Полный текст (570 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
فصل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذِه الْأَلْفَاظ يَعْنِي الْإِقْرَار تَارَة تكون مُبتَدأَة وَهُوَ ظَاهر وَتارَة تكون جَوَاب طلب وَتارَة جَوَاب خبر وَتارَة جَوَاب اسْتِفْهَام من الْمقر لَهُ أَو من الشُّهُود أَو من غَيرهمَا ثمَّ تَارَة يكون بِحَضْرَة الْحَاكِم وَتارَة بِحَضْرَة من يعلم أَنهم يشْهدُونَ عَلَيْهِ وَتارَة مُطلقًا وَقد تقدم هَذَا الْقسم فِي الشَّهَادَات ثمَّ هَذِه الْأَلْفَاظ قد تظهر على وَجه التهكم والاستهزاء فَهَذِهِ أَقسَام لَا بُد من اعْتِبَارهَا
قَوْله وَإِن قَالَ لَهُ على مائَة إِن شَاءَ الله
قَالَ أَبُو طَالب سَمِعت الإِمَام أَحْمد قَالَ إِذا قَالَ الرجل على ألف دِرْهَم إِن شَاءَ الله فقد أقرّ لَيْسَ اسْتِثْنَاؤُهُ بشئ وعَلى هَذَا الْأَصْحَاب لِأَنَّهُ وصل بِإِقْرَارِهِ مَا يرفعهُ وَاللَّفْظ لَا يحْتَملهُ فصح الْإِقْرَار وَبَطل مَا يرفعهُ كاستثناء الْكل
قَالَ أَبُو الْخطاب وَغَيره وَلَا يلْزم إِذا قَالَ لَهُ على ألف قبضهَا لِأَن ذَلِك يحْتَملهُ اللَّفْظ وَكَذَا ذكره القَاضِي وَالْأولَى الْمَنْع كَمَا قطع بِهِ غير وَاحِد وَلِأَنَّهُ عقب الْإِقْرَار بِمَا لَا يُفِيد حكما آخر وَلَا يَقْتَضِي رفع الحكم أشبه مَا لَو قَالَ لَهُ عَليّ ألف فِي مَشِيئَة الله وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَالشَّافِعِيّ لَا يَصح الْإِقْرَار وَهُوَ احْتِمَال فِي الرِّعَايَة لِأَنَّهُ علق إِقْرَاره بِشَرْط فَلم يَصح كتعليقه على مَشِيئَة زيد وَلنَا فِي هَذَا الأَصْل وَجْهَان
أَحدهمَا الصِّحَّة كتعليقه بمشئة الله تَعَالَى
وَالثَّانِي لَا يَصح لإن الْإِقْرَار إِخْبَار بِحَق سَابق فَلَا يعلق على شَرط مُسْتَقْبل فعلى هَذَا الْفرق أَن مَشِيئَة الله تَعَالَى تذكر فِي الْكَلَام تفويضا إِلَيْهِ وتبركا
стр. 492
بِخِلَاف مَشِيئَة الْآدَمِيّ وَلِأَن مَشِيئَة الله لَا تعلم إِلَّا بِوُقُوع الْأَمر فَلَا يُمكن وقُوف الْأَمر على وجودهَا ومشيئة الْآدَمِيّ يُمكن الْعلم بهَا فَيمكن جعلهَا شرطا فَيُوقف الْأَمر على وجودهَا والماضي لَا يُمكن وَقفه فِي تعْيين الْأَمر هُنَا على الْمُسْتَقْبل فَيكون وَعدا
فصل
وَلَو قَالَ بِعْتُك إِن شَاءَ الله أَو زَوجتك إِن شَاءَ الله فَقَالَ أَبُو إِسْحَاق بن شاقلا لَا أعلم خلافًا عَنهُ فِي أَنه إِذا قيل لَهُ قبلت هَذَا النِّكَاح فَقَالَ نعم إِن شَاءَ الله أَن النِّكَاح وَاقع وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة ذكره فِي الْمُغنِي وَقَالَ القَاضِي وَظَاهر هَذَا أَن الِاسْتِثْنَاء فِي العقد لَا يُبطلهُ وَيحْتَمل أَن يفرق بَين الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِقْرَار وَالِاسْتِثْنَاء فِي الْعُقُود فَلَا يحكم بِصِحَّة الْعُقُود وَإِن صححنا الْإِقْرَار لِأَنَّهُ إِذا وَجب البيع وَالنِّكَاح كَانَ لَهُ الرُّجُوع فِي ذَلِك قبل الْقبُول بِخِلَاف الْإِقْرَار فَإِنَّهُ لَا يُمكنهُ الرُّجُوع فِيهِ وَيحْتَمل أَن يلْزم على مَا قَالَ أَبُو إِسْحَاق بن شاقلا وَيكون تَقْدِيره إِن شَاءَ الله أَن أتلفظ بِالْبيعِ أَو إِن شَاءَ الله أَن أبيعك وَقد علمنَا مشيئتنا بِهِ بِوُجُود الْإِيجَاب من جِهَته وَقَالَ القَاضِي أَيْضا فِي الْخلاف وعَلى قِيَاس الْإِقْرَار بِالْبيعِ وَالنِّكَاح وَذكر أَبُو الْخطاب والشريف مَسْأَلَة تَعْلِيق الْإِقْرَار بِمَشِيئَة الله ثمَّ قَالَ وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ قبلت النِّكَاح إِن شَاءَ الله ذكره أَبُو إِسْحَاق ثمَّ اسْتدلَّ للمسألة كَمَا تقدم وَقَالَ وَلِأَن هَذَا مِمَّا يَصح فِي الْمَجْهُول وَلَيْسَ فِيهِ تمْلِيك فتعليقه بِالشّرطِ لَا يُبطلهُ كالعتاق وَالطَّلَاق وَالضَّمان وَلَا يلْزم البيع لِأَنَّهُ لَا يَصح فِي مَجْهُول وَلَا يلْزم النِّكَاح لِأَنَّهُ يبطل إِذا علقه بِشَرْط وَإِن كَانَ يَصح فِي الْمَجْهُول لأننا قُلْنَا وَلَيْسَ فِيهِ تمْلِيك وَفِي ذَلِك تمْلِيك وَمُقْتَضى هَذَا أَن تَعْلِيق الْإِقْرَار بِشَرْط مُطلقًا لَا يُبطلهُ بِخِلَاف البيع وَالنِّكَاح
стр. 493
قَوْله أَو فِيمَا أعلم أَو فِي علمي
وَبِه قَالَ مَالك وَأَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ لِأَنَّهُ لما أَضَافَهُ إِلَى علمه كَانَ يَقِينا لِأَن مَا فِي علمه لايحتمل إِلَّا الْوُجُوب
قَالَ أَبُو الْخطاب والشريف دَلِيله إِذا قَالَ لَهُ عَليّ ألف أعلمها وَقَالَ أَبُو حنيفَة الْإِقْرَار بَاطِل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَسلم مَا إِذا قَالَ لفُلَان على ألف دِرْهَم وَقد علمت وَسلم لَهُ القَاضِي وَغَيره أَن الشَّاهِد لَو قَالَ أشهد أَن لفُلَان على فلَان ألف دِرْهَم فِيمَا أعلم لم تقبل شَهَادَته وَفرق بِأَن الْإِقْرَار يَصح بِالْمَجْهُولِ والمبهم وَلَا تصح الشَّهَادَة بذلك قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَفِيه نظر انْتهى كَلَامه
وَمَا قَالَه صَحِيح وَالْأولَى قبُول الشَّهَادَة وَهَذَا الْفرق لَا أثر لَهُ هُنَا
وَقد عرف من هَذِه الْمَسْأَلَة أَنه لَو قَالَ فِيمَا أَظن لم يلْزمه شَيْء وَهُوَ كَذَلِك وَنَقله ابْن هُبَيْرَة عَن اتِّفَاق الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة
قَوْله أَو إِلَّا أَن يَشَاء زيد أَو إِلَّا أَن يَشَاء الله كَانَ الحكم كَذَلِك
وَفِيه الأحتمال السَّابِق فِي قَوْله إِن شَاءَ الله وَفِيه نظر هُنَا
قَوْله أَو قَالَ الْمُدعى اعطني فرسي هَذِه أَو ثوبي هَذَا أَو الْمِائَة الَّتِي لي عَلَيْك فَقَالَ نعم أَو قَالَ الْمُدعى أَلَيْسَ لي عَلَيْك مائَة فَقَالَ بلَى فقد أقرّ بذلك وَلَزِمَه
تقدم ذَلِك فِي قَوْله إدا ادّعى على رجل مائَة وَالْأولَى بِأَن يكون مقرا وَقد تقدم ذَلِك
стр. 494
قَوْله وَإِذا علق على الْإِقْرَار بِشَرْط تقدمه كَقَوْلِه إِن قدم فلَان أَو إِن شَاءَ أَو إِن دخل الدَّار فَلهُ عَليّ مائَة أَو إِن شهد فلَان عَليّ بِكَذَا صدقته وَنَحْو ذَلِك لم يَصح
أما الْمَسْأَلَة الأولى فَلِأَنَّهُ لَيْسَ بمقر فِي الْحَال لِأَن الْمَشْرُوط عدم عِنْد عدم شَرطه وَالشّرط لَا يقتضى إِيجَاب ذَلِك بل إِشْكَال فَيُقَال يجب عِنْد وجود الشَّرْط وَأما فِي الثَّانِيَة فَلَا يصدق الْكَاذِب
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَالتَّحْقِيق أَنه إِن كَانَ الشَّرْط بِمَا يجب بِهِ الْحق صَحَّ تَعْلِيق الْإِقْرَار بِهِ كَقَوْل الْمَرْأَة إِن كَانَ قد طَلقنِي فَلهُ عَليّ ألف أَو إِن طَلقنِي أَو إِن كَانَ عمل لي وَنَحْو ذَلِك انْتهى كَلَامه
وَلَيْسَ هَذَا إِقْرَارا وَإِنَّمَا هُوَ الْتِزَام فَهُوَ كقولها اخلعني أَو طَلقنِي وَلَك ألف أَو على ألف أَو بِأَلف وَنَحْو ذَلِك
قَوْله إِلَّا فِي قَوْله إِذا جَاءَ وَقت كَذَا فعلى لزيد كَذَا أَو قَالَ إِن شهد عَليّ فلَان بِكَذَا فَهُوَ صَادِق فَإِنَّهُ على وَجْهَيْن
أما عدم صِحَة إِقْرَاره فِي الْمَسْأَلَة الأولى فَذكر فِي المغنى أَنه قَول الْأَصْحَاب وَقطع بِهِ فِي الْكَافِي وَهُوَ مَنْصُوص الشَّافِعِي لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالشّرطِ
وَقَوله فعلي كَذَا يصلح إِقْرَارا ووعدا فَلَا يثبت الْإِقْرَار مَعَ الِاحْتِمَال
стр. 495
وَوجه الصِّحَّة أَنه ظَاهر فِي الْإِقْرَار لِأَن لَفظه على ظَاهِرَة فِي الثَّابِت وَاللَّازِم ومجىء الْوَقْت يصلح أَََجَلًا لحلول الْحق بِخِلَاف غَيره وَحمل كَلَام الْمُكَلف على الصِّحَّة أولى
وَأما الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فَوجه عدم الصِّحَّة فِيهَا أَنه علقه على شَرط وَوجه الصِّحَّة أَنه لَا يتَصَوَّر صدقه إِلَّا أَن يكون ثَابتا فِي الْحَال وَقد أقرّ بصدقه
قَوْله وَلَو أخر الشَّرْط كَقَوْلِه لَهُ على ألف إِن شفى زيد أَو إِن قدم أَو إِذا جَاءَ الْمَطَر أَو إِن شهد بهَا فلَان وَنَحْوه فعلى وَجْهَيْن
أَحدهمَا لَا يكون مقرّ لما تقدم وكما لَو قدم الشَّرْط وَالثَّانِي يكون مقرا فَإِن قدم الْإِقْرَار فَلم يثبت حكمه وَالشّرط لَا يصلح أَََجَلًا فَبَطل وَلِأَن الْحق ثَابت فِي الْحَال لَا يقف على الشَّرْط فَسقط الِاسْتِثْنَاء وَلِأَن الْمقر لَا يكون عَلَيْهِ علم الشَّرْط إِلَّا وَهُوَ عَلَيْهِ فِي الْحَال لِأَن الشَّرْط لَا يُوجد
قَوْله إِلَّا فِي قَوْله لَهُ عَليّ كَذَا إِذا جَاءَ وَقت كَذَا فَإِنَّهُ يَصح وَجها وَاحِدًا
وَكَذَا قطع بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيره وَنَقله فِي المغنى عَن الْأَصْحَاب وَهُوَ مَنْصُوص الشَّافِعِي لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ وَقَوله إِذا جَاءَ وَقت كَذَا يحْتَمل أَنه أَرَادَ الْمحل فَلَا يبطل بِالِاحْتِمَالِ قَالَ فِي الْمُغنِي وَيحْتَمل أَن لَا فرق بَينهمَا يَعْنِي هَذِه الْمَسْأَلَة وعكسها الْمُتَقَدّمَة قَالَ لِأَن تَقْدِيم الشَّرْط وتأخيره سَوَاء فَيكون فيهمَا جَمِيعًا وَجْهَان انْتهى كَلَامه
стр. 496
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين مَضْمُون هَذِه الْمسَائِل أَن الْإِقْرَار لَا يتَعَلَّق بِشَرْط بل إِذا تَأَخّر الشَّرْط هَل يبطل وَحده أَو الْإِقْرَار كُله على وَجْهَيْن قَالَ وَالصَّوَاب أَن نفس الْإِقْرَار لَا يتَعَلَّق وَإِنَّمَا يتَعَلَّق الْمقر بِهِ لِأَن الْمقر بِهِ قد يكون مُعَلّقا بِسَبَب يُوجِبهُ أَو يُوجب أداءه أَو دَلِيل يظهره فَالْأول كَمَا لَو قَالَ إِن قدم فلَان فعلي لزيد ألف دِرْهَم فَإِذا قَالَ مقرا إِذا قدم زيد فلفلان عَليّ ألف دِرْهَم صَحَّ وَكَذَا لَو قَالَ إِن رد عَبدِي الْآبِق فَلهُ ألف دِرْهَم ثمَّ أقرّ بهَا فَقَالَ إِن رد عَبدِي فَلهُ عِنْدِي صَحَّ وَكَذَا الْإِقْرَار بعوض الْخلْع لَو قَالَت إِن طَلقنِي أَو إِن عَفا عني قَالَ وَأما التَّعْلِيق بِالشَّهَادَةِ فقد يشبه التَّحْكِيم وَلَو قَالَ إِن حكمت عَليّ بِكَذَا التزمته لزمَه عندنَا فَكَذَلِك قد يُرْضِي بِشَهَادَتِهِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة الْتِزَام وتزكية للشَّاهِد ورضى بِشَهَادَة وَاحِد فَهُوَ بِمَنْزِلَة أَن يَقُول للْحَاكِم إِن شهد على فلَان فَاقْض بِحكمِهِ وَمَا هُوَ بِبَعِيد لِأَن تَعْدِيل الشَّخْص للشَّاهِد قد يَكْفِي
وَإِذا حكم بِشَاهِد فابرأ الْمَطْلُوب من الْيَمين فَهُوَ بِمَنْزِلَة إِن شهد فلَان فَهُوَ صَادِق انْتهى كَلَامه
قَوْله وَإِن أقرّ بدين مُؤَجل فَالْقَوْل قَوْله فِي التَّأْجِيل نَص عَلَيْهِ
فِي رِوَايَة ابْن الحكم سُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَمَّن أقرّ فَقَالَ لفُلَان عَليّ كَذَا وَكَذَا إِلَى أجل
فَقَالَ أَبُو عبد الله إِذا قَالَ لي فِي مرّة وَاحِدَة قبل مِنْهُ يَعْنِي إِلَى أجل وَفِي رِوَايَة أبي طَالب فِي مَسْأَلته الطَّوِيلَة فِي مناظرة أبي ثَوْر وَهِي فِي الْفلس وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب لِأَن الْأَجَل صفة فِي الدّين فَرجع فِيهِ إِلَى الْمقر كالسواد وَالْبَيَاض والحلول وَلِأَنَّهُ هَكَذَا أقرّ كَمَا لَو قَالَ نَاقِصَة وَلَا بُد من اتِّصَاله وَفِي
стр. 497
مَعْنَاهُ سكُوت لَا يُمكنهُ الْكَلَام فِيهِ
قَوْله وَيحْتَمل أَن يكون قَول خَصمه فِي حُلُوله
ذكره أَبُو الْخطاب وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَعَن الشَّافِعِي كالمذهبين لِأَن التَّأْجِيل يمْنَع اسْتِيفَاء الْحق فِي الْحَال كَمَا لَو قَالَ قَضيته إِيَّاهَا وَالْفرق ظَاهر
قَوْله فعلى الأول لَو عزاهُ إِلَى سَبَب يقبل الْأَمريْنِ فَالْقَوْل قَول فِي الضَّمَان وَفِي غَيره وَجْهَان
أما كَون القَوْل قَول الْمقر فِي الضَّمَان فَلِأَنَّهُ فسر كَلَامه بِمَا يحْتَملهُ من غير مُخَالفَة لأصل وَلَا ظَاهر فَقبل لِأَن الضَّمَان مُقْتَضَاهُ ثُبُوت الْحق فِي الذِّمَّة فَقَط وَمن أصلنَا صِحَة ضَمَان الْحَال مُؤَجّلا
وَأما إِذا كَانَ السَّبَب غير ضَمَان كَبيع وَغَيره فَوجه قبُول قَول الْمقر فِي التَّأْجِيل أَنه سَبَب يقبل الْحُلُول والتأجيل فَقبل قَوْله فِيهِ كالضمان وَلِأَن الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة وَإِنَّمَا ثَبت شغلها بِالْحَقِّ وَصفَة الْحُلُول أَمر زَائِد مُحْتَمل فَلَا ينْتَقل عَن الأَصْل بِالِاحْتِمَالِ وَوجه عدم قبُول قَوْله أَن سَبَب متقضاه الْحُلُول فَوَجَبَ الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ وَأَصله كَمَا لَو صرح بِهِ أَو فَلم يقبل تَفْسِيره بِخِلَافِهِ كَمَا لَو صرح بِهِ وَبِهَذَا فَارق الضَّمَان هَذَا مَا ظهر لي من حل كَلَامه
وَقَالَ ابْن عبد الْقوي بعد نظمه كَلَام الْمُحَرر الَّذِي يُقَوي عِنْدِي أَن مُرَاده يقبل فِي الضَّمَان أَي يضمن مَا أقرّ بِهِ لِأَن إِقْرَار عَلَيْهِ فَإِن ادّعى أَنه ثمن مَبِيع أَو أُجْرَة ليَكُون بصدد أَن لَا يلْزمه هُوَ أَو بعضه إِن تعذر قبض مَا ادَّعَاهُ أَو بعضه أحد الْوَجْهَيْنِ يقبل لِأَنَّهُ إِنَّمَا أقرّ بِهِ كَذَلِك فَأشبه مَا إِذا أقرّ بِمِائَة
стр. 498
صَكَّة مَعِيبَة أَو نَاقِصَة قَالَ وَقيل بل مُرَاده نفس الضَّمَان أَن يقبل قَوْله إِنَّه ضَامِن مَا أقرّ بِهِ عَن شخص حَتَّى إِن برىء مِنْهُ برىء الْمقر وَيُرِيد بِغَيْرِهِ سَائِر الْحُقُوق انْتهى كَلَامه وَلَا يخفى حكمه
وَقد ذكر فِي الْمُسْتَوْعب بعد مَسْأَلَة الْإِقْرَار بدين مُؤَجل وَإِن أقرّ أَنه كفل بِأَلف إِلَى أجل كَانَت مُؤَجّلَة إِلَّا أَن تقوم بِبَيِّنَة بالحلول وَهَذَا يُؤَيّدهُ مَا تقدم
وتخصيصه هَذِه الْمَسْأَلَة يَقْتَضِي عدم الْقبُول فِي غَيرهَا فَيكون تضمن الْقبُول فِي الضَّمَان وَعدم الْقبُول فِي غَيره
قَوْله وَإِذا أقرّ الْعَرَبِيّ بالعجمية أَو بِالْعَكْسِ وَقَالَ لم أدر مَا قلت حلف وخلى سَبيله
لِأَنَّهُ مُنكر وَالظَّاهِر صدقه وَالْأَصْل بَرَاءَة ذمَّته وَكَذَا إِن أقرّ بِغَيْر لِسَانه وَلَو قَالَ وَإِن أقرّ بِغَيْر لِسَانه لعربي بعجمية كَانَ أولى
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين إِذا أقرّ الْعَاميّ بمضمون محْضر وَادّعى عدم الْعلم بِدلَالَة اللَّفْظ وَمثله يجهله فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ فِي الطَّلَاق إِن دخلت أَو قَالَ أَنْت طَالِق وَاحِدَة فِي ثِنْتَيْنِ انْتهى كَلَامه وَهُوَ مُتَوَجّه
قَوْله وَإِذا قَالَ لفُلَان مائَة دِرْهَم وَإِلَّا فلفلان عَليّ مائَة دِينَار أَو قَالَ لفُلَان عَليّ مائَة دِرْهَم وَإِلَّا فلفلان لَزِمته الْمِائَة الأولى وَلَا شَيْء للثَّانِي
قطع بِهِ جمَاعَة فِي كتب الْخلاف مِنْهُم أَبُو الْخطاب والشريف لِأَن
стр. 499
مَقَاصِد النَّاس ومرادهم ترجع إِلَى أَن للْأولِ فَإِن لم يكن فَالثَّانِي كَمَا يَقُول بِعْ هَذَا الثَّوْب من فلَان وَإِلَّا فَمن فلَان وَإِلَّا كَمَا يَقُول الْحَاكِم للقاذف أئت بأَرْبعَة يشْهدُونَ لَك وَإِلَّا جلدتك واقض دينك وَإِلَّا حبستك وَيُرَاد بذلك عِنْد تعذر الأول كَذَا فِي مَسْأَلَتنَا وَقد ثَبت للْأولِ بِإِقْرَارِهِ فَلَا يملك رَفعه
قَوْله وَقَالَ القَاضِي فِي الْجَامِع قِيَاس الْمَذْهَب أَن يلْزمه المقداران لَهما
لِأَنَّهُ أقرّ للْأولِ فَثَبت لَهُ وأضرب عَنهُ بِالْإِقْرَارِ الثَّانِي فَيلْزمهُ أَيْضا كَمَا لَو قَالَ لزيد لَا بل لعَمْرو وَاقْتصر فِي الْمُسْتَوْعب على حِكَايَة قَول القَاضِي هَذَا وقاسه على هَذَا الأَصْل وَالْأول أولى وَقَالَ أَبُو حنيفَة لايلزمه هَذَا الْإِقْرَار فِي حَقّهمَا جَمِيعًا
قَوْله وَلَو قَالَ لأَحَدهمَا على مائَة لَزِمته وطولب بِالتَّعْيِينِ كَالْإِقْرَارِ بِالْعينِ
وَكَذَا ذكره غَيره الحكم وَالدَّلِيل
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ على مائَة لَا تلزمني أَو مائَة إِلَّا مائَة لَزِمته الْمِائَة
أما فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فَلِأَنَّهُ اسْتثْنى الْكل فَلَا يَصح بِغَيْر خلاف وَأما فِي الْمَسْأَلَة الأولى فَلِأَن هَذَا يُنَاقض مَا أقرّ بِهِ أَو نقُول رفع جَمِيع مَا أقرّ بِهِ فَلم يقبل كاستثناء الْكل وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة احْتِمَال بعيد ذكره فِي الرِّعَايَة الْكُبْرَى
قَوْله وَإِن قَالَ لَهُ على من ثمن خمر مائَة لم تلْزمهُ
لِأَنَّهُ لما قدم الصّفة على الْمقر بِهِ لم يلْتَزم شَيْئا فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ على خمر
стр. 500
قبلهَا ألف بِخِلَاف مالو أَخّرهَا لِأَن إِقْرَاره بِهِ مُطلقًا اقتضي لُزُومه فَلَا يقبل رَفعه لِأَنَّهُ رُجُوع عَن إِقْرَاره بِحَق آدَمِيّ كاستثناء الْكل
قَوْله وَإِن قَالَ لَهُ على مائَة من ثمن خمر أَو سلفا بِشَرْط الْخِيَار أَو ثمن مَبِيع لم أقبضهُ أَو هلك قبل قَبضه فَوَجْهَانِ
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ بِشَرْط أجل مَجْهُول ذكره القَاضِي وَغَيره
أَحدهمَا يلْزمه مَا أقرّ بِهِ وَلَا يقبل قَوْله لم يذكر ابْن هُبَيْرَة عَن الإِمَام أَحْمد غَيره وَاحْتج فِي ذَلِك بِمذهب ابْن مَسْعُود ﵁ وَأَنه قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَأظْهر قولي الشَّافِعِي عِنْد أَصْحَابه لما تقدم
وَالثَّانِي يقبل قَوْله وَهُوَ الَّذِي ذكره القَاضِي قِيَاس الْمَذْهَب وَقِيَاس قَول الإِمَام أَحْمد فِي مَسْأَلَة كَانَ لَهُ على وَقَضيته لِأَنَّهُ عزا إِقْرَاره إِلَى سَببه فَقبل كَمَا لَو عزا إِلَى سَبَب صَحِيح وَقيل يقبل قَوْله فِي ثمن مَبِيع لم أقبضهُ وَفِي مَعْنَاهُ هلك قبل قَبضه ذكره القَاضِي وَغَيره وصرحوا وَمن شَرط ضَمَانه الْقَبْض وَهُوَ وَاضح وَهُوَ ظَاهر اخْتِيَار الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره لِأَنَّهُ إِقْرَار بِحَق فِي مُقَابلَة حق لَا يمِيل أَحدهمَا عَن الآخر فَإِذا لم يسلم مَا لَهُ مَا عَلَيْهِ كَمَا لَو قَالَ بِعْتُك هَذَا بِأَلف قَالَ بل ملكتنيه بِغَيْر شئ وَلِأَنَّهُ فسر الْإِقْرَار بِمَا يحْتَملهُ فَقبل كاستثناء الْبَعْض
وَحكى القَاضِي وَأَصْحَابه عَن أبي حنيفَة إِن عين الْمَبِيع قبل قَوْله وَإِن كَانَ أَضْعَاف الثّمن وَإِن لم يعين لم يقبل قَوْله
قَالَ القَاضِي إِذا لم يكن معينا فَإِنَّمَا يكون مَوْصُوفا فَإِذا أحضر لَهُ ماتتناوله الصّفة لزمَه قبُوله وَلم يجز لَهُ الِامْتِنَاع فَلَا فرق بَين الْمعِين وَغَيره
стр. 501
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه إِذا لم تكف الصّفة لم يلْتَفت إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَو ادّعى أَن الْمحْضر غير الْمَوْصُوف
قَوْله ألف من ثمن مَبِيع ثمَّ سكت ثمَّ قَالَ لم أقبضهُ قبل كالمتصل
ذكره فِي الْمَعْنى وَيُؤْخَذ من كَلَام غَيره لِأَن الْإِقْرَار تعلق بِالْبيعِ وَالْأَصْل عدم الْقَبْض وَلَو قَالَ على ألف ثمَّ سكت ثمَّ قَالَ من ثمن مَبِيع لم أقبضهُ لم يقبل
قَوْله وَإِذا قَالَ كَانَ لَهُ على كَذَا وَقَضيته فَهُوَ مُنكر وَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة ابْن مَنْصُور وَغَيره
وَأبي الْخطاب وَابْن ماهان وَهُوَ الَّذِي نَصره القَاضِي وَغَيره وَذكر القَاضِي أَنه الْمَذْهَب وَأَنه لم يجد عَن أَحْمد رِوَايَة بِغَيْر هَذَا وَقطع بِهِ ابْن هُبَيْرَة عَن أَحْمد وَاحْتج فِي ذَلِك بِمذهب ابْن مَسْعُود وَاخْتَارَهُ الْخرقِيّ وَغَيره لِأَنَّهُ قَول يُمكن صِحَّته وَلَا تنَاقض فِيهِ من جِهَة اللَّفْظ فَوَجَبَ قبُول قَوْله وَلَا يلْزمه شئ كاستثناء الْبَعْض بِخِلَاف الْمُنْفَصِل فَإِنَّهُ قد اسْتَقر بسكوته عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَا يرفعهُ اسْتثِْنَاء وَلَا غَيره
وَاحْتج القَاضِي بِأَنَّهُ يَصح أَن يرفع جَمِيع مَا أقرّ بِهِ كَمَا يَصح أَن يرفع الْبَعْض إِذا لم يتناقض اللَّفْظ كَمَا فِي قَول صَاحب الشَّرِيعَة وَقَالَ لِأَنَّهُ رفع مَا ثَبت بقوله على وَجه لَا يُفْضِي إِلَى التَّنَاقُض فَأشبه دَعْوَى الِاسْتِبْرَاء بعد الِاعْتِرَاف بِالْوَطْءِ
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا الضَّابِط يعم صورا كَثِيرَة لَكِن قد يُنَازع فِي قَوْله لَهُ على وَقَالَ لَو قَالَ إِلَى سنة أَو ألف طرية فَذكره القَاضِي مَحل وفَاق محتجا بِهِ وَكَذَلِكَ لَو قَالَ ألف من ثمن مَبِيع شَرط فِيهِ الْخِيَار
стр. 502
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَكَأن الضَّابِط أَن الصَّلَاة الْمُغِيرَهْ قدرا أَو وَصفا تقبل بِلَا تردد فَأَما الصَّلَاة المسقطة فَهِيَ مَحل وفَاق
قَوْله وَعنهُ أَنه مقرّ بِالْحَقِّ مُدع لقضائه فَيحلف خَصمه أَو يَأْتِي بِبَيِّنَة بِهِ
اخْتَارَهَا أَبُو الْخطاب وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي وَهُوَ الْأَظْهر عِنْد أَصْحَابه لِأَنَّهُ أقرّ وَادّعى الْقَضَاء فَلَا يسمع إِلَّا بِبَيِّنَة أَو يحلف خَصمه كَمَا لَو ادّعى ذَلِك بِكَلَام مُنْ فَصِل وَلِأَنَّهُ وصل كَلَامه بِمَا يرفعهُ فَلم يقبل كاستثناء الْكل
قَوْله وَعنهُ أَن هَذَا لَيْسَ بِجَوَاب صَحِيح فَيُطَالب برد الْجَواب
لِأَنَّهُ كَلَام ظَاهره التَّنَاقُض لِأَنَّهُ نفي مَا أثبت فَكَانَ وجوده كَعَدَمِهِ فَيُطَالب بِجَوَاب صَحِيح قَالَ فِي الرِّعَايَة الْكُبْرَى وَهِي أصح وَأشْهد كَذَا قَالَ
فصل
وَكَذَا الْخلاف فِيمَن قَالَ وقضيت مِنْهُ كَذَا وَكَذَا الْخلاف أَيْضا إِن قَالَ وبرئت مِنْهُ أَو من بعضه وَقيل تقبل دَعْوَى الْوَفَاء لَا الْإِبْرَاء لِأَنَّهُ فعل الْغَيْر فَلم يقبل قَوْله فِيهِ بِخِلَاف الْوَفَاء وَإِن قَالَ جَوَابا للدعوى أبرأني مِنْهَا أَو بَرِئت إِلَيْهِ مِنْهَا فَهُوَ كَقَوْلِه كَانَ لَهُ على ألف وَقَضيته قدمه فِي الرِّعَايَة وَذكر ابْن أبي مُوسَى أَنه إِقْرَار فَإِن عجز عَن إِثْبَات الْبَرَاءَة فَلهُ الْيَمين
فصل
وَلَو قَالَ كَانَ لي عِنْده ألف دِرْهَم قبضت مِنْهَا خَمْسمِائَة وأطالبه بِخَمْسِمِائَة أُخْرَى فَهَذَا لَا يكون إِقْرَارا بالخمسمائة المقبوضة على الرِّوَايَة الأولى وَهُوَ ظَاهر
стр. 503
وَأما على الرِّوَايَة الثَّانِيَة فقد يُقَال كَذَلِك أَيْضا لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالدَّعْوَى قبل الْقَبْض وَلم يقر إِلَّا بِأَنَّهُ قبض مَا هُوَ حَقه وَهَذَا اللَّفْظ لَيْسَ بِإِقْرَار بِحَال بِخِلَاف قَوْله كَانَ لي عَليّ فَإِن هَذَا اللَّفْظ لَو تجرد كَانَ إِقْرَارا
وَمِثَال ذَلِك أَن يَقُول ابتعت مِنْهُ بَعِيرًا وقبضته وَكَذَلِكَ كل قبض مَسْبُوق بِدَعْوَى الِاسْتِحْقَاق بِخِلَاف مَا لَو قَالَ قبضت مِنْهُ ألفا كَانَت لي عَلَيْهِ أَو كَانَت لي عِنْده فَإِن هَذَا بِمَنْزِلَة قَوْله كَانَ لَهُ عَليّ ألف وَقَضيته إِيَّاه أَو كَانَ لَهُ عِنْدِي غصب وأعطيته إِيَّاه لَكِن ذَاك إِقْرَار بِقَبض وَهَذَا إِقْرَار بِحَق
وَنَظِير هَذَا أَن يَقُول اقترضت مِنْهُ ووفيته أَو ابتعت مِنْهُ ووفيته فَإِن الْإِقْرَار بِأَسْبَاب الْحُقُوق من الْعُقُود وَالْفَرْض وَسَائِر الْأَفْعَال كَالْإِقْرَارِ بالحقوق فَقَوله كَانَ لَهُ على أَو عِنْدِي كَذَا أَو غصب أَو ثمن مَبِيع أَو قرض أَو أَعْطيته ذَلِك منزله قَوْله اقترضت مِنْهُ ووفيته أَو استعرت مِنْهُ وأعدت إِلَيْهِ وبمنزلة قَوْله قبضت مِنْهُ دين حق كَانَ لي عِنْده فَإِن الدّين يسْقط بِالْقضَاءِ وَالْإِبْرَاء
وجماع هَذَا كل إِقْرَار بِقَبض غير مُوجب للضَّمَان أَو غير مُوجب للرَّدّ هَل يَجْعَل إِقْرَارا بِقَبض مُجَرّد وَتسمع دَعْوَى المقبض بِاسْتِحْقَاق الرَّد أَو الضَّمَان
لَكِن فرق بَين أَن يقر بِقَبض حَقه وَبَين أَن يقر بِقَبض مَال الْمُعْطى ويدعى قبضا غير مَضْمُون فَالْأول قَبضته الدّين الَّذِي كَانَ لي عَلَيْهِ أَو الْوَدِيعَة الَّتِي كَانَت لي عِنْده أَو الْعَارِية أَو الْغَصْب وَالثَّانِي أودعني أَو رهنني وَنَحْو ذَلِك
فصل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية إِذا قُلْنَا بِظَاهِر الْمَذْهَب وَأَنه لَيْسَ بمقر بل مُنكر فَهَل يحلف على بَقَاء الِاسْتِحْقَاق أَو يحلف على لفط الْجَواب إِن اتفقَا على نفي الِاسْتِحْقَاق فَلَا ريب وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَن تطابق الْيَمين جَوَاب الدَّعْوَى فَيحلف لقد رددت عَلَيْهِ هَذِه الْألف الَّذِي يدعى بِهِ أَو لقد وفيته إِيَّاهَا وَإِن لم
стр. 504
يقر بهَا فِي الْحَال لكَون الْإِنْكَار مُقَيّدا بردهَا فِي الزَّمن الْمَاضِي كَمَا لَو أنكر المؤتمنون الِاسْتِحْقَاق بِنَاء على رد أَو تلف فَكَمَا أَن جَوَاب الدَّعْوَى مُجمل ومفسر فَكَذَا الْيَمين على الْجَواب مُجمل ومفسر انْتهى كَلَامه
وَهَذِه الْمَسْأَلَة وَهِي هَل نكلف الْمُدعى عَلَيْهِ الْيَمين على حسب الدَّعْوَى أَو تَكْفِي يَمِينه على نفي الِاسْتِحْقَاق مُطلقًا أَو إِن كَانَ الْجَواب مطابقا للدعوى كلف الْيَمين على حَسبه وَإِلَّا حلف على نفي الِاسْتِحْقَاق فِيهِ ثَلَاثَة أوجه
قَوْله وَإِن قَالَ لَهُ على كَذَا وَقَضيته إِيَّاه فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ الأوليان
إِحْدَاهمَا يلْزمه فَيحلف الْمُدعى أَنه بَاقٍ عَلَيْهِ وَيَأْخُذهُ نَصره فِي المنغني وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخطاب وَقدمه بَعضهم لما تقدم وَلِأَنَّهُ قَول متناقض وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك
وَالثَّانيَِة لَا يلْزمه مَعَ يَمِينه وَهِي الَّتِي ذكرهَا القَاضِي وَأَبُو الْخطاب فِي رُءُوس الْمسَائِل واختارها الْخرقِيّ وَعَن الشَّافِعِي كالمذهبين لِأَنَّهُ فسر كَلَامه بِمَا يحْتَملهُ فَقبل كاستثناء الْبَعْض لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه كَانَ لَهُ وقضاه
قَوْله وَعنهُ ثَالِثَة أَنه قد أقرّ بِالْحَقِّ وَكذب نَفسه فِي الْوَفَاء فَلَا يسمع مِنْهُ وَلَو أَتَى بِبَيِّنَة
لِأَن قَوْله لَهُ على إِقْرَار يلْزم مِنْهُ عدم الْقَضَاء فدعوى الْوَفَاء بعد ذَلِك يكذبها الْإِقْرَار السَّابِق فَلَا تقبل وَلَا بَيِّنَة لِأَنَّهُ مكذب لَهَا وَقيل مَا أَجَابَهُ بِشَيْء
فصل
وَكَذَا إِن قَالَ وَقَضيته مِنْهُ كَذَا أَبُو بَرِئت مِنْهُ أَو من بعضه لِأَن عدم
стр. 505
الصِّحَّة لتناقض كَلَامه كَذَا فِي الْبَعْض لِاسْتِحَالَة بَقَاء الْمقر بِهِ عَلَيْهِ مَعَ بَقَاء بعضه
وَقَالَ ابْن أبي مُوسَى إِن قَالَ قضيت بعضه قبل مِنْهُ فِي رِوَايَة كاستثناء الْبَعْض وَإِن قَالَ قضيت جَمِيعه لم يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة كاستثناء الْكل
قَوْله وَإِذا قَالَ كَانَ لَهُ عَليّ كَذَا وَسكت فَهُوَ إِقْرَار
قطع بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيره وَذكره فِي المغنى ظَاهر كَلَام أَصْحَابنَا لِأَنَّهُ أقرّ بِالْوُجُوب وَلم يذكر مَا يرفعهُ فَيجب استدامته حَتَّى يعلم زَوَاله قَالَ وَلِهَذَا لَو تنَازعا دَارا فَأقر أَحدهمَا للْآخر أَنَّهَا كَانَت ملكه حكم لَهُ بهَا ذكر هَذَا فِي الْإِقْرَار وَذكر فِي الدعاوي أَن الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا أقرّ أَنَّهَا كَانَت للْمُدَّعى أمس أَو فِيمَا مضى سمع إِقْرَاره فِي الصَّحِيح وَحكم بِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يحْتَاج إِلَى سَبَب انتقالها إِلَيْهِ فَيصير هُوَ الْمُدعى فَيحْتَاج إِلَى بَينه انْتهى كَلَامه
فالمستشهد بِهِ هُوَ نَظِير لَهُ المستشهد لَهُ لَا فرق بَينهمَا وَفِيهِمَا جَمِيعًا الْخلاف
فعلى هَذَا إِن عَاد فَادّعى الْقَضَاء أَو الْإِبْرَاء سَمِعت دَعْوَاهُ لِأَنَّهُ لَا تنافى بَين الْإِقْرَار وَبَين مَا يَدعِيهِ ذكره فِي المغنى وَالشَّرْح وَزَاد هَذَا على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
وَإِنَّمَا زَاد هَذَا لظَنّه أَن معنى سَماع دَعْوَى لَهُ هُوَ قبُول قَوْله مُنْفَصِلا كَمَا لَو أَتَى بِهِ مُتَّصِلا على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِك فسماع الدَّعْوَى لعدم التَّنَافِي بَين الدَّعْوَى وَالْإِقْرَار فَتسمع بَينته لِأَنَّهُ غير مكذب لَهَا وَلَا يقبل قَوْله بِمُجَرَّدِهِ كَمَسْأَلَة الِاتِّصَال قطع بِهِ الشَّيْخ فِيهَا وَفِي الشَّرْح تبعا لَهُ وَلم أجد فِيهِ خلافًا وَهُوَ وَاضح
وَجَاء بن عبد الْقوي فتتبع الشَّرْح على مَا ذكره وَزَاد فَقَالَ كَمَا لَو وَصله بِإِقْرَارِهِ مَعَ أَنه ذكر مَسْأَلَة الِانْفِصَال فِي مَسْأَلَة الِاتِّصَال وَقطع بِمَا قطع بِهِ غَيره
стр. 506
قَوْله وَيتَخَرَّج أَنه لَيْسَ بِإِقْرَار
هَذَا التَّخْرِيج من نظيرها فِي مَسْأَلَة الشَّهَادَة فَإِن فِيهَا رِوَايَتَيْنِ على مَا ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَذكر غير وَاحِد وَجْهَيْن
وَقَالَ القَاضِي فِي شرح الْخرقِيّ لَا يكون إِقْرَارا وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي لِأَنَّهُ أخبر بِهِ فِي زمن مَاض فَلَا يثبت فِي الْحَال وَكَذَلِكَ لَو شهِدت الْبَيِّنَة بِهِ لم يثبت
وَأجِيب بِأَن الْإِقْرَار أقوى لِأَنَّهُ شَهَادَة الْإِنْسَان على نَفسه وَيَزُول بِهِ النزاع وَلِأَن الدَّعْوَى يجب أَن تكون معلقَة بِالْحَال وَالْإِقْرَار يسمع ابْتِدَاء
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ عِنْدِي مائَة وَدِيعَة قبضهَا أَو هَلَكت قبل ذَلِك فَالْقَوْل قَوْله نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة ابْن مَنْصُور
إِذا قَالَ لَك عِنْدِي وَدِيعَة دفعتها إِلَيْك صدق وَهَذَا قَول القَاضِي وَغَيره كَمَا لَو ادّعى ذَلِك بِكَلَام مُنْفَصِل قَالَه فِي المغنى وَغَيره
قَوْله وَيتَخَرَّج أَن تلْزمهُ لظُهُور مناقضته
الظَّاهِر أَن هَذَا التَّخْرِيج من مَسْأَلَة لَهُ على وَقَضيته وَهَذَا اخْتِيَار الشَّيْخ موفق الدّين وَقَول الشَّافِعِي وَقَالَ ابْن حمدَان إِن قَالَه مُنْفَصِلا وَإِلَّا فَلَا
وَهَذَا خلاف مَا ذكره فِي المغنى وَفِيه نظر لِأَنَّهُ لَا مناقضة مَعَ الِانْفِصَال
فرع
وَإِن قَالَ كَانَت عِنْدِي وظننت أَنَّهَا بَاقِيَة ثمَّ عرفت أَنَّهَا قد تلفت
стр. 507
قَالَ فِي المغنى فَالْحكم فِيهَا كَالَّتِي قبلهَا وَذكر غَيره وَجْهَيْن فعلى هَذِه الطَّرِيقَة يقبل هُنَا وَإِن قُلْنَا لَا يقبل فِي الَّتِي قبلهَا
فصل
ذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هُنَا مسَائِل الْمَعْرُوف فِي أَكْثَرهَا خلاف مَا ذكره قَالَ وَإِذا أقرّ بِأَنَّهُ وَوَصله بِأَنِّي أَقرَرت قبل الْقَبْض أَو أَقرَرت أَن مَالِي عِنْده شَيْء لِئَلَّا يتهم أَو أَنِّي قبضت مَالِي عَلَيْهِ لِئَلَّا يُؤْذِي وَنَحْو ذَلِك لم يبعد إِلَّا أَن يكون هَذَا الْإِقْرَار بِالْإِقْرَارِ إِقْرَارا
وَلَو قَالَ لَهُ عِنْدِي هَذَا المَال رهن لم يبعد إِلْحَاقه بِهَذَا وَأما لَو قَالَ أودعني مَالا وَأذن لي فِي الصَّدَقَة بِهِ فَهَذَا ظَاهر
وَلَو قَالَ أَبَاحَ لي أكله إِذا شِئْت وَقد أَكلته فَكَذَلِك
وَلَو قَالَ الْوَارِث لمورثي عنْدك ألف وَدِيعَة فَقَالَ أودعني ألف دِرْهَم وَأَمرَنِي أَن أَتصدق بهَا أَو أدفعها إِلَى فلَان فَيَنْبَغِي أَن يكون كَذَلِك وَلَو كَانَ الْوَرَثَة صغَارًا فَقَالَ أَمرنِي أَن أدفعها إِلَى فلَان جعله وَصِيّا فَكَذَلِك
وَحَاصِله أَن من أقرّ بأمانة وَوصل كَلَامه بِمَا يَصح فَهُوَ بِمَنْزِلَة من أقرّ بدين وَوصل كَلَامه بِمَا يَصح بِخِلَاف لَو ثبتَتْ الْأَمَانَة بِإِقْرَار أَو غَيره فَادّعى فِيهَا آخر فَإِن هَذَا يقبل فِي بعض الْأَشْيَاء دون بعض انْتهى كَلَامه
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ عَليّ مائَة دِرْهَم ثمَّ سكت سكُوتًا يُمكنهُ الْكَلَام فِيهِ ثمَّ قَالَ زيوف أَو صغَار أَو مُؤَجّلَة لزمَه مائَة جَيِّدَة حَالَة
لِأَن الْإِطْلَاق يَقْتَضِي ذَلِك كَمَا لَو أطلقهُ فِي عقد بيع أَو غَيره وَلِأَنَّهُ إِذا سكت
стр. 508
سكُوتًا يُمكنهُ الْكَلَام فِيهِ اسْتَقر حكم مَا أقرّ بِهِ فَلم يرْتَفع كالاستثناء الْمُنْفَصِل
ذكره الْأَصْحَاب ﵃ وعللوا الِاسْتِثْنَاء الْمُنْفَصِل باستقرار حكمه وَلم يذكرُوا لَهُ أصلا وقاس فِي الْمُغنِي الِاسْتِثْنَاء فِي الْيَمين بإلا فَدلَّ على أَن هَذَا عِنْده مَحل وفَاق وَلِهَذَا لم يحك فِيهِ خلافًا كَمَا حَكَاهُ فِي الِاسْتِثْنَاء فِي الْيَمين
وَذكر فِي الْمُسْتَوْعب أَن الِاسْتِثْنَاء هُنَا لَا يَصح إِلَّا مُتَّصِلا قَالَ على مَا ذكرنَا فِي الِاسْتِثْنَاء فِي الْيَمين ويوافق هَذَا مَا قَالَ ابْن الزَّاغُونِيّ فِي الْوَاضِح فَإِن كَانَ مُنْفَصِلا وَهُوَ أَن يسكت سكُوتًا يُمكنهُ الْكَلَام ثمَّ اسْتثْنى فَهَل يَصح فِيهِ رِوَايَتَانِ أصَحهمَا لَا وَالثَّانيَِة يَصح كَمَا لَو تقَارب مَا بَينهمَا أَو مَنعه مَانع من تَمام الْكَلَام انْتهى كَلَامه وَهُوَ يَقْتَضِي أَنه إِذا تقَارب مَا بَينهمَا يَصح قولا وَاحِدًا وَفِيه نظر ظَاهر
ويوافق هَذَا أَيْضا مَا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين يتَوَجَّه أَن يعْتَبر فِي اتِّصَال الصِّفَات وَالِاسْتِثْنَاء فِي الْإِقْرَار مَا اعْتبر فِي ذَلِك الإنشاءات وَقد فرق الْأَصْحَاب بَينهمَا فَإِن هُنَاكَ لَو سكت سكُوتًا يُمكنهُ الْكَلَام فِيهِ وَوصل بِهِ بعض الصلات نَفعه إِذا عد اتِّصَالًا مُعْتَادا فَينْظر انْتهى كَلَامه
وَوجه هَذَا أَنه كَلَام مُتَّصِل بعضه بِبَعْض فَأشبه الِاسْتِثْنَاء فِي الْيَمين وَوجه القَوْل الآخر أَن الأَصْل اعْتِبَار الأتصال فِي الْجَمِيع خُولِفَ فِي الِاسْتِثْنَاء فِي رِوَايَة للْخَبَر فِيهِ فَيقْتَصر عَلَيْهِ وَلِأَن الْكَفَّارَة حق الله تَعَالَى ومبناه على الْمُسَامحَة بِخِلَاف مَسْأَلَتنَا وَفِيه نظر
والزيوف الرَّديئَة وَالصغَار دَرَاهِم طبرية كل دِرْهَم ثلثا دِرْهَم أَربع دوانق
فرع
وَلَا فرق بَين الْإِقْرَار بهَا من غصب أَو وَدِيعَة أَو قرض أَو غَيره ذكره غير وَاحِد
стр. 509
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أما إِذا كَانَ مودعا فَقَالَ لَهُ عِنْدِي دَرَاهِم أَو أودعني دَرَاهِم ثمَّ قَالَ بعد هِيَ زيوف أَو نَاقِصَة وَنَحْو ذَلِك فَيجب أَن يقبل قَوْله مَعَ يَمِينه لِأَنَّهُ لَو ادّعى ردهَا أَو تلفهَا بعد ذَلِك قبل قَوْله مَعَ يَمِينه فَلَا يكون دَعْوَى تغيرها بِأَكْثَرَ من دَعْوَى ردهَا أَكثر مَا فِيهِ أَن يُقَال دَعْوَى الرَّد والتلف لَا تنَافِي مُوجب الاقرار الأول بِخِلَاف دَعْوَى الصّفة النَّاقِصَة لَكِن هُوَ مؤتمن فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَكثر مَا فِيهِ أَنه ادّعى مَا يُخَالف الأَصْل وَذَلِكَ مَقْبُول مِنْهُ انْتهى كَلَامه
قَوْله وَقيل إِن كَانَ بِبَلَد أوزانهم نَاقِصَة أَو دراهمهم مغشوشة لزمَه مِنْهَا كَثمن البيع بهَا
هَذَا الْوَجْه ذكر فِي المغنى أَنه أولى وَقدمه فِي الْكَافِي لِأَن مُطلق كَلَامهم يحمل على عرف بلدهم كَمَا فِي البيع وَالصَّدَاق وكما لَو كَانَت معاملتهم بهَا ظَاهِرَة فِي الْأَصَح
ذكر هَذَا الأَصْل فِي الرِّعَايَة لِأَن إِطْلَاق الدِّرْهَم ينْصَرف إِلَى دِرْهَم الاسلام وَهُوَ مَا كَانَ مِنْهَا كل عشرَة وزن سَبْعَة مَثَاقِيل وَتَكون فضَّة خَالِصَة بِدَلِيل تَقْدِير الشَّرْع بهَا نصب الزكوات والديات والجزية وَالْقطع فِي السّرقَة وَيُخَالف الاقرار البيع من حَيْثُ إِنَّه إِقْرَار بِحَق سَابق فَانْصَرف إِلَى دَرَاهِم الاسلام وَالْبيع إِيجَاب فِي الْحَال فاختص بِدَرَاهِم الْبَلَد
стр. 510
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ على مائدة دِرْهَم زيوف قبل تَفْسِيره بمغشوشة وَلم يقبل بِمَا لَا فضَّة فِيهِ
لِأَنَّهُ صَادِق لِأَنَّهَا دَرَاهِم وَلِأَن الْإِطْلَاق ينْصَرف إِلَى مَا فِيهِ فضَّة وَكَذَا سبق إِلَى الْفَهم وَإِن كَانَ كَذَلِك كَانَ تَفْسِيره بِهِ رُجُوعا عَمَّا أقرّ بِهِ فَلَا يقبل
стр. 511
كاستثناء الْكل وَقَالَ فِي الْكَافِي إِن فسر الزُّيُوف بِمَا لَا قيمَة لَهُ لم يقبل لِأَنَّهُ أثبت فِي ذمَّته شَيْئا وَمَا لَا قيمَة لَهُ لَا يثبت فِي الذِّمَّة
وَظَاهر هَذَا أَنه لَو فسره بِمَا لَا فضَّة فِيهِ وَله قيمَة قبل لِأَنَّهُ فسر كَلَامه بِمَا يحْتَملهُ وَقيل إِن قَالَ لَهُ على قرض أَو ثمن مَبِيع ألف دِرْهَم زيوف أَو بهرجة لزمَه ألف جِيَاد وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَححهُ ابْن أبي مُوسَى وَابْن حمدَان فِي الرِّعَايَة الْكُبْرَى
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ عِنْدِي رهن فَقَالَ الْمَالِك وَدِيعَة فَالْقَوْل قَول الْمَالِك
مَعَ يَمِينه لِأَن الْعين تثبت لَهُ بالاقرار وَادّعى الْمقر دينا فَكَانَ القَوْل قَول من يُنكره مَعَ يَمِينه لِأَنَّهُ مُدع على غَيره حَقًا فَلَا يقبل قَوْله إِلَّا بِبَيِّنَة وَكَذَلِكَ لَو أقرّ بدار وَقَالَ قد استأجرتها أَو بِثَوْب وَادّعى أَنه قصره أَو خاطه بِأُجْرَة أَو أقرّ بِعَبْد وَادّعى اسْتِحْقَاق خدمته أَو أقرّ بسكنى دَار وَادّعى أَنه سكنها بِإِذْنِهِ فَالْقَوْل قَول الْمَالِك مَعَ يَمِينه
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين مَضْمُون هَذَا أَنه إِذا أقرّ بِعَين لَهُ فِيهَا حق لَا يثبت إِلَّا برضى الْمَالِك لم يقبل مِنْهُ وَكَذَلِكَ إِذا أقرّ بِفعل فعله وَادّعى إِذن الْمَالِك
ثمَّ قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين يتَوَجَّه على الْمَذْهَب أَن يكون القَوْل قَوْله لِأَن الْإِقْرَار تضمن عدم وجوب تَسْلِيم الْعين أَو الْمَنْفَعَة الْمَذْكُورَة فَمَا أقرّ بِمَا يُوجب التَّسْلِيم كَمَا فِي قَوْله كَانَ لَهُ على وَقَضيته ولأنا نجوز مثل هَذَا الِاسْتِثْنَاء فِي الإنشاءات فِي البيع وَنَحْوه فَكَذَلِك فِي الإقرارات وَالْقُرْآن يدل على ذَلِك فِي آيَة الدّين وَقد تقدم نَحْو هَذِه الْمَسْأَلَة فِي الرَّهْن وَفِي الْعَارِية وَهَذَا بِخِلَاف مَسْأَلَة الْعتْق وَالْخلْع فَإِن هُنَاكَ حَقًا لله وَهُوَ يعلم من نَفسه أَنه لَا يحل لَهُ الاستعباد
стр. 512
والاستمتاع وَلِأَن يَده كَانَت على الْجَمِيع فَلَا يخرج من يَده إِلَّا مَا أقرّ بِاسْتِحْقَاق خُرُوجه من وَجه انْتهى كَلَامه
وَقد تقدم كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قبل قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ عَليّ مائَة دِرْهَم ثمَّ سكت سكُوتًا يُمكنهُ الْكَلَام فِيهِ
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ عِنْدِي ألف ثمَّ فسره بدين أَو وَدِيعَة قبل
قَالَ فِي المغنى لَا نعلم فِيهِ خلافًا وَسَوَاء فسره مُتَّصِلا أَو مُنْفَصِلا
وَكَلَامه فِي الْمُحَرر يعْطى هَذَا أَيْضا لِأَنَّهُ فسر لَفظه بِمَا يُعْطِيهِ فَقبل كَمَا لَو قَالَ لَهُ على وَفَسرهُ بدين فَعِنْدَ ذَلِك تثبت أَحْكَام الْوَدِيعَة بِحَيْثُ لَو ادّعى تلفهَا أَو ردهَا قبل وَإِن قَالَ هِيَ زيوف أَو نَاقِصَة فقد تقدم وَلِأَنَّهُ إِذا فسره بدين فقد أقرّ على نَفسه بِمَا هُوَ أغْلظ مِنْهُ فَيقبل
قَوْله وَإِن قَالَ عَليّ لم يقبل تَفْسِيره بوديعة
وَكَذَا قطع بِهِ جمَاعَة وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي لِأَن عَليّ للْإِيجَاب وَهُوَ يَقْتَضِي كَونهَا فِي ذمَّته والوديعة إِنَّمَا هِيَ عِنْده وَالْإِقْرَار يُؤْخَذ فِيهِ بِظَاهِر اللَّفْظ وَمُقْتَضَاهُ بِدَلِيل أَنه لَو أقرّ بِدَرَاهِم لَزِمته ثَلَاثَة مَعَ جَوَاز التَّعْبِير بهَا عَن اثْنَيْنِ وَلَو أقرّ بدرهم وَقَالَ أردْت نصف دِرْهَم فأقمت الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه لم يقبل مِنْهُ وَلَو قبل مُطلق الِاحْتِمَال لقبل تَفْسِير الدَّرَاهِم بالناقصة والزائفة والمؤجلة وَقيل يقبل لاحْتِمَال صدقه كَمَا لَو وَصله بِكَلَامِهِ فَقَالَ لَك على مائَة وَدِيعَة قبل لِأَنَّهُ فسر كَلَامه بِمَا يحْتَملهُ مُتَّصِلا كَمَا لَو قَالَ دَرَاهِم نَاقِصَة
стр. 513
فرع
وَإِن قَالَ أودعني مائَة فَلم أقبضها أَو أَقْرضنِي مائَة فَلم آخذها قبل قَوْله مُتَّصِلا فَقَط وَكَذَلِكَ إِن قَالَ نقدني مائَة فَلم أقبضها وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
فصل
وَإِن قَالَ لَهُ على عشرَة دَرَاهِم عددا لزمَه عشرَة مَعْدُودَة وازنة لِأَن إِطْلَاق الدِّرْهَم يَقْتَضِي الْوَزْن وَذكر الْعدَد لَا يُنَافِي فَوَجَبَ الْجمع بَينهمَا ذكره الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره وَدَعوى أَن ذكر الْعدَد لَا يُنَافِي قد يمْنَع فَإِنَّهُ يُقَال دِرْهَم وازن وَدِرْهَم عدد وَعشرَة وازنه وَعشرَة عدد وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين مَتى قَالَ عددا وَجَاء بِمَا يُسمى درهما قبل مِنْهُ لِأَن هَذَا هُوَ مَفْهُوم هَذَا القَوْل فَإِن التَّقْيِيد بِالْعدَدِ يَنْفِي اعْتِبَار الْوَزْن انْتهى كَلَامه
وَقَالَ فِي الرِّعَايَة الْكُبْرَى وَإِن أعطَاهُ خمسين وَزنهَا مائَة صَحَّ فِي الْأَصَح
وَقيل بل فِي الأضعف فعلى الأول إِن كَانَ فِي بلد يتعاملون بهَا عددا من غير وزن فَحكمه حكم مَا لَو أقرّ فِي بلد أوزانهم نَاقِصَة أَو دراهمهم مغشوشة وَإِن فسر الدَّرَاهِم بسكة الْبَلَد أَو بسكة تزيد عَلَيْهَا قبل وَإِن فَسرهَا بسكة تنقص عَنْهَا فَقيل لَا يقبل لِأَن الْإِطْلَاق يحمل على دَرَاهِم الْبَلَد كَمَا فِي البيع وَقيل يقبل لِأَنَّهُ فَسرهَا بِدَرَاهِم الْإِسْلَام
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ فِي هَذَا المَال ألف أَو فِي هَذِه الدَّار نصفهَا فَهُوَ إِقْرَار وَلَا يقبل تَفْسِيره بإنشاء الْهِبَة
لِأَن مُقْتَضى ذَلِك وَحَقِيقَته الْإِقْرَار لَهُ بِالْملكِ فَلَا يقبل تَفْسِيره بِمَا يرفعهُ
стр. 514
قَوْله وَكَذَا إِن قَالَ فِي مِيرَاث أبي ألف فَهُوَ دين على التَّرِكَة
لِأَن مُقْتَضَاهُ مَا خَلفه أَبوهُ لِإِضَافَتِهِ الْمِيرَاث إِلَيْهِ فَاقْتضى وجوب مَا أقرّ بِهِ
قَوْله وَإِن قَالَ لَهُ من مَالِي ألف أَو نصف مَالِي وَفَسرهُ بابتداء التَّمْلِيك وَأَنه قد رَجَعَ عَنهُ أَو مَاتَ وَلم يفسره لم يلْزمه شَيْء
لِأَن لَفظه يحْتَمل تَفْسِيره وَيحْتَمل غَيره فَلَا ننتقل عَن الأَصْل بِالِاحْتِمَالِ أَو بِاحْتِمَال ظَاهر لَفظه خِلَافه وَلِهَذَا قَالَ لَو مَاتَ وَلم يفسره لم يلْزمه شَيْء فعلى هَذَا لَا يكون لَفظه مُحْتملا بِحَيْثُ يُؤَاخذ بتفسيره وَهُوَ معنى كَلَام غَيرهم وَإِن فسره بدين أَو وَدِيعَة أَو وَصِيَّة قبل لِأَنَّهُ يجوز أَن يضيف إِلَيْهِ مَالا بعضه لغيره وَمَال غَيره أَيْضا لَا اخْتِصَاص لَهُ بِدَلِيل أَو ولَايَة
وَكَلَام بَعضهم يَقْتَضِي قبُول تَفْسِيره بِالْهبةِ وَغَيرهَا فعلى مُقْتَضَاهُ يكون مُحْتملا غير طَاهِر فِي شَيْء فيؤاخذ بتفسيره
قَوْله وَإِن قَالَ لَهُ دَاري هَذِه أَو نصف دَاري أَو فِي مَالِي ألف أَو فِي ميراثي من أبي ألف فعلى رِوَايَتَيْنِ
إِحْدَاهمَا يكون إِقْرَارا
قَالَ القَاضِي فِي التَّعْلِيق فَإِن قَالَ لَهُ فِي مَالِي ألف دِرْهَم أَو فِي عَبدِي هَذَا نصفه أَو قَالَ لَهُ عَبدِي هَذَا أَو دَاري هَذِه كَانَ إِقْرَارا صَحِيحا
стр. 515
قَالَ فِي رِوَايَة ابْن مَنْصُور إِذا قَالَ الرجل فرسي هَذَا لفُلَان فَإِذا أقرّ لَهُ وَهُوَ صَحِيح فَنعم فَأَما إِن أقرّ وَهُوَ مَرِيض فَلَا فقد حكم بِصِحَّة هَذَا الْإِقْرَار مَعَ إِضَافَته إِلَيْهِ
وَقَالَ أَيْضا فِي رِوَايَة مهنا إِذا قَالَ نصف عَبدِي هَذَا لفُلَان لَا يجوز إِلَّا أَن يكون وَهبة أَو أقرّ لَهُ بِهِ فقد حكم بِصِحَّة الْإِقْرَار مَعَ الْإِضَافَة إِذا أَتَى بِلَفْظ الْإِقْرَار كَذَا قَالَ
وَحكى مثل هَذَا عَن أَصْحَاب أبي حنيفَة وَقَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي لَا يكون إِقْرَارا وَيرجع إِلَيْهِ فَإِن قَالَ هبة لم أقبضهُ إِيَّاهَا كَانَ القَوْل قَوْله وَإِن كَانَ دينا كَانَ القَوْل قَوْله وَلَزِمَه
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَلَام الإِمَام أَحْمد نَص فِي أَن الْإِضَافَة لَا تمنع أَن يكون إِقْرَارا لَكِن لَيْسَ صَرِيحًا فِي أَن هَذَا اللَّفْظ بِمُجَرَّدِهِ إِقْرَار وَهَذَا مَحل الْخلاف كَذَا قَالَ
وَوجه هَذِه الرِّوَايَة أَنه أقرّ لَهُ بِجُزْء من مَاله فَأشبه مالو قَالَ لَهُ عَليّ ألف أَو لفظ يفهم مِنْهُ الْإِقْرَار فَأشبه مَا ذَكرْنَاهُ
فعلى هَذَا إِذا فسر هَذَا اللَّفْظ بِمَا لَا يَقْتَضِي الْملك لم يقبل قَالَه القَاضِي
وَيُؤْخَذ من كَلَام غَيره كَمَا لَو قَالَ لَهُ فِي مَال أبي أَو فِي تَرِكَة أبي ألف وَأَبوهُ ميت فَإِنَّهُ يكون لَهُ مقرا بِأَلف تستوفى من تَرِكَة أَبِيه بِلَا خلاف عِنْده وقاسه القَاضِي على مَا لَو قَالَ لَهُ على دِرْهَم ثمَّ قَالَ أردْت دِرْهَم زعفران فَإِنَّهُ لَا يقبل وَإِن كَانَ الزَّعْفَرَان يُوزن وكما لَو قَالَ العَبْد الَّذِي فِي يَدي وَالثَّانيَِة لَا يكون إِقْرَارا لِأَنَّهُ أضَاف الْمقر بِهِ إِلَيْهِ وَالْإِقْرَار إِخْبَار بِحَق عَلَيْهِ فَالظَّاهِر أَنه جعله لَهُ وَهُوَ الْهِبَة وَالظَّاهِر على هَذِه الرِّوَايَة يكون الحكم كالمسألة قبلهَا
فقد فرق فِي الْمُحَرر بَين مَالِي وَفِي مَالِي وَبَين نصف مَالِي وَنصف
стр. 516
دَاري وَكَلَام غَيره يدل على التَّسْوِيَة بَين الصُّور كلهَا وَأَنَّهَا على رِوَايَتَيْنِ
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعب فَإِن قَالَ لَهُ فِي مَالِي أَو من مَالِي أَو قَالَ لَهُ عَبدِي هَذَا أَو دَاري هَذِه أَو فرسي هَذِه أَوله فِي عَبدِي هَذَا نصفه وَفَسرهُ بِالْهبةِ قبل مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا يلْزمه شَيْء وَلَا فرق فِي جَمِيع ذَلِك بَين من وَفِي وَأَنه مَتى أضَاف الْملك إِلَى نَفسه ثمَّ أخبر بِشَيْء مِنْهُ لغيره لم يكن إِقْرَارا
وَقد نقل ابْن مَنْصُور عَن الامام أَحْمد إِذا قَالَ الرجل فرسي هَذَا لفُلَان فَإِقْرَاره جَائِز إِذا كَانَ صَحِيحا وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَة الْإِقْرَار مَعَ إِضَافَة الْملك إِلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي نَصره القَاضِي فِي الْخلاف انْتهى كَلَامه
وَهُوَ معنى كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَغَيره وَأَنه قد نقل عَن أَحْمد مَا يدل على رِوَايَتَيْنِ قَالَ فِي رِوَايَة مهنا فِيمَن قَالَ نصف عَبدِي هَذَا لفُلَان لم يجز حَتَّى يَقُول وهبته وَإِن قَالَ نصف مَالِي لفُلَان لَا أعرف هَذَا
وَنقل ابْن مَنْصُور إِذا قَالَ فرسي هَذَا لفُلَان بِإِقْرَارِهِ جَائِز
وَظَاهر هَذِه صِحَة الْإِقْرَار وَأما حكايته فِي الْمُحَرر الرِّوَايَتَيْنِ فِي ميراثي من أبي ألف فَهُوَ معنى كَلَام غَيره لِأَنَّهَا فِي معنى الصُّور الْبَوَاقِي ولغير وَاحِد من الْأَصْحَاب كَلَام هُنَا فِيهِ نظر
فرع
فَإِن قَالَ لَهُ فِي دَاري نصفهَا بِحَق لزمني أَو بِحَق لَهُ قبلي فَهُوَ إِقْرَار على كلا الرِّوَايَتَيْنِ
قَالَ القَاضِي لِأَنَّهُ إِذا قَالَ بِحَق فقد اعْترف أَن الْمقر لَهُ يسْتَحق ذَلِك بِحَق وَاجِب عرفه لَهُ وَلَزِمَه الْإِقْرَار بِهِ
وَقَالَ فِي الرِّعَايَة صَحَّ على الْأَصَح فَحكى فِيهَا الرِّوَايَتَيْنِ
стр. 517
قَوْله وَإِن قَالَ لَهُ هَذِه الدَّار عَارِية ثَبت بِهِ حكم الْعَارِية لَا ملك الرَّقَبَة
وَإِن قَالَ سُكْنى فَكَمَا لَو قَالَ عَارِية وَإِن قَالَ لَهُ هَذِه الدَّار هبة اعْتبرت شُرُوطهَا قطع بهَا فِي هَذِه الْمسَائِل جمَاعَة لِأَنَّهُ رفع بآخر كَلَامه بعض مَا دخل فِي أَوله فصح وَذكر القَاضِي وَجها أَنه لَا يَصح ذَلِك لِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء من غير الْجِنْس
فعلى هَذَا تثبت لَهُ الدَّار ملكا وَالْأولَى وَلَيْسَ هُنَا من أدوات الِاسْتِثْنَاء شَيْء وَإِنَّمَا هَذَا بدل اشْتِمَال وَهُوَ أَن يُبدل من الشَّيْء بعض مَا يشْتَمل عَلَيْهِ ذَلِك الشَّيْء وَهُوَ شَائِع فِي اللُّغَة وَهُوَ فِي الْقُرْآن كثير كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ﴾ فقتال بدل من الشَّهْر وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا أنسانيه إِلَّا الشَّيْطَان أَن أذكرهُ﴾ أَي نسياني ذكره وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله﴾ وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿قتل أَصْحَاب الْأُخْدُود النَّار﴾ وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين﴾ وَلِأَنَّهُ لَو قَالَ هَذِه الدَّار ثلثهَا ربعهَا صَحَّ وَكَانَ مقرّ بالجزء الَّذِي أبدله وَقد أبدل الله سُبْحَانَهُ المستطيع لِلْحَجِّ من النَّاس وَهُوَ أقل من نصفهم وأبدل الْقِتَال من الشَّهْر وَهُوَ غَيره فيفارق الْبَدَل الِاسْتِثْنَاء فِي هَذَا وَيُوَافِقهُ فِي كَونه يخرج من الْكَلَام بعض مَا يدْخل فِيهِ لولاه
قَوْله وَإِذا قَالَ هَذَا العَبْد لزيد لَا بل لعَمْرو أَو غصبته من زيد وغصبه زيد من عَمْرو لزمَه دَفعه إِلَى زيد وَدفع قِيمَته إِلَى عَمْرو
стр. 518
قطع بِهَذَا أَكثر الْأَصْحَاب وَسَوَاء كَانَ مُتَّصِلا أَو مُنْ فَصِل ا لِأَنَّهُ ثَبت ملك زيد فِيهِ باقراره لَهُ أَولا وَإِقْرَاره ثَانِيًا رُجُوع عَن حق آدَمِيّ ثَابت فَلَا يقبل على مَا تقدم لَكِن يقبل فِي حق نَفسه فَيغرم قِيمَته لَهُ لاعْتِرَافه بإحالته بِالْإِقْرَارِ الأول بَينه وَبَين مَاله فغرمه كَمَا لَو أتْلفه وَللشَّافِعِيّ قَول لَا يغرم للثَّانِي شَيْئا وَهُوَ وَجه لنا لِأَنَّهُ لَا يُمكن جمعه لكل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِنَّمَا جَاءَ التَّنَاقُض من الْإِقْرَار الثَّانِي فَيخْتَص الْبطلَان بِهِ وَلِأَن الْإِقْرَار الثَّانِي إِقْرَار بِملك غَيره فَلَا يقبل كَمَا لَو قَالَ العَبْد الَّذِي فِي يَد زيد لعَمْرو
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين يتَوَجَّه إِذا كَانَ الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلا أَن لَا يثبت حكم الْإِقْرَار الأول كَمَا لَو قَالَ كَانَ على وَقَضيته لِأَنَّهُ كَلَام مُنْتَظم وَلِهَذَا لَا يثبت بِهِ كفر وَلَا نَحوه وَلَو قَالَ فِي الطَّلَاق إِنَّه سبق لِسَانه لَكَانَ كَذَلِك انْتهى كَلَامه
وَقَوله على وَقَضيته أقرب إِلَى هَذِه الْمَسْأَلَة من كَانَ لَهُ على وقضتيه
وَعدم ثُبُوت الْكفْر لكَونه حَقًا لله فرجوعه عَنهُ مَقْبُول
وَأما لَو قَالَ هَذِه الْمُطلقَة لَا بل هَذِه فَإِنَّهُمَا يطلقان فَإِن ادّعى سبق لِسَانه بِالْأولَى فَهَل يقبل مِنْهُ وَلَا تطلق لم أجد هَذَا الْفَرْع وَلَا بِبَعِيد أَن يخرج فِيهَا الْخلاف فِيمَا إِذا أَتَى بِلَفْظ الطَّلَاق وَادّعى سبق لِسَانه إِلَيْهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِلَفْظِهِ غَيره وعَلى قِيَاسه مَسْأَلَتنَا هَذَا فِي الإقرارر ونظيرهما فِي الْعتْق وَفِي هَذَا الْقيَاس نظر لأفضائه فِي الإفرار إِلَى سُقُوطه وسد بَابه لتمكن الْمقر من رَفعه بعد لُزُومه ظَاهرا
وَالطَّلَاق مبغوض إِلَى الله تَعَالَى وَالْعِتْق مَحْبُوب إِلَيْهِ فَافْتَرقَا
فصل
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ أودعنيه زيد لَا بل عَمْرو وَلَو قَالَ هَذَا العَبْد الَّذِي هُوَ فِي يَدي حر ثمَّ قَالَ هُوَ لفُلَان عتق العَبْد وَضمن قِيمَته للْمقر لَهُ كَمَا يغرم الشَّاهِد
стр. 519
وَلَو قَالَ هَذَا الثَّوْب لفُلَان فَهَلَك فِي يَده قبل أَن يُسلمهُ لفُلَان لزمَه الضَّمَان
ذكر ذَلِك القَاضِي فِي ضمن الرُّجُوع عَن الشَّهَادَة وَقَالَ الْإِقْرَار يتَعَلَّق بِهِ الضَّمَان كَمَا يتَعَلَّق بالشادة فِي الْمَوَاضِع الَّتِي ذَكرنَاهَا انْتهى كَلَامه
وَقد قَالَ أَحْمد فِي رجل قَالَ لرجل استودعتك هَذَا الثَّوْب قَالَ صدقت ثمَّ قَالَ استودعنيه رجل آخر فالثوب للْأولِ وَيغرم قِيمَته للْآخر
قَوْله وَإِن قَالَ غصبته من زيد وَملكه لعَمْرو لم يضمن لعَمْرو شَيْئا وَالْعَبْد لزيد
وَكَذَا قطع بِهِ فِي المغنى وَغَيرهمَا فِي الرِّعَايَة أَنه الْأَشْهر لغيره لإِقْرَاره لزيد بِالْيَدِ
وَقَوله وَملكه لعَمْرو إِقْرَار على غَيره فَلَا يقبل وَلَا يغرم لَهُ شَيْئا لعدم تفريطه لجَوَاز أَن يكون ملكهَا لعَمْرو وَهِي فِي يَد زيد إِعَارَة أَو وَصِيَّة أَو غَيرهمَا
وَقدم فِي الْمُسْتَوْعب أَنه يغرم لعَمْرو كالمسألة بعْدهَا وَهُوَ معنى كَلَام الشَّيْخ شمس الدّين فِي شَرحه لَكِن الظَّاهِر وَالله أعلم أَنه إِنَّمَا قصد ذكر مَا فِي المغنى فَينْظر فِيهِ
قَوْله وَإِن قَالَ ملكه لعَمْرو وغصبته من زيد فَقَالَ القَاضِي وَابْن عقيل العَبْد لزيد وَلَا يضمن الْمقر لعَمْرو شَيْئا
كالمسألة قبلهَا
قَوْله وَقيل العَبْد لعَمْرو وَيضمن الْمقر قِيمَته لزيد وَهُوَ الْأَصَح
стр. 520
وَقَالَ فِي الْمُغنِي هَذَا وَجه حسن لِأَنَّهُ ثَبت لعَمْرو بِإِقْرَارِهِ السَّابِق فَلَا يقبل بعد إِقْرَاره بِالْيَدِ لزيد وللشافعية وَجْهَان كهذين
وَقطع أَبُو الْخطاب فِي الْهِدَايَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِأَن الْعين للْمَغْصُوب مِنْهُ وَيضمن الْمقر لمن اعْترف لَهُ بِالْملكِ الْقيمَة وَتَبعهُ فِي الْمقنع وَالْخُلَاصَة وَذكر فِي الرِّعَايَة الْكُبْرَى أَنه الْأَشْهر وَقدمه فِي الْمُسْتَوْعب وَلم أدر مَا يُوَجه بِهِ هَذَا الْوَجْه وَمن الْعجب أَن ابْن عبد الْقوي لم يذكرهُ فِي كِتَابه مَعَ أَنه ينظم الْمقنع وَيزِيد عَلَيْهِ وَإِنَّمَا نظم مَا فِي الْمُحَرر
فرع
وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الْمُتَّصِل والمنفصل وَلَو قَالَ هَذَا الْألف دَفعه إِلَى زيد وَهُوَ لعَمْرو أَو قَالَ لعَمْرو وَدفعه إِلَى زيد فعلى مَا تقدم ذكره فِي الْمُغنِي وَهُوَ وَاضح
قَوْله وَمن بَاعَ عبدا ثمَّ أقرّ أَن الْمَبِيع لغيره لم يقبل قَوْله على المُشْتَرِي وَلَزِمَه قِيمَته للْمقر لَهُ
لِأَن إِقْرَار الْإِنْسَان على غَيره لَا يقبل وَلِأَنَّهُ فَوته عَلَيْهِ بِالْبيعِ فغرمه كتفويته بِإِتْلَاف وَغَيره وَيعرف من هَذِه الْمَسْأَلَة أَن الحكم كَذَلِك لَو نقل الْملك فِيهِ بِهِبَة أَو غَيرهَا أَو أعْتقهُ ثمَّ أقرّ بِهِ
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَمن بَاعَ شَيْئا ثمَّ ادّعى أَنه ملك لغيره وَهُوَ وَكيل الْمُسْتَحق أَو وليه فَهَذَا بِمَنْزِلَة ادعائه لنَفسِهِ لِأَن البيع وَالشِّرَاء لَيْسَ إِقْرَارا بِالْملكِ فَإِن كَانَ البَائِع قد أقرّ أَنه بَاعَ ملكه فَهَل لَهُ بعد هَذَا أَن يدعيها لغيره بوكالة أَو ولَايَة وَيُقِيم بَيِّنَة أم يكون تَكْذِيبه لبينة نَفسه بِمَنْزِلَة تَكْذِيبه لبينه
стр. 521
مُوكله وموليه الثَّانِي هُوَ الْأَظْهر لِأَن الْإِنْسَان لَا يَدعِي مَا أقرّ فَإِن دَعْوَاهُ بِهِ بَاطِل لَا لنَفسِهِ وَلَا لغيره انْتهى كَلَامه
قَوْله وَإِن قَالَ لم يكن ملكي وَقد ملكته الْآن بِإِرْث أَو عقد لم يقبل إِلَّا بِبَيِّنَة
لِأَنَّهُ الأَصْل وَالظَّاهِر أَن مَا يتَصَرَّف فِيهِ الْإِنْسَان لَهُ التَّصَرُّف فِيهِ وَلما فِيهِ من التُّهْمَة وَتقبل الْبَيِّنَة لِأَنَّهُ لَا معَارض لَهَا وَلَا مَانع فَعمل بهَا
قَوْله إِلَّا أَن يكون قد أقرّ أَنه ملكه أَو قَالَ قبضت ثمن ملكي وَنَحْوه فَلَا تسمع بَينته
لِأَنَّهُ مكذب لَهَا لشهادتها بِخِلَاف مَا أقرّ بِهِ
فرع
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَإِن ادّعى بعد البيع أَنه كَانَ وَقفا عَلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَة أَن يَدعِي أَنه قد ملكه الْآن انْتهى كَلَامه
وَفِي معنى دَعْوَى عدم الْملك كل دَعْوَى تَقْتَضِي تقتض منع نقل الْملك فِيهِ كدعواه أَنه رهن وَغير ذَلِك وَمَا تقدم من التَّعْلِيل يدل عَلَيْهِ
قَوْله وَإِن أقرّ أَنه وهب وأقبض أَو رهن ثمن مَبِيع ثمَّ أنكر الْقَبْض غير جَاحد لإِقْرَاره بِهِ وَأَرَادَ تَحْلِيف خَصمه ملك تَحْلِيفه
стр. 522
قطع بِهِ فِي الْمُحَرر وَصَححهُ أَيْضا فِي الرِّعَايَة وَهُوَ قَول أبي يُوسُف لِأَن الْعَادة جَارِيَة بِالْقَبْضِ فبله فَيحْتَمل صِحَة مَا قَالَه فَيحلف لنفي الِاحْتِمَال وَهَذَا خلاف الشَّهَادَة على الْقَبْض قبله لِأَنَّهَا تكون شَهَادَة زور لِأَن إِنْكَاره مَعَ الشَّهَادَة تَكْذِيب لَهَا وَطعن فِيهَا بِخِلَاف الْإِقْرَار وَلِأَنَّهُ يُمكن إِقْرَاره بِنَاء على وَكيله وظنه وَالشَّهَادَة لَا تجوز إِلَّا على يَقِين
قَوْله وَعنهُ لَا يملكهُ
ذكر أَبُو الْخطاب وَجَمَاعَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة رِوَايَتَيْنِ وَذكر غير وَاحِد وَجْهَيْن وَالشَّيْخ موفق الدّين ذكر الطَّرِيقَيْنِ فِي كَلَامه
وَهَذِه الرِّوَايَة نصرها جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْخطاب والشريف فِي رُءُوس الْمسَائِل وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد والمحكى عَن الشَّافِعِي كالقول الأول فَمن أَصْحَابه من حمله على ظَاهره وَمِنْهُم من تَأَوَّلَه وَلم يُوجب الْيَمين
قَالَ بَعضهم وَهُوَ الْأَشْبَه لِأَن الْإِقْرَار يمْنَع الِاسْتِحْلَاف فِي حق الْمقر لَهُ بِدَلِيل أَنه لَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم ثمَّ قَالَ استحلفوه لي أَنه لَهُ على هَذِه الْألف لم يكن لَهُ ذَلِك كَذَا هُنَا
قَالَ جمَاعَة وَلَا يشبه هَذَا إِذا أقرّ بِالْبيعِ وَادّعى أَنه تلجئة إِن قُلْنَا إِن ذَلِك يقبل لِأَنَّهُ لم يَنْفَعهُ مَا أقرّ بِهِ وَلِأَن دَعْوَاهُ تَكْذِيب لإِقْرَاره فَلَا تسمع كَمَا لوأقر الْمضَارب أَنه ربح ألفا ثمَّ قَالَ غَلطت وَلِأَنَّهُ لَو قَالَ أحلفوه مَعَ يَمِينه لم يسْتَحْلف لَهُ كَذَا هُنَا
فرع
وَكَذَلِكَ الحكم لَو أقرّ أَنه اقْترض مِنْهُ ألفا وَقَبضهَا وَقَالَ لَهُ عَليّ ألف أَو قَالَ لَهُ ألف ثمَّ قَالَ مَا كنت قبضتها وَإِنَّمَا أَقرَرت لأقبضها ذكره فِي المغنى
стр. 523
قَوْله وَإِذا ادّعى اثْنَان دَارا فِي يَد ثَالِث أَنَّهَا شركَة بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ فَأقر لأَحَدهمَا بِنِصْفِهَا فالمقر بِهِ بَينهمَا عِنْد أبي الْخطاب
لم أجد فِي كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين خلاف هَذَا وَقطع بِهِ فِي الْمُسْتَوْعب وَغَيره وَذَلِكَ لاعترافهما بإشاعة الدَّار وَالْمقر بِهِ بَينهمَا كالباقي
قَوْله وَقَالَ القَاضِي إِن أضافا الشّركَة إِلَى سَبَب رَجَعَ فِي تَفْسِيره إِلَيْهِ
من إِرْث أَو غنيمَة أَو شِرَاء وَنَحْوه وَلم يَكُونَا قبضاها بعد الْملك لَهَا فَكَذَلِك وَإِلَّا اخْتصَّ الْمقر لَهُ بالمقر بِهِ
لِأَنَّهُمَا إِذا لم يضيفا الشّركَة إِلَى سَبَب وَاحِد يحْتَمل أَن كل جُزْء من الدَّار مُشْتَرك بَينهمَا وَيحْتَمل أَن تكون لَهما نِصْفَيْنِ وَهِي شركَة بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ وَمَعَ الِاحْتِمَال لم يحصل اعترافهما بالاشتراك فِي كل جُزْء فَيخْتَص الْمقر لَهُ بالمقر بِهِ كَمَا لَو ادّعى كل وَاحِد مِنْهُمَا نصفهَا وَلَا يحْتَاج أَن يَقُول معينا كَمَا زَاده بَعضهم وَإِن أضَاف الشّركَة إِلَى سَبَب وَاحِد وقبضاها بعد الْملك لَهَا فقد حصلت يَد كل وَاحِد مِنْهُمَا على نصفهَا فَيخْتَص بِهِ وَحكى فِي الرِّعَايَة قولا كَقَوْل القَاضِي وَلم يذكر كقبضهما بعد الْملك بِالشِّرَاءِ فيترتب عَلَيْهِ حكم ولبعضهم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كَلَام عَجِيب
قَوْله وَمن أقرّ لرجل بِأَلف فِي وَقْتَيْنِ لزمَه ألف وَاحِد
وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لِأَنَّهُ يحْتَمل التَّأْكِيد وَغَيره وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة اقْتصر كثير من الْأَصْحَاب على هَذَا الدَّلِيل وَفِيه نظر لِأَن الْكَلَام يحمل على حقيقتة واصله وَمَا تشتغل بِهِ الذِّمَّة وَحَقِيقَته وَأَصله التأسيس فيتعدد
стр. 524
كَمَا لَو قَالَ ألف وَألف عملا بِأَصْلِهِ وَهُوَ التغاير مَعَ احْتِمَاله التَّأْكِيد وَاسْتدلَّ بَعضهم بِأَن الْعرف يشْهد بذلك وَلذَلِك لَو قَالَ شخص رَأَيْت زيدا ثمَّ قَالَ رَأَيْت زيدا كَانَ زيد الثَّانِي زيدا الأول والرؤية الثَّانِيَة هِيَ الأولة وَهَذِه دَعْوَى حَقِيقَة عرفية تفْتَقر إِلَى دَلِيل وَالْأَصْل عدمهَا وَبَقَاء الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة وَاسْتدلَّ بَعضهم بِأَن الله تَعَالَى كرر الْخَبَر عَن جمَاعَة من الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلم يكن الْمَذْكُور فِي قصَّة غير الْمَذْكُور فِي أُخْرَى كَذَا هَهُنَا وَفِيه نظر لأَنا لَا نمْنَع من اسْتِعْمَال الْمجَاز وَالظَّاهِر يَزُول بالقاطع
وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَة كَهَذا القَوْل مَعَ اتِّحَاد الْمجْلس فَقَط وَالْمَشْهُور عَنهُ أَنه يلْزمه أَلفَانِ وَهُوَ الْأَصَح عِنْد أَصْحَابه وَسَوَاء كَانَ الْإِقْرَار بِمَا فِي الذِّمَّة أَو بِمَا فِي الْيَد وَإِن عرفه فقد وَافق أَبُو حنيفَة أَنه الأول وَهُوَ وَاضح لِأَن اللَّام للْعهد كَقَوْلِه تَعَالَى ٧٣ ١٦ ﴿فعصى فِرْعَوْن الرَّسُول﴾
وَكَذَلِكَ لَو شهد لَهُ بِأَلف ثمَّ ادّعى عَلَيْهِ بِأَلف عِنْد القَاضِي فَأقر بِأَلف فَقَالَ الطَّالِب لي عَلَيْهِ ألف أُخْرَى وَأَنا أقيم الْبَيِّنَة فَالْقَوْل قَول الْمَطْلُوب فِي أَن الْمَشْهُود بِهِ هُوَ الْمقر بِهِ بِخِلَاف الإقرارين وَكَذَلِكَ لَو سلم أَنه لَو قَالَ لَهُ عَليّ دِرْهَم دِرْهَم أَنه لَا يلْزمه إِلَّا دِرْهَم وَاحِد بِخِلَاف الاقرارين فِي دفعتين وَلَو قَالَ لَهُ على ألف من ثمن هَذَا الْمَتَاع بِعَيْنِه ثمَّ أقرّ بِهِ فِي مجْلِس آخر فَهُوَ إِقْرَار بِشَيْء وَاحِد وفَاقا كَمَا أَنه لَو عزا الأولى إِلَى بيع وَالثَّانِي إِلَى آخر لزم الألفان وفَاقا
قَوْله إِلَّا أَن يذكر مَا يَقْتَضِي التَّعَدُّد كأجلين أَو شَيْئَيْنِ أَو سكتين وَنَحْوه فَيلْزمهُ أَلفَانِ وَقد تقدم
لِأَن تغاير الصِّفَات دَلِيل على تغاير الموصوفات كمن قَالَ قبضت ألفا يَوْم السبت وألفا يَوْم الْأَحَد بِخِلَاف تعدد الْإِشْهَاد وَإِن قيد أحد الإقرارين بِسَبَب وَأطلق الآخر حمل الْمُطلق على الْمُقَيد فَيكون ألفا وَاحِدًا مَعَ الْيَمين
стр. 525
وَلَو شهد بِكُل إِقْرَار شَاهد جمع قَوْلهمَا لِاتِّحَاد الْمخبر عَنهُ وَلَا جمع فِي الْأَفْعَال
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَلَام أَصْحَابنَا فِي الْمَسْأَلَة يَقْتَضِي أَن يكون الْإِخْبَار كُله من الشَّهَادَة وَنَحْوهَا كَالْإِقْرَارِ بِخِلَاف الإنشاءات كتقرير الطَّلَاق وَكَذَلِكَ صرح القَاضِي بِالْفرقِ بَين الْإِخْبَار والإيقاع فان مَا وَقع مرّة لَا يَقع ثَانِيَة بِخِلَاف مَا أخبر بِهِ مرّة فَإِنَّهُ يخبر بِهِ ثَانِيَة
قَوْله قد ذكرنَا صِحَة اسْتثِْنَاء الْأَقَل دون الْأَكْثَر
نَص أَحْمد على ذَلِك وَذكر الشَّيْخ موفق الدّين أَنه لَا يعلم فِي ذَلِك خلافًا وَحكى غَيره الْإِجْمَاع وَحَكَاهُ أَيْضا هُوَ فِي اسْتثِْنَاء الْكل لِأَن اسْتثِْنَاء الْأَقَل لُغَة الْعَرَب وَهُوَ فِي الْكتاب وَالسّنة كثير وَعَكسه اسْتثِْنَاء الْكل
وَقد قَالَ ابْن طَلْحَة الْمَالِكِي فِي كتاب الْمدْخل فِيمَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا فِي لُزُوم الطَّلَاق لَهُ قَولَانِ بِنَاء على أَنه اسْتثِْنَاء أَو أَنه نَدم
قَالَ الْقَرَافِيّ فَعدم اللُّزُوم يَقْتَضِي جَوَاز اسْتثِْنَاء الْكل من الْكل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين لَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا على قَول مَالك يمشي هَذَا
وَقد تقدم أَصله قَالَ وَذَهَبت طَائِفَة من أهل الْعَرَبيَّة إِلَى أَنه يجوز أَن يسْتَثْنى عقد صَحِيح مثل الْعشْرَة وَالْعِشْرين من الْمِائَة الْوَاحِدَة والاثنين من الْعشْرَة بل بعض عقد كالخمسة من الْمِائَة وَالنّصف من الْعشْرَة انْتهى كَلَامه
وَحكى بَعضهم هَذَا عَن ابْن عُصْفُور وَلم أَجِدهُ فِي كَلَامه وَكَلَام الْأَئِمَّة ولغة الْعَرَب يَقْتَضِي عدم الْفرق وَهُوَ أولى
وَقَوله وَدون الْأَكْثَر على الْأَصَح
نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد فِي الطَّلَاق فِي رِوَايَة إِسْحَاق فِيمَن قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ هِيَ ثَلَاث وَقطع بِهِ أَكثر الْأَصْحَاب حَتَّى قَالَ فِي المغنى لَا يخْتَلف الْمَذْهَب فِيهِ وَبِه قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بن الْملك بن الْمَاجشون
стр. 526
وَذكر القَاضِي بن معتب فِي وثائقه أَنه مَذْهَب مَالك وَأَصْحَابه وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَنه قَول نحاة الْبَصْرَة وَذكر ابْن هُبَيْرَة أَن قَول أهل اللُّغَة يُوَافق هَذَا القَوْل وَحَكَاهُ ابْن عقيل عَن القَاضِي أبي بكر بن الباقلاني وَهُوَ الَّذِي ذكره ابْن درسْتوَيْه والزجاج وَأَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي وَابْن قُتَيْبَة وَابْن جنى وَابْن عُصْفُور وَغَيرهم
وَقَالَ ابْن عبد الْقوي وَكَذَا أَكثر أهل اللُّغَة من الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين وَإِذا مَنعه أهل اللُّغَة لم يكن صَحِيحا وَلِأَن الِاسْتِثْنَاء وضع لِمَعْنى وَهُوَ الِاسْتِدْرَاك أَو الِاخْتِصَار وَلَيْسَ فِي الْحِكْمَة وجود ذَلِك فِي الْأَكْثَر ولأنا نمْنَع وجود ذَلِك فِي شرع أَو لُغَة أَو عَادَة فثبوته يفْتَقر إِلَى دَلِيل وَالْأَصْل عَدمه فعلى هَذَا لَا فرق عِنْد الْأَصْحَاب بَين اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر من عدد مُصَرح بِهِ إِلَّا تسعين وَنَحْوه أَولا
وَفِي كَلَام بَعضهم الْجَوَاز إِذا لم يكن كَذَلِك نَحْو قَوْلك خُذ مَا فِي الْكيس من الدَّرَاهِم إِلَّا السُّلْطَانِيَّة أَو قدم بَنو فلَان أَو الْحَاج إِلَّا المشاة وَإِن كَانَ الْمُسْتَثْنى أَكثر من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَالْقَوْل الآخر عندنَا يَصح اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر وَقد ذكر القَاضِي وَجها وَاخْتَارَهُ فِيمَا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ ثَلَاثَة إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ أَنه يلْزمه دِرْهَمَانِ وَهَذَا إِنَّمَا يَجِيء على القَوْل بِصِحَّة اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وأصحابهما وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك نَقله صَاحب الْجَوَاهِر وَغَيره كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ والغاوون أَكثر بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ١٢ ١٠٣ ﴿وَمَا أَكثر النَّاس وَلَو حرصت بمؤمنين﴾ وَأجِيب بِأَن الغاوين أقل لِأَن الْمَلَائِكَة من الْعِبَادَة قَالَ الله تَعَالَى ٢١ ٢٦ ﴿بل عباد مكرمون﴾ وَكَون السِّيَاق فِي بني آدم لَا يمْنَع الْعُمُوم وَبِأَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ غير عدد صَرِيح أجَاب بِهِ القَاضِي وَأَصْحَابه وَبِأَن الِاسْتِثْنَاء فِي الْآيَة من غير الْجِنْس إِمَّا المُرَاد
стр. 527
بعبادي الموحدون ومتبع الشَّيْطَان غير موحد وَفِي هَذَا نظر وَإِمَّا لِأَن الْعباد لَيْسَ للشَّيْطَان عَلَيْهِم سُلْطَان أَي حجَّة فَهُوَ على عُمُومه وَمن اتبعهُ لَا يضله بِالْحجَّةِ بل بتزينه يدل على هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان إِلَّا أَن دعوتكم فاستجبتم لي﴾
فاستدل ابْن عبد الْقوي على أَنه من غير الْجِنْس بِأَن من وصلتها فِي مَوضِع نصب فِي اخْتِيَار الْمُحَقِّقين من النُّحَاة وَلَو كَانَ مُتَّصِلا لَكَانَ فِي مَوضِع رفع فِي اختيارهم لِأَنَّهُ من منفى بعد تَمام الْكَلَام
قَوْله وَإِن فِي النصفين وَجْهَيْن
أَحدهمَا يَصح وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْخرقِيّ وَذكر ابْن هُبَيْرَة أَنه ظَاهر مَذْهَب أَحْمد لِأَن ابْن مَنْصُور روى عَن الإِمَام أَحْمد إِذا قَالَ لَك عِنْدِي مائَة دِينَار قضيتك مِنْهَا خمسين وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة فَالْقَوْل قَوْله
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا لَيْسَ من الِاسْتِثْنَاء الْمُخْتَلف فِيهِ فَإِن قَوْله قضيتك سِتِّينَ مثل خمسين وَمَا قَالَه صَحِيح وَهُوَ الَّذِي ذكره ابْن عُصْفُور لِأَن الْمَمْنُوع مِنْهُ اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر وَهَذَا لَيْسَ بِأَكْثَرَ
وَالثَّانِي لَا يَصح وَاخْتَارَهُ أَبُو بكر وَذكر الشَّيْخ شمس الدّين وَالشَّيْخ زين الدّين أَنه أولى بِنَاء على أَنه لم يَأْتِ فِي لسانهم قَالَ الزّجاج فِي الْمعَانِي فِي العنكبوت فِي قصَّة لوط لم يَأْتِ الِاسْتِثْنَاء فِي كَلَام الْعَرَب إِلَّا الْقَلِيل من الْكثير
وَقَالَ أَيْضا فَأَما اسْتثِْنَاء نصف الشَّيْء فقبيح جدا لم تَتَكَلَّم بِهِ الْعَرَب
وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي فِي الْكَافِي وَأعلم أَنه لَيْسَ من كَلَام الْعَرَب أَن يسْتَثْنى من الشَّيْء نصفه فقبيح أَن يَقُول لزيد عَليّ عشرَة إِلَّا خَمْسَة
فصل
قَالَ النُّحَاة وَمِنْهُم ابْن السراج فِي الأول إِذا قَالَ لَهُ عِنْدِي مائَة دِرْهَم
стр. 528
إِلَّا دِرْهَمَيْنِ فَهُوَ اسْتثِْنَاء فَيكون مقرا بِثمَانِيَة وَتِسْعين وَإِذا قَالَ مائَة إِلَّا دِرْهَمَانِ فَهُوَ صفة وَيكون مقرا بِمِائَة لِأَن التَّقْدِير مائَة مُغَايرَة لدرهمين وَكَذَلِكَ لَو قَالَ مائَة غير الْألف لِأَن الصّفة تقضي على الْمَوْصُوف وَلَو قَالَ ألف مثل مائَة أَو ألف مثل دِرْهَمَيْنِ كَانَ مقرا بِمِائَة ودرهمين لِأَن أَجزَاء الْمِائَة قد تماثل دِرْهَمَيْنِ
وَكَذَلِكَ قَالَه غير وَاحِد من النُّحَاة إِذا قَالَ دِرْهَم إِلَّا دانقا فَهُوَ مقرّ بدرهم إِلَّا دانق وَإِذا قَالَ دِرْهَم إِلَّا دانق بِالرَّفْع فَهُوَ مقرّ بدرهم كَامِل
وَكَذَلِكَ ذكر القَاضِي أَبُو يعلى فِي مَسْأَلَة تَوْبَة الْقَاذِف مستشهدا بِهِ قَالَ وعَلى أَن النُّحَاة قَالُوا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة دَرَاهِم إِلَّا خَمْسَة دَرَاهِم إِلَّا ثَلَاثَة دَرَاهِم أَنه يلْزمه سَبْعَة وَيرجع الْأَخير إِلَى الْعشْرَة وَالِاسْتِثْنَاء الأول لَيْسَ فِي الْحَقِيقَة باستثناء وَإِنَّمَا هُوَ وصف للعشرة لِأَن الِاسْتِثْنَاء مِنْهَا يجب أَن يكون مَنْصُوبًا فَإِذا كَانَ مَرْفُوعا كَانَ وَصفا فَكَأَنَّهُ قَالَ عَليّ عشرَة غير خَمْسَة لَا أذكرها فالخمسة مُبْهمَة غير مفسرة فَلَا تلْزمهُ وَقَوله إِلَّا ثَلَاثَة فَإِنَّهَا اسْتثِْنَاء صَحِيح فَيرجع إِلَى عشرَة
قَالَ وَهَذَا يدل على بطلَان السُّؤَال الَّذِي ذَكرُوهُ يَعْنِي الِاسْتِثْنَاء من الِاسْتِثْنَاء وَهَذَا الِاعْتِرَاض عَلَيْهِم لَيْسَ بِصَحِيح
هَذَا كَلَام من كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَلم يفرقُوا بَين النَّحْوِيّ وَغَيره
وَيتَوَجَّهُ أَن يُقَال فِي غير النَّحْوِيّ إِذا قَالَ إِلَّا دِرْهَمَانِ أَنه يكون اسْتثِْنَاء لِأَن الظَّاهِر إِرَادَته وَإِنَّمَا رفع جهلا كَمَا قَالَه الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره فِي عشرَة غير دِرْهَم بِرَفْع الرَّاء إِنَّه يلْزمه تِسْعَة كَذَلِك
قَوْله وَيصِح الِاسْتِثْنَاء من الِاسْتِثْنَاء كَقَوْلِه عَليّ سَبْعَة إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا درهما فَيلْزمهُ خَمْسَة
стр. 529
لِأَنَّهُ أخرج مِنْهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ ثَلَاثَة وَعَاد بِالِاسْتِثْنَاءِ من الِاسْتِثْنَاء دِرْهَم فَإِذا ضممته إِلَى الْأَرْبَعَة صَار خَمْسَة وَإِذا صَحَّ الِاسْتِثْنَاء فصحة الِاسْتِثْنَاء من الِاسْتِثْنَاء أولى لِأَن الِاسْتِثْنَاء إبِْطَال وَالِاسْتِثْنَاء مِنْهُ رُجُوع إِلَى مُوجب الْإِقْرَار وَيكون اسْتِثْنَاؤُهُ من الْإِثْبَات نفيا وَمن النَّفْي إِثْبَات وَقد قَالَ تَعَالَى ١٥ ٥٨ ٦٠ ﴿قَالُوا إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم مجرمين إِلَّا آل لوط إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَته قَدرنَا إِنَّهَا لمن الغابرين﴾
قَوْله وَإِذا كَانَ الْكل أَو الْأَكْثَر الْمُسْتَثْنى مُسْتَثْنى مِنْهُ فَهَل يبطل وَمَا بعده أَو يرجع مَا بعده إِلَى مَا قبله أَو ينظر إِلَى مَا يؤول إِلَيْهِ جملَة الاستثناءات فِيهِ ثَلَاثَة أوجه كَذَلِك
وَجه الأول أَن الِاسْتِثْنَاء أصل وَالثَّانِي فَرعه وَالْفرع يبطل بِبُطْلَان أَصله
وَوجه الثَّانِي أَنه يحافظ على تَصْحِيح كَلَام الْمُكَلف حسب الْإِمْكَان وَهُوَ مُمكن بِأَن يَجْعَل الِاسْتِثْنَاء الأول كَالْعدمِ لبطلانه فَيكون الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي من الَّذِي قبله لبُطْلَان مَا بَينهمَا
وَوجه الثَّالِث أَن الْكَلَام بِآخِرهِ والمستثنى والمستثنى مِنْهُ كجملة وَاحِدَة وَهَذَا القَوْل هُوَ الَّذِي وجدته فِي كَلَام النُّحَاة
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عَن الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين مأخذهما هَل الِاسْتِثْنَاء يمْنَع دُخُول الْمُسْتَثْنى فِي اللَّفْظ أَو يُخرجهُ بعد مَا دخل الأول أصح انْتهى كَلَامه
وَالْخلاف فِي الأَصْل الْمَذْكُور فِي كَلَام أبي الْخطاب وَالشَّيْخ موفق الدّين وَغَيرهمَا وَلم أجد أحدا ذكره أصلا لهَذِهِ الْمَسْأَلَة بل مَا ذكر من التَّعْلِيل يُخَالِفهُ وَفِي مَذْهَب الشَّافِعِي ثَلَاثَة أوجه كهذه الْوُجُوه
قَوْله فَإِذا قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا خَمْسَة إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ إِلَّا درهما فَهَل يلْزمه إِذا صححنا اسْتثِْنَاء النّصْف خَمْسَة أَو سِتَّة على وَجْهَيْن
стр. 530
أَحدهمَا يلْزمه خَمْسَة لِأَن التَّقْدِير أَن اسْتثِْنَاء النّصْف صَحِيح وَثَلَاثَة من خَمْسَة بَاطِل فَيبْطل مَا بعده
وَالثَّانِي يلْزمه سِتَّة لِأَن اسْتثِْنَاء النّصْف صَحِيح واستثناء ثَلَاثَة من خَمْسَة بَاطِل ووجوده كَعَدَمِهِ واستثناء اثْنَيْنِ من خَمْسَة صَحِيح فَصَارَ الْمقر بِهِ سَبْعَة ثمَّ اسْتثْنى من الِاثْنَيْنِ وَاحِد يبقي سِتَّة وعَلى الْوَجْه الثَّالِث أَن الْكَلَام بِآخِرهِ وَتَصِح الاستثناءات كلهَا وَيلْزمهُ سَبْعَة وَهُوَ وَاضح وألزمه بَعضهم على هَذَا الْوَجْه سِتَّة بِنَاء على أَن الدِّرْهَم مسكوت عَلَيْهِ فَلَا يَصح اسْتِثْنَاؤُهُ وَفِيه نظر
قَوْله وَإِذا لم نصححه فَهَل يلْزمه ثَمَانِيَة أَو عشرَة على وَجْهَيْن
أَحدهمَا يلْزمه ثَمَانِيَة لِأَن اسْتثِْنَاء الْخَمْسَة بَاطِل واستثناء ثَلَاثَة من عشرَة صَحِيح يبْقى سَبْعَة واستثناء الْإِثْنَيْنِ بَاطِل واستثناء وَاحِد من ثَلَاثَة صَحِيح تزيده على سَبْعَة
وَقَالَ بَعضهم على هَذَا الْوَجْه أَن اسْتثِْنَاء خَمْسَة وَثَلَاثَة بَاطِل واستثناء اثْنَيْنِ من ثَمَانِيَة صَحِيح واستثناء وَاحِد من اثْنَيْنِ بَاطِل وَفِيه نظر وَالثَّانِي يلْزمه عشرَة لإبطال الأول وَمَا بعده
قَوْله وَقيل يلْزمه سَبْعَة عَلَيْهِمَا جَمِيعًا
أَي سَوَاء قُلْنَا يَصح اسْتثِْنَاء النّصْف أَولا وَهَذَا بِنَاء على الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ تَصْحِيح الاستثناءات كلهَا كَمَا تقدم وحكاية المُصَنّف هَذَا الْوَجْه بِهَذِهِ الْعبارَة فِيهَا شَيْء وَأَحْسبهُ لَو قَالَ وعَلى الْوَجْه الثَّالِث يلْزمه سَبْعَة كَانَ أولى
وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَن هَذَا قَول الْمَالِكِيَّة قَالَ وَلَك طَرِيقَانِ إِن شِئْت أَن تنقص الآخر مِمَّا قبله ثمَّ تنقص الثَّانِي مِمَّا قبله إِلَى الآخر وَإِن شِئْت أَن تنقص الآخر مِمَّا قبله ثمَّ تنقص الثَّانِي ثمَّ تنقص الثَّالِث ثمَّ أَن تنقص الأول من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ ثمَّ تزيد عَلَيْهِ الثَّانِي ثمَّ تنقص الثَّالِث ثمَّ تزيد عَلَيْهِ الرّبع إِلَى آخِره وَهَذَا الثَّانِي فِي الْكَافِي انْتهى كَلَامه
следующие страницы →