Полный текст (570 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وَذكر القَاضِي بن معتب فِي وثائقه أَنه مَذْهَب مَالك وَأَصْحَابه وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَنه قَول نحاة الْبَصْرَة وَذكر ابْن هُبَيْرَة أَن قَول أهل اللُّغَة يُوَافق هَذَا القَوْل وَحَكَاهُ ابْن عقيل عَن القَاضِي أبي بكر بن الباقلاني وَهُوَ الَّذِي ذكره ابْن درسْتوَيْه والزجاج وَأَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي وَابْن قُتَيْبَة وَابْن جنى وَابْن عُصْفُور وَغَيرهم
وَقَالَ ابْن عبد الْقوي وَكَذَا أَكثر أهل اللُّغَة من الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين وَإِذا مَنعه أهل اللُّغَة لم يكن صَحِيحا وَلِأَن الِاسْتِثْنَاء وضع لِمَعْنى وَهُوَ الِاسْتِدْرَاك أَو الِاخْتِصَار وَلَيْسَ فِي الْحِكْمَة وجود ذَلِك فِي الْأَكْثَر ولأنا نمْنَع وجود ذَلِك فِي شرع أَو لُغَة أَو عَادَة فثبوته يفْتَقر إِلَى دَلِيل وَالْأَصْل عَدمه فعلى هَذَا لَا فرق عِنْد الْأَصْحَاب بَين اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر من عدد مُصَرح بِهِ إِلَّا تسعين وَنَحْوه أَولا
وَفِي كَلَام بَعضهم الْجَوَاز إِذا لم يكن كَذَلِك نَحْو قَوْلك خُذ مَا فِي الْكيس من الدَّرَاهِم إِلَّا السُّلْطَانِيَّة أَو قدم بَنو فلَان أَو الْحَاج إِلَّا المشاة وَإِن كَانَ الْمُسْتَثْنى أَكثر من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَالْقَوْل الآخر عندنَا يَصح اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر وَقد ذكر القَاضِي وَجها وَاخْتَارَهُ فِيمَا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ ثَلَاثَة إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ أَنه يلْزمه دِرْهَمَانِ وَهَذَا إِنَّمَا يَجِيء على القَوْل بِصِحَّة اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وأصحابهما وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك نَقله صَاحب الْجَوَاهِر وَغَيره كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ والغاوون أَكثر بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ١٢ ١٠٣ ﴿وَمَا أَكثر النَّاس وَلَو حرصت بمؤمنين﴾ وَأجِيب بِأَن الغاوين أقل لِأَن الْمَلَائِكَة من الْعِبَادَة قَالَ الله تَعَالَى ٢١ ٢٦ ﴿بل عباد مكرمون﴾ وَكَون السِّيَاق فِي بني آدم لَا يمْنَع الْعُمُوم وَبِأَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ غير عدد صَرِيح أجَاب بِهِ القَاضِي وَأَصْحَابه وَبِأَن الِاسْتِثْنَاء فِي الْآيَة من غير الْجِنْس إِمَّا المُرَاد
стр. 527
بعبادي الموحدون ومتبع الشَّيْطَان غير موحد وَفِي هَذَا نظر وَإِمَّا لِأَن الْعباد لَيْسَ للشَّيْطَان عَلَيْهِم سُلْطَان أَي حجَّة فَهُوَ على عُمُومه وَمن اتبعهُ لَا يضله بِالْحجَّةِ بل بتزينه يدل على هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان إِلَّا أَن دعوتكم فاستجبتم لي﴾
فاستدل ابْن عبد الْقوي على أَنه من غير الْجِنْس بِأَن من وصلتها فِي مَوضِع نصب فِي اخْتِيَار الْمُحَقِّقين من النُّحَاة وَلَو كَانَ مُتَّصِلا لَكَانَ فِي مَوضِع رفع فِي اختيارهم لِأَنَّهُ من منفى بعد تَمام الْكَلَام
قَوْله وَإِن فِي النصفين وَجْهَيْن
أَحدهمَا يَصح وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْخرقِيّ وَذكر ابْن هُبَيْرَة أَنه ظَاهر مَذْهَب أَحْمد لِأَن ابْن مَنْصُور روى عَن الإِمَام أَحْمد إِذا قَالَ لَك عِنْدِي مائَة دِينَار قضيتك مِنْهَا خمسين وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة فَالْقَوْل قَوْله
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا لَيْسَ من الِاسْتِثْنَاء الْمُخْتَلف فِيهِ فَإِن قَوْله قضيتك سِتِّينَ مثل خمسين وَمَا قَالَه صَحِيح وَهُوَ الَّذِي ذكره ابْن عُصْفُور لِأَن الْمَمْنُوع مِنْهُ اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر وَهَذَا لَيْسَ بِأَكْثَرَ
وَالثَّانِي لَا يَصح وَاخْتَارَهُ أَبُو بكر وَذكر الشَّيْخ شمس الدّين وَالشَّيْخ زين الدّين أَنه أولى بِنَاء على أَنه لم يَأْتِ فِي لسانهم قَالَ الزّجاج فِي الْمعَانِي فِي العنكبوت فِي قصَّة لوط لم يَأْتِ الِاسْتِثْنَاء فِي كَلَام الْعَرَب إِلَّا الْقَلِيل من الْكثير
وَقَالَ أَيْضا فَأَما اسْتثِْنَاء نصف الشَّيْء فقبيح جدا لم تَتَكَلَّم بِهِ الْعَرَب
وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي فِي الْكَافِي وَأعلم أَنه لَيْسَ من كَلَام الْعَرَب أَن يسْتَثْنى من الشَّيْء نصفه فقبيح أَن يَقُول لزيد عَليّ عشرَة إِلَّا خَمْسَة
فصل
قَالَ النُّحَاة وَمِنْهُم ابْن السراج فِي الأول إِذا قَالَ لَهُ عِنْدِي مائَة دِرْهَم
стр. 528
إِلَّا دِرْهَمَيْنِ فَهُوَ اسْتثِْنَاء فَيكون مقرا بِثمَانِيَة وَتِسْعين وَإِذا قَالَ مائَة إِلَّا دِرْهَمَانِ فَهُوَ صفة وَيكون مقرا بِمِائَة لِأَن التَّقْدِير مائَة مُغَايرَة لدرهمين وَكَذَلِكَ لَو قَالَ مائَة غير الْألف لِأَن الصّفة تقضي على الْمَوْصُوف وَلَو قَالَ ألف مثل مائَة أَو ألف مثل دِرْهَمَيْنِ كَانَ مقرا بِمِائَة ودرهمين لِأَن أَجزَاء الْمِائَة قد تماثل دِرْهَمَيْنِ
وَكَذَلِكَ قَالَه غير وَاحِد من النُّحَاة إِذا قَالَ دِرْهَم إِلَّا دانقا فَهُوَ مقرّ بدرهم إِلَّا دانق وَإِذا قَالَ دِرْهَم إِلَّا دانق بِالرَّفْع فَهُوَ مقرّ بدرهم كَامِل
وَكَذَلِكَ ذكر القَاضِي أَبُو يعلى فِي مَسْأَلَة تَوْبَة الْقَاذِف مستشهدا بِهِ قَالَ وعَلى أَن النُّحَاة قَالُوا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة دَرَاهِم إِلَّا خَمْسَة دَرَاهِم إِلَّا ثَلَاثَة دَرَاهِم أَنه يلْزمه سَبْعَة وَيرجع الْأَخير إِلَى الْعشْرَة وَالِاسْتِثْنَاء الأول لَيْسَ فِي الْحَقِيقَة باستثناء وَإِنَّمَا هُوَ وصف للعشرة لِأَن الِاسْتِثْنَاء مِنْهَا يجب أَن يكون مَنْصُوبًا فَإِذا كَانَ مَرْفُوعا كَانَ وَصفا فَكَأَنَّهُ قَالَ عَليّ عشرَة غير خَمْسَة لَا أذكرها فالخمسة مُبْهمَة غير مفسرة فَلَا تلْزمهُ وَقَوله إِلَّا ثَلَاثَة فَإِنَّهَا اسْتثِْنَاء صَحِيح فَيرجع إِلَى عشرَة
قَالَ وَهَذَا يدل على بطلَان السُّؤَال الَّذِي ذَكرُوهُ يَعْنِي الِاسْتِثْنَاء من الِاسْتِثْنَاء وَهَذَا الِاعْتِرَاض عَلَيْهِم لَيْسَ بِصَحِيح
هَذَا كَلَام من كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَلم يفرقُوا بَين النَّحْوِيّ وَغَيره
وَيتَوَجَّهُ أَن يُقَال فِي غير النَّحْوِيّ إِذا قَالَ إِلَّا دِرْهَمَانِ أَنه يكون اسْتثِْنَاء لِأَن الظَّاهِر إِرَادَته وَإِنَّمَا رفع جهلا كَمَا قَالَه الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره فِي عشرَة غير دِرْهَم بِرَفْع الرَّاء إِنَّه يلْزمه تِسْعَة كَذَلِك
قَوْله وَيصِح الِاسْتِثْنَاء من الِاسْتِثْنَاء كَقَوْلِه عَليّ سَبْعَة إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا درهما فَيلْزمهُ خَمْسَة
стр. 529
لِأَنَّهُ أخرج مِنْهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ ثَلَاثَة وَعَاد بِالِاسْتِثْنَاءِ من الِاسْتِثْنَاء دِرْهَم فَإِذا ضممته إِلَى الْأَرْبَعَة صَار خَمْسَة وَإِذا صَحَّ الِاسْتِثْنَاء فصحة الِاسْتِثْنَاء من الِاسْتِثْنَاء أولى لِأَن الِاسْتِثْنَاء إبِْطَال وَالِاسْتِثْنَاء مِنْهُ رُجُوع إِلَى مُوجب الْإِقْرَار وَيكون اسْتِثْنَاؤُهُ من الْإِثْبَات نفيا وَمن النَّفْي إِثْبَات وَقد قَالَ تَعَالَى ١٥ ٥٨ ٦٠ ﴿قَالُوا إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم مجرمين إِلَّا آل لوط إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَته قَدرنَا إِنَّهَا لمن الغابرين﴾
قَوْله وَإِذا كَانَ الْكل أَو الْأَكْثَر الْمُسْتَثْنى مُسْتَثْنى مِنْهُ فَهَل يبطل وَمَا بعده أَو يرجع مَا بعده إِلَى مَا قبله أَو ينظر إِلَى مَا يؤول إِلَيْهِ جملَة الاستثناءات فِيهِ ثَلَاثَة أوجه كَذَلِك
وَجه الأول أَن الِاسْتِثْنَاء أصل وَالثَّانِي فَرعه وَالْفرع يبطل بِبُطْلَان أَصله
وَوجه الثَّانِي أَنه يحافظ على تَصْحِيح كَلَام الْمُكَلف حسب الْإِمْكَان وَهُوَ مُمكن بِأَن يَجْعَل الِاسْتِثْنَاء الأول كَالْعدمِ لبطلانه فَيكون الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي من الَّذِي قبله لبُطْلَان مَا بَينهمَا
وَوجه الثَّالِث أَن الْكَلَام بِآخِرهِ والمستثنى والمستثنى مِنْهُ كجملة وَاحِدَة وَهَذَا القَوْل هُوَ الَّذِي وجدته فِي كَلَام النُّحَاة
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عَن الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين مأخذهما هَل الِاسْتِثْنَاء يمْنَع دُخُول الْمُسْتَثْنى فِي اللَّفْظ أَو يُخرجهُ بعد مَا دخل الأول أصح انْتهى كَلَامه
وَالْخلاف فِي الأَصْل الْمَذْكُور فِي كَلَام أبي الْخطاب وَالشَّيْخ موفق الدّين وَغَيرهمَا وَلم أجد أحدا ذكره أصلا لهَذِهِ الْمَسْأَلَة بل مَا ذكر من التَّعْلِيل يُخَالِفهُ وَفِي مَذْهَب الشَّافِعِي ثَلَاثَة أوجه كهذه الْوُجُوه
قَوْله فَإِذا قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا خَمْسَة إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ إِلَّا درهما فَهَل يلْزمه إِذا صححنا اسْتثِْنَاء النّصْف خَمْسَة أَو سِتَّة على وَجْهَيْن
стр. 530
أَحدهمَا يلْزمه خَمْسَة لِأَن التَّقْدِير أَن اسْتثِْنَاء النّصْف صَحِيح وَثَلَاثَة من خَمْسَة بَاطِل فَيبْطل مَا بعده
وَالثَّانِي يلْزمه سِتَّة لِأَن اسْتثِْنَاء النّصْف صَحِيح واستثناء ثَلَاثَة من خَمْسَة بَاطِل ووجوده كَعَدَمِهِ واستثناء اثْنَيْنِ من خَمْسَة صَحِيح فَصَارَ الْمقر بِهِ سَبْعَة ثمَّ اسْتثْنى من الِاثْنَيْنِ وَاحِد يبقي سِتَّة وعَلى الْوَجْه الثَّالِث أَن الْكَلَام بِآخِرهِ وَتَصِح الاستثناءات كلهَا وَيلْزمهُ سَبْعَة وَهُوَ وَاضح وألزمه بَعضهم على هَذَا الْوَجْه سِتَّة بِنَاء على أَن الدِّرْهَم مسكوت عَلَيْهِ فَلَا يَصح اسْتِثْنَاؤُهُ وَفِيه نظر
قَوْله وَإِذا لم نصححه فَهَل يلْزمه ثَمَانِيَة أَو عشرَة على وَجْهَيْن
أَحدهمَا يلْزمه ثَمَانِيَة لِأَن اسْتثِْنَاء الْخَمْسَة بَاطِل واستثناء ثَلَاثَة من عشرَة صَحِيح يبْقى سَبْعَة واستثناء الْإِثْنَيْنِ بَاطِل واستثناء وَاحِد من ثَلَاثَة صَحِيح تزيده على سَبْعَة
وَقَالَ بَعضهم على هَذَا الْوَجْه أَن اسْتثِْنَاء خَمْسَة وَثَلَاثَة بَاطِل واستثناء اثْنَيْنِ من ثَمَانِيَة صَحِيح واستثناء وَاحِد من اثْنَيْنِ بَاطِل وَفِيه نظر وَالثَّانِي يلْزمه عشرَة لإبطال الأول وَمَا بعده
قَوْله وَقيل يلْزمه سَبْعَة عَلَيْهِمَا جَمِيعًا
أَي سَوَاء قُلْنَا يَصح اسْتثِْنَاء النّصْف أَولا وَهَذَا بِنَاء على الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ تَصْحِيح الاستثناءات كلهَا كَمَا تقدم وحكاية المُصَنّف هَذَا الْوَجْه بِهَذِهِ الْعبارَة فِيهَا شَيْء وَأَحْسبهُ لَو قَالَ وعَلى الْوَجْه الثَّالِث يلْزمه سَبْعَة كَانَ أولى
وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَن هَذَا قَول الْمَالِكِيَّة قَالَ وَلَك طَرِيقَانِ إِن شِئْت أَن تنقص الآخر مِمَّا قبله ثمَّ تنقص الثَّانِي مِمَّا قبله إِلَى الآخر وَإِن شِئْت أَن تنقص الآخر مِمَّا قبله ثمَّ تنقص الثَّانِي ثمَّ تنقص الثَّالِث ثمَّ أَن تنقص الأول من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ ثمَّ تزيد عَلَيْهِ الثَّانِي ثمَّ تنقص الثَّالِث ثمَّ تزيد عَلَيْهِ الرّبع إِلَى آخِره وَهَذَا الثَّانِي فِي الْكَافِي انْتهى كَلَامه
стр. 531
وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي فِي كَلَام غير وَاحِد
فصل
وَإِن كَانَ الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي بِحرف عطف كَانَ مُضَافا إِلَى الِاسْتِثْنَاء الأول فَإِذا قَالَ لَهُ على عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة وَإِلَّا دِرْهَمَيْنِ كَانَ مستثنيا لخمسة مقرا بِخَمْسَة
وَذكر ابْن عبد الْقوي إِن هَذَا الْأَقْوَى قَالَ لِأَن الْوَاو تجْعَل الِاسْتِثْنَاء كشيء وَاحِد كَمَا يَأْتِي فِي ترفيع الْمسَائِل وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَن الأول قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فَإِن استغرقت إِلَّا سقط الِاسْتِثْنَاء وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يسْقط الْأَخير الْمُقْتَضى للاستغراق وَيصِح مَا عداهُ وَكَلَام هَؤُلَاءِ إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَت مستغرقة فَأَما إِذا كَانَت مذهبَة للْأَكْثَر فَيجوز عِنْدهم والوجهان لِأَصْحَابِنَا انْتهى كَلَامه
وَلم أجد الْوَجْهَيْنِ صَرِيحًا إِلَّا مَعَ حذف إِلَّا
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ عَليّ دِرْهَمَانِ وَثَلَاثَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ أَو لَهُ عَليّ دِرْهَم وَدِرْهَم وَدِرْهَم إِلَّا درهما فَفِي صِحَة استثنائه وَجْهَان
أَحدهمَا يَصح ذكره القَاضِي مَحل وفَاق مَعَ الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم اسْتدلَّ فِي الِاسْتِثْنَاء المتعقب جملا إِذا قَالَ لَهُ على خَمْسَة وَخَمْسَة وَخَمْسَة إِلَّا سَبْعَة فَإِن الِاسْتِثْنَاء يعود إِلَى الْجَمِيع وَكَذَلِكَ أَبُو الْخطاب وَقَالَ أَجمعُوا على أَنه يلْزمه ثَمَانِيَة وَأجَاب ابْن الْحَاجِب بِأَنَّهَا منفردات وَأَيْضًا فللاستقامة وَأجَاب الْآمِدِيّ بِمَنْع صِحَة الِاسْتِثْنَاء فِيهَا وَهُوَ قَول الْمَالِكِيَّة وَذكره بعض متأخريهم وَحَكَاهُ بَعضهم أحد الْوَجْهَيْنِ للشَّافِعِيَّة وَقدمه فِي الرِّعَايَة وَذكر ابْن عبد الْقوي أَنه أصح الْوَجْهَيْنِ لِأَن الْعَطف جعل الجملتين كجملة وَاحِدَة فَعَاد الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِمَا
стр. 532
كَقَوْلِه تَعَالَى فِي آيَة الْقَذْف ٢٤ ٥ ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ وَكَقَوْلِه ﵊
لَا يُؤمن الرجل الرجل فِي سُلْطَانه وَلَا يجلس على تكرمته إِلَّا بِإِذْنِهِ
فعلى هَذَا يلْزمه فِي الْمَسْأَلَة الأولى ثَلَاثَة وَفِي الثَّانِيَة دِرْهَمَانِ وَالثَّانِي لَا يَصح ذكر الشَّيْخ موفق الدّين أَنه أولى وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ لِأَن الْوَاو لم تخرج الْكَلَام عَن أَن يكون جملتين وَالِاسْتِثْنَاء يرفع الْجُمْلَة الْأَخِيرَة أَو أَكْثَرهَا فَيصير لَغوا وكل اسْتثِْنَاء أفْضى تَصْحِيحه إِلَى إلغائه وإلغاء الْمُسْتَثْنى مِنْهُ اخْتصَّ الْبطلَان بِهِ وَالِاسْتِثْنَاء فِي الْآيَة وَالْخَبَر لم يرفع أحد الجملتين إِنَّمَا أخرج مِنْهُمَا مَعًا من اتّصف بِصفتِهِ فنظيره من اسْتَأْذن فائذن لَهُ وأعطه درهما وَإِلَّا فَلَا وَنَظِير مَسْأَلَتنَا الزم زيدا وعمرا إِلَّا عمرا
وَقطع أَبُو الْخطاب فِي الْهِدَايَة بِهَذَا القَوْل فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَتَبعهُ فِي الْمُسْتَوْعب وَالْخُلَاصَة وَأطلق فِي الْهِدَايَة وَالْمُسْتَوْعب الْخلاف فِي الأولى وَقدم فِي الْخُلَاصَة عدم الصِّحَّة فَهَذَا قَول ثَالِث وَذكر فِي الْمُغنِي خَمْسَة وَتسْعُونَ إِلَّا خَمْسَة من صور الْخلاف وفيهَا نظر وَقطع بِهِ فِي الْمُغنِي فِي مائَة وَعشْرين إِلَّا خمسين بِصِحَّة الِاسْتِثْنَاء جعله أصلا لنظيرها فِي الطَّلَاق وَرَأَيْت بَعضهم يمِيل إِلَى هَذَا فَيصير قولا رَابِعا
فصل
قَالَ فِي الْكَافِي فَإِن وجدت قرينَة صارفة إِلَى أحد الِاحْتِمَالَيْنِ انْصَرف إِلَيْهِ
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ عَليّ خَمْسَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ ودرهما لزمَه خَمْسَة جمعا للمستثنى
وَقيل ثَلَاثَة لما تقدم فِي الَّتِي قبلهَا لِأَن الْوَاو وَإِن قيل تجْعَل الْجمل كجملة وَاحِدَة فَسَوَاء كَونهَا مُسْتَثْنَاة أَو مُسْتَثْنَاة مِنْهَا وَهَذَا معنى كَلَام غير وَاحِد وَصَاحب الْمُحَرر وَقد قدم جعل الْجمل المستثناة كجملة وَأطلق الْخلاف فِي الَّتِي
стр. 533
قبلهَا وَقد حكى الشَّيْخ موفق الدّين فِي نظيرها فِي الطَّلَاق وَجْهَيْن للشَّافِعِيَّة وَأَن جعل الْجمل كجملة وَاحِدَة قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَفِيه شئ فَلْيتَأَمَّل
فصل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين إِذا تعقب الِاسْتِثْنَاء اسْما مثل لَهُ هَذَا الذَّهَب وَهَذِه الدَّنَانِير وَهَذَا الْبر إِلَّا مِثْقَالا فالمنقول عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وأصحابنا عودة إِلَى الْجَمِيع وَقَالَ أَبُو حنيفَة يخْتَص بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَة وَبَعْضهمْ يعبر عَن هَذِه بِأَن الِاسْتِثْنَاء تعقب جملا وَهِي الْمَسْأَلَة الْأُصُولِيَّة ويجعلون الْأَسْمَاء المفردة دَاخِلَة فِي مُسَمّى الْجمل وهم لَا يُرِيدُونَ بِالْجُمْلَةِ الْكَلَام التَّام كَمَا هُوَ عِنْد النُّحَاة وَإِنَّمَا يعنون بهَا الْعدَد الْمُجْتَمع سَوَاء كَانَ أَسمَاء مجتمعة مفيدة أَو أَسمَاء دَالَّة على معَان وفيهَا لِأَصْحَابِنَا وَجْهَان انْتهى كَلَامه
فصل
الِاسْتِثْنَاء من الْإِثْبَات نفي وَمن النَّفْي إِثْبَات عندنَا وَعند الْجُمْهُور
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الِاسْتِثْنَاء من الْإِثْبَات نفي أَو فِي حكم النَّفْي فَإِنَّهُ إِذا قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ فإمَّا أَن يكون مُنْكرا للدرهمين أَو ساكتا عَن الْإِقْرَار بهما فَلَا يلْزمه بالِاتِّفَاقِ
فَأَما الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي فِي الْعدَد فَقَالَ أَبُو بكر بن السراج النَّحْوِيّ فِي الْأُصُول إِذا قلت مَاله عِنْدِي مائَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ فَإِن أردْت الْإِقْرَار بِمَا بعد إِلَّا رفعته على الْبَدَل كَأَنَّك قلت مَاله عِنْدِي إِلَّا دِرْهَمَانِ وَإِذا نصبت فَقلت مَا لَهُ عِنْدِي مائَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ فَمَا أَقرَرت بِشَيْء لِأَن عِنْدِي لم ترفع شَيْئا حَتَّى يثبت عنْدك وكأنك قلت مَاله عِنْدِي ثَمَانِيَة وَتسْعُونَ وَكَذَلِكَ إِذا قلت مَاله على عشرَة إِلَّا درهما لم يكن مقرا بِشَيْء فاذا قلت إِلَّا دِرْهَم فَأَنت مقرّ بدرهم
стр. 534
قَالَ ابْن الرُّومِي فِي تَوْجِيه ذَلِك فِي شرح الْأُصُول إِن النَّفْي دخل على الْإِيجَاب فانه إِذا قَالَ لَهُ عِنْدِي مائَة إِلَّا دِرْهَمَيْنِ اعْترف بِثمَانِيَة وَتِسْعين فَإِذا أدخلت النَّفْي على هَذَا فكأنك قلت مَاله عِنْدِي ثَمَانِيَة وَتسْعُونَ فَأتيت بِالِاسْتِثْنَاءِ تحكى صُورَة الْإِيجَاب إِلَّا أَنه اسْتثِْنَاء من نفي
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وعَلى هَذَا فَمن نصب فِي الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي لَا يكون مثبتا للمستثنى وَمن لافع يكون مثبتا وَكَأن الناصب جَاءَ بِكَلَامِهِ النَّافِي ردا على من أثبت والرافع ابْتِدَاء وعَلى هَذَا فَيكون قَوْله تَعَالَى (٤٦٦) مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم على هَذِه الْقِرَاءَة فِي قُوَّة مَا فعله أَكْثَرهم وَقَالَ بَعضهم هَذَا الَّذِي قَالَه ابْن السراج إِنَّمَا هُوَ على لُغَة من يرفع المستثني من النَّفْي فَإِذا نصب فَيكون قد نطق بِكَلَام غير عَرَبِيّ فَيلْغُو وَأما على لُغَة من يجوز النصب فَيكون مقرا وَهُوَ حسن انْتهى كَلَامه وَهُوَ وَاضح فَلَو قَالَ نحوى مَاله عِنْدِي عشرَة إِلَّا درهما وَرفع إِلَى حَاكم حكم عَلَيْهِ إِن رَآهُ إِقْرَارا وَإِلَّا كَسَائِر مسَائِل الْخلاف فَلَو كَانَ الْمقر لَهُ يعْتَقد أَن هَذَا لَيْسَ إِقْرَارا فَهَل ينفذ الحكم ويسوغ الْأَخْذ يَنْبَغِي أَن يخرج على مَا إِذا حكم حَنَفِيّ بشفعة الْجوَار لمن يعْتَقد خِلَافه وفيهَا وَجْهَان لنا وللشافعية مَعَ أَن هَذَا يدْخل فِيمَا حَكَاهُ صَاحب الْمُحَرر من الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا تقدم
فَلَو ادّعى الْمقر أَنه قصد أَن يحْكى صُورَة الْإِيجَاب لَا الْإِقْرَار فَهَل يقبل مِنْهُ مَحل تردد لتردد النّظر فِي مُخَالفَته للظَّاهِر أما الْجَاهِل بِالْعَرَبِيَّةِ فَيتَوَجَّه فِيهِ القَوْل الْمُتَقَدّم وَهُوَ مؤاخذته بلغته وعرفه
فصل
إِذا قَالَ لَهُ عَليّ ألف إِلَّا شَيْء قبل تَفْسِيره بِأَكْثَرَ من خَمْسمِائَة لَكِن لَا يجوز اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر فَيتَعَيَّن حمله على مَا دون النّصْف قَالَه فِي الْمُغنِي
стр. 535
وَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِلَّا أَن نقُول بِصِحَّة اسْتثِْنَاء النّصْف فَيقبل قَالَ وَكَذَلِكَ إِن قَالَ إِلَّا قَلِيلا وَيَنْبَغِي أَن يُقَال فِي هَذِه مَا قَالَه فِي الَّتِي بعْدهَا
قَالَ وَإِن قَالَ لَهُ على مُعظم أَو أجل ألف أَو قريب من ألف لزمَه أَكثر من نصف الْألف وَيحلف على الزِّيَادَة إِذا ادعيت عَلَيْهِ
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَقَالَ فِي الْجَوَاهِر يَعْنِي الْمَالِكِيَّة إِذا قَالَ لَهُ عِنْدِي قريب الْمِائَة أَو مائَة إِلَّا شَيْئا قَالَ سَحْنُون قَالَ أَكثر أَصْحَابنَا يلْزمه ثلثا الْمِائَة بِقدر مَا يرى الْحَاكِم وَقيل ثلث مائَة وَقيل وَاحِد وَخَمْسُونَ ليزِيد على النّصْف
وَقَالَ فِي الْجَوَاهِر فِي مَوضِع آخر إِذا قَالَ لَهُ عَليّ مائَة دِرْهَم إِلَّا شَيْئا يلْزمه وَاحِد وَتسْعُونَ وَإِن قَالَ لَهُ على عشرَة آلَاف إِلَّا شَيْئا يلْزمه تِسْعَة آلَاف وَمِائَة وَله دِرْهَم إِلَّا شَيْئا يلْزمه أَرْبَعَة أَخْمَاس دِرْهَم وَلَو قَالَ لَهُ مائَة وَشَيْء يقْتَصر على الْمِائَة لِأَن الشَّيْء لَا يُمكن رده إِلَى تَقْدِير كرد الشَّيْء الْمُسْتَثْنى فَيبْطل لِأَنَّهُ شكّ لَا مخرج لَهُ قَالَ عبد الْملك وَالْمُعْتَبر فِي جَمِيع ذَلِك مَا يحسن اسْتِعْمَال الِاسْتِثْنَاء فِيهِ وَمَا شكّ فِيهِ لَا يثبت انْتهى كَلَامه
وَقَوْلنَا أولى لما تقدم وَالتَّقْدِير يتَوَقَّف على تَوْقِيف وَلَا تَوْقِيف وتعارض الْأَقْوَال الْمَذْكُورَة يدل على فَسَادهَا وَلِأَن الشَّيْء إِذا كَانَ لَهُ مَوْضُوع فَلَا فرق بَين أَن يكون مقرا بِهِ أَو مُسْتَثْنى وَالْأولَى فِيمَا إِذا قَالَ لَهُ مائَة وَشَيْء مَا قُلْنَا وَهُوَ أَنه يلْزمه مائَة وَيرجع فِي تَفْسِير الشَّيْء إِلَيْهِ كَمَا لَو انْفَرد
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَقَالَ ابْن معتب فِي وثائقه إِذا قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا شَيْئا أَو إِلَّا كثيرا صدق فِي تَفْسِيره مَعَ يَمِينه يَعْنِي لِأَن الِاسْتِثْنَاء يَصح فِي التِّسْعَة إِلَى الْعشْرَة فَكل مَا صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ صَحَّ أَن يقر بِهِ الِاسْتِثْنَاء الْمَجْهُول وَهَذَا قَول الشَّافِعِي وَعند أَصْحَابنَا لَا يَصح تَفْسِيره بِأَكْثَرَ من
стр. 536
النّصْف وَفِي النّصْف وَجْهَان وَيصِح تَفْسِيره بِمَا دون النّصْف وَوَافَقَ أَبُو حنيفَة هُنَا فَقَالَ إِذا قَالَ لَهُ عَليّ مائَة دِرْهَم إِلَّا قَلِيلا أَو إِلَّا بَعْضهَا لَا بُد أَن يزِيد الْبَاقِي على النّصْف
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ على هَؤُلَاءِ العبيد الْعشْرَة إِلَّا وَاحِدًا لزمَه تَسْلِيم تِسْعَة لِأَنَّهَا مقرّ بهَا وَالْوَاحد مُسْتَثْنى وَهُوَ قَلِيل فَلم يلْزمه وَيرجع إِلَيْهِ فِي التَّعْيِين لِأَنَّهُ أعلم بمراده
قَوْله فَإِن مَاتُوا إِلَّا وَاحِدًا فَقَالَ هُوَ الْمُسْتَثْنى قبل وَقيل لَا يقبل وللشافعية أَيْضا وَجْهَان
أَحدهمَا يقبل وَهُوَ الرَّاجِح فِي الْمَذْهَب كحالة الْحَيَاة وكما لَو مَاتَ بعد تَعْيِينه وَمن قَالَ بِهَذَا تعذر تَسْلِيم الْمقر بِهِ لتلفه لَا لِمَعْنى يرجع إِلَى تَفْسِيره بِخِلَاف اسْتثِْنَاء الْجَمِيع
وَالثَّانِي لَا يقبل لرفعه جَمِيع مَا أقرّ بِهِ كاستثنائه فَإِن قتلوا إِلَّا وَاحِدًا أَو غصبوا إِلَّا وَاحِدًا أَو قَالَ غصبتك هَؤُلَاءِ العبيد إِلَّا وَاحِدًا فماتوا إِلَّا وَاحِدًا قبل تَعْيِينه فِي هَذِه الصُّور بِالْبَاقِي وَجها وَاحِدًا لعدم التُّهْمَة لوُجُوب الْقيمَة بِخِلَاف الْإِقْرَار
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ عَليّ هَذِه الدَّار إِلَّا هَذَا الْبَيْت أَوله هَذِه الدَّار ولى هَذَا الْبَيْت مِنْهَا صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهَا
وَإِن كَانَ معظمها بِخِلَاف قَوْله إِلَّا ثلثيها أَو ثَلَاثَة أرباعها وَنَحْوه لِأَن الأول اسْتثِْنَاء وَالثَّانِي فِي مَعْنَاهُ
وَقَوله وَإِن كَانَ معظمها
وَكَذَلِكَ ذكر غير وَوَجهه لِأَن لَيْسَ الْعدَد صَرِيحًا وَلم يذكرهُ بَعضهم وَقد تقدم ذَلِك
стр. 537
وَقَوله بِخِلَاف قَوْله إِلَّا ثلثيها
وَهُوَ معنى كَلَام غَيره يَعْنِي فَإِنَّهُ اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر وَهُوَ بَاطِل فِي الْأَشْهر وَكَذَا ذكره فِي الرِّعَايَة
وَيعرف من ذَلِك أَنه لَو قَالَ هَذِه الدَّار ولى نصفهَا أَنه معنى اسْتثِْنَاء النّصْف وَفِي صِحَّته خلاف وَذكر فِي الرِّعَايَة الْكُبْرَى هَذِه الْمَسْأَلَة وَقَالَ صَحَّ فِي الأقيس وَذكر فِي الصُّغْرَى أَنَّهَا كَقَوْلِه إِلَّا ثلثيها
قَوْله لَا يَصح الِاسْتِثْنَاء من غير الْجِنْس
قَالَ الْخلال بَاب الرجل يقر للرجل بِدَنَانِير ثمَّ يسْتَثْنى مِنْهَا غَيرهَا ذكر هَذَا بعد بَاب لَهُ عَليّ مائَة دِينَار ولي عَلَيْهِ دِينَار أَنه مقرّ مُدع
قَالَ ابْن مَنْصُور قلت لِأَحْمَد قَالَ سُفْيَان وَإِذا قَالَ لَك عِنْدِي مائَة دِينَار إِلَّا فرسا إِلَّا ثوبا هَذَا محَال يُؤْخَذ بِالْمِائَةِ قَالَ الإِمَام أَحْمد كَمَا قَالَ
وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَن مُرَاد الْخلال بِالْبَابِ قلَّة تَشْبِيه الِاسْتِثْنَاء من غير الْجِنْس يدعى تَقْدِيره لَكِن لي عَلَيْهِ فرس أَو قيمَة فرس وَذكر أَيْضا أَن رِوَايَة ابْن مَنْصُور لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيح بِخِلَاف مَذْهَب أبي حنيفَة بل مُوَافقَة لفتيا سُفْيَان انْتهى كَلَامه
وَقد ذكر فِي المغنى أَنه يكون مقرا بِشَيْء مُدعيًا لشَيْء سواهُ فَيقبل إِقْرَاره وَتبطل دَعْوَاهُ كَمَا لَو صرح بذلك بِغَيْر لفظ الِاسْتِثْنَاء
وَالْمذهب أَنه لَا يَصح اسْتثِْنَاء غير أحد النَّقْدَيْنِ من الآخر لِأَن الِاسْتِثْنَاء إِمَّا صرف للفظ عَمَّا يَقْتَضِيهِ لولاه أَو إِخْرَاج بعض مَا تنَاوله الْمُسْتَثْنى مِنْهُ أَو منع أَن يدْخل فِي اللَّفْظ مَا لولاه لدخل وَهَذِه التعريفات فِي كَلَام أَصْحَابنَا وَغَيرهم وَأما مَا كَانَ من غير الْجِنْس فَلَا يكون اسْتثِْنَاء إِلَّا تجوزا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة اسْتِدْرَاك وَإِلَّا فِيهِ بِمَعْنى لَكِن قَالَه أهل الْعَرَبيَّة مِنْهُم ابْن السراج وَابْن
стр. 538
قُتَيْبَة وَحَكَاهُ عَن سِيبَوَيْهٍ وَلذَلِك لم يَأْتِ الِاسْتِثْنَاء من غير الْجِنْس فِي الْقُرْآن وَغَيره إِلَّا بعد الْجحْد لِأَن الِاسْتِدْرَاك لَا يَأْتِي إِلَّا بَين متنافيين وَقِيَاسًا على التَّخْصِيص فَإِنَّهُ لَا بُد من كَونه من الْجِنْس وَالِاسْتِثْنَاء من جملَة المخصصات عِنْد الْمُخَالفين أَو أَكْثَرهم وَلِأَنَّهُ لَو صَحَّ لاطرد فِي جَمِيع الْمَوَاضِع
وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَنهم ساعدوا أَنه لَا يَصح فِي البيع وَبِهَذَا قَالَ زفر وَبَعض الْمَالِكِيَّة وَبَعض الشَّافِعِيَّة
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ يجوز الِاسْتِثْنَاء من غير الْجِنْس مُطلقًا لوروده وَنحن نمْنَع ذَلِك ثمَّ نحمله على الْمجَاز دفعا للاشتراك وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد إِن اسْتثْنى مَا يثبت فِي الذِّمَّة صَحَّ وَإِن كَانَ من غير الْجِنْس وَإِن اسْتثْنى مَالا يثبت فِي الذِّمَّة كَالثَّوْبِ وَالْعَبْد وَنَحْوه لم يَصح الِاسْتِثْنَاء وَفسّر أَصْحَابنَا مَا يثبت فِي الذِّمَّة بالمكيل وَالْمَوْزُون وَقَالَ قَالُوهُ فِيمَا يتقارب من الْمكيل وَالْمَوْزُون كالجوز وَالْبيض
قَوْله وَعنهُ يَصح اسْتثِْنَاء أحد النَّقْدَيْنِ من الآخر خَاصَّة
هَذِه الْمَسْأَلَة من الْأَصْحَاب من يحْكى فِيهَا وَجْهَيْن وَحكى ابْن أبي مُوسَى وَغَيره رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهمَا يَصح قطع بِهِ الْخرقِيّ وَقدمه فِي الْخُلَاصَة لِأَنَّهُمَا كالجنس الْوَاحِد لاجتماعها فِي أَنَّهُمَا قيم الْمُتْلفَات وَأرش الْجِنَايَات ويعبر بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر وَيعلم قِيمَته مِنْهُ فأشبها النَّوْع الْوَاحِد بِخِلَاف غَيرهمَا وَمَتى أمكن حمل الْكَلَام على وَجه صَحِيح لم يجز إلغاؤه وَاقْتصر أَكثر الْأَصْحَاب عَليّ هَذَا حَتَّى إِن صَاحب الْخُلَاصَة مَعَ أَنه لَا يخل بفوائد الْهِدَايَة على قَوْله اقْتصر عَلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو الْخطاب مَتى ثَبت هَذَا مذهبا لِأَحْمَد كَانَ اسْتثِْنَاء الثَّوْب من الدَّرَاهِم جَائِزا إِذْ لَا فرق بَينهمَا
قَالَ فِي المغنى وَهُوَ فِي قُوَّة كَلَام غَيره وَقد ذكرنَا الْفرق
стр. 539
قَالَ فِي الْمُغنِي وَيُمكن الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ بِحمْل رِوَايَة الصِّحَّة على مَا إِذا كَانَ أَحدهمَا يعبر بِهِ عَن الآخر أَو يعلم قدره مِنْهُ وَرِوَايَة الْبطلَان على مَا إِذا انْتَفَى ذَلِك انْتهى كَلَامه فَصَارَ هَذَا قولا آخر
وَقَالَ أَيْضا إِنَّه إِذا ذكر نوعا من جنس وَذكر نوعا آخر من غير ذَلِك الْجِنْس مثل عشرَة آصَع تَمرا برنيا إِلَّا ثَلَاثَة تَمرا معقليا أَنه يحْتَمل جَوَازه على قَول الْخرقِيّ لتقارب الْمَقَاصِد من النَّوْعَيْنِ كَالْعَيْنِ وَالْوَرق وَأَن الصَّحِيح خِلَافه لِأَن الْعلَّة الصَّحِيحَة فِي الْعين وَالْوَرق غير ذَلِك انْتهى كَلَامه
وَظَاهر كَلَامهم أَنه لَا يَصح اسْتثِْنَاء الْفُلُوس من أحد النَّقْدَيْنِ وَيَنْبَغِي أَن يخرج فِيهَا قَولَانِ آخرَانِ أَحدهمَا الْجَوَاز وَالثَّالِث جَوَازهَا مَعَ نفاقها خَاصَّة لما تقدم من التَّعْلِيل وَالثَّانِي لَا يَصح ذكر القَاضِي أَنه ظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد وَأَنه الصَّحِيح وَهُوَ قَول أبي بكر وَقدمه أَبُو الْخطاب وَغَيره وَهُوَ ظَاهر مَا نَصره جمَاعَة وَصَححهُ ابْن عقيل وَغَيره لما تقدم
فَظهر من مَجْمُوع الْمَسْأَلَة أَنه هَل يَصح الِاسْتِثْنَاء من غير الْجِنْس أم لَا فِيهِ خَمْسَة أَقْوَال غير مَسْأَلَة اسْتثِْنَاء الْفُلُوس من أحد النَّقْدَيْنِ
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ عَليّ مائَة دِرْهَم إِلَّا دِينَارا وصححناه رَجَعَ فِي تَفْسِير قيمَة الدِّينَار إِلَيْهِ عِنْد أبي الْخطاب
وَقَالَ غَيره يرجع إِلَى سعر الدِّينَار بِالْبَلَدِ إِن كَانَ وَإِلَّا فَإلَى التَّفْسِير
وَوجه الأول وَعَلِيهِ اقْتصر فِي الْمُسْتَوْعب وَالْخُلَاصَة وَقدمه فِي الرِّعَايَة أَن الدِّينَار مَجْهُول فَرجع إِلَيْهِ فِي قِيمَته لِأَن أعلم بمراده كَغَيْرِهِ من الْمَجْهُول
فعلى هَذَا إِن فسره بِأَكْثَرَ من النّصْف لم يقبل وَإِن فسره بِدُونِهِ قبل وَفِي النّصْف وَجْهَان هَذَا معنى مَا ذكره أَصْحَاب هَذَا الْوَجْه
стр. 540
وَوجه الثَّانِي أَن الدِّينَار إِذا كَانَ لَهُ سعر فَإِنَّهُ مَعْلُوم وَالظَّاهِر إِرَادَته فَيرجع إِلَيْهِ فَإِن لم يكن فَإلَى تَفْسِيره
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بِالْأولِ قَالَت الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة قَالُوا يُقَال لَهُ اذكر قيمَة العَبْد وَالثَّوْب الْمُسْتَثْنى وَيكون مقرا بِمَا يقر فَإِن استغرقت قِيمَته الْألف لزمَه الْألف كاستثناء الْألف من الْألف وَإِلَّا صَحَّ
قَالَت الشَّافِعِيَّة وَيَنْبَغِي أَن تكون الْقيمَة مُنَاسبَة للثوب لِئَلَّا يعد نَادِما
قَالُوا وَهَذَا إِذا اسْتثْنى مَجْهُولا من مَعْلُوم فَإِن قيمَة الثَّوْب مَجْهُولَة وَالْألف مَعْلُومَة وَعَكسه لَهُ الْألف إِلَّا دِرْهَمَانِ فيفسر الْألف وَيعود الحكم إِمَّا إِلَى الِاسْتِغْرَاق فَلَا يقبل أَو إِلَى عدم الِاسْتِغْرَاق فَيقبل وَإِن اسْتثْنى مَجْهُولا من مَجْهُول نَحْو لَهُ مائَة إِلَّا عشرَة أَو إِلَّا ثوبا فعلى مَا تقدم قَالَ بعض الْمَالِكِيَّة وَلَا يَنْبَغِي أَن ينازعهم أَصْحَابنَا فِي هَذَا لِأَنَّهُ مُقْتَضى الْقَوَاعِد انْتهى كَلَامه وَنحن نوافقهم فِي الْمَسْأَلَة الْأَخِيرَة ونخالفهم فِي الْألف إِلَّا درهما على الرَّاجِح
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ عَليّ شَيْء أَو كَذَا قيل لَهُ فسره ليصير مَعْلُوما فتلزم بِهِ
وَيصِح إِقْرَاره بِغَيْر خلاف قَالَه فِي المغنى وَيُفَارق الدَّعْوَى حَيْثُ لَا تصح بِالْمَجْهُولِ لكَون الدَّعْوَى لَهُ فاحتيط لَهَا وَالْإِقْرَار عَلَيْهِ فَيلْزمهُ مَا عَلَيْهِ مَعَ الْجَهَالَة دون مَاله وَلِأَن الْمُدعى إِذا لم يصحح دَعْوَاهُ فَلهُ دَاع إِلَى تَحْرِير دَعْوَاهُ لكَون الْحق لَهُ بِخِلَاف الْإِقْرَار وَلِأَن الْمقر لَا يُؤمن رُجُوعه عَن إِقْرَاره إِذا شدد عَلَيْهِ فَيفوت حق الْمقر لَهُ رَأْسا فقبلناه مَعَ الْجَهَالَة وألزمناه تَفْسِيره
فَإِن قَالَ لَهُ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا رَجَعَ إِلَى الْمقر فِي تَفْسِيره ذَلِك ذكره القَاضِي فِي الْوَصَايَا وَجعله أصلا للْوَصِيَّة بِكَذَا وَكَذَا أَنه يرجع إِلَى تَفْسِير الْوَرَثَة
قَوْله فَإِن أَبى حبس حَتَّى يُفَسر
стр. 541
قطع بِهِ جمَاعَة لِأَنَّهُ امْتنع من حق توجه عَلَيْهِ كحق معِين امْتنع من أَدَائِهِ
وَقَالَ القَاضِي يَجْعَل ناكلا وَيُؤمر الْمقر لَهُ بِالْبَيَانِ فَإِن بَين شَيْئا فَصدقهُ الْمقر ثَبت وَإِن كذبه وَامْتنع من الْبَيَان قيل لَهُ إِن بيّنت وَإِلَّا جعلناك ناكلا وقضينا عَلَيْك وَهَذَا قَول الشَّافِعِيَّة إِلَّا أَنهم قَالُوا إِن بيّنت وَإِلَّا أحلفنا الْمقر لَهُ على مَا يَدعِيهِ وأوجبناه على الْمقر
قَالَ فِي الْمُغنِي وَمَعَ ذَلِك فَمَتَى عينه الْمُدعى وادعا فنكل الْمقر فَهُوَ على مَا ذَكرُوهُ
فصل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين إِذا أصر فِي الْحَبْس على الِامْتِنَاع فعلى الْمَذْهَب أَنه يضْرب حَتَّى يقر قَالَ أَصْحَابنَا القَاضِي فِي كِتَابه الْمُجَرّد وَالْجَامِع وَابْن عقيل وَغَيرهمَا فِيمَن أسلم وَتَحْته أَكثر من أَربع نسْوَة أَنه يجْبر حَتَّى يخْتَار مِنْهُنَّ أَرْبعا قَالُوا فَإِن لم يخْتَر بعد الْإِجْبَار حَبسه الْحَاكِم وَيكون الْحَبْس ضربا من التعزيز فَإِن لم يخْتَر ضربه وعزره يفعل ذَلِك ثَانِيًا وثالثا حَتَّى يخْتَار لِأَن هَذَا هُوَ حق قد تعين عَلَيْهِ وَلَا يقوم غَيره مقَامه فَوَجَبَ حَبسه وتعزيزه حَتَّى يَفْعَله
وَأَيْضًا لم يذكرُوا الضَّرْب إِلَّا بعد الْحَبْس وَهل يجوز ضربه ابْتِدَاء يتَوَجَّه فِيهِ مَا ذَكرُوهُ فِي الناشز هَل تضرب من أول مرّة على وَجْهَيْن
وَهَكَذَا إِذا كَانَ على رجل دين وَله مَال ناض لَا يعرف مَكَانَهُ وَامْتنع من قَضَاء دينه فَإِن الْحَاكِم يحْبسهُ ويضربه وَيَأْمُر بِقَضَاء الدّين لِأَن غَيره لَا يقوم مقَامه فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ مَذْهَب الشَّافِعِي مَنْصُوصا وَكَذَلِكَ مَذْهَب مَالك فِيمَا يغلب على ظَنِّي وَهُوَ قِيَاس قَول أبي بكر وَلم يزدْ وَمرَاده أَبُو حنيفَة قَالَ قد أَبَاحَ أَصْحَابنَا ضربه ثَلَاث مَرَّات وسكتوا عَمَّا بعد الثَّالِثَة وَقد نَص
стр. 542
الإِمَام أَحْمد على نَظِيره فِي الْمصر على شتم الصَّحَابَة ﵃ وَالْأَصْل فِيهِ قَول النَّبِي ﷺ
لي الْوَاحِد يحل ضربه وعقوبته
وَأَيْضًا فَحَدِيث ابْن عمر فِي صَحِيح البُخَارِيّ لما صَالح يهود خَيْبَر على إِزَالَة الصَّفْرَاء والحمراء فكتم بَعضهم مَال حييّ بن أَخطب وَزعم أَن النَّفَقَات أذهبته فَقَالَ للزبير دُونك هَذَا فعاقبه حَتَّى يحضر المَال فعاقبه حَتَّى أحضر المَال وَلم يقر بِأَن المَال فِي يَده لَكِن علم النَّبِي ﷺ أَن المَال فِي يَده وَأَنه كَاذِب فِي دَعْوَى خُرُوجه
وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى أَبَاحَ للزَّوْج ضرب امْرَأَته إِذا نشزت فامتنعت عَن أَدَاء حَقه الْوَاجِب من تَمْكِينه من الْوَطْء فعلى قِيَاسه كل من امْتنع من أَدَاء حق وَاجِب ثمَّ هَل يُبَاح ضربهَا بِأول مرّة أَو بعد الثَّلَاث على وَجْهَيْن
وَأَيْضًا فَإِن التَّعْزِير مَشْرُوع فِي حبس الْمعْصِيَة الَّتِي لَا حد فِيهَا والمعاصي نَوْعَانِ ترك وَاجِبَات وَفعل مُحرمَات هَذَا إِذا كَانَ التَّعْزِير لما مضى وَأما إِذا كَانَ لما مضى من الْمعْصِيَة وليرجع إِلَى الطَّاعَة بأَدَاء الْوَاجِب والكف عَن الْمحرم أولى وَأَحْرَى وَجَمِيع الْعُقُوبَات لَا تخرج عَن هَذَا
فَمن الأول قتل الْقَاتِل وَمن الثَّانِي قتل الْمُرْتَد وَدفع الصَّائِل وَقد يَجْتَمِعَانِ فَيصير ثَلَاثَة أَقسَام وَلِهَذَا من لَا يقتل بالامتناع من الْوَاجِبَات الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ يضْرب وفَاقا سَوَاء كَانَت حَقًا لله تَعَالَى أَو لآدَمِيّ فتارك الصَّوْم وَالْحج إِذا لم نَقْتُلهُ نَحن كتارك الصَّلَاة عِنْد من لَا يقْتله وهم الْحَنَفِيَّة إِذا تقررت قَاعِدَة الْمَذْهَب
стр. 543
أَن كل حق تعين على إِنْسَان لَا يقوم غَيره فِيهِ مقَامه فَإِنَّهُ يُوجب حَبسه وتعزيره حَتَّى يَفْعَله فالممتنع من تَفْسِير إِقْرَاره نوع من ذَلِك فَإِن تَفْسِير الْإِقْرَار حق وَاجِب عَلَيْهِ لاثباته فِيهِ فَوَجَبَ ضربه عَلَيْهِ حَتَّى يَفْعَله
وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي مَوضِع آخر أَنه إِن أصر على التّرْك عُوقِبَ بِالضَّرْبِ حَتَّى يُؤدى الْوَاجِب وَقد نَص على ذَلِك الْفُقَهَاء من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد وَغَيرهم وَلَا أعلم فِيهِ خلافًا انْتهى كَلَامه وَهَذَا ظَاهر كَلَام الشَّافِعِي فِي الْأُم عِنْد ذكره مَسْأَلَة الْمُرْتَد
وَقد ذكر الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره أَنه إِذا حل الدّين وَامْتنع الرَّاهِن من الْوَفَاء أَن الْحَاكِم يفعل مَا يرى من حَبسه أَو تعزيره ليَبِيعهُ أَو بيعَة الْحَاكِم بِنَفسِهِ أَو نَائِبه
وَذكر فِي الْمُسْتَوْعب وَالْمُغني وَغَيرهمَا أَن من أسلم تَحْتَهُ أَكثر من أَربع يجب عَلَيْهِ اخْتِيَار أَربع فَإِن أبي أجبر بِالْحَبْسِ وَالتَّعْزِير إِلَى أَن يخْتَار قَالَ فِي المغنى إِن هَذَا حق عَلَيْهِ يُمكن إيفاؤه وَهُوَ مُمْتَنع مِنْهُ فأجبر عَلَيْهِ كإيفاء الدّين
وَهَذَا يُوَافق مَا ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي كل مُمْتَنع من وَاجِب عَلَيْهِ وَأَن لَهُ أَن يعزره بِالضَّرْبِ ابْتِدَاء وَأَنه لَا يُقيد بثلاثه
ثمَّ قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين إِذا ثَبت تَعْزِير الْمُمْتَنع من تَفْسِير إِقْرَاره فَإِنَّمَا الْمَأْخُوذ بِهِ أَنه وَجب بِإِقْرَارِهِ حق مَجْهُول وَلَا يعلم قدره إِلَّا من جِهَته فعزره على بَيَان مَا يُعلمهُ من حق الْغَيْر وَلَا تَأْثِير لكَون أصل الْحق عرف بِإِقْرَارِهِ
وَلِهَذَا قُلْنَا إِن وَارثه يُؤْخَذ بالتفسير وَإِنَّمَا وَقع تردد على الرِّوَايَة الْأُخْرَى لِأَن الْوَارِث قد لَا يعلم مَا وَجب على الْمَيِّت وَلِهَذَا فرق الْجد بَين أَن يُنكر الْوَارِث عَلَيْهِ أَولا يُنكر فَأَما مَعَ علم من عَلَيْهِ الْحق فَلَا
فعلى قِيَاس هَذَا كل من امْتنع من إِظْهَار حق عَلَيْهِ يجب إِظْهَاره وَلَا يعلم
стр. 544
من غَيره كَمَا لَو قلت الْبَيِّنَة بِأَنَّهُ انتهب من هَذَا شَيْئا وَلم يعلمُوا قدره أَو نَوعه أَو بِأَنَّهُ سرق من دَار هَذَا كارة لَا يعلمُونَ مَا فِيهَا أَو بِأَنَّهُ غل كيسا من أَمَانَته لَا يعلمُونَ مَا فِيهِ وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يشْهد فِيهِ على الْمُحَارب وَالسَّارِق والغال والخائن بِحَق عاينوه وَلَا يعلمُونَ قدره إِذْ لَا فرق بَين ثُبُوت ذَلِك بِإِقْرَارِهِ أَو بَيِّنَة وَكَذَلِكَ لَو شهِدت الْبَيِّنَة أَيْضا بِأَنا رَأَيْنَاهُ اقْترض مِنْهُ مَالا أَو ابْتَاعَ مِنْهُ سلْعَة وَقَبضهَا وَلَا نعلم قدر الْمُقْتَرض أَو قدر الثّمن أَو علماه ونسياه
فَإِن قيل قد يجوز أَن يكون هُوَ نسي ذَلِك الْحق أَو نسي قدره ابْتِدَاء
قيل وَكَذَلِكَ إِذا أقرّ بِمَجْهُول قد يكون نَسيَه أَو جهل قدره ابْتِدَاء وَلَو امْتنع فَهَل يحكم للْمُدَّعِي مَعَ يَمِينه لكَون امْتِنَاعه لوثا
هَذَا مَذْكُور فِي غير هَذَا الْموضع وَهِي مُتَعَلقَة بِمَسْأَلَة النّكُول وَالرَّدّ
وَلَو أقرّ بِالْقَبْضِ الْمحرم أَو غير الْمحرم كالغصب وَسَائِر أَنْوَاعه من النهب وَالسَّرِقَة والخيانة وَامْتنع من تعْيين مَحَله فَإِنَّهُ يضْرب كَمَا تقدم فِي ضرب من عَلَيْهِ دين وَله مَال ناض لَا يعرف مَكَانَهُ يضْرب ليبينه فَإِنَّهُ بَيَان الْوَاجِب كَمَا أَن أصل تَفْسِير الْحق بَيَان وَاجِب وَلِهَذَا ضرب الزبير بِأَمْر النَّبِي ﷺ ابْنا لعم حيى بن أَخطب حَتَّى يعين مَوضِع المَال وَلَو كَانَ المَال بيد وَكيله أَو غَيره وَامْتنع من تَبْيِين مَحَله لعزر بِالْحَبْسِ وَالضَّرْب حَتَّى يُبينهُ كالمالك لِأَنَّهُ حق تعين عَلَيْهِ فَلَو علم بِالْمَالِ من لَيْسَ بولِي وَلَا وَكيل بِأَن يقر بعض النَّاس بِأَنِّي أعرف من المَال عِنْده أَو تقوم الْبَيِّنَة بِأَن فلَانا كَانَ حَاضرا إقباض المَال وَنَحْو ذَلِك فَإِن هَذَا يجب عَلَيْهِ بَيَان مَوضِع المَال لِأَن ذَلِك فِيهِ حق للطَّالِب إِمَّا أَن يكون مُسْتَحقّا للاستيفاء مِنْهُ وَلقَوْله تَعَالَى ٥ ٢ ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى﴾ وَلَا يُمكن إيصاله إِلَيْهِ إِلَّا بِبَيَان هَذَا ودلالته ومالا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب فَهُوَ كالشاهد الَّذِي يجب عَلَيْهِ أَدَاء الشَّهَادَة وَلِأَن إِعَانَة الْمُسلم على حقن دَمه وَمَاله
стр. 545
وَاجِب فَإِن النَّبِي ﷺ
قَالَ الْمُسلم أَخ الْمُسلم لَا يُسلمهُ وَلَا يَظْلمه وَقَالَ ﵊
أنْصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما وَنصر الظَّالِم دَفعه وَفِي الدّلَالَة نصر الِاثْنَيْنِ وَلِأَن هَذَا بذل مَنْفَعَة لَا ضَرَر فِيهَا فِي حفظ مَال الْمُسلم وَهَذَا من أوجب الْأَشْيَاء كالقضاء وَالشَّهَادَة لَا سِيمَا على أصلنَا فِي إِيجَاب بذل الْمَنَافِع مجَّانا على أحد الْوَجْهَيْنِ وكما يجب للْجَار مَنْفَعَة الْجِدَار وَمَنْفَعَة إمرار المَاء على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بل قد توجب دفع الْغَيْر عَن دَمه وَمَاله إِذا رأى نَفسه أَو مَاله يتْلف وَهُوَ قَادر على تخليصه وَقد أوجب القَاضِي وَأَبُو الْخطاب ضَمَان النَّفس على من قدر على تَخْلِيصهَا من هلكه فَلم يفعل كَمَا يضمن من لم يؤد الْوَاجِب من إطعامها وسقيها وَفرق بعض الْأَصْحَاب أَن سَبَب الْهَلَاك هُنَاكَ فعل الْغَيْر وَهنا منع الطَّعَام وَأما تضمين من ترك تَخْلِيص المَال فَفِيهِ نظر
وَأَيْضًا فَإِن ذَلِك من بَاب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لِأَن خُرُوج الْحُقُوق عَن أَصْحَابهَا مُنكر وَإِزَالَة الْمُنكر وَاجِبَة بِحَسب الطَّاقَة فَكيف إِذا كَانَ يَزُول بِمُجَرَّد الْبَيَان وَالدّلَالَة وَاجِبا عُوقِبَ على تَركه بِالْحَبْسِ وَالضَّرْب وَكَذَلِكَ لَو كَانَ يعلم مَوضِع من عَلَيْهِ حق لله أَو لآدَمِيّ وَهُوَ يُرِيد استيفاءه من غير ظلم فَإِن الدّلَالَة على النُّفُوس الظالمة للمظلوم كالدلالة على المَال لصَاحبه فَأَما من آوى مُحدثا وكتمه فَإِن هَذَا يُعَاقب بِالضَّرْبِ وَالْحَبْس بِمَنْزِلَة كاتم المَال وَأولى فَإِن كتمان النَّفس ككتمان المَال وَالدّلَالَة عَلَيْهَا من غير الكاتم كالدلالة على المَال
وَهَذَا كُله إِذا ظهر معرفَة المسؤول عَن النَّفس الْمُسْتَحقَّة وَالْمَال الْمُسْتَحق إِمَّا بِإِقْرَارِهِ وَإِمَّا بِبَيِّنَة فَأَما إِذا اتهمَ بذلك فَهُنَا يحبس كَمَا يحبس فِي التُّهْمَة بِنَفس الْحق وَأما ضربه فَهُوَ كالمتهم
وأصل هَذَا أَن الْحق كَمَا يكون عينا من الْأَمْوَال فقد يكون مَنْفَعَة على
стр. 546
الْبدن كالمنافع الْمُسْتَحقَّة بِعقد الْإِجَارَة والحقوق الْوَاجِبَة عينا أَو مَنْفَعَة إِمَّا أَن تجب بِالشّرطِ وَإِمَّا أَن تجب بِالشَّرْعِ فَكَأَنَّمَا أَنا نعاقب من امْتنع عَن النَّفَقَة الْوَاجِبَة شرعا كَذَلِك نعاقب من امْتنع عَن الْمَنْفَعَة الْوَاجِبَة شرعا وَمن أعظم الْمَنَافِع بَيَان الْحُقُوق ومواضعها من النُّفُوس وَالْأَمْوَال
والممتنع عَن الْبَيَان مُمْتَنع عَن مَنْفَعَة وَاجِبَة عَلَيْهِ شرعا متعينة عَلَيْهِ فيعاقب عَلَيْهَا وَلَو لم تتَعَيَّن عَلَيْهِ بِأَن كَانَ الْعَالمُونَ عددا فَهُنَا إِذا امْتَنعُوا كلهم عوقبوا أَو بَعضهم لَكِن عُقُوبَة بَعضهم ابْتِدَاء عِنْد اقناعه يخرج على الْبَيَان هَل هُوَ وَاجِب على الْكِفَايَة أَو لأعيان كَالشَّهَادَةِ وَالْمَنْصُوص أَنه وَاجِب بِالشَّرْعِ على الْأَعْيَان وكما يُعَاقب الرجل على شَهَادَة الزُّور يُعَاقب على كتمان الشَّهَادَة انْتهى كَلَامه
وَهُوَ حسن وَاضح لم أجد فِي الْمَذْهَب مَا يُخَالِفهُ صَرِيحًا
قَوْله فَإِن فسره بِحَق شُفْعَة أَو أقل مَال قبل
لِأَنَّهُ صَحِيح لإِطْلَاق شَيْء عَلَيْهِ حَقِيقَة وَعرفا فَقبل كتفسيره بِمَال كثير
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي الشُّفْعَة نظر فَإِنَّهَا لَيست مَالا بِدَلِيل أَنَّهَا لَا تورث وَلَا يُصَالح عَلَيْهَا بِمَال فَهِيَ كَحَد الْقَذْف انْتهى كَلَامه
وَهُوَ مُتَوَجّه لَو كَانَ الْمقر قَالَ لَهُ على مَال بِخِلَاف لَهُ على شئ أَو كَذَا
قَوْله وَإِن فسره بميته أَو خمر أَو مَالا يتمول كقشرة جوزة لم يقبل لِأَن إِقْرَاره اعْتِرَاف بِحَق عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يثبت فِي الذِّمَّة
مُرَاده وَالله أعلم قشر جوزة غير الْهِنْد لِأَن قشرة تِلْكَ يعد مَالا بمفرده قَالَ ابْن عبد الْقوي لَو قيل إِنَّه يقبل فِي إِقْرَار الذِّمِّيّ تَفْسِيره بِخَمْر وَنَحْوه مِمَّا يعدونه عِنْدهم مَالا لم يكن بَعيدا كَمَا يقبل تَفْسِيره من مُسلم بجلد ميته لم يدبغ يعْنى فِي أحد الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ مِمَّا يؤول إِلَى التمول فَهُنَا عِنْدهم أولى لِأَنَّهَا عِنْدهم مَال فِي الْحَال يجب ردهَا من غاصبها عَلَيْهِم انْتهى كَلَامه وَهُوَ مُتَوَجّه
стр. 547
وَقد عرف مِمَّا تقدم أَنه لَو فسره بِحَبَّة حِنْطَة وَنَحْوهَا لم يقبل لعدم تمول ذَلِك على انْفِرَاده عَادَة قطع بِهِ غير وَاحِد وَذكر فِي الرِّعَايَة وَجْهَيْن
قَوْله وَإِن فسره بكلب يُبَاح نَفعه أَو حد قذف فَوَجْهَانِ
وَجه الْقبُول فِي تَفْسِيره بكلب لِأَنَّهُ شَيْء يجب رده فيتناوله الْإِيجَاب وَوجه عدم الْقبُول أَو الْإِقْرَار إِخْبَار عَمَّا يجب ضَمَانه وَالْكَلب لَا يجب ضَمَانه وَلم يفرق فِي الْمُسْتَوْعب وَغَيره بَين مَا يجوز اقتناؤه ومالا يجوز ومرادهم مَا يجوز كَمَا صرح بِهِ جمَاعَة
وَجَاء فِي الرِّعَايَة الْكُبْرَى فَجعله طَريقَة وقدمها وَلَيْسَ كَذَلِك
وَأما حد الْقَذْف فَيَنْبَغِي أَن يكون الْخلاف فِيهِ مَبْنِيا على الْخلاف فِي كَونه حَقًا لله تَعَالَى أَو لآدَمِيّ فَإِن قُلْنَا هُوَ حق لآدَمِيّ قبل وَإِلَّا فَلَا
وَقطع بَعضهم بِالْقبُولِ وَوَجهه بِأَنَّهُ حق عَلَيْهِ فِي ذمَّته فالايجاب يتَنَاوَلهُ وَوجه بَعضهم عدم الْقبُول بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال وَوَجهه فِي الْمُغنِي مَعَ أَنه صحّح الأول بِأَنَّهُ لَا يؤول إِلَى مَال وَالله تَعَالَى أعلم
قَوْله وَإِن مَاتَ قبل أَن يُفَسر أَخذ وَارثه بِمثل ذَلِك إِن ترك تَركه وَقُلْنَا لَا يقبل تَفْسِيره بِحَدّ الْقَذْف وَإِلَّا فَلَا
وَجه ذَلِك لِأَنَّهُ حق على مُورثهم تعلق بِتركَتِهِ فَلَزِمَ الْقيام مقَامه كَمَا لَو كَانَ الْحق معينا وَلَا فرق وَلِأَن الْقَرِيب لَا يلْزمه وَفَاء دين قَرِيبه الْحَيّ فَكَذَلِك الْمَيِّت إِذا لم يخلف تَرِكَة
وَأما قَوْله وَقُلْنَا لَا يقبل تَفْسِيره بِحَدّ قذف
كَانَ يَنْبَغِي أَن يزِيد وَنَحْوه لِأَن الحكم عَام فِيمَا لَيْسَ بِمَال لعدم تحقق حق عَليّ الْمَوْرُوث يتَعَلَّق بِعَين التَّرِكَة فَلَا يلْزم الْوَارِث شئ
قَوْله وَعنهُ إِن صدق الْوَارِث مُوَرِثه فِي إِقْرَاره أَخذ بِهِ وَإِلَّا فَلَا
стр. 548
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قد يصدقهُ فِي أصل الْإِقْرَار وينكر الْعلم وَقد تقدم فِي الْفَصْل الطَّوِيل تَعْلِيل الشَّيْخ تَقِيّ الدّين لهَذِهِ الرِّوَايَة لإن الْوَارِث قد لَا يعلم مَا وَجب على الْمَيِّت وعللها ابْن عبد الْقوي بِأَن الْمقر لَهُ لم يدع عَلَيْهِم وَلَا يخفى ضعف ذَلِك
قَوْله وَعِنْدِي إِن أبي الْوَارِث أَن يُفَسر وَقَالَ لَا علم لي بذلك حلف وَلَزِمَه من التَّرِكَة مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم كَمَا فِي الْوَصِيَّة لفُلَان بِشَيْء لِأَن مَا قَالَه مُحْتَمل فَقيل قَوْله مَعَ الْيَمين
وَهَذَا يَنْبَغِي أَن يكون على الْمَذْهَب لَا قولا ثَالِثا لِأَنَّهُ يبعد جدا على الْمَذْهَب إِذا ادّعى عدم الْعلم وَحلف أَن لَا يقبل قَوْله وَلَو كَانَ صَاحب الْمُحَرر قَالَ فعلى الْمَذْهَب أَو فعلى الأول وَذكر مَا ذكره إِلَى آخِره كَانَ أولى
وَلَو ادّعى الْمَوْرُوث عدم الْعلم وَحلف فَلم أَجدهَا فِي كَلَام الْأَصْحَاب رَحِمهم الله تَعَالَى إِلَّا مَا ذكره الشَّيْخ شمس الدّين فِي شَرحه بعد أَن ذكر قَول صَاحب الْمُحَرر وَيحْتَمل أَن يكون الْمقر كَذَلِك إِذا حلف أَنه لَا يعلم كالوارث وَهَذَا الَّذِي قَالَه مُتَعَيّن لَيْسَ فِي كَلَام الْأَصْحَاب مَا يُخَالِفهُ
قَوْله وَإِذا قَالَ غصبت مِنْهُ شَيْئا ثمَّ فسره بِنَفسِهِ لم يقبل وَإِن فسره بِخَمْر أَو كلب أَو جلد ميتَة قبل
أما الْمَسْأَلَة الأولى فلاقتضاء لَفظه الْمُغَايرَة لاقْتِضَائه مَغْصُوبًا ومغصوبا مِنْهُ وَأَحَدهمَا غير دَاخل فِي الآخر وَلِأَن الْغَصْب لَا يثبت عَلَيْهِ
وَأما الثَّانِيَة فَلِأَن مَا قَالَه مُحْتَمل لِأَنَّهُ قد يرى بِالْغَصْبِ قهر صَاحب الْيَد على مَا بِيَدِهِ فَيَأْخذهُ وَإِن لم يكن مَالا فَيقبل تَفْسِيره بذلك وَذكر فِي الْكَافِي أَنه يلْزمه حق يُؤْخَذ بتفسيره كَمَا تقدم فِي قَوْله لَهُ عَليّ شَيْء
стр. 549
وَذكر فِي المغنى أَنه إِن فسره بِمَا ينْتَفع بِهِ نفعا مُبَاحا قبل لاشتمال الْغَصْب عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا فَهَذِهِ ثَلَاثَة أوجه
قَوْله وَإِن فسره بولده فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا لَا يقبل قطع بِهِ غير وَاحِد
وَالثَّانِي يقبل ووجهما مَا تقدم
قَوْله وَإِن قَالَ غصبتك ثمَّ فسره أَنِّي حبستك وسجنتك قبل لصدقه عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا وَيجب تَفْسِيره
وَذكر فِي الْكَافِي أَنه لَا يلْزمه شَيْء قد يغصبه نَفسه فَلَا يتَوَجَّه عَلَيْهِ مُطَالبَة بِالِاحْتِمَالِ
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ عَليّ مَال عَظِيم أَو خطير أَو جليل فَهُوَ كَقَوْلِه مَال يقبل تَفْسِيره بِأَقَلّ مُتَمَوّل
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي وَبَعض الْمَالِكِيَّة لِأَنَّهُ لَا حد لذَلِك فِي شرع وَلَا لُغَة وَلَا عرف وَالنَّاس يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِك لِأَنَّهُ مَا من مَال إِلَّا وَهُوَ عَظِيم بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دونه
وَيحْتَمل أَنه إِن أَرَادَ عظمه عِنْده لقله مَاله أَو خسة نَفسه قبل تَفْسِيره بِالْقَلِيلِ وَإِلَّا فَلَا
وَهَذَا وَالله أعلم معنى قَول ابْن عبد الْقوي وَلَو قيل يعْتَبر بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فِي نَفسه لم يبعد
قَالَ فِي الرِّعَايَة وَيحْتَمل أَن يلْزمه ذكر وَجه الْعظم أَو يزِيد على أقل مَا يتمول شَيْئا لتظهر فَائِدَته
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين يتَوَجَّه أَن يرجع فِي هَذَا إِلَى الْعرف فِي حق الْقَائِل فَإِنَّهُ هَذَا يخْتَلف باخْتلَاف الْقَائِلين وَكَذَلِكَ فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور وَلَيْسَ لهَذَا اللَّفْظ حد فِي اللُّغَة وَلَا فِي الشَّرْع فَيرجع فِيهِ إِلَى الْعرف فَإِذا مَا يجوز أَن يُسمى
стр. 550
عَظِيما فِي عرفه قبل مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا وَمَعْلُوم أَن الْمَالِك وَنَحْوه لَو قَالَ لَهُ عِنْدِي مَال عَظِيم لَعَلَّه سقط من لَفظه أَو كثير وأحضر مِائَتي دِرْهَم كَانَ خلاف عرفه انْتهى كَلَامه
وَلم يوجز عَن أبي حنيفَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة نَص وَقَالَ صَاحِبَاه يلْزمه مِائَتَا دِرْهَم وَمن أَصْحَابه من قَالَ إِن قَوْله كَقَوْلِنَا وَمِنْهُم من قَالَ عَلَيْهِ عشرَة دَرَاهِم وَمِنْهُم من قَالَ يعْتَبر فِيهِ حَال الْمقر وَمَا يستعظمه مثله فِي الْعَادة
وَقَالَ بعض الْمَالِكِيَّة يلْزمه مِقْدَار الدِّيَة وَمِنْهُم من قَالَ مَا يستباح بِهِ الْبضْع أَو الْقطع وَوَافَقَ الْحَنَفِيَّة الْأَصْحَاب فِي المَال الْمُطلق وَأَن قَوْله لَهُ عَليّ مَال كَقَوْلِه لَهُ عَليّ شَيْء حَكَاهُ القَاضِي وَغَيره عَنْهُم
وَحكى بَعضهم عَنْهُم التَّسْوِيَة كَمَا هُوَ قَول الْمَالِكِيَّة وَكَذَا حكى القَاضِي عَن الْمَالِكِيَّة التَّسْلِيم فِيمَا إِذا قَالَ مَعْلُوم أَو صَالح أَو نَافِع أَو مَوْزُون
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَسلم أَصْحَابنَا أَنه لَو قَالَ مَال جيد أَنه يعد معنى زَائِدا على مُسَمّى المَال قَالَ القَاضِي لِأَن الْجَوْدَة تدل على مِقْدَار وَلِهَذَا تسْتَعْمل فِي عقد السّلم ليصير الْمُسلم فِيهِ مَعْلُوما انْتهى كَلَامه وَفِي هَذَا التَّسْلِيم نظر وَالْأولَى التَّسْوِيَة وَالله أعلم
قَوْله وَكَذَا قَوْله دَرَاهِم أَو دَرَاهِم كَثِيرَة يقبل تَفْسِيرهَا بِثَلَاثَة
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي فِي الْمَسْأَلَة قبلهَا وَاخْتلف الْمَالِكِيَّة فَمنهمْ من قَالَ يلْزمه مِائَتَان وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمِنْهُم من قَالَ تِسْعَة وَمِنْهُم من قَالَ مَا زَاد على ثَلَاثَة وَهُوَ احْتِمَال فِي الرِّعَايَة فَإِنَّهُ مَال وَيحْتَمل أَن الْكَثِيرَة أَكثر فيفسر الزِّيَادَة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يصدق فِي أقل من عشرَة وَكَذَلِكَ لَو قَالَ لفُلَان عَليّ أَكثر مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الدِّرْهَم
قَالَ القَاضِي وَنحن لَا نسلم هَذَا بل نقُول يقبل تَفْسِيره فِيمَا زَاد على أقل
стр. 551
الْجمع وَإِن قل فَلَو فسره بِثَلَاثَة دَرَاهِم ودانق قبل مِنْهُ وَهَذَا الْخلاف كُله فِي دَرَاهِم كَثِيرَة فَأَما إِن قَالَ لَهُ عَليّ دَرَاهِم لزمَه ثَلَاثَة لِأَنَّهَا أقل الْجمع
قَالَ ابْن عبد القوى وَقَوله وأفرة وعظيمة وَنَحْوهَا ككثيرة فِي الحكم قَوْله وَإِن قَالَ لَهُ على كَذَا درهما لزمَه دِرْهَم
لِأَن الدِّرْهَم يَقع مُمَيّزا لما قبله والمميز يقبل وكما لَو قَالَ كَذَا وَفَسرهُ بدرهم وَقَالَ أَبُو حنيفَة يلْزمه عشرُون لِأَنَّهُ أقل كلمة مُفْردَة مُمَيزَة تَمْيِيز مُفْرد مَنْصُوب وَهَذَا مُتَوَجّه وَهَذَا أقرب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قَوْله أَو كَذَا كَذَا درهما لزمَه دِرْهَم
كَأَنَّهُ قَالَ شَيْء شَيْء ودرهما تَمْيِيز لبَيَان الشَّيْء الْمُبْهم
قَالَ أَبُو الْخطاب وَغَيره تكراره يَقْتَضِي التَّأْكِيد فَإِذا فسره بدرهم فقد فسره بِمَا يحْتَملهُ فَيقبل وَكَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي هُنَا وَفِي الَّتِي قبلهَا
وَقَالَ أَبُو حنيفَة يلْزمه أحد عشر لِأَن ذَلِك أقل مُمَيّز مَنْصُوب مُفْرد كمميز متكرر بِغَيْر عطف وَهَذَا مُتَوَجّه
وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَن أقرب إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ فَإِن أَصْحَابنَا بنوه على أَن كَذَا كَذَا تَأْكِيدًا وَهُوَ خلاف الظَّاهِر الْمَعْرُوف وَأَن الدَّرَاهِم مثل التَّرْجَمَة لَهما وَهَذَا يَقْتَضِي الرّفْع لَا النصب ثمَّ هُوَ خلاف لُغَة الْعَرَب
قَوْله أَو فيهمَا دِرْهَم بِالرَّفْع لزمَه دِرْهَم
لِأَن تَقْدِيره مَعَ عدم التكرير شَيْء هُوَ دِرْهَم فِي لَهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي ذَلِك لَهُ ذَلِك دِرْهَم وَفِي التكرير كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ على شَيْء شَيْء دِرْهَم خبر أَي هُوَ دِرْهَم
قَوْله وَإِذا قَالَ كَذَا وَكَذَا درهما أَو دِرْهَم بِالرَّفْع لزمَه دِرْهَم عِنْد ابْن حَامِد ودرهمان عِنْد التَّمِيمِي
стр. 552
وَجه الأول مَا تقدم كَأَنَّهُ قَالَ كَذَا دِرْهَم لِأَن كَذَا يحْتَمل بعض الدِّرْهَم فَإِذا عطف عَلَيْهِ مثله ثمَّ فسرهما بدرهم وَاحِد جَازَ وَكَانَ كلَاما صَحِيحا
وَوجه الثَّانِي أَن التَّفْسِير يعود إِلَى كل وَاحِد من المعطوفين بمفرده لدلَالَة الْعَطف على التغاير
قَوْله وَقيل دِرْهَم وَبَعض آخر
أعَاد التَّفْسِير إِلَى الثَّانِي وَالْأول مُبْهَم فَيرجع فِي تَفْسِيره إِلَيْهِ
قَوْله وَقيل دِرْهَم مَعَ الرّفْع ودرهمان مَعَ النصب
لما تقدم وَلِأَنَّهُ إِذا نصب فَهُوَ تَمْيِيز لكل وَاحِد فَيلْزم التَّعَدُّد وَالَّذِي نَصره القَاضِي وَأَبُو الْخطاب والشريف وَغَيرهم قَول ابْن حَامِد وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي كَذَا وَكَذَا درهما يلْزمه أحد وَعِشْرُونَ لما تقدم وَهُوَ مُتَوَجّه وَكَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين يَقْتَضِي أَنه اخْتِيَاره وَعَن الشَّافِعِي كَقَوْل ابْن حَامِد والتميمي مَعَ النصب
قَوْله وَإِن قَالَ ذَلِك كُله بالخفض قبل تَفْسِيره بِدُونِ الدِّرْهَم
وَكَذَا قطع بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيره تَقْدِيره بعض دِرْهَم لاحْتِمَال لَفظه ذَلِك وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَقَالَ القَاضِي فِي الْمُجَرّد يلْزمه دِرْهَم نَقله بَعضهم فِي كَذَا كَذَا دِرْهَم وَلَا يحضرني لَهُ وَجه وَقيل يلْزمه دِرْهَم وَبَعض آخر مَعَ التّكْرَار بِالْوَاو وَقَالَ أَبُو حنيفَة يلْزمه دِرْهَم لِأَنَّهَا أقل عدد الْمُفَسّر بِوَاحِد مخفوض وَإِن شِئْت قلت لِأَنَّهَا أقل عدد يُضَاف إِلَى الْوَاحِد وَهَذَا مُتَوَجّه وَهُوَ مُقْتَضى مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي الْمسَائِل قبلهَا وَذكر الشَّيْخ شمس الدّين ابْن عبد الْقوي أَن هَذَا القَوْل وَقَول أبي حنيفَة فِي الْمسَائِل قبلهَا ذكر ابْن جنى ذَلِك كُله فِي بعض كتبه النحوية وَابْن معطى فِي فصوله وَغَيرهمَا وَهُوَ مَذْهَب جمَاعَة من الْفُقَهَاء مِنْهُم مُحَمَّد بن الْحسن قَالَ وَهُوَ الأقيس ردا لما أشكل
стр. 553
قَوْله وَهَذَا كُله عِنْدِي إِذا كَانَ يعرف الْعَرَبيَّة فَإِن لم يعرفهَا لزمَه بذلك دِرْهَم فِي الْجَمِيع
وَجه قَول الْأَصْحَاب رَحِمهم الله تَعَالَى مَا تقدم تَسْوِيَة بَين الْجَمِيع وَصَاحب الْمُحَرر يوافقهم فِي الْعَالم بِالْعَرَبِيَّةِ وَيلْزم الْجَاهِل بهَا دِرْهَم فِي الْجَمِيع لِأَنَّهُ لَا فرق عِنْده فِي ذَلِك وَيَقْتَضِي عرفه ولغته دِرْهَم فَلَزِمَهُ وَمَا زَاد عَلَيْهِ مَشْكُوك فِيهِ أَو يُقَال الأَصْل وَالظَّاهِر عَدمه فَلم يلْزمه وَإِذا كَانَ لَا بُد لصَاحب الْمُحَرر من مُخَالفَة الْأَصْحَاب فِي ذَلِك فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يمشي على مُقْتَضى الْعَرَبيَّة كَمَا تقدم لَا كَمَا ذ كره الْأَصْحَاب وَلَعَلَّ هَذَا مُتَوَجّه وَلَعَلَّ الْعَاميّ يلْزمه دِرْهَم فِي الْجَمِيع والعربي يلْزمه مُقْتَضى لِسَانه كَمَا تقدم فَصَارَ هَذَا قولا آخر
فرع
وَإِن قَالَ لَهُ عِنْدِي كَذَا دِرْهَم بِالْوَقْفِ قبل تَفْسِيره بِبَعْض دِرْهَم فِي اخْتِيَار الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره لجَوَاز إِسْقَاط حَرَكَة الْخَفْض للْوَقْف فَلَا يلْزمه زِيَادَة مَعَ الشَّك وَقَالَ القَاضِي يلْزمه دِرْهَم وَيتَوَجَّهُ مُوَافقَة الأول فِي الْعَالم بِالْعَرَبِيَّةِ وموافقة الثَّانِي فِي الْجَاهِل بهَا
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ عَليّ ألف رَجَعَ فِي تَفْسِير جنسه إِلَيْهِ
فَإِن فسره بِجِنْس أَو أَجنَاس قبل مِنْهُ لِأَن ذَلِك مُحْتَمل من غير مُخَالفَة لظَاهِر فَقبل
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ على ألف وَدِرْهَم أَو ألف ودينار أَو ألف وثوب أَو لَهُ دِينَار وَألف أَو ألف وَخَمْسُونَ درهما أَو ألف وَخَمْسمِائة دِينَار
فالألف من جنس مَا ذكر مَعَه نَصره القَاضِي وَأَصْحَابه فِي كتب الْخلاف
стр. 554
وَنَصره فِي الْمُغنِي وَقطع بِهِ ابْن هُبَيْرَة عَن أَحْمد فِي الْعَطف لِأَن الْعَرَب تكتفي بتفسير أحد الشَّيْئَيْنِ عَن الآخر قَالَ الله تَعَالَى وَلَبِثُوا فِي كهفهم ثَلَاث مائَة سِنِين وازدادو تسعا وَقَالَ تَعَالَى (١٧٥٠) ١٨ ٢٥ ﴿عَن الْيَمين وَعَن الشمَال قعيد﴾ قَالَ أَبُو الْخطاب وَغَيره لِأَن حرف الْعَطف يَقْتَضِي التَّسَاوِي بَين الشَّيْئَيْنِ كَمَا تَقْتَضِي الْبَيِّنَة ذَلِك فِي ظَاهر الْكَلَام فَوَجَبَ حمله عَلَيْهِ وَلِأَن الْمُفَسّر يُفَسر جَمِيع مَا قبله كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿تسع وَتسْعُونَ نعجة﴾ وَقَالَ ﴿أحد عشر كوكبا﴾ مَعَ مُفَسّر لم يقم دَلِيل على أَنه من غير جنسه فَكَانَ الْمُبْهم جنس الْمُفَسّر
قَالَ الْأَصْحَاب كَمَا لَو قَالَ مائَة وَخَمْسُونَ درهما وَلَعَلَّ مُرَادهم الْحجَّة على قَول التَّمِيمِي لِأَن هَذَا الأَصْل مُتَّفق عَلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي المغنى فَإِن قَالَ لَهُ على تِسْعَة وَتسْعُونَ درهما فالجميع دَرَاهِم لَا أعلم فِيهِ خلافًا وَإِن قَالَ مائَة وَخَمْسُونَ درهما فَكَذَلِك وَخرج بعض أَصْحَابنَا وَجها أَنه لَا يكون تَفْسِيرا إِلَّا لما يَلِيهِ وَهُوَ قَول بعض الشَّافِعِيَّة وَكَذَلِكَ إِن قَالَ ألف وَثَلَاثَة دَرَاهِم أَو خَمْسُونَ وَألف دِرْهَم أَو ألف وَمِائَة دِرْهَم أَو مائَة وَألف دِرْهَم وَالصَّحِيح مَا ذكرنَا انْتهى كَلَامه وَذكر فِي الْكَافِي هَذَا الأَصْل مَعَ حكايته احْتِمَالا فِي ألف وَخمسين درهما أَو ألف وَثَلَاثَة دَرَاهِم وَمرَاده وَالله أعلم مَا تقدم
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بعد ذكر كَلَامه فِي الْكَافِي كَأَنَّهُ فرق بَين الْعدَد الَّذِي يَلِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَبَين الَّذِي لَا يَلِيهِ
قَوْله وَقيل يرجع فِي تَفْسِيره إِلَيْهِ
لِأَن الْعَطف لَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَة بَين المعطوفين فِي الْجِنْس بِدَلِيل جَوَاز قَوْله رَأَيْت رجلا وَحِمَارًا وَلِأَن الْألف مُبْهَم فَرجع فِي تَفْسِيره إِلَيْهِ كَمَا لَو لم يكن عطف صَححهُ فِي الْمُسْتَوْعب
стр. 555
قَوْله وَقَالَ التَّمِيمِي يرجع إِلَى تَفْسِيره مَعَ الْعَطف دون التَّمْيِيز وَالْإِضَافَة لما تقدم وَالْفرق مَا ذكره أَبُو الْخطاب وَغير وَاحِد أَن الدِّرْهَم هُنَا ذكر تَفْسِيرا وَلِهَذَا لَا تجب بِهِ زِيَادَة على الْألف وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِن عطف عَلَيْهِ مَا يثبت فِي الذِّمَّة كَانَ من جنسه وَإِلَّا فَلَا
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ كَقَوْل التَّمِيمِي فِي الْمَعْطُوف وَأما فِي الْمُمَيز والمضاف فالاصطخرى وَابْن خيران كالوجه الثَّانِي وَخَالَفَهُمَا غَيرهمَا
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بِخِلَاف قَوْله ألف وكر حِنْطَة فَإِن القَاضِي كَأَنَّهُ نفي الْخلاف فِيهِ عَن جَمِيعهم فالتميمي قد يَقُول هُنَا
وَقَالَ أَيْضا قد يتَوَجَّه أَن الْمقر إِذا مَاتَ وَلم يظْهر شَيْئا جعل الْجَمِيع جِنْسا وَاحِدًا وَإِن ادّعى أَن الْألف من غير جنس مَا مَعَه قبل مِنْهُ مَعَ يَمِينه لِأَنَّهُ إِذا لم يدع خلاف ذَلِك فَالظَّاهِر أَنه لم يفْتَقر إِلَيْهِمَا إِلَّا وهما جنس وَاحِد بِخِلَاف مَا إِذا فسره بعد ذَلِك انْتهى كَلَامه وَهُوَ خلاف كَلَام الْأَصْحَاب
فصل
قَالَ فِي الْمُغنِي وَغَيره فَأَما إِن كَانَ لم يفسره بِهِ مثل أَن يعْطف عدد الْمُذكر على عدد الْمُؤَنَّث أَو بِالْعَكْسِ وَنَحْو ذَلِك وَلَا يكون أَحدهمَا من جنس الآخر وَيبقى الْمُبْهم على إبهامه كَمَا لَو قَالَ على أَرْبَعَة دَرَاهِم وَعشر
فصل
قَالَ فِي المغنى فعلى قَول من لَا يَجْعَل الْمُجْمل من جنس الْمُفَسّر لَو قَالَ بِعْتُك هَذَا بِمِائَة وَخمسين درهما أَو خَمْسَة وَعشْرين درهما لَا يَصح وَهُوَ قَول شَاذ ضَعِيف لَا يعول عَلَيْهِ انْتهى كَلَامه وَهُوَ يُؤَيّد مَا تقدم
стр. 556
فصل
وَإِن قَالَ لَهُ على ألف إِلَّا درهما أَو ألف دِرْهَم سوى مائَة فالجميع دَرَاهِم بِنَاء على تلازم الْمُسْتَثْنى والمستثنى مِنْهُ فَمَا ثَبت فِي أَحدهمَا ثَبت فِي الآخر وَمَتى علم أحد الطَّرفَيْنِ علم أَن الآخر من جنسه كَمَا لَو علم الْمُسْتَثْنى مِنْهُ
قَالَ فِي المغنى وَقد سلموه وَقَالَ التَّمِيمِي وَأَبُو الْخطاب يرجع فِي تَفْسِير الْألف إِلَيْهِ وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ لِأَن الْألف مُبْهَم وَالدِّرْهَم لم يذكر تَفْسِيرا لَهُ وَلِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه أَرَادَ الِاسْتِثْنَاء من غير الْجِنْس وَكَلَام بَعضهم يَقْتَضِي أَن الْخلاف عندنَا أَنه هَل يرجع إِلَيْهِ فِي تَفْسِير الْمُطلق سَوَاء كَانَ مُسْتَثْنى أَو مُسْتَثْنى مِنْهُ وَالتَّعْلِيل يَقْتَضِيهِ فعلى هَذَا القَوْل إِن فسره بِغَيْر الْجِنْس بَطل الِاسْتِثْنَاء على الرَّاجِح عندنَا وعَلى قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ لَا يبطل وَقد تقدم ذَلِك
وَلَعَلَّ صاحبالمحرر اختصر ذكر هَذِه الْمَسْأَلَة لِأَنَّهَا تعرف من مَسْأَلَة الِاسْتِثْنَاء
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ فِي هَذَا العَبْد شرك أَو هُوَ شَرِيكي فِيهِ أَو هُوَ شركَة بَيْننَا رَجَعَ فِي تَفْسِير سهم الشَّرِيك إِلَيْهِ
وَقد يكون بَينهمَا سَوَاء نَقله ابْن عبد الْقوي وَعَزاهُ إِلَى الرِّعَايَة وَهُوَ قَول أبي يُوسُف لِأَن الشّركَة تَقْتَضِي التَّسْوِيَة البيع وبدليل الْوَصِيَّة وَالْوَقْف وَالْمُضَاربَة وبدليل قَوْله تَعَالَى ٤ ١٢ ﴿فهم شُرَكَاء فِي الثُّلُث﴾
وَلنَا أَن أَي جُزْء كَانَ لَهُ مِنْهُ فَلهُ فِيهِ شركَة فَقبل تَفْسِيره بِمَا شَاءَ كالمساوى وَلَيْسَ إِطْلَاق لفظ الشّركَة على مَا دون النّصْف مجَازًا وَلَا مُخَالفَة للظَّاهِر
وَأما مَسْأَلَة البيع فلنا وَجه بِعَدَمِ الصِّحَّة للْجَهَالَة وَالْمذهب الصِّحَّة حملا
стр. 557
لكَلَام الْمُكَلف على الصِّحَّة لِأَن معرفَة قدر الْمَبِيع شَرط بِخِلَاف الْإِقْرَار فانه يَصح بِالْمَجْهُولِ وَأما الْمُضَاربَة وَنَحْوهَا فَالْفرق أَنه جعل المَال لَهما فِيهَا على حد وَاحِد وَلَا مزية لأَحَدهمَا على الآخر فتساويا فِيهِ بِخِلَاف الْإِقْرَار
وَبِهَذَا يُجَاب عَن الْآيَة أَو نقُول استفيدت التَّسْوِيَة فِيهَا من دَلِيل آخر وأحسب أَن هَذَا قَوْلنَا وَقَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ
قَوْله وَإِن قَالَ لَهُ فِيهِ سهم فَكَذَلِك وَقَالَ القَاضِي يحمل على السُّدس كَالْوَصِيَّةِ
وَجه الأول مَا تقدم وَلِأَنَّهُ الْعرف الْمُعْتَاد فَحمل الْإِطْلَاق عَلَيْهِ
وَوجه الثَّانِي أَن السهْم عرف شَرْعِي بِدَلِيل الْوَصِيَّة بِهِ فَحمل الْإِطْلَاق عَلَيْهِ كَمَا نقُول فِي نذر رَقَبَة مُطلقَة تحمل على الرَّقَبَة الشَّرْعِيَّة وَغير ذَلِك
وَيَنْبَغِي أَن يُؤْخَذ من هَذَا أَنه إِذا تعَارض فِي الْإِقْرَار حَقِيقَة عرفية وَحَقِيقَة شَرْعِيَّة فَأَيّهمَا يقدم فِيهِ وَجْهَان
قَوْله وَإِن قَالَ لَهُ عَليّ أَكثر من مَال فلَان وَفَسرهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ قدرا أَو بِدُونِهِ وَقَالَ أردْت كَثْرَة نَفعه وَنَحْوه قبل
مَعَ يَمِينه لِأَن ذَلِك مُحْتَمل وَيمْنَع أَن الظَّاهِر بِخِلَاف ذَلِك هَذَا قَول أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيّ
وَقَالَ فِي الْكَافِي وَالْأولَى أَنه يلْزمه أَكثر مِنْهُ قدرا لِأَنَّهُ ظَاهر اللَّفْظ السَّابِق إِلَى الْفَهم فَلَزِمَهُ كَمَا لَو أقرّ بِدَرَاهِم لَزِمته ثَلَاثَة وَلم يقبل تَفْسِيره بِدُونِهَا مَعَ احْتِمَاله
стр. 558
وَاخْتَارَ فِي الْمُغنِي أَنه إِن فسره بِدُونِهِ مَعَ علمه بِمَالِه لَا يقبل وَإِلَّا قبل وَلَو قَالَ مَا علمت لفُلَان أَكثر من كَذَا وَقَامَت الْبَيِّنَة بِأَكْثَرَ مِنْهُ لم يلْزمه أَكثر مِمَّا اعْترف بِهِ لِأَن مبلغ المَال حَقِيقَة لَا يعرف فِي الْأَكْثَر انْتهى كَلَامه
قَوْله وَإِن قَالَ لمن ادّعى عَلَيْهِ مبلغا لفُلَان على أَكثر مِمَّا لَك عَليّ وَقَالَ أردْت الِاسْتِهْزَاء فَقيل يقبل وَقيل لَا يقبل وَيلْزم بتفسير حَقّهمَا
وَجه الأول احْتِمَال إِرَادَة حَقك عَليّ أَكثر من حَقه وَالْحق لَا يخْتَص المَال
وَوجه الثَّانِي أَن ظَاهر اللَّفْظ يدل على إِقْرَاره لَهما بِشَيْء من المَال وَأَحَدهمَا أَكثر فَيلْزم بتفسيره لجهالته وَهَذَا الرَّاجِح عِنْد جمَاعَة وَهُوَ أولي فَلَو ادّعى عَلَيْهِ مبلغا فَقَالَ لَك على أَكثر من ذَلِك لم يلْزمه أَكثر مِنْهُ وَرجع إِلَى تَفْسِيره عِنْد القَاضِي لما تقدم ولاحتمال أَنه أَرَادَ أَكثر مِنْهُ فُلُوسًا أَو حب حِنْطَة وأفعل التَّفْضِيل إِذا اسْتعْمل بِمن فَإِنَّهُ يتَّصل بِجِنْسِهِ وَغير جنسه كزيد أَشْجَع من إخْوَته وَزيد أَشْجَع من الْأسد بِخِلَاف اسْتِعْمَاله مُضَافا فَإِن حَقه أَن لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى مَا هُوَ بعض وَعند الشَّيْخ موفق الدّين لَا يقبل مِنْهُ إِلَّا الْأَكْثَر مِنْهُ قدرا لِأَن لَفظه أَكثر إِنَّمَا تسْتَعْمل حَقِيقَة فِي الْعدَد أَو فِي الْقدر وينصرف إِلَى جنس مَا أضيف إِلَيْهِ أَكثر
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ على مَا بَين دِرْهَم وَعشرَة لزمَه ثَمَانِيَة
لِأَن ذَلِك هُوَ مَا بَينهمَا وَكَذَا إِن عرفهما بِالْألف وَاللَّام
قَوْله وَإِن قَالَ لَهُ عَليّ مَا بَين دِرْهَم إِلَى عشرَة لزمَه تِسْعَة وَقيل عشرَة وَقيل ثَمَانِيَة
стр. 559
أما الْمَسْأَلَة الأولى فَوجه الْخلاف فِيهَا أَنَّهَا فِي معنى الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عرفا فتعطى حكمهَا وَالْأولَى أَن يُقَال فِيهَا مَا قطع بِهِ فِي الْكَافِي وَهُوَ ثَمَانِيَة لِأَنَّهُ الْمَفْهُوم من هَذَا اللَّفْظ وَلَيْسَ هُنَا ابْتِدَاء غَايَة وانتهاء الْغَايَة فرع على ثُبُوت ابتدائها فَكَأَنَّهُ قَالَ مَا بَين كَذَا وَبَين كَذَا وَلَو كَانَت إِلَى هُنَا لانْتِهَاء الْغَايَة فَمَا بعْدهَا لَا يدْخل فِيمَا قبلهَا على الْمَذْهَب قَالَ أَبُو الْخطاب وَهُوَ الْأَشْبَه عِنْدِي وَهُوَ قَول زفر وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَالَّذِي نَصره القَاضِي وَغَيره أَنه يلْزمه تِسْعَة وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَقَالَ مُحَمَّد ابْن الْحسن يلْزمه عشرَة قَالَ القَاضِي وَغَيره وَالْقَوْلَان جَمِيعًا يَقْتَضِي أَن يَكُونَا مذهبا لنا لِأَنَّهُ قد نَص فِيمَن حلف لَا كلمتك إِلَى الْعِيد هَل يدْخل يَوْم الْعِيد فِي يَمِينه أم يكون بدؤه على رِوَايَتَيْنِ
وَأما الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فَوجه القَوْل الأول فِيهَا وَهُوَ الرَّاجِح فِي الْمَذْهَب وَذكر بَعضهم أَنه الْمَذْهَب أَن من لابتداء الْغَايَة وَهُوَ عدد وَالْعدَد لَا بُد لَهُ من أول يَبْنِي عَلَيْهِ وَإِلَّا لم يَصح وَإِلَى لانْتِهَاء الْغَايَة وَمَا بعْدهَا لَا يدْخل فِيمَا قبلهَا فِي أَكثر الِاسْتِعْمَال وَلَو كَانَ دُخُولا مكتملا فَالْأَصْل عدم الزَّائِد فَلَا يثبت مَعَ الشَّك
وَوجه الثَّانِي أَنه أحد الطَّرفَيْنِ فَدخل كالآخر وَلِهَذَا يُقَال قَرَأت الْقُرْآن من أَوله إِلَى آخِره وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَن قِيَاس هَذَا الْوَجْه أحد عشر لِأَنَّهُ وَاحِد وَعشرَة والعطف يَقْتَضِي التغاير
وَوجه الثَّالِث أَنَّهُمَا حدان فَلَا يدْخل مَا بَينهمَا كَقَوْلِه مَا بَين دِرْهَم وَعشرَة وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الَّذِي يَنْبَغِي فِي هَذِه الْمسَائِل أَن يجمع مَا بَين الطَّرفَيْنِ من الْأَعْدَاد فَإِذا قَالَ من وَاحِد إِلَى عشرَة لزمَه خَمْسَة وَخَمْسُونَ إِن أدخلنا الطَّرفَيْنِ وَخَمْسَة وَأَرْبَعُونَ إِن أدخلنا الْمُبْتَدَأ فَقَط وَأَرْبَعَة وَأَرْبَعُونَ إِن
стр. 560
أخرجناهما وَقَوله مَا بَين دِرْهَم إِلَى عشرَة لَيْسَ بعرفي انْتهى كَلَامه
هَذَا الْمَعْنى ذكره الْأَصْحَاب فِي إِن طلقت وَاحِدَة مِنْكُن فعبد من عَبِيدِي حر بِصِيغَة إِن وَكَذَا بِصِيغَة كلما فِي وَجه وَالْمَسْأَلَة مَشْهُورَة وَأما هُنَا فَيلْزمهُ ذَلِك مَعَ إِرَادَته وَطَرِيق حسابه أَن تزيد أول الْعدَد وَهُوَ أحد على عشرَة فَيصير أحد عشرَة ثمَّ أضربهما فِي نصف الْعشْرَة فَمَا بلغ فَهُوَ الْجَواب
فصل
لَو قَالَ لَهُ مَا بَين هَذَا الْحَائِط إِلَى هَذَا الْحَائِط فكلامهم يَقْتَضِي أَنَّهَا على الْخلاف فِي الَّتِي قبلهَا وَذكر القَاضِي أَن الحائطين لَا يدخلَانِ فِي الاقرار وَجعله مَحل وفَاق فِي حجَّة زفر وَفرق بِأَن الْعدَد لَا بُد لَهُ من ابْتِدَاء يبْنى عَلَيْهِ وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَلَام القَاضِي وَلم يزدْ
قَوْله فَإِن قَالَ مَا بَين عشرَة إِلَى عشْرين أَو من عشرَة إِلَى عشْرين لزمَه تِسْعَة عشر على الأول وَعِشْرُونَ على الثَّانِي وَقِيَاس الثَّالِث تِسْعَة
هَذَا تَقْرِير وَاضح على الْأَوْجه الثَّلَاثَة وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَن قِيَاس الثَّانِي ثَلَاثُونَ وَهَذَا مِنْهُ بِنَاء على أَنه يلْزمه فِي الَّتِي قبلهَا أحد عشر
فصل
فَإِن قَالَ لَهُ على مَا بَين كرّ شعير إِلَى كرّ حِنْطَة لزمَه كرّ شعير وكر حِنْطَة إِلَّا قفيز حِنْطَة على قِيَاس الْمَسْأَلَة قبلهَا ذكره القَاضِي وَأَصْحَابه وَكَذَا صَاحب الْمُسْتَوْعب قَالَ فان قُلْنَا يلْزمه تِسْعَة فَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف
стр. 561
وَمُحَمّد يلْزمه كرّ شعير وكر حِنْطَة وَقدمه فِي الرِّعَايَة الْكُبْرَى
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هُوَ قِيَاس الثَّانِي فِي الأول وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْد القَاضِي
ثمَّ قَالَ هَذَا اللَّفْظ لَيْسَ بمعهود فَإِن قَالَ لَهُ عَليّ مَا بَين كرّ حِنْطَة وكر شعير فَالْوَاجِب تفَاوت مَا بَين قيمتهمَا وَهُوَ قِيَاس الْوَجْه الثَّالِث اخْتِيَار أبي مُحَمَّد انْتهى كَلَامه
قَوْله وَإِذا قَالَ لَهُ على دِرْهَم فَوق دِرْهَم أَو تَحت دِرْهَم أَو مَعَ دِرْهَم أَو فَوْقه أَو تَحْتَهُ دِرْهَم أَو مَعَ دِرْهَم
قطع بِهِ غير وَاحِد لِأَن اللَّفْظ فِي هَذِه الصُّورَة يجْرِي مجْرى الْعَطف لاقْتِضَائه ضم دِرْهَم آخر إِلَى الْمقر بِهِ فلزماه كالعطف والسياق وَاحِد وَهُوَ فِي الْإِقْرَار فَلَا يقبل احْتِمَال يُخَالِفهُ لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر وَقيل يلْزمه دِرْهَم وَهُوَ قَول القَاضِي لاحْتِمَال إِرَادَته فَوق دِرْهَم فِي الْجَوْدَة وَكَذَا فِي بَاقِي الصُّور فَلَا يجب الزَّائِد مَعَ الشَّك فِي دُخُوله فِي إِقْرَاره وَللشَّافِعِيّ كالوجهين وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه إِذا قَالَ فَوق دِرْهَم لزمَه دِرْهَمَانِ وَإِن قَالَ تَحت دِرْهَم لزمَه دِرْهَم لِأَن فَوق تَقْتَضِي الزِّيَادَة بِخِلَاف تَحت
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بِنَاء على أَصله فِي الظروف أَو لِأَن الفوق الزِّيَادَة بِخِلَاف تَحت ثمَّ قَالَ هَذَا فِي الظَّاهِر قِيَاس مَسْأَلَة الظروف لَكِن فرق القَاضِي أَن الْمقر بِهِ معِين وَهنا ادَّعَاهُ أَنه مُطلق وَقطع فِي الْكَافِي وَغَيره أَنه يلْزمه فِي مَعَ دِرْهَمَانِ وَحكى الْوَجْهَيْنِ فِي فَوق وَتَحْت وَفِيه نظر
قَوْله أَوله دِرْهَم بل دِرْهَم أَو دِرْهَم لَكِن دِرْهَم أَو دِرْهَم فدرهم لزمَه دِرْهَمَانِ
стр. 562
وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح فِي الْمَذْهَب وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَقَول الشَّافِعِي حملا لكَلَام الْمُكَلف على فَائِدَة وَلِأَن الْعَطف يَقْتَضِي الْمُغَايرَة وإضرابه عَن الأول لَا يسْقطهُ فلزماه كدرهم وَدِرْهَم
قَوْله وَقيل دِرْهَم
قَالَ أَحْمد إِذا قَالَ أَنْت طَالِق لَا بل أَنْت طَالِق لَا تطلق إِلَّا وَاحِدَة وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ لم يقر بِأَكْثَرَ من دِرْهَم وَالْأَصْل عدم وجوب الزِّيَادَة فَلَا يلْزمه وَذكر القَاضِي أَنه يلْزمه دِرْهَمَانِ ثمَّ ذكر وَجها فِي بل أَنه يلْزمه دِرْهَم قَالَ لِأَنَّهُ للاستدراك وَهَذَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَة بَين بل وَلَكِن بِخِلَاف دِرْهَم فدرهم وَهُوَ معنى مَا فِي الْكَافِي وَغَيره لِأَنَّهُ ذكر فِي ألف فألف أَنه يلْزمه أَلفَانِ وَقدم فِي دِرْهَم بل دِرْهَم أَنه يلْزمه دِرْهَم وَسلم الشَّافِعِي فِي طَالِق فطالق أَو طَلْقَة فطلقة أَنه يَقع طَلْقَتَانِ وخرجها ابْن حربان على قَوْلَيْنِ كَالْإِقْرَارِ وَلَو قَالَ دِرْهَم وَدِرْهَم أَو ثمَّ دِرْهَم فدرهمان وَدِرْهَم أَو دِرْهَم لزمَه وَاحِد وَذَلِكَ مَحل وفَاق ذكره القَاضِي وَغَيره فَإِن كرر الدِّرْهَم ثَلَاث مَرَّات مَعَ عطف مُتَّفق أَو بِدُونِ عطف لزمَه ثَلَاثَة وَقيل دِرْهَمَانِ وَقيل مَعَ إِرَادَة التَّأْكِيد وَقيل الْخلاف دون حرف عطف وَمَعَهُ إِن أَرَادَ تَأْكِيدًا صدق وَإِلَّا فَلَا وَمَعَ مُغَايرَة الْعَطف يلْزمه ثَلَاثَة
قَوْله وَإِن قَالَ دِرْهَم قبله دِرْهَم أَو بعده دِرْهَم لزمَه دِرْهَمَانِ لِأَن قبل وَبعد تسْتَعْمل للتقديم وَالتَّأْخِير فِي الْوُجُوب فَحمل عَلَيْهِ وَلِأَن هَذَا مُقْتَضى الْعرف وَالْعَادَة وَلَا معَارض لَهُ فَلَزِمَهُ وَقد عرف من هَذَا أَنه لَو قَالَ دِرْهَم قبله دِرْهَم أَو بعده دِرْهَم أَنه يلْزمه ثَلَاثَة دَرَاهِم لِأَنَّهُ فرق بَين قبله
стр. 563
دِرْهَم وَبعده دِرْهَم وَبَين قبل دِرْهَم وَبعد دِرْهَم وَذكر فِي الرِّعَايَة الْكُبْرَى فِي دِرْهَم قبل دِرْهَم أَو بعد دِرْهَم احْتِمَالَيْنِ كَذَا ذكرُوا
قَالَ ابْن عبد الْقوي إِنَّه لَا يدْرِي مَا الْفرق بَين دِرْهَم قبله دِرْهَم بعده دِرْهَم فِي لُزُومه دِرْهَمَيْنِ وَجها وَاحِدًا وَبَين دِرْهَم فَوق دِرْهَم وَنَحْوه فِي لُزُومه درهما فِي أحد الْوَجْهَيْنِ لِأَن نِسْبَة الزَّمَان وَالْمَكَان إِلَى مظروفيهما نِسْبَة وَاحِدَة انْتهى كَلَامه
والمغايرة بَين الْأَجْنَاس كاتحادها ذكره فِي الْمُغنِي وَغَيره
قَوْله أَو دِرْهَم بل دِرْهَمَانِ أَو دِرْهَمَانِ بل دِرْهَم لزمَه دِرْهَمَانِ
أما الْمَسْأَلَة الأولى فَقطع بِهِ أَكْثَرهم لِأَنَّهُ إِنَّمَا نفى الِاقْتِصَار على وَاحِد وَأثبت الزِّيَادَة عَلَيْهِ فَأشبه دِرْهَم بل أَكثر فَإِنَّهُ لَا يلْزمه أَكثر من اثْنَيْنِ وَهَذَا قَول الشَّافِعِي وَغَيره
وَذكر فِي الرِّعَايَة قولا أَنه يجب ثَلَاثَة
وَقَالَ ابْن عبد الْقوي وَهُوَ مُقْتَضى دِرْهَم بل دِرْهَم وَهُوَ قَول زفر وَدَاوُد
وَفِي كَلَام الْأَصْحَاب إِشَارَة إِلَى الْفرق بَين هَذِه الْمَسْأَلَة وَدِرْهَم بل دِرْهَم أَن هَذَا عطف على وَجه الْخَبَر والاستدراك وَذَاكَ بِخِلَافِهِ فَلْيتَأَمَّل
وَأما الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فَلم أجد فِيهَا خلافًا وَوَجهه أَنه أقرّ بِشَيْء وإضرابه عَن بعضه رُجُوع عَن حق الْغَيْر فَلَا يقبل وَفرق فِي الْمُغنِي بَين هَذِه الْمَسْأَلَة وَالِاسْتِثْنَاء أَن الِاسْتِثْنَاء لَا يَنْفِي شَيْئا أقرّ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ عبارَة عَن الْبَاقِي بعد الِاسْتِثْنَاء فَإِذا قَالَ عشرَة إِلَّا درهما كَانَ مَعْنَاهُ تِسْعَة بِخِلَاف الإضراب وَهَذَا الْفرق إِنَّمَا يتَّجه على قَول تكَرر فِي عِبَارَته وَهُوَ أَن الِاسْتِثْنَاء لَيْسَ بِإِخْرَاج وَأَن الْمُسْتَثْنى مَعَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ كمفرد كَقَوْل بَعضهم فَمَا على قَول فِي كَلَامه وَكَلَام
стр. 564
غَيره وَقد تقدم أَنه إِخْرَاج فَلَا يتَّجه وَلم أجد فرقا فَيخرج على هَذَا أَنه لَا فرق بَين الْإِخْرَاج بإلا أَو بل
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين يحْتَمل أَن يقبل مِنْهُ الاضراب لِأَنَّهُ دَعْوَى عطف يَقع كثيرا فَقبل مِنْهُ كدعوى الْعَطف فِي الْإِقْرَار بِرَأْس المَال فِي الْمُرَابَحَة وبالربح فِي الْمُضَاربَة يَعْنِي على رِوَايَة
وَمُقْتَضى كَلَامه قبُول دَعْوَى الْعَطف مُطلقًا كالأصلين وَالْفرق بَين الْأَصْلَيْنِ فِي رِوَايَة وَبَين الْإِقْرَار أَن الْمقر لَيْسَ بأمين للْمقر لَهُ وَلَا دخل مَعَه فِي شَيْء يَقْتَضِي أَنه أَمِين ليقبل قَوْله عَلَيْهِ بِخِلَاف الْأَصْلَيْنِ
قَوْله وَإِن قَالَ لَهُ هَذَا الدِّرْهَم بل هَذَانِ الدرهمان لَزِمته الثَّلَاثَة وَإِن قَالَ قفيز حِنْطَة بل قفيز شعير أَو دِرْهَم بل دِينَار لزماه مَعًا
قطع بِهِ أَكثر الْأَصْحَاب وَتقدم وَجهه فِي الْمَسْأَلَة قبلهَا وَالْفرق بَين هَذِه وَبَين دِرْهَم بل دِرْهَم أَو دِرْهَمَانِ أَن الأول يحْتَمل أَن يكون هُوَ الثَّانِي أَو بعضه بِخِلَاف مَسْأَلَتنَا وَتقدم كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قَالَ بعد كَلَامه الأول أسقط مَا أقرّ بِهِ وَأثبت أَكثر مِنْهُ بِكَلَام مُنْتَظم فَكَانَ أولى بِالْقبُولِ من قَوْله على ألف قضيتها انْتهى كَلَامه
وَمُقْتَضَاهُ قبُول دَعْوَاهُ مَعَ الِاتِّصَال فَقَط كَمَسْأَلَة الأَصْل
فقد ظهر من هَذَا أَو مِمَّا قبله أَنه هَل يُقَال لَا يقبل الإضراب مُطلقًا وَهُوَ الْمَذْهَب أَو يقبل مُطلقًا أَو يقبل مَعَ الِاتِّصَال فَقَط أَو يقبل مَعَ الِاتِّصَال إضرابه عَن الْبَعْض فِيهِ أَقْوَال وَقَول خَامِس وَهُوَ مَا حَكَاهُ فِي الْمُسْتَوْعب أَنه يقبل مَعَ تغاير الْجِنْس لَا مَعَ اتحاده لِأَن انْتِقَاله إِلَى جنس آخر قرينَة فِي صدقه وَأَنه هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ
стр. 565
فعلى هَذَا يلْزمه الدَّرَاهِم الثَّلَاثَة فِي الْمَسْأَلَة الأولى وَيلْزم فِي الثَّانِيَة قفيز شعير أَو دِينَار وَلم يذكر صَاحب الْمُسْتَوْعب هَذَا القَوْل إِلَّا فِي مثل القفيز وَقطع بِهِ فِي دِرْهَم بل دِينَار ويلزمهما وَلَا فرق بَينهمَا فِي الْقطع والإلحاق وَإِنَّمَا صَاحب الْمُسْتَوْعب اقْتصر
قَوْله وَإِن قَالَ لَهُ على دِرْهَم أَو دِينَار لزمَه أَحدهمَا وألزم بتعيينه
لِأَن أَو فِي الْخَبَر للشَّكّ فِي نِسْبَة الحكم إِلَى أحد الْمَذْكُورين فَيلْزمهُ حدهما ويعينه لإيهامه كَمَا لَو قَالَ لَهُ عَليّ شَيْء وَلَو قَالَ دِرْهَم أَو دِرْهَمَانِ فقد تقدم أَنه يلْزمه دِرْهَم وَيَنْبَغِي أَن يُقَال وَالْبَاقِي مَشْكُوك فِيهِ فَيسْأَل عَنهُ وَيُؤْخَذ بِهِ وَإِمَّا بِكَسْر الْهمزَة مثل أَو وَقد قَالَ ابْن عبد الْقوي فِي إِمَّا وَقد قيل بل ألزمهُ حتما بِمَا ابْتَدَأَ وَأَرَادَ مَا ذكره الشَّيْخ موفق الدّين فِي لَهُ على إِمَّا دِرْهَم وَإِمَّا دِرْهَمَانِ كَانَ مقرا بدرهم وَالثَّانِي مَشْكُوك فِيهِ فَلَا يلْزمه بِالشَّكِّ وَأَخذه من هَذَا القَوْل الَّذِي ذكره فِيهِ نظر ظَاهر وَكَلَام الشَّيْخ موفق الدّين لَا يُنَافِي مَا ذكره غَيره وَالله تَعَالَى أعلم
قَوْله وَإِن قَالَ دِرْهَم فِي دِينَار لزمَه دِرْهَم
لِأَنَّهُ أقرّ بدرهم دون دِينَار وَلَا يحْتَمل الْحساب فَإِن قَالَ أردْت الْعَطف أومعنى مَعَ لزمَه الدِّرْهَم وَالدِّينَار ذكره فِي الْمُغنِي وَغَيره وَهُوَ وَاضح فِي إِرَادَته معنى مَعَ لاستعمال فِي بمعناها وَفِيه نظر فِي الزِّيَادَة والعطف وَجعل ابْن حَامِد الزِّيَادَة بِمَعْنى مَعَ كإرادة مَعْنَاهَا فِي دِرْهَم فِي عشرَة على مَا يَأْتِي
قَالُوا وَإِن قَالَ أسلمته درهما فِي دِينَار فَصدقهُ الْمقر لَهُ بَطل الْإِقْرَار فَإِن سلم
следующие страницы →