَ الْإِقْرَار بِالثُّلثِ كَذَا قَالَ فَلَو وصّى لآخر بِالثُّلثِ فعلى هَذِه الرِّوَايَة يَنْبَغِي أَن يتزاحما فِي الثُّلُث لِأَن رده فِيمَا زَاد على الثُّلُث إِجْرَاء لَهُ مجْرى الْوَصِيَّة وَلَو جَعَلْنَاهُ خَبرا مَحْضا لقبلناه وَلَا فرق اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال للْمقر أَن يبطل حق الْمُوصى لَهُ بِالْإِقْرَارِ وَلَا يملك ذَلِك فِي حق الْوَرَثَة فاذا أقرّ كَانَ كَأَنَّهُ أبطل كل وَصِيَّة زاحمت هَذَا الْإِقْرَار لَكِن على هَذَا تبطل الْوَصَايَا الْمُزَاحمَة لَهُ وَكِلَاهُمَا مُحْتَمل انْتهى كَلَامه
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعب وَغَيره وَالْأُخْرَى لَا يَصح إِلَّا فِي مِقْدَار الثُّلُث إِلَّا أَن يُجِيز الْوَرَثَة بعد وَفَاة الْمقر كَمَا لَو كَانَ الْإِقْرَار لوَارث
قَوْله وَإِذا قَالَ هَذِه الْألف لقطَة فتصدقوا بِهِ وَلَا مَال لَهُ غَيره فَهَل يلْزمهُم التَّصَدُّق بِالْكُلِّ أَو بِالثُّلثِ على رِوَايَتَيْنِ سَوَاء صدقوه أَو كذبوه
ظَاهره أَن على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يلْزمهُم التَّصَدُّق بِالثُّلثِ مُطلقًا وَالْأُخْرَى بِالْجَمِيعِ مُطلقًا وَهُوَ ظَاهر كَلَام أبي الْخطاب فِي الْهِدَايَة فَإِنَّهُ قَالَ لزم الْوَرَثَة أَن يتصدقوا بثلثها سَوَاء صدقوه أَو كذبوه
وَقَالَ شَيخنَا يلْزمهُم أَن يتصدقوا بجميعها وَهُوَ أَيْضا ظَاهر كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره
وَذكر فِي الْمُسْتَوْعب مَا قدمه أَبُو الْخطاب ثمَّ قَالَ هَذَا على رِوَايَة الْجَمَاعَة أَن اللّقطَة تملك بعد الْحول وَعلي رِوَايَة حَنْبَل وَالْبَغوِيّ أَنَّهَا لَا تملك بعد الْحول دَرَاهِم كَانَت أَو غَيرهَا يلْزمهُم أَن يتصدقوا بجميعها انْتهى كَلَامه
стр. 450
وَفِيه نظر فَإِن الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ على الْمَذْهَب وَلم يذكر أَبُو الْخطاب وَجَمَاعَة هَذِه الرِّوَايَة الغريبة فِي عدم ملك اللّقطَة وحكوا الْخلاف هُنَا وَلِهَذَا قطع أَبُو الْخطاب والشريف فِي رُءُوس الْمسَائِل بِوُجُوب التَّصَدُّق بِالْجَمِيعِ ونصبا الْخلاف مَعَ أبي حنيفَة فِي الِاكْتِفَاء بِهِ بِالثُّلثِ وَعلل بِأَنَّهُ إِقْرَار لغير وَارِث فمعلوم أَنَّهُمَا لم يريدا بِهَذَا التَّفْرِيع على الرِّوَايَة الغريبة
وَقَالَ فِي الْخُلَاصَة مَا قدمه أَبُو الْخطاب ثمَّ قَالَ وَقيل تكون الْألف صدقه إِذا صدقوه انْتهى كَلَامه
وَكَلَام أبي الْخطاب وَغَيره يُخَالِفهُ وَذكر ابْن عبد القوى لُزُوم الصَّدَقَة بِالْجَمِيعِ أشهر الرِّوَايَتَيْنِ وَعلل بِأَنَّهُ إِقْرَار لأَجْنَبِيّ قَالَ وَسَوَاء صدقوه أَو كذبوه وَعنهُ يلْزمهُم الثُّلُث إِن كذبوه بِنَاء على الرِّوَايَة الْأُخْرَى فِي الْإِقْرَار للْأَجْنَبِيّ انْتهى كَلَامه
وَفِيه نظر وَهُوَ خلاف كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين وَالشَّيْخ مجد الدّين وَغَيرهمَا لِأَن بَعضهم هُنَا أطلق الْخلاف وَبَعْضهمْ قدم لُزُوم التَّصَدُّق بِالثُّلثِ مَعَ اتِّفَاقهم على أَن الصَّحِيح صِحَة الْإِقْرَار لأَجْنَبِيّ وَعلل الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره لُزُوم التَّصَدُّق بِالثُّلثِ بِأَن الْأَمر بِالصَّدَقَةِ بِهِ وَصِيغَة بِجَمِيعِ المَال فَيلْزمهُ الثُّلُث وَعلل القَوْل الآخر بِأَن أمره بِالصَّدَقَةِ بِهِ يدل على تعديه فِيهِ على وَجه يلْزمه الصَّدَقَة بِجَمِيعِهِ فَيكون ذَلِك إِقْرَارا مِنْهُ لغير وَارِث فَيجب امتثاله
فقد ظهر من ذَلِك أَن الأولى أَن يُقَال نقلا ودليلا أَن على الْمَذْهَب وَهُوَ ملك اللّقطَة وَصِحَّة الْوَصِيَّة هَل يلْزمهُم التَّصَدُّق بِالثُّلثِ أَو بِالْجَمِيعِ على قَوْلَيْنِ
قَوْله وَإِذا أعتق عبدا أَو وهبه وَلَا يملك غَيره ثمَّ أقرّ بدين نفذ الْعتْق وَالْهِبَة وَلم يقبل الْإِقْرَار فِي نقضهَا نَص عَلَيْهِ
стр. 451
وَكَذَا حَكَاهُ الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره عَن نَص الإِمَام أَحْمد قاطعين بِهِ لِأَن الْحق ثَبت فِي التَّبَرُّع فِي الظَّاهِر فَلم يقبل إِقْرَاره فِيمَا يبطل بِهِ حق غَيره
قَوْله وَقيل يقبل
لثُبُوته عَلَيْهِ باعترافه كَمَا لَو ثَبت بِبَيِّنَة كَمَا سَاوَى دين الْمَرِيض الثَّابِت باعترافه دين الصِّحَّة وَتكلم بَعضهم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِكَلَام عَجِيب
قَوْله وَإِذا أقرّ الْمَرِيض بدين ثمَّ بوديعة بِعَينهَا أَو بِالْعَكْسِ فَرب الْوَدِيعَة أَحَق بهَا
لِأَن صَاحب الدّين لَا يفوت حَقه بِفَوَات الْعين غَالِبا لثُبُوت حَقه فِي الذِّمَّة
قَوْله الثَّالِث إِقْرَاره بوارث فَعَنْهُ لَا يقبل وَعنهُ يقبل وَهُوَ الْأَصَح وَصَححهُ أَيْضا القَاضِي وَالشَّيْخ موفق الدّين وَغَيرهمَا وَقدمه جمَاعَة لِأَنَّهُ عِنْد الْإِقْرَار غير وَارِث وَوجه الآخر أَنه عِنْد الْمَوْت وَارِث وَلِأَنَّهُ إِقْرَار لوَارث أشبه مَا لَو أقرّ لَهُ بِمَال
قُلْنَا هَذَا إِقْرَار بِمَال من طَرِيق الحكم وَهُنَاكَ من طَرِيق الصَّرِيح وَالْأُصُول تفرق بَين الإقرارين أَلا ترى أَنه لَو اشْترى دَارا من زيد فاستحقت وَعَاد على زيد بِالثّمن ثمَّ ملكهَا الْمُشْتَرى لم يلْزمه تَسْلِيمهَا إِلَى زيد وَإِن كَانَ دُخُوله مَعَه فِي عقد الشِّرَاء إِقْرَارا مِنْهُ بِأَن الدَّار ملك لزيد وَلَو أقرّ صَرِيحًا بِأَن الدَّار ملك لزيد ثمَّ ملكهَا بِوَجْه من الْوُجُوه لزمَه تَسْلِيمهَا إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَو اشْترى إِنْسَان دَارا فاستحقت كَانَ لَهُ الرُّجُوع على البَائِع بالدرك وَلَو أقرّ بِأَن الدَّار للْبَائِع
стр. 452
ثمَّ اشْتَرَاهَا وَقَبضهَا مِنْهُ ثمَّ اسْتحقَّت لم يرجع عَلَيْهِ بِشَيْء ذكر هَذَا الْكَلَام القَاضِي فِي التَّعْلِيق وَذكره أَيْضا فِي الْمُسْتَوْعب وَغَيره
قَالَ الشَّيْخ موفق الدّين وَيُمكن بِنَاء هَذِه الْمَسْأَلَة على مَا إِذا أقرّ لغير وَارِث ثمَّ صَار وَارِثا فَمن صحّح الْإِقْرَار ثمَّ صَححهُ هَهُنَا وَمن أبْطلهُ أبْطلهُ وَمَا قَالَه صَحِيح
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَلَام القَاضِي الَّذِي أَخذه من كَلَام الإِمَام أَحْمد إِنَّمَا يَقْتَضِي الْمَنْع إِذا كَانَ لَهُ وَارِث فَأَما من لَا وَارِث لَهُ إِذا أقرّ بوارث فقد نَص الإِمَام أَحْمد فِي الرِّوَايَتَيْنِ على قبُول قَوْله وَمن قَالَ بِأَنَّهُ كَالْوَصِيَّةِ فقد يخرج هَذَا على رِوَايَتَيْنِ انْتهى كَلَامه
قَوْله وَإِذا أقرّ العَبْد بِحَدّ أَو قَود أَو طَلَاق وَنَحْوه صَحَّ وَأخذ بِهِ فِي الْحَال إِلَّا قَود النَّفس فَإِنَّهُ يتبع بِهِ بعد الْعتْق نَص عَلَيْهِ
فِي رِوَايَة مهنا فَقَالَ إِذا أقرّ أَنه قتل عمدا وَأنكر مَوْلَاهُ فَلم يقم بَيِّنَة لم يجز إِقْرَاره قيل لَهُ يذهب دم هَذَا قَالَ يكون عَلَيْهِ إِذا عتق
وَكَذَلِكَ نقل ابْن مَنْصُور عَنهُ إِذا اعْترف بِالسَّرقَةِ أَو بِجرح فَهُوَ جَائِز وَلَا يجوز فِي الْقَتْل وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب والمنصور فِي كتب الْخلاف وَبِه قَالَ زفر والمزنى وَدَاوُد لِأَنَّهُ يسْقط حق السَّيِّد بِهِ أشبه الْإِقْرَار بقتل الْخَطَأ فَإِنَّهُ لَا يلْزمه فِي حَال رقّه ذكره القَاضِي وَغَيره مَحل وفَاق وَلِأَن من لَا يَصح
стр. 453
إِقْرَاره بقتل الْخَطَأ لَا يَصح إِقْرَاره بقتل الْعمد كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُون وَقيل لَا يَصح إِقْرَاره بقود فِي النَّفس فَمَا دونهَا فَلَا يَصح إِقْرَاره بِمَال وَقيل فِي إِقْرَار العَبْد رِوَايَتَانِ بِالْقَتْلِ وَالتَّجْرِيح
قَوْله وَقَالَ ابْن عقيل وَأَبُو الْخطاب يُؤْخَذ بِهِ فِي الْحَال أَيْضا وَلَيْسَ للْمقر لَهُ الْعَفو على رَقَبَة العَبْد
لِئَلَّا يُفْضِي إِلَى إِيجَاب مَال فِي حق غَيره وَظَاهر كَلَام الْخرقِيّ أَنه يُؤْخَذ بِهِ فِي الْحَال أَيْضا
وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بعد حِكَايَة قَول ابْن عقيل وَأبي الْخطاب أَن القَاضِي قَالَه فِي ضمن مَسْأَلَة إِقْرَار الْمَرْأَة بِالنِّكَاحِ واحتجا بِهِ وَهُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَلِأَنَّهُ مَال فِي الْمَعْنى لِأَنَّهُ مَال لأحد نَوْعي الْقصاص فصح إِقْرَاره بِهِ كَمَا دون النَّفس
قَالَ وَبِهَذَا ينْتَقض الدَّلِيل الأول وَلِأَن إِقْرَار مَوْلَاهُ عَلَيْهِ بِهِ لَا يَصح فَلَو لم يقبل إِقْرَاره لتعطل وعفو الْمقر لَهُ بالقود على رَقَبَة العَبْد أَو على مَال لَيْسَ لَهُ من الْأَصْحَاب من ذكره وَمِنْهُم من لم يذكرهُ وَالشَّيْخ موفق الدّين تفقه فِيهِ فَقَالَ وَيَنْبَغِي وَقد عللوا القَوْل الأول بِأَنَّهُ مُتَّهم فِي أَن يقر لمن يعْفُو على مَال فَيسْتَحق رقبته ليخلص من سَيّده
قَوْله وَإِذا أقرّ لعبد بِجِنَايَة خطأ أَو غصب أَو سَرقَة أَو للْعَبد غير الْمَأْذُون لَهُ بِمَال عَن مُعَامَلَته أَو مُطلقًا لم يقبل على السَّيِّد
لِأَنَّهُ إِيجَاب حق فِي رَقَبَة مَمْلُوكه لمَوْلَاهُ فَلم يقبل إِقْرَاره على أحد سواهُ
стр. 454
وَقَوله غير الْمَأْذُون لَهُ يَعْنِي يقبل إِقْرَار الْمَأْذُون لَهُ فِي قدر مَا أذن لَهُ فِيهِ كَالصَّبِيِّ الْمَأْذُون لَهُ ذكره القَاضِي مَحل وفَاق فِي مَسْأَلَة الصَّبِي الْمَأْذُون لَهُ أَن إِقْرَار العَبْد الْمَحْجُور عَلَيْهِ لَا يلْزمه فِي الْحَال وَلَو كَانَ مَأْذُونا لَهُ لزمَه
قَوْله بل يتبع بِهِ بعد الْعتْق
عملا بِإِقْرَارِهِ على نَفسه وَهَذَا إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ذكرهمَا الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره وَالْأُخْرَى يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ كجنايته
قَوْله وَيقطع للسرقة فِي الْحَال
نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة مهنا لما تقدم قَالَ فِي المغنى وَيحْتَمل أَن لَا يجب الْقطع لِأَن ذَلِك شُبْهَة وَهُوَ قَول أبي حنيفَة لِأَن هَذِه الْعين لم يثبت حكم السّرقَة فِيهَا فَلم يثبت الْقطع
وَقَالَ القَاضِي إِذا أقرّ العَبْد الْمَأْذُون لَهُ بِحَق لزمَه مِمَّا لَا يتَعَلَّق بِأَمْر التِّجَارَة كالقرض وَأرش الْجِنَايَة وَقتل الْخَطَأ وَالْغَصْب فَحكمه حكم العَبْد الْمَحْجُور عَلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو الْخطاب وَغَيره لم يَصح قبل الْإِذْن قَالَ وَلَا يلْزم إِذا أقرّ بدين من جِهَة التِّجَارَة لِأَنَّهُ مَأْذُون فِيهِ ونصبوا الْخلاف مَعَ أبي حنيفَة فِي قَوْله مُعَلّق بِرَقَبَتِهِ وَقَالَ القَاضِي فَحكمه حكم العَبْد الْمَحْجُور عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا يتَعَلَّق بِذِمَّتِهِ وَيتبع بِهِ بعد الْعتْق وَالثَّانيَِة بِرَقَبَتِهِ وَلَا يتَعَلَّق ذَلِك بِذِمَّة السَّيِّد رِوَايَة وَاحِدَة وَاسْتدلَّ القَاضِي بِأَنَّهُ أقرّ بِحَق يتَعَلَّق بِإِتْلَاف يثبت فِي ذمَّته كَمَا لَو أقرّ أَنه أفْضى امْرَأَة بكرا بإصبعه
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا الَّذِي قَالَه فِيهِ نظر من وَجْهَيْن أَحدهمَا جعله الْقَرْض من دُيُون غير التِّجَارَة وَهُوَ خلاف مَا فِي هَذَا الْكتاب وَغَيره الثَّانِي
стр. 455
أَنه جعله فِيمَا لم يُؤذن لَهُ كالمحجور وَجعل فِي الْمَحْجُور رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهمَا يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ وَالرِّوَايَتَانِ فِيمَا ثَبت من مُعَاملَة الْمَحْجُور عَلَيْهِ فَأَما مَا أقرّ بِهِ هُوَ وَلم يصدقهُ السَّيِّد وَلَا قَامَت بِهِ بَيِّنَة فَإِنَّهُ لَا يثبت فِي رقبته وجنايته على النُّفُوس وَالْأَمْوَال تتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى فِيهَا غَرِيبَة وَمَا قصد القَاضِي إِلَّا دُيُون الْمُعَامَلَة كَمَا فِي هَذَا الْكتاب وَغَيره إِلَّا أَن يُرِيد القَاضِي بالقرض مَالا تعلق لَهُ بِالتِّجَارَة وَمَا زَاد على قدر الْإِذْن انْتهى كَلَامه
وبناه أَبُو حنيفَة على أَن ضَمَان الْغَاصِب يجْرِي مجْرى البيع الْفَاسِد بِدَلِيل أَنه يتَعَلَّق بِهِ تمْلِيك وَلَو أقرّ بشرَاء فَاسد لزمَه كَذَلِك إِذا أقرّ بِالْغَصْبِ
فَقَالَ القَاضِي لَا نسلم أَن الْملك يتَعَلَّق بِالْغَصْبِ وَلَا بِالْبيعِ الْفَاسِد وَلَو أقرّ أَنه أفْضى آمرأة بكرا لم يُؤْخَذ فِي الْحَال عِنْده
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَبُو حنيفَة بناه على أَصله فِي أَن الْإِذْن فك الْحجر مُطلقًا فَيبقى فِي الْأَمْوَال كَالْحرِّ
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَيْضا يتَوَجَّه فِيمَن أقرّ بِحَق الْغَيْر وَهُوَ غير مُتَّهم كإقرار العَبْد بِجِنَايَتِهِ الْخَطَأ وَإِقْرَار الْقَاتِل بِجِنَايَتِهِ الْخَطَأ أَن يَجْعَل الْمقر كشاهد وَيحلف مَعَه الْمُدعى فِيمَا يثبت بِشَاهِد وَيَمِين أَو يُقيم شَاهدا آخر كَمَا قُلْنَا فِي إِقْرَار بعض الْوَرَثَة بِالنّسَبِ هَذَا هُوَ الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان انْتهى كَلَامه
فصل
قَالَ القَاضِي فَإِن حجر الْوَلِيّ عَلَيْهِ فَأقر بدين بعد الْحجر لم يصدق
وَقَالَ فِي رِوَايَة حَنْبَل إِذا حجر الْوَلِيّ على العَبْد فَبَايعهُ رجل بعد مَا علم أَن مَوْلَاهُ حجر عَلَيْهِ لم يكن لَهُ شَيْء لِأَنَّهُ هُوَ أتلف مَاله
وَاحْتج القَاضِي بِأَن الْحجر لَا يَتَبَعَّض فَإِذا صَار مَحْجُورا عَلَيْهِ فِي البيع وَالشِّرَاء وَجب أَن يصير مَحْجُورا عَلَيْهِ فِي إِيجَاب الدّين
стр. 456
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَكَذَلِكَ ذكر أَبُو مُحَمَّد فصلوا بَين أَن يَأْذَن لَهُ مرّة ثَانِيَة أَو لَا يَأْذَن لَهُ وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِن كَانَ عَلَيْهِ دين يُحِيط بِمَا فِي يَده فَإِقْرَاره بَاطِل وَإِن لم يكن عَلَيْهِ دين وَكَانَ فِي يَده مَال لزمَه فِي المَال وَلَا يلْزم فِي رقبته وَاحْتج بِأَن يَده ثَابِتَة على المَال بعد الْحجر بِدَلِيل أَنه لَو حجر عَلَيْهِ وَله ودائع عِنْد أَقوام كَانَ هُوَ الَّذِي يتقاضاها وَلَا يبطل الْحجر مَا ثَبت لَهُ من الْحق وَلم يمْنَع القَاضِي هَذَا الْوَصْف قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين
وَاحْتج أَبُو الْخطاب وَغَيره بِأَنَّهُ مَحْجُور عَلَيْهِ بِالرّقِّ فَلم يَصح إِقْرَاره كَمَا لَو كَانَ عَلَيْهِ دين يُحِيط بِمَا فِي يَده
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قِيَاس الْمَذْهَب صِحَة إِقْرَاره مُطلقًا كالحاكم وَالْوَكِيل وَالْوَصِيّ بعد الْعَزْل وَلِأَن الْحجر عندنَا يَتَبَعَّض ثبوتا فيتبعض زوالا انْتهى كَلَامه
وَاحْتج الشريف وَغَيره بِأَن الْحجر لَا يَتَبَعَّض فَإِذا كَانَ مَحْجُورا عَلَيْهِ فِي البيع والابتياع لم يَصح بِالْإِقْرَارِ فِي الدّين وَلنَا أَن نقُول حجر يمْنَع بعض التَّصَرُّف فِي أَعْيَان المَال لحق الْغَيْر فَمنع التَّصَرُّف مُطلقًا لحقه أَيْضا تَسْوِيَة بَين تَصَرُّفَاته وَلِأَنَّهُ مَحْجُور عَلَيْهِ لحق الْغَيْر فَلم يقبل إِقْرَاره كالمحجور عَلَيْهِ لفلس أَو سفه يقر بدين وَعَلِيهِ دين قبل الْحجر
قَوْله وَلَو أقرّ بِالْجِنَايَةِ مكَاتب تعلّقت بِرَقَبَتِهِ وذمته ذكره القَاضِي
وَذكره أَيْضا أَصْحَابه كَأبي الْخطاب والشريف فَإِنَّهُم قَالُوا لزمَه فَإِن عجز بيع فِيهَا إِن لم يفده الْمولى
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعب لَزِمته فَإِن عجز تعلّقت بِرَقَبَتِهِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة يستسعى فِيهَا فِي الْكِتَابَة وَإِن عجز بَطل إِقْرَاره بهَا وَسَوَاء قَضَاهَا أَو لم يقضها
стр. 457
وَعَن الشَّافِعِي كَقَوْلِنَا وَعنهُ أَنه مَوْقُوف إِن أدّى الْكِتَابَة لَزِمته وَإِن عجز بَطل فَمن أَصْحَابنَا من اقْتصر فِي حِكَايَة هَذَا القَوْل وَمِنْهُم من زَاد حَتَّى يعْتق
وَاحْتج الْأَصْحَاب بِأَن إِقْرَار لزمَه فِي حَال الْكِتَابَة فَلَا يبطل بعجزه كَالْإِقْرَارِ بِالدّينِ وَعَن الشَّافِعِي أَن الْمكَاتب فِي يَد نَفسه فصح إِقْرَاره بِالْجِنَايَةِ كَالْحرِّ قَالُوا وَلَا يلْزم الْمَأْذُون لَهُ لِأَنَّهُ فِي يَد الْمولى
قَوْله وَيتَخَرَّج أَن لَا يتَعَلَّق إِلَّا بِذِمَّتِهِ كالمأذون
بِجَامِع الرّقّ وَقد تقدم الْفرق
قَوْله وَلَو أقرّ السَّيِّد على العَبْد بِشَيْء مِمَّا ذكرنَا لم يقبل عَلَيْهِ
لِأَنَّهُ لَا يملك من العَبْد إِلَّا المَال
قَوْله وَلم يلْزم السَّيِّد مِنْهُ إِلَّا فدَاء مَا يتَعَلَّق بِالرَّقَبَةِ لَو ثَبت بِالْبَيِّنَةِ
لِأَنَّهُ إِيجَاب حق فِي مَاله وكجناية الْخَطَأ وَقطع بِهَذَا فِي الْكَافِي وَقَالَ فِي المغنى وَيحْتَمل أَن يَصح إِقْرَار الْمولى عَلَيْهِ بِمَا يُوجب الْقصاص وَيجب المَال دون الْقصاص
قَوْله وَإِذا أقرّ عبد غير مكَاتب أَو أقرّ لَهُ سَيّده بِمَال لم يَصح
أما الْمَسْأَلَة الأولى فَلِأَن مَال العَبْد لسَيِّده وَلَو قُلْنَا بِأَنَّهُ يملك فقد أقرّ لَهُ بِمَالِه فَلم يفد إِقْرَاره شَيْئا وَكَانَ هَذَا على الْمَشْهُور وَهُوَ عدم ثُبُوت مَال لسَيِّد عبد فِي ذمَّته وَهُوَ الَّذِي قطع بِهِ غير وَاحِد
стр. 458
وَقَالَ بعض الْأَصْحَاب وَيحْتَمل أَن يَصح إقرارهما بِمَا يكذبهما إِن قُلْنَا العَبْد يملك وَإِلَّا فَلَا
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين إِقْرَاره لسَيِّده ينبنى على ثُبُوت مَال السَّيِّد فِي ذمَّة العَبْد ابْتِدَاء ودواما وفيهَا ثَلَاثَة أوجه فِي الصَدَاق وَأما الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فَلَمَّا تقدم من أَن مَال العَبْد لسَيِّده فَلَا يَصح إِقْرَاره لنَفسِهِ وَفِيه الإحتمال فِي الَّتِي قبلهَا وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَإِقْرَار سَيّده لَهُ يَنْبَنِي على أَن العَبْد إِذا قيل يملك هَل يثبت لَهُ دين على سَيّده انْتهى كَلَامه وَالْمَشْهُور لَا يثبت
قَوْله وَمن أقرّ أَنه بَاعَ عَبده نَفسه بِأَلف فَصدقهُ لزمَه الْألف وَإِن كذبه حلف وَلم يلْزمه شَيْء وَيعتق فيهمَا
أما لُزُوم الْألف فِي حَالَة التَّصْدِيق فلاتفاقهما عَلَيْهِ
قَالَ الشَّيْخ موفق الدّين وَيكون كالكتابة
قَالَ ابْن عبد الْقوي وَهُوَ كالكتابة فِي ذمَّة العَبْد لَكِنَّهَا حَالَة وَيعتق فِي الْحَال وَهَذَا معنى كَلَام غَيره
وَأما عتقه فِي حَالَة التَّكْذِيب فلإقراره بذلك وَهُوَ يدعى عَلَيْهِ شَيْئا الأَصْل عَدمه فَلهَذَا لم يلْزمه شَيْء وَيحلف على نَفْيه وَقيل لَا يحلف وَهَذَا غَرِيب
قَوْله من أقرّ لعبد غَيره بِمَال صَحَّ وَكَانَ لسَيِّده وَبَطل برده
وَمُقْتَضى هَذَا أَنه يلْزمه بتصديقه
وَصرح بِهِ غَيره لِأَن يَد العَبْد كيد سَيّده وَالْحق للسَّيِّد فِيهِ
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين إِذا قُلْنَا يَصح قبُول الْهِبَة وَالْوَصِيَّة بِلَا إِذن السَّيِّد
стр. 459
لم يفْتَقر الْإِقْرَار إِلَى تَصْدِيق السَّيِّد وَقد يُقَال بل وَإِن لم نقل بذلك نَحْو أَن يكون قد تملك مُبَاحا فَأقر بِعَيْنِه أَو أتْلفه وَضمن قِيمَته انْتهى كَلَامه وَهُوَ مُتَوَجّه
فرع
وَإِن أقرّ لعبد بِنِكَاح أَو قصاص أَو تعزيز أَو حد قذف صَحَّ وَإِن كذبه السَّيِّد ذكره الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره لِأَن الْحق لَهُ دون سَيّده
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهَذَا فِي النِّكَاح فِيهِ نظر انْتهى فَجعل النّظر فِي النِّكَاح خَاصَّة فَإِن العَبْد لَا يَصح نِكَاحه إِلَّا بِإِذن سَيّده فَإِن فِي ثُبُوت نِكَاح العَبْد ضَرَرا عَلَيْهِ فَلَا يقبل إِلَّا بِتَصْدِيق السَّيِّد كإقرار الْقَاتِل بِجِنَايَة الْخَطَأ انْتهى كَلَامه
وَقَالَ الشَّيْخ شمس الدّين بن عبد الْقوي إِذا قُلْنَا الْوَاجِب أحد شَيْئَيْنِ الْقصاص أَو الدِّيَة يحْتَمل أَن للسَّيِّد الْمُطَالبَة بِالدِّيَةِ مالم يعف العَبْد انْتهى كَلَامه
وَالْقَوْل بِأَن للسَّيِّد الْمُطَالبَة بِالدِّيَةِ فِيهِ إِسْقَاط حق العَبْد مِمَّا جعله الشَّارِع مُخَيّرا فِيهِ فَيكون منفيا
قَوْله وَإِن أقرّ ببهيمة لم يَصح
هَذَا الَّذِي قطع بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب وَالْكَافِي وَغَيرهمَا لِأَنَّهَا لَا تملك وَلَا لَهَا أَهْلِيَّة الْملك
قَوْله وَقيل يَصح وَيكون لمَالِكهَا فَيعْتَبر تَصْدِيقه
كَالْإِقْرَارِ للْعَبد قَالَ فِي الرِّعَايَة كَمَا لَو أقرّ بِسَبَبِهَا أَو بِسَبَب دَار
стр. 460
وَقَالَ فِي المغنى وَإِن قَالَ على بِسَبَب هَذِه الْبَهِيمَة لم يكن إِقْرَارا لِأَنَّهُ لم يذكر لمن هِيَ وَمن شَرط صِحَة الْإِقْرَار ذكر الْمقر لَهُ وَإِن قَالَ لمَالِكهَا أَو لزيد على بِسَبَبِهَا ألف صَحَّ الْإِقْرَار وَإِن قَالَ بِسَبَب حمل هَذِه الْبَهِيمَة لم يَصح إِذا لم يُمكن إِيجَاب شَيْء بِسَبَب الْحمل
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عَن هَذَا القَوْل هَذَا هُوَ الَّذِي ذكره القَاضِي فِي ضمن مَسْأَلَة الْحمل فَإِنَّهُ قَالَ من صَحَّ الْإِقْرَار لَهُ بِالْوَصِيَّةِ وَالْإِرْث صَحَّ الْإِقْرَار الْمُطلق لَهُ كالطفل والبالغ فَقيل لَهُ هَذَا يبطل بِالْإِقْرَارِ للبهيمة فَإِنَّهُ لَا يَصح وَتَصِح الْوَصِيَّة لَهَا لِأَنَّهُ لَو أوصى بِمِائَة دِرْهَم علق بهَا دَابَّة فلَان لم يَسْتَحِقهَا صَاحبهَا
وَوَجَب صرفهَا إِلَى عَلفهَا وَمَعَ هَذَا إِن أبهم الْإِقْرَار لَهَا لم يَصح فَقَالَ هَذَا لَا يبطل لِأَن الأقرار هُنَاكَ صَحِيح لِأَنَّهُ لصَاحب الْبَهِيمَة وَلَيْسَ للبهيمة وَالَّذِي يدل على ذَلِك أَنه إِذا رد الْوَصِيَّة لم تصح وَإِذا قبلهَا صحت
ثمَّ ذكر فِي نفس الْمَسْأَلَة أَنه يَصح لما قاسه الْمُخَالف وَقَالَ لَا خلاف أَنه لَو قَالَ لهَذِهِ الْبَهِيمَة على ألف دِرْهَم لم يَصح إِقْرَاره كَذَلِك الْحمل فَقَالَ القَاضِي وعَلى أَن الْبَهِيمَة لَا يَصح الْإِقْرَار لَهَا إِذا كَانَ مُضَافا إِلَى الْوَصِيَّة وَالْحمل يَصح الْإِقْرَار لَهُ إِذا كَانَ مُضَافا إِلَى الْوَصِيَّة انْتهى كَلَامه وَلَا يخفى أَن فِيهِ نظر
قَوْله وَمن أقرّ لحمل امْرَأَة بِمَال صَحَّ
هَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَنَصره القَاضِي وَأَبُو الْخطاب والشريف وَغَيرهم
وَذكر الشَّيْخ زين بن المنجا أَنه الْمَذْهَب لِأَنَّهُ يجوز أَن يملك بِوَجْه صَحِيح وَهُوَ الْوَصِيَّة وَالْإِرْث فَيحمل عَلَيْهِ الْمُطلق حملا لكَلَام الْمُكَلف على الصِّحَّة كَالْإِقْرَارِ لطفل وَهَذَا أصح قولى الشَّافِعِي
قَوْله إِلَّا أَن تلقيه مَيتا أَو يتَبَيَّن أَن لَا حمل فَيبْطل
следующие страницы →