← Тараджим

Тараджим · id 609

فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان

أحمد الجابري

Полный текст (314 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فيمن اعتزل، قال عمرو: إني أسمي لك معاوية بن أبي سفيان، فلم يبرحا مجلسهما حتى استبَّا، ثم خرجا إلى الناس، فقال أبو موسى: إني وجدت مثل عمرو مثل الذين قال الله : ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾، فلما سكت أبو موسى تكلم عمرو فقال: أيها الناس وجدتُ مثل أبي موسى كمثل الذي قال : ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾، وكتب كل واحد منهما مثله الذي ضرب لصاحبه إلى الأمصار» (١). وهذا مع كونه صحَّ عن الزهري، إلا أنه أرسله ولم يسنده لأحد، والمرسل -عامَّةً- لا تقوم به حجة، ومرسل الزهري نفسه -خاصَّةً- عند العلماء من أوهى المراسيل. قال أحمد بن سنان: «كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئا، ويقول: هو بمنزلة الريح، ويقول: هؤلاء قوم حُفَّاظ، كانوا إذا سمعوا الشيء علَّقوه» (٢). وقال يحيى بن معين: «مراسيل الزهري ليس بشيء» (٣). فإذا أضفنا لذلك ما في المتن من نكارة، كتصوير عمرو بن العاص بالماكر المخادع، وتصوير أبي موسى الأشعري بالمغفّل، مع سوء الأخلاق التي لا تليق بمن ربَّاهم النبي ﷺ ؛ ازداد ذلك المرسل وَهْنا على وَهْن. لم يكن الطرفان في حاجة إلى خداع، بل ما كان يريده كل طرف يطرحه على صاحبه، فإن قبله؛ وإلا لم يتفقا. وقد وردت رواية تدل على تلك المصارحة.

стр. 107

فعن مبارك بن فضالة، عن الحسن البصري، قال: «أخبرني الأحنف، أن معاوية كتب إلى علي أن امح هذا الاسم إن أردت أن يكون صلح، فاستشار- وكانت له قبة يأذن لبني هاشم فيها، ويأذن لي معهم- قال: ما ترون فيما كتب به معاوية أن امح هذا الاسم؟ - قال مبارك: يعنى: أمير المؤمنين- قال: برحه الله! فإن رسول الله ﷺ حين وادع أهل مكة كتب: محمد رسول الله، فأبوا ذلك حتى كتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فقلتُ له -أي: الأحنف-: أيها الرجل مالك وما لرسول الله ﷺ ؟ إنا والله ما حابيناك ببيعتنا، وإنا لو علمنا أحداً من الناس أحق بهذا الأمر منك لبايعناه، ثم قاتلناك، وإني أقسم بالله لئن محوت هذا الاسم الذي بايعت عليه وقاتلتهم لا يعود إليك أبدا. قال: وكان والله كما قال، قال: قلَّما وُزن رأيه برأي رجل إلا رجح عليه» (١). فهنا معاوية صرَّح بما أراده من علي، ولم يكل الأمر إلى عمرو ليحتال ويخادع، ولم يكن مطلب معاوية هنا لأجل نزاعه مع علي على الخلافة -كما سيأتي في: رابعاً-، وإنما لأجل أنه لو أقر له بالخلافة؛ تلزمه الطاعة لولي الأمر، وألا يبرم رأياً ولا ينشئ حرباً دون الرجوع إليه، ومعاوية وأهل الشام بالفعل لم يكونوا بايعوا عليَّاً على الخلافة في هذا الوقت، لذلك طلب معاوية منه نزع هذه الصفة عنه، حتى يستطيع أن يشترط ما شاء في وثيقة الصلح.

стр. 108

ثانياً: أهمية هذه القضية في جانب التشريع والأحكام، والعقيدة في الصحابة، ومع ذلك لا نجد لها نَقْلاً بسندٍ صحيحٍ، ولا يُستساغ أن يُطْبِقَ العلماء على إهمالها مع شدَّة الحاجة إليها. ثالثاً: مع ضعف ونكارة هذه الروايات، فقد ورد ما هو أصحُّ منها، مناقضاً لها: فعن حُضَين بن المنذر (١): «أن معاوية أرسل إليه فقال: إنه بلغني عن هذا -أي: عن عمرو- كذا وكذا، فاذهب فانظر ما هذا الذي بلغني عنه، فأتيته فقلت: أخبرني عن الأمر الذي وُليت أنت وأبو موسى، كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس في ذلك ما قالوا، والله ما كان الأمر على ما قالوا، ولكن قلتُ لأبي موسى: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ. قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: إن يُستعنْ بكما ففيكما معونة، وإن يُستغنْ عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما» (٢). فهذه الرواية لم تذكر خدعةً ولا مكراً، ولا توليةً ولا عزلاً، وقول أبي موسى هذا القول: «أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ»، وهو يعلم أنه لم يبق من العشرة المبشَّرين بالجنة إلا سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعلي بن أبي طالب، وقد اعتزل الأوَّلان الفتنة، ولم يرغبا في ولاية ولا إمارة، فلم يبق إذاً إلا علي ﵁.

стр. 109

رابعاً: أن النزاع والتحكيم بين الطرفين لم يكن منشؤه: مَنْ أحقُّ بالخلافة، ومَنْ يُعزَل ومن يُولَّى، وإنما كان لأجل قضية الثأر لدم عثمان، على ما قدَّمنا وبيَّنَّا قبل ذلك. فعن عُبيد بن أبي أمية الإيادي قال: «جاء أبو مسلم الخولاني وأناس معه إلى معاوية، فقالوا له: أنت تنازع عليَّاً، أم أنت مثله؟ فقال معاوية: لا والله، إني لأعلم أن عليَّاً أفضل مني، وأنه لأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلوماً؟ وأنا ابن عمه، وإنما أطلب بدم عثمان، فائتوه فقولوا له، فليدفع إليَّ قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا عليَّاً فكلموه بذلك؛ فلم يدفعهم إليه» (١). خامساً: أن قضية التحكيم وقعت في وقت فتنة، وحالة المسلمين حينها كانت مضطربة، مع وجود خليفة لهم، فكيف ستنتظم حالتهم مع عزل الخليفة؟! لا شك أن هذا مما يزيد الأمور سوءاً، والصحابة أعقل وأحذق من أن يُقدموا على هذا. سادساً: ذكرتْ هذه الروايات الضعيفة أن أهل الشام بايعوا معاوية بعد التحكيم، والسؤال: ما المسوِّغ الذي جعل أهل الشام يبايعون معاوية، والحكمان لم يتفقا، وليس ثمة مبرر لهذا؟! وقد قال فقيه أهل الشام، ومفتيهم في زمانه: سعيد بن عبد العزيز التنوخي (٢): «كان عليٌّ بالعراق يُدعى أمير المؤمنين، وكان معاوية بالشام يُدعى الأمير، فلما مات عليٌّ دُعي معاوية بالشام أمير المؤمنين» (٣).

стр. 110

وهذا نصٌّ جليٌّ يبين أنَّ معاوية لم يبايع بالخلافة إلا بعد وفاة عليٍّ ﵁ (١). خُلاصة الكلام في قصة التحكيم: تكاد المصادر التاريخية تُجمع على أن القتال بين الطرفين توقَّف، وثمة صلح وتحكيم وقع بينهما، بعد أن استشرى القتل في الفريقين، مع صبر الجميع وشجاعتهم واستبسالهم في القتال.

стр. 111

قال ابن كثير: «ورغب أكثر الناس من العراقيين والشاميين بكمالهم إلى المصالحة والمسالمة مدة، لعلهم يتفقون على أمر يكون فيه مصلحةٌ لحقن دماء المسلمين، فإن الناس قد تفانوا في هذه المدة، ولا سيما في هذه الثلاثة الأيام المتأخرة، التي كان آخرها ليلة الجمعة، وهي ليلة الهرير. وقد صبر كل من الجيشين للآخر صبراً لم يُر مثله، لما كان فيهم من الشجعان والأبطال ما ليس يوجد مثلهم في الدنيا، ولهذا لم يفر أحدٌ عن أحدٍ، بل صبروا حتى قُتل من الفريقين -فيما ذكره غير واحد- سبعون ألفاً (١) ; خمسة وأربعون ألفاً من أهل الشام، وخمسة وعشرون ألفاً من أهل العراق (٢). وكان بينهم في هذه المدة تسعون زحفاً، واختُلف في مدة المقام بصفِّين; فقال سيف: سبعة أشهر، أو تسعة أشهر، وقال أبو الحسن بن البراء: مائة وعشرة أيام. قلتُ (أي: ابن كثير): ومقتضى كلام أبي مخنف أنه كان من مستهل ذي الحجة في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر، وذلك ثلاثة وسبعون يوماً. فالله أعلم» (٣).

стр. 112

وقال خليفة بن خيَّاط: «كانت وقعة صفِّين يوم الأربعاء، لسبع خلون من صفر، سنة سبع وثلاثين، وكان الصلح ليلة السبت، لعشر خلون من صفر، وفيها اجتمع الحكمان أبو موسى الأشعري من قبل علي، وعمرو بن العاص من قبل معاوية، بدومة الجندل في شهر رمضان، ويقال بأذرح، وهي من دومة الجندل قريب، فبعث علي ابن عباس ولم يحضر، وحضر معاوية، فلم يتفق الحكمان على شيء وافترق الناس» (١). بل صحَّ عن أبي صالح ذكوان السمَّان (٢): «أن عليَّاً قال لأبي موسى: احكم، ولو بحزِّ عنقي» (٣). وبعد هذا الاتفاق بين المصادر على التوقف والصلح، لا نكاد نجد آثاراً صحيحة تبين بدقة ما الذي جرى بين الطرفين في هذه الهدنة، وما الذي توصَّلُوا إليه. ولذا وجب التوقف عن التحديث بهذه الروايات المنكرة متونها، الواهية أسانيدها، والتي تطعن في ديانة وأخلاق من زكَّاهم الله ورسوله ﷺ . يقول ابنُ العربيِّ -بعد ردِّه لروايات التحكيم الضعيفة، واعتماده لرواية حُضين بن المنذر التي تقدَّمت-: «فهذا كان بدء الحديث ومنتهاه، فأعرِضوا عن الغاوين، وازجروا العاوين، وعرِّجوا عن سبيل الناكثين، إلى سنن المهتدين، وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين.

стр. 113

وإياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومة أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد هلك من كان أصحاب النبي ﷺ خصمه، ودعوا ما مضى، فقد قضى الله ما قضى، وخذوا لأنفسكم الجد فيما يلزمكم اعتقاداً وعملاً، ولا تسترسلوا بألسنتكم فيما لا يعينكم مع كل ناعق اتخذ الدين هملاً، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً» (١). والخلاصة كما قال الطبريُّ: «وفي هذه السنة (٢) - فيما ذُكر- جرت بين علي وبين معاوية المهادنة- بعد مكاتبات جرت بينهما يطول بذكرها الكتاب- على وضع الحرب بينهما، ويكون لعلي العراق ولمعاوية الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيشٍ، ولا غارةٍ، ولا غزو» (٣). موقفٌ حميدٌ لمعاوية مع ملك الروم حال الفتنة: قال ابنُ كثيرٍ -مُتحدِّثا عن معاوية-: «لم تزل الفتوحات والجهاد قائماً على ساقه في أيامه في بلاد الروم والفرنج وغيرها، فلما كان من أمره وأمر أمير المؤمنين عليٍّ ما كان، لم يقع في تلك الأيام فتح بالكلية، لا على يديه ولا على يدي علي، وطمع في معاوية ملك الروم بعد أن كان قد أخسأه وأذلَّه، وقهر جنده ودحاهم، فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب علي؛ تدانى إلى بعض البلاد في جنودٍ عظيمةٍ، وطمع فيه، فكتب إليه معاوية: والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطلحن أنا وابن عمي عليك، ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت. فعند ذلك خاف ملك الروم وانكفَّ، وبعث يطلب الهدنة» (٤).

стр. 114

عدد الصحابة الذين شهدوا صفِّين: تقدَّم أن هناك عدداً من الصحابة شهد صفِّين باتفاق؛ كعليٍّ، وعمَّار، ومعاوية، وعمرو، لكن يبقى النزاع فيما وراء ذلك، من ناحية الأسماء، والعدد. فأمَّا الصحابة البدريُّون (من شهدوا بدراً): فقد ثبت أن ممن شهد صفِّين منهم: خزيمة بن ثابت ﵁. قال الإمام أحمد: «ثنا أمية بن خالد، قال: قيل لشعبة: إن أبا شيبة روى عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أنه قال: شهد صفِّين من أهل بدر سبعون رجلاً! فقال: كذب والله، لقد ذاكرتُ الحكم بذلك، وذكرنا في بيته، فما وجدنا شهد صفِّين من أهل بدر؛ غير خزيمة بن ثابت» (١). وقال روح بن عبادة: «حدثنا شعبة قال: ذاكرتُ الحكم من شهد صفِّين من أهل بدر، فأثبت فيهم خزيمة بن ثابت، وكان شعبة ينكر أن يكون أبو الهيثم بن التيهان شهد صفِّين» (٢). وقال الزهريُّ: «وقتل خزيمة بن ثابت يوم صفِّين مع علي ﵁» (٣). وذكر البعض أنَّ سهلاً بن حُنيف، وأبا أيوب الأنصاري شهداها. قال ابن كثير: «وقد قيل: إنه شهدها من أهل بدر: سهل بن حنيف، وكذا أبو أيوب الأنصاري. قاله شيخنا العلامة ابن تيْميَّة في كتاب الرد على الرافضة (٤)» (٥).

стр. 115

وعن يسار بن عبد الرحمن قال: «قال لي بكير بن الأشج: ما فعل خالك؟ قال: قلتُ: لزم البيت منذ كذا وكذا، فقال: إلا أن رجالاً من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم» (١). وأما سائر الصحابة: فأكثرهم لم يشهد صفِّين، والمنقول أنَّ قلةً قليلةً منهم هم من حضر: قال محمد بن سيرين: «هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ عشرة آلاف، فما خفَّ فيها منهم مِئة، بل لم يبلغوا ثلاثين» (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة عن إسناد هذا الأثر: «وهذا الإسناد من أصحِّ إسناد على وجه الأرض» (٣). وإذا كان هذا عدد المشاركين منهم، فحينئذ لا صحَّة لقول من يقول: قُتل من الصحابة في صفِّين عددٌ كبيرٌ، أو يقول: قُتل من البدريين في صفِّين: خمسةٌ وعشرون! موقف أهل السنَّة مما وقع بين عليٍّ ومعاوية ﵄: حريٌّ بنا قبل أن نغادر هذا الموطن أن نبين موقف أهل السنة من هذه الفتنة، وهو موقف جليلٌ يدل على إنصافهم، ووسطيتهم واعتدالهم، فنجد -في نصوصهم التالية- كيف أنهم بيَّنوا من أصاب ممن أخطأ، ومع ذلك يعذرون المخطئ، ولا يهدرون حسناته وصالح أعماله. أيُّ الطائفتين كان أدنى إلى الحق ؟ ذهب جمهور أهل السنة والسواد الأعظم منهم، بل عدَّه ابن كثير مذهب أهل السنة والجماعة، ونقله ابن حجر اتفاقاً عنهم بعد خلافٍ قديمٍ -كما سيأتي-، ذهبوا إلى أنَّ عليَّاً ﵁ ومن معه كانو أقربَ إلى الحق من معاوية ﵁ ومن معه، وعمدتهم في هذا الترجيح: ماصحَّ عن النبي ﷺ من أحاديث تشهد لطائفة علي.

стр. 116

قال يعقوب بن سفيان: «ولكن كان عليٌّ وأصحابه أدنى الطائفتين الى الحق من أصحاب معاوية، وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم» (١). وقال ابن حبان في صحيحه: «ذكر الخبر الدالِّ على أن عليَّ بن أبي طالب كان في تلك الوقعة -يعني: وقعة صفِّين- على الحق» (٢). ثم ساق تحت هذا التبويب حديث: «الفئة الباغية». وقال أبو عبد الله الحاكم: «قال أبو بكر -يعني: ابن خزيمة-: فنشهد أن كل من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في خلافته فهو باغٍ، على هذا عهدت مشايخنا، وبه قال ابن إدريس -يعني: الشافعي ﵁» (٣). وقال أبو المعالي الجويني: «علي ﵁ كان إماماً حقاً في توليته، ومقاتلوه بغاة» (٤). وقال ابن حزم: «وأما أمر علي والحسن ومعاوية: فقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه أنذر بخارجة تخرج من طائفتين من أمة، يقتلها أولي الطائفتين بالحق، فكان قاتلَ تلك الطائفة عليٌّ ﵁، فهو صاحب الحق بلا شك، وكذلك أنذر ﵇ بأن عمَّاراً تقتله الفئة الباغية، فصح أنَّ عليَّاً هو صاحب الحق، وكان عليٌّ السابق إلى الإمامة، فصح بعد أنه صاحبها، وأن من نازعه فيها فمخطئ» (٥).

стр. 117

وقال البيهقي: «وقد ذهب أكثرهم -يعني: أكثر الصحابة- إلى أنَّ عليَّاً ﵁ كان محقاً في قتاله، حاملاً لمن خالفه على طاعته, يقصد بقتاله أهل الشام حمل أهل الامتناع على ترك الطاعة للإمام, وبقتاله أهل البصرة دفع ما كانوا يظنون عليه من قتله عثمان بن عفان ﵁ , أو مشاركته قاتله في دمه, أو ما يقدح في إمامته, واستدلوا على بغي من خالفه من أهل الشام بما كان سبق له من شورى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ , وبيعة من بقي من أصحاب الشورى إياه قبل وقوع الفرقة, وأنه كان في وقته أحقَّهم بالإمامة بخصائصه, وأنهم وجدوا علامة رسول الله ﷺ للفئة الباغية فيمن خالفه» (١). ثم ساق حديث: «وَيْح عمّار، تقتله الفئة الباغية». وقال أبو عبد الله القرطبي: «وقال فقهاء الإسلام -فيما حكاه الإمام عبد القاهر في كتاب الإمامة من تأليفه-: وأجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي، منهم: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة والأوزاعي، والجمهور الأعظم من المتكلمين؛ إلى أن عليَّاً مصيب في قتاله لأهل صفِّين، كما قالوا بإصابته في قتل أصحاب الجمل، وقالوا أيضاً بأن الذين قاتلوه بغاةٌ ظالمون له، ولكن لا يجوز تكفيرهم ببغيهم. وقال الإمام أبو منصور التيمي البغدادي -في كتاب الفرق في بيان عقيدة أهل السنة-: وأجمعوا أن عليَّاً كان مصيباً في قتال أهل الجمل، أعني: طلحة والزبير وعائشة بالبصرة، وأهل صفِّين، أعني: معاوية وعسكره» (٢).

стр. 118

وقال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «وعليٌّ ومن معه أولى بالحق من معاوية وأصحابه، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: تمرق مارقة على حين فُرْقةٍ من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق (١)، فدلَّ هذا الحديث على أن عليَّاً أولى بالحق ممن قاتله؛ فإنه هو الذي قتل الخوارج لما افترق المسلمون» (٢). وقال الذهبيُّ: «ولا نرتاب أنَّ عليَّاً أفضل ممن حاربه، وأنه أولى بالحق ﵁» (٣). وقال ابنُ كثيرٍ: «كان عليٌّ وأصحابه أدنى الطائفتين إلى الحق من أصحاب معاوية، وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم، كما ثبت في صحيح مسلم (٤) من حديث أبى سعيد الخدري قال: حدثني من هو خير مني - يعني أبا قتادة- أن رسول الله ﷺ قال لعمَّار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية» (٥). وقال أيضاً: «وهذا مقتل عمَّار بن ياسر ﵁ مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، قتله أهل الشام، وبان بذلك وظهر سرُّ ما أخبر به الرسول ﷺ من أنه تقتله الفئة الباغية، وبان بذلك أنَّ عليَّاً محقٌّ، وأن معاوية باغٍ، وما في ذلك من دلائل النبوة» (٦).

стр. 119

وقال: «وفيه (١) أن أصحاب عليٍّ أدنى الطائفتين إلى الحق، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، أن عليَّاً هو المصيب، وإن كان معاوية مجتهداً في قتاله له وقد أخطأ، وهو مأجورٌ إن شاء الله، ولكن عليَّاً هو الإمام المصيب إن شاء الله تعالى» (٢). وقال الحافظ ابن حجر: «وظهر بقتل عمَّار أن الصواب كان مع علي، واتفق على ذلك أهل السنة بعد اختلاف كان في القديم، ولله الحمد» (٣). وأخيرا: فلعلَّ مما استند إليه معاوية ﵁ في كونه كان يرى الحق معه ومع أصحابه، ما سمعه من رسول الله ﷺ حين قال: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس»، فحدَّث معاوية بهذا الحديث على المنبر، فقام مالك بن يخامر السكسكي، فقال: يا أمير المؤمنين! قال معاذ بن جبل: «وهم بالشام»، فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذا يقول: «وهم أهل الشام» (٤). قال ابن كثير: «فحثَّ معاوية بهذا أهل الشام على مناجزة أهل العراق، وإن أهل الشام هم الطائفة المنصورة على من خالفها، وهذا مما كان يحتج به معاوية لأهل الشام في قتالهم أهل العراق» (٥).

стр. 120

هل أصاب عليٌّ ﵁ الحقَّ كاملاً بهذا القتال ؟ مع كون علي ﵁ كان الأقرب إلى الحق -كما تقدَّم-، إلا أن بعض العلماء يرون أنه لم يصب الحق كاملاً، وأن الحق كان مع من اعتزل القتال بالكلية، فإن الإصلاح كان أولى من الاقتتال، وإلا فالاعتزال. قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة -بعد أن قرَّر أن عليَّاً وعسكره أولى بالحق من معاوية وعسكره-: «لكن الفئة الباغية هل يجب قتالها ابتداء قبل أن تبدأ الإمام بالقتال، أم لا تُقاتَل حتى تبدأ بالقتال؟ هذا مما تنازع فيه العلماء، وأكثرهم على القول الثاني، فلهذا كان مذهب أكابر الصحابة والتابعين والعلماء أن ترك عليّ القتال كان أكملَ وأفضلَ وأتمَّ في سياسة الدين والدنيا» (١). ثم اعتذر عن فعل عليٍّ بأنه كان إمام هدى من الخلفاء الراشدين، وأنه فعل ما فعل متأوِّلاً مجتهدا، وقد عَذَرَ النبي ﷺ أسامة بن زيد لما قتل الرجل الذي أشهر إسلامه لما رَفَع عليه السيف، وكذلك عَذَرَ خالد بن الوليد لما قتل من قتل من بني جذيمة، لأنهم لم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، وقالوا: صبئنا؛ لأن ذلك كان تأوُّلا منهما، ومعلوم أن عليَّاً وطلحة والزبير كانوا أفضل من أسامة وخالد وغيرهما، فهم أولى بقبول العذر منهم.

стр. 121

وقال أيضاً: «ولما قال النبي ﷺ عن الحسن: إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين (١)، فمدح الحسن على الإصلاح، ولم يمدح على القتال في الفتنة؛ علمنا أن الله ورسوله كان يحب الإصلاح بين الطائفتين دون الاقتتال. ولما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح في الخوارج: يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة (٢)، وقال: يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق، ورُوِيَ: أولى الطائفتين بالحق (٣) من معاوية وأصحابه؛ أَعْلَمَ أن قتال الخوارج المارقة أهل النهروان الذين قاتلهم علي بن أبي طالب، كان قتالهم مما أمر الله به ورسوله، وكان عليٌّ محموداً مأجوراً مُثاباً على قتاله إياهم. وقد اتفق الصحابة والأئمة على قتالهم، بخلاف قتال الفتنة، فإن النص قد دلَّ على أنَّ ترك القتال فيها كان أفضل، لقوله ﷺ : ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي (٤)، ومثل قوله لمحمد بن مسلمة: هذا لا تضره الفتنة (٥)، فاعتزل محمد بن مسلمة الفتنة، وهو من خيار الأنصار، فلم يقاتل لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء.

стр. 122

وكذلك أكثر السابقين لم يقاتلوا، بل مثل: سعد بن أبي وقاص، ومثل: أسامة بن وزيد، وعبدالله بن عمر، وعمران بن الحصين، ولم يكن في العسكرين -بعد عليٍّ- أفضل من سعد بن أبي وقاص ولم يقاتل، وزيد بن ثابت، ولا أبو هريرة، ولا أبو بكرة، ولا غيرهم من أعيان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وقد قال النبي ﷺ لأُهْبَان بن صَيْفِي: خذ هذا السيف فقاتل به المشركين، فإذا اقتتل المسلمون فاكسره (١)، ففعل ذلك ولم يقاتل في الفتنة. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن (٢). وفي الصحيح عن أسامة، عن النبي ﷺ قال: إني لأرى الفتنة تقع خلال بيوتكم كمواقع القَطْر (٣). والأحاديث عن النبي ﷺ كثيرة في إخباره بما سيكون في الفتنة بين أمته، وأمره بترك القتال في الفتنة، وأنَّ الإمساك عن الدخول فيها خيرٌ من القتال» (٤).

стр. 123

وقال أيضاً: «والفقهاء ليس فيهم من رأيه القتال مع من قتل عمَّارا؛ لكن لهم قولان مشهوران كما كان عليهما أكابر الصحابة: منهم من يرى القتال مع عمَّار وطائفته، ومنهم من يرى الإمساك عن القتال مطلقا. وفي كل من الطائفتين طوائف من السابقين الأولين. ففي القول الأول: عمَّار، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب. وفي الثاني: سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة؛ وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر ونحوهم. ولعل أكثر الأكابر من الصحابة كانوا على هذا الرأي؛ ولم يكن في العسكرين بعد علي أفضل من سعد بن أبي وقاص، وكان من القاعدين.

стр. 124

وحديث عمَّار قد يحتج به من رأى القتال؛ لأنه إذا كان قاتلوه بغاة فالله يقول: ﴿فقاتلوا التي تبغي﴾ والمتمسكون يحتجون بالأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ في أن القعود عن الفتنة خير من القتال فيها، وتقول: إن هذا القتال ونحوه هو قتال الفتنة، كما جاءت أحاديث صحيحة تبين ذلك؛ وأن النبي ﷺ لم يأمر بالقتال، ولم يرض به، وإنما رضي بالصلح، وإنما أمر الله بقتال الباغي، ولم يأمر بقتاله ابتداء، بل قال: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ قالوا: والاقتتال الأول لم يأمر الله به، ولا أمر كل من بُغي عليه أن يقاتل من بَغى عليه، فإنه إذا قَتَل كل باغٍ كفر، بل غالب المؤمنين، بل غالب الناس: لا يخلو من ظلم وبغي، ولكن إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين فالواجب الإصلاح بينهما، وإن لم تكن واحدة منهما مأمورة بالقتال، فإذا بغت الواحدة بعد ذلك قُوتِلت؛ لأنها لم تترك القتال، ولم تجب إلى الصلح، فلم يندفع شرها إلا بالقتال. فصار قتالها بمنزلة قتال الصائل الذي لا يندفع ظلمه عن غيره إلا بالقتال، كما قال النبي ﷺ : من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون حرمته فهو شهيد. قالوا: فبتقدير أن جميع العسكر بغاة فلم نؤمر بقتالهم ابتداء، بل أمرنا بالإصلاح بينهم، وأيضاً: فلا يجوز قتالهم إذا كان الذين معهم ناكلين عن القتال، فإنهم كانوا كثيري الخلاف عليه، ضعيفي الطاعة له» (١). وقال ابن كثير: «وكان ترك القتال أولى من فعله، كما هو مذهب جمهور الصحابة» (٢).

стр. 125

وقال الحافظ ابن حجر: «واستدل به -أي: بحديث: إن ابني هذا سيد- على تصويب رأي من قعد عن القتال مع معاوية وعلي، وإن كان علي أحق بالخلافة وأقرب إلى الحق، وهو قول سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وسائر من اعتزل تلك الحروب» (١). إعذار أهل السنة لمعاوية ﵁ ومن معه، وإمساكهم عن الكلام فيهم: مع تصويب أهل السنة لموقف علي ﵁، وتخطئتهم لموقف معاوية ﵁ ومن معه، إلا أنهم جميعاً التمسوا العذر لمعاوية، ورأوه مجتهداً أخطأ في اجتهاده، فهو معذور، مأجور، لكونه أهلاً للاجتهاد. قال أبو الحسن الأشعري: «فأما ما جرى من علي والزبير وعائشة ﵃ أجمعين، فإنما كان على تأويل واجتهاد، وعليٌّ الإمام، وكلهم من أهل الاجتهاد، وقد شهد لهم النبي ﷺ بالجنة والشهادة، فدلَّ على أنهم كلهم كانوا على حقٍّ في اجتهادهم، وكذلك ما جرى بين سيدنا علي ومعاوية ﵄، فدل على تأويل واجتهاد. وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين، وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم، وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم، والتبري من كل من ينقص أحدا منهم ﵃ أجمعين» (٢). وقال أبو المعالي الجويني: «علي ﵁ كان إماماً حقاً في توليته، ومقاتلوه بغاة، وحسن الظن بهم يقتضي أن يُظن بهم قصد الخير، وإن أخطئوه» (٣). وقال ابن حزم: «وإنما قَتَل عمَّار ﵁ أصحابُ معاوية ﵁، وكانوا متأولين تأويلهم فيه، وإن أخطئوا الحق مأجورون أجرا واحدا؛ لقصدهم الخير» (٤).

стр. 126

وقال البيهقي: «باب الدليل على أن الفئة الباغية، لا تخرج بالبغي عن تسمية الإسلام، وقال الشافعي: سماهم الله تعالى بالمؤمنين, وأمر بالإصلاح بينهم» (١). ثم ساق البيهقي حديث: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة , ودعواهما واحدة». قال ابن كثير: «وحمل البيهقي هذه الوقعة -يعني: وقعة صفِّين- على الحديث الذي أخرجاه في الصحيحين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يقتل بينهما مقتلة عظيمة، ودعواهما واحدة» (٢). وقال ابن العربي: «والذي تثلج به صدوركم: أن النبي ﷺ ذكر في الفتن، وأشار وبيَّن، وأنذر بالخوارج وقال: تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق، فبين أن كل طائفة منهما تتعلق بالحق، ولكن طائفة عليٍّ أدنى إليه، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فلم يخرجهم عن الإيمان بالبغي بالتأويل، ولا سلبهم اسم الأخوة» (٣). وقال القرطبي: «لا يجوز أن يُنسب إلى أحد من الصحابة خطأٌ مقطوعٌ به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله ، وهم كلهم لنا أئمة» (٤). وقال النووي: «قال العلماء: هذا الحديث -يعني: حديث الفئة الباغية- حجة ظاهرة في أن عليَّاً ﵁ كان محقاً مصيباً، والطائفة الأخرى بغاة، لكنهم مجتهدون فلا إثم عليهم لذلك» (٥).

стр. 127

وقال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «وليس في كون عمَّار تقتله الفئة الباغية ما ينافي ما ذكرناه، فإنه قد قال الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ فقد جعلهم مع وجود الاقتتال والبغي مؤمنين إخوة، بل مع أمره بقتال الفئة الباغية جعلهم مؤمنين. وليس كل ما كان بغياً وظلماً أو عدواناً يخرج عموم الناس عن الإيمان، ولا يوجب لعنتهم، فكيف يخرج ذلك من كان من خير القرون؟ وكل من كان باغياً، أو ظالماً، أو معتدياً، أو مرتكباً ما هو ذنب فهو قسمان: متأوِّل، وغير متأوِّل، فالمتأوِّل المجتهد: كأهل العلم والدين الذين اجتهدوا، واعتقد بعضهم حلَّ أمور، واعتقد الآخر تحريمها، كما استحل بعضُهم بعضَ أنواع الأشربة، وبعضُهم بعضَ المعاملات الربوية، وبعضُهم بعضَ عقود التحليل والمتعة، وأمثال ذلك، فقد جرى ذلك وأمثاله من خيار السلف. فهؤلاء المتأولون المجتهدون غايتهم أنهم مخطئون، وقد قال الله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء. وقد أخبر سبحانه عن داود وسليمان ﵉ إنما حكما في الحرث، وخص أحدهما بالعلم والحكم، مع ثنائه على كل منهما بالعلم والحكم. والعلماء ورثة الأنبياء، فإذا فهم أحدهم من المسألة ما لم يفهمه الآخر لم يكن بذلك ملوماً، ولا مانعاً لما عرف من علمه ودينه، وإن كان ذلك مع العلم بالحكم يكون إثماً وظلماً، والإصرار عليه فسقاً، بل متى علم تحريمه ضرورة كان تحليله كفراً. فالبغي هو من هذا الباب.

стр. 128

أما إذا كان الباغي مجتهداً ومتأوِّلاً، ولم يتبين له أنه باغٍ، بل اعتقد أنه على الحق وإن كان مخطئاً في اعتقاده: لم تكن تسميته باغياً موجبة لإثمه، فضلاً عن أن توجب فسقه. والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين يقولون: مع الأمر بقتالهم قتالنا لهم لدفع ضرر بغيهم، لا عقوبة لهم، بل للمنع من العدوان. ويقولون: إنهم باقون على العدالة، لا يُفسَّقون. ويقولون هم كغير المكلف، كما يمنع الصبي والمجنون والناسي والمغمى عليه والنائم من العدوان أن لا يصدر منهم، بل تمنع البهائم من العدوان. ويجب على من قتل مؤمناً خطأ الدية بنص القرآن مع أنه لا إثم عليه في ذلك، وهكذا من رفع إلى الإمام من أهل الحدود وتاب بعد القدرة عليه فأقام عليه الحد، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والباغي المتأوِّل يجلد عند مالك والشافعي وأحمد ونظائره متعددة. ثم بتقدير أن يكون البغي بغير تأويل: يكون ذنباً، والذنوب تزول عقوبتها بأسباب متعددة: بالحسنات الماحية، والمصائب المكفِّرة، وغير ذلك» (١). وقال أيضا: «وأهل السنة والجماعة متفقون على أن المعروفين بالخير، كالصحابة المعروفين وغيرهم من أهل الجمل وصفِّين من الجانبين، لا يُفسَّقُ أحدٌ منهم، فضلاً عن أن يكفر، حتى عدى ذلك من عداه من الفقهاء إلى سائر أهل البغي، فإنهم مع إيجابهم لقتالهم منعوا أن يحكم بفسقهم لأجل التأويل، كما يقول هؤلاء الأئمة: إن شارب النبيذ المتنازع فيه متأوِّلاً لا يُجلَد ولا يُفسَّق» (٢).

стр. 129

وقال ابن كثير: «ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم، كما يحاوله جهلة الفرق الضالة; لأنهم وإن كانوا بغاة في نفس الأمر، فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال، وليس كل مجتهد مصيباً، بل المصيب له أجران، والمخطئ له أجر، ومن زاد في هذا الحديث بعد قوله: تقتلك الفئة الباغية: لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة، فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله ﷺ ; فإنه لم يقلها إذ لم تنقل من طريق تقبل. والله أعلم. وأما قوله ﷺ : يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، فإن عمَّارا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الألفة واجتماع الكلمة، وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به، وأن يكون الناس أوزاعاً، على كل قطر إمامٌ برأسه، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة، واختلاف الأمة، فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم، وإن كانوا لا يقصدونه. والله أعلم» (١). وقال أيضا: «وأمَّا ما شجر بينهم بعده ﵊، فمنه ما وقع عن غير قصد، كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد، كيوم صفِّين. والاجتهاد يخطئ ويصيب، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ، ومأجور أيضاً، وأما المصيب فله أجران اثنان» (٢). وقال أيضا: «ومعاوية معذور عند جمهور العلماء سلفاً وخلفاً، وقد شهدت الأحاديث الصحيحة بالإسلام للفريقين من الطرفين; أهل العراق وأهل الشام» (٣). وقال الحافظ ابن حجر: «وذهب جمهور أهل السنة إلى تصويب من قاتل مع علي، لامتثال قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ الآية، ففيها الأمر بقتال الفئة الباغية، وقد ثبت أن من قاتل عليَّاً كانوا بغاة، وهؤلاء مع هذا التصويب متفقون على أنه لا يُذمُّ واحدٌ من هؤلاء، بل يقولون: اجتهدوا فأخطئوا» (٤).

стр. 130

قلتُ (أحمد): بل إن عليَّاً نفسه وبعض الصحابة معه كانوا أولَ الناس التماسا للعذر لمن قاتلوهم، فلم يكفِّروهم، أو يلعنوهم. فعن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: «بينما عليٌّ آخذ بيد عديِّ بن حاتم وهو يطوف في القتلى، إذ مر برجل عرفته، فقلت: يا أمير المؤمنين, عهدي بهذا وهو مؤمن، قال: والآن؟» (١). وعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: أخبرني رجل شهد صفِّين قال: «رأيت عليَّاً خرج في بعض تلك الليالي , فنظر إلى أهل الشام فقال: اللهم اغفر لي ولهم» (٢). وعن يزيد بن الأصم قال: «سُئل علي عن قتلى يوم صفِّين, فقال: قتلانا وقتلاهم في الجنة, ويصير الأمر إليَّ وإلى معاوية» (٣). وعن رياح بن الحارث، قال: «كنت إلى جنب عمَّار بن ياسر بصفِّين, وركبتي تمس ركبته, فقال رجل: كفر أهل الشام, فقال عمَّار: لا تقولوا ذلك، نبينا ونبيهم واحد, وقبلتنا وقبلتهم واحدة; ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق, فحقٌّ علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه» (٤).

стр. 131

وعن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل -وكان من أفضل أصحاب عبد الله بن مسعود- قال: «رأيتُ في المنام كأني أُدخلت الجنة, فرأيت قباباً مضروبة, فقلت: لمن هذه؟ فقيل: هذه لذي الكلاع وحوشب, وكانا ممن قُتل مع معاوية يوم صفِّين, قال: قلت: فأين عمَّار وأصحابه؟ قالوا: أمامك، قلت: وكيف وقد قتل بعضهم بعضاً؟ قال: قيل: إنهم لقوا الله فوجدوه واسع المغفرة» (١). ومن ثَمَّ تقرر عند أهل السنة الإمساك عن الكلام فيما شَجَر بين هؤلاء الصحابة الأفاضل، وعدم الخوض في ذلك إلا بما هو لائقٌ بهم، وهذه نصوصهم ناطقةٌ بما في قلوبهم؛ ومنها: عن يزيد بن بشر الكلبي قال: «سُئِل عمر بن عبد العزيز عن علي, وعثمان, والجمل, وصفِّين, وما كان بينهم, فقال: تلك دماء كفَّ الله يدي عنها, وأنا أكره أن أغمس لساني فيها» (٢). قال البيهقيُّ -مُعلِّقاً على قول عمر بن عبد العزيز-: «هذا حسنٌ جميل، لأن سكوت الرجل عما لا يعنيه هو الصواب» (٣).

стр. 132

وقال أبو بكر المرُّوذي: «قيل لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية؟ فقال أبو عبدالله: ما أقول فيهم إلا الحسنى» (١). وقال المرُّوذي: «وسمعت أبا عبدالله، وذُكر له أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: ﵏ أجمعين، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري، والمغيرة، كلهم وصفهم الله تعالى في كتابه فقال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾» (٢). وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؛ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار، حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً، فكان من مذهبهم: الإيمان قولٌ وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، والقدر خيره وشره من الله ، وخير هذه الأمة بعد نبيها ﵊: أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، ﵈، وهم الخلفاء الراشدون المهديون، وأن العشرة الذين سماهم رسول الله وشهد لهم بالجنة على ما شهد به رسول الله وقوله الحق، والترحم على جميع أصحاب محمد، والكفُّ عما شجر بينهم» (٣). وقال الآجرِّي: «باب ذكر الكفِّ عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ورحمة الله عليهم أجمعين: ينبغي لمن تدبر ما رسمنا من فضائل أصحاب رسول الله ﷺ وفضائل أهل بيته، ﵃ أجمعين، أن يحبهم، ويترحم عليهم، ويستغفر لهم، ويتوسل إلى الله الكريم لهم، أي: بالدعاء والترحم والاستغفار والترضي، ويشكر الله العظيم إذ وفقه لهذا، ولا يذكر ما شجر بينهم، ولا ينقِّر عنه ولا يبحث.

стр. 133

فإن عارضنا جاهلٌ مفتونٌ قد خطي به عن طريق الرشاد فقال: لم قاتل فلان لفلان؟ ولم قتل فلان لفلان وفلان؟! قيل له: ما بنا وبك إلى ذكر هذا حاجة تنفعنا ولا تضرنا إلى علمها. فإن قال قائل: ولم؟ قيل: لأنها فتن شاهدها الصحابة ﵃ فكانوا فيها على حسب ما أراهم العلم بها، وكانوا أعلم بتأويلها من غيرهم، وكانوا أهدى سبيلاً ممن جاء بعدهم لأنهم أهل الجنة، عليهم نزل القرآن، وشاهدوا الرسول ﷺ وجاهدوا معه، وشهد لهم الله بالرضوان والمغفرة والأجر العظيم، وشهد لهم الرسول ﷺ أنهم خير القرون، فكانوا بالله أعرف، وبرسوله ﷺ وبالقرآن وبالسنة، ومنهم يؤخذ العلم، وفي قولهم نعيش، وبأحكامهم نحكم، وبأدبهم نتأدب، ولهم نتبع، وبهذا أُمرنا. فإن قال قائل: وأيش الذي يضرنا من معرفتنا لما جرى بينهم والبحث عنه؟ قيل له: لا شك فيه، وذلك أن عقول القوم كانت أكبر من عقولنا، وعقولنا أنقص بكثير، ولا نأمن أن نبحث عما شجر بينهم فنزل عن طريق الحق، ونتخلف عما أُمرنا فيهم. فإن قال قائل: وبم أُمرنا فيهم؟ قيل: أُمرنا بالاستغفار لهم، والترحم عليهم، والمحبة لهم، والاتباع لهم، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول أئمة المسلمين، وما بنا حاجة إلى ذكر ما جرى بينهم، قد صحبوا الرسول ﷺ وصاهرهم وصاهروه، فبالصحبة له يغفر الله الكريم لهم، وقد ضمن الله لهم في كتابه ألا يخزي منهم واحداً، وقد ذكر لنا الله تعالى في كتابه أن وصفهم في التوراة والإنجيل فوصفهم بأجمل الوصف، ونعتهم بأحسن النعت، وأخبرنا مولانا الكريم أنه قد تاب عليهم، وإذا تاب عليهم لم يعذب واحدا منهم أبدا، ﵃ ورضوا عنه ﴿أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾.

стр. 134

فإن قال قائل: إنما مرادي من ذلك لأن أكون عالماً بما جرى بينهم، فأكون لم يذهب عليَّ ما كانوا فيه، لأني أحب ذلك ولا أجهله. قيل له: أنت طالب فتنة، لأنك تبحث عما يضرك ولا ينفعك، ولو اشتغلت بإصلاح ما لله عليك فيما تعبدك به من أداء فرائضه واجتناب محارمه؛ كان أولى بك، وقيل له: ولاسيما في زماننا هذا مع قبح ما قد ظهر فيه من الأهواء الضالة (١). وقيل له: اشتغالك بمطعمك وملبسك من أين؟ هو أولى بك، وتمسكك بدرهمك من أين هو؟ وفيم تنفقه؟ أولى بك. وقيل: لا نأمل أن تكون بتنقيرك وبحثك عما شجر بين القوم إلى أن يميل قلبك، فتهوى ما يصلح لك أن تهواه، ويلعب بك الشيطان؛ فتسب وتبغض من أمرك الله بمحبته والاستغفار له وباتباعه، فتزل عن طريق الحق، وتسلك طريق الباطل» (٢). وقال ابن أبي زيد القيرواني: «وأن لا يُذكرَ أحدٌ من صحابة الرسول ﷺ إلا بأحسن ذكر، والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس، أن يُلتمس لهم أحسن المخارج، ويُظن بهم أحسن المذاهب» (٣). وقال أبو نعيم الأصبهاني: «فالواجب على المسلمين في أصحاب رسول الله ﷺ : إظهار ما مدحهم الله تعالى به، وشكرهم عليه، من جميل أفعالهم وجميل سوابقهم، وأن يغضوا عما كان منهم في حال الغضب والإغفال، وفرط منهم عند استزلال الشيطان إياهم، ونأخذ في ذكرهم بما أخبر الله تعالى به؛ فقال تعالى: ﴿وَالَّذين جَاءُوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان﴾ الْآيَة.

стр. 135

فإن الهفوة والزلل والغضب والحدة والإفراط لا يخلو منه أحد، وهو لهم غفور، ولا يوجب ذلك البراء منهم، ولا العداوة لهم، ولكن يحب على السابقة الحميدة، ويتولى للمنقبة الشريفة» (١). وقال القرطبي: «وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة ولنهي النبي ﷺ عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم» (٢). وقال ابن قدامة المقدسي: «ومن السنة تولي أصحاب رسول الله ﷺ ، ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم. واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم» (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «ولهذا كان من مذهب أهل السنة: الإمساك عما شَجَرَ بين الصحابة، فإنه قد ثبتت فضائلهم، ووجبت موالاتهم ومحبتهم» (٤). وقال الذهبي: «ولا نذكر أحدا من الصحابة إلا بخير، ونترضى عنهم، ونقول: هم طائفة من المؤمنين بغت على الإمام علي، وذلك بنص قول المصطفى ﷺ لعمَّار: تقتلك الفئة الباغية، فنسأل الله أن يرضى عن الجميع، وألا يجعلنا ممن في قلبه غل للمؤمنين» (٥). وقال ابن الوزير اليماني: «والكلام فيما شجر بين الصحابة مما كثر فيه المراء والعصبية، مع قلة الفائدة في كثير منه» (٦).

стр. 136

وقال الحافظ ابن حجر: «واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك، ولو عُرِف المُحِقُّ منهم، لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا، وأن المصيب يؤجر أجرين» (١). وقال الشوكاني -في جواب من سأله عن مذهب أهل الحقِّ في شأن ما شجر بين الصحابة ﵃ في الخلافة-: «إنْ كان هذا السائل طالباً للنجاة، مستفهماً عن أقرب الأقوال إلى مطابقة مراد مولاه، كما يُشعر بذلك تصرفه في سؤاله؛ فلْيدَعْ الاشتغال بهذه الأمر، ويترك المرور في هذا المضيق الذي تاهت فيه الأفكار، وتحيَّرت عنده أفكار أهل الأنظار، فإن هؤلاء الذين تبحث عن حوادثهم، وتتطلَّع لمعرفة ما شجر بينهم، قد صاروا تحت أطباق الثرى، ولقوا ربهم في المئة الأولى من البعثة، وها نحن الآن في المئة الثالثة عشر، فما بالنا والاشتغال بهذا الشأن الذي لا يعنينا؟! ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وأي فائدة لنا في الدخول في الأمور التي فيها ريبة؟! وقد أُرشدنا إلى أن ندع ما يريبنا إلى ما لا يريبنا، ويكفينا من تلك القلاقل والزلازل أن نعتقد أنهم خير القرون، وأفضل الناس» (٢). إلى أن قال: «فرحم الله امرأً اشتغل بما أوجبه الله عليه وطلبه منه، وترك ما لا يعود عليه بنفعٍ في الدنيا ولا في الآخرة، بل يعود عليه بالضر، .... ، ومن ظنَّ خلاف هذا فهو مغرورٌ، مخدوعٌ، قاصر الباع عن إدراك الحقائق ومعرفة الحق على وجهه، كائناً من كان» (٣).

стр. 137

معركة النَّهْرَوَان (١): كان من جرَّاء قبول علي ﵁ الصلح مع معاوية، ووقف القتال، والسعي في الوصول لما فيه حفظٌ لدماء المسلمين؛ أثرٌ سيءٌ على طائفة الخوارج التي كانت تقاتل مع علي.

стр. 138

يقول ابن كثير: «والحكمان كانا من خيار الصحابة، وهما: عمرو بن العاص السهمي من جهة أهل الشام، والثاني: أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري، من جهة أهل العراق، وإنما نصبا ليصلحا بين الناس، ويتفقا على أمر فيه رفق بالمسلمين، وحقن لدمائهم، وكذلك وقع، ولم يضل بسببهما إلا فرقة الخوارج، حيث أنكروا على الأميرين التحكيم، وخرجوا عليهما وكفَّروهما، حتى قاتلهم علي بن أبي طالب، وناظرهم ابن عباس (١)،

стр. 139

فرجع منهم شرذمة إلى الحق، واستمر بقيتهم حتى قتل أكثرهم بالنهروان وغيره من المواقف المرذولة عليهم» (١). قلتُ (أحمد): لم تقتصر هذه الفرقة الخارجة على عنادها، بل أخذوا يطعنون في عليٍّ ويُشغِّبون عليه، وامتدت أيديهم لسفك دماء بعض المسلمين بغير وجه حق، كعبدالله بن خباب بن الأرت ﵁ (٢)، عندها خرج عليٌ لقتالهم، فقتلهم (٣)، وكان عليٌ في ذلك القتال على حالة تختلف عن حالته في قتال الجمل وصفِّين. يقول شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «وقد ثبت اتفاق الصحابة على قتالهم - يعني: الخوارج -، وقاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وذكر فيهم سنة رسول الله ﷺ المتضمنة لقتالهم، وفرح بقتلهم، وسجد لله شكرا لما رأى أباهم مقتولا، وهو ذو الثدية، بخلاف ما جرى يوم الجمل وصفِّين؛ فإن عليَّاً لم يفرح بذلك، بل ظهر منه من التألم والندم ما ظهر، ولم يذكر عن النبي ﷺ في ذلك سنة، بل ذكر أنه قاتَلَ باجتهاده» (٤).

стр. 140

التخطيط لقتل عليٍّ، ومعاوية، وعمرو ﵃ -: لم تمر معركة النَّهْرَوان هيِّنةً على نفوس من بقي من الخوارج، بل تركت فيهم جرحا غائرا، زاده إيلاما: شرُّ نفوسِهم مع مرور الأيام عليهم، فبدؤوا يفكرون في طريقة للثأر ممن كانوا سببا فيما وقع لهم، ومن هنا بدأت المؤامرة. فعن إسماعيل بن راشد قال: «اجتمع عبدُالرحمنِ بن مُلْجَم، والبُرَك بن عبدالله، وعمرو بن بكر التميمي، فتذاكروا أمر الناس، وعابوا على ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهر، فترحَّموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا! إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم، فأرحنا منهم البلاد، وثأرنا بهم إخواننا! فقال ابن ملجم -وكان من أهل مصر-: أنا أكفيكم عليَّ بن أبي طالب، وقال البرك بن عبدالله: أنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان، وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم، فسمّوها، واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه الذي توجه إليه، وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه الذي يطلب

стр. 141

فأما ابن ملجم المرادي فكان عداده في كندة، فخرج فلقي أصحابه بالكوفة، وكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شيئا من أمره، فإنه رأى ذات يوم أصحابا من تيم الرباب- وكان علي قتل منهم يوم النهر عشرة- فذكروا قتلاهم، ولقي من يومه ذلك امرأة من تيم الرباب يقال لها: قطام ابنة الشجنه- وقد قتل أباها وأخاها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال- فلما رآها التبست بعقله، ونسي حاجته التي جاء لها، ثم خطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشفي لي، قال: وما يشفيك؟ قالت: ثلاثة آلاف، وعبد، وقينة، وقتل علي بن أبي طالب، قال: هو مهر لك، فأما قتل علي فلا أراك ذكرته لي وأنت تريديني! قالت: بلى، التمس غرته، فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي، ويهنئك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وزينتها وزينه أهلها، قال: فو الله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي، فلك ما سألت قالت: إني أطلب لك من يسند ظهرك، ويساعدك على أمرك.

стр. 142

فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال له: وردان، فكلمته فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة، فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل علي بن أبي طالب، قال: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئا إدا، كيف تقدر على علي! قال: أكمن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا، وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها، قال: ويحك! لو كان غير علي لكان أهون علي، قد عرفت بلاءه في الإسلام، وسابقته مع النبي ﷺ ، وما أجدني أنشرح لقتله، قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهر العباد الصالحين! قال: بلى، قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه، فجاءوا قطام- وهي في المسجد الأعظم معتكفة- فقالوا لها: قد أجمع رأينا على قتل علي، قالت: فإذا أردتم ذلك فأتوني، ثم عاد إليها ابن ملجم في ليلة الجمعة التي قتل في صبيحتها علي -سنة أربعين- فقال: هذه الليلة التي واعدت فيها صاحبي أن يقتل كل منا صاحبه، فدعت لهم بالحرير فعصبتهم به، وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج ضربه شبيب بالسيف. فوقع سيفه بعضادة الباب أو الطاق، وضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف.

стр. 143

وهرب وردان حتى دخل منزله، فدخل عليه رجل من بني أبيه وهو ينزع الحرير عن صدره، فقال: ما هذا الحرير والسيف؟ فأخبره بما كان وانصرف، فجاء بسيفه فعلا به وردان حتى قتله، وخرج شبيب نحو أبواب كندة في الغلس، وصاح الناس، فلحقه رجل من حضرموت يقال له عويمر، وفي يد شبيب السيف، فأخذه، وجثم عليه الحضرمي، فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه، وسيف شبيب في يده، خشي على نفسه، فتركه، ونجا شبيب في غمار الناس، فشدوا على ابن ملجم فأخذوه، إلا أن رجلا من همدان يكنى أبا أدماء أخذ سيفه فضرب رجله، فصرعه، وتأخر علي، ورفع في ظهره جعدة بن هبيرة بن أبي وهب، فصلى بالناس الغداة، ثم قال علي: عليَّ بالرجل، فأدخل عليه، ثم قال: أي عدو الله، ألم أحسن إليك! قال: بلى، قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، فقال علي: لا أراك إلا مقتولا به، ولا أراك إلا من شر خلقه (١). وأما البُرَك بن عبد الله، فإنه في تلك الليلة التي ضُرب فيها علي قعد لمعاوية، فلما خرج ليصلي الغداة شد عليه بسيفه، فوقع السيف في أليته، فأخذ، فقال: إن عندي خيرا أسُرُّك به، فإن أخبرتك فنافعي ذلك عندك؟ قال: نعم، قال: إن أخا لي قتل عليَّاً في مثل هذه الليلة، قال: فلعله لم يقدر على ذلك! قال: بلى، إن عليَّاً يخرج ليس معه من يحرسه، فأمر به معاوية فقُتل.

стр. 144

وبعث معاوية إلى الساعدي- وكان طبيباً- فلما نظر إليه قال: اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد، وتبرأ منها، فإن ضربتك مسمومة، فقال معاوية: أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد فإن في يزيد وعبد الله ما تقر به عيني، فسقاه تلك الشربة فبرأ، ولم يولد له بعدها، وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات، وحرس الليل، وقيام الشرطه على رأسه إذا سجد. وأما عمرو بن بكر، فجلس لعمرو بن العاص تلك الليلة، فلم يخرج، وكان اشتكى بطنه، فأمر خارجة بن حذافة، وكان صاحب شرطته، وكان من بني عامر بن لؤي، فخرج ليصلي، فشد عليه وهو يرى أنه عمرو، فضربه فقتله، فأخذه الناس، فانطلقوا به إلى عمرو يسلمون عليه بالإمرة، فقال: من هذا؟ قالوا: عمرو، قال: فمن قتلت؟ قالوا: خارجة بن حذافة، قال: أما والله يا فاسق ما ظننته غيرك، فقال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة، فقدمه عمرو فقتله» (١). وقد جاءت رواية أخرى بيَّنت أن إصابة معاوية ﵁ كانت وهو في الصلاة، وتحديدا بعد الركعة الأولى من صلاة الصبح. فعن خالد بن عبدالله بن رباح السلمي: «أنه صلَّى مع معاوية يوم طعن بإيلياء ركعة، وطعن معاوية حين قضاها، فما زاد أن يرفع رأسه من سجوده، فقال معاوية للناس: أتموا صلاتكم. فقام كل امرئ فأتم صلاته، ولم يقدم أحدا، ولم يقدمه الناس» (٢). ويبدو أن إصابة معاوية كانت خطيرة، حتى ظن بعض الصحابة ممن رأوه أنه مقتولٌ بها.

стр. 145

فعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: «كنا مع سعد بن أبي وقاص في ركب، فنزل سعد ونزلت، واغتنمت نزوله فجعلت أمشي إلى جانبه، فحمدت الله، وأثنيت عليه، وقلتُ: إن معاوية طعن طعنا بيننا، لا أراها إلا قاتلته، وإن الناس قاتلون بقية أصحاب الشورى وبقية أصحاب رسول الله ﷺ ، فأنشدك الله إن وليت شيئا من أمرهم، أو تشق عصاهم، وأن تفرق جمعهم، أو تدعهم إلى أمر هلكة. فحمد سعدٌ الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فوالله لا أشق عصاهم، ولا أفرق جمعهم، ولا أدعهم إلى أمر هلكة حتى يأتوني بسيف يقول: يا سعد، هذا مؤمن فدعه، وهذا كافر فاقتله. قال جندب: فعلمت أنه لا يدخل في شيء مما غيرا» (١). استقبال معاوية خبر مقتل عليٍّ: عن مغيرة الضبي قال: «لما جاء قتل علي إلى معاوية جعل يبكي ويسترجع، فقالت له امرأته: تبكي عليه وقد كنت تقاتله؟ فقال لها: ويحك، إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم» (٢). وبمقتل علي ﵁ أُسدل الستار على فترة عصيبة من تاريخ هذه الأمة المباركة، وبدأت لوائح استقرار أوضاع البلاد تظهر في الأفق، خاصة بعد أن آل أمر الخلافة إلى الحسن بن علي ﵁، والذي أثنى عليه النبي ﷺ من صغره -كما سيأتي-، ولم تزل الأمة تحمد له فعله، وتضرب المثل بزهده وعفوه، وحسن تصرُّفه وجميل موقفه، والذي تمخَّض عنه بعد ذلك: ميلادُ خلافة معاوية ﵁.
следующие страницы →