← Тараджим

Тараджим · id 609

فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان

أحمد الجابري

Полный текст (314 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والأصح من ذلك: ما قدَّمناه من خطبته في الناس، وكذا وصيته ليزيد في كيفية تكفينه، وإن كان في هذه الرواية ضعف، إلا أنها تتقوى بما يلي: عن ميمون بن مهران: «أن معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: إن رسول الله ﷺ كساني قميصا فرفعته، وقلم أظفاره يوما، فأخذت قلامته فجعلتها في قارورة، فإذا مت: فألبسوني ذلك القميص، وقطعوا تلك القلامة، واسحقوها وذروها في عيني، وفي في، فعسى الله أن يرحمني ببركتها! ثم قال متمثلا بشعر الأشهب بن رميلة النهشلي يمدح به القباع: إذا مت مات الجود وانقطع الندى ... من الناس إلا من قليل مصرد وردت أكف السائلين وأمسكوا ...... من الدين والدنيا بخلف مجدد فقالت إحدى بناته- أو غيرها-: كلا يا أمير المؤمنين، بل يدفع الله عنك، فقال متمثلا: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع ثم أغمي عليه، ثم أفاق، فقال: لمن حضره من أهله: اتقوا الله ، فإن الله سبحانه يقي من اتقاه، ولا واقي لمن لا يتقي الله، ثم قضى» (١). قال ابن كثير: «وقد ورد من غير وجه أنه أوصى إليه أن يكفن في ثوب رسول الله ﷺ الذي كساه إياه، وكان مدخرا عنده لهذا اليوم، وأن يجعل ما عنده من شعره وقلامة أظفاره في فمه، وأنفه، وعينيه، وأذنيه» (٢).

стр. 212

وعن محمد بن الحكم، عن أبيه: «أن معاوية لما حُضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال، كأنه أراد أن يطيب له الباقي؛ لأن عمر قاسم عماله» (١). وعن محمد بن سيرين قال: «مرض معاوية مرضا شديدا، فنزل عن السرير، وكشف ما بينه وبين الأرض، وجعل يلزق ذا الخد مرة بالأرض، وذا الخد مرة بالأرض، ويبكي ويقول: اللهم إنك قلت في كتابك: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. اجعلني ممن تشاء أن تغفر له» (٢). وعن أبي عمرو بن العلاء المازني قال: «لما حضرت معاوية الوفاة قيل له: يا أمير المؤمنين! ألا توصي؟ فقال: هو الموت لا منجى من الموت والذي ....... نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع ثم قال: اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك، فما وراءك مذهب. ثم مات» (٣). وقد اختُلف فيمن صلَّى عليه: فذهب بعضهم إلى أن ابنه يزيد هو من صلَّى عليه. قال خليفة بن خيَّاط: «وصلى عليه ابنه يزيد بن معاوية» (٤).

стр. 213

وقال ابن حبان: «وقد قيل إن يزيد بن معاوية هو الذي صلى عليه» (١). وقال ابن كثير: «وقال محمد بن إسحاق والشافعي: صلى عليه ابنه يزيد» (٢). بينما ذهب آخرون إلى أن الضحاك بن قيس الفهري هو من صلَّى عليه، وكان ابنه يزيد غائبا. قال أبو الحسن المدائني: «صلى على معاوية: الضحاك بن قيس الفهري، وكان يزيد غائبا حين مات معاوية» (٣). وهذا القول هو ما اختاره الطبري، حيث أورده ولم يورد قولا سواه. وقال خليفة بن خيَّاط: «ويُقال: لم يحضر يزيد، صلى عليه الضحاك بن قيس» (٤). وقال ابن حبان: «وصلَّى عليه بن قيس الفهري» (٥). وقال ابن كثير: «وقال آخرون: بل كان ابنه يزيد غائبا، فصلى عليه الضحاك بن قيس بعد صلاة الظهر بمسجد دمشق» (٦).

стр. 214

موضع مقبرته: قال ابن حبان: «وقبره بدمشق خارج باب الصغير في المقبرة محوط عليه، قد زرته مرارا عند قصري رمادة أبي الدرداء يزيد بن معاوية أبو خالد» (١). وقال ابن كثير: «ثم دُفن، فقيل: بدار الإمارة، وهي الخضراء، وقيل: بمقابر باب الصغير، وعليه الجمهور. والله أعلم» (٢). عمره، وتاريخ وفاته: اتفقت المصارد التي ترجمت لمعاوية ﵁ أنه توفي في شهر رجب، سنة ستين من الهجرة. قال الطبري: «وفي هذه السنة: هلك معاوية بن أبي سفيان بدمشق، فاختُلِف في وقت وفاته، بعد إجماع جميعهم على أن هلاكه كان في سنة ستين من الهجرة، وفي رجب منها» (٣). وقال الحافظ ابن حجر: «مات معاوية في رجب سنة ستين على الصحيح» (٤). قلتُ (أحمد): لم أقف على أحد خالف في هذا، والله أعلم (٥)، وإنما اختلفوا في أي يوم من رجب كانت وفاته. قال الطبري: «قال هشام بن محمد: مات معاوية لهلال رجب من سنة ستين. وقال الواقدي: مات معاوية للنصف من رجب. وقال علي بن محمد: مات معاوية بدمشق سنة ستين، يوم الخميس، لثمان بقين من رجب» (٦). وقال خليفة بن خيَّاط: «وفي سنة ستين: توفي أمير المؤمنين معاوية في رجب، لأربع ليال خلت منه» (٧). وقال ابن حبان: «مات يوم الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين، وقد قيل: إن معاوية مات للنصف من رجب» (٨). وقال أبو نعيم الأصبهاني: «توفي للنصف من رجب سنة ستين» (٩). على كل حال: الخلاف في ذلك يسير، فهو بضعة أيام، لكن الاختلاف الأوسع من ذلك -بعض الشيء- هو: اختلافهم في عمره عند موته. قال الطبري: «واختلفوا في مدة عمره، وكم عاش؟» (١٠). ثم ذكر الطبري عدة أقوال، حاصلها ما يلي: ١ - مات وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. قاله علي بن محمد المدائني (١١). ٢ - مات وهو ابن خمس وسبعين سنة. قاله الزهري (١٢). ٣ - مات وهو ابن ثمان وسبعين سنة. قاله سعيد بن دينار المدني (١٣).

стр. 215

وقال أبو نعيم الأصبهاني: «وقيل: مات وهو ابن ثمان وسبعين سنة» (١). وقال ابن كثير: «وكان عمره إذ ذاك ثمانيا وسبعين سنة» (٢). وممن قاله أيضا: ابن عبد البر (٣). ٤ - مات وهو ابن ثمانين سنة. قال المدائني: «ويقال: مات وهو ابن ثمانين سنة» (٤). وقال أبو نعيم: «مات وله نحو من ثمانين سنة» (٥). ٥ - مات وهو ابن خمس وثمانين سنة. قاله محمد بن السائب الكلبي (٦). ٦ - مات وهو ابن ست وثمانين سنة. قال ابن عبد البر: «وقيل: مات وهو ابن ست وثمانين» (٧). وقال ابن كثير: «وقيل: جاوز الثمانين، وهو الأشهر، والله أعلم» (٨). وثمَّ أقوالٌ أخر ذُكرت بين هذه السنوات المذكورة (٩)، لكن هذا أقل وأكثر ما ذُكر في عمره عند وفاته، والله أعلم. مدة ملكه: قال أبو معشر السندي: «كانت خلافته: تسع عشرة سنة، وثلاثة أشهر» (١٠). وقال سعيد بن دينار: «كانت خلافته تسع عشرة سنة، وثلاثة أشهر، وسبعة وعشرين يوما» (١١). وقال علي المدائني: «كانت ولايته تسع عشرة سنة، وثلاثة أشهر، وسبعة وعشرين يوما» (١٢).

стр. 216

وقال هشام بن محمد: «بويع لمعاوية بالخلافة في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، فولى تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر إلا أياما، ثم مات لهلال رجب من سنة ستين» (١). وقال خليفة بن خيَّاط: «كانت ولايته تسع عشرة سنة، وثلاثة أشهر، وعشرين يوما» (٢). وقال ابن حبان: «كانت مدة معاوية: تسع عشرة سنة، وثلاثة أشهر، واثنتين وعشرين ليلة» (٣). وأمَّا ما ورد من كون مدة خلافته عشرين سنة؛ فهذا فيه تجوز، وجبرٌ للكسر. قال الحافظ ابن حجر: «قال عبد الملك بن مروان: عاش ابن هند- يعني معاوية- عشرين سنة أميرا، وعشرين سنة خليفة، وجزم به محمد بن إسحاق. وفيه تجوّز، لأنه لم يكمل في الخلافة عشرين إن كان أولها قتل علي، وإن كان أولها تسليم الحسن بن علي؛ فهي تسع عشرة سنة إلا يسيرا» (٤). نقش خاتمه: قال ابن حبان: «وكان نقش خاتمه: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (٥). وقال ابن كثير: «قال بعضهم: كان نقش خاتم معاوية: لكل عمل ثواب. وقيل: بل كان: لا قوة إلا بالله» (٦). حزن الصحابة لموته: عن معاذ بن محمد الليثي قال: «لما جاء نعي معاوية إلى ابن عباس، والمائدة بين يديه، فقال لغلامه: ارفع ارفع. ثم قال: اللهم أنت أوسع لمعاوية، ثم قال: خيرٌ ممن يكون بعده، وشر ممن كان قبله؛ ثم قال: جبلٌ تزعزع ثم مال بجمعه ... في البحر، لا رَتقَت عليك الأبحر» (٧).

стр. 217

وعن هشام بن عروة قال: «صلى بنا عبد الله بن الزبير يوما من الأيام، فوجم بعد الصلاة ساعة، فقال الناس: لقد حدَّث نفسه، ثم التفت إلينا فقال: لا يبعدن ابن هند، إن كانت فيه لمخارج لا نجدها في أحد بعده أبدا، والله إن كنا لنُفْرقه (١)، وما الليث على براثنه بأجرأ منه؛ فيتفارق لنا، وإن كنا لنخدعه، وما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى منه؛ فيتخادع لنا، والله لوددت أنا مُتعنا به ما دام في هذا الجبل حجر، وأشار إلى أبي قبيس، لا يتحول له عقل، ولا ينقص له قوة، قال: فقلنا: أوحش والله الرجل» (٢). ممَّا قيل فيه من رثاء (٣): قال أبو الدرداء العنبري يرثي معاوية ﵁: أَلَا أَنْعَى مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ ... نَعَاهُ الْحِلُّ لِلشَّهْرِ الْحَرَامِ نَعَاهُ النَّاعِجَاتُ (٤) بِكُلِّ فَجٍّ ... خَوَاضِعَ فِي الْأَزِمَّةِ كَالسِّهَامِ فَهَاتِيكَ النُّجُومُ وَهُنَّ خُرْسٌ ... يَنُحْنَ عَلَى مُعَاوِيَةَ الشَّآمِ وقال أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي يرثيه أيضاً: رَمَى الْحِدْثَانُ نِسْوَةَ آلِ حَرْبٍ ... بِمِقَدْارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودَا (٥) فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضَا ... وَرَدَّ وُجُوهَهُنَّ الْبِيضَ سُودَا فَإِنَّكَ لَوْ شَهِدْتَ بُكَاءَ هِنْدَ ... وَرَمْلَةَ إِذْ يُصَفِّقْنَ الْخُدُودَا بَكَيْتَ بُكَاءَ مُعْوِلَةٍ (٦) قَرِيحٍ (٧) ... أَصَابَ الدَّهْرُ وَاحِدَهَا الْفَرِيدَا

стр. 218

فرحم الله معاوية، ورضي عنه، وجمعنا به مع سيد المرسلين ﷺ ، وأصحابه الكرام أجمعين، في دار الخلد في مقام أمين. آمين. صفاته وأخلاقه: اجتمع لمعاوية ﵁ من صفات الخير الكثير والكثير، حتى شهد له بذلك القاصي والداني، والعدو والصديق. يقول د. عبد الشافي محمد عبد اللطيف: «وقد أجمع المؤرخون على أنه كان لمعاوية نصيب كبير من الذكاء، والدهاء، والسماحة، والحلم، والكرم، وسعة الأفق، وقدرة فائقة على التعامل مع الناس على قدر أحوالهم، أعداءً كانوا أم أصدقاء» (١). ومن أهم هذه الصفات ما يلي: ١ - الحرص على السُنَّة (تَعلُّماً، وتطبيقاً، وأَمراً ونَشْراً): فقد كان حريصا ﵁ أن يسأل عن حديث رسول الله ﷺ ، وأن يستزيد منه علما، فكان يسأل بعض الصحابة إن كان عندهم علم عن رسول الله ﷺ ، ومن ذلك: - أنه سأل زيد بن أرقم ﵁: «أشهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ قال: نعم. قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد، ثم رخص في الجمعة؛ فقال: من شاء أن يصلي فليصل» (٢). بل كان أيضا يرسل إليهم إن لم يكونوا حوله، ومن ذلك: - أنه كتب إلى المغيرة بن شعبة ﵁: «اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله ﷺ ، قال فكتب إليه: سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا قضى الصلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

стр. 219

وسمعته يقول: إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال» (١). - وكتب مرة أخرى إلى عائشة أم المؤمنين: «أن اكتبي إلي كتابا توصيني فيه، ولا تكثري عليَّ، فكتبت عائشة إلى معاوية: سلام عليك. أما بعد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من التمس رضاء الله بسخط الناس؛ كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله؛ وكله الله إلى الناس، والسلام عليك» (٢). ومن حرصه أيضا على السنة: أنه كان يحذر من التحديث عن رسول الله ﷺ بما لا يُعرف، فعن عبد الله بن عامر اليحصبي، قال: سمعت معاوية يقول: «إياكم وأحاديث رسول الله ﷺ ؛ إلا حديثاً كان في عهد عمر، فإن عمر كان يخيف الناس في الله » (٣). وكان إذا صنع شيئا عن اجتهاد منه، ثم جاءه نصٌّ عن النبي ﷺ ؛ تراجع عن فعله، وقدَّم كلام رسول الله ﷺ ، ومن ذلك: - أنه «كان بينه وبين أهل الروم عهد، وكان يسير في بلادهم، حتى إذا انقضى العهد أغار عليهم، فإذا رجل على دابة أو على فرس، وهو يقول: الله أكبر، وفاء لا غدر، وإذا هو عمرو بن عبسة، فسأله معاوية عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان بينه وبين قوم عهد؛ فلا يحلن عهدا، ولا يشدنه حتى يمضي أمده، أو ينبذ إليهم على سواء.

стр. 220

فرجع معاوية بالناس» (١). - وعن أبي مريم الأزدي ﵁ قال: «دخلت على معاوية فقال: ما أنعمنا بك أبا فلان، وهي كلمة تقولها العرب، فقلتُ: حديثاً سمعته أخبرك به، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ولَّاه الله شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم؛ احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره. قال: فجعل معاوية رجلا على حوائج الناس» (٢). وكان حريصا على نشر ما يحتاج إليه المسلمون من حديث رسول الله ﷺ ، يجهر بذلك، ويعلمه الناس، على منبره، وفي مجلسه، بل حتى فيما بينه وبين آحاد الناس، ومن ذلك: - أنه «قام خطيبا بالمدينة -يعني: في قدمة قدمها، عام حج- خطبهم يوم عاشوراء، فقال: أين علماؤكم؟ يا أهل المدينة، سمعت رسول الله ﷺ يقول -لهذا اليوم-: هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن أحب منكم أن يصوم فليصم، ومن أحب أن يفطر فليفطر» (٣). - وفي خطبته تلك أيضا، وهو على المنبر: «تناول قصة من شعر كانت في يد حرسي، وقال: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه، ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم» (٤).

стр. 221

- وعن معبد الجهني قال: «كان معاوية قلَّما يحدث عن النبي ﷺ ، قال: فكان قلما يكاد أن يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن رسول الله ﷺ يقول: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه، وإياكم والتمادح فإنه الذبح» (١). - وعن حمران بن أبان، يحدث عن معاوية، قال: «إنكم لتصلون صلاة لقد صحبنا رسول الله ﷺ فما رأيناه يصليها، ولقد نهى عنهما -يعني: الركعتين بعد العصر-» (٢). - وعن أبي مجلز أن: «معاوية دخل ﵁ بيتا فيه ابن عامر وابن الزبير، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال له معاوية: اجلس فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سرَّه أن يمثل له العباد قياما؛ فليتبوأ بيتا في النار» (٣). - وعن عمر بن عطاء بن أبي الخوار: «أن نافع بن جبير، أرسله إلى السائب -ابن أخت نمر- يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة (٤)، فلما سلم الإمام قمت في مقامي، فصليت، فلما دخل أرسل إلي، فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك، أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج» (٥).

стр. 222

- وعن عيسى بن طلحة قال: «كنت عند معاوية بن أبي سفيان، فجاءه المؤذن يدعوه إلى الصلاة فقال معاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة» (١). - ولربما سمع معاوية بأمر خلاف السنة وقع في غير بلده، فلا يتوانى عن الإرسال بتغييره، أو القيام في الناس بالتحذير منه. فعن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج: «أن العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وقد كانا جعلا صداقا، فكتب معاوية بن أبي سفيان - وهو خليفة - إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ » (٢). - وعن محمد بن جبير بن مطعم: «أنه بلغ معاوية، وهو عنده في وفد من قريش: أن عبد الله بن عمرو، يحدث: أنه سيكون ملك من قحطان، فغضب، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنه بلغني أن رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا توثر عن رسول الله ﷺ ، وأولئك جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه، ما أقاموا الدين» (٣). - ومن أعجب ما وقفتُ عليه في اتباعه للنبي ﷺ : ما نقله عنه حاجبه أبو يوسف، قال: «قدم أبو موسى الأشعري، فنزل بعض الدور بدمشق، فكان معاوية يخرج ليلا يستمع قراءته» (٤).

стр. 223

وهذا هديٌ نبويٌ، فإن النبي ﷺ كان يستمع لقراءة أبي موسى ليلا، ولما أصبح قال له: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة؟! لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» (١). - وكان في صلاته من أشبه الناس بصلاة رسول الله ﷺ . فعن قيس بن الحارث، عن أبي عبد الله الصنابحي، عن أبي الدرداء، قال: «ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من أميركم هذا -يعني: معاوية-. قيل لقيس: أين صلاته من صلاة عمر؟ قال: لا أخالها إلا مثلها» (٢). فلا غَرْوَ بعد ما تقدَّم أن ينعته حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن: عبد الله بن عباس ﵁؛ بالفقيه. فعن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، قال: «قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: أصاب، إنه فقيه» (٣). وقد ذكره ابن حزم ضمن مرتبة المتوسطين في الفتيا من الصحابة ﵃ (٤). ٢ - ستر الناس، والعفو والتجاوز عنهم: وهذا مما انتفع به من مجالسته لرسول الله ﷺ ، وسماعه الحديث منه، يبين ذلك تلك الرواية: عن راشد بن سعد، عن معاوية، قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم». فقال أبو الدرداء: «كلمة سمعها معاوية من رسول الله نفعه الله تعالى بها» (٥).

стр. 224

قال ابن كثير -مُعلِّقا على كلام أبي الدرداء-: «يعني أنه كان جيد السيرة، حسن التجاوز، جميل العفو، كثير الستر، رحمه الله تعالى» (١). ومما يدل على عفوه وتجاوزه عن الناس وهو متمكنٌ منهم ما يلي: - عن وائل بن حجر: «أن رسول الله ﷺ أقطعه أرضا، قال: فأرسل معي معاوية أن أعطها إياه، أو قال: أعلمها إياه ـ قال: فقال لي معاوية: أردفني خلفك، فقلت: لا تكون من أرداف الملوك، قال: فقال: أعطني نعلك، فقلت: انتعل ظل الناقة، قال: فلما استُخلف معاوية أتيته، فأقعدني معه على السرير، فذكرني الحديث. قال: وددت أني كنت حملته بين يدي» (٢). - وكان الرجل يوقفه ويقاطعه، ويغلظ له النصيحة والكلام؛ فيقبل منه ولا يؤاخذه. فعن عبد الله بن عون قال: «كان الرجل يقول لمعاوية والله لتستقيمن بنا يا معاوية، أو لنقومنَّك، فيقول لهم: بماذا؟ فيقولون: بالخشب، فيقول لهم: إذاً أستقيم» (٣). وهذه الصفة -مع الصفة التالية- كان لها أثرٌ كبير في ثبات ملكه، ومحبة الناس له.

стр. 225

٣ - الحلم والأناة: هاتان خصلتان يحبهما الله، كما صح ذلك عن رسول الله ﷺ (١)، وقد كان معاوية ﵁ مضرب المثل في الحلم والأناة. قال السيوطي: «وكان يضرب بحلمه المثل، وقد أفرد ابن أبي الدنيا وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفًا في حلم معاوية» (٢). قال قبيصة بن جابر: «صحبت معاوية، فما رأيت أحدا أنبل حلما، ولا أبعد أناة منه» (٣). وقال الشعبي: «دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد، فأما معاوية: فللحلم والأناة، وأما عمرو: فللمعضلات، وأما مغيرة بن شعبة: فللمبادهة، وأما زياد: فللصغير والكبير» (٤). وقال عنه الذهبي: «ورضي الناس بسخائه وحلمه، وإن كان بعضهم تألم مرة منه، وكذلك فليكن الملك. وإن كان غيره من أصحاب رسول الله ﷺ خيرا منه بكثير، وأفضل، وأصلح، فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله، وفرط حلمه، وسعة نفسه، وقوة دهائه ورأيه» (٥). ومما أُثر عنه ﵁ من أقواله في الحلم ما يلي: - عن عروة بن الزبير قال: «كنت جالسا عند معاوية، فحدَّث نفسه، ثم انتبه؛ فقال: لا حلم إلا بتجربة. يعيدها ثلاثاً» (٦).

стр. 226

- وعن أبي سفيان بن العلاء -أخي أبي عمرو بن العلاء- قال: «قال معاوية: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أوزن من حلمي» (١). - وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنَّى أنَّ معاوية ﵁ كان يتمثل بهذه الأبيات كثيرا: فَمَا قَتَلَ السَّفَاهَةَ مِثْلُ حِلْمٍ ... يَعُودُ بِهِ عَلَى الْجَهْلِ الْحَلِيمُ فَلَا تَسْفَهْ وَإِنْ مُلِّئْتَ غَيْظًا ... عَلَى أَحَدٍ فَإِنَّ الْفُحْشَ لَوْمُ وَلَا تَقْطَعْ أَخًا لَكَ عِنْدَ ذَنْبٍ ... فَإِنَّ الذَّنْبَ يَغْفِرُهُ الْكَرِيمُ (٢) ومن مواقفه التي تدل على حلمه ما يلي: - عن عروة بن الزبير: «أن المسور بن مخرمة أخبره أنه قدم وافدا على معاوية بن أبي سفيان، فقضى حاجته، ثم دعاه فأخلاه فقال: يا مسور! ما فعل طعنك على الأئمة؟ فقال المسور: دعنا من هذا، وأحسن فيما قدمنا له، قال معاوية: والله لتكلمن بذات نفسك، والذي تعيب علي، قال المسور: فلم أترك شيئا أعيبه عليه إلا بينته له. قال معاوية: لا برئ من الذنب، فهل تعد يا مسور مالي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعد الذنوب وتترك الحسنات؟ قال المسور: لا والله ما نذكر إلا ما ترى من هذه الذنوب. قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم يغفرها الله؟ قال مسور: نعم.

стр. 227

قال معاوية: فما يجعلك أحق أن ترجو المغفرة مني؟ فو الله لما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين أمرين، بين الله وبين غيره إلا اخترت الله تعالى على ما سواه، وإنا على دين يقبل الله فيه العمل، ويجزي فيه بالحسنات، ويجزي فيه بالذنوب، إلا أن يعفو عمن يشاء، فأنا أحتسب كل حسنة عملتها بأضعافها، وأوازي أمورا عظاما لا أحصيها ولا تحصيها، من عمل الله في إقامة صلوات المسلمين، والجهاد في سبيل الله ، والحكم بما أنزل الله تعالى، والأمور التي لست تحصيها وإن عددتها لك، فتفكر في ذلك. قال المسور: فعرفت أن معاوية قد خصمني حين ذكر لي ما ذكر. قال عروة: فلم يسمع المسور بعد ذلك يذكر معاوية إلا استغفر له» (١). والشاهد هنا: هو حلم معاوية على من يطعنون فيه، وصبره على سماع قدحهم، ومناقشته لهم، وتبيينه لما يغفلون عنه من فضائله. - وعن أبي الحسن المدائني قال: «نظر معاوية إلى ابنه وهو يضرب غلاما له، فقال له: أتفسد أدبك بأدبه؟! فلم ير ضاربا غلاما له بعد ذلك» (٢). ٤ - التواضع: فلم يكن يمنعه ملكه، ولا رفعة مكانته، أن يحمل ميتا على كتفه، خاصة إن كان رجلا من الصحابة. - فعن سعيد بن عبد العزيز التنوخي: «أن فضالة بن عبيد توفي في خلافة معاوية، قال: فحمل معاوية سريره، وقال لابنه عبد الله: أعقبني أي بني، فإنك لن تحمل بعده مثله» (٣). وكذا لم يكن يستنكف أن يُقدِّم غيره في صلاة الاستسقاء والدعاء، ممن يحسبهم خيرا منه.

стр. 228

- فعن سليم بن عامر الخبائري: «أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى الناس، فأمر معاوية فصعد المنبر فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد! ارفع يديك إلى الله، فرفع يزيد يديه ورفع الناس أيديهم، فما كان أو شك أن فارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح فسقينا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم» (١). ولما أصابه الكبر والضعف، ولم يعد يستطيع أن يخطب قائما؛ خطب قاعدا، واعتذر للناس عن ذلك. قال الأوزاعي: «كان معاوية بن أبي سفيان أول ما اعتذر إلى الناس في الجلوس في الخطبة الأولى في الجمعة، ولم يصنع ذلك إلا لكبر سنه وضعفه» (٢).

стр. 229

٥ - الخشية من الله: فعن الوليد بن أبي الوليد أبي عثمان المدني، أن عقبة بن مسلم، حدثه أن شفيا الأصبحي، حدثه: «أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا: أبو هريرة، فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا قلت له: أسألك بحق وبحق لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله ﷺ عقلته وعلمته، فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله ﷺ عقلته وعلمته، ثم نشغ أبو هريرة نشغة فمكثنا قليلا ثم أفاق، فقال: لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله ﷺ في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم أفاق فمسح وجهه فقال: أفعل، لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله ﷺ وأنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خارا على وجهه فأسندته عليَّ طويلا، ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله ﷺ : أن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: إن فلانا قارئ فقد قيل ذاك، ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال: فلان جواد فقد قيل ذاك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله له: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله

стр. 230

تعالى له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء, فقد قيل ذاك، ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة. وقال الوليد أبو عثمان: فأخبرني عقبة بن مسلم: أن شفيا، هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا» قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم، أنه كان سيافا لمعاوية فدخل عليه رجل، فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فُعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاء شديدا حتى ظننا أنه هالك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشرٍّ، ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾» (١).

стр. 231

- وعن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك: «أن أبا الدرداء كان يلي القضاء بدمشق، فلما حضرته الوفاة، قال له معاوية: من ترى لهذا الأمر؟ قال: فضالة بن عبيد. فلما مات أرسل معاوية إلى فضالة فولَّاه القضاء، فقال له: أما إني لم أَحْبُك بها، ولكني استترت بك من النار، فاستتر» (١). - وعن أبي قَبِيل حيي بن هانئ قال: «خطبنا معاوية في يوم جمعة فقال: إنما المال مالنا والفيء فيئنا، من شئنا أعطينا, ومن شئنا منعنا، فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثانية، قال مثل مقالته، فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثالثة، قال مثل مقالته، فقام إليه رجل ممن شهد المسجد فقال: كلا, بل المال مالنا والفيء فيئنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه بأسيافنا، فلما صلى أمر بالرجل, فأدخل عليه، فأجلسه معه على السرير، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، ثم قال: أيها الناس, إني تكلمت في أول جمعة فلم يرد علي أحد، وفي الثانية فلم يرد علي أحد، فلما كانت الثالثة أحياني هذا أحياه الله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيأتي قوم يتكلمون, فلا يرد عليهم، يتقاحمون في النار تقاحم القردة. فخشيتُ أن يجعلني الله منهم، فلما رد هذا علي أحياني, أحياه الله، ورجوتُ أن لا يجعلني الله منهم» (٢).

стр. 232

٦ - العدل: لعلَّ من أبرز ما يدل على عدله ﵁: أنه لم يشْكُه أحدٌ لعمر، أو عثمان في ولايتيهما، وكذا لا يُذكر عنه ظلمٌ في حكمه يُشغَّب به عليه (١)، بل إن عمر بن عبد العزيز الذي يضرب به المثل في العدل، عدَّه الأعمش لا يُقارن في العدل بمعاوية. فعن أبي هريرة المكتب حباب قال: «كنا عند الأعمش، فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: يا أبا محمد، يعني في حلمه؟ قال: لا والله، ألا بل في عدله» (٢). بمثل هذه الصفات: ساد معاوية الناس، وأحبته رعيته، ووُطِّد له ملكه، وقلّما تجتمع هذه الأمور لأحد. قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «وكانت سيرة معاوية مع رعيته من خيار سير الولاة، وكانت رعيته يحبونه» (٣). وقال الذهبي: «وكان محببا إلى رعيته، عمل نيابة الشام عشرين سنة، والخلافة عشرين سنة، ولم يهجه أحد في دولته، بل دانت له الأمم، وحكم على العرب والعجم، وكان ملكه على الحرمين، ومصر، والشام، والعراق، وخراسان، وفارس، والجزيرة، واليمن، والمغرب، وغير ذلك» (٤). هذا ما يسَّر الله لنا استنباطه من خلال ما بين أيدينا من سيرته ﵁، ولا يعدم دقيقُ النظر، وحصيفُ الرأي، أن يستخرج خلالاً حسنة، وصفاتٍ طيبة، غير ما ذُكر، وفضل الله واسع، وكما يُقال في المثل السائر: كم ترك الأول للآخر!

стр. 233

الفصل الثالث مناقبه، وثناء العلماء عليه أولاً: مناقبه وفضائله: لا يكاد أحدٌ يفتح هذا الباب، باب مناقب معاوية ﵁ وما ورد في فضله، إلا ويفجأه بعض الأقوال التي تسدُّ عليه الباب قبل أن يفتحه، وتقطع عليه الطريق قبل أن يبدأه! ومنها: ١ - قول إمام من أئمة الحديث، وأحد أهم شيوخ الإمام البخاري، وهو إسحاق بن راهويه: «لا يصح عن النبيِّ ﷺ في فضل معاوية بن أبى سفيان شيء» (١)! وقد تابعه على هذا القول جماعةٌ بعده. ٢ - وقول الحافظ ابن حجر: «وقد ورد في فضائل معاوية ﵁ أحاديث كثيرة، لكن ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد» (٢). ٣ - وصنيع الإمام البخاري في صحيحه، حيث قال: «باب ذكر معاوية»، ولم يقل: «فضائل أو مناقب معاوية». والجواب عن هذه الأقوال فيما يلي: أولاً: أن مقولة إسحاق في ثبوتها عنه شكّ، فالإسناد إليه فيه ضعف (٣). ثانياً: وإن ثبتت عنه، فهي وقول الحافظ ابن حجر، ومن سار على نهجهما؛ من قبيل الاجتهاد، وهذا يقابله اجتهاد علماء آخرين صحَّحوا بعض الأحاديث في فضائل معاوية، ومنهم: أ- الإمام ابن أبي عاصم: حيث صنَّف كتابا في فضائل معاوية ﵁.

стр. 234

قال الحافظ ابن حجر: «وقد صنف ابن أبي عاصم جزءا في مناقبه، وكذلك أبو عمر غلام ثعلب (١)، وأبو بكر النقاش» (٢). ب- الإمام الآجرِّي: حيث عقد فصلا في كتابه الشريعة بعنوان: «كتاب فضائل معاوية بن أبي سفيان ﵁» (٣)، ثم ساق تحته عدةَ أحاديث في فضل معاوية. جـ- الحافظ اللالكائي: حيث عقد فصلا في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة بعنوان: «سياق ما روي عن النبي ﷺ في فضائل أبي عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان ﵄» (٤)، ثم ساق تحته عدةَ أحاديث في فضل معاوية. د- الحافظ ابن عساكر: حيث قال بعد إيراد مقولة إسحاق السابقة: «وأصح ما روي في فضل معاوية: حديث أبي حمزة عن ابن عباس أنه كاتب النبي ﷺ ، فقد أخرجه مسلم في صحيحه، وبعده حديث العرباض: اللهم علمه الكتاب، وبعده حديث ابن أبي عميرة: اللهم اجعله هاديا مهديا» (٥). ه- الإمام الذهبي: حيث ذكر أحاديث في فضل معاوية ﵁، وعقَّب بعد ذلك بقوله: «فهذه أحاديث مقاربة» (٦).

стр. 235

و- الحافظ ابن كثير: حيث قال بعد إيراد بعض الأحاديث في فضل معاوية، والتنبيه على بعض الضعيف: «واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصحاح والحسان والمستجادات، عما سواها من الموضوعات والمنكرات» (١). ز- ابن حجر الهيتمي: حيث عقد فصلا في كتابه: تطهير الجنان، بعنوان: «الفصل الثاني: في فضائله ومناقبه وخصوصاته وعلومه واجتهاده» (٢). حـ- علماء الحديث الذي صحَّحوا بعض الأحاديث في فضل معاوية ﵁، وسيأتي ذكر أسمائهم عند ذكر هذه الأحاديث إن شاء الله تعالى. ثالثاً: أن العلماء الذين نفوا صحة الأحاديث في فضل معاوية؛ إنما يعنون الأحاديث الخاصة، أما الأحاديث العامة في فضل الصحابة، فمعاوية ﵁ داخل فيها بلا شكٍّ. يقول الإمام ابن القيم -تعليقا على قول إسحاق السابق-: «ومراده ومراد من قال ذلك من أهل الحديث: أنه لم يصح حديث في مناقبه بخصوصه، وإلا فما صح عندهم في مناقب الصحابة على العموم، ومناقب قريش؛ فمعاوية ﵁ داخل فيه» (٣). وعلَّق الشيخ بكر أبو زيد على كلام ابن القيم بقوله: «لا يَغابُ عنك هذا القيد: على وجه الخصوص» (٤). وقال الشيخ المعلمي -مُعلِّقا على كلام إسحاق ومن تابعه-: «هذا لا ينفي الأحاديث الصحيحة التي تشمله وغيره، ولا يقتضى أن يكون كل ما روي في فضله خاصة مجزوماً بوضعه» (٥). رابعاً: أن عدم وجود أحاديث صحيحة في فضل معاوية -إن ثبت هذا- فهو فضيلة للصحابة كلهم عامة، ولمعاوية خاصة، فإنه مع كونه خليفة للمسلمين مدة عشرين عاما، لم يجامله أحد الصحابة بوضع حديث في فضله، ولم يضع هو لنفسه حديثا فيه منقبة له، وقد كان غيره من الصحابة يُحدث بأحاديث فيها فضائل لنفسه؛ فتُقبل منه ولا يُتهم بها.

стр. 236

يقول المعلمي اليماني: «أما الصحابة ﵃: ففي هذه القضية برهان على أنه لا مجال لاتهام أحد منهم بالكذب على النبي ﷺ ، وذلك أن معاوية كان عشرين سنة أميراً على الشام، وعشرين سنة خليفة، وكان في حزبه وفيمن يحتاج إليه جمع كثير من الصحابة، منهم كثير ممن أسلم يوم فتح مكة أوبعده، وفيهم جماعة من الأعراب، وكانت الدواعي إلى التعصب له والتزلف إليه متوفرة، فلو كان ثم مساغ لأن يكذب على النبي ﷺ أحد لقيه وسمع منه مسلماً؛ لأقدم بعضهم على الكذب في فضل معاوية وجهر بذلك. أما أعيان التابعين: فينقل ذلك جماعة ممن يوثقهم أئمة السنة فيصح عندهم ضرورة. فإذا لم يصح خبر واحد: ثبت صحة القول بأن الصحابة كلهم عدول في الرواية، وأنه لم يكن منهم أحد -مهما خفت منزلته، وقوي الباعث له- محتملاً منه أن يكذب على النبي ﷺ . وأما معاوية فكذلك، فعلى فرض أنه كان يسمح بأن يقع كذب على النبي ﷺ ما دام في فضيلة له، وأنه لم يطمع في أن يقع ذلك من أحد غيره ممن له صحبة، أو طمع ولكن لم يجده ترغيب ولا ترهيب في حمل أحد منهم على ذلك، فقد كان في وسعه أن يحدث هو عن النبي ﷺ ، فقد حدَّث عدد كبير من الصحابة عن النبي ﷺ بفضائل لأنفسهم، وقبلها منهم الناس، ورووها وصححها أئمة السنة. ففي تلك القضية برهان على أن معاوية كان من الدين والأمانة بدرجة تمنعه من أن يفكر في أن يكذب، أو يحمل غيره على الكذب على النبي ﷺ ، مهما اشتدت حاجته إلى ذلك. ومن تدبَّر هذا: علم أن عدم صحة حديث عند أهل الحديث في فضل معاوية؛ أدلُّ على فضله من أن تصح عندهم عدة أحاديث» (١).

стр. 237

خامساً: وأما صنيع الإمام البخاري في صحيحه؛ فإنه لا يدل على ما ذهبوا إليه، ذلك أنَّ البخاري قد ترجم لصحابة آخرين ممن اشتُهر الثناء عليهم، وعلم بالتواتر علو منزلتهم ومكانتهم، وبوَّب لهم بنفس التبويب؛ ومن هؤلاء: طلحة بن عبيد الله، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عباس، فنجد البخاري في صحيحه يقول: «باب ذكر طلحة بن عبيد الله»، «باب ذكر أسامة بن زيد»، «باب ذكر عبد الله بن عباس». يقول الشيخ عبد العزيز بن أحمد الفريهاري (١): «وأما الجواب عما فعله البخاري: فإن تفنُّنٌ في الكلام، فإنه فعل كذا في أسامة بن زيد، وعبد الله بن سلام، وجبير بن مطعم، فذكر لهم فضائل جليلة معنونة بالذكر» (٢). واستنبط الحافظ ابن حجر معنىً آخر من الترجمة فقال: «عبَّر البخاري في هذه الترجمة بقوله: ذكر، ولم يقل: فضيلة، ولا منقبة؛ لكون الفضيلة لا تؤخذ من حديث الباب، لأن ظاهر شهادة ابن عباس له بالفقه والصحبة دالة على الفضل الكثير» (٣). ومع هذا كله: فمن الإنصاف أن نقول: إن هناك عدداً كبيراً من الأحاديث الباطلة والضعيفة والموضوعة قد رُوي في فضل معاوية، وكأن هؤلاء أرادوا أن يواجهوا الهجوم الشرس عليه، فوضعوا تلك الأحديث له، وهو ﵁ لا حاجة له بها، فقد أغناه الله عن كل هذا. يقول الإمام ابن القيم: «ومن ذلك ما وضعه بعض جهلة أهل السنة في فضائل معاوية ابن أبي سفيان» (٤). وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة إسحاق بن محمد بن إسحاق السوسي: «ذاك الجاهل الذي أتى بالموضوعات السمجة في فضائل معاوية، رواها عُبَيد الله السقطي عنه (٥)، فهو المتهم بها أو شيوخه المجهولون» (٦).

стр. 238

وقد أكثر الحافظ ابن عساكر من ذكر هذه الأحاديث الباطلة في ترجمة معاوية ﵁ في تاريخ دمشق، وانتقده العلماء على ذلك، مع أنه ليس المتهم بها، إنما فقط نقلها بأسانيدها، وَبَرِأَ من عهدتها. قال الذهبي: «وقد ساق ابن عساكر في الترجمة أحاديث واهية وباطلة، طوَّل بها جدا» (١). وقال بعد أن ذكر طائفة منها: «فهذه الأحاديث ظاهرة الوضع، والله أعلم» (٢). وقال ابن كثير: «ثم ساق ابن عساكر أحاديث كثيرة موضوعة، بلا شك، في فضل معاوية، أضربنا عنها صفحا، واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصحاح والحسان والمستجادات، عما سواها من الموضعات والمنكرات» (٣). وقال في موطن آخر: «وقد أورد ابن عساكر بعد هذا أحاديث كثيرة موضوعة، والعجب منه -مع حفظه واطلاعه- كيف لا ينبه عليها وعلى نكارتها وضعف رجالها؟! والله الموفق للصواب» (٤). وقال أيضا -بعد توهينه لحديث ذكره ابن عساكر في فضل معاوية-: «والعجب من الحافظ ابن عساكر مع جلالة قدره واطلاعه على صناعة الحديث أكثر من غيره من أبناء عصره - بل ومن تقدمه بدهر - كيف يورد في تاريخه هذا وأحاديث كثيرة من هذا النمط، ثم لا يبين حالها، ولا يشير إلى شيء من ذلك إشارة لا ظاهرة، ولا خفية؟! ومثل هذا الصنيع فيه نظر. والله أعلم» (٥). قلتُ (أحمد): ولعلَّ عذر ابن عساكر ﵀ في ذلك: أنه أسند كل قول إلى قائله، وكانت هذه عادة كثير من المحدِّثين، عملا بمقولة: «من أسند لك فقد أحالك»! ونأتي الآن إلى بيت القصيد، وهو: الحديث عن فضائله ومناقبه، فنقول: معاوية ﵁ معدودٌ بلا شكٍّ في أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذا أمر لا يحتاج إلى تدليل، لكننا نزيده تأكيدا بما يلي:

стр. 239

- عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، قال: «أوتر معاوية بعد العشاء بركعة، وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس فقال: دعه، فإنه قد صحب رسول الله ﷺ » (١). - وعن حمران بن أبان، يحدث عن معاوية، قال: «إنكم لتصلون صلاة لقد صحبنا رسول الله ﷺ فما رأيناه يصليها، ولقد نهى عنهما -يعني: الركعتين بعد العصر-» (٢). - وقام معاوية ﵁ خطيباً ذات يوم، فقال: «ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه» (٣). - وعن مهنا قال: «سألت أحمد عن معاوية بن أبي سفيان، فقال: له صحبة. قلت: من أين هو؟ قال: مكيٌّ قطن الشام» (٤). إذن: فمعاوية ﵁ من الصحابة بلا شك (٥)، والآيات والأحاديث الواردة في فضل الصحابة والثناء عليهم على قسمين: القسم الأول: آياتٌ وأحاديث عامَّة في فضل الصحابة جميعا ﵁، وهذه كثيرة معلومة، بل قد بلغت حد التواتر. يقول شيخُ الإسلامِ ابنُ تيْميَّة -بعد ذكر بعض الأدلة الواردة في فضلهم-: «وهذه الأحاديث مستفيضةٌ، بل متواترةٌ في فضائل الصحابة والثناء عليهم وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون، فالقدح فيهم قدح في القرآن والسنة» (٦). وقد صَنِّف العلماء في ذلك الأمر قديما وحديثا (٧).

стр. 240

وأكتفي في هذا المقام بذكر شاهدين من القرآن، لأن فيهما رداً ضمنياً على بعض من يطعنون في صحبة معاوية ﵁، وهما: قول الله تعالى: أ- ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠]. فبعض من يطعنون في صحبة معاوية يتهمونه بأنه لا يدخل في النصوص الواردة في حق الصحابة، لأنه أسلم بعد الفتح (١)! وهذه الآية خير ردٍّ عليهم، فإن الله وعد الطائفتين -من أسلم قبل الفتح، ومن أسلم بعد الفتح- الحسنى، وهي: الجنة (٢). ب- ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦]. فهذه الآية نزلت في شأن المؤمنين الذين حاربوا مع النبي ﷺ يوم حنين، وكان منهم طائفة كثيرة من مسلمة الفتح، ومنهم معاوية ﵁. يقول شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «وأعظم جيش جمعه النبي ﷺ : كان بحنين والطائف، وكانوا اثني عشر ألفا. وأعظم جيش غزا مع النبي ﷺ : جيش تبوك، فإنه كان كثيرا لا يُحصى، غير أنه لم يكن فيه قتال. وهؤلاء المذكورون دخلوا في قوله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى﴾ فإن هؤلاء الطلقاء مسلمة الفتح هم ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل، وقد وعدهم الله الحسنى، فإنهم أنفقوا بحنين والطائف وقاتلوا فيهما، ﵃» (٣).

стр. 241

القسم الثاني: ما ورد في شأن طائفة خاصَّة منهم، أو أفراد بأعيانهم، وهذا ما يعنينا في هذا المقام، لأنه محل البحث، وموطن النزاع. وهذا القسم الثاني يمكن تقسيمه هو أيضا إلى صنفين من الأدلة: الصنف الأول: ما ورد بخصوص طائفة معينة من الصحابة، ومعاوية ﵁ داخل معهم، ومن ذلك: أ- حديث النبي ﷺ : «أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا (١)»، قالت أم حَرَام بنت ملحان -خالة أنس بن مالك-: قلتُ: يا رسول الله! أنا فيهم؟ قال: «أنت فيهم»، ثم قال النبي ﷺ : «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم»، فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: «لا» (٢). فهذا الجيش الذي غزا البحر كان معاوية منهم، بل هو أميرهم، فهو داخل في هذا النص وهذا الثواب، إن شاء الله تعالى (٣). قال الحافظ ابن حجر: «قال المهلب: في هذا الحديث منقبة لمعاوية؛ لأنه أول من غزا البحر» (٤). ب- حديث النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، وتكون بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة» (٥). فهذه شهادة نبوية لمعاوية ومن معه أنهم كطائفة علي بن أبي طالب ومن معه، على الإسلام والإيمان، ولهما دعوى واحدة. قال النووي: «وفيه التصريح بأن الطائفتين مؤمنون، لا يخرجون بالقتال عن الإيمان ولا يفسقون» (٦).

стр. 242

وقال ابن كثير: «فيه الحكم بإسلام الطائفتين: أهل الشام، وأهل العراق، لا كما يزعمه فرقة الرافضة، أهل الجهل والجور، من تكفيرهم أهل الشام» (١). ويتأكَّدُ هذا المعنى بالحديث القادم: جـ- حديث النبي ﷺ عن حفيده الحسن بن علي: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» (٢). فهذا تأكيد على إسلام معاوية ومن معه، وأنه لا يخرجهم ما صدر منهم عن دائرة الإسلام والإيمان. قال الحافظ ابن حجر: «وفيه رد على الخوارج الذين كانوا يكفرون عليَّاً ومن معه، ومعاوية ومن معه، بشهادة النبي ﷺ للطائفتين بأنهم من المسلمين، ومِن ثَمَّ كان سفيان بن عيينة يقول عقب هذا الحديث: قوله: من المسلمين يُعجبنا جدا» (٣). د- عن جابر بن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبي ﷺ ، فسمعته يقول: «إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة»، قال: ثم تكلم بكلام خفي عليَّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلهم من قريش» (٤). وفي لفظ آخر للحديث: «لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثني عشر خليفة» (٥).

стр. 243

فظاهر هذا الحديث يدخل فيه معاوية ﵁، وذلك أنه قرشي وتولى الملك، وكان الدين في زمنه عزيزاً منيعاً، فهذا الحديث ينطبق عليه، خاصة في الرواية الأخرى: «لا يزال هذا الأمر -وفي رواية الإسلام- عزيزاً إلى اثني عشر خليفة». فظاهر هذه الرواية أن هذه العزة والمنعة من أول خليفة بعد رسول الله ﷺ ، وهو أبو بكر ﵁، إلى اثني عشر خليفة، فيكون معاوية داخلاً فيهم، وخاصة أنه بويع من جميع المسلمين، وسمي هذا العام بعام الجماعة كما هو معلوم (١). يقول القاضي عياض: «وهذا قول قد وُجد فيمن اجتُمع عليه إلى أن اضطرب أمر بنى أمية، واختلفوا وتقاتلوا زمن يزيد بن الوليد على الوليد بن يزيد، واتصلت فتونهم، وخرج عليهم بنو العباس فاستأصلوا أمرهم، وهذا العدد موجود صحيح إلى حين خلافتهم إذا اعتبر» (٢). وقال الحافظ ابن حجر: «وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع: انقياد الناس لبيعته، والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، إلى أن وقع أمر الحكمين في صفِّين فسمي معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن ... » (٣). الصنف الثاني: ما ورد في فضل معاوية ﵁ خاصة، ومن ذلك: - دعاء النبي ﷺ لمعاوية: «اللهم اجعله هاديا مهديا، واهد به» (٤).

стр. 244

وهذا الحديث وإن كان قد تُكلِّم فيه (١)، إلا أن الراجح -والله أعلم- صحته، وقد صحَّحه جمعٌ من العلماء؛ منهم: الترمذي (٢)، والجورقاني (٣)، والذهبي (٤)، وابن كثير (٥)، والألباني (٦). - ومن مناقبه الخاصَّة أيضاً: أنَّ النبيَّ ﷺ اختاره ليكون أحد كتبة الوحي، وقد تقدَّم تفصيل ذلك وأدلته في الفصل الأول. - ومن مناقبه: أنه خال المؤمنين، وصهر رسولنا الكريم ﷺ : قال أبو يعلى: «ويُسمَّى إخوة أزواج النبي: ﷺ أخوال المؤمنين، ولسنا نريد أنهم أخوال بالحقيقة كأخوال الأمهات من النسب، وإنما نريد أنهم في حكم الأخوال في بعض الأحكام؛ وهو: التعظيم لهم» (٧).

стр. 245

قال أبو طالب: «سألت أبا عبد الله -يعني: الإمام أحمد-: أقول: معاوية خال المؤمنين؟ وابن عمر خال المؤمنين؟ قال: نعم، معاوية أخو أم حبيبة بنت أبي سفيان، زوج النبي ﷺ ورحمهما، وابن عمر أخو حفصة زوج النبي ﷺ ورحمهما، قلت: أقول: معاوية خال المؤمنين؟ قال: نعم» (١). وقال أبو بكر المرُّوذِي: «سمعت هارون بن عبد الله، يقول لأبي عبد الله -يعني: الإمام أحمد-: جاءني كتاب من الرقة أن قوما قالوا: لا نقول: معاوية خال المؤمنين، فغضب وقال: ما اعتراضهم في هذا الموضع؟! يجفون حتى يتوبوا» (٢). ولما سئل الإمام أحمد عمَّن يقول: لا أقول إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول إنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسيف غصبا؟ قال: «هذا قول سوء رديء، يجانبون هؤلاء القوم، ولا يجالسون، ونبين أمرهم للناس» (٣). وقال عبد الملك بن عبد الحميد الميموني: «قلتُ لأحمد بن حنبل: أليس قال النبي ﷺ : كل صهر ونسب ينقطع إلا صهري ونسبي؟ قال: بلى، قلت: وهذه لمعاوية؟ قال: نعم، له صهر ونسب. قال: وسمعت ابن حنبل يقول: ما لهم ولمعاوية؟! نسأل الله العافية» (٤). فإن قال قائل: قد كتب الوحي لرسول الله ﷺ نفرٌ غير معاوية، وكان هناك إخوة لأمهات المؤمنين قد يُطلق عليهم: «خال المؤمنين» غير معاوية، وكان هناك أصهار له غير معاوية؛ فما وجه اختصاصه بذلك؟ والجواب عن ذلك: أنهم «لا يذكرون ما يذكرون من ذلك لاختصاصه به، بل يذكرون ما له من الاتصال بالنبي ﷺ ، كما يذكرون في فضائل غيره ما ليس من خصائصه.

стр. 246

فمعاوية لما كان له نصيب من الصحبة والاتصال برسول الله ﷺ ، وصار أقوام يجعلونه كافرا أو فاسقا، ويستحلون لعنته ونحو ذلك، احتاج أهل العلم أن يذكروا ما له من الاتصال برسول الله ﷺ ليرعى بذلك حق المتصلين برسول الله ﷺ بحسب درجاتهم» (١). وقال الذهبي: «وإنما قال هذا بعض السنة في معاوية خاصة لما رأوا من إستحلال الرافضة لعنه وتكفيره» (٢). ثانياً: ثناء الصحابة ﵁ والسلف عليه: - أبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃ -: مر بنا في الفصل الأول كيف أن أبا بكر أمَّر معاوية على مدد أرسله لأهل الشام، وكذلك استعمله ككاتب له في بعض أموره، وهذه شهادة من أبي بكر لمعاوية بالأمانة. ثم جاء عمر من بعده فاستعمل معاوية على عمل أخيه يزيد بالشام، ورضيه عليه طوال فترة خلافته، فلم يعزله ولم يغيره، مع ما عُرف عن عمر من حرص في انتقاء عمَّاله على البلاد، ومتابعتهم، فهذه شهادة عملية من عمر لمعاوية بالأمانة، وحسن الولاية. ولما جاء عثمان: أقرَّ معاوية على ما هو عليه، بل وجمع له الشام، وبقي عليها طوال خلافة عثمان. فاتفاق كل من عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ -وهما من هما في الفضل والصحبة، ولهما المكان الأعلى من الورع والدين والتقى، وسداد الرأي وحسن الفكر وتمام النظر- على تأمير معاوية ﵁ على الشام؛ ولا يُعرف عنه عجزٌ ولا خيانة؛ لهو أكبر دليل على فضل معاوية، واستحقاقه لهذه المنزلة. يقول الذهبي: «حسبك بمن يؤمِّرُه عمر، ثم عثمان على إقليم - وهو ثغر - فيضبطه، ويقوم به أتم قيام، ويرضي الناس بسخائه وحلمه» (٣).

стр. 247

وقال ابن حجر الهيتمي: «ومنها -أي: من مناقبه- أن عمر ﵁ مدحه وأثنى عليه، وولاه دمشق الشام مدة خلافة عمر، وكذلك عثمان ﵁، وناهيك بهذه منقبة عظيمة من مناقب معاوية! ومَنْ الذي كان عمر يرضى به لهذه الولاية الواسعة المستمرة؟ وإذا تأملت عَزْلَ عمر لسعد بن أبي وقاص -الأفضل من معاوية بمراتب- وإبقاءه لمعاوية على عمله من غير عزل له؛ علمت بذلك أن هذا ينبئ عن رفعة كبيرة لمعاوية، وأنه لم يكن ولا طرأ فيه قادح من قوادح الولاية، وإلا لما ولَّاه عمر، أو لعزله، وكذا عثمان. وقد شكا أهل الأقطار كثيراً من ولاتهم على عمر وعثمان، فعزلا عنهم من شكوهم، وإن جلَّت مراتبهم، وأما معاوية فأقام في إمارته على دمشق الشام هذه المدة الطويلة، فلم يشكُ أحدٌ منه، ولا اتهمه بجور ولا مظلمة، فتأمل ذلك ليزداد اعتقادك، أو لتسلم من الغباوة والعناد والبهتان» (١). - علي بن أبي طالب ﵁ -: مع ما وقع بين علي ومعاوية، إلا أنه لم يُأثر -بسند صحيحٍ- عن علي ذمٌّ في معاوية، أو انتقاص من قدره، بل قد ورد -فيما تقدَّم- إعذاره لمن خالفوه، ودعاؤه لهم بالمغفرة، وشهادته لهم بالإيمان، كذا رُوي عنه ما يدل على تقديره لمعاوية. فعن الحارث الأعور قال: «لما رجع عليٌّ من صفِّين علم أنه لا يملك أبدا, فتكلم بأشياء كان لا يتكلم بها, وحدَّث بأحاديث كان لا يتحدث بها, فقال فيما يقول: أيها الناس! لا تكرهوا إمارة معاوية, والله لو قد فقدتموه لقد رأيتم الرؤوس تندر من كواهلها كالحنظل» (٢).

стр. 248

- أبو الدرداء ﵁ -: عن قيس بن الحارث، عن أبي عبد الله الصنابحي، عن أبي الدرداء قال: «ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من أميركم هذا -يعني: معاوية-. قيل لقيس: أين صلاته من صلاة عمر؟ قال: لا أخالها إلا مثلها» (١). وعن أبي الدرداء ﵁، قال: «لا مدينة بعد عثمان، ولا رخاء بعد معاوية ﵄» (٢). - عبد الله بن عباس ﵁ -: قال ابن عباس: «ما رأيتُ رجلاً كان أخلقَ للملك من معاوية، إن كان الناس ليردون منه على أرجاء واد رحب، ولم يكن بالضيق العُصعُص الحصر المتعصب (٣) -يعني: ابن الزبير-» (٤). وعن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال: «قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: أصاب، إنه فقيه» (٥).

стр. 249

وعن معاذ بن محمد الليثي قال: «لما جاء نعي معاوية إلى ابن عباس، والمائدة بين يديه، فقال لغلامه: ارفع ارفع. ثم قال: اللهم أنت أوسع لمعاوية، ثم قال: خيرٌ ممن يكون بعده، وشر ممن كان قبله؛ ثم قال: جبلٌ تزعزع ثم مال بجمعه ... في البحر، لا رَتقَت عليك الأبحر» (١). - عبد الله بن الزبير ﵁ -: عن هشام بن عروة قال: «صلَّى بنا عبد الله بن الزبير يوما من الأيام، فوجم بعد الصلاة ساعة، فقال الناس: لقد حدَّث نفسه، ثم التفت إلينا فقال: لا يبعدن ابن هند، إن كانت فيه لمخارج لا نجدها في أحد بعده أبدا، والله إن كنا لنُفْرقه (٢)، وما الليث على براثنه بأجرأ منه؛ فيتفارق لنا، وإن كنا لنخدعه، وما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى منه؛ فيتخادع لنا، والله لوددت أنا مُتعنا به ما دام في هذا الجبل حجر، وأشار إلى أبي قبيس، لا يتحول له عقل، ولا ينقص له قوة، قال: فقلنا: أوحش والله الرجل» (٣).

стр. 250

- عبد الله بن عمر ﵁ -: عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر قال: «ما رأيت أحدا بعد رسول الله ﷺ كان أسود (١) من معاوية. قال: قلت: هو كان أسود من أبي بكر؟ قال: أبو بكر والله أخير منه، وهو والله كان أسود من أبي بكر. قال: قلت: فهو كان أسود من عمر؟ قال: عمر والله كان أخير منه، وهو والله أسود من عمر. قال: قلت: هو كان أسود من عثمان؟ قال: والله إن كان عثمان لسيدا، وهو كان أسود منه» (٢).
следующие страницы →