← Тараджим

Тараджим · id 609

فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان

أحمد الجابري

Полный текст (314 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فأما ابن ملجم المرادي فكان عداده في كندة، فخرج فلقي أصحابه بالكوفة، وكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شيئا من أمره، فإنه رأى ذات يوم أصحابا من تيم الرباب- وكان علي قتل منهم يوم النهر عشرة- فذكروا قتلاهم، ولقي من يومه ذلك امرأة من تيم الرباب يقال لها: قطام ابنة الشجنه- وقد قتل أباها وأخاها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال- فلما رآها التبست بعقله، ونسي حاجته التي جاء لها، ثم خطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشفي لي، قال: وما يشفيك؟ قالت: ثلاثة آلاف، وعبد، وقينة، وقتل علي بن أبي طالب، قال: هو مهر لك، فأما قتل علي فلا أراك ذكرته لي وأنت تريديني! قالت: بلى، التمس غرته، فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي، ويهنئك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وزينتها وزينه أهلها، قال: فو الله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي، فلك ما سألت قالت: إني أطلب لك من يسند ظهرك، ويساعدك على أمرك.

стр. 142

فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال له: وردان، فكلمته فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة، فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل علي بن أبي طالب، قال: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئا إدا، كيف تقدر على علي! قال: أكمن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا، وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها، قال: ويحك! لو كان غير علي لكان أهون علي، قد عرفت بلاءه في الإسلام، وسابقته مع النبي ﷺ ، وما أجدني أنشرح لقتله، قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهر العباد الصالحين! قال: بلى، قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه، فجاءوا قطام- وهي في المسجد الأعظم معتكفة- فقالوا لها: قد أجمع رأينا على قتل علي، قالت: فإذا أردتم ذلك فأتوني، ثم عاد إليها ابن ملجم في ليلة الجمعة التي قتل في صبيحتها علي -سنة أربعين- فقال: هذه الليلة التي واعدت فيها صاحبي أن يقتل كل منا صاحبه، فدعت لهم بالحرير فعصبتهم به، وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج ضربه شبيب بالسيف. فوقع سيفه بعضادة الباب أو الطاق، وضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف.

стр. 143

وهرب وردان حتى دخل منزله، فدخل عليه رجل من بني أبيه وهو ينزع الحرير عن صدره، فقال: ما هذا الحرير والسيف؟ فأخبره بما كان وانصرف، فجاء بسيفه فعلا به وردان حتى قتله، وخرج شبيب نحو أبواب كندة في الغلس، وصاح الناس، فلحقه رجل من حضرموت يقال له عويمر، وفي يد شبيب السيف، فأخذه، وجثم عليه الحضرمي، فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه، وسيف شبيب في يده، خشي على نفسه، فتركه، ونجا شبيب في غمار الناس، فشدوا على ابن ملجم فأخذوه، إلا أن رجلا من همدان يكنى أبا أدماء أخذ سيفه فضرب رجله، فصرعه، وتأخر علي، ورفع في ظهره جعدة بن هبيرة بن أبي وهب، فصلى بالناس الغداة، ثم قال علي: عليَّ بالرجل، فأدخل عليه، ثم قال: أي عدو الله، ألم أحسن إليك! قال: بلى، قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، فقال علي: لا أراك إلا مقتولا به، ولا أراك إلا من شر خلقه (١). وأما البُرَك بن عبد الله، فإنه في تلك الليلة التي ضُرب فيها علي قعد لمعاوية، فلما خرج ليصلي الغداة شد عليه بسيفه، فوقع السيف في أليته، فأخذ، فقال: إن عندي خيرا أسُرُّك به، فإن أخبرتك فنافعي ذلك عندك؟ قال: نعم، قال: إن أخا لي قتل عليَّاً في مثل هذه الليلة، قال: فلعله لم يقدر على ذلك! قال: بلى، إن عليَّاً يخرج ليس معه من يحرسه، فأمر به معاوية فقُتل.

стр. 144

وبعث معاوية إلى الساعدي- وكان طبيباً- فلما نظر إليه قال: اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد، وتبرأ منها، فإن ضربتك مسمومة، فقال معاوية: أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد فإن في يزيد وعبد الله ما تقر به عيني، فسقاه تلك الشربة فبرأ، ولم يولد له بعدها، وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات، وحرس الليل، وقيام الشرطه على رأسه إذا سجد. وأما عمرو بن بكر، فجلس لعمرو بن العاص تلك الليلة، فلم يخرج، وكان اشتكى بطنه، فأمر خارجة بن حذافة، وكان صاحب شرطته، وكان من بني عامر بن لؤي، فخرج ليصلي، فشد عليه وهو يرى أنه عمرو، فضربه فقتله، فأخذه الناس، فانطلقوا به إلى عمرو يسلمون عليه بالإمرة، فقال: من هذا؟ قالوا: عمرو، قال: فمن قتلت؟ قالوا: خارجة بن حذافة، قال: أما والله يا فاسق ما ظننته غيرك، فقال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة، فقدمه عمرو فقتله» (١). وقد جاءت رواية أخرى بيَّنت أن إصابة معاوية ﵁ كانت وهو في الصلاة، وتحديدا بعد الركعة الأولى من صلاة الصبح. فعن خالد بن عبدالله بن رباح السلمي: «أنه صلَّى مع معاوية يوم طعن بإيلياء ركعة، وطعن معاوية حين قضاها، فما زاد أن يرفع رأسه من سجوده، فقال معاوية للناس: أتموا صلاتكم. فقام كل امرئ فأتم صلاته، ولم يقدم أحدا، ولم يقدمه الناس» (٢). ويبدو أن إصابة معاوية كانت خطيرة، حتى ظن بعض الصحابة ممن رأوه أنه مقتولٌ بها.

стр. 145

فعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: «كنا مع سعد بن أبي وقاص في ركب، فنزل سعد ونزلت، واغتنمت نزوله فجعلت أمشي إلى جانبه، فحمدت الله، وأثنيت عليه، وقلتُ: إن معاوية طعن طعنا بيننا، لا أراها إلا قاتلته، وإن الناس قاتلون بقية أصحاب الشورى وبقية أصحاب رسول الله ﷺ ، فأنشدك الله إن وليت شيئا من أمرهم، أو تشق عصاهم، وأن تفرق جمعهم، أو تدعهم إلى أمر هلكة. فحمد سعدٌ الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فوالله لا أشق عصاهم، ولا أفرق جمعهم، ولا أدعهم إلى أمر هلكة حتى يأتوني بسيف يقول: يا سعد، هذا مؤمن فدعه، وهذا كافر فاقتله. قال جندب: فعلمت أنه لا يدخل في شيء مما غيرا» (١). استقبال معاوية خبر مقتل عليٍّ: عن مغيرة الضبي قال: «لما جاء قتل علي إلى معاوية جعل يبكي ويسترجع، فقالت له امرأته: تبكي عليه وقد كنت تقاتله؟ فقال لها: ويحك، إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم» (٢). وبمقتل علي ﵁ أُسدل الستار على فترة عصيبة من تاريخ هذه الأمة المباركة، وبدأت لوائح استقرار أوضاع البلاد تظهر في الأفق، خاصة بعد أن آل أمر الخلافة إلى الحسن بن علي ﵁، والذي أثنى عليه النبي ﷺ من صغره -كما سيأتي-، ولم تزل الأمة تحمد له فعله، وتضرب المثل بزهده وعفوه، وحسن تصرُّفه وجميل موقفه، والذي تمخَّض عنه بعد ذلك: ميلادُ خلافة معاوية ﵁.

стр. 146

الفصل الثاني معاوية ﵁ والخلافة خلافة الحسن بن علي ﵁ -: كان عليٌّ ﵁ يستشعر دنوَّ أجله، لكنه مع ذلك لم يعهد لأحد بالخلافة من بعده، ولم يشر على من حوله بشيء، وإنما تركهم ليختاروا لأنفسهم. فعن عبد الله بن سبع، قال: «سمعت عليَّاً يقول: لتخضبن هذه من هذا، فما ينتظر بي الأشقى؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، فأخبرنا به نبير عترته، قال: إذا تالله تقتلون بي غير قاتلي، قالوا: فاستخلف علينا، قال: لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله ﷺ ، قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ قال: أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم» (١). ولما أُصيب علي ﵁ حاول البعض أن يدفعوه لتوليه ابنه الحسن من بعده؛ فلم يستجب لهم. يقول الطبريُّ: «وذُكر أن جندب بن عبد الله دخل على عليٍّ فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين، إنْ فقدناك- ولا نفقدك- فنبايع الحسن؟ فقال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر» (٢). وبعد دفن عليٍّ، سارع أهل الكوفة لمبايعة ولده الحسن على الخلافة من بعده، وكان ذلك سنة أربعين من الهجرة. قال الطبري: «وفي هذه السنة- أعني سنة أربعين- بويع للحسن بن على ﵁ بالخلافة، وقيل: إن أول من بايعه قيس بن سعد، قال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله ، وسنة نبيه، وقتال المحلين، فقال له الحسن ﵁: على كتاب الله وسنة نبيه، فإن ذلك يأتي من وراء كل شرط، فبايعه وسكت، وبايعه الناس» (٣).

стр. 147

بعد أن استتب الأمر للحسن بالكوفة، عزم على التوجه للشام للقاء معاوية ومن ومعه، لكن يبدو أن الحسن ﵁ لم يكن ينوي قتالا هذه المرة، وإنما كان ينوي أمراً آخر لم يتصوره أحد من أتباعه. وقد وردت بعض الروايات التي تفيد أن الحسنَ راسل معاويةَ ليتفقا على تنازله مقابل شروط يشترطها، وأكثر هذه الشروط حول رغبة الحسن في عرض زائل من أعراض الدنيا! كذا زعموا. إلا أن هذه الروايات ضعيفة الإسناد (١)، منكرة المتن، ولا تقاوم الرواية الصحيحة التي فيها نزوع معاوية إلى الصلح، وبدؤه المراسلات مع الحسن لحفظ دماء المسلمين، وزهد الحسن في أمور الدنيا، واقتصاره في طلباته على ما يحتاجه المسلمون، وكذا هو وآل بيته -كما سيأتي لاحقا إن شاء الله-. يقول الحافظ ابن حجر: «المحفوظ أن معاوية هو الذي بدأ بطلب الصلح» (٢). دعوة معاوية للصلح، وتنازل الحسن عن الخلافة: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٣). لم يفهم الحسن -وهو الصبي الصغير- مغزى هذه العبارة وهو يسمعهما من جدِّه ﷺ الذي كان يلقيها وهو ينظر إليه مرة، وإلى الناس مرة، بعد أن أجلسه بجواره على منبره، لتكون شهادة له أمام الجميع، وما أعظمها وأجلَّها من شهادة! لقد مرَّت الأيام على الحسن ﵁، وعبارة جدِّه ﷺ ونظراته له لا تفارق ذهنه، ولعله كان يتساءل بداخله: متى تحين هذه اللحظة؟

стр. 148

لقد شهد الحسن مع أبيه هذه الحروب والقتالات، والمعارك والنزاعات، ورأى هلاك الناس وسفك دمائهم، فعافت نفسه الأبية الشريفة أن يكون مسعرا لأتون حرب مرة أخرى تُزهق فيه أرواح المسلمين، لينال هو في نهاية الأمر خلافة أو إمارة، أو عرضا زائلا من أعراض الدنيا. إذن: لقد حانت اللحظة التي طالما انتظرها الحسن، أن يكون مُصلحا بين فئتين عظيمتين من المسلمين، ولم يعد على وجه الأرض في هذا الزمان من هو أعظم فئة في المسلمين منه ومن ومعاوية. لقد حانت اللحظة ليحقق الحسن نبوءة جدِّه ﵊، وليكون بحقٍّ: سيَّداً (١)، وهو لهذا الوصف أهل، فقد نعته به من لا ينطق عن الهوى، لذا عزم الحسن على المضيِّ في هذه الخطوة بكل ثقة وتصميم. لكن: كيف؟! كيف سيقنع الحسن هؤلاء العشرات من الآلاف خلفه بهذا الصلح والتنازل، وقد اشتعلت في قلوب الكثيرين منهم جذوة الغضب، ونار الانتقام ؟! لقد وفَّق الله الحسن إلى السير على نسق خطوات متتابعة حتى يصل إلى ما يريد؛ وهي: الخطوة الأولى: طلبه من الناس حال بيعته أن يسمعوا له ويطيعوا، ويدخلوا فيما دخل فيه، ويرضوا بما رضي به، ويحاربوا من حارب، ويسالموا من سالم؛ فبايعوه على ذلك. فعن خالد بن مضرب قال: «سمعت الحسن بن علي يقول: والله لا أبايعكم إلا على ما أقول لكم. قالوا: ما هو؟ قال: تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت» (٢).

стр. 149

وعن ميمون بن مهران قال: «إن الحسن بن علي بن أبي طالب بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين: بايعهم على الإمرة، وبايعهم على أن يدخلوا فيما دخل فيه، ويرضوا بما رضي به» (١). وبذلك: هيَّأهم الحسن لقبول أي قول يختاره، وأخذ عليهم العهد على مسالمة من يسالم، وهذا عهد عام، يدخل فيه معاوية وأهل الشام. الخطوة الثانية: تذكير الحسن للناس بفضله ومكانته، فهو أميرهم، وابن بنت نبيهم، وهو أولى الناس أن يُطيعوه، وقد جاء هذا التذكير عقب محاولة اغتيال له بعد تولِّيه الخلافة بقليل. فعن أبي جميلة ميسرة بن يعقوب: «أن الحسن بن علي لما استخلف حين قتل علي، فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر، وحسن ساجد، قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه فمرض منها أشهرا ثم برئ، فقعد على المنبر؛ فقال: يا أهل العراق، اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم، أهل البيت الذين قال الله: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ قال: فما زال يقول ذاك حتى ما يرى أحد من أهل المسجد إلا وهو يخن بكاءً» (٢).

стр. 150

وعن هلال بن يساف قال: «سمعت الحسن بن علي وهو يخطب وهو يقول: يا أهل الكوفة، اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وأنا أضيافكم، ونحن أهل البيت الذين قال الله: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ قال: فما رأيت يوما قط أكثر باكيا من يومئذ» (١). الخطوة الثالثة: خروج الحسن بالجيش من الكوفة، وذلك نزولا على رأيهم. لم يشأ الحسن أن يصطدم بمن معه مبكراً، وأن يفصح لهم عما في نفسه، فلما طلبوا منه الخروج للقاء أهل الشام؛ خرج بهم، ولكن لم تكن نيَّتُه نيَّتَهم. فعن الشعبي، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي السفر، وغيرهم؛ قالوا: «بايع أهل العراق بعد علي بن أبي طالب الحسن بن علي، ثم قالوا له: سر إلى هؤلاء القوم الذين عصوا الله ورسوله، وارتكبوا العظيم، وابتزوا (٢) الناس أمورهم، فإنا نرجو أن يمكن الله منهم. فسار الحسن إلى أهل الشام، وجعل على مقدمته قيس بن سعد بن عبادة، في اثني عشر ألفا» (٣).

стр. 151

يقول ابن كثير: «ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحدا، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعا عظيما لم يُسمع بمثله، فأمَّر الحسن بن علي قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثني عشر ألفا بين يديه، وسار هو بالجيوش في إثره قاصدا بلاد الشام ليقاتل معاوية وأهل الشام، فلما اجتاز بالمدائن نزلها، وقدَّم المقدمة بين يديه» (١). الخطوة الرابعة: استشارة الحسن الأقربين منه في مبادرة معاوية للصلح: تؤكد الروايات الصحيحة أن معاوية هو من بدأ بطلب الصلح، ودفع معاوية لهذا -غير رغبته في وقف القتال، والحفاظ على المسلمين كما سيأتي- أنه آنس من الحسن سماحة ورشدا، وكراهة للحروب والفتن، وقد صادف هذا ما يهواه الحسن ويتمناه، فبدأ باستشارة الأقربين منه.

стр. 152

فعن عمرو بن دينار: «أن معاوية كان يعلم أن الحسن كان أكره الناس للفتنة، فلما توفي عليٌّ بعث إلى الحسن فأصلح الذي بينه وبينه سرا، وأعطاه معاوية عهدا إن حدث به حدث والحسن حي ليسمينه (١)، وليجعلن هذا الأمر إليه، فلما توثق منه الحسن، قال ابن جعفر (٢): والله إني لجالس عند الحسن إذ أخذت لأقوم فجذب بثوبي، وقال: اقعد يا هناه (٣)، اجلس، فجلست، قال: إني قد رأيت رأيا وأحب أن تتابعني عليه، قال: قلت: ما هو؟ قال: قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها، وأخلي بين معاوية وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسقطت فيها الدماء، وقُطِّعت فيها الأرحام، وقُطِّعت السبل، وعُطِّلت الفروج - يعني الثغور- فقال ابن جعفر: جزاك الله عن أمة محمد خيراً، فأنا معك على هذا الحديث، فقال الحسن: ادع لي الحسين. فبعث إلى حسين فأتاه؛ فقال: أي أخي، إني قد رأيت رأيا وإني أحب أن تتابعني عليه، قال: ما هو؟ قال: فقص عليه الذي قال لابن جعفر، قال الحسين: أعيذك بالله أن تُكذِّب عليَّاً في قبره وتصدِّق معاوية، فقال الحسن: والله ما أردت أمرا قط إلا خالفتني إلى غيره، والله لقد هممت أن أقذفك في بيت فأطينه عليك حتى أقضي أمري، قال: فلما رأى الحسين غضبه قال: أنت أكبر ولد عليّ، وأنت خليفته، وأمرنا لأمرك تبع، فافعل ما بدا لك» (٤). الخطوة الخامسة: قبول الحسن مبادرة معاوية، وتنازله له، مع اشتراطه الأمان لمن معه (٥):

стр. 153

قال الحسن البصري: «استقبل -والله- الحسنُ بن علي معاويةَ بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية -وكان والله خير الرجلين-: أي عمرو، إن قَتَل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء؛ من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه، وقولا له: واطلبا إليه، فأتياه، فدخلا عليه فتكلما، وقالا له: فطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال (١)، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها (٢)، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا، قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه» (٣). ثم «قام الحسن فقال: يا أيها الناس إني كنت أكره الناس لأول هذا الحديث، وأنا أصلحت آخره لذي حق أديت إليه حقه أحق به مني، أو حق جُدتُ به لصلاح أمة محمد، وإن الله قد ولَّاك يا معاوية هذا الحديث لخير يعلمه عندك، أو لشر يعلمه فيك، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾، ثم نزل» (٤).

стр. 154

وفي رواية أن معاوية تكلَّم، ثم طلب من الحسن أن يُكلِّم الناس. فعن الشعبي قال: «شهدتُ الحسن بن علي ﵁ بالنخيلة حين صالحه معاوية ﵁، فقال له معاوية: إذا كان ذا فقم فتكلم، وأخبر الناس أنك قد سلَّمت هذا الأمر لي. فقام فخطب على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه - قال الشعبي: وأنا أسمع - ثم قال: أما بعد, فإن أكيس الكيس التقى, وإن أعجز العجز الفجور، ألا وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية حق لامرئ كان أحق به، أو حق لي تركته لمعاوية إرادة إصلاح المسلمين, وحقن دمائهم، ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾ , ثم استغفر ونزل» (١). وكان الحسن يؤكد على سبب تنازله وقبوله الصلح بعد ذلك؛ وهو: رغبته في الحفاظ على دماء المسلمين، وتخوفه من السؤال بين يدي الله؛ فكان يقول: «خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفا، أو ثمانون ألفا، أو أكثر من ذلك وأقل، كلهم تنضح أوداجهم دما، كلهم يستعدي الله فيما هريق دمه» (٢).

стр. 155

ولم يكتفِ الحسن ﵁ بذلك، بل أتى بقيس بن سعد بن عبادة قائد عسكره ليبايع معاوية (١). فعن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين قال: «لما بايع الحسن معاوية، ركب الحسن إليه إلى عسكره، وأردف قيس بن سعد بن عبادة خلفه، فلما دخلا العسكر قال الناس: جاء قيس، جاء قيس، فلما دخلا على معاوية بايعه الحسن، ثم قال لقيس: بايع. فقال قيس بيده هكذا، وجعلها في حجرة ولم يرفعها إلى معاوية! ومعاوية على السرير، فبرك معاوية على ركبتيه، ومد يده حتى مسح على يد قيس وهي في حجره. قال جرير: وحكى لنا محمد -يعني: ابن سيرين- صنيعه، وجعل يضحك، وكان قيس رجلا جسيما» (٢). وكان قيس بن سعد معرضا في بداية الأمر عن البيعة، ثم شرح الله صدره لهذه البيعة، هو ومن معه. فعن عروة بن الزبير قال: «كان قيس بن عبادة مع علي مقدمته, ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رءوسهم بعدما مات علي, فلما دخل الحسن في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل, فقال لأصحابه: ما شئتم؟ إن شئتم جالدت بكم أبدا حتى يموت الأعجل, وإن شئتم أخذت لكم أمانا, فقالوا له: خذ لنا أمانا, فأخذ لهم أن لهم كذا وكذا ولا يُعاقَبوا بشيء; وإني رجل منهم, ولم يأخذ لنفسه شيئا, فلما ارتحلوا نحو المدينة ومضى بأصحابه جعل ينحر لهم كل يوم جزورا حتى بلغ» (٣).

стр. 156

عام الجماعة: بعد تنازل الحسن ومبايعته لعلي، تتابعت بيعة الصحابة والتابعين له في هذا الزمان، وسُمِّي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الناس على معاوية، واتفاقهم، وانقطاع الحرب. قال الأوزاعي: «أدركَتْ خلافة معاوية عِدَّةٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ منهم: سعد، وأسامة، وجابر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد، ورافع بن خديج، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، ورجال أكثر ممن سميت بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى، وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، وأخذوا عن رسول الله ﷺ تأويله، ومن التابعين لهم بإحسان إن شاء الله، منهم: المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد غوث، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن محيريز في أشباه لهم، لم ينزعوا يدا عن مجامعة في أمة محمد ﷺ » (١). وقال ابن حزم: «بُويع الحسن، ثم سلَّم الأمر إلى معاوية، وفي بقايا الصحابة من هو أفضل منهما بلا خلاف ممن أنفق قبل الفتح وقاتل، فكلهم أولهم عن آخرهم بايع معاوية ورأى إمامته» (٢).

стр. 157

وقال ابن بطَّال: «سلَّم الحسن لمعاوية الأمر، وبايعه على السمع والطاعة على إقامة كتاب الله وسنة نبيه، ثم دخلا الكوفة، فأخذ معاوية البيعة لنفسه على أهل العراقين، فكانت تلك السنة سنة الجماعة، لاجتماع الناس واتفاقهم وانقطاع الحرب، وبايع معاويةَ كلُّ من كان معتزلا عنه، وبايعه سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وتباشر الناس بذلك، وأجاز معاوية الحسن بن علي بثلاثمائة ألف، وألف ثوب، وثلاثين عبداً، ومائة جمل، وانصرف الحسن بن علي إلى المدينة، وولَّى معاوية الكوفة: المغيرة بن شعبة، وولَّى البصرة: عبد الله بن عامر، وانصرف إلى دمشق، واتخذها دار مملكته» (١). قلتُ (أحمد): وقد اختلف المؤرِّخون في تحديد موعد الصلح وعام الجماعة، والأشهر أنه كان سنة إحدى وأربعين. قال خليفة بن خيَّاط -عن سنة إحدى وأربعين-: «فيها سنة الجماعة، اجتمع الحسن بن علي بن أبي طالب ومعاوية، فاجتمعا بمسكن من أرض السواد ومن ناحية الأنبار، فاصطلحا، وسلَّم الحسن بن علي إلى معاوية، وذلك في شهر ربيع الآخر، أو في جمادى الأولى، سنة إحدى وأربعين» (٢). وأسند الطبري إلى علي بن محمد المدائني أنه قال: «سلم الحسن بن على ﵁ إلى معاوية الكوفة، ودخلها معاوية لخمس بقين من ربيع الأول، ويقال من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين» (٣). قال الطبري: «وقيل: إن الصلح تم بين الحسن ﵁ ومعاوية في هذه السنة -إحدى وأربعين- في شهر ربيع الآخر، ودخل معاوية الكوفة في غرة جمادى الأولى من هذه السنة، وقيل: دخلها في شهر ربيع الآخر، وهذا قول الواقدى» (٤).

стр. 158

وقال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «كان إصلاح ابن رسول الله ﷺ الحسن بن علي السيد بين فئتين من المؤمنين بنزوله عن الأمر عام إحدى وأربعين، في شهر جمادى الأولى، وسُمِّي: عام الجماعة لاجتماع الناس على معاوية» (١). وذهب آخرون إلى أنها كانت سنة أربعين. قال أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي: «بويع معاوية سنة أربعين، وهو عام الجماعة» (٢). وقال ابن كثير: «المشهور أن مبايعة الحسن لمعاوية كانت في سنة أربعين، ولهذا يُقال له: عام الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على معاوية، والمشهور عند ابن جرير وغيره من علماء السير أن ذلك كان في أوائل سنة إحدى وأربعين» (٣). فوائد من قصة الصلح بين الحسن ومعاوية: قال الحافظ ابن حجر: «وفي هذه القصة من الفوائد: - علم من أعلام النبوة، ومنقبة للحسن بن علي، فإنه ترك الملك لا لقلة، ولا لذلة، ولا لعلة، بل لرغبته فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة. - وفيها: ردٌّ على الخوارج الذين كانوا يكفرون عليَّاً ومن معه، ومعاوية ومن معه، بشهادة النبي ﷺ للطائفتين بأنهم من المسلمين، ومن ثم كان سفيان بن عيينة يقول عقب هذا الحديث: قوله: «من المسلمين» يعجبنا جداً. - وفيه: فضيلة الإصلاح بين الناس، ولا سيما في حقن دماء المسلمين. - وفيه: دلالة على رأفة معاوية بالرعية، وشفقته على المسلمين، وقوة نظره في تدبير الملك، ونظره في العواقب. - وفيه: ولاية المفضول الخلافة مع وجود الأفضل، لأن الحسن ومعاوية ولي كل منهما الخلافة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد في الحياة، وهما بدريان. - وفيه جواز خلع الخليفة نفسه، إذا رأى في ذلك صلاحا للمسلمين.

стр. 159

- وفيه: النزول عن الوظائف الدينية والدنيوية بالمال، وجواز أخذ المال على ذلك، وإعطائه بعد استيفاء شرائطه، بأن يكون المنزول له أولى من النازل، وأن يكون المبذول من مال الباذل، فإن كان في ولاية عامة وكان المبذول من بيت المال؛ اشترط أن تكون المصلحة في ذلك عامة. - وفيه: أن السيادة لا تختص بالأفضل، بل هو الرئيس على القوم» (١). وأخيراً، فنستطيع أن نقول: لئن كان الله قد حفظ الإسلام بأبي بكر في وقت الرِدَّة، فإنه قد حفظه مرة أخرى بالحسن في هذه الفتنة. فجزى اللهُ الحسنَ عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ورضي الله عنه، وعن أبيه، وعن معاوية، وعن سائر أصحاب رسول الله ﷺ . وأمَّا أهم نتائج هذا الصلح ؛ فهي: ١ ـ توحد الأمة تحت قيادة واحدة. ٢ ـ عودة الفتوحات إلى ما كانت عليه. ٣ ـ تفرغ الدولة للخوارج. ٤ ـ انتقال العاصمة الإسلامية إلى بلاد الشام (٢). معاوية ﵁: خليفةٌ أم مَلِكٌ ؟ يثير كثيرٌ من الباحثين عند هذا الموطن -أعني: تنازل الحسن وولاية معاوية- سؤالا حول حديث: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يكون ملكا عَضوضاً»، مفاده: هل انتهت الخلافة الراشدة بتنازل الحسن؟ وإن كان ذلك: فهل معاوية هو أول من بدأ الملك العَضوض؟ وللإجابة على هذا السؤال، لا بُدَّ لنا من أمرين: الأول: بيان معنى الملك العَضوض. الثاني: بيان صحة الحديث من ضعفه، مع ذكر الثابت من ألفاظه، وتعامل العلماء معه. فنقول:

стр. 160

أولاً: معنى الملك العَضوض: قال ابن الأثير: «ثم يكون مُلكٌ عَضوض، أي: يصيب الرعية فيه عسف وظلم، كأنهم يعضون فيه عضا. والعضوض: من أبنية المبالغة» (١). وقال ابن منظور: «وملك عَضوض: شديد فيه عسف وعنف» (٢). وأما على رواية: ملوك عُضوض: فقد قال الخطابي: «العُضوض: جمع عِض، وهو: الرجل الخبيث الشرس الخلق» (٣). ثانياً: نص الحديث الصحيح، وبيان اللفظ الضعيف: فعن سعيد بن جمهان، عن سفينة ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون بعد ذلك الملك. قال سفينة: أمسك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي ست سنين» (٤). وهذا الحديث صحَّحه الإمام أحمد، وكان يقول به، ويردُّ على من ضعَّفه. قال المرُّوذي: «ذكرت لأبي عبد الله حديث سفينة، فصححه، وقال: هو صحيح. قلت: إنهم يطعنون في سعيد بن جمهان؟ فقال: سعيد بن جمهان ثقة، روى عنه غير واحد، منهم: حماد، وحشرج، والعوام. قلت: إن عباس بن صالح حكى عن علي بن المديني، عن يحيى القطان أنه تكلم فيه؟ فغضب، وقال: باطل ما سمعت يحيى يتكلم فيه» (٥). وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: «سألت أبي عن الخلافة، فذكر المسألة، وسمعته يقول: والخلافة على ما روى سفينة، عن النبي ﷺ : الخلافة في أمتي ثلاثون سنة» (٦). وسأل محمد بن الحكم الإمام أحمد عمن ضعَّف حديث سفينة من قبل سعيد بن جمهان، فقال: «بئس القول هذا، سعيد بن جمهان رجل معروف، روى عنه حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، والعوام، وعبد الوارث، وحشرج بن نباتة، هؤلاء خمسة أحفظ أنهم رووا عنه» (٧). من خلال ما تقدَّم: تبين لنا أن لفظ الحديث الصحيح ليس فيه ذكر: «الملك العضوض»! وإنما وردت هذه اللفظة في حديث آخر، إليك نصه والحكم عليه:

стр. 161

عن أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل ﵃، عن النبي ﷺ قال: «إن الله بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائنا خلافة ورحمة، وكائنا ملكا عضوضا، وكائنا عنوة وجبرية وفسادا في الأرض، يستحلون الفروج والخمور والحرير، وينصرون على ذلك ويرزقون أبدا حتى يلقوا الله» (١). وهذا ضعيف الإسناد، منكر المتن في بعض ألفاظه. قال الشيخ الألباني: «والحديث مع ضعف سنده فإن قوله في آخره: "وينصرون على ذلك" منكر، بل باطل؛ لأنه ينافي النصوص القرآنية، كقوله تعالى: ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾، مع مخالفته لواقع حال المسلمين اليوم، والله المستعان» (٢). ولهذه اللفظة شاهد من حديث آخر؛ وهو:

стр. 162

عن النعمان بن بشير قال: «كنا قعوداً في المسجد مع رسول الله ﷺ ، وكان بشير رجلاً يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله ﷺ : تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون مُلكاً جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت» (١).

стр. 163

وهذا الحديث في إسناده كلام يجعل الاحتجاج به متعذرا بعض الشيء، خاصَّةً في إثبات حكم متعلق بمن ثبت فضله، وقامت عدالته بيقين. ومع هذا: فحتى لو ثبتت هذه اللفظة، فقد أفادت بعض الروايات أن ثمة مرحلة وسطى بين الخلافة الراشدة، والملك العضوض؛ هي: مرحلة الملك والرحمة. فعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «أول هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا ورحمة، ثم يكون إمارة ورحمة، ثم يتكادمون عليه تكادم الحمر فعليكم بالجهاد، وإن أفضل جهادكم الرباط، وإن أفضل رباطكم عسقلان» (١). خلاصة المسألة: أولاً: حديث «الخلافة ثلاثون سنة» صحيح الإسناد، وقد فسَّر سفينة ﵁ رواي الحديث- هذه المدة بقوله: «أمسك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي ست سنين» -كما تقدَّم-. وهناك من العلماء من يجعل خلافة الحسن بن علي هي المتممة لهذه السنوات الثلاثين.

стр. 164

قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «فكان آخر الثلاثين: حين سلَّم سبطُ رسول الله ﷺ الحسن بن علي ﵄ الأمر إلى معاوية» (١). وقال ابن كثير: «وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي ﵁، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله ﷺ ; فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من أكبر دلائل النبوة» (٢). ثانياً: لم تثبت لفظة: «الملك العضوض» في هذا الحديث، وقد تقدَّم بيان ضعف أسانيدها. ثالثاً: ورد ما يشهد لهذه اللفظة في حديث آخر، لكن في سنده تتمة هامة تبين المعنى، وتتفق مع ما وقع، وهي: قوله ﵊: «ثم يكون ملكاً ورحمة»، بعد ذكره لفترة الخلافة، وتتنزل هذه على فترة حكم معاوية ﵁. رابعاً: لا أعلم أحداً من العلماء أدخل معاوية في فترة الخلافة المعدودة في الحديث، وهو لا يتناسب مع المدة الزمنية المذكورة، لكنَّه معدود عندهم أول ملوك المسلمين، وأفضلهم. قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «وكان معاوية أول الملوك، وفيه ملك ورحمة، كما رُوِي في الحديث: ستكون خلافة نبوة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ملك وجبرية، ثم يكون ملك عضوض» (٣). وقال أيضا: «ثم لما مات معاوية تولى ابنه يزيد هذا، وجرى بعد موت معاوية من الفتن والفرقة والاختلاف ما ظهر به مصداق ما أخبر به النبي ﷺ حيث قال: سيكون نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة نبوة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ملك عضوض.

стр. 165

فكانت نبوة النبي ﷺ نبوة ورحمة، وكانت خلافة الخلفاء الراشدين خلافة نبوة ورحمة، وكانت إمارة معاوية ملكا ورحمة، وبعده وقع ملك عضوض» (١). وقال في موضع آخر: «واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك؛ كان ملكه ملكا ورحمة، كما جاء في الحديث: يكون الملك نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض. وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يُعلم أنه كان خيرا من ملك غيره، وأما من قبله فكانوا خلفاء نبوة» (٢). وقال الذهبي: «ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم» (٣). وقال ابن كثير: «فأيام معاوية أول الملك، فهو أول ملوك الإسلام وخيارهم» (٤). وقال أيضاً: «والسنة أن يقال لمعاوية: ملك، ولا يقال له: خليفة، لحديث سفينة» (٥). وقد رُوي عن معاوية ﵁ نفسه أنه كان يقول: «أنا أول الملوك» (٦).

стр. 166

قال الذهبيُّ -معلِّقا على قوله-: «نعم، فقد روى سفينة، عن رسول الله ﷺ قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا. فانقضت خلافة النبوة ثلاثين عاما، وولي معاوية، وقلَّ أن بلغ سلطان إلى رتبته» (١). خروج الخوارج على معاوية: كان معاوية مهتما بهؤلاء الذين خرجو على عليٍّ، وقاتلهم يوم النهروان، لعلمه بما قد يسببوه له من اضطرابات ونزاعات. قال أبو وائل شقيق بن سلمة: « .... ، فرجع الناس، فبايعوا معاوية ﵁، ولم يكن لمعاوية همٌّ إلا الذين بالنهروان فجعلوا يتساقطون عليه فيبايعونه، حتى بقي منهم ثلاثمائة ونيِّف، وهم أصحاب النخيلة» (٢). ويبدو أن هذه القلة الباقية، وبعض أتباع لهم أثاروا قلقا، ودخلوا في مناوشات حربية مع معاوية ﵁. يقول الطبري: «وفيها -أي: في سنة إحدى وأربعين- خرجت الخوارج التي اعتزلت أيام علي ﵁ بشهرزور على معاوية» (٣). وقال أيضا: «وفي هذه السنة -أي: في سنة اثنتين وأربعين- تحركت الخوارج الذين انحازوا عمن قتل منهم بالنهروان، ومن كان ارتث من جرحاهم بالنهروان فبرءوا، وعفا عنهم علي بن أبي طالب ﵁» (٤). وقد كان هؤلاء على ما كانوا عليه في زمن علي ﵁، من تكفير، وقتل، واستباحة للدماء، ولو كان المقتول من أصحاب النبي ﷺ !

стр. 167

فعن حميد بن هلال، عن عبادة بن قُرْص الليثي ﵁: «أنه أقبل من الغزو، فكان بالأهواز يبيع أثوابا، فسمع أذانا فأقبل نحوه، فإذا هو بالحرورية، فقالوا: من أنت؟ فقال: أخوكم، فقالوا: أنت أخو الشيطان، فلما أرادوا قتله قال: أما ترضون بما رضي النبي ﷺ مني؟! أتيته وأنا مشرك فشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ فخلَّى عني، فقتلوه» (١). وقد أورد الطبري عدة روايات في تفاصيل خروج هؤلاء على معاوية، ومن تزعَّمهم، ومن قُتل منهم، وكيف أنهم جميعا لم يكونوا في مكان واحد، فبعضهم كان بالكوفة، وبعضهم كان بالبصرة. إلا أن هذه الروايات -وبكل أسف- ليس فيها ما يصلح الاستشهاد به، وذلك لضعف أسانيدها كلها (٢)! وعلى كل حال: فالذي تتفق عليه هذه الروايات: أن معاوية استطاع إخماد كل هذه الحركات، بالاستعانة بولاته في هذا الوقت، فنازلوهم، وقتلوا من قتلوا منهم، وحبسوا من حبسوا، واستخدموا معهم وسائل الشدة والقمع، وفرضوا هيبة الدولة على الجميع (٣).

стр. 168

الفتوحات في خلافة معاوية: ذكرنا قبل ذلك أن من أهم نتائج صلح الحسن مع معاوية: عودة الفتوحات إلى ما كانت عليه، فمن بعد مقتل عثمان ﵁، وحتى هذا الصلح، كانت السيوف والسهام موجَّهة لجسد الأمة من الداخل، ولم يكن هناك فتوحات خارجية في هذه الفترة العصيبة، وكان هذا من أسباب قبول الحسن ﵁ الصلح مع معاوية. قال الحسن ﵁: «قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها، وأخلي بين معاوية وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسقطت فيها الدماء، وقُطِّعت فيها الأرحام، وقُطِّعت السبل، وعُطِّلت الفروج - يعني الثغور-» (١). وقد صدق الحسن ﵁ فيما قال، فما إن استتب الأمر، وتولَّى معاوية ﵁ الحكم؛ حتى عادت الفتوحات الإسلامية مرة أخرى لسابق عهدها. يقول فقيه أهل الشام في زمانه سعيد بن عبد العزيز التنوخي: «لما قُتِل عثمان واختلف الناس، لم تكن للناس غازية، ولا صائفة، حتى اجتمعت الأمة على معاوية سنة أربعين، وسموها سنة الجماعة. فأغزا معاوية الصوائف، وشتاهم بأرض الروم ست عشرة صائفة، تصيف بها وتشتو، ثم تقفل وتدخل معقبتها» (٢). وقال ابن كثير: «استقل معاوية بالأمر سنة إحدى وأربعين، وكان يغزو الروم في كل سنة مرتين; مرة في الصيف، ومرة في الشتاء، ويأمر رجلا من قومه فيحج بالناس، وحج بالناس معاوية سنة خمسين» (٣). لكن يبدو أيضا أن هذه الفتوحات لم تبدأ فور تولي معاوية الحكم، وذلك لأنه كان في حاجة لتوطيد ملكه، والقضاء على هذه الحركات الداخلية، قبل أن يولي جيشه وجهه ناحية الروم، ولعل هذا يفسر قول سعيد أن مدة غزوه للروم كانت ست عشرة سنة، مع كون معاوية حَكَمَ ما يقارب عشرين سنة.

стр. 169

وفيما يلي سردٌ لأهم ما وقفنا عليه من فتوحات وغزوات في عهده، وتاريخها: ١ - تولية معاوية عبد الله بن عامر البصرة، وحرب سجستان وخراسان (١)، سنة إحدى وأربعين (٢). ٢ - بداية فتح أفريقية على يد عقبة بن نافع الفهري (٣)، سنة اثنتين وأربعين (٤). ٣ - فتح عبد الرحمن بن سمرة الرخج، وزابلستان، من بلاد سجستان، سنة ثلاث وأربعين (٥). ٤ - مشتى بسر بن أبي أرطاة بأرض الروم، سنة ثلاث وأربعين (٦). وقال الطبري -ذاكرا أهم الأحداث في سنة ثلاث وأربعين-: «فمن ذلك: غزوة بسر بن أبي أرطاة الروم، ومشتاه بأرضهم حتى بلغ القسطنطينية- فيما زعم الواقدي- وقد أنكر ذاك قوم من أهل الأخبار، فقالوا: لم يكن لبسر بأرض الروم مشتى قط» (٧). ٥ - فتح عبد الله بن عامر كابل (٨). ٦ - غزوة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بالمسلمين لبلاد الروم، ومشتاهم بها، سنة أربع وأربعين (٩). ٧ - فتح عبد الله بن سوار العبدي القيقان، سنة خمس وأربعين، وكان عبد الله بن عامر بعثه إليها (١٠).

стр. 170

٨ - مشتى مالك بن عبد الله بأرض الروم، وقيل: بل كان ذلك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقيل: بل كان مالك بن هبيرة السكوني، سنة ست وأربعين (١). ٩ - مشتى مالك بن هبيرة السكوني بأرض الروم، سنة تسع وأربعين (٢)، ويقال: بل شتى بها فضالة بن عبيد الأنصاري، وشتى عبد الله بن مسعدة في البر (٣). ١٠ - غزوة فضالة بن عبيد جربة، وشتاؤه بجربة، وفُتحت على يديه، وأصاب فيها سبيا كثيرا، سنة تسع وأربعين (٤). ١١ - صائفة عبد الله بن كرز البجلي، سنة تسع وأربعين (٥). ١٢ - غزوة يزيد بن شجرة الرهاوي في البحر، وشتاؤه بأهل الشام، سنة تسع وأربعين (٦). ١٣ - غزوة عقبة بن نافع البحر، وشتاؤه بأهل مصر، سنة تسع وأربعين (٧). ١٤ - حصار القسطنطينية (٨): غزا يزيد بن معاوية الروم حتى بلغ قسطنطينية، ومعه: ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو أيوب الأنصاري (٩). وقد اختُلف في زمان هذا الغزو والحصار: قال سعيد بن عبد العزيز التنوخي: «ثم أغزاهم -أي: الروم- معاوية ابنه يزيد في سنة خمس وخمسين، في جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ في البر والبحر حتى جاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل» (١٠). زاد ابن كثير -بعد نقل كلام سعيد-: «وكان آخر ما أوصى به معاوية أن قال: شدوا خناق الروم» (١١).

стр. 171

وجعله خليفة بن خيَّاط في أحداث سنة خمسين (١). وجعله الطبري في أحداث سنة تسع وأربعين (٢). وجعله ابن كثير (٣)، والحافظ ابن حجر في سنة اثنتين وخمسين (٤). ١٥ - مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم، سنة إحدى وخمسين. ١٦ - غزوة بسر بن أبي أرطاة الصائفة، سنة إحدى وخمسين (٥). ١٧ - مشتى عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي بأرض الروم، سنة ثلاث وخمسين (٦). ١٨ - فتح رودس، جزيرة في البحر، فتحها جنادة بن ابى أميه الأزدي، سنة ثلاث وخمسين. وذكر الواقدي: «أن المسلمين نزلوها، وزرعوا واتخذوا بها أموالا ومواشي يرعونها حولها، فإذا أمسوا أدخلوها الحصن، ولهم ناطور يحذرهم ما في البحر ممن يريدهم بكيد، فكانوا على حذر منهم، وكانوا أشد شيء على الروم، فيعترضونهم في البحر فيقطعون سفنهم، وكان معاوية يدر لهم الأرزاق والعطاء، وكان العدو قد خافهم، فلما مات معاوية أقفلهم يزيد بن معاوية» (٧). ١٩ - فتح أرواد، وهي: جزيرة في البحر قريبة من قسطنطينية، على يد جنادة بن أبي أمية، سنة أربع وخمسين (٨). ٢٠ - مشتى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم، وقيل: عبد الرحمن بن مسعود (٩). ٢١ - مشتى عبد الله بن قيس بأرض الروم، سنة سبع وخمسين (١٠).

стр. 172

٢٢ - مشتى مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم، ويقال عمرو بن يزيد الجهني، وكان الذي شتا بأرض الروم، وقد قيل: إن الذي غزا في البحر في هذه السنة جنادة بن أبي أمية، سنة ثمانٍ وخمسين (١). ٢٣ - مشتى عمرو بن مرة الجهني أرض الروم في البر، سنة تسع وخمسين. وقال الواقدي: «لم يكن عامئذ غزو في البحر»، وقال غيره: «بل غزا في البحر جنادة بن أبي أمية» (٢). ٢٤ - غزوة مالك بن عبد الله سورية، سنة ستين (٣). ٢٥ - دخول جنادة ابن أبى أمية رودس، وهدمه مدينتها، سنة ستين (٤). أهم الولاة والعمال الذين استعملهم معاوية ﵁، أو عزلهم: ١ - بسر بن أبي أرطاة: ولَّاه معاوية البصرة، سنة إحدى وأربعين (٥)، ثم عزله سنة اثنتين وأربعين (٦). ٢ - عمرو بن العاص: ولَّاه معاوية مصر، سنة إحدى وأربعين، وظل عليها إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين. قال الطبري: «وفيها -أي: سنة ثلاث وأربعين- مات عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر، وقبل كان عمل عليها لعمر بن الخطاب ﵁ أربع سنين، ولعثمان أربع سنين إلا شهرين، ولمعاوية سنتين إلا شهرا» (٧). ٣ - مروان بن الحكم:

стр. 173

ولَّاه معاوية المدينة، سنة اثنتين وأربعين (١)، ثم عزله عنها سنة تسع وأربعين، في شهر ربيع الأول، وكانت ولايته كلها لمعاوية على المدينة: ثمان سنين، وشهرين (٢)، ثم أعاده عليها مرة أخرى سنة أربع وخمسين (٣)، ثم عزله عنها سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين (٤). ٤ - خالد بن العاص بن هشام: ولَّاه معاوية مكة، سنة اثنتين وأربعين (٥). ٥ - عبد الله بن عامر: ولَّاه معاوية البصرة، سنة اثنتين وأربعين (٦)، ثم عزله سنة خمس وأربعين (٧). ٦ - عبد الله بن عمرو بن العاص: ولَّاه معاوية مصر بعد موت أبيه، سنة ثلاث وأربعين، فوليها له -فيما زعم الواقدي- نحوا من سنتين (٨). لكن ثمَّ رواية أخرى أصح، تفيد أنه إنما وليها مدة يسيرة جدا، حتى وصل أمير آخر من قبل معاوية. فعن الليث بن سعد قال: «توفّى عمرو بن العاص سنة ثلاث وأربعين، وفيها أُمِّر عتبة بن أبى سفيان على أهل مصر» (٩). ٧ - عتبة بن أبي سفيان: تقدَّم أن معاوية ولَّاه مصر، سنة ثلاث وأربعين. ٨ - الحارث بن عبد الله الأزدي: ولَّاه معاوية البصرة في أول سنة خمس وأربعين، فأقام بها أربعة أشهر؛ ثم عزله (١٠). ٩ - معاوية بن حديج: ولَّاه معاوية مصر سنة سبع وأربعين (١١). ١٠ - قيس بن الهيثم: ولَّاه معاوية خراسان، ثم ضمها إلى ابن عامر، فترك قيسا عليها (١٢). ١١ - المغيرة بن شعبة:

стр. 174

كان على الكوفة من قبل معاوية، فأقره عليها (١)، وظل عليها إلى أن مات سنة خمسين (٢). ١٢ - سعيد بن العاص: ولَّاه معاوية المدينة بعد عزل مروان، سنة تسع وأربعين، في شهر ربيع الآخر، وقيل: في شهر ربيع الأول (٣)، ثم عزله سنة أربع وخمسين (٤). ١٣ - زياد بن أبي سفيان، أو: زياد ابن أبيه: ولَّاه معاوية البصرة، ثم جمع له معها الكوفة بعد وفاة المغيرة بن شعبة ﵁، سنة خمسين (٥). قال أبو الحسن المدائني: «كان زياد على البصرة وأعمالها إلى سنة خمسين، فمات المغيرة بن شعبة بالكوفة وهو أميرها، فكتب معاوية إلى زياد بعهده على الكوفة والبصرة، فكان أول من جمع له الكوفة والبصرة، فاستخلف على البصرة سمرة بن جندب، وشخص إلى الكوفة، فكان زياد يقيم ستة أشهر بالكوفة، وستة أشهر بالبصرة» (٦). ١٤ - مَسْلمة بن مُخلّد: ولَّاه معاوية مصر، بعد عزله لمعاوية بن حديج، وأفريقية، بعد عزله لعقبة بن عامر، فهو أول من جمع له المغرب كله، ومصر، وبرقة، وأفريقية، وطرابلس، وذلك سنة خمسين، فولى مسلمة بن مخلد مولى له يقال له: أبو المهاجر أفريقية، فلم يزل واليا على مصر والمغرب، وأبو المهاجر على أفريقية من قبله حتى مات معاوية (٧). ١٥ - عبيد الله بن زياد:

стр. 175

ولَّاه معاوية خراسان، بعد عزله عبد الله بن عمرو بن غيلان، وذلك سنة خمس وخمسين (١)، ثم عزله عنها سنة ست وخمسين، وولَّاه البصرة (٢)، ثم عزله بعد ذلك عن البصرة، ثم رده عليها، وجدد له الولاية، سنة تسع وخمسين (٣). ١٦ - الضحَّاك بن قيس الفهري: ولَّاه معاوية الكوفة، بعد عزله عبد الله بن خالد بن أسيد، سنة خمس وخمسين (٤)، وعزله عنها سنة ثمان وخمسين (٥). ١٧ - سعيد بن عثمان بن عفان: ولَّاه معاوية خراسان، بعد عزله ابن زياد عنها، سنة ست وخمسين (٦). ١٨ - الوليد بن عتبة بن أبي سفيان: ولَّاه معاوية المدينة بعد عزل مروان عنها، سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين (٧). ١٩ - عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي (ابن أم الحكم، أخت معاوية): ولَّاه معاوية الكوفة بعد عزل الضحاك عنها، سنة ثمان وخمسين (٨)، ثم عزله عنها سنة تسع وخمسين (٩). ٢٠ - عبد الرحمن بن زياد: ولَّاه معاوية خراسان، سنة تسع وخمسين (١٠). ٢١ - النعمان بن بشير الأنصاري: ولَّاه معاوية الكوفة بعد عزل عبد الرحمن بن أم الحكم عنها، سنة تسع وخمسين (١١). معاوية يعهد بالخلافة لابنه يزيد من بعده: قال الطبري: «وفيها -أي: سنة ست وخمسين- دعا معاوية الناس إلى بيعة ابنه يزيد من بعده، وجعله ولي العهد» (١٢).

стр. 176

هكذا كانت بداية حديث الطبري عن تولية معاوية ولده يزيد للخلافة، ولكن لم نعثر في المصادر التاريخية التي بين أيدينا -سواء عند الطبري، أو غيره- على تحديد دقيق لتلك الفترة التي بدأ فيها معاوية ﵁ يفكر تفكيراً جدياً في تولية ولده يزيد من بعده خليفة المسلمين، ولكنه بالتأكيد لم يفكر إلا بعد سنه الخمسين من الهجرة، وذلك بعد أن خلت الساحة من وجود الصحابة الكبار المبشَّرين بالجنة؛ من أمثال: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن يزيد بن عمرو، وبعد وفاة الحسن بن علي ﵃ جميعاً (١). فعن قبيصة بن جابر قال: «بعثني زياد إلى معاوية في حوائج، فلما فرغت منها قلت له: يا أمير المؤمنين كلُّ ما جئتُ له فقد فرغت منه، وبقيت لي حاجة أصدرها في مصادرها، قال: وما هي؟ فقد قلتُ: من لهذه الأمة بعدك؟ فقال وما أنت من ذاك؟ قلتُ: ولم يا أمير المؤمنين؟ فوالله إني لقريب القرابة، عظيم الشرف، ناصح الجيب، وادّ الصدر، فسكت ساعة ثم قال: بين أربعة من بني عبد مناف، كريمة قريش: سعيد بن العاص، وفتى قريش حياء ودهاء وسخاء: عبد الله بن عامر، وأما الحسن بن علي: فرجل سيد كريم، وأما القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، الشديد في حدود الله: فمروان بن الحكم، وأما رجل نفسه: فعبد الله بن عمر، وأما رجل يرِدُ الشريعة مع دواهي السباع، ويروغ روغان الثعلب: فعبد الله بن الزبير» (٢).

стр. 177

ويقول ابن كثير: «وقد كان معاوية لما صالح الحسن بن علي عهد للحسن بالأمر من بعده، فلما مات الحسن قوي أمر يزيد عند معاوية، ورأى أنه لذلك أهلا، وذاك من شدة محبة الوالد لولده، ولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية، وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأبهته، وكان يظن أنه لا يقوم أحد من أبناء الصحابة في الملك مقامه» (١). وهذا الكلام يؤيد ردَّ تلك الرواية -الضعيفة الإسناد- التي ذكرت أن المغيرة بن شعبة ﵁ كان صاحب هذه المشورة من الأصل، وأنه الذي أوعز إلى معاوية باستخلاف يزيد (٢)،

стр. 178

وذلك لأن وفاة المغيرة كانت سنة خمسين من الهجرة، بينما توفي الحسن في سنة إحدى وخمسين (١). على كل حال، نستطيع أن نقول أن أمير المؤمنين معاوية ﵁ سار في هذا الأمر الهام على نسق خطوات متتالية، ولعلَّنا نحاول أن نستنبط بعضها من خلال بعض الروايات التي بين أيدينا، وذلك فيما يلي: الخطوة الأولى: معاوية يفكر في الأمر، ويستشير فيه بعض خواصِّه: هكذا شأن كل أريب حصيف، لا يبادر بإخراج قرارات مصيرية، دون تفكير عميق وتؤدة، واستشارة من لهم حلم وعقل ممن حوله، ومعاوية -بلا شك- من أولى الناس بهذا. فعن مسلمة بن محارب قال: «لما أراد معاوية أن يبايع ليزيد كتب إلى زياد يستشيره، فبعث زياد إلى عبيد بن كعب النميري، فقال: إن لكل مستشير ثقة، ولكل سر مستودع، وإن الناس قد أبدعت (٢) بهم خصلتان: إذاعة السر، وإخراج النصيحة إلى غير أهلها، وليس موضع السر إلا أحد رجلين: رجل آخرة يرجو ثوابا، ورجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون حسبه، وقد عجمتهما (٣) منك، فأحمدت الذي قبلك، وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف (٤)، إن أمير المؤمنين كتب إلي يزعم أنه قد عزم على بيعة يزيد، وهو يتخوف نفرة الناس، ويرجو مطابقتهم، ويستشيرني، وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم، ويزيد صاحب رسلة (٥) وتهاون، مع ما قد أولع به من الصيد، فالق أمير المؤمنين مؤديا عني، فأخبره عن فعلات يزيد، فقال له: رويدك بالأمر، فأقمن أن يتم لك ما تريد، ولا تعجل فإن دركا في تأخير خير من تعجيل عاقبته الفوت. فقال عبيد له: أفلا غير هذا! قال: ما هو؟

стр. 179

قال: لا تفسد على معاوية رأيه، ولا تمقِّت إليه ابنه، وألقى أنا يزيد سرا من معاوية فأخبره عنك أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في بيعته، وأنك تخوف خلاف الناس لهنات ينقمونها عليه، وأنك ترى له ترك ما ينقم عليه، فيستحكم لأمير المؤمنين الحجة على الناس، ويسهل لك ما تريد، فتكون قد نصحت يزيد وأرضيت أمير المؤمنين، فسلمت مما تخاف من علاقة أمر الأمة. فقال زياد: لقد رميت الأمر بحجره، اشخص على بركة الله، فإن أصبت فما لا ينكر، وإن يكن خطأ فغير مستغش وأبعد بك إن شاء الله من الخطإ، قال: تقول بما ترى، ويقضي الله بغيب ما يعلم فقدم على يزيد فذاكره ذلك وكتب زياد إلى معاوية يأمره بالتؤده، وألا يعجل، فقبل ذلك معاوية، وكف يزيد عن كثير مما كان يصنع، ثم قدم عبيد على زياد فأقطعه قطيعة» (١). بيَّنت هذه الرواية حذر معاوية من هذه الخطوة، وتخوفه من ردود أفعال الناس، كما بيَّنت أنه أخذ بنصيحة زياد، وتأنَّى في الأمر، وأعاد التفكير في كرَّة أخرى، ولعله لذلك أخَّره بعض الشيء. لكن ما الذي جعل معاوية يؤخر هذا الأمر إلى سنة ست وخمسين، مع أن الحسن تُوفي قبل ذلك بخمس سنين -كما تقدَّم-؟! لقد تُوفي في العام الذي قبل هذا سعد بن أبي وقاص (٢)، وبهذا لم يعد هناك أحد من العشرة المبشرين، ممن لا يستطيع معاوية أن يُقدِّم أحدا عليهم.

стр. 180

نعم، لم يكن سعدٌ صاحب رغبة في الملك ولا الإمارة، كما دل على ذلك موقفه وقت الحروب والنزاعات والفتن، وبعدها (١)، ولعلَّه لهذا السبب لم يمتنع معاوية عن التفكير في ولاية يزيد، لكن حال دون إعلانه حياة سعد ووجوده، فلما مات: صار الأمر مهيَّئا ومتاحا، مع كونه لن يخلو من بعض العقبات. الخطوة الثانية: أخذ معاوية البيعة ليزيد من أهل الشام: من البدهي المنطقي أن يوطِّد معاوية الأمر في الشام قبل أي بلد آخر، فهي الآن موطن الخلافة، وأهلها هم حمى الخليفة وعيبته وأقرب الناس إليه، وقد مهَّد معاوية لهذه الخطوة بتأمير يزيد على جيش القسطنطينية، فلمَّا عاد منها طرح معاوية الفكرة عليهم؛ فرحَّبوا بها، وقبلوها، واستحسنوها، ولم يُعارض أحدٌ منهم، فيما نُقل (٢). الخطوة الثالثة: استدعاء معاوية الوفود من الأمصار لأخذ البيعة ليزيد: بعد أن مهَّد معاوية الأمر في الداخل، بدأ في تهيئة الأجواء الخارجية لهذا الخبر، وحتى لا تُثار القلاقل في البلاد؛ استدعى معاوية وفودا من الأمصار ليطرح عليهم الأمر، دون أن يُعلمهم بشيء قبل قدومهم. يقول أبو الحسن المدائني: «فلما كانت سنة خمس وخمسين كتب معاوية إلى سائر الأمصار أن يفدوا عليه، فوفد عليه من كل مصر قوم» (٣).
следующие страницы →