← Тараджим

Тараджим · id 609

فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان

أحمد الجابري

Полный текст (314 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فمعاوية لما كان له نصيب من الصحبة والاتصال برسول الله ﷺ ، وصار أقوام يجعلونه كافرا أو فاسقا، ويستحلون لعنته ونحو ذلك، احتاج أهل العلم أن يذكروا ما له من الاتصال برسول الله ﷺ ليرعى بذلك حق المتصلين برسول الله ﷺ بحسب درجاتهم» (١). وقال الذهبي: «وإنما قال هذا بعض السنة في معاوية خاصة لما رأوا من إستحلال الرافضة لعنه وتكفيره» (٢). ثانياً: ثناء الصحابة ﵁ والسلف عليه: - أبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃ -: مر بنا في الفصل الأول كيف أن أبا بكر أمَّر معاوية على مدد أرسله لأهل الشام، وكذلك استعمله ككاتب له في بعض أموره، وهذه شهادة من أبي بكر لمعاوية بالأمانة. ثم جاء عمر من بعده فاستعمل معاوية على عمل أخيه يزيد بالشام، ورضيه عليه طوال فترة خلافته، فلم يعزله ولم يغيره، مع ما عُرف عن عمر من حرص في انتقاء عمَّاله على البلاد، ومتابعتهم، فهذه شهادة عملية من عمر لمعاوية بالأمانة، وحسن الولاية. ولما جاء عثمان: أقرَّ معاوية على ما هو عليه، بل وجمع له الشام، وبقي عليها طوال خلافة عثمان. فاتفاق كل من عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ -وهما من هما في الفضل والصحبة، ولهما المكان الأعلى من الورع والدين والتقى، وسداد الرأي وحسن الفكر وتمام النظر- على تأمير معاوية ﵁ على الشام؛ ولا يُعرف عنه عجزٌ ولا خيانة؛ لهو أكبر دليل على فضل معاوية، واستحقاقه لهذه المنزلة. يقول الذهبي: «حسبك بمن يؤمِّرُه عمر، ثم عثمان على إقليم - وهو ثغر - فيضبطه، ويقوم به أتم قيام، ويرضي الناس بسخائه وحلمه» (٣).

стр. 247

وقال ابن حجر الهيتمي: «ومنها -أي: من مناقبه- أن عمر ﵁ مدحه وأثنى عليه، وولاه دمشق الشام مدة خلافة عمر، وكذلك عثمان ﵁، وناهيك بهذه منقبة عظيمة من مناقب معاوية! ومَنْ الذي كان عمر يرضى به لهذه الولاية الواسعة المستمرة؟ وإذا تأملت عَزْلَ عمر لسعد بن أبي وقاص -الأفضل من معاوية بمراتب- وإبقاءه لمعاوية على عمله من غير عزل له؛ علمت بذلك أن هذا ينبئ عن رفعة كبيرة لمعاوية، وأنه لم يكن ولا طرأ فيه قادح من قوادح الولاية، وإلا لما ولَّاه عمر، أو لعزله، وكذا عثمان. وقد شكا أهل الأقطار كثيراً من ولاتهم على عمر وعثمان، فعزلا عنهم من شكوهم، وإن جلَّت مراتبهم، وأما معاوية فأقام في إمارته على دمشق الشام هذه المدة الطويلة، فلم يشكُ أحدٌ منه، ولا اتهمه بجور ولا مظلمة، فتأمل ذلك ليزداد اعتقادك، أو لتسلم من الغباوة والعناد والبهتان» (١). - علي بن أبي طالب ﵁ -: مع ما وقع بين علي ومعاوية، إلا أنه لم يُأثر -بسند صحيحٍ- عن علي ذمٌّ في معاوية، أو انتقاص من قدره، بل قد ورد -فيما تقدَّم- إعذاره لمن خالفوه، ودعاؤه لهم بالمغفرة، وشهادته لهم بالإيمان، كذا رُوي عنه ما يدل على تقديره لمعاوية. فعن الحارث الأعور قال: «لما رجع عليٌّ من صفِّين علم أنه لا يملك أبدا, فتكلم بأشياء كان لا يتكلم بها, وحدَّث بأحاديث كان لا يتحدث بها, فقال فيما يقول: أيها الناس! لا تكرهوا إمارة معاوية, والله لو قد فقدتموه لقد رأيتم الرؤوس تندر من كواهلها كالحنظل» (٢).

стр. 248

- أبو الدرداء ﵁ -: عن قيس بن الحارث، عن أبي عبد الله الصنابحي، عن أبي الدرداء قال: «ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من أميركم هذا -يعني: معاوية-. قيل لقيس: أين صلاته من صلاة عمر؟ قال: لا أخالها إلا مثلها» (١). وعن أبي الدرداء ﵁، قال: «لا مدينة بعد عثمان، ولا رخاء بعد معاوية ﵄» (٢). - عبد الله بن عباس ﵁ -: قال ابن عباس: «ما رأيتُ رجلاً كان أخلقَ للملك من معاوية، إن كان الناس ليردون منه على أرجاء واد رحب، ولم يكن بالضيق العُصعُص الحصر المتعصب (٣) -يعني: ابن الزبير-» (٤). وعن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال: «قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: أصاب، إنه فقيه» (٥).

стр. 249

وعن معاذ بن محمد الليثي قال: «لما جاء نعي معاوية إلى ابن عباس، والمائدة بين يديه، فقال لغلامه: ارفع ارفع. ثم قال: اللهم أنت أوسع لمعاوية، ثم قال: خيرٌ ممن يكون بعده، وشر ممن كان قبله؛ ثم قال: جبلٌ تزعزع ثم مال بجمعه ... في البحر، لا رَتقَت عليك الأبحر» (١). - عبد الله بن الزبير ﵁ -: عن هشام بن عروة قال: «صلَّى بنا عبد الله بن الزبير يوما من الأيام، فوجم بعد الصلاة ساعة، فقال الناس: لقد حدَّث نفسه، ثم التفت إلينا فقال: لا يبعدن ابن هند، إن كانت فيه لمخارج لا نجدها في أحد بعده أبدا، والله إن كنا لنُفْرقه (٢)، وما الليث على براثنه بأجرأ منه؛ فيتفارق لنا، وإن كنا لنخدعه، وما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى منه؛ فيتخادع لنا، والله لوددت أنا مُتعنا به ما دام في هذا الجبل حجر، وأشار إلى أبي قبيس، لا يتحول له عقل، ولا ينقص له قوة، قال: فقلنا: أوحش والله الرجل» (٣).

стр. 250

- عبد الله بن عمر ﵁ -: عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر قال: «ما رأيت أحدا بعد رسول الله ﷺ كان أسود (١) من معاوية. قال: قلت: هو كان أسود من أبي بكر؟ قال: أبو بكر والله أخير منه، وهو والله كان أسود من أبي بكر. قال: قلت: فهو كان أسود من عمر؟ قال: عمر والله كان أخير منه، وهو والله أسود من عمر. قال: قلت: هو كان أسود من عثمان؟ قال: والله إن كان عثمان لسيدا، وهو كان أسود منه» (٢).

стр. 251

- المسور بن مخرمة ﵁ -: تقدَّم حواره مع معاوية، والشاهد منه: قول عروة بن الزبير -راوي القصة-: «فلم يُسمع المسور بعد ذلك يذكر معاوية إلا استغفر له»، وفي رواية: «إلا صلَّى عليه» (١). - مجاهد بن جبر: قال الأعمش: «قال مجاهد: لو رأيتم معاوية ﵀ قلتم: هو المهدي» (٢). - محمد بن سيرين: قال ابن سيرين: «كان معاوية ﵁ لا يُتَّهمُ في الحديث على رسول الله ﷺ » (٣). - محمد بن شهاب الزهري: قال الزهري: «عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين، لا يخرم منها شيئا» (٤). - أبو إسحاق السبيعي: قال أبو إسحاق: «ما رأيت بعده مثله، يعني معاوية» (٥). - سفيان الثوري: قال يوسف بن أسباط: «قال رجل لسفيان الثوري: بلغنا أنك تبغض عثمانا؟ ففزع، فقال: لا والله، ولا معاوية، رحمهما الله» (٦). - الفضيل بن عياض: عن محمد بن زنبور قال: «قال الفضيل: أوثق عملي في نفسي حب أبي بكر، وعمر، وأبي عبيدة بن الجراح, وحبي أصحاب محمد ﵇ جميعا. وكان يترحم على معاوية ويقول: كان من العلماء من أصحاب محمد ﵇» (٧). - شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «وكانت سيرة معاوية مع رعيته من خيار سير الولاة، وكانت رعيته يحبونه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم (٨). وإنما ظهر الإحداث من معاوية في الفتنة لما قُتل عثمان، ولما قتل عثمان كانت الفتنة شاملة لأكثر الناس، لم يختص بها معاوية، بل كان معاوية أطلب للسلامة من كثير منهم، وأبعد عن الشر من كثير منهم» (٩).

стр. 252

- الذهبي: قال الذهبي عنه: «فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله، وفرط حلمه، وسعة نفسه، وقوة دهائه ورأيه» (١). - ابن كثير: قال الحافظ ابن كثير عنه: «وكان حليماً، وقوراً، رئيساً، سيدا في الناس، كريماً، عادلاً، شهماً» (٢). المفاضلة بين معاوية بن أبي سفيان وعمر بن عبد العزيز: شاع عند البعض تفضيل عمر بن عبد العزيز على معاوية ﵁، وهذا -عند التحقيق- قولٌ باطلٌ، فشرف صحبة النبي ﷺ لا يدانيه شرف، ولا يعدله عمل، كما قال ﵊: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا؛ ما أدرك مُدَّ أحدهم، ولا نصيفه» (٣). وفيما يلي بعض نصوص العلماء في التأكيد على هذا القول: قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: «سمعت أبا أسامة -هو: حماد بن أسامة- وذكروا له معاوية وعمر بن عبد العزيز، فقال: لا يُقاس بأصحاب النبي ﷺ أحد. قال رسول الله ﷺ : خير الناس قرني (٤)» (٥). وقال بشر بن الحارث: «سئل المعافى - هو: ابن عمران- وأنا أسمع، -أو: سألته-: معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟، فقال: كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز» (٦).

стр. 253

وعن رباح بن الجراح الموصلي قال: «سمعت رجلا يسأل المعافى بن عمران، فقال: يا أبا مسعود! أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟ فرأيته غضب غضبا شديدا، وقال: لا يُقاس بأصحاب محمد ﷺ أحد, معاوية ﵁ كاتبه، وصاحبه، وصهره، وأمينه على وحي الله » (١). وقال أبو بكر المرُّوذي: «قلت لأبي عبد الله -يعني: الإمام أحمد-: أيهما أفضل: معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله ﷺ أحدا. قال النبي ﷺ : خير الناس قرني الذين بعثت فيهم» (٢). وعن أبي هريرة المكتب حباب قال: «كنا عند الأعمش، فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: يا أبا محمد، يعني في حلمه؟ قال: لا والله، ألا بل في عدله» (٣). وسيرد بعد قليل -إن شاء الله- كيف أنَّ عمر بن عبد العزيز نفسه أدَّب من وقع في معاوية ﵁.

стр. 254

أقوال السلف فيمن سبَّ معاوية ﵁ -: - عمر بن عبد العزيز: عن إبراهيم بن ميسرة قال: «ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانا قط، إلا إنساناً شتم معاوية، فضربه أسواطاً» (١). - الحسن البصري: عن قتادة قال: «قلتُ: يا أبا سعيد -يعني: الحسن البصري- إن ناسا يشهدون على معاوية وذويه أنهم في النار، قال: لعنهم الله، وما يدريهم أنهم في النار» (٢). - الإمام مالك: قال الإمام مالك: «من شتم النبي ﷺ قُتِل، ومن شتم أصحابه أُدِّب». وقال أيضاً: «من شتم أحداً من أصحاب النبي ﷺ أبا بكر، أو عمر، أو عثمان، أو معاوية، أو عمرو بن العاص، فإن قال: كانوا على ضلال وكفر؛ قُتِل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس؛ نُكِّل نكالا شديداً» (٣). - الإمام أحمد: عن الفضل بن زياد قال: «سمعت أبا عبد الله، وسئل عن رجل انتقص معاوية وعمرو بن العاص، أيقال له رافضي؟ فقال: إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ إلا له داخلة سوء. قال رسول الله ﷺ : خير الناس قرني» (٤). وقال أبو طالب: «سألت أبا عبد الله: يكتب عن الرجل إذا قال: معاوية مات على غير الإسلام أو كافر؟ قال: لا، ثم قال: لا يُكفَّر رجل من أصحاب رسول الله ﷺ » (٥). وقال أبو بكر بن سندي: «كنت، أو حضرت، أو سمعت أبا عبد الله وسأله رجل: يا أبا عبد الله، لي خال ذكر أنه ينتقص معاوية، وربما أكلت معه، فقال أبو عبد الله مبادرا: لا تأكل معه» (٦). ولما سئل الإمام أحمد عن رجل شتم معاوية، هل يصيره إلى السلطان؟ قال: «أخلق أن يتعدى عليه» (٧).

стр. 255

وسُئِل عن الذي يشتم معاوية، أيُصلَّى خلفه؟ قال: «لا، لا يُصلَّى خلفه، ولا كرامة» (١). - شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: سُئِل ﵀ عمن يلعن معاوية، فماذا يجب عليه؟ فأجاب: «الحمد لله، من لعن أحدا من أصحاب النبي ﷺ ، كمعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص ونحوهما؛ ومن هو أفضل من هؤلاء: كأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، ونحوهما؛ أو من هو أفضل من هؤلاء كطلحة، والزبير، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، أو أبي بكر الصديق، وعمر، أو عائشة أم المؤمنين، وغير هؤلاء من أصحاب النبي ﷺ ؛ فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين. وتنازع العلماء: هل يعاقب بالقتل؟ أو ما دون القتل؟» (٢).

стр. 256

الفصل الرابع شبهاتٌ وردُود لا ريب أن الاعتقادات المسبقة عند الكثيرين تؤثِّر على نظرهم للأدلة، فكم من دليلٍ صحيح يعمى عنه الكاره له، ويقدح فيه بما ليس بقادح، وفي المقابل: كم من دليلٍ ضعيفٍ يستمسك به المحتاج إليه، المحبُّ له، ويستميت في تقويته، ولو كان أوهى من خيط العنكبوت! فحبُّ الشيء يعمي ويصم، والإنصاف: أن يعافي الله العبد من هذين النقيضين، فلا يرد الحق لأنه يخالف هواه، ولا يتكئ على الباطل لأنه صادف رضاه؛ وهذا ما نحاول هنا أن نتحرَّاه. وهكذا كان سبيل أئمة السنة الأعلام، فتأمَّل هذا الكلام، ليتضح لك المقصد والمرام: قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة: «وقد روى الوليد بن مسلم خبرا يتوهم كثير من طلاب العلم ممن لا يفهم علم الأخبار أنه خبر صحيح، من جهة النقل، وليس كذلك هو عند علماء أهل الحديث، وأنا مبيِّنٌ علله إن وفق الله لذلك، حتى لا يغتر بعض طلاب الحديث به، فيلتبس الصحيح بغير الثابت من الأخبار، قد أعلمت ما لا أحصي من مرة أني لا أستحل أن أموه على طلاب العلم بالاحتجاج بالخبر الواهي، وإني خائف من خالقي جل وعلا إذا موهت على طلاب العلم بالاحتجاج بالأخبار الواهية، وإن كانت حجة لمذهبي» (١). فتأمل كيف أن ابن خزيمة يُعرض عن الأدلة الضعيفة التي تقوِّي مذهبه، وتنصره على خصمه، لأنه لا يستحلُّ أن يُدلس على الطلبة، ويخشى يوما يقف فيه بين يدي خالقه. فقارن بين هذا وبين من يبترون النصوص، أو يلوون أعناقها، أو يوردون من الأدلة: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع؛ كل ذلك لتقوية موقفهم وحجتهم! ﴿ألا يظنُّ أولئك أنهم مبعوثون﴾. ونجد نموذجا مشرِّفا آخر عند أهل السنة، يورد ما يراه صحيحا من الأدلة، ثم لا يكتفي بصحته عنده، بل يرد طعون وشبهات خصمه على تلك الأدلة، حتى لا يبقيَ لأحد بعد ذلك حجة. يقول الطبري: «القول في علل هذا الخبر، وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح، وذلك: أنه ........ ». هذه العبارة كثيرا ما ذكرها الطبري في كتابه العظيم: «تهذيب الآثار» (٢)، ثم يتبعها ببيان ما يُعل به منازعوه الخبر، ثم يأتي على بنيان هذه العلل من قواعدها، تاركاً إياها ركاما، بعد أن كانت عند أصحابها صرحا مشيدا!

стр. 257

هكذا شأن المحققين من أهل العلم: استدلال بأدلة صحيحة، تَرْكُ الأدلة الباطلة والضعيفة، الجواب عن الشبهات التي تطرأ على الأدلة الصحيحة، تزييف الأدلة الضعيفة حتى لا ينخدع بها جاهل، أو طالب علم. وقد حاولتُ -قدر الاستطاعة- أن أسير على هذا النهج طوال العمل في هذا البحث، فأوردتُ عن معاوية ﵁ ما صحَّ في فضائله، ورددتُ ما أعلَّ به المبغضون له هذه الفضائل، وحان الآن وقت تزييف الباطل الذي يُطعن به فيه، وإعادة الأدلة السويَّة -إن وُجدت- إلى مسارها الصحيح، بعد أن لُويت أعناقها، وحُوِّلت وجهتها، ولولا أن هذه الشبهات قِيلت وانتشرت، وإلى أماكن مختلفة طارت، وعلى البعض دخلت وراجت؛ لأعرضت عن ذكرها، رغبة في إماتتها، وإخمال ذكر قائلها، لكن: «كيف وقد قيل؟!». فأقول -مُستعينا بالله، راكنا إليه-: ما طُعن به في معاوية ﵁ لا يخرج عن أحد دليلين: ١ - إما دليل ضعيف، لا يقوى على مناهضة الأدلة الصحيحة التي تخالفه، ولو كان ضعيفا فقط لرُدّ؛ فكيف وهو مع ضعفه مخالف للصحيح؟! لا ريب أن هذا هو (المنكر) بعينه. ٢ - وإما دليل صحيح، لكنه فُهم خطأ، حيث عُزل عن سائر الأدلة التي ترافقه، وأراد مورده أن يبني به صرحاً من الأباطيل، وهو لا يُسعفه في ذلك، فهنا لا نرد الدليل، وإنما نرد الفهم الخاطئ ونصوِّب التأويل. قال القاضي عياض: «مذهب أفاضل العلماء: أن ما وقع من الأحاديث القادحة فى حديث عدالة بعض الصحابة، والمضيفة إليهم ما لا يليق بهم، فإنها ترد ولا تقبل إذا كان رواتها غير ثقات، فإن أحب بعض العلماء تأويلها قطعاً للشغب نزل وراح، وإن رواها الثقات تُأوِّلت على الوجه اللائق بهم إذا أمكن التأويل، ولا يقع فى روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله» (١).

стр. 258

وقال أبو المعالي الجويني: «فحقيقٌ على المتدين أن يستصحب ما كانوا عليه -أي: الصحابة- في دهر الرسول ﷺ ، فإن نُقلت هناة فليتدبر النقل وطريقه، فإن ضُعِّف: ردَّه، وإن ظهر وكان آحادا: لم يقدح فيما علم تواترا منه، وشهدت له النصوص، ثم ينبغي ألا يألوا جهداً في حمل كل ما ينقل على وجه الخير، ولا يكاد ذو دين يعدم ذلك، فهذا هو الأصل المغني عن التفصيل والتطويل» (١). ولذا، فسأورد أهم الطعون التي وُجِّهت، والشبهات التي حول معاوية ﵁ أُثيرت، مبيِّنا صحة الدليل من ضعفه أولاً، فإن كان ضعيفاً: فقد كفى الله المؤمنين القتال، وإن كان صحيحاً: بيَّنتُ ما يدل على خطأ المستدل، ليس من كيسي، وإنما بجمع باقي الصحيح من الأدلة، مع نقل أقوال علماء هذه الأمة. فليكن هذا منك على ذُكر وبينة. وهذا أوان الشروع في المقصود: الشُّبهة الأولى: الأحاديث الواردة في ذم معاوية ﵁ -: وردت أحاديث كثيرة في ذم معاوية ﵁، لكن حالها ما بين ضعف ووضع، ونكارة وبطلان، فكما وُضعت أحاديث في فضائله، كذلك وُضعت أحاديث في ذمه والحطِّ من قدره، وكما لم نرضَ بغير الصحيح في مناقبه، فكذلك لا نرضى بالواهيات في ذمِّه. وسبيل رد تلك الأحاديث سيكون إجمالا، وتفصيلا -بإذن الله-. فأما إجمالاً: فقد قال الإمام ابن القيم -وهو يتكلم عن الأحاديث غير الصحيحة-: «ومن ذلك الأحاديث في ذمِّ معاوية، وكل حديث في ذمِّه فهو كذب» (٢). وقال البلاذري: «قال لي هشام بن عمَّار (٣): نظرتُ في أحاديث معاوية عندكم -يعني: الواردة في ذمِّه- فوجدتُ أكثرها مصنوعا (٤)» (٥)!

стр. 259

وأما تفصيلا (١): فإليك أشهر الأحاديث وبيان ما فيها: أ- حديث: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه -وفي لفظ: فارجموه -». وهذا الحديث روي من عدة طرق (٢)؛ فرُوي عن كلٍّ من: أ- أبي سعيد الخدري ﵁ (٣): وهو ضعيف، لا يثبت عنه. قال البخاري: «وروى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة؛ أن معاوية لما خطب على المنبر فقام رجل فقال -قال: ورفعه-: إذا رأيتموه على المنبر فاقتلوه. وقال آخر: اكتبوا إلى عمر، فكتبوا فإذا عمر قد قتل. وهذا مرسل، لم يشهد أبو نضرة تلك الأيام. وقال عبد الرزاق: عن ابن عيينة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد؛ رفعه. وهذا مدخول لم يثبت. ورواه مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد؛ رفعه. وهذا واهٍ، قال أحمد: أحاديث مجالد كلها حلم، وقال يحيى بن سعيد: لو شئت لجعلها كلها عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله» (٤).

стр. 260

وقال الجورقاني: «هذا حديث لا يرجع منه إلى صحة، وليس هذا الحديث أصلا من حديث أبي سعيد، ولا من حديث أبي الوداك، ومجالد هذا -أحد رجال سند الحديث- ضعيف، منكر الحديث، فسرق هذا الحديث من عمرو بن عبيد، فحدث به، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد بهذا اللفظ. قال أحمد بن سنان: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: حديث مجالد عند الأحداث: يحيى بن سعيد، وأبي أسامة؛ ليس بشيء. وقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن مجالد؛ فقال: ليس بشيء. يرفع حديثا كثيرا لا يرفعه الناس. وقال العباس بن محمد الدوري، عن يحيى بن معين، أنه قال: مجالد لا يحتج بحديثه، وقال مرة أخرى: مجالد كذاب، وقال محمد بن إسماعيل البخاري: مجالد كذاب» (١). ب- عبد الله بن مسعود ﵁ (٢): قال ابن حبان: «الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي، يروي عن السدي، وعاصم بن بهدلة، كان يشتم أصحاب محمد ﷺ ، يروي عن الثقات الأشياء الموضوعات، وهو الذي يروي عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه» (٣). وقال ابن عدي -بعد ذكره مع عدة أحاديث-: «وهذه الأحاديث، عن عاصم وعن السدي التي ذكرتها كلها غير محفوظة» (٤). جـ- جابر بن عبد الله ﵁ (٥): قال الجورقاني عقبه: «هذا حديث غريب، لم أكتبه إلا من هذا الوجه» (٦).

стр. 261

د- سهل بن حنيف ﵁ (١): وهو ضعيف الإسناد أيضا لا يثبت (٢). ه- الحسن البصري، مرسلاً (٣): قيل لأيوب السختياني: «إن عمرو بن عبيد، روى عن الحسن، أن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتم معاوية على المنبر فاقتلوه؛ فقال: كذب عمرو» (٤). وقال الجورقاني عقب حديث الحسن هذا: «هذا حديث موضوع باطل، لا أصل له في الأحاديث. وليس هذا إلا من فعل المبتدعة الوضاعين، خذلهم الله في الدارين، من اعتقد هذا وأمثاله، أو خطر بباله أن هذا مما جرى على لسان رسول الله ﷺ فهو زنديق، خارج من الدين، وعمرو بن عبيد، الذي روى هذا الحديث، قد رمي بالكذب» (٥). والخلاصة في هذا الحديث: أني لم أقف على قولٍ لأحدٍ من المحدِّثين المتقدِّمين، ولا المتأخرين بتصحيحه، بل أكثرهم على ردِّه وتوهينه وردِّه، وتزيين كتب الموضوعات والوضَّاعين والضعفاء بذكره وتخريجه! وفيما يلي سردٌ لأبرز العلماء الذين ضعَّفوا هذا الحديث إجمالا: - الإمام البخاري: حيث قال: «ويروى عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن رجل، عن عبد الله بن عمرو؛ رفعه في قصته. وهذا منقطع لا يُعتمد عليه. وروى الأعمش، عن سالم، عن ثوبان رفعه في قصته. وسالم لم يسمع من ثوبان، والأعمش لا يدرى سمع هذا من سالم أم لا!

стр. 262

قال أبو بكر بن عياش، عن الأعمش أنه قال: نستغفر الله من أشياء كنا نرويها على وجه التعجب اتخذوها دينا، وقد أدرك أصحاب النبي ﷺ معاوية أميرا في زمان عمر، وبعد ذلك عشر سنين؛ فلم يقم إليه أحد فيقتله. قال البخاري: وهذا مما يدل على هذه الأحاديث أن ليس لها أصول، ولا يثبت عن النبي ﷺ خبره على هذا النحو في أحد من أصحاب النبي ﷺ ، إنما يقوله أهل الضعف بعضهم في بعض، إلا ما يذكر أنهم ذكروا في الجاهلية ثم أسلموا، فمحا الإسلام ما كان قبله» (١). - أبو جعفر العقيلي: قال بعد أن أورد عدة أحاديث هذا منها: «ولا تصح في هذه المتون عن النبي ﵇ شيءٌ من وجه يثبت» (٢). - الحافظ ابن عساكر: قال بعد أن ذكر طرق الحديث وأسانيده: «وهذه الأسانيد كلها فيها مقال» (٣). - ابن الجوزي: أورده في الموضوعات، وقال عنه: «هذا حديث موضوع لا يصح عن رسول الله ﷺ » (٤). - شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: قال بعد ذكره لهذا الحديث: «هذا الحديث ليس في شيء من كتب الإسلام التي يرجع إليها في علم النقل، وهو عند أهل المعرفة بالحديث كذبٌ موضوعٌ مختلقٌ على النبي ﷺ ، وقد ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في الموضوعات» (٥). - الذهبي: قال عنه بعد إيراده في ترجمة معاوية: «هذا كذب، ويقال: هو معاوية بن تابوه المنافق (٦)» (٧). - الحافظ ابن كثير: قال عنه بعد ذكره: «وهذا الحديث كذب بلا شك» (٨).

стр. 263

وكذلك أورده جمعٌ من العلماء الذين صنَّفوا في الموضوعات في كتبهم في زمرة الأحاديث الموضوعة؛ مثل: - السيوطي: ذكره في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (١). - ابن عراق الكناني: ذكره في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة (٢). - الشوكاني: ذكره في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة (٣). والحديث منكر أيضا من جهة المتن، وذلك لأمرين: الأول: أن هذا قدحٌ في الصحابة الذين بلغهم الحديث ولم يعملوا به، وهذا بعيد عنهم، للعلم بأنهم كانوا لا يخافون في الله لومة لائم. قال الحافظ ابن كثير: «وهذا الحديث كذب بلا شك، ولو كان صحيحا لبادر الصحابة إلى فعل ذلك; لأنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم» (٤). الثاني: أن المنبر قد صعده من كان معاوية خيراً منه معاوية، ومع ذلك لم يأمر النبي ﷺ بقتله. قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «ومما يبين كذبه أن منبر النبي ﷺ قد صعد عليه بعد معاوية من كان معاوية خيرا منه باتفاق المسلمين. فإن كان يجب قتل من صعد عليه لمجرد الصعود على المنبر، وجب قتل هؤلاء كلهم. ثم هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن مجرد صعود المنبر لا يبيح قتل مسلم. وإن أمر بقتله لكونه تولى الأمر، وهو لا يصلح، فيجب قتل كل من تولى الأمر بعد معاوية ممن معاوية أفضل منه. وهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبي ﷺ من نهيه عن قتل ولاة الأمور وقتالهم، كما تقدم بيانه.

стр. 264

ثم الأمة متفقة على خلاف هذا ; فإنها لم تقتل كل من تولى أمرها ولا استحلت ذلك. ثم هذا يوجب من الفساد والهرج ما هو أعظم من ولاية كل ظالم، فكيف يأمر النبي ﷺ بشيء يكون فعله أعظم فسادا من تركه؟!» (١). ب- حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: «سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى، فلا تعتلوا بربكم» . قال عبادة: والله إن معاوية لمن أولئك. هذا الحديث رواه بهذه الزيادة: «والله إن معاوية لمن أولئك» الحاكم (٢) من طريق مسلم بن خالد، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه: أن عبادة بن الصامت قام قائماً في وسط دار أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ , فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ محمداً أبا القاسم يقول: «سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون, فلا طاعة لمن عصى فلا تعتبوا (٣) أنفسكم». فوالذي نفسي بيده إن معاوية من أولئك، فما راجعه عثمان حرفاً. وهذا الحديث ضعيفٌ مُسلسلٌ بالعلل (٤)، ومع ذلك: فمع افتراض صحة هذا الحديث؛ فإن المرفوع منه ليس فيه ذكرٌ لمعاوية، وإنما هو اجتهاد من عبادة ﵁ في حمل الحديث على معاوية ﵁، وقد خالفه في هذا الاجتهاد عمر وعثمان ﵄، حيث جعلا معاوية والياً على الشام، ولم يتهماه مدة ولايته -كما تقدَّم-. وكذا أدرك جمعٌ من الصحابة وكبار التابعين ملك معاوية, ولم ينزعوا يداً من طاعة ﵃ كما تقدَّم ذلك عن الأوزاعي-.

стр. 265

جـ- حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: «كنتُ ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله ﷺ فتواريت خلف باب، قال فجاء فحطأني حطأة (١)، وقال: اذهب وادع لي معاوية. قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: اذهب فادع لي معاوية. قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: لا أشبع الله بطنه» (٢). ووجه الاتهام في هذا الحديث لمعاوية ﵁ أمران: الأول: دعاء النبي ﷺ على معاوية. الثاني: تأخر معاوية عن تلبية طلب النبي ﷺ والاستمرار في الأكل، فهذا له دلالة على قلة المبالاة. والجواب عن الاتهام الأول من عدة أوجه؛ وهي: أولاً: أن هذا الدعاء مما جرى على اللسان بغير قصد. وهو كقول النبي ﷺ لأم سلمة: «تربت يمينك» (٣)، وقوله لصفية: «عقرى حلقى» (٤)، وقوله لمعاذ: «ثكلتك أمك» (٥). فهذا كله لم يُفهم منه أن النبي ﷺ يدعو على هؤلاء الأفاضل. قال النووي: «وأما دعاؤه على معاوية أن لا يشبع حين تأخر؛ ففيه الجوابان السابقان، أحدهما: أنه جرى على اللسان بلا قصد» (٦). وقال القرطبي: «قوله: لا أشبع الله بطنه؛ يحتمل أن يكون من نوع: لا كبر سنك» (٧).

стр. 266

وقال ابن حجر الهيتمي: «يحتمل أن هذا الدعاء جرى على لسانه ﷺ من غير قصد، كما قال لبعض أصحابه: تربت يمينك، ولبعض أمهات المؤمنين: عقرى حلقى، ونحو ذلك من الألفاظ التي كانت تجري على ألسنتهم بطريق العادة، من غير أن يقصدوا معانيها» (١). ثانياً: أن هذا الدعاء مما ينتفع به معاوية في الآخرة، حتى لا يكون ممن يجوع يوم القيامة، لأن الخبر عنه أنه قال: «أكثر الناس شبعا في الدنيا؛ أكثرهم جوعا يوم القيامة» (٢). لكن الذهبيَّ لم يرتضِ هذا التأويل، وقال: «هذا ما صح، والتأويل ركيك» (٣). ثالثاً: أن الدعاء على حقيقته (٤)، وليس في هذا ما ينقص قدر معاوية في الآخرة، فغاية ما فيه طول مدة الأكل، وكل من لم يضره نقص أخروي فلا ينافي الكمال (٥). وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في الدنيا، فقد كان معدودا من الأكلة. قال ابن كثير: «وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أما في الدنيا: فإنه لما صار في الشام أميرا، كان يأكل في اليوم سبع مرات، يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا، ويقول: والله ما أشبع، وإنما أعيى. وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك» (٦). وقال الذهبي: «وقد كان معاوية معدودا من الأكلة» (٧).

стр. 267

رابعاً: أن هذا الدعاء على معاوية معدود في مناقبه، لا في تنقصه وذمه، وذلك لأن النبي ﷺ قال: «اللهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته، أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له زكاة ورحمة» (١). وقد ذهب إلى هذا التأويل جماعةٌ من العلماء؛ منهم: - الإمام مسلم بن الحجاج: قال النووي: «وقد فهم مسلم ﵀ من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب (٢)، وجعله غيره من مناقب معاوية؛ لأنه في الحقيقة يصير دعاء له» (٣). وقال القرطبي: «ويحتمل أن يكون معاوية من الأكل في أمر كان معذورا به من شدة الجوع، أو مخافة فساد الطعام، أو غير ذلك، وهذا المعنى تأوُّلُ من أدخل هذا الحديث في مناقب معاوية، فكأنه كنَّى به عن أنه دعا عليه بسبب أمر كان معذورا به، فحصل له من دعاء النبي ﷺ الكفارة والرحمة والقربة إلى الله تعالى التي دعا بها النبي ﷺ كما ذكرناه» (٤). - الحافظ ابن عساكر: حيث قال عن هذا الحديث: «أصحُّ ما روي في فضل معاوية» (٥). - الحافظ الذهبي:

стр. 268

قال عن هذا الحديث: «لعل هذه منقبة لمعاوية، لقول النبي ﷺ : اللهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة» (١). - الحافظ ابن كثير: قال معلِّقا على هذا الحديث: «وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه (٢). وأما في الآخرة: فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه هو والبخاري وغيرهما، من غير وجه عن جماعة من الصحابة، أن رسول الله ﷺ قال: اللهم إنما أنا بشر، فأيما عبد سببته، أو جلدته، أو دعوتُ عليه، وليس لذلك أهلا؛ فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة. فركَّب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية، ولم يورد له غير ذلك» (٣). - ابن حجر الهيتمي: حيث عدَّ هذا الحديث من مناقب معاوية، وساق نحوا من الكلام السابق (٤). وأما الجواب عن الاتهام الثاني؛ فنقول: أولاً: أنه ليس في الحديث أن ابن عباس قال لمعاوية: رسول الله ﷺ يدعوك فتباطأ، وإنما يحتمل أن ابن عباس لما رآه يأكل استحيا أن يدعوه، فجاء وأخبر رسول الله ﷺ أنه يأكل، وكذا في المرة الثانية (٥). ثانياً: على فرض أن ابن عباس أخبر معاوية بطلب النبي ﷺ ؛ فيحتمل أن معاوية ظن أن في الأمر سعة، أو كان معتقدا أنه لا يجب على الفور (٦)، مع احتمالية الجوع الشديد عند معاوية، أو مخافة فساد الطعام، أو غير ذلك (٧).

стр. 269

د- عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب، ... ، قالت: فلما حللتُ ذكرت للنبي ﷺ أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : «أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية ف صُعلوكٌ لا مال له، انكحي أسامة بن زيد» فكرهته، ثم قال: «انكحي أسامة»، فنكحته، فجعل الله فيه خيرا، واغتبطت به (١). ووجه اتهام معاوية هنا: أن النبيَّ ﷺ لم يرضه زوجاً لفاطمة بنت قيس، ونعته بأنه صعلوك. والجواب عن هذه التهمة بما يلي: أولاً: أن كلمة: «صُعلوك» لا عيب فيها ولا مذمة، فهي تعني: الفقر وقلة المال، وكان معاوية في هذا الوقت قليل المال جدا (٢)، فهذا وصف لحاله، لا عيب في أخلاقه. ثانياً: وأما كونه لم يرضه لها: فلأنه أراد لها من هو خيرٌ منه، فرأى أن أسامة خير من معاوية، وقد كان هناك في الصحابة من هم خيرٌ من معاوية بالإجماع، وليس في هذا قدحٌ في معاوية. بل إن هذا الحديث يصلح أن يكون فيه بيان لفضل لمعاوية، حيث أن النبي ﷺ إنما ذكر لفاطمة بنت قيس أنه لا مال له، ولو كان في دينه مغمزٌ أو مطعنٌ لذكره الرسول ﷺ لفاطمة ولم يكتمها ذلك, وهذا فيه ثناء على معاوية في دينه ﵁، وكان ذلك في أول حياته وإسلامه (٣). هذا وثمَّ في هذا الباب أحاديث أخر، أعرضت إيرادها، وضربت صفحا عن ذكرها لأحد أمرين: الأول: أن بعضها ليس فيه ذكرٌ لمعاوية، وإنما تكلَّف أقوام ذكره فيها (٤). الثاني: أن بعضها ليس مشتهرا في هذا الزمان، ولا يُذكر الآن، فرأيت أن الإعراض عنها أولى لإماتتها، وإخماد ذكرها.

стр. 270

واكتفيت بهذه العينة من الأمثلة (١)، فهي عما ورائها مخبرة، ولطريقة الرد ممثلة، فجميع ما يُرد من هذه الأباطيل؛ يُسلك به هذا السبيل، ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾. الشبهة الثانية: تعامل معاوية ﵁ بالربا: عن أبي الأشعث قال: «غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقام، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ : ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد، أو ازداد، فقد أربى. فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا، فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة، ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله ﷺ ، وإن كره معاوية - أو قال: وإن رغم - ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء» (٢). وهذا حديثٌ صحيحٌ، لكن يُجاب عنه بما يلي:

стр. 271

- أولاً: أن معاوية ﵁ لم ينفرد بالقول بجواز ربا الفضل وأنه لا يحرم إلا في نسيئة, بل جاء عن غيره من الصحابة؛ مثل: عبدالله بن عباس (١) , وعبد الله بن عمر (٢) ﵃، فلماذا يُخص معاوية ﵁ بالتهمة دون هؤلاء؟! قال الحافظ ابن حجر: «والصَّرْفُ -بفتح المهملة-: دفع ذهب وأخذ فضة، وعكسه، وله شرطان: منع النسيئة مع اتفاق النوع واختلافه، وهو المجمع عليه, ومنع التفاضل في النوع الواحد منهما، وهو قول الجمهور، وخالف فيه ابن عمر ثم رجع, وابن عباس واختلف في رجوعه» (٣). وقال النووي: «ثم رجع ابن عمر وابن عباس عن ذلك، وقالا بتحريم بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلاً, حين بلغهما حديث أبي سعيد كما ذكره مسلم من رجوعهما صريحاً» (٤). - ثانياً: وقد يحمل قول من قال من الصحابة ﵃ بجواز ربا الفضل, على أن ذلك لم يبلغه عن رسول الله. يدل على ذلك قول معاوية ﵁ لما بلغه عن عبادة النهي عن ربا الفضل: «ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث, قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه».

стр. 272

قال القاضي عياض: «ويحتمل أن معاوية لم يبلغه هذه السُنة إنما يرى إنكاره لها» (١). قال النووي: «وهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تدل على أن ابن عمر وابن عباس لم يكن بلغهما حديث النهي عن التفاضل في غير النسيئة, فلما بلغهما رجعا إليه» (٢). - ثالثاً: أن من قال بجواز ربا الفضل -كمعاوية ﵁ وغيره من الصحابة- قال ذلك متأولاً أن الربا لا يحرم إلا في النسيئة. قال القاضي عياض: «ويحتمل أنه -أي: معاوية- تأوَّل أن النهى فى المصكوك والذى فى منعه من التجارة به والحرص على اقتنائه مصلحة للمسلمين، إذ به التعامل وهو قيم المتعلقات، فإذا كان مملوكاً كان كسائر العروض» (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «من المعلوم أن الذين استحلوا النبيذ المتنازع فيه من السلف والذين استحلوا الدرهم بالدرهمين من السلف أكثر وأجل قدراً من هؤلاء، فإن ابن عباس ومعاوية وغيرهما رخصوا في الدرهم بالدرهمين, وكانوا متأولين أن الربا لا يحرم إلا في النساء, لا في اليد باليد» (٤). وقال في موطن آخر: «ثم إن الذين بلغهم قول النبي ﷺ : إنما الربا في النسيئة، فاستحلوا بيع الصاعين بالصاع، يدا بيد؛ مثل: ابن عباس ﵁ وأصحابه: أبي الشعثاء، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وغيرهم من أعيان المكيين الذين هم من صفوة الأمة علما وعملا، لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحدا منهم بعينه، أو من قلده بحيث يجوز تقليده؛ تبلغهم لعنة آكل الربا، لأنهم فعلوا ذلك متأولين تأويلا سائغا في الجملة» (٥).

стр. 273

الشبهة الثالثة: بيع معاوية ﵁ الأصنام: عن أبي وائل قال: «كنت مع مسروق بالسلسلة، فمرت به سفائن فيها أصنام من صفر تماثيل الرجال، فسألهم عنها فقالوا: بعث بها معاوية إلى أرض السند والهند تباع له، فقال مسروق: لو أعلم أنهم يقتلونني لغرقتها، ولكني أخاف أن يعذبوني ثم يفتنوني، والله ما أدري أي الرجلين معاوية: أرجل قد يئس من الآخرة فهو يتمتع من الدنيا؟ أم رجل زين له سوء عمله؟» (١). والجواب عن هذه الشبهة يسير، فهي: ضعيفة الإسناد (٢)،

стр. 274

منكرة المتن. قال مُهنَّا: «سألت أحمد عن حديث الأعمش، عن أبي وائل، أن معاوية لعب بالأصنام. فقال: ما أغلط أهل الكوفة على أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يصحح الحديث» (١). وهذا قاله الإمام أحمد في حق من قال: «أن معاوية لعب بالأصنام»، فكيف بمن قال أن معاوية بيعها (٢)!! وقد تقدَّم معنا قول هشام بن عمَّار للبلاذري -وهو راوي هذا الخبر-: «نظرتُ في أحاديث معاوية عندكم، فوجدتُ أكثرها مصنوعا». الشبهة الرابعة: سمُّ معاوية للحسن بن علي ﵁ -: عن ابن جُعْدُبة قال: «كانت جعدة بنت الأشعت بن قيس تحت الحسن بن عليّ، فدسّ إليها يزيد أن سمي حسناً أني مزوجك، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إليه جعدة تسأل يزيد الوفاء بما وعدها، فقال: أنا والله لم نرضك للحسن، فنرضاك لأنفسنا؟!». والجواب عن هذه الشبهة من وجوه: أولاً: أن القصة واهية الإسناد (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «وأما قوله (٤): إن معاوية سم الحسن؛ فهذا مما ذكره بعض الناس، ولم يثبت ذلك ببينة شرعية، أو إقرار معتبر، ولا نقل يجزم به. وهذا مما لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم» (٥). وقال الذهبي: «هذا شيء لا يصح، فمن الذي اطلع عليه» (٦). وقال ابن كثير -بعد أن نقل الرواية المذكورة-: «وعندي أن هذا ليس بصحيح، وعدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى» (٧). وضعَّف ذلك أيضا ابن خلدون (٨). ثانياً: ليس في القصة ذكرٌ لمعاوية بن أبي سفيان!

стр. 275

ثالثاً: أن الحسن ﵁ تنازل لمعاوية بمحض إرادته، وعن موضع قوة منه، ولم ينازعه شيئا بعد ذلك، بل لم يكن يفكر حتى في الملك؛ فلم يقبل معاوية على التخلص منه؟! قال جبير بن نفير الحضرمي: «قلتُ للحسن بن علي: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة؟ فقال: كانت جماجم العرب (١) بيدي يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله، ثم أثيرها بأتياس أهل الحجاز؟!» (٢). وقال ابن العربي: «فإن قيل: قد دس على الحسن من سمه. قلنا: هذا محال من وجهين: أحدهما: أنه ما كان ليتقي من الحسن بأسًا وقد سلم الأمر. الثاني: أنه أمر مغيب لا يعلمه إلا الله فكيف تحملونه -بغير بينة- على أحد من خلقه في زمان متباعد لم نثق فيه بنقل ناقل، بين أيدي قوم ذوي أهواء، وفي حال فتنة وعصبية، ينسب كل واحد إلى صاحبه ما لا ينبغي، فلا يقبل منها إلا الصافي، ولا يسمع فيها إلا من العدل المصمم» (٣). رابعاً: لو كانت هذه القصة صحيحة، ومنتشرة معروفة؛ فلم سكتَ الحسين وسائر الصحابة عن هذه الجريمة المنكرة، وهم الذين لا تأخذهم في الحق لومة لائم؟! فسكوتهم هذا بمثابة الطعن فيهم، لأنهم رضوا بما وقع، وحاشاهم ذلك. خامساً: إذا كان معاوية ﵁ يريد أن يصفي الساحة من المعارضين حتى يتمكن من مبايعة يزيد بدون معارضة، فإنه سيضطر إلى تصفية الكثير من أبناء الصحابة ﵃، ولن تقتصر التصفية على الحسن ﵁ فقط (٤).

стр. 276

الشبهة الخامسة: قتل معاوية لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: عن مسلمه ابن محارب: «أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشام، ومال إليه أهلها، لما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد، ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه، حتى خافه معاوية، وخشي على نفسه منه، لميل الناس إليه، فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله، وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش، وأن يوليه جباية خراج حمص، فلما قدم عبد الرحمن بن خالد حمص منصرفا من بلاد الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها فمات بحمص، فوفى له معاوية بما ضمن له، وولاه خراج حمص، ووضع عنه خراجه» (١). والجواب عن هذه الشبهة من وجوه: أولاً: أن سندها ضعيف لا يصح (٢). قال ابن كثير: «وزعم بعضهم أن ذلك عن أمر معاوية له في ذلك، ولا يصح، والله أعلم» (٣).

стр. 277

ثانياً: هذه الرواية- بالإضافة إلى ضعف سندها- يوجد اختلاف في متنها مع الواقع الملموس، فمعاوية ﵁ بيده عزل الأمراء أو توليتهم كما هو معروف، وليس بالصعوبة على معاوية أن يطلب من عبد الرحمن بن خالد أن يتنحى عن قيادة الصوائف على الثغر الرومي، وتكون النتيجة أن يهمل عبد الرحمن بن خالد، ثم لا يكون له أي مكانة يُخشى منها. ثالثاً: أورد الطبري ذكر غزوة البحر سنة ٤٨ هـ، فذكر أن عقبة بن عامر الجهني كان على أهل مصر، وعلى أهل المدينة المنذر بن زهير، وعلى جميعهم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد (١)، فكيف يرضى معاوية -بعد قتل عبد الرحمن- أن يكون ولده قائداً كبيراً من بعده؟! هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: كيف يرضى أن يقوم ولده خالد بقيادة الجيش لمعاوية إن كان معاوية قاتلَ أبيه؟! وهل يمكن أن يخفى على ولده هذا الأمر وهو أقرب الناس إليه (٢)؟!

стр. 278

الشبهة السادسة: قتل معاوية للأشتر مالك بن الحارث النخعي: وردت عدة روايات تذكر خبر وفاة الأشتر بالسم، لكن ليس فيها ذكر لمعاوية (١). وورد خبر عند الطبري يذكر أن معاوية ﵁ هو الذي أوعز بقتله. فعن يزيد بن ظبيان الهمداني، قال: « ...... ، وأتت معاوية عيونه، فأخبروه بولاية علي الأشتر، فعظم ذلك عليه، وقد كان طمع في مصر، فعلم أن الاشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر، فبعث معاوية إلى الجايستار- رجل من أهل الخراج- فقال له: إن الأشتر قد ولي مصر، فإن أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت، فاحتل له بما قدرت عليه، فخرج الجايستار حتى أتى القلزم وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار، فقال: هذا منزل، وهذا طعام وعلف، وأنا رجل من أهل الخراج، فنزل به الأشتر، فأتاه الدهقان بعلف وطعام، حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سما فسقاه اياه، فلما شربها مات. وأقبل معاوية يقول لأهل الشام: إن عليَّاً وجه الأشتر إلى مصر، فادعوا الله أن يكفيكموه، قال: فكانوا كل يوم يدعون الله على الأشتر، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر، فقام معاوية في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد، فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان، قطعت إحداهما يوم صفِّين- يعني عمَّار بن ياسر- وقطعت الأخرى اليوم- يعني الأشتر-» (٢). وهذه قصة واهية السند، منكرة المتن. أما السند: ففيه أبو مخنف لوط بن يحيى، تقدم أنه أخباري تالف. وأما المتن: فقد قدمنا غير مرة أن نزاع معاوية مع علي لم يكن لأجل الحكم والخلافة، فما الذي يجعله يطمع في ولاية مصر؟! وكيف يُعقل أنَّ معاوية يشمت في قتل عمَّار بن ياسر ﵁؟!

стр. 279

الشبهة السابعة: قتل معاوية لحُجْر بن عدي (١): أما حُجْر نفسه: فقد اختلف العلماء في صحبته، فمنهم من عدَّه في الصحابة، كابن سعد، والزبيري، ومنهم من عدَّه في التابعين، وهم الأكثر، كالبخاري، وأبي حاتم الرازي، وغيرهما. قال الحافظ ابن حجر: «أما البُخارِيّ، وابن أبي حاتم، عَن أَبيه، وخليفة بن خيَّاط، وابن حبان فذكروه في التابعين، وكذا ذكره ابن سَعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، فإما أن يكون ظنه آخر، وإما أن يكون ذهل» (٢). وقال ابن كثير: «ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة، وذكر له وفادة، ثم ذكره في الأولى من تابعي أهل الكوفة قال: وكان ثقة معروفا، ولم يرو عن غير علي شيئا. وقال أبو أحمد العسكري: أكثر المحدثين لا يصححون له صحبة، شهد القادسية، وافتتح مرج عذراء، وشهد الجمل وصفِّين، وكان مع علي حجر الخير، وهو حجر بن عدي هذا، وحجر الشر، وهو حجر بن يزيد بن سلمة بن مرة» (٣). وأما عن قصة مقتله: فقد ثبت عند أهل التاريخ أن معاوية ﵁ أمر بقتله، ولم ينازع في ذلك أحد، لكن تفاصيل ذلك: وردت به أخبار ضعيفة، بل كثير منها واهي الإسناد (٤)، ولذا فسأقتصر هنا على إيراد أصح ما وقفتُ عليه في قصته، مع ذكر أقوال العلماء في ذلك، لتبيين حجة معاوية ﵁ في قتله. البداية كانت بتعرض حُجر لزياد -والي معاوية على الكوفة- وهو على المنبر.

стр. 280

فعن محمد بن سيرين، قال: «خطب زياد يوما في الجمعة، فأطال الخطبة وأخَّر الصلاة، فقال له حجر بن عدي: الصلاة! فمضى في خطبته، ثم قال: الصلاة! فمضى في خطبته، فلما خشي حجر فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من الحصا، وثار إلى الصلاة وثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس، فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره، وكثر عليه (١). فكتب إليه معاوية أن شده في الحديد، ثم احمله إليَّ، فلما أن جاء كتاب معاوية أراد قوم حجر أن يمنعوه، فقال: لا، ولكن سمع وطاعة، فشد في الحديد، ثم حمل إلى معاوية، فلما دخل عليه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له معاوية: أمير المؤمنين! أما والله لا أقيلك ولا أستقيلك، أخرجوه فاضربوا عنقه» (٢). هذه الرواية بيَّنت سبب مقتل حجر، وأنه أظهر اعتراضا على زياد، ويبدو أنه لم تكن هذه المرة فقط، فلا يُتصوَّر أن يكتب زياد إلى معاوية، ويأمر بإرساله في الحديد، لموقف عابر، أو اعتراض قولي ظهر منه. ولنا في خبر المسور بن مخرمة مع معاوية دلالة على ذلك، فقد تقدَّم أنه كان يطعن على معاوية والأئمة، ومع ذلك فمعاوية لم يتعرض له، وهو ما يؤكد لنا أن حُجرا لا بد أن يكون صدر منه ما فوق ذلك، لكن كثير من الروايات التي تتحدث عن أفعال حجر لا يستقيم إسنادها، ولذا لم أوردها. كما أن هذه الرواية لا تذكر تفاصيل ما وقع بين معاوية وحجر عند قدومه عليه، لكن ذكرت رواية أخرى كيف أن معاوية تأنَّى في ذلك، واستشار الناس، وهو ما يتناسب مع عقل وحلم معاوية.

стр. 281

فعن إسماعيل بن عياش، قال: حدثني شرحبيل بن مسلم قال: «لما بُعث بحجر بن عدي بن الأدبر وأصحابه من العراق إلى معاوية بن أبي سفيان؛ استشار الناس في قتلهم، فمنهم المشير ومنهم الساكت، فدخل معاوية إلى منزله، فلما صلَّى الظهر قام في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم جلس على منبره، فقام المنادي فنادى: أين عمرو بن الأسود العنسي؟ فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا إنا بحصن من الله حصين لم نؤمر بتركه، وقولك يا أمير المؤمنين في أهل العراق، ألا وأنت الراعي ونحن الرعية، ألا وأنت أعلمنا بدائهم وأقدرنا على دوائهم، وإنما علينا أن نقول: ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾، فقال معاوية: أما عمرو بن الأسود فقد تبرأ إلينا من دمائهم، ورمى بها ما بين عيني معاوية. ثم قام المنادي فنادى: أين أبو مسلم الخولاني؟ فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فلا والله ما أبغضناك منذ أحببناك، ولا عصيناك منذ أطعناك، ولا فارقناك منذ جامعناك، ولا نكثنا بيعتنا منذ بايعناك، سيوفنا على عواتقنا إن أمرتنا أطعناك، وإن دعوتنا أجبناك، وإن سبقتنا أدركناك، وإن سبقناك نظرناك، ثم جلس. ثم قام المنادي فقال: أين عبد الله بن مخمر الشرعبي، فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: وقولك يا أمير المؤمنين في هذه العصابة من أهل العراق، إن تعاقبهم فقد أصبت وإن تعفو فقد أحسنت. فقام المنادي فنادى: أين عبد الله بن أسد القسري؟ فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين! رعيتك وولايتك وأهل طاعتك، إن تعاقبهم فقد جنوا أنفسهم العقوبة، وإن تعفوا فإن العفو أقرب للتقوى، يا أمير المؤمنين! لا تطع فينا من كان غشوما لنفسه، ظلوما بالليل، نؤوما عن عمل الآخرة، يا أمير المؤمنين! إن الدنيا قد انخشعت أوتادها، ومالت بها عمادها، وأحبها أصحابها، واقترب منها ميعادها، ثم جلس.

стр. 282

فقلتُ (أي ابن عياش) لشرحبيل: فكيف صنع؟ قال: قتل بعضا، واستحيى بعضا، وكان فيمن قتل: حجر بن عدي بن الأدبر» (١). إذن فمعاوية ﵁ استشار، ثم اجتهد، وأدَّاه هذا إلى قتل البعض، وترك الآخرين، وكان يخشى من ترك الجميع أن يكثر الشر والفساد، وتُسال الدماء، وقد أفصح عن تخوفه هذا في لقائه بأم المؤمنين عائشة ﵂. فعن ابن أبي مليكة: «أن معاوية جاء يستأذن على عائشة، فأبت أن تأذن له، فخرج غلام لها يُقال له ذكوان، قال: ويحك، أدخلني على عائشة، فإنها قد غضبت عليَّ، فلم يزل بها غلامها حتى أذنت له، وكان أطوع مني عندها، فلما دخل عليها قال: أمتاه! فيما وجدت عليَّ يرحمك الله؟ قالت: وجدتُ عليك في شأن حجر وأصحابه أنك قتلتهم، فقال لها: وأما حجر وأصحابه: فإني تخوَّفتُ أمراً وخشيت فتنة تكون تُهراق فيها الدماء، وتُستحل فيها المحارم، وأنت تخافيني، دعيني والله يفعل بي ما يشاء، قالت: تركتك والله، تركتك والله، تركتك والله» (٢).

стр. 283

وفي رواية أخرى: عن أيوب السختياني، عن عبد الله بن أبي مليكة أو غيره (١): «لما قدم معاوية دخل على عائشة، فقالت: أقتلتَ حُجرا؟! قال: يا أم المؤمنين! إني وجدت قتل رجل في صلاح الناس خير من استحيائه في فسادهم» (٢). فالخلاصة: أن هذا أمر اجتهد فيه معاوية، فإن أصاب: فله أجران، وإن أخطأ: فقد أخطأ أسامة بن زيد قبل ذلك في قتل الرجل الذي قتل المسلمين، ثم نطق بالشهادتين قبل أن يقتله أسامة (٣).

стр. 284

قال ابن العربي: «فإن قيل: قَتَلَ حُجر بن عدي -وهو من الصحابة (١) مشهور بالخير- صبرًا أسيرًا، قلنا: علمنا قتل حجر كلنا، واختلفنا: فقائل يقول: قتله ظلمًا، وقائل يقول: قتله حقًا (٢). فإن قيل: الأصل قتله ظلمًا إلا إذا ثبت عليه ما يوجب قتله؛ قلنا: الأصل أن قتل الإمام بالحق، فمن ادَّعى أنه بالظلم فعليه الدليل. ولو كان ظلمًا محضًا لما بقي بيت إلا لُعن فيه معاوية، وهذه مدينة السلام، دار خلافة بني العباس -وبينهم وبين بني أمية ما لا يخفى على الناس- مكتوبٌ على أبواب مساجدها: خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم معاوية خال المؤمنين ﵃.

стр. 285

ولكن حجراً -فيما يُقال- رأى من زياد أمورا منكرة؛ فحصبه، وخلعه، وأراد أن يقيم الخلق للفتنة، فجعله معاوية ممن سعى في الأرض فساداً، وقد كلمته عائشة في أمره حين حج، فقال لها: دعيني وحجراً حتى نلتقي عند الله. وأنتم معشر المسلمين أولى أن تدعوهما حتى يقفا بين يدي الله مع صاحبهما العدل الأمين المصطفى المكين، وما أنتم ودخولكم حيث لا تشعرون، فما لكم لا تسمعون؟» (١). الشبهة الثامنة: لعنُ وسبُّ معاوية لعلي بن أبي طالب ﵁ -: من الأباطيل التي تُنسب إلى معاوية ﵁: أنه كان يسبُّ عليَّاً ومن معه، ويأمر بسبِّهم! وهذا من الكذب والافتراء، فلم يصح عن معاوية -فيما علمنا- شيء من ذلك، وأما ما جاء صحيحا من الروايات يفهم منه البعض انتقاصا من معاوية لعلي؛ فهو على غير ما فُهم، كما سيأتي. ولنبدأ بما لم يصح سنده، لأنه صريح العبارة: قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي: «أن عليَّاً كان إذا صلى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية، وعَمْراً، وأبا الأعور السلمي، وحبيباً، وعبد الرحمن بن خالد، والضحاك بن قيس، والوليد. فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قنت لعن عليَّاً، وابن عباس، والأشتر، وحسناً، وحسيناً» (٢). والجواب عن هذه الرواية: أنا واهية السند، منكرة المتن! أما السند: ففيه أبو مخنف لوط بن يحيى، تقدَّم أنه أخباري تالف، وشيخه أبو جناب الكلبي يحيى بن أبي حية: ضعَّفوه لكثرة تدليسه (٣). وأما المتن: ففيه أن عليَّاً هو الذي بدأ بالقنوت على معاوية وأصحابه، وهذا بعيد عن علي، فهو الذي عذرهم -كما تقدَّم- وشهد لهم بالإيمان، وكذلك يبعد عن معاوية أن يسب من علم فضلهم، وقد تقدَّمت شهادته بأنه يعلم أن عليَّاً أفضل وأعلم منه، وسيأتي بعد قليل ما يؤكد هذا المعنى.
следующие страницы →