هكذا كانت بداية حديث الطبري عن تولية معاوية ولده يزيد للخلافة، ولكن لم نعثر في المصادر التاريخية التي بين أيدينا -سواء عند الطبري، أو غيره- على تحديد دقيق لتلك الفترة التي بدأ فيها معاوية ﵁ يفكر تفكيراً جدياً في تولية ولده يزيد من بعده خليفة المسلمين، ولكنه بالتأكيد لم يفكر إلا بعد سنه الخمسين من الهجرة، وذلك بعد أن خلت الساحة من وجود الصحابة الكبار المبشَّرين بالجنة؛ من أمثال: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن يزيد بن عمرو، وبعد وفاة الحسن بن علي ﵃ جميعاً (١).
فعن قبيصة بن جابر قال: «بعثني زياد إلى معاوية في حوائج، فلما فرغت منها قلت له: يا أمير المؤمنين كلُّ ما جئتُ له فقد فرغت منه، وبقيت لي حاجة أصدرها في مصادرها، قال: وما هي؟ فقد قلتُ: من لهذه الأمة بعدك؟ فقال وما أنت من ذاك؟ قلتُ: ولم يا أمير المؤمنين؟ فوالله إني لقريب القرابة، عظيم الشرف، ناصح الجيب، وادّ الصدر، فسكت ساعة ثم قال: بين أربعة من بني عبد مناف، كريمة قريش: سعيد بن العاص، وفتى قريش حياء ودهاء وسخاء: عبد الله بن عامر، وأما الحسن بن علي: فرجل سيد كريم، وأما القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، الشديد في حدود الله: فمروان بن الحكم، وأما رجل نفسه: فعبد الله بن عمر، وأما رجل يرِدُ الشريعة مع دواهي السباع، ويروغ روغان الثعلب: فعبد الله بن الزبير» (٢).
стр. 177
ويقول ابن كثير: «وقد كان معاوية لما صالح الحسن بن علي عهد للحسن بالأمر من بعده، فلما مات الحسن قوي أمر يزيد عند معاوية، ورأى أنه لذلك أهلا، وذاك من شدة محبة الوالد لولده، ولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية، وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأبهته، وكان يظن أنه لا يقوم أحد من أبناء الصحابة في الملك مقامه» (١).
وهذا الكلام يؤيد ردَّ تلك الرواية -الضعيفة الإسناد- التي ذكرت أن المغيرة بن شعبة ﵁ كان صاحب هذه المشورة من الأصل، وأنه الذي أوعز إلى معاوية باستخلاف يزيد (٢)،
стр. 178
وذلك لأن وفاة المغيرة كانت سنة خمسين من الهجرة، بينما توفي الحسن في سنة إحدى وخمسين (١).
على كل حال، نستطيع أن نقول أن أمير المؤمنين معاوية ﵁ سار في هذا الأمر الهام على نسق خطوات متتالية، ولعلَّنا نحاول أن نستنبط بعضها من خلال بعض الروايات التي بين أيدينا، وذلك فيما يلي:
الخطوة الأولى: معاوية يفكر في الأمر، ويستشير فيه بعض خواصِّه:
هكذا شأن كل أريب حصيف، لا يبادر بإخراج قرارات مصيرية، دون تفكير عميق وتؤدة، واستشارة من لهم حلم وعقل ممن حوله، ومعاوية -بلا شك- من أولى الناس بهذا.
فعن مسلمة بن محارب قال: «لما أراد معاوية أن يبايع ليزيد كتب إلى زياد يستشيره، فبعث زياد إلى عبيد بن كعب النميري، فقال: إن لكل مستشير ثقة، ولكل سر مستودع، وإن الناس قد أبدعت (٢) بهم خصلتان: إذاعة السر، وإخراج النصيحة إلى غير أهلها، وليس موضع السر إلا أحد رجلين: رجل آخرة يرجو ثوابا، ورجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون حسبه، وقد عجمتهما (٣) منك، فأحمدت الذي قبلك، وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف (٤)، إن أمير المؤمنين كتب إلي يزعم أنه قد عزم على بيعة يزيد، وهو يتخوف نفرة الناس، ويرجو مطابقتهم، ويستشيرني، وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم، ويزيد صاحب رسلة (٥) وتهاون، مع ما قد أولع به من الصيد، فالق أمير المؤمنين مؤديا عني، فأخبره عن فعلات يزيد، فقال له: رويدك بالأمر، فأقمن أن يتم لك ما تريد، ولا تعجل فإن دركا في تأخير خير من تعجيل عاقبته الفوت.
فقال عبيد له: أفلا غير هذا!
قال: ما هو؟
стр. 179
قال: لا تفسد على معاوية رأيه، ولا تمقِّت إليه ابنه، وألقى أنا يزيد سرا من معاوية فأخبره عنك أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في بيعته، وأنك تخوف خلاف الناس لهنات ينقمونها عليه، وأنك ترى له ترك ما ينقم عليه، فيستحكم لأمير المؤمنين الحجة على الناس، ويسهل لك ما تريد، فتكون قد نصحت يزيد وأرضيت أمير المؤمنين، فسلمت مما تخاف من علاقة أمر الأمة.
فقال زياد: لقد رميت الأمر بحجره، اشخص على بركة الله، فإن أصبت فما لا ينكر، وإن يكن خطأ فغير مستغش وأبعد بك إن شاء الله من الخطإ، قال: تقول بما ترى، ويقضي الله بغيب ما يعلم فقدم على يزيد فذاكره ذلك وكتب زياد إلى معاوية يأمره بالتؤده، وألا يعجل، فقبل ذلك معاوية، وكف يزيد عن كثير مما كان يصنع، ثم قدم عبيد على زياد فأقطعه قطيعة» (١).
بيَّنت هذه الرواية حذر معاوية من هذه الخطوة، وتخوفه من ردود أفعال الناس، كما بيَّنت أنه أخذ بنصيحة زياد، وتأنَّى في الأمر، وأعاد التفكير في كرَّة أخرى، ولعله لذلك أخَّره بعض الشيء.
لكن ما الذي جعل معاوية يؤخر هذا الأمر إلى سنة ست وخمسين، مع أن الحسن تُوفي قبل ذلك بخمس سنين -كما تقدَّم-؟!
لقد تُوفي في العام الذي قبل هذا سعد بن أبي وقاص (٢)، وبهذا لم يعد هناك أحد من العشرة المبشرين، ممن لا يستطيع معاوية أن يُقدِّم أحدا عليهم.
стр. 180
نعم، لم يكن سعدٌ صاحب رغبة في الملك ولا الإمارة، كما دل على ذلك موقفه وقت الحروب والنزاعات والفتن، وبعدها (١)، ولعلَّه لهذا السبب لم يمتنع معاوية عن التفكير في ولاية يزيد، لكن حال دون إعلانه حياة سعد ووجوده، فلما مات: صار الأمر مهيَّئا ومتاحا، مع كونه لن يخلو من بعض العقبات.
الخطوة الثانية: أخذ معاوية البيعة ليزيد من أهل الشام:
من البدهي المنطقي أن يوطِّد معاوية الأمر في الشام قبل أي بلد آخر، فهي الآن موطن الخلافة، وأهلها هم حمى الخليفة وعيبته وأقرب الناس إليه، وقد مهَّد معاوية لهذه الخطوة بتأمير يزيد على جيش القسطنطينية، فلمَّا عاد منها طرح معاوية الفكرة عليهم؛ فرحَّبوا بها، وقبلوها، واستحسنوها، ولم يُعارض أحدٌ منهم، فيما نُقل (٢).
الخطوة الثالثة: استدعاء معاوية الوفود من الأمصار لأخذ البيعة ليزيد:
بعد أن مهَّد معاوية الأمر في الداخل، بدأ في تهيئة الأجواء الخارجية لهذا الخبر، وحتى لا تُثار القلاقل في البلاد؛ استدعى معاوية وفودا من الأمصار ليطرح عليهم الأمر، دون أن يُعلمهم بشيء قبل قدومهم.
يقول أبو الحسن المدائني: «فلما كانت سنة خمس وخمسين كتب معاوية إلى سائر الأمصار أن يفدوا عليه، فوفد عليه من كل مصر قوم» (٣).
стр. 181
ولا تذكر الروايات أن أحداً من القادمين في الوفود اعترض على قرار معاوية، وغاية ما ذُكر: أن بعضهم وَكَل الأمر إلى علم معاوية بابنه، وأن عليه أن يتقي الله فيمن يوليه إمارة المسلمين.
ومن هؤلاء: عمرو بن حزم من المدينة، والأحنف بن قيس من البصرة.
يقول محمد بن سيرين: «لما أراد معاوية أن يستخلف يزيد بعث إلى عامل المدينة أن أفد إلي من شاء، قال: فوفد إليه عمرو بن حزم الأنصاري، فاستأذن، فجاء حاجب معاوية يستأذن، فقال: هذا عمرو قد جاء يستأذن، فقال: ما جاء بهم إلي؟ فقال: يا أمير المؤمنين، جاء يطلب معروفك، فقال معاوية: إن كنت صادقا فليكتب ما شاء فأعطه ما سألك، ولا أراه، قال: فخرج إليه الحاجب، فقال: ما حاجتك؟ اكتب ما شئت، فقال: سبحان الله! أجيء إلى باب أمير المؤمنين, فأحجب عنه؟ أحب أن ألقاه، فأكلمه، فقال معاوية للحاجب: عده يوم كذا وكذا إذا صلى الغداة فليجئ، قال: فلما صلى معاوية الغداة أمر بسرير، فجعل في إيوان له، ثم أخرج الناس عنه، فلم يكن عنده أحد إلا كرسي وضع لعمرو، فجاء عمرو فاستأذن، فأذن له، فسلم عليه، ثم جلس على الكرسي، فقال له معاوية: حاجتك، قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: لعمري لقد أصبح يزيد بن معاوية واسط الحسب في قريش، غنيا عن المال، غنيا إلا عن كل خير، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله لم يسترع عبدا رعية إلا وهو سائله عنها يوم القيامة: كيف صنع فيها، وإني أذكرك الله يا معاوية في أمة محمد ﷺ بمن تستخلف عليها، قال: فأخذ معاوية ربوة ونفس في غداة قر حتى عرق، وجعل يمسح العرق عن وجهه ثلاثا، ثم أفاق، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد , فإنك امرؤ ناصح، قلت برأيك , بالغ ما بلغ، وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، وابني أحق من أبنائهم، حاجتك، قال: ما لي حاجة، قال: ثم قال له أخوه: إنما جئنا من المدينة نضرب أكبادها من أجل كلمات قال: ما جئت إلا
стр. 182
لكلمات، قال: فأمر لهم بجوائزهم، قال: وخرج لعمرو، مثله» (١).
ولما دخلت الوفود على معاوية، لم يشأ هو أن يبدأهم، فترك ذلك لبعض أصحابه، ليفتحوا هم الحديث عن البيعة والخلافة؛ فقوبل ذلك بترحابٍ ورضا، إلا ما كان من الأحنف بن قيس.
قال أبو الحسن المدائني: «ثم جلس معاوية في أصحابه، وأذن للوفود فدخلوا عليه، وقد تقدّم إلى أصحابه أن يقولوا في يزيد، فكان أول من تكلم الضحاك بن قيس؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لا بد للناس من والٍ بعدك، والأنفس يُغدى عليها ويُراح، وإن الله قال: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، ولا ندري ما يختلف به العصران، ويزيد ابن أمير المؤمنين في حسن معدنه وقصد سيرته، من أفضلنا حلما، وأحكمنا علما، فولّه عهدك، واجعله لنا علما بعدك، فإنا قد بلونا الجماعة والألفة، فوجدناها أحقن للدماء، وآمن للسبل، وخيرا في العاقبة والآجلة.
ثم تكلم الأحنف بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين، أنت أعلم بيزيد في ليله ونهاره، وسرّه وعلانيته، ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه لله رضا، ولهذه الأمة؛ فلا تشاور الناس فيه، وإن كنت تعلم منه غير ذلك؛ فلا تزوّده الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة.
قال: فتفرق الناس ولم يذكروا إلا كلام الأحنف، ثم بايع الناس ليزيد بن معاوية» (٢).
стр. 183
الخطوة الرابعة: الكتابة إلى أهل المدينة بطلب البيعة ليزيد:
لا شك أن كلمة أهل المدينة لها تأثير أكثر من غيرهم، فإن فيها أبناء الأنصار والمهاجرين، وأكثر العلماء والصالحين، ولذلك جعلهم معاوية في آخر من يتكلم معهم، لعلمه أن بعضهم سيعترض على هذا الأمر، فأراد أن يوطِّد الأمر في الأمصار المختلفة، ثم يتفرغ لأهل المدينة.
قال المدائني: «ثم كتب معاوية إلى مروان بن الحكم عامله على المدينة أن ادع أهل المدينة إلى بيعة يزيد؛ فإن أهل الشام والعراق قد بايعوا» (١).
وقد وقع ما كان معاوية يخشاه ويحذر منه.
جمع مروان الناس وخطب فيهم، وجعل يذكر يزيد وطلب معاوية البيعة له، وعندها: بدأ الاعتراض عليه، وكان من أوائل المعترضين: عبد الرحمن بن أبي بكر.
فعن يوسف بن ماهك، قال: «كان مروان على الحجاز استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه، ﴿والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني﴾ [الأحقاف: ١٧]، فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري» (٢).
وقد بيَّنت روايات أخرى سِرَّ تقدُّمِ عبد الرحمن عن غيره في الاعتراض على مروان.
فعن سالم بن عبد الله قال: «لما أرادوا أن يبايعوا ليزيد بن معاوية قام مروان فقال: سنة أبي بكر الراشدة المهدية، فقام عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: ليس بسنة أبي بكر، وقد ترك أبو بكر الأهل والعشيرة والأصيل, وعمد إلى رجل من بني عدي بن كعب إذ رأى أنه لذلك أهل؛ فبايعه» (٣).
стр. 184
ولا شكَّ أن موقفا من صحابيٍّ كعبد الرحمن بن أبي بكر، وفي المدينة النبوية؛ سيحدث تأثيرا كبيرا، وقد يُشكِّل معارضة قوية، وإذا كان مروان قد أخفق من البداية في احتواء الموقف؛ فهذا نذيرٌ بإخفاقه إذا تفاقم الأمر، ولذا رأى معاوية ﵁ أنه لا بُدَّ أن يتولى أمر أهل المدينة بنفسه، وأن يكون حوار الصحابة ﵁ معه دون واسطة، فقرر المجيء إلى الحجاز.
الخطوة الخامسة: قدوم معاوية المدينة بنفسه، وطلبه البيعة ليزيد:
قدم معاوية الحجاز معتمرا في شهر رجب سنة ست وخمسين (١)، ومرَّ على المدينة قبل قدومه مكة، ولما سمع بعض الصحابة بقدومه، وأنه قد يطلب البيعة ليزيد؛ خرجوا من المدينة.
فعن ذكوان مولى عائشة قال: «لما أجمع معاوية أن يبايع لابنه يزيد حج، فقدم مكة في نحو من ألف رجل، فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر ابنه يزيد فقال: من أحق بهذا الأمر منه؟ ثم ارتحل» (٢).
وبعض الروايات تذكر أن خروج هؤلاء الصحابة كان قبل تحرك معاوية، وأن معاوية إنما تحرك بعد علمه بخروجهم.
فعن القاسم بن محمد بن أبي بكر: «قدِم معاوية المدينة حين أُخبر أن ابن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وابن الزبير، خرجوا عائذين بالكعبة من بيعة يزيد بن معاوية» (٣).
стр. 185
على كل حال، وإن كان القول الأخير أصح سندا من الأول، فمآل الروايتين واحد في النهاية، والأمر في ذلك يسير، فالاتفاق على أن المعترضين من الصحابة خرجوا من المدينة قبل قدوم معاوية، وأنه قدم الحجاز للقائهم، وقد تمَّ له ذلك في مكة -كما سيأتي-.
ولما وصل معاوية ﵁ المدينة، لم يجد أحدا من المعترضين على بيعة يزيد، فخطب الناس، وأخذ منهم البيعة، ولم يعترض أحدٌ من الحاضرين على ذلك، أو بتعبير أدق: لم يُظهر أحد اعتراضا على بيعة يزيد، وإن كان من بين الصحابة من كان معترضا، إلا أنه جعل اعتراضه في نفسه، وسكت خشية فرقة الناس، وإثارة الفتنة.
فعن حميد بن عبد الرحمن الحميري قال: «دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ (١) حين استخلف يزيد بن معاوية، فقال: أتقولون إن يزيد ليس بخير أمة محمد، لا أفقه فيها فقها، ولا أعظمها فيها شرفا؟ قلنا: نعم، قال: وأنا أقول ذلك، ولكن والله لئن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق، أرأيتم بابا لو دخل فيه أمة محمد وسعهم، أكان يعجز عن رجل واحد لو دخل فيه؟ قلنا: لا، قال: أرأيتم لو أن أمة محمد قال كل رجل منهم لا أهريق دم أخي، ولا آخذ ماله، أكان هذا يسعهم؟ قلنا: نعم، قال: فذلك ما أقول لكم، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : لا يأتيك من الحياء إلا خير» (٢).
ولما تم لمعاوية الأمر في المدينة؛ توجَّه إلى مكة.
стр. 186
الخطوة السادسة: لقاء معاوية مع المعترضين على بيعة يزيد:
لما وصل معاوية ﵁ مكة، وأدَّى عمرته: بدأ اللقاء مع هؤلاء الصحابة المعترضين على البيعة.
يقول القاسم بن محمد بن أبي بكر: «لما قدم معاوية مكة تلقَّاه عبد الله بن الزبير بالتنعيم، فضاحكه معاوية وسأله عن الأموال، ولم يعرض بشيء من الأمر الذي بلغه، ثم لقي عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر؛ فتفاوضا معه في أمر يزيد، ثم دعا معاوية ابن الزبير فقال له: هذا صنيعك أنت، استزللت هذين الرجلين، وسننت هذا الأمر، وإنما أنت ثعلب رواغ لا تخرج من جحر إلا دخلت في آخر، فقال ابن الزبير: ليس بي شقاق، ولكن أكره أن أبايع رجلين، أيكما أُطِيع بعد أن أعطيكما العهود والمواثيق؟ فإن كنت مللت الإمارة فبايع ليزيد، فنحن نبايعه معك» (١).
وثمَّ رواياتٌ أخرى ذكرت ما دار من حوار بين معاوية وابن عمر، وعبد الرحمن ﵃.
فعن ذكوان مولى عائشة قال: «قدم معاوية مكة فقضى طوافه ودخل منزله، فبعث إلى ابن عمر، فتشهَّد وقال: أما بعد يا بن عمر، فإنك قد كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك أمير، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم، فلما سكت تكلم ابن عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت أنت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار، وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين وأن أسعى في فساد ذات بينهم، ولم أكن لأفعل، إنما أنا رجل من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم، فقال: يرحمك الله، فخرج ابن عمر.
وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فتشهَّد وأخذ في الكلام فقطع عليه كلامه، فقال: إنك والله لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لانفعل، والله لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين، أو لنعيدنها عليك جذعة، ثم وثب فقام.
стр. 187
فقال معاوية: اللهم اكفنيه بم شئت، ثم قال: على رسلك أيها الرجل، لا تشرفن بأهل الشام، فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعت، ثم كن بعد ذلك على ما بدا لك من أمرك.
ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: يا ابن الزبير، إنما أنت ثعلب رواغ كلما خرج من جحر دخل آخر، وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما، وحملتهما على غير رأيهما، فتكلم ابن الزبير فقال: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع؟ لأيكما نطيع؟ لا نجمع البيعة لكما والله أبدا، ثم قام.
فراح معاوية فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذوات عوار، زعموا أن ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر الصديق لم يبايعوا يزيد، قد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له، فقال أهل الشام: لا والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الناس وإلا ضربنا أعناقهم، فقال: مه، سبحان الله، ما أسرع الناس إلى قريش بالسوء، لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم، ثم نزل، فقال الناس: بايع ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر، ويقولون: لا والله ما بايعنا، ويقول الناس: بلى لقد بايعتم، وارتحل معاوية فلحق بالشام» (١).
وفي رواية: «فقام معاوية حين أبوا عليه؛ فقال: ألا إن حديث الناس ذات غور، وقد كان بلغني عن هؤلاء الرهط أحاديث وجدتها كذبا، وقد سمعوا وأطاعوا ودخلوا في صلح ما دخلت فيه الأمة» (٢).
стр. 188
هؤلاء من ذكرَتْ الروايات اعتراضهم على معاوية في أمر بيعة يزيد، وأما الحسين بن علي ﵁ فلم نقف على رواية صحيحة تفيد ما وقع بينه وبين معاوية بخصوص هذه البيعة (١)،
стр. 189
باستثناء رواية ليس فيها كبير تفصيل؛ وهي:
عن مسافع بن شيبة قال: «لقي الحسين معاوية بمكة عند الردم، فأخذ بخطام راحلته فأناخ به، ثم سارَّه حسين طويلا وانصرف، فزجر معاوية راحلته، فقال له يزيد: لا يزال رجل قد عرض لك فأناخ بك، قال: دعه، فلعله يطلبها من غيري فلا يسوغه فيقتله» (١).
فهذه الرواية -مع صغر ما فيها- تبين أن ثمَّة حوار دار بين الحسين ومعاوية حول الخلافة من بعده، وأن معاوية علم أن هناك من يُمني الحسين بالخلافة بعد معاوية، لكنَّ معاوية يعلم أن هؤلاء لن ينصروا حسينا، بل قد يكونون سببا لقتله (٢)، وقد وقع بالفعل للحسين ﵁ بعد ذلك ما توقَّعه معاوية.
стр. 190
الخلاصة في بيعة يزيد:
استطاع معاوية ﵁ أن يأخذ البيعة ليزيد من أهل الأمصار في حياته، ولم يكن ثمَّ اعتراضٌ أو مناقشة من أحد، خلا بعض الصحابة من أهل المدينة؛ كعبد الرحمن بن أبي بكر، وابن الزبير، وابن عمر، مع مراجعات يسيرة من آخرين، كعمرو بن حزم، والأحنف بن قيس.
ولما خشي معاوية على هؤلاء الذين لم يبايعوا، أخبرهم ألا يظهروا اعتراضهم على ملإ من الناس حتى يخبرهم أنهم دخلوا في البيعة، حتى لا يتعرض لهم أحدٌ من أهل الشام بسوء، ثم ليفعلوا بعد ذلك ما أرادوا؛ فقال لعبد الرحمن بن أبي بكر -كما تقدَّم-: «على رسلك أيها الرجل، لا تشرفن بأهل الشام، فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعت، ثم كن بعد ذلك على ما بدا لك من أمرك». وهذا يفسِّر إعلان معاوية بيعة هؤلاء المعترضين من الصحابة أمام الناس على المنبر، فقد أخبرهم بما هو صانع، وبيَّن حجته فيما فعل.
стр. 191
وهذه الروايات التي تقدمت أصح سندا، وأقوم متنا، من الروايات التي ذكرت أن معاوية هدَّد هؤلاء الصحابة بالقتل، وجعل على رأس كلٍّ منهم حارسا لضرب عنقه إن لم يبايع (١)!
بل قد صحَّ أن معاوية لما قدم مكة ونزل ذا طوى، خرج إليه عبد الله بن صفوان؛ فقال: أنت الذي تزعم أنك تقتل ابن عمر إن لم يبايع لابنك؟ فقال: أنا أقتل ابن عمر؟! إني والله لا أقتله (١).
أسباب اعتراض بعض الصحابة على بيعة يزيد:
من خلل مراجعة الروايات والحوارات التي تقدَّمت، يتبين لنا أن هناك سببين رئيسين جعلا هؤلاء الصحابة يعارضون، وهما:
الأول: أن هذه الطريقة في تعيين الخليفة، والتي يعهد فيها الوالد إلى ولده من بعده، لم تكن مستصاغة عندهم، ويرونها أشبه بطرق الروم والفرس، منها إلى المسلمين، وذلك لما أراد مروان أن يستدل بفعل أبي بكر وعمر، في عهدهما لأحد بالخلافة بعدهما، على صواب فعل معاوية، وقال: «سنة أبي بكر وعمر»، انتهره عبد الرحمن بن أبي بكر، وقال: «بل سنة هرقل وقيصر» (٢). وبيَّنوا الفارق بين فعل العمرين وفعل معاوية، وهو: أن كلا الخليفتين وإن عهد إلى أحد من بعده، فردا أو جماعة، إلا أنه لم يعهد لابنه، أو أحد من رهطه وأقاربه، مع كونهم كان لهم أبناء يحبونهم أيضاً.
الثاني: أن بعضهم كان لا يرى صحة مبايعة خليفتين في وقت واحد، ولذلك قال ابن الزبير لمعاوية: «إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع؟ لأيكما نطيع؟ لا نجمع البيعة لكما والله أبدا» (٣).
بل في بعض الروايات أن ابن الزبير استدل على ما ذهب إليه بحديث للنبي ﷺ في ذلك.
стр. 194
فعن سعيد بن جبير: «أن عبد الله بن الزبير قال لمعاوية في الكلام الذي جرى بينهما في بيعة يزيد: وأنت يا معاوية أخبرتني أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان في الأرض خليفتان فاقتلوا آخرهما» (١).
لكنْ الملاحَظ هنا: هو أن المعارضين لم يذكروا قدحاً في يزيد، وإلا كيف يمكن أن يتجاهلوا صفات يزيد التي اتُّهِم بها فيما بعد؟ وخاصة في ذلك الموقف الذي يتطلب حشد أي دليل في مقابل الخصم. ولعلَّ هذا كان أحد أهم الأسباب التي جعلت معاوية يصمِّم على رأيه، مع أسباب أخرى، نبينها فيما يلي.
دوافع ترشيح معاوية لابنه يزيد للخلافة بعده:
١ - الحفاظ على وحدة الأمة، والخوف عليها من الاختلاف والنزاع:
فمعاوية ﵁ ممن عاينوا الحروب والنزاعات، وذاقوا ويلاتها، وقد أصيب منها، وفقد من إخوانه وأصحابه فيها من فقد، ثم هو بعد ذلك الذي جمع الله له الكلمة بعد صلحه مع الحسين، ولا يزال يرى أن في الأمة بقايا من بذور الشقاق، مهيَّأة أن تنبت وتستوي على سوقها إذا توافر لها من يقوم بحرثها والاعتناء بها، ومن هنا فكَّر معاوية في تسمية ومبايعة من يجتمع عليه المسلمون بعده.
وقد صرَّح معاوية بهذا في كلامه مع ابن عمر؛ فقال له: «إني أرهب أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعى لها» (٢). وفي رواية قال له: «إني خفت أن أذر الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع» (٣).
وسيأتي -بعد قليل- كلام ابن خلدون في تأييده لهذا الدافع.
стр. 195
٢ - حبُّ معاوية لابنه، وتوسُّمه فيه النجابة الدنيوية:
وهذا أمر واضحٌ وبارز، وقد صرَّح به بعض العلماء، كابن كثير، وابن خلدون، وغيرهما، بل قد ورد عن معاوية نفسه ما يؤيده.
فقد قال معاوية ﵁: ««لولا هواي في يزيد؛ لأبصرت طريقي» (١).
ولما نصحه عمرو بن حزم أن يُراجع نفسه، وينظر في الأصلح للأمة من بعده؛ قال له معاوية: «وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، وابني أحق من أبنائهم» (٢).
وسيرد ما نُفصِّل به معنى هذه الأحقية، وأنها من وجه دون وجه.
وقال ابن كثير: «فلما مات الحسن قوي أمر يزيد عند معاوية، ورأى أنه لذلك أهلا، وذاك من شدة محبة الوالد لولده، ولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية، وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأبهته، وكان يظن أنه لا يقوم أحد من أبناء الصحابة في الملك مقامه» (٣).
стр. 196
وقال ابن خلدون: «ولا يتّهم الإمام في هذا الأمر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه، لأنّه مأمون على النّظر لهم في حياته، فأولى أن لا يحتمل فيها تبعة بعد مماته، خلافا لمن قال باتهامه في الولد والوالد، أو لمن خصص التهمة بالولد دون الوالد، فإنه بعيد عن الظنة في ذلك كله، لا سيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه؛ من إيثار مصلحة، أو توقع مفسدة، فتنتفي الظنة في ذلك رأسا، كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد، وإن كان فعل معاوية مع وفاق الناس له حجة في الباب.
والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه: إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية، إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش، وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول، حرصا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع.
وإن كان لا يُظنُّ بمعاوية غير هذا، فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم أجلُّ من ذلك، وعدالتهم مانعة منه، وفرار عبد الله بن عمر من ذلك إنما هو محمول على تورعه من الدخول في شيء من الأمور، مباحا كان أو محظورا، كما هو معروف عنه، ولم يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا ابن الزبير، وندور المخالف معروف» (١).
стр. 197
وقال أيضا: «عهد معاوية إلى يزيد خوفا من افتراق الكلمة، بما كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم، فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه، مع أن ظنهم كان به صالحا، ولا يرتاب أحد في ذلك، ولا يُظنُّ بمعاوية غيره، فلم يكن ليعهد إليه وهو يعتقد ما كان عليه من الفسق، حاشا الله لمعاوية من ذلك» (١).
فهذه النصوص يتضح منها أن معاوية يرى أن من أبناء الصحابة الموجودين من هو أفضل من ولده، لكنه لا يرى أحدا يجتمع عليه الناس عامة، ويوافق عليه أهل الشام خاصة؛ مثل ولده يزيد، وهو قد عاين الملك، وصحب أباه، وتقدَّم الجيوش كما في حصار القسطنطينية.
يقول د. الصلَّابي: «ولا شك أن الصحابة وأبناءهم أفضل من يزيد وأصلح، ولكن مع ذلك فإن معاوية ربما رأى في ولده مقدرة لا تكن لغيره في قيادة الأمة، بسبب عيشته المتواصلة مع أبيه، ومناصرة أهل الشام وولائهم الشديد له، ثم اطلاعه عن قرب على معطيات ومجريات السياسة في عصره، وقد أنس معاوية ﵁ من ولده يزيد حرصاً على العدل، وتأسياً بالخلفاء الراشدين، فقد كان يسأله عن الكيفية التي سيسير بها في الأمة؛ فيرد عليه يزيد بقوله: كنت والله يا أبه عاملاً فيهم عمل عمر بن الخطاب (٢). وغير ذلك من الأسباب» (٣).
وهذه النصوص كلها تفسر الأحقية التي عناها معاوية لولده، ويضاف لذلك -بلا شكٍّ-: عاطفة الأبوة.
وقد ورد التصريح عن معاوية بهذه النكتة، أعني: تقديم الأنفع وإن لم يكن الأفضل، ليس عن يزيد فحسب، بل عن نفسه أيضا.
стр. 198
فعن زرارة بن أوفى: «أن معاوية خطب الناس، فقال: يا أيها الناس، إنا نحن أحق بهذا الأمر، نحن شجرة رسول الله ﷺ وبيضته التي انفلقت عنه، ونحن ونحن، فقال صعصعة: فأين بنو هاشم منكم؟ قال: نحن أسوس منهم، وهم خير منا» (١).
وعن ثابت مولى سفيان قال: «سمعت معاوية، يقول: إني والله لست بخيركم، وإن فيكم من هو خير مني، عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيرهما من الأفاضل، ولكني عسيت أن أكون أنكاكم في عدوكم، وأنفعكم لكم ولاية، وأحسنكم خلقا» (٢).
فمن هذا الباب قدَّم معاوية ولده يزيد على غيره، وهذا -كتأصيل شرعيٍّ- لا ينكره العلماء.
стр. 199
قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان، أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة؛ قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررا فيها، فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع -وإن كان فيه فجور- على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا، كما سُئِل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؛ فقال: أما الفاجر القوي: فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف: فصلاحه لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر» (١).
ومع ذلك، فيزيد لم يكن مغموصا عليه شيءٌ في دينه، يدل على ذلك:
١ - أن المعارضين لم يذكروا قدحاً في يزيد، وإلا: كيف يمكن أن يتجاهلوا صفات يزيد التي اتهم بها فيما بعد، وخاصة في ذلك الموقف الذي يتطلب حشد أي دليل في مقابل الخصم؟!
يقول ابن العربي: «فإن قيل: كان منها -أي: من شروط الإمامة- العدالة والعلم، ولم يكن يزيد عدلًا ولا عالماً؛ قلنا: وبأي شيء نعلم عدم علمه، أو عدم عدالته؟ ولو كان مسلوبهما لذكر ذلك الثلاثة الفضلاء الذين أشاروا عليه بأن لا يفعل، وإنما رموا إلى الأمر بعيب التحكيم، وأرادوا أن تكون شورى» (٢).
٢ - ما يذكره أهل التاريخ في ترجمة يزيد، ومن ذلك قول ابن كثير: «وقد كان يزيد فيه خصال محمودة من الكرم، والحلم، والفصاحة، والشعر، والشجاعة، وحسن الرأي في الملك، وكان ذا جمال، حسن المعاشرة» (٣).
стр. 200
وقال الشيخ محب الدين الخطيب: «إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ -أي: يزيد- مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لا يبلغه خليفة في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز! وإن طمعنا بالمستحيل وقدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر وعمر آخر؛ فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر وعمر.
وإن كان مقياس الأهلية الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، والعدل في الناس، والنظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، وتوسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم وجماعاتهم؛ فإن يزيد يوم تمحص أخباره، ويقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم، وأجزل الثناء عليهم» (١).
٣ - أنه كان قائدا لأول جيش غزا مدينة قيصر، أي: القسطنطينية، وقد بشرهم النبي ﷺ بالمغفرة؛ فقال: «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم» (٢).
قال المهلب: «في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر» (٣).
لهذه الأسباب والدوافع قدَّم معاوية ابنه يزيد على غيره ليكون خَلَفاً له، ولم يجد في حجج المعارضين ما يجعله يتراجع عن رأيه، فحاصل اعتراضهم -كما قدَّمنا- يرجع لأمرين، وكلاهما له توجيه في فعل معاوية كما يلي.
стр. 201
الجواب عن أدلة المعترضين على تولية معاوية ليزيد من بعده:
- أما اعتراضهم بأن هذه الطريقة في تعيين الخليفة، والتي يعهد فيها الوالد إلى ولده من بعده، لم تكن من هدي الرسول ﷺ ولا الخلفاء من بعده؛ فالجواب عنها: أنه ليس هناك نص صريح في الكتاب أو السنة في تعيين الطريقة التي تثبت بها الإمامة للإمام، وليس هناك إلا النصوص العامة المتعلقة بالولاية والتولية، سواء كانت صغرى أم كبرى، كالشورى ونحوها (١).
وأما عن طرق تولية الخلفاء الراشدين الأربعة: فلم تسر على وتيرة واحدة، فالنبي ﷺ ترك الأمر شورى بين المسلمين، ولم يلزمهم بأحد، مع كونه أشار إلى أحقية أبي بكر، وأبو بكر عهد إلى عمر من بعده، وعمر عهد إلى نفر جعل الخلافة فيهم، وكأنه جمع بين فعل النبي ﷺ وفعل أبي بكر، وعثمان قُتل ولم يعهد لأحد، وعلي اختاره المسلمون وبايعوه، ولما طُعن لم يعهد أيضا لأحد وترك الأمر شورى بين المسلمين (٢).
فمن هنا استنبط العلماء طريقتين لعقد الإمامة:
الأولى: الاختيار:
وهي التي يقوم بها أهل الحل والعقد، وهي الطريقة التي تمت بها تولية أبي بكر وعلي ﵄.
الثانية: العهد أو الاستخلاف:
وهي أن يقوم الخليفة -إذا أحس بقرب أجله- بمشاورة أهل الحل والعقد فيمن يختار، فإذا وقع رأيه على شخص معين يصلح لهذا المقام، ووافقه أهل الحل والعقد؛ فإنه يعهد إليه من بعده، وبهذه الطريقة تمت تولية عمر، واستُخدمت -مع نوع من التعديل- في تولية عثمان ﵁.
قال الماوردي: «وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله: فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته» (٣).
стр. 202
بل كان ابن حزم يرى هذه الطريقة هي الأفضل والأحسن؛ فقال -بعد أن ذكر الطريقة السابقة لانعقاد الإمامة-: «وهذا هو الوجه الذي نختاره ونكره غيره، لما في هذا الوجه من اتصال الإمامة وانتظام أمر الإسلام وأهله، ورفع ما يتخوف من الاختلاف والشغب مما يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى، ومن انتشار الأمر، وارتفاع النفوس، وحدوث الأطماع» (١).
وأما العهد بالخلافة إلى الآباء أو الأبناء -على وجه الخصوص- فقد اختلف العلماء في جوازه على ثلاثة مذاهب (٢)؛ منها: جواز العهد إلى الأصول والفروع، وقد رجَّح ذلك ابن خلدون، وتقدَّم ذكر كلامه. فهذه من المسائل السائغ فيها الخلاف بين العلماء.
إذن لماذا اعترض البعض على عهد معاوية بالخلافة ليزيد من بعده ؟
والجواب: أن اعتراضهم لم يكن لأجل الطريقة التي استخدمها معاوية، وإنما كان لأجل الشخص نفسه الذي وقع عليه الاختيار.
قال ابن حزم: «إنما أنكر من أنكر من الصحابة ﵃، ومن التابعين بيعة يزيد بن معاوية، والوليد، وسليمان؛ لأنهم كانوا غير مرضيين، لا لأن الإمام عهد إليهم في حياته» (٣).
ولذلك لما اجتمع معاوية بمن اعترضوا على تولية يزيد -وقد سبق ذكر أسمائهم- تكلم عنهم ابن الزبير فقال لمعاوية: «فاصنع ما صنع أبو بكر، قال معاوية: لله أبوك! وما صنع أبو بكر؟ قال: عمد إلى رجل من قاصية قريش، ليس من بني أبيه ولا من رهطه الأدنين فاستخلفه، فإن شئت أن تنظر أي رجل من قريش شئت ليس من بني عبد شمس فترضى به» (٤).
стр. 203
هذا هو محل الخلاف إذاً، فهم لا يرون يزيد كفئاً، ويخشون من توريث الحكم، ومعاوية يراه كفئا، وهو أحق بالأمر من غيره، ولا يمنعه من ذلك أن كان أبوه الخليفة، وأيَّد موقف معاوية: أنه لم ير اعتراضا على رأيه من أكثر المسلمين، ومن بيدهم غلبة وقوة، ويدخلون في مصطلح: "أهل الحل والعقد".
- وأما اعتراض بعضهم بأنه لا يرى صحة مبايعة خليفتين في وقت واحد، فهذا أمر انفرد به ابن الزبير، ولم يقل معاوية أنه سيجعل ابنه خليفة معه حتى يتحير الناس، من يطيعون ومن يعصون، وإنما لا يكون يزيد خليفة شرعيا حتى يموت معاوية، أو يُعلن تنازله التام عن الخلافة له. هذا إن ثبت عن ابن الزبير أنه اعترض بهذا الاعتراض من الأصل (١).
هل كان معاوية مصيبا في عهده ليزيد بالخلافة من بعده ؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال علينا أن نعلم أن هذه مسألة اجتهادية، وأن معاوية ﵁ كان من أهل الاجتهاد، لذا فاختياره دائر بين الأجر والأجرين، تحقيقا لقول الرسول ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ؛ فله أجر» (٢).
ولا شكَّ أيضا أن مسألة عهد معاوية ﵁ نفسها بالخلافة لأحد من بعده، تخوفا على الأمة من النزاع والفرقة والاختلاف؛ أمر يُحمد له، ويُشكر عليه.
ولنتصور أن معاوية ﵁ سلك إحدى الأمور الثلاث الآتية:
- ترك الناس بدون خليفة من بعده، مثلما فعل حفيده معاوية بن يزيد.
стр. 204
- نادَى في كل مَصر من الأمصار بأن يرشحوا لهم نائباً، ثم يختاروا من هؤلاء المرشحين خليفة.
- جعل يزيد هو المرشح، وبايعه الناس كما فعل.
ولنأخذ الأمر الأول: كيف ستكون حالة المسلمين لو أن معاوية تناسى هذا الموضوع، وتركه ولم يرشح أحدًا لخلافة المسلمين حتى تُوُفّي؟
قد يغلب على الظن أن الوضع سيكون أسوأ من ذلك الوضع الذي أعقب تصريح معاوية بن يزيد بتنازله عن الخلافة، وترك الناس في هرج ومرج، حتى استقرت الخلافة أخيراً لعبد الملك بن مروان، بعد حروب طاحنة استمرت قرابة عشر سنوات.
ثم لنتصور الأمر الثاني: نادى منادٍ في كل مصر بأن يرشحوا نائباً عنهم، حتى تكون مسابقة أخيرة ليتم فرز الأصوات فيها، ثم الخروج من هذه الأصوات بفوز مرشح من المرشحين ليكون خليفة للمسلمين بعد وفاة معاوية.
سيختار أهل الشام، رجل من بني أمية بلا شك، وربما كان يزيد، وربما غيره، وسيختار أهل العراق -في الغالب- الحسين بن علي ﵁، وسيختار أهل الحجاز: إما عبد الله بن عمر، أو عبد الرحمن بن أبي بكر، أو ابن الزبير، ﵃ جميعا، وسيختار أهل مصر: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.
والسؤال الآن: هل سيرضى كل مصر بولاية واحد من هؤلاء، ويسَلّموا له، أم ستكون المعارضة واردة؟!
الجواب: أغلب الظن أن المعارضة ستظهر.
ولنسأل سؤالًا آخر: في حالة أنه تم اختيار كل مرشح من قِبَل الأمصار، هل يستطيع معاوية ﵁ أن يلزم كل مَصر بما اختاره أهل المصر الآخر؟!
الجواب: ستجد الدولة نفسها في النهاية أمام تنظيمات انفصالية، وسيعمد أدعياء الشر الذين قهرتهم الدولة بسلطتها إلى استغلال هذه الفوضى السياسية، ومن ثم الإفادة منها في إحداث شرخ جديد في كيان الدولة الإسلامية.
стр. 205
ونحن حينما نورد هذه الاعتراضات، فربما حصل ما أشرنا إليه، وربما حدث العكس من ذلك، ولكنا أوردنا ذلك حتى نتصور مدى عدم صحة الآراء التي أحياناً يطلقها ويتحمس لها البعض دون الرجوع إلى الواقع التاريخي المحتم آنذاك.
لقد تعرض المجتمع المسلم إلى هزة عنيفة بعد استشهاد عثمان بن عفان ﵁، وترك كيانات وتيارات سياسية وعقائدية خطيرة، استوجبت من معاوية أن يدرك خطورة الأمر والفرقة التي سوف تحصل للمسلمين إذا لم يسارع بتعيين ولي عهد له.
ويبقى الأمر الثالث: وهو ما فعله معاوية ﵁ بتولية يزيد وليَّاً للعهد من بعده، وقد اعترف بمزايا خطوة معاوية هذه، كل من ابن العربي (١)، وابن خلدون الذي كان أقواهما حجة، إذا يقول: «والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه، إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه» (٢). (٣)
لكن: لعله كان من الأولى أن يجعل ذلك العهد في أحد غير ولده، تتفق عليه كلمة المسلمين، ولا يشوبه شبهة توريث الحكم.
يقول د. علي الصلَّابي: «فمعاوية ﵁ اجتهد، ولم يكن مصيباً في تولية يزيد لولاية العهد، فقد كان بوسعه وقدراته السياسة الفائقة أن يطمئن في حياته على اجتماع كلمة المسلمين في أمر الخلافة من بعده، باختيار واحد من قريش يشهد له الناس بحسن السيرة أكثر من يزيد ابنه، ويجتمع عليه أعيان المجتمع الإسلامي في الشام، والعراق، وبلاد الحجاز، وغيرها» (٤).
стр. 206
ويقول د. عبد الشافي محمد عبد اللطيف: «ومما لا شك فيه لو جاء معاوية برجل من ذوي الكفاءة من قريش، غير ابنه يزيد، واستفتى ذوي الرأي والنهي بشأنه، ثم وقف وراءه بثقله الكامل وتأييده الصريح، وطلب من أهل الحل والعقد في الأمة مبايعته بولاية العهد، فهل كان يعترض أحد؟ طبعاً لا، ذلك لأن أمير المؤمنين هو الداعي، ولأن المرشح لولاية العهد رجل أريد بترشيحه ومبايعته مصلحة الأمة والدولة، مجردة من كل شبهة أو عاطفة، ألا ترى معي أن ذلك كان ممكناً؟ وأنه كان محققاً للغرض القائل بأن القصد من ولاية العهد هو سد أبواب الخلاف بين المسلمين، وتجنب الأمة أخطار التنازع والفتن من جديد؟
ولكن معاوية ﵁ على كل حال اجتهد، فإن كان مصيباً فله أجران، وإن كان مخطئاً فله أجر» (١).
وأما عن أهل الشام ورغبتهم في كون الخليفة منهم، فإنهم وإن كان لهم شوكة في هذا الوقت؛ إلا أننا نظن أيضا أنهم كانوا سينقادون لأمر معاوية، وسيدخلون فيما يدخل فيه المسلمون، طالما أن معاوية وطَّد الأمر وهيَّأه، وقد كان قادرا على ذلك.
فرضي الله عن معاوية، وعن سائر أصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 207
مرضه وفاته:
لما استشعر معاوية ﵁ دُنوَّ أجله، خطب الناس، فوعظهم وذكَّرهم، وكذلك أوصى ولده يزيد، وأعلمه ما يصنع عند موته.
فعن ثمامة بن كلثوم: «أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيها الناس، إني من زَرْعٍ قد استحصد، وإني قد وليتكم، ولن يليكم أحد بعدي إلا من هو شر مني، كما كان من وليكم قبلي خيرا مني، ويا يزيد! إذا وفى أجلي فول غسلي رجلا لبيبا، فإن اللبيب من الله بمكان، فلينعم الغسل وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب رسول الله ﷺ ، وقراضة من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفي وفمي وأذني وعيني، واجعل الثوب يلي جلدي دون أكفاني، ويا يزيد! احفظ وصية الله في الوالدين، فإذا أدرجتموني في جريدتي، ووضعتموني في حفرتي فخلوا معاوية وأرحم الراحمين» (١).
وقد أصابت معاوية ﵁ لقوة (٢) في آخر عمره، فكان يستر وجهه، ويقول: «رحم الله عبدا دعا لي بالعافية، فقد رُميت في أحسني وما يبدو مني» (٣).
لكن يبدو أن هناك إصابة أخرى أقعدته في بيته، وهي أشبه ما تكون بقرحة ظهرت في جنبه، فكانت بسببها وفاته.
فعن أبي بردة، قال: «دخلتُ على معاوية حيث أصابته قرحته، فقال: هلم يا بن أخي نحوي فانظر، فنظرت فإذا هي قد سبرت، فقلت: ليس عليك بأس يا أمير المؤمنين، فدخل يزيد، فقال معاوية: إن وليت من أمر الناس شيئا فاستوص بهذا، فإن أباه كان لي خليلا -أو: نحو ذلك من القول- غير أني رأيت في القتال ما لم يره» (٤).
стр. 208
وعن محمد بن سيرين قال: «أخذت معاوية قِرَّة (١)، واتخذ لُحَفاً خِفافا، فكانت تلقى عليه، فلا يلبث أن ينادي بها، فإذا أخذت عنه سأل أن ترد عليه، فقال: قبحك الله دارا، مكثت فيك عشرين سنة أميرا، وعشرين سنة خليفة، ثم صرت إلى ما أرى» (٢).
وقال ابن كثير: «وذكروا أنه في آخر عمره اشتد به البرد، فكان إذا لبس أو تغطى بشيء ثقيل يغمه، فاتخذ له ثوب من حواصل الطير (٣)، ثم ثقل عليه بعد ذلك، فقال: تبا لك من دار، ملكتك أربعين سنة; عشرين أميرا، وعشرين خليفة، ثم هذا حالي فيك، ومصيري منك، تبا للدنيا ومحبيها» (٤).
وقد أثَّر المرض فيه، حتى ذبل جسمه، وشحب لونه، وأصبح حاله لا يخفى على زائره وناظره.
стр. 209
فعن قيس بن أبي حازم قال: «دخلنا على معاوية في مرضه الذي مات فيه، وكأن ذراعيه سعفتان (١) محترقتان، فقال: إنكم تقلبون غدا فتى حُوَّلا قُلَّبا (٢). وأيُّ فتى أهلِ بيتٍ إن نجا غدا من النار؟» (٣).
وعن عبد الملك بن عمير قال: «دخل عمرو بن سعيد على معاوية في مرضه، فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد انخرط (٤) أنفك، وذبلت شفتاك، وتغير لونك، وما رأيت أحدا من أهل بيتك في مثل حالك إلا ما ترى! فقال معاوية:
فإن الموت لم يَخْلُق جديدا (٥) ... ولا هَضْبا (٦) تُوَقِّلُه (٧) الوِبَارُ (٨)
ولكن كالشهاب يضي ويخبو ..... وحادي الموت عنه ما يُحار
فهل من خالد إما هلكنا ... وهل بالموت يا للناسِ عار» (٩).
стр. 210
وعن محمد بن عقبة قال: «لما نزل بمعاوية الموت قال: ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى، وأني لم أل من هذا الأمر شيئا» (١).
وصيته قبل موته:
ثمَّ روايات تفيد أن معاوية ﵁ أوصى عند موته ابنه يزيد بكيفية التعامل مع المعترضين على حكمه، وكذا كيفية التعامل مع الأمصار المختلفة، لكنَّ ضعفها، وما في متنها من نكارة؛ لا يجعلها صالحة للذكر هنا (٢).
стр. 211
والأصح من ذلك: ما قدَّمناه من خطبته في الناس، وكذا وصيته ليزيد في كيفية تكفينه، وإن كان في هذه الرواية ضعف، إلا أنها تتقوى بما يلي:
عن ميمون بن مهران: «أن معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: إن رسول الله ﷺ كساني قميصا فرفعته، وقلم أظفاره يوما، فأخذت قلامته فجعلتها في قارورة، فإذا مت: فألبسوني ذلك القميص، وقطعوا تلك القلامة، واسحقوها وذروها في عيني، وفي في، فعسى الله أن يرحمني ببركتها!
ثم قال متمثلا بشعر الأشهب بن رميلة النهشلي يمدح به القباع:
إذا مت مات الجود وانقطع الندى ... من الناس إلا من قليل مصرد
وردت أكف السائلين وأمسكوا ...... من الدين والدنيا بخلف مجدد
فقالت إحدى بناته- أو غيرها-: كلا يا أمير المؤمنين، بل يدفع الله عنك، فقال متمثلا:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
ثم أغمي عليه، ثم أفاق، فقال: لمن حضره من أهله: اتقوا الله ، فإن الله سبحانه يقي من اتقاه، ولا واقي لمن لا يتقي الله، ثم قضى» (١).
قال ابن كثير: «وقد ورد من غير وجه أنه أوصى إليه أن يكفن في ثوب رسول الله ﷺ الذي كساه إياه، وكان مدخرا عنده لهذا اليوم، وأن يجعل ما عنده من شعره وقلامة أظفاره في فمه، وأنفه، وعينيه، وأذنيه» (٢).
стр. 212
وعن محمد بن الحكم، عن أبيه: «أن معاوية لما حُضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال، كأنه أراد أن يطيب له الباقي؛ لأن عمر قاسم عماله» (١).
وعن محمد بن سيرين قال: «مرض معاوية مرضا شديدا، فنزل عن السرير، وكشف ما بينه وبين الأرض، وجعل يلزق ذا الخد مرة بالأرض، وذا الخد مرة بالأرض، ويبكي ويقول: اللهم إنك قلت في كتابك: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. اجعلني ممن تشاء أن تغفر له» (٢).
وعن أبي عمرو بن العلاء المازني قال: «لما حضرت معاوية الوفاة قيل له: يا أمير المؤمنين! ألا توصي؟ فقال:
هو الموت لا منجى من الموت والذي ....... نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع
ثم قال: اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك، فما وراءك مذهب. ثم مات» (٣).
وقد اختُلف فيمن صلَّى عليه:
فذهب بعضهم إلى أن ابنه يزيد هو من صلَّى عليه.
قال خليفة بن خيَّاط: «وصلى عليه ابنه يزيد بن معاوية» (٤).
стр. 213
وقال ابن حبان: «وقد قيل إن يزيد بن معاوية هو الذي صلى عليه» (١).
وقال ابن كثير: «وقال محمد بن إسحاق والشافعي: صلى عليه ابنه يزيد» (٢).
بينما ذهب آخرون إلى أن الضحاك بن قيس الفهري هو من صلَّى عليه، وكان ابنه يزيد غائبا.
قال أبو الحسن المدائني: «صلى على معاوية: الضحاك بن قيس الفهري، وكان يزيد غائبا حين مات معاوية» (٣).
وهذا القول هو ما اختاره الطبري، حيث أورده ولم يورد قولا سواه.
وقال خليفة بن خيَّاط: «ويُقال: لم يحضر يزيد، صلى عليه الضحاك بن قيس» (٤).
وقال ابن حبان: «وصلَّى عليه بن قيس الفهري» (٥).
وقال ابن كثير: «وقال آخرون: بل كان ابنه يزيد غائبا، فصلى عليه الضحاك بن قيس بعد صلاة الظهر بمسجد دمشق» (٦).
стр. 214
موضع مقبرته:
قال ابن حبان: «وقبره بدمشق خارج باب الصغير في المقبرة محوط عليه، قد زرته مرارا عند قصري رمادة أبي الدرداء يزيد بن معاوية أبو خالد» (١).
وقال ابن كثير: «ثم دُفن، فقيل: بدار الإمارة، وهي الخضراء، وقيل: بمقابر باب الصغير، وعليه الجمهور. والله أعلم» (٢).
عمره، وتاريخ وفاته:
اتفقت المصارد التي ترجمت لمعاوية ﵁ أنه توفي في شهر رجب، سنة ستين من الهجرة.
قال الطبري: «وفي هذه السنة: هلك معاوية بن أبي سفيان بدمشق، فاختُلِف في وقت وفاته، بعد إجماع جميعهم على أن هلاكه كان في سنة ستين من الهجرة، وفي رجب منها» (٣).
وقال الحافظ ابن حجر: «مات معاوية في رجب سنة ستين على الصحيح» (٤).
قلتُ (أحمد): لم أقف على أحد خالف في هذا، والله أعلم (٥)، وإنما اختلفوا في أي يوم من رجب كانت وفاته.
قال الطبري: «قال هشام بن محمد: مات معاوية لهلال رجب من سنة ستين.
وقال الواقدي: مات معاوية للنصف من رجب.
وقال علي بن محمد: مات معاوية بدمشق سنة ستين، يوم الخميس، لثمان بقين من رجب» (٦).
وقال خليفة بن خيَّاط: «وفي سنة ستين: توفي أمير المؤمنين معاوية في رجب، لأربع ليال خلت منه» (٧).
وقال ابن حبان: «مات يوم الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين، وقد قيل: إن معاوية مات للنصف من رجب» (٨).
وقال أبو نعيم الأصبهاني: «توفي للنصف من رجب سنة ستين» (٩).
على كل حال: الخلاف في ذلك يسير، فهو بضعة أيام، لكن الاختلاف الأوسع من ذلك -بعض الشيء- هو: اختلافهم في عمره عند موته.
قال الطبري: «واختلفوا في مدة عمره، وكم عاش؟» (١٠).
ثم ذكر الطبري عدة أقوال، حاصلها ما يلي:
١ - مات وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.
قاله علي بن محمد المدائني (١١).
٢ - مات وهو ابن خمس وسبعين سنة.
قاله الزهري (١٢).
٣ - مات وهو ابن ثمان وسبعين سنة.
قاله سعيد بن دينار المدني (١٣).
стр. 215
وقال أبو نعيم الأصبهاني: «وقيل: مات وهو ابن ثمان وسبعين سنة» (١).
وقال ابن كثير: «وكان عمره إذ ذاك ثمانيا وسبعين سنة» (٢).
وممن قاله أيضا: ابن عبد البر (٣).
٤ - مات وهو ابن ثمانين سنة.
قال المدائني: «ويقال: مات وهو ابن ثمانين سنة» (٤).
وقال أبو نعيم: «مات وله نحو من ثمانين سنة» (٥).
٥ - مات وهو ابن خمس وثمانين سنة.
قاله محمد بن السائب الكلبي (٦).
٦ - مات وهو ابن ست وثمانين سنة.
قال ابن عبد البر: «وقيل: مات وهو ابن ست وثمانين» (٧).
وقال ابن كثير: «وقيل: جاوز الثمانين، وهو الأشهر، والله أعلم» (٨).
وثمَّ أقوالٌ أخر ذُكرت بين هذه السنوات المذكورة (٩)، لكن هذا أقل وأكثر ما ذُكر في عمره عند وفاته، والله أعلم.
مدة ملكه:
قال أبو معشر السندي: «كانت خلافته: تسع عشرة سنة، وثلاثة أشهر» (١٠).
وقال سعيد بن دينار: «كانت خلافته تسع عشرة سنة، وثلاثة أشهر، وسبعة وعشرين يوما» (١١).
وقال علي المدائني: «كانت ولايته تسع عشرة سنة، وثلاثة أشهر، وسبعة وعشرين يوما» (١٢).