← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6104

مختصر الفتاوى المصرية - ط الفقي

بدر الدين البعلي

Полный текст (633 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الثَّلَاثَة وَصَلَاة لَيْلَتي الْعِيدَيْنِ وَيَوْم عاشورا وأمثال ذَلِك مَعَ اتِّفَاق أهل الْمعرفَة على كذب ذَلِك لَكِن بلغت أَقْوَامًا من أهل الدّين فظنوها صَحِيحَة فعملوا بهَا وهم مأجورون على حسن قصدهم وهم مخطئون فِي ذَلِك وَأما من ثبتَتْ لَهُ السّنة فَظن أَن غَيرهَا أفضل مِنْهَا فَهُوَ ضال بل كَافِر وَصَحَّ أَنه ﷺ قَالَ من كَانَ مُصَليا بعد الْجُمُعَة فَليصل أَرْبعا وروى السِّت رَكْعَات عَن طَائِفَة من الصَّحَابَة ﵃ وَالسّنة أَن يفضل بَين الْفَرْض وَالنَّفْل فِي الْجُمُعَة وَغَيرهَا بِقِيَام أَو كَلَام وَلم يصل رَسُول الله ﷺ قبل الْجُمُعَة بعد الْأَذَان شَيْئا وَلَا نقل هَذَا عَنهُ أحدا وَلَا نقل أَنه صلى فِي بَيته قبل الْخُرُوج مِنْهُ إِلَى الْجُمُعَة وَلَا وَقت بقوله صَلَاة مقدرَة قبل الْجُمُعَة بل رغب فِي الصَّلَاة إِذا قدم الرجل الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة فَمن أَصْحَابه ﵃ من كَانَ يُصَلِّي عشرَة وَمِنْهُم من كَانَ يُصَلِّي اثنتى عشرَة وَمِنْهُم من كَانَ يُصَلِّي ثَمَانِيَة وَأَقل وَأكْثر على قدر التَّيْسِير بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ التَّكْبِير فِي الْفطر أوكد لكَونه أَمر الله بِهِ بقوله ﴿ولتكملوا الْعدة ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ وَفِي النَّحْر أوكد من جِهَة أَنه يشرع أدبار الصَّلَوَات ومتفق عَلَيْهِ ويجتمع فِيهِ الزَّمَان وَالْمَكَان وَعِيد النَّحْر أفضل وَمن تعمد ترك صَلَاة الْعِيد وَصلى فِي بَيته أَو فِي مَسْجده بِلَا عذر فَهُوَ مُبْتَدع

стр. 72

وَمن رأى هِلَال ذِي الْحجَّة وَلم يثبت بقوله يَصُوم التَّاسِع فِي الظَّاهِر عِنْد من يَقُول لَا يفْطر بِرُؤْيَة هِلَال شَوَّال وَحده وَمن شرع لَهُ الْفطر يَوْم الثَّلَاثِينَ سرا لَا يشرع لَهُ صَوْم هَذَا لِأَنَّهُ عِنْده يَوْم الْعِيد وَلَيْسَ لَهُ الْوُقُوف بِعَرَفَة وَلَا التَّضْحِيَة قبل النَّاس فِي منى وَلَا فِي الْأَمْصَار بل يعرف مَعَ النَّاس فِي الْيَوْم الَّذِي هُوَ فِي الظَّاهِر التَّاسِع وَإِن كَانَ بِحَسب رُؤْيَته الْعَاشِر فالهلال إِذا لم يطلع النَّاس ويستهلوه لم يكن هلالا وَكَذَا الشَّهْر مَأْخُوذ من الشُّهْرَة وانما يغلط كثير من النَّاس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لظنهم أَنه إِذا طلع فِي السَّمَاء كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة أَو الشَّهْر سَوَاء ظهر للنَّاس واستهلوا بِهِ أَولا وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل لَا بُد من ظُهُوره واستهلالهم بِهِ وَلِهَذَا قَالَ ﷺ صومكم يَوْم تصومون وفطركم يَوْم تفطرون وأضحاكم يَوْم تضحون أَي هِيَ الْيَوْم الَّذِي تعلمُونَ أَنه وَقت الصَّوْم وَالْفطر والأضحى فَيَنْبَغِي أَن يَصُوم التَّاسِع ظَاهرا وَإِن كَانَ بِحِسَاب رُؤْيَته عَاشر فصوم الْيَوْم الَّذِي يشك فِيهِ هَل هُوَ تَاسِع ذِي الْحجَّة أَو عاشره جَازَ بِلَا نزاع بَين الْعلمَاء لِأَن الأَصْل عدم الْعَاشِر كَمَا لَو شكوا لَيْلَة الثَّلَاثِينَ من رَمَضَان لم يكن شكا بالِاتِّفَاقِ بِخِلَاف لَيْلَة الثَّلَاثِينَ من شعْبَان لِأَن لاأصل بَقَاء شعْبَان وَكَذَا الْمُنْفَرد بِرُؤْيَة شَوَّال لَا يفْطر عَلَانيَة بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَهَذَا يفْطر سرا على قَوْلَيْنِ أصَحهمَا لَا يفْطر وَلَا يجوز الِاعْتِمَاد على الْحساب بالنجوم بِاتِّفَاق الصَّحَابَة وَالسّنة كَمَا قد بَينته فِي موَاضعه وَإِن عُلَمَاء الْهَيْئَة يعلمُونَ أَن الرُّؤْيَة لَا تنضبط بِأَمْر حسابي يثبت حد الْيَوْم وَأَنه لَا يَنْضَبِط بِالْحِسَابِ لِأَن النَّهَار يظْهر سَبَب الأبخرة فَمَتَى أدّى إِلَى أَن يَأْخُذ حِصَّة الْعشَاء من حِصَّة الْفجْر إِنَّمَا يَصح لَو كَانَ الْمُوجب لظُهُور النُّور وخفائه

стр. 73

مُجَرّد محاذاة الْأُفق الَّتِي لَا تعلم بِالْحِسَابِ فَأَما إِذا كَانَ للأبخرة تَأْثِير فالبحار يكون فِي الشِّفَاء وَفِي الاماكن الرّطبَة أَكثر فَلَا يَنْضَبِط بِالْحِسَابِ وَلِهَذَا تُوجد حِصَّة الْفجْر فِي زمن الشتَاء أطول مِنْهَا فِي زمن الصَّيف وَالْقِيَاس الحسابي يشكل عَلَيْهِ ذَلِك لِأَن حِصَّة الْفجْر عِنْده تتبع النَّهَار وَهَذَا مَبْسُوط فِي مَوْضِعه وَالله أعلم بَاب صَلَاة التَّطَوُّع قراءة سُورَة الْأَنْعَام فِي رَكْعَة وَاحِدَة فِي رَمَضَان أَو غَيره بِدعَة سَوَاء تحروا اللَّيْلَة بِعَينهَا أَولا كَمَا يَفْعَله بعض النَّاس يقرؤنها فِي آخر رَكْعَة من صَلَاة الْوتر يطول على النَّاس ويهذها هَذَا مَكْرُوها وَإِذا صلى لَيْلَة النّصْف وَحده أَو بِجَمَاعَة خَاصَّة فَهُوَ حسن أما الِاجْتِمَاع على صَلَاة فِي الْمَسَاجِد مقدرَة بِمِائَة رَكْعَة بِقِرَاءَة ألف ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ دَائِما فَهِيَ بِدعَة لم يستحبها أحد وَيكرهُ للنَّاس أَن يداوموا فِي الْجَمَاعَة على غير مَا شرعت لَهُ المداومة عَلَيْهَا لَكِن إِذا لم يتَّخذ راتبة وَكَذَا إِذا كَانَ لمصْلحَة مثل أَن لَا يحسن أَن يُصَلِّي وَحده أَو لَا ينشط وَحده فالجماعة أفضل إِذا لم تتَّخذ راتبة وفعلها فِي الْبَيْت أفضل إِلَّا لمصْلحَة راجحة وَصَلَاة الْقدر الَّتِي تصلي بعد التَّرَاوِيح رَكْعَتَيْنِ فِي آخر اللَّيْل يصلونَ تَمام مائَة رَكْعَة بِدعَة مَكْرُوهَة والاجتماع الْمُعْتَاد فِي الْمَسَاجِد على صَلَاة مقدرَة بِدعَة والتراويح سنة بعد الْعشَاء والرافضة تكره التَّرَاوِيح وَقَوله ﷺ بَين كل أذانين صَلَاة المُرَاد بِهِ بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة فَهِيَ مُسْتَحبَّة بَين كل أَذَان وَإِقَامَة لَيست راتبة وَثَبت فِي صَحِيح مُسلم أَنه ﷺ كَانَ يُصَلِّي بعد الْوتر رَكْعَتَيْنِ

стр. 74

وَهُوَ جَالس لَكِن جَاءَ مُفَسرًا فِي الحَدِيث الطَّوِيل فِي مُسلم أَن كَانَ يُوتر باحدى عشرَة وَأَنه بعد أوتر بتسع وَصلى بعد ذَلِك رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالس فَتلك إِحْدَى عشرَة رَكْعَة وَكَذَلِكَ لما أوتر بتسع فَهَذَا يبين أَنه لم يكن يداوم عَلَيْهَا وويل للْعَالم إِذا سكت عَن تَعْلِيم الْجَاهِل وويل للجاهل إِذا لم يقبل وَلَيْسَ للْمُسلمِ أَن يستفتى إِلَّا من يعلم أَنه من أهل الْعلم وَالدّين وَأَن لَا يقْتَدى إِلَّا بِمن يصلح الِاقْتِدَاء بِهِ مَسْأَلَة وَإِذا كَانَ الرّجلَانِ من أهل الدّيانَة فَأَيّهمَا كَانَ أعلم بِالْكتاب وَالسّنة وَجب تَقْدِيمه على الْآخِرَة وَكَانَ ائتمامه بِهِ مُتَعَيّنا وَلَيْسَ للامام تَأْخِير الصَّلَاة عَن الْوَقْت الْمُسْتَحبّ وَبعد حُضُور أَكثر الْجَمَاعَة منتظرا لأحد بل ينْهَى عَن ذَلِك إِذا شقّ وَيجب عَلَيْهِ رِعَايَة الْمَأْمُومين قَالَ سلمَان ﵁ رَأَيْت ابْن عمر ﵄ جَالِسا على البلاط وَالنَّاس يصلونَ فَقلت مَا بك لَا تصلي فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا تُعَاد صَلَاة مرَّتَيْنِ وَقد قَالَ للرجلين إِذا صليتما فِي رحالكما ثمَّ أتيتما مَسْجِد جمَاعَة فَصَليَا مَعَ الْجَمَاعَة الْجمع بَينهمَا أَن ابْن عمر ﵄ لم يكن لَهُ سَبَب يُعِيد بِهِ صلَاته بِخِلَاف الرجلَيْن فَإِنَّهُمَا صليا فِي رحالهما ثمَّ أَتَيَا مَسْجِد جمَاعَة فَكَانَ سَبَب الْإِعَادَة حُضُور الْجَمَاعَة الزَّانِيَة بِخِلَاف الْإِعَادَة بِلَا سَبَب فَإِنَّهَا مَكْرُوهَة وَمن السَّبَب الحَدِيث الَّذِي فِي سنَن أبي دَاوُد وَهُوَ قَوْله أَلا رجل يتَصَدَّق على هَذَا فالمتصدق أعَاد لتحصل لذَلِك الْمصلى فَضِيلَة الْجَمَاعَة وَمن السَّبَب مَا جَاءَ عَنهُ أَنه ﷺ على صَلَاة الْخَوْف مرَّتَيْنِ

стр. 75

وَحَدِيث معَاذ كَانَ يُصَلِّي مَعَه الْعشَاء ثمَّ يُصَلِّي لِقَوْمِهِ فِي بني عَمْرو ابْن عَوْف مَسْأَلَة وَيُشبه هَذَا إِعَادَة صَلَاة الْجِنَازَة لمن صلى عَلَيْهَا أَولا فَلَا يشرع بِغَيْر سَبَب بِاتِّفَاق الْعلمَاء بل لَو صلى عَلَيْهَا مرّة ثمَّ حضر من لم يصل عَلَيْهَا هَل يُصَلِّي عَلَيْهَا على قَوْلَيْنِ قيل يُصَلِّي وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَعند مَالك وَأبي حنيفَة ينْهَى عَن ذَلِك كَمَا ينهيان عَن إِقَامَة الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد مرّة بعد مرّة قَالُوا لِأَن الْفَرْض سقط بِالْأولَى وَصَلَاة الْجِنَازَة لَا يتَطَوَّع بهَا وَأَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد يجيبون بجوابين أَحدهمَا أَن الثَّانِيَة تقع فرضا عَمَّن فعلهَا وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي سَائِر فروض الكفايات أَن من فعهلا أسقط بهَا فرض نَفسه وَإِن كَانَ غَيره قد فعلهَا فَهُوَ مُخَيّر بَين أَن يَكْتَفِي بِإِسْقَاط ذَلِك عَنهُ وَبَين أَن يسْقط الْفَرْض بِنَفسِهِ وَإِذا قيل هِيَ نَافِلَة فيمنعون قَول الْقَائِل لَا يتَطَوَّع بِصَلَاة الْجِنَازَة بل قد يتَطَوَّع بهَا إِذا كَانَ هُنَاكَ سَبَب يَقْتَضِي ذَلِك وينبنى على هذَيْن المأخذين أَنه إِذا أعَاد الْجِنَازَة من لم يصل عَلَيْهَا أَولا فَهَل لمن صلى عَلَيْهَا أَن يُصَلِّي مَعَه تبعا على وَجْهَيْن قيل لَا يجوز هُنَا لِأَن فعله هُنَا نفل بِلَا نزاع وَهِي لَا ينتفل بهَا وَقيل بل لَهُ الْإِعَادَة فَإِن النَّبِي ﷺ لما صلى على الْقَبْر صلى خَلفه من كَانَ قد صلى أَولا وَهَذَا أقرب لِأَنَّهُ أعَاد تبعا لَيست قَضَاء وَلَا إِعَادَة مَقْصُودَة وَهَذَا سَائِغ فِي الْمَكْتُوبَة والجنازة وَقِرَاءَة الْقُرْآن لله تَعَالَى فِيهَا الثَّوَاب الْعَظِيم وَلَو قصد بذلك أَن يستذكر لِئَلَّا

стр. 76

يسناه فَفِيهِ الثَّوَاب أَيْضا فَإِن نسيانه من الذُّنُوب فَإِذا قصد أَدَاء الْوَاجِب من دوَام الْحِفْظ وَأَدَاء الْأَمر وَاجْتنَاب النَّهْي فقد قصد طَاعَة فَكيف لَا يُؤجر وَقَول الْقَائِل اللَّهُمَّ أمنا مكرك وَلَا تؤمنا مكرك لَهُ مَعْنيانِ أَحدهمَا صَحِيح وَالْآخر فَاسد فَإِن أَرَادَ لَا تؤمنا مكرك أَي لَا تجعلنا نَأْمَنهُ بل اجْعَلْنَا نخافه فالمؤمن يخَاف مكر الله ومكر الله أَن يُعَاقِبهُ على سيئاته وَالْكَافِر لَا يخْشَى الله فَلَا يخَاف مكره ومكره أَن يُعَاقِبهُ على الذَّنب لَكِن من حَيْثُ لَا يشْعر وَقَوله أمنا مكرك يُرِيد قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن﴾ يَجْعَل لَهُ أَن يمكر بهم وَإِن كَانُوا خافون الْمَكْر فَيكون حَقِيقَة قَوْله أمنا مكرك أنجزني على حسناتي وَلَا تعاقبني بذنوب غَيْرِي فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما فَأَما الْمَعْنى الْفَاسِد فَأن يُرِيد اللَّهُمَّ أمنا من مكرك أَي لَا نخافك أَن تَمْكُر بِنَا وَقد يُرِيد لَا تؤمنا مكرك أَي لَا تجْعَل لنا أمنا من الْعَذَاب فصل قَول عَائِشَة ﵂ مَا قَامَ رَسُول الله ﷺ لَيْلَة إِلَى الصَّباح وَمَا صَامَ شهرا كَامِلا إِلَّا رَمَضَان وَصَحَّ عَنْهَا ﵂ أَنه كَانَ يَصُوم شعْبَان إِلَّا قَلِيلا بل كَانَ يَصُومهُ كُله وَأَنه كَانَ إِذا دخل الْعشْر شدّ المئرز وَأَحْيَا اللَّيْل كُله فَجعل بَعضهم رِوَايَة الشَّك على رِوَايَة الحزم وَكَذَلِكَ من صلى غَالب اللَّيْل فقد يُقَال إِنَّه أَحْيَاهُ أَو أَنَّهَا نفت الْقيام وأثبتت الْإِحْيَاء الَّذِي يكون بِقِيَام وإحياء وَقِرَاءَة وَذكر وَدُعَاء وَغير ذَلِك والأوتار هَل هِيَ بِاعْتِبَار مَا مضى أَو بِاعْتِبَار مَا بَقِي فليله إِحْدَى وَعشْرين

стр. 77

وَثَلَاثَة وَخَمْسَة وَسَبْعَة وَتِسْعَة بِاعْتِبَار مَا مضى وَبِاعْتِبَار مَا بَقِي لتسْع بَقينَ وَسبع يَقِين وَنَحْو ذَلِك فَإِذا كَانَ الشَّهْر نَاقِصا فَقيل لتسْع كَانَت لَيْلَة إِحْدَى وَعشْرين فَيكون وتر الْمُسْتَقْبل والماضي وَإِن كَانَ الشَّهْر كَامِلا كَانَت الأوتار هِيَ الأشفاع بِاعْتِبَار الْمَاضِي كَمَا فسره أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ وَغَيره وَلِهَذَا كَانَت لَيْلَة الْقدر كثيرا مَا تكون لسبع مضين ولسبع يَقِين فَتكون لَيْلَة أَربع وَعشْرين وَهِي الَّتِي روى أَن الْقُرْآن نزل فِيهَا فالتحقيق أَنَّهَا تكون فِي الْعشْر الْأَوَاخِر فِي الأوثار لَكِن بالاعتبارين فَأَما لَيْلَة سبع عشرَة من رَمَضَان فَلَا ريب أَنَّهَا لَيْلَة سبع عشرَة من رَمَضَان فَلَا ريب أَنَّهَا لَيْلَة بدر يَوْمهَا هُوَ يَوْم الْفرْقَان يَوْم التقي الْجَمْعَانِ وَلم يَجِيء حَدِيث يعْتَمد عَلَيْهِ أَنَّهَا لَيْلَة الْقدر وَإِن كَانَ قد قَالَه بعض الصَّحَابَة كَمَا قَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ من يقم الْحول يصبهَا وَبَعْضهمْ يعينلها لَيْلَة من الْعشْر الْأَوَاخِر والصيحيح أَنَّهَا فِي الْعشْر الْأَوَاخِر تنْتَقل فروى البُخَارِيّ لَيْلَة الْقدر فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان وَالْأَحَادِيث المروية أَنَّهَا فِي أول لَيْلَة الْمحرم أَو لَيْلَة عَاشُورَاء أَو أول لَيْلَة من رَجَب أَو أول لَيْلَة جُمُعَة من رَجَب أَو لَيْلَة سبع وَعشْرين أَو لَيْلَة الْعِيدَيْنِ وَفِي الصَّلَاة الألفية لَيْلَة النّصْف كلهَا كذب مَوْضُوعَة وَلم يكن أحد يَأْمر بتخصيص هَذَا اللَّيَالِي بِقِيَام وَلَا صَلَاة أصلا وَقَول أَحْمد إِذا جَاءَ التَّرْغِيب والترهيب تساهلنا فِي الْإِسْنَاد فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ إِذا كَانَ الْأَمر مَشْرُوعا أَو مَنْهِيّا عَنهُ بِأَصْل مُعْتَمد ثمَّ جَاءَ حَدِيث فِيهِ ترغيب فِي الْمَشْرُوع أَو ترهيب عَن المنهى عَنهُ لَا يعلم أَنه كذب وَمَا فِيهِ من الثَّوَاب وَالْعِقَاب قد يكون حَقًا وَلَو قدر أَنه لَيْسَ كَذَلِك فَلَا بُد فِيهِ من ثَوَاب وعقاب أما إِنَّه يرويهِ مَعَ علمه بِأَنَّهُ كذب فمعاذ الله لَا يجوز ذَلِك إِلَّا مَعَ بَيَان حَاله وَلَا يسْتَند إِلَيْهِ فِي ترغيب وَلَا غَيره

стр. 78

وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن يثبت حكم شَرْعِي من ندب أَو كَرَاهَة أَو فَضِيلَة وَلَا عمل مُقَدّر فِي وَقت معِين بِحَدِيث لم يعلم حَاله أَنه ثَابت فَلَا بُد من دَلِيل ثَابت يثبت بِهِ الحكم الشَّرْعِيّ وَإِلَّا كَانَ قولا على الله بِغَيْر علم وَمن الْعجب أَن طَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد فضلوا لَيْلَة الْجُمُعَة على لَيْلَة الْقدر وَرَأَوا أَن إحياءها أفضل من إحْيَاء لَيْلَة الْقدر وَقد يثبت فِي الصَّحِيح النَّهْي عَن تخصيصها بِقِيَام مَعَ أَنه ثَبت بالتواتر أَن لَيْلَة أَمر الله بِالْقيامِ فِيهَا وَأَنه ﷺ حض على قِيَامهَا وانها لَا عدل لَهَا من ليَالِي الْعَام وَمن أصر على ترك الْوتر ردَّتْ شَهَادَته وَأفضل الصَّلَاة بعد الْمَكْتُوبَة قيام اللَّيْل واوكده الْوتر وركعنا الْفجْر وَقَضَاء سنة الْفجْر بعد طُلُوع الشَّمْس جَائِز فِي أصح قولي الْعلمَاء وَكَذَا قَضَاء الرَّاتِبَة مثل سنة الظّهْر بعد الْعَصْر فِيهِ قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد الْأَصَح الْجَوَاز بَاب الْأَدْعِيَة والأذكار جهر الإِمَام وَالْمَأْمُوم بِقِرَاءَة آيَة الْكُرْسِيّ بعد الصَّلَاة مَكْرُوه بِلَا ريب وروى فِي قرَاءَتهَا حَدِيث لكنه ضَعِيف جدا وَكَذَا جهر الإِمَام وَالْمَأْمُوم بِقِرَاءَة الْفَاتِحَة دَائِما أَو خَوَاتِيم الْبَقَرَة أَو أولى الْحَدِيد أَو آخر الْحَشْر وَكَذَا اجْتِمَاع الإِمَام وَالْمَأْمُوم دَائِما على صَلَاة رَكْعَتَيْنِ عقيب الْفَرِيضَة وَنَحْو ذَلِك كل ذَلِك مِمَّا لَا ريب فِي أَنه من الْبدع وَأما إِذا قَرَأَ الإِمَام آيَة الْكُرْسِيّ فِي نَفسه فَلَا بَأْس بِهِ إِذْ هِيَ عمل صَالح كَمَا لَو كَانَ لَهُ ورد من الْقُرْآن أَو الدُّعَاء أَو الذّكر عقيب الصَّلَاة فَلَا بَأْس بِهِ

стр. 79

والمشروع هُوَ مَا ثَبت فِي الصَّحِيح لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَنَحْوه وَثَبت أَيْضا أَن تسبح وتحمد وتكبر كل وَاحِدَة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وروى أَن يكون التَّسْبِيح والتحميد وَالتَّكْبِير جملَة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وروى عشرا عشرا عشرا وروى أحد عشر أحد عشر وروى ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيخْتم الْمِائَة بِالتَّوْحِيدِ التَّام وروى أَنه يَقُول كل وَاحِدَة من الْكَلِمَات الْأَرْبَع خمْسا وَعشْرين فَهَذِهِ سِتَّة أَنْوَاع قد صحت عَنهُ ﷺ وَأما الدُّعَاء فقد روى أَنه أَمر معَاذًا ﵁ أَن يَقُول دبر كل صَلَاة اللَّهُمَّ أَعنِي على ذكرك وشكرك وَحسن عبادتك وَنَحْو ذَلِك لَكِن لفظ دبر قد يُرَاد بِهِ آخر جُزْء من الصَّلَاة كَمَا يُرَاد بدبر الشَّيْء آخِره وَقد يُرَاد بِهِ مَا بعد انْقِضَائِهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وأدبار السُّجُود﴾ وَقد يُرَاد مجموعهما أما دُعَاء الْمَأْمُومين مَعَ الإِمَام جَمِيعًا فَهَذَا لَا ريب أَن النَّبِي ﷺ لم يَفْعَله فِي أعقاب المكتوبات وَلِهَذَا كَانَ الْعلمَاء الْمُتَأَخّرُونَ فِي ذَلِك على ثَلَاثَة أَقْوَال مِنْهُم من يستحبه عقيب الْفجْر وَالْعصر كطائفة من أَصْحَاب أَحْمد وَمَالك وَأبي حنيفَة وَغَيرهم وَمِنْهُم من استحبه أدبار الصَّلَوَات كلهَا سرا وَقَالَ لَا يجْهر بِهِ إِلَّا إِذا أَرَادَ التَّعْلِيم كَمَا ذَكرْنَاهُ طَائِفَة من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَغَيره وَلَيْسَ مَعَهم حجَّة بذلك بعد الصَّلَاة بل الْحجَّة قبل فَرَاغه من الصَّلَاة فان فِيهِ مُنَاسبَة إِذا هُوَ مقبل على الْمُنَاجَاة لرَبه حَتَّى أوجبه بَعضهم وَهُوَ قَول فِي الْمَذْهَب وَالْأَئِمَّة الْكِبَار لم يستحبوا ذَلِك لَكِن إِن فعل ذَلِك أَحْيَانًا لأمر عَارض كاستسقاء وَنَحْوه فَلَا بَأْس كَمَا لَو ترك الذّكر الْمَشْرُوع لعَارض فَلَا بَأْس فالدعاء قبل انْصِرَافه

стр. 80

مُنَاسِب بِخِلَاف بعد انْصِرَافه إِنَّمَا يُنَاسب الذّكر وَالثنَاء وَأما رفع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء فقد جَاءَ فِيهِ أَحَادِيث كَثِيرَة صَحِيحَة وَأما مسح الْوَجْه فَفِيهِ حديثان لَا تقوم بهما حجَّة وَلَا يسْتَحبّ عقيب الختمة قِرَاءَة الْإِخْلَاص ثَلَاثًا بل يقْرَأ كَمَا فِي الْمُصحف بِخِلَاف قرَاءَتهَا مُنْفَرِدَة وَمن اسْتحبَّ أَن يقْرَأ بِالْفَاتِحَةِ وخواتيم الْبَقَرَة فَهُوَ مخطىء بِاتِّفَاق النَّاس وَإِن كَانَ قَالَه طَائِفَة من أَصْحَاب احْمَد وَغَيرهم فصل آل مُحَمَّد فيهم قَولَانِ أَحدهمَا انهم أهل بَيته الَّذين حرمُوا الصَّدَقَة نَص عَلَيْهِ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَهُوَ أصح وعَلى هَذَا فَفِي تَحْرِيم الصَّدَقَة على أَزوَاجه وكونهم من أهل بَيته رِوَايَتَانِ الْأَصَح دخولهن دون مواليهن كبريرة بِخِلَاف موَالِي الرِّجَال وعَلى هَذَا أهل بَيته هم بَيته هم بَنو هَاشم من ذُرِّيَّة أبي طَالب وَالْعَبَّاس والْحَارث أَبنَاء عبد الْمطلب أعمام النَّبِي ﷺ فذرية هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أهل بيئه وَكَذَلِكَ ذُرِّيَّة ابي لَهب عِنْد الْجُمْهُور وَلَيْسَ من أَعْمَامه من لَهُ نسل غير هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة وَأفضل أهل بَيته عَليّ وَفَاطِمَة وَحسن وحسين الدّين أدَار عَلَيْهِم الكساء وخصهم بِالدُّعَاءِ وَأما بَنو الْمطلب هَل من أهل بَيته الَّذين تحرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة على رِوَايَتَيْنِ وَالْقَوْل الثَّانِي آل مُحَمَّد هم أمته أَو الأنقياء من أمته روى ذَلِك عَن مَالك وَطَائِفَة من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم وَلَفظ آل فلَان إِذا أطلق دخل فِيهِ فلَان

стр. 81

وَآله وَقد يُقَال مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد فَلَا يدْخل فيهم مُحَمَّد وَكَذَلِكَ أهل الْبَيْت وأصل آل أول فحركت الْوَاو وَانْفَتح مَا قبلهَا فَقبلت آنِفا وَمن قَالَ إِن أَصله أهل فقد غلط لِأَن الْأَهْل يُضَاف إِلَى الجماد وَغَيره وَأما آل فَإِنَّمَا يُضَاف إِلَى شخص مُعظم من شَأْنه أَن يؤول إِلَيْهِ غَيره أَي يسوسه فَيكون مآله إِلَيْهِ فَيتَنَاوَل نَفسه وَمن يؤول إِلَيْهِ وَلِهَذَا جَاءَ فِي أَكثر الْأَلْفَاظ كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم وَجَاء فِي بَعْضهَا على إِبْرَاهِيم هُوَ الأَصْل فِي الصَّلَاة وَسَائِر أهل بَيته تبع لَهُ وَلم يَأْتِ على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم بل روى لكنه غير ثَابت عَن النَّبِي ﷺ وَمن الْمُتَأَخِّرين من يرى الْجمع بَين أَلْفَاظ الْأَدْعِيَة الَّتِي رويت بِأَلْفَاظ متنوعة مثل قَوْله ظلما كثيرا كَبِيرا وَهِي طَريقَة محدثة بل فَاسِدَة عقلا لِأَنَّهُ لم يسْتَحبّ أحد من الْمُسلمين للقارىء أَن يجمع بَين حُرُوف الْقِرَاءَة فَإِن قيل فَلم جَاءَ على مُحَمَّد وعَلى آله ذكرت فِي مقَام الطّلب وَالدُّعَاء وَفِي إِبْرَاهِيم فِي مقَام الْخَبَر وَالْجُمْلَة الطبيبة إِذا بسطت كَانَ بسطها مناسبا لِأَن الْمَطْلُوب

стр. 82

يزِيد بِزِيَادَة الطّلب وَينْقص بنقصانه فَأَما الْخَبَر فَهُوَ خبر عَن أَمر قد وَقع لَا يحْتَمل الزِّيَادَة وَلَا النُّقْصَان فَلم يكن فِي زِيَادَة اللَّفْظ زِيَادَة معنى فَكَانَ الإيجاز أحسن وَلِهَذَا جَاءَ بلفط إِبْرَاهِيم تَارَة وبلفظ آل إِبْرَاهِيم أُخْرَى لِأَن كلا من اللَّفْظَيْنِ يدل على مَا يدل عَلَيْهِ الآخر وَهُوَ الصَّلَاة الَّتِي وَقعت وَمَضَت إِذا قد علم أَن الَّذِي وَقع هُوَ الصَّلَاة عَلَيْهِ وعَلى آله بِخِلَاف مالو طَالب صَلَاة على مُحَمَّد فَإِنَّهُ يدل على طلب الصَّلَاة على آل مُحَمَّد إِذْ هُوَ طلب وَدُعَاء ينشأ بَيْننَا بِهَذَا اللَّفْظ لم يعلم مَا يُرِيد بِهِ وَلَو قيل صلى على آل مُحَمَّد لَكَانَ إِنَّمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي الْعُمُوم فَقيل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد ليخص بِالدُّعَاءِ ثمَّ إِن قيل إِنَّه دَاخل فِي آله مَعَ الاقتران كَمَا هُوَ دَاخل مَعَ الْإِطْلَاق فقد صلى عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ خُصُوصا وعموما وَلَو قيل إِنَّه لم يدْخل فَفِي ذَلِك بَيَان أَن الصَّلَاة على آله إِنَّمَا طلبت تبعا لَهُ وَأَنه هُوَ الأَصْل الَّذِي بِسَبَبِهِ طلبت الصَّلَاة عَليّ آله فَإِن قيل قَوْله كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم يشْعر بفضيلة إِبْرَاهِيم لِأَن الْمُشبه دون الْمُشبه بِعْ قيل الْجَواب أَن مُحَمَّدًا داخلي فِي آل إِبْرَاهِيم لِأَنَّهُ فِي الْأَصَح أَحَق من غَيره من الْأَنْبِيَاء بِالدُّخُولِ فَيدْخل عُمُوما فِي آل ابراهيم ثمَّ أمرنَا أَن نصلي على مُحَمَّد وعَلى آله خُصُوصا بِقدر مَا صلينَا عَلَيْهِ مَعَ سَائِر آل إِبْرَاهِيم عُمُوما ثمَّ لأهل بَيته من ذَلِك مَا يَلِيق بهم وَالْبَاقِي لَهُ فيطلب لَهُ من الصَّلَاة هَذَا الْقدر الْعَظِيم فَيحصل لَهُ بِهِ أعطم مَالا براهيم وَغَيره وَيظْهر بِهِ من فضيلته على كل من النَّبِيين مَا هُوَ اللَّائِق بِهِ ﷺ وَجَوَاب ثَان وَهُوَ أَن آل إِبْرَاهِيم فيهم الْأَنْبِيَاء الَّذين لَيْسَ مثلهم فِي آل مُحَمَّد فَإِذا طلب لَهُ من الصَّلَاة مثل مَا صلى على هَؤُلَاءِ حصل لآله مَا يَلِيق بهم

стр. 83

فَإِنَّهُم دون الْأَنْبِيَاء وَبقيت الزِّيَادَة لمُحَمد فَحصل لَهُ بذلك مزية لَيست لإِبْرَاهِيم وَلَا لغيره وَهَذَا حسن أَيْضا وَجَوَاب ثَالِث منع أَن يكون الْمُشبه دون الْمُشبه بِهِ وَجَوَاب رَابِع أَن التَّشْبِيه عَائِذ إِلَى الصَّلَاة على الْآل فَقَط فَعِنْدَ قَوْله على مُحَمَّد انْقَطع الْكَلَام وَقَوله على آل مُحَمَّد مُبْتَدأ وَهَذَا نقل عَن الشَّافِعِي وَهُوَ ضَعِيف كَالَّذي قبله لِأَن الْفِعْل الْعَامِل فِي الْمَعْطُوف هُوَ الْعَامِل فِي أَدَاء التَّشْبِيه والحذف إِنَّمَا يجوز مَعَ قيام دَلِيل كَمَا لَو قَالَ اضْرِب زيدا وَعَمْرو مثل ضربك خَالِدا وَجعل التَّشْبِيه للمعطوف كَانَ تلبيسا وَقَوله ﷺ وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد أَي لَا ينفع ذَا الْحَظ وَالْمَال وَالْعَظَمَة مِنْك مَاله وَلَا عَظمته بل تقواه وإيمانه وَمُحَمّد أفضل الرُّسُل بِاتِّفَاق الْمُسلمين لَكِن وَقع نزاع هَل هُوَ أفضل من جُمْلَتهمْ قطع طَائِفَة بِأَنَّهُ أفضل كَمَا أَن صديقه أَبَا بكر وزن إيمَانه بِإِيمَان جَمِيع الْأمة فرجح فعلى هَذَا يكون آل مُحَمَّد الدّين هُوَ فيهم أفضل من آل إِبْرَاهِيم الَّذين لَيْسَ مِنْهُم مُحَمَّد وَإِن كَانَ فيهم عدد من الْأَنْبِيَاء وَإِن لم يكن مُحَمَّد بن

стр. 84

آل نَفسه فَيكون آل مُحَمَّد لَيْسَ فيهم بني دون آل أبراهيم ففيهم أَنْبيَاء وَإِن قُلْنَا إِنَّه دخل فِي آل إِبْرَاهِيم كَانَ آل إِبْرَاهِيم فيهم مُحَمَّد وأنبياء غَيره وَآل مُحَمَّد فيهم مُحَمَّد وَلَا نَبِي مَعَه فَتكون الْجُمْلَة الَّتِي هُوَ وَغَيره فِيهَا من الْأَنْبِيَاء أفضل من الآخرين وَاتفقَ الْمُسلمُونَ على أَن الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ الدُّعَاء كلمة سرا أفضل بل الْجَهْر وَرفع الصَّوْت بِالصَّلَاةِ بِدعَة وَرفع الصَّوْت بذلك أَو بالترضى قُدَّام الْخَطِيب فِي الْجُمُعَة مَكْرُوه أَو محرم بالِاتِّفَاقِ وَمِنْهُم من يَقُول سرا وَمِنْهُم من يَقُول يسكت وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ بِلَفْظ الحَدِيث أفضل من كل لفظ وَلَا يُزَاد عَلَيْهِ كَمَا فِي الْأَذَان وَالتَّشَهُّد قَالَه الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم وَهِي فِي الصَّلَاة وَاجِبَة فِي أشهر الرِّوَايَتَيْنِ وَقَول للشَّافِعِيّ وَلَا تجب فِي غَيرهَا وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى لَا تجب فِي الصَّلَاة وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حُذَيْفَة ثمَّ مِنْهُم من قَالَ تجب فِي الْعُمر مرّة وَمِنْهُم من قَالَ تجب فِي الْمجْلس الَّذِي يذكر فِيهِ النَّبِي ﷺ وَأما استفتاح الفأل فِي الْمُصحف فقد تنَازع فِيهِ الْمُتَأَخّرُونَ ذكر القَاضِي أَبُو يعلى عَن ابْن بطة فعله وَلَكِن عَن غَيره أَنه كرهه والاجتماع على الْقِرَاءَة وَالذكر وَالدُّعَاء حسن إِذا لم يتَّخذ سنة راتبة وَلَا اقْترن بِهِ مُنكر من بِدعَة

стр. 85

وكشف الرَّأْس مَعَ ذَلِك مَكْرُوه وَلَا سِيمَا إِن اتخذ عبَادَة فَلَا يجوز التَّعَبُّد بِهِ فصل وَقد ثَبت عَنهُ ﷺ فَأَنَّهُ كَانَ يخص نَفسه بِالدُّعَاءِ وَهُوَ إِمَام كَمَا فِي الاستفتاح اللَّهُمَّ باعدييني وَبَين خطاي كَمَا باعدت بَين الْمشرق وَالْمغْرب الخ وَفِي قَوْله ﴿أعوذ بك من عَذَاب جَهَنَّم﴾ بعد التَّشَهُّد وَقَوله بعد رَفعه من الرُّكُوع بعد قَوْله لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلَا معطى لما منعت يَقُول اللَّهُمَّ طهرني من خطاياي بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد وَغير ذَلِك من الْأَدْعِيَة المأثورة عَنهُ ﷺ وروى عَنهُ ﴿لَا يحل لرجل يؤم قوما فيخص نَفسه بِالدُّعَاءِ﴾ فَإِن صَحَّ هَذَا الحَدِيث يكون المُرَاد بِهِ الدُّعَاء الَّذِي يُؤمن عَلَيْهِ الْمَأْمُوم كدعاء الْقُنُوت فَإِن الْمُؤمن دَاع لقَوْله تَعَالَى مُوسَى وأخيه ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ وَكَانَ أَحدهمَا يَدْعُو وَالْآخر يُؤمن فَإِذا كَانَ الْمَأْمُوم يُؤمن وَيَدْعُو الإِمَام فالدعاء يكون بِصِيغَة الْجمع كَمَا فِي دُعَاء الْفَاتِحَة ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الخ﴾ مَسْأَلَة وَمن حفظ الْقُرْآن غير مُعرب فَلم يُمكنهُ أَن يقرأه إِلَّا يلحن الْعَجم أَو عَجزه عَن حفظ إعرابه وَنَحْوه فليقرأ كَمَا يُمكنهُ فَهُوَ أولى من تَركه ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ وَمن اعْتقد أَنه بِمُجَرَّد تلفظه بِالشَّهَادَةِ يدْخل الْجنَّة وَلَا يدْخل النَّار فَهُوَ ضال مُخَالف للْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع

стр. 86

وَالْحَمْد يتَضَمَّن الْمَدْح وَالثنَاء بجميل المحاسن سَوَاء كَانَ للمحمود إِحْسَان إِلَى الحامد أَولا وَالشُّكْر لَا يكون إِلَّا على الْإِحْسَان إِلَى الشاكر فَمن هَذَا الْوَجْه يكون الْحَمد أَعم لِأَنَّهُ على المحاسن وَالْإِحْسَان لَكِن الشُّكْر يكون بِالْقَلْبِ وَالْيَد وَاللِّسَان كَمَا قيل ... أفادتكم النعماء مني ثَلَاثَة ... يَدي ولساني وَالضَّمِير والمحجبا ... وَالْحَمْد إِنَّمَا يكون بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان فَمن هَذَا الْوَجْه يكون الشُّكْر أَعم فَهَذَا أَعم من جِهَة أَنْوَاعه وَالْحَمْد أَعم من جِهَة أَسبَابه وَفِي الحَدِيث الْحَمد لله رَأس الشُّكْر قَالَ ابْن حزم وَغَيره من الْمُتَأَخِّرين لَا يجوز الدُّعَاء إِلَّا بالتسعة وَالتسْعين اسْما فَلَا يُقَال يَا حنان يَا منان يَا دَلِيل الحائرين وَجُمْهُور الْمُسلمين على خلاف ذَلِك وَعَلِيهِ مضى سلف الْأمة وَهُوَ الصَّوَاب وَفِي الْكتاب وَالسّنة مَا يزِيد على التِّسْعَة وَالتسْعين مثل الرب وَأكْثر الدُّعَاء الْمَشْرُوع بِهِ حَتَّى كره مَالك أَن يَقُول يَا سَيِّدي بل يَقُول يَا رب لِأَنَّهُ الْأَنْبِيَاء فِي الْقُرْآن وَكَذَلِكَ المنان وَفِي السّنَن أَنه ﷺ سمع دَاعيا يَدْعُو اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِأَن لَك الْحَمد لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أَنْت الله المنان بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض يَاذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام يَا حَيّ يَا قيوم فَقَالَ ﷺ لقد دَعَا الله باسمه الْأَعْظَم الَّذِي إِذا دعى بِهِ أجَاب وَإِذا سُئِلَ بِهِ أعْطى وَقد قَالَ أَحْمد لرجل ودعه قل يَا دَلِيل الحائرين دلَّنِي على طَرِيق الصَّادِقين

стр. 87

وَأنكر طَائِفَة كَالْقَاضِي أبي يعلى وَابْن عقيل أَن يكون من أَسْمَائِهِ تَعَالَى الدَّلِيل وَالصَّوَاب مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور لِأَن الدَّلِيل فِي الأَصْل هُوَ الْمُعَرّف للمدلول وَفِي الصَّحِيح إِن الله وتر إِن الله جميل إِن الله لطيف إِن الله طيب فَهَذَا فِي الْأَحَادِيث كثير وتتعه يطول مثل سبوح قدوس وَفِي الحَدِيث أَنه ﷺ كَانَ يَقُول سبوح قدوس واسْمه الشافي كَمَا فِي الصَّحِيح أَنْت الشافي لَا شافي إِلَّا أَنْت وَكَذَلِكَ مثل أَسْمَائِهِ المضافة مثل أرْحم الرَّاحِمِينَ وَخير الغافرين وَرب الْعَالمين وَمَالك يَوْم الدّين وَأحسن الْخَالِقِينَ وجامع النَّاس ليَوْم لَا ريب فِيهِ ومقلب الْقُلُوب مِمَّا ثَبت الدُّعَاء بهَا بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَله أَسمَاء اسْتَأْثر بعلمها كَمَا فِي قَوْله ﷺ فِي حَدِيث تفريج الكرب الَّذِي رَوَاهُ ابْن مَسْعُود أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك أَن تجْعَل الْقُرْآن ربيع قلبِي وَنور صَدْرِي وَذَهَاب غمى وهمي فَهَذَا يدل على أَن فِي أَسْمَائِهِ تِسْعَة وَتِسْعين مَوْصُوفَة بِأَنَّهَا من أحصاها دخل الْجنَّة لَا أَن مَعْنَاهَا أَنه لَيْسَ لَهُ غَيرهَا فصل كسب الْإِنْسَان ليقوم بِالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَة على نَفسه وَعِيَاله وَاجِب عِيَاله وَقد تنَازع النَّاس أَيّمَا أفضل الْغنى الشاكر أم الْفَقِير الصابر وَالصَّوَاب أَن أتقاهما لرَبه هُوَ أفضلهما وَلَا يذم المَال لنَفسِهِ وَلَا لكسبه إِذا أَخذه من وحله وَوَضعه فِي حَقه ثمَّ المَال الصَّالح مَعَ الرجل الصَّالح

стр. 88

وَلَكِن المذموم فرط تعلق الْقلب بِالْمَالِ بِحَيْثُ يكون هلوعا جزوعا منوعا فَإِذا سلم من ذَلِك فقد يكون صَاحبه أزهد فِيهِ من فَقير هلوع مَسْأَلَة والرضى بِفعل مَا أَمر الله بِهِ وَترك مَا نهى عَنهُ وَاجِب وَأما الرِّضَا بالمصائب كالفقر وَالْمَرَض والذل فالصبح أَنه لَيْسَ بِوَاجِب لَكِن مُسْتَحبّ وَلَكِن الصَّبْر هُوَ الْوَاجِب هُنَا أما الرضى بالْكفْر والفسوق والعصيان فَالَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الدّين أَنه لَا يُرْضِي بذلك فَإِن الله لَا يرضاه وَإِن كَانَ قد غلط فِيهِ قوم من المتفلسفة والصوفية وَلم يفرقُوا بَين الْمحبَّة والرضى الكونيين والدنين بل ظنُّوا أَن كل مَا أَرَادَهُ الله وَقدره فقد أحبه وَأَنه يجب عَلَيْهِم محبَّة ذَلِك لِأَن الله أَرَادَهُ وَلم يَقع لَهُم أَن الله لَا يَأْمر بِمَا يكرههُ وَلَا يُحِبهُ لقَوْل الله تَعَالَى ﴿بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم﴾ مَعَ أَنه قدره والمتفلسفة ظنُّوا أَن محبَّة الْحق وَرضَاهُ وغضبه يرجع إِلَى إِرَادَته فَقَالُوا هُوَ مُرِيد لَهَا محب لَهَا وَمعنى لَا يُرِيد الْفساد أَي لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ وَهَذَا تَحْرِيف لِأَنَّهُ لَا يُقَال لَا يجب الْإِيمَان للْكَافِرِينَ وَهَذَا كُله ضلال فَإِنَّهُ لَا يُطلق القَوْل أَنه لَا يحب الْإِيمَان فصل قِرَاءَة الْقُرْآن أفضل من الذّكر وَإِن كَانَ الْمَفْضُول قد يكون أفضل فَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين أَئِمَّة الدّين

стр. 89

وَإِنَّمَا تنَازع فِيهِ بعض الْمُتَأَخِّرين فَجعل الذّكر أفضل إِمَّا مُطلقًا وَإِمَّا ي حق الْخَواص كَمَا يَقُوله أَبُو حَامِد فِي حق المبتدى وَهُوَ أقرب فَإِن الْمَفْضُول قد يكون أفضل فِي بعض الْأَزْمَان والأشخاص كالقراءة فِي الرُّكُوع تكره تَعْظِيمًا وتشريفا أَن يقْرَأ بِالْقُرْآنِ فِي حَال الخضوع والذل كَمَا كره أَن يقْرَأ على الْجِنَازَة وَكره بَعضهم قِرَاءَته فِي الْحمام وَمن هَؤُلَاءِ من يرجح ذكر الإسم الْمُنْفَرد كَقَوْلِه الله الله الله على كلمة الْإِخْلَاص التَّامَّة وَهِي قَول لَا إِلَه إِلَّا الله وَمِنْهُم من يرجح ذكر الْمُضمر وَهُوَ قَول هُوَ هُوَ أَو يَا هُوَ على الإسم الْمظهر وَهَذَا كُله من الْغَلَط الَّذِي سَببه فَسَاد كثير من السالكين حَتَّى آل الْأَمر ببعضهم إِلَى الْحُلُول والاتحاد فقد ثَبت فِي الصَّحِيح أفضل الْكَلَام بعد الْقُرْآن أَربع وَهن من الْقُرْآن سُبْحَانَهُ وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وكل ذكر علمة الرَّسُول ﷺ لأمته أَو قَالَه إِنَّمَا هُوَ بالْكلَام التَّام لَا بِالِاسْمِ الْمُنْفَرد وَلَا بالمضمر وقِي الحَدِيث من شغله ذكرى عَن مَسْأَلَتي أَعْطيته أفضل مَا أعطي السَّائِلين حسنه التِّرْمِذِيّ وَالْقُرْآن أفضل من الذّكر وَالدُّعَاء لتعينه للصَّلَاة وَلَا يَقْرَؤُهُ جنب وَلَا يمسهُ إِلَّا الطَّاهِر بِخِلَاف الذّكر وَالدُّعَاء وَالصَّلَاة أفضل من الْقُرْآن لِأَنَّهَا يشْتَرط لَهَا الطهارتان وتشتمل عَلَيْهِ

стр. 90

وَالرُّكُوع وَالسُّجُود أفضل من الْقيام وَذكر الْقيام أفضل من ذكرهمَا فاعتدلا هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقيل إِن طول الْقيام أفضل وَقيل بل كَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُود أفضل وَالْقُرْآن الَّذِي يتَضَمَّن أَسمَاء الله كقل هُوَ الله أحد أفضل من الْقُرْآن الَّذِي لَا يتَضَمَّن أسماءه وَصَحَّ أَن قل هُوَ الله أحد تعدل ثلث الْقُرْآن وَقد فسر بِأَن مَعَاني كَلَام الله ثَلَاثَة تَوْحِيد وقصص وَنهي وَأمر و ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ متضمنة للثلث الَّذِي هُوَ التَّوْحِيد وَمعنى كَون ثَوَابهَا يعدل ثلث الْقُرْآن هُوَ أَن معادلة الشَّيْء بالشَّيْء نقتضي تساويهما فِي الْقدر لَا تَقْتَضِي تماثلهما فِي الْوَصْف كَمَا فِي الْقُرْآن أَو عدل ذَلِك صياما فألف دِينَار تعدل من الطَّعَام وَالشرَاب مَا قِيمَته ألف دِينَار فَهِيَ معادلة لَهُ فِي الْقيمَة لَا فِي الْوَصْف وَإِذا كَانَ ثَوَاب ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ يعدل ثلث الْقُرْآن لم يجب أَن يكون من جنسه وَصفته وَلم يجز أَن يسْتَغْنى بِقِرَاءَتِهَا ثَلَاثًا عَن قِرَاءَة سَائِر الْقُرْآن كَمَا لَا يَسْتَغْنِي بِملك نوع من المَال قِيمَته ألف دِينَار عَن سَائِر أَنْوَاع المَال فَالْعَبْد مُحْتَاج إِلَى كل مَعَاني الْقُرْآن من أَمر وَنهي ووعد ووعيد وقصص وأمثال فَلَو اقْتصر على ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ لم يحصل لَهُ مَا يَحْتَاجهُ من الْأَمر وَالنَّهْي بل يضرّهُ فقد ذَلِك ويهلكه فِي الدُّنْيَا بسلب الْإِيمَان وَفِي الْآخِرَة بالنيران كمن جمع نوعا من المَال سَرِيعا وَلم يحصل لَهُ مَا يَحْتَاجهُ إِلَيْهِ من نوع آخر فَإِنَّهُ قد يَمُوت إِمَّا جوعا وَإِمَّا عريا وَإِمَّا عطشا فالقرآن مِنْهُ مَا تعلمه فرض عين وَمِنْه فرض كِفَايَة وَالذكر مِنْهُ وَاجِب ومستحب

стр. 91

فَأَما ذكر أَسمَاء الله على غير وَجه الْقِرَاءَة فقراءة الْقُرْآن أفضل مِنْهَا فِي الْجُمْلَة هَذَا بِحَسب عَملهَا وثوابها وَأما ذَات الْقُرْآن وَذَات فقد تنَازع فِيهِ طوائف فَذهب طَائِفَة إِلَى أَنه لَا يجوز أَن يظنّ أَن بعض ذَلِك أفضل من بعض وَلَو أَن بعض الْقُرْآن أفضل من بعض لِأَن الْجَمِيع كَلَام الله وَمن صِفَاته لَا سِيمَا مَعَ القَوْل بِأَنَّهُ قديم فَإِن التَّفَاوُت فِيهِ مُمْتَنع وَذهب الْجُمْهُور المتبعون السّلف إِلَى أَن بعضه أفضل من بعض كَمَا فِي الصَّحِيح عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ لأبي سعيد بن الْمُعَلَّى لأعلمنك سُورَة لم ينزل فِي التَّوْرَاة وَلَا فِي الْإِنْجِيل وَلَا فِي الزبُور وَلَا فِي الْقُرْآن مثلهَا وَذكر وَلَا فِي الزبُور وَلَا فِي الْقُرْآن مثلهَا وَذكر أَنَّهَا فَاتِحَة الْكتاب فَأخْبر الصَّادِق المصدوق أَنه لم ينزل مثلهَا فَلَا يجوز أَن يُقَال أنزل مثلهَا وَفِي الصَّحِيح أَن آيَة الْكُرْسِيّ أعظم آيَة نزلت وَالْقُرْآن الَّذِي تكلم الله بِهِ فِي وصف نَفسه أعظم من الْقُرْآن الَّذِي تكلم فِي وصف خلقه وَكَلَامه الَّذِي هُوَ أسماؤه أفضل من كَلَامه الَّذِي لَيْسَ هُوَ أسماؤه وَالْكل كَلَامه لَكِن الشّرف يحصل من جِهَة نسبته إِلَى الْقَائِل الْمُتَكَلّم بِهِ وَمن جِهَة نسبته إِلَى الْمَقُول والمتكلم فِيهِ فَإِذا كَانَت النسبتان إِلَى الله كَانَ الْكَلَام أشرف وَلَيْسَ مدح الشُّعَرَاء للأنبياء مثل مدح الشُّعَرَاء للملوك وَأما إِن قدر لله أَسمَاء لَيست هِيَ كَلَامه فَكَلَامه أفضل من جِهَة الْمُتَكَلّم بِهِ وَإِلَّا فالإسم أفضل من جِهَة الْكَلَام الْمَدْلُول عَلَيْهِ لَكِن كلامة أفضل مِمَّا لَيْسَ بِكَلَامِهِ مُطلقًا وَمَعْرِفَة الْقرَاءَات الَّتِي أقرأهم رَسُول الله ﷺ لصَاحِبهَا مزية على من لم يعرف ذَلِك

стр. 92

وَأما جمعهَا فِي الصَّلَاة فبدعة مَكْرُوهَة لَكِن يجوز أَن يقْرَأ بعض الْقرَاءَات بِحرف أبي عَمْرو وَبَعضه بِحرف نَافِع وَنَحْوه وَسَوَاء كَانَ فِي رَكْعَة أَو رَكْعَتَيْنِ أَو خَارج الصَّلَاة أَولا فصل مَا يُعلمهُ الْإِنْسَان من حق وباطل فَإِنَّهُ يقوم بِقَلْبِه وَيحل بِرُوحِهِ المنفوخة فِيهِ الْمُتَّصِلَة بِالْقَلْبِ الَّذِي هُوَ المضغة الصنوبرية الشكل وَقد قيل إِنَّه يقوم بِجَمِيعِ الْجَسَد وَلَيْسَ لبَعض ذَلِك مَكَان من الْجَسَد يتَمَيَّز بِهِ عَن مَكَان آخر بِاتِّفَاق النَّاس وَإِنَّمَا الرّوح هِيَ الَّتِي يعبر عَن محلهَا الأول بِالْقَلْبِ تَارَة وتسميها الفلاسفة النَّفس الناطقة وَهِي الحاملة لجَمِيع الاعتقادات فتتنور قُلُوب الْمُؤمنِينَ وأرواحهم بالمعارف الألهية ونظام قُلُوب الْكَافرين بالعقائد الْفَاسِدَة كَمَا ضرب الله مثل الْمُؤمن وَالْكَافِر فِي سُورَة النُّور وَمَا يحصل عِنْد الذّكر الْمَشْرُوع من الْبكاء ووجل الْقلب واقشعرار الجسوم فَمن أفضل الْأَحْوَال الَّتِي نطق بهَا الْكتاب أما الِاضْطِرَاب الشَّديد والغشى والصيحان فَإِن كَانَ صَاحبه لم يعلم مَا هُوَ عَلَيْهِ لم يلم وَسَببه قُوَّة الْوَارِد مَعَ ضعف الْقلب وَالْقُوَّة والتمكن أفضل كَمَا هُوَ حَال النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه وَأما السّكُون قسوة وجفاء فَهَذَا مَذْمُوم فصل الْقُنُوت مَشْرُوع عِنْد النَّازِلَة فِي الصَّلَوَات وَفِي الْفجْر وَالْمغْرب أوكد والنازلة هِيَ الْعَدو نَحْو استنصاره ﷺ للمستضعفين تَحت يَد الْعَدو ودعائه على الَّذين قتلوا أَصْحَاب بِئْر مَعُونَة

стр. 93

وَأما قنوت الْإِنْسَان للاسترزاق فَلم يُؤثر عَن أحد من السّلف وَلَا علمت أحدا ذكره وَاحْتج من زَعمه سنة دائمة فِي الْفجْر بقول الله تَعَالَى ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ وَيَقُول الْوُسْطَى الْفجْر والقنوت فِيهَا وكلنَا المقدمتين ضَعِيفَة أما الصَّلَاة الْوُسْطَى فَهِيَ الْعَصْر بِلَا شكّ عِنْد من عرف الْأَحَادِيث وَأما الْقُنُوت فَهُوَ المداومة على الطَّاعَة كَمَا قَالَ ﴿أم من هُوَ قَانِت آنَاء اللَّيْل سَاجِدا وَقَائِمًا﴾ فَلَا يجوز حمله على طول الْقيام للدُّعَاء وَغَيره لِأَن الله أَمر بِالْقيامِ لَهُ قَانِتِينَ وَالْأَمر للْوُجُوب وَقيام الدُّعَاء الْمُتَنَازع فِيهِ لَا يجب بِالْإِجْمَاع والقائم فِي حَال قِرَاءَته هُوَ فانت أَيْضا وَلما نزلت أمروا بِالسُّكُوتِ ونهوا عَن الْكَلَام فَعلم أَن السُّكُوت من تَمام الْقُنُوت الْمَأْمُورَة ب وَذَلِكَ وَاجِب فِي جَمِيع أَجزَاء الْقيام والْحَدِيث مَا زَالَ يقنت حَتَّى فَارق الدُّنْيَا وَإِن صَححهُ الْحَاكِم فَهُوَ يصحح الموضوعات وَعِنْده تساهل فَلَا يقوم بِمثلِهِ الْحجَّة قَالُوا وَقَوله الآخر ثمَّ ترك أَي الدُّعَاء لَا أصل لَهُ والْحَدِيث فِيهِ مَا قنت بعد الرُّكُوع إِلَّا شهرا فَتبين أَنه لم يقنت بعد الرُّكُوع إِلَّا شهرا فَبَطل التَّأْوِيل والقنوت قبل الرُّكُوع قد يُرَاد بِهِ طول الْقيام قبل الرُّكُوع سَوَاء كَانَ فِيهِ دُعَاء أَولا فَلَا يكون اللَّفْظ دَالا على قنوت الدُّعَاء وَقد ذهب طَائِفَة إِلَى أَن الْقُنُوت مَشْرُوع فِي جَمِيع الصَّلَوَات وَهُوَ شَاذ وَالصَّحِيح أَنه ﷺ قنت لسب النَّازِلَة ثمَّ ترك كَمَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث وَعَلِيهِ الحَدِيث وَعَلِيهِ الْخُلَفَاء الراشدون فَإِن عمر ﵁ لما جَاءَت النَّصَارَى

стр. 94

قنت عَلَيْهِم فَقَالَ اللَّهُمَّ عذب كفرة أهل الْكتاب إِلَى آخِره فَجعله بعض النَّاس سنة راتبة فِي قنوت رَمَضَان وَلَيْسَ كَذَلِك بل إِنَّمَا قلت بِمَا يُنَاسِبهَا وَلَو قلت دَائِما لنقله الْمُسلمُونَ عَن نَبِيّهم ﷺ فَأَنَّهُ من الْأُمُور الَّتِي تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله فصل إِذا تحقق مَا فِي الْقلب أثر فِي الظَّاهِر ضَرُورَة لَا يُمكن انفكاك أَحدهمَا عَن الآخر فالإرادة الجازمة مَعَ الْقُدْرَة التَّامَّة توجب وُقُوع الْمَقْدُور فَإِذا كَانَ فِي الْقلب حب الله وَرَسُوله ثَابتا استلزم مُوالَاة أوليائه ومعاداة أعدائه لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله الْآيَة فَهَذَا التلازم أَمر ضَرُورِيّ وَمن جِهَة ظن انْتِفَاء غالط غالطون كَمَا غلط آخَرُونَ فِي جَوَاز وجود إِرَادَة جازمة مَعَ الْقُدْرَة التَّامَّة بِدُونِ الْفِعْل حَتَّى تنازعوا هَل يُعَاقب على الْإِرَادَة بِلَا عمل وَإِن بَينا أَن الهمة الَّتِي نهمها وَلم يقْتَرن بهَا فعل مَا يقدر عَلَيْهِ الْهَام لَيست إِرَادَة جازمة لِأَن الْإِرَادَة الجازمة لَا بُد أَن يُوجد مَعهَا فعل مَا يقدر عَلَيْهِ العَبْد والغفران وَقع عَمَّن هم بسيئة وَلم يَفْعَلهَا لَا عَمَّن أَرَادَ وَفعل الَّذِي أمكنه وَعجز من تَمام مُرَاده وَمن عرف الملازمات بَين الظَّاهِر وَالْبَاطِن زَالَت عَنهُ شُبُهَات كَثِيرَة وَتحقّق الْإِيمَان وَغَيره مِمَّا هُوَ من الْأَعْمَال الْبَاطِنَة أَو الظَّاهِرَة مثل حب الله والانقياد لَهُ والاستكانة ووجل الْقلب وَزِيَادَة الْإِيمَان عِنْد ذكر الله والتوكل عَلَيْهِ وَالْجهَاد وَإِقَامَة الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وضد ذَلِك مِمَّا يحدث عَن التَّصْدِيق أَو

стр. 95

عَن التَّكْذِيب والهم بِالْحَسَنَة أَو السَّيئَة أَو غير ذَلِك وَالله أعلم قَوْله فِي حَدِيث أبي بكر ﵁ اللَّهُمَّ إِنِّي ظلمت نَفسِي ظلما كثيرا وانه لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت فَاغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك وارحمني إِنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم قَالَ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ هَذَا عبد اعْترف بالظلم ثمَّ التجأ إِلَيْهِ مُضْطَرّا لَا يجد لذنبه سائرا غَيره ثمَّ سَأَلَهُ مغْفرَة من عِنْده وَلَكِن أَرَادَ شَيْئا من عِنْده والأشياء كلهَا من عِنْده وَلَكِن أَرَادَ شَيْئا محصوصا لَيْسَ مِمَّا يذكر للعامة فَللَّه رَحْمَة قد عَمت الْخلق برهم وفاجرهم سعيدهم وشقيهم ثمَّ لَهُ رَحْمَة خص بهَا الْمُؤمنِينَ خَاصَّة وَهِي رَحْمَة الْإِيمَان ثمَّ لَهُ رَحْمَة خص بهَا الْمُتَّقِينَ وَهِي رَحْمَة الطَّاعَة لله تَعَالَى وَللَّه رَحْمَة خص بهَا الْأَوْلِيَاء نالوا بهَا الْولَايَة وَله رَحْمَة خص بهَا الْأَنْبِيَاء ونالوا بهَا النُّبُوَّة وَقَالَ الراسخون فِي الْعلم ﴿وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة﴾ فَسَأَلُوهُ رَحْمَة من عِنْده فَهَذَا صُورَة مَا شَرحه وَلم يذكر صفة الظُّلم وأنواعه كَمَا ذكر صفة الرَّحْمَة وليعلم أَن الدُّعَاء الَّذِي فِيهِ اعْتِرَاف العَبْد بظلمه لنَفسِهِ لَيْسَ من خَصَائِص الصديقين وَمن دونهم بل هُوَ من الْأَدْعِيَة الَّتِي يَدْعُو بهَا الْأَنْبِيَاء وهم أفضل الْخلق قَالَ الله تَعَالَى عَن آدم وحواء ﴿قَالَا رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا﴾ وَقَالَ مُوسَى ﵇ ﴿رب إِنِّي ظلمت نَفسِي﴾ والخليل ﵇ ﴿رَبنَا اغْفِر لي ولوالدي﴾ ﴿وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي خطيئتي يَوْم الدّين﴾ وَقَالَ هُوَ وَإِسْمَاعِيل ﵇ ﴿رَبنَا تقبل منا إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم﴾ الى قَوْله ﴿وَتب علينا﴾ وَقَالَ يُونُس ﵇ ﴿لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين﴾ وَثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ ظلمت نَفسِي وَاعْتَرَفت بذنبي فَاغْفِر لي

стр. 96

وَثَبت عَنهُ اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذَنبي كُله دقه وجله وعلانيته وسره وأوله وَآخره اللَّهُمَّ اغْفِر لي خطيئتي وجهلي واسرافي فِي آمري وَمَا أَنْت أعلم بِهِ مني اللَّهُمَّ اغْفِر لي هزلي وجدي وخطأي وعمدي وكل ذَلِك عِنْدِي اللَّهُمَّ اغْفِر لي مَا قدمت وَمَا أخرت وَمَا أسررت وَمَا أعلنت وَمَا أَنْت أعلم بِهِ مني أَنْت الْمِقْدَام وَأَنت الْمُؤخر لَا إِلَه إِلَّا أَنْت وَفِي الرُّكُوع وَالسُّجُود كَانَ يَقُول سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِر لي يتَأَوَّل الْقُرْآن وَقَالَ لَهُ ربه ﴿فاصبر إِن وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ وَسورَة النَّصْر آخر مَا نزل بعد قَوْله ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ فَقَالَ لَهُ النَّاس هَذَا لَك فَمَا لنا قَالَ فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أنزل السكينَة فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ﴾ الْآيَة وَفِي هَذَا رد على الطَّائِفَة الَّذين يَقُولُونَ معنى ليغفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك هُوَ ذَنْب آدم وَمَا تَأَخّر هُوَ ذَنْب أمته فَإِن هَذَا القَوْل وَإِن لم يقلهُ أحد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الْمُسلمين فقد قَالَه طَائِفَة من الْمُتَأَخِّرين وبظن بعض الْجُهَّال أَنه قَول شرِيف وَهُوَ كَذَّاب على الله وتخريف فَإِنَّهُ قد ثَبت أَن النَّاس يَوْم الْقِيَامَة يأْتونَ آدم فيعتذر إِلَيْهِم وَيذكر خطيئته فَلَو كَانَ مَا تقدم هُوَ ذَنْب آدم لم يكن يعْتَذر وَقد قَالَ الصَّحَابَة ﵃ هَذَا لَك فَمَا لنا فَلَو كَانَ مَا تَأَخّر مغْفرَة ذنوبهم لَكَانَ قَالَ هَذَا لكم وَأَيْضًا فقد قَالَ الله لَهُ ﴿واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ فَكيف تُضَاف ذنُوب الْفُسَّاق إِلَيْهِ وَيجْعَل الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر ذَنبا لَهُ ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ وَأي فرق بَين ذَنْب آدم ونوح وَإِبْرَاهِيم وَكلهمْ باؤه وَقد قَالَ تَعَالَى فِي غير مَوضِع فَإِن توَلّوا فَإِن مَا عَلَيْهِ مَا حمل وَعَلَيْكُم

стр. 97

مَا حملتم وَإِن تطيعوه تهتدوا وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين فَكيف يكون ذَنْب أمته لَهُ هَذَا لَا يخفى فَسَاده على من لَهُ أدنى تدبر وَإِن كَانَ قَالَه طَائِفَة من المصنفين فِي الْعِصْمَة حَتَّى ترى فِي كَلَام بعض من لَهُ قدم صدق من أهل السّنة لَكِن الغلو أوجب اتِّبَاع الْجُهَّال الضلال فَإِن أصل ذَلِك من المبتدعين الغالين وأولهم الرافضة فانهم لم ادعوا الْعِصْمَة فِي عَليّ وَغَيره حَتَّى من الْخَطَأ احتاجوا أَن يثبتوا ذَلِك للأنبياء بطرِيق الأولى وَلما نزهوا عليا ﵁ وَمن دونه أَن يكون لَهُ ذَنْب عصمَة أئمتهم الاسماعيلية القرامطة الباطنية الفلاسفة الدهرية وعبدوهم واعتقدوا فيهم الإلهية كَمَا كَانَت الغالية تعقد فِي عَليّ وَغَيره الإلهية أَو النُّبُوَّة وكما ألزموا الدعْوَة للمنتظر وَأَنه مَعْصُوم وَقَالُوا دخل فِي سرداب سامرا سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ طِفْل غير مُمَيّز وَصَارَ مثل هَذَا يدعى حَتَّى ادّعى ابْن تومرت المغربي صَاحب المرشد أَنه المهدى صَار طَائِفَة من الغلاة فِي مشايخهم يَعْتَقِدُونَ لَهُم الْعِصْمَة بقلوبهم أَو يَقُولُونَ إِنَّه مَحْفُوظ وَالْمعْنَى وَاحِد وَلَو أقرّ بِلِسَانِهِ عاملة بالعصمة بِقَلْبِه فَهَؤُلَاءِ إِذا اعتقدوا الْعِصْمَة فِي بعض الْعَوام كييف لَا يَعْتَقِدُونَ ذَلِك فِي الْأَنْبِيَاء فَإِن كَانَ من الْمُسلمين من اعْتقد أَن الْأَنْبِيَاء أفضل من شَيْخه وإمامه وَهُوَ يعْتَقد عصمَة شَيْخه فَهُوَ يعْتَقد عصمتهم بطرِيق الأولى وَإِن كَانَ من الزَّنَادِقَة الَّذين يَعْتَقِدُونَ أَن الشَّيْخ أفضل من النَّبِي كَمَا يَقُوله المتفلسفة والشيعة وغلاة الصُّوفِيَّة لاتحادية وَغَيرهم فَلَا بُد لهَؤُلَاء أَن يَفروا الغلو فِي الْأَنْبِيَاء حَتَّى يوافقهم النَّاس على الغلو فِي أئمتهم وَهَذَا كُله من شعب النَّصْرَانِيَّة الَّذين قَالَ الله فيهم ﴿قل يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله﴾

стр. 98

إِلَى قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿أَن يكون لَهُ ولد﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله﴾ وَقد قَالَ ﷺ لَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن مَرْيَم بل قُولُوا عبد الله وَإِنَّمَا أضلّ من كَانَ قبلكُمْ الغلو فِي الدّين وَقد قَالَ ﵊ لتركبن سنَن من كَانَ قبلكُمْ وَمن قبلنَا قصدُوا تَعْظِيم الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ فوقعوا فِي تكذيبهم فَإِن الْمَسِيح قَالَ ﴿إِنِّي عبد الله آتَانِي الْكتاب﴾ فَكَذبُوهُ وَقَالُوا مَا هُوَ عبد الله بل هُوَ الله وأشركوا بِهِ وَكَذَلِكَ الغالية فِي على وَغَيره فَإِنَّهُ حرق الغالية فِيهِ وَنقل عَنهُ من نَحْو ثَمَانِينَ وجبها خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر ثمَّ عمر وَيذكر ذَلِك عَن ابْن الْحَنَفِيَّة كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ والشيعة تكذبه فهم مَعَه كالنصارى مَعَ الْمَسِيح وَالْيَهُود مَعَ مُوسَى وَكَذَلِكَ أَتبَاع الْمَشَايِخ يغلون فيهم ويتركون اتباعهم على الطَّرِيقَة الَّتِي يُحِبهَا الله وَرَسُوله وَهَذَا بَاب دخل مِنْهُ الشَّيْطَان عَليّ خلق كثير فأضلهم حَتَّى جعل أحدهم قَول الْحق تنقيصا لَهُ كَمَا إِذا قيل النَّصَارَى لِلنَّصَارَى ﴿الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل وَأمه صديقَة﴾ قَالُوا هَذَا تنقص بالمسيح وَسُوء أدب مَعَه وَهَكَذَا المنتسبون إِلَى هَذِه الْأمة تَجِد أحدهم يغلو فِي قدوته حَتَّى يكره أَن يُوصف بِمَا هُوَ فِيهِ وَمَعَ هَذَا فَهُوَ يكذبهُ وَيَقُول عَلَيْهِ العظائم وَهَذَا بَاب يطول الْمَقْصُود النبيه عَلَيْهِ إِذا عرف ذَلِك فقد اتّفق سلف الْأمة وَجَمِيع الطوائف الَّذين لَهُم قَول مُعْتَبر أَن من سوى الْأَنْبِيَاء لَيْسَ مَعْصُوم لَا من الْخَطَأ وَلَا من الذُّنُوب سَوَاء كَانَ صديقا أَو لم يكن وَلَا فرق بَين أَن يَقُول هُوَ مَعْصُوم أَو مَحْفُوظ أَو مَمْنُوع

стр. 99

وَقد قَالَ الْأَئِمَّة كل أحد يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إِلَّا رَسُول الله ﷺ وَلِهَذَا اتّفق الْأَئِمَّة على أَنه ﷺ مَعْصُوم فِيمَا يبلغهُ عَن ربه وَقد انفقوا على أَنه لَا يقر على الْخَطَأ فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ لَا يقر على الذُّنُوب لَا صغائرها وَلَا كبائرها وَلَكِن تنازعوا هَل يَقع من الْأَنْبِيَاء بعض الصَّغَائِر مَعَ التَّوْبَة مِنْهَا أَولا يَقع بِحَال فَقَالَ بعض متكلمي الحَدِيث وَكثير من الْمُتَكَلِّمين من الشِّيعَة والمعتزلة لَا تقع مِنْهُم الصَّغِيرَة بِحَال وَزَاد الشِّيعَة حَتَّى قَالُوا لَا يَقع مِنْهُم لَا خطأ وَلَا غير خطأ وَأما السّلف وَجُمْهُور أهل الْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَجُمْهُور متكلمي أهل الحَدِيث من الأشعرية وَغَيرهم فَلم يمنعوا وُقُوع الصَّغِيرَة إِذا كَانَ مَعَ التَّوْبَة كَمَا دلّت عَلَيْهِ النُّصُوص من الْكتاب وَالسّنة فَإِن الله يحب التوابين وَإِذا ابتلى بعض الأكابر بِمَا يَتُوب مِنْهُ فَذَاك لكَمَال النِّهَايَة لَا لنَقص الْبِدَايَة كَمَا قَالَ بَعضهم لَو لم تكن التَّوْبَة أحب الْأَشْيَاء إِلَيْهِ لما ابتلى بالذنب أكْرم الْخلق عَلَيْهِ وَأَيْضًا فالحسنات تتنوع بِحَسب المقامات كَمَا يُقَال حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين فَمن فهم مَا تمحوه التَّوْبَة وَمَا ترفع صَاحبهَا إِلَيْهِ من الدَّرَجَات وَمَا يتَفَاوَت النَّاس فِيهِ من الْحَسَنَات والسيئات زَالَت عَنهُ الشّبَه فِي هَذَا الْبَاب وَأقر الْكتاب وَالسّنة على مَا فِيهَا من الْهدى وَالصَّوَاب فَإِن الغلاة يتوهمون أَن الذَّنب إِذا صدر من العَبْد كَانَ نقصا فِي حَقه لَا ينجبر حَتَّى يجْعَلُوا من لم يسْجد لضم أفضل مِنْهُ وَهَذَا جهل فَإِن الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار الَّذين هم أفضل هَذِه الْأمة هم أفضل من أَوْلَادهم وَغير أَوْلَادهم مِمَّن ولد على

стр. 100

الْإِسْلَام وَإِن كَانُوا فِي أول الْأَمر كفَّارًا يعْبدُونَ الْأَصْنَام بل المتنقل من الضلال إِلَى الْهدى يُضَاعف لَهُ الثَّوَاب كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَأُولَئِك يُبدل الله سيئاتهم حَسَنَات﴾ فَالله سُبْحَانَهُ أفرج بتوبة عَبده من الَّذِي طلب رَاحِلَته فِي الأَرْض الْمهْلكَة ثمَّ وجدهَا فَإِذا كَانَت التَّوْبَة بِهَذِهِ المثابة كَيفَ لَا يكون صَاحبهَا مُعظما وَقد وصف الْإِنْسَان بالظلم وَالْجهل وَجعل الْفرق بَين الْمُؤمن وَالْكَافِر وَالْمُنَافِق أَن الْمُؤمن فيتوب الله علينا إِذا لم يكن لَهُ بُد من الْجَهْل فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَتُوب الله على الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ وَخير الْخَطَّائِينَ التوابون وكل بني آدم خطاءون وَقد ذكر الله تَعَالَى الَّذين وعدهم بِالْحُسْنَى فَلم ينف عَنْهُم الذُّنُوب فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون﴾ إِلَيّ قَوْله ﴿ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا﴾ فَذكر الْمَغْفِرَة والتكفير وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين نتقبل عَنْهُم أحسن مَا عمِلُوا ونتجاوز عَن سيئاتهم فِي أَصْحَاب الْجنَّة وعد الصدْق الَّذِي كَانُوا يوعدون﴾ وَقَالَ ﵊ لن يدْخل أحد مِنْكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ قَالُوا وَلَا أَنْت قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمة مِنْهُ وَفضل وَاعْلَم أَن كثيرا من النَّاس يسْبق إِلَى ذهنه من ذكر الذُّنُوب الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَنَحْو ذَلِك فيستعظم أَن كَرِيمًا يفعل ذَلِك وَلَا يعلم هَذَا الْمِسْكِين أَن اكثر عقلاء بني آدم لَا يسرقون بِلَا يزنون حَتَّى فِي جاهليتهم وكفرهم فَإِن أَبَا بكر وَغَيره قبل الْإِسْلَام مَا كَانُوا يرضون أَن يَفْعَلُوا مثل هَذِه الْأَعْمَال وَلما بَايع النَّبِي ﷺ هندا بنت عتبَة بن ربيعَة أم مُعَاوِيَة بيعَة النِّسَاء على أَن لَا يَسْرِقن وَلَا يَزْنِين قَالَت أَو تَزني الْحرَّة فَمَا كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يعْرفُونَ الزِّنَا إِلَّا للاماء وَكَذَلِكَ اللواط فَأكْثر الْأُمَم لم تعرفه وَلم يكن يعرف فِي الْعَرَب قطّ وَلَكِن الذُّنُوب تتنوع وَهِي كَثِيرَة الشّعب كَالَّتِي هِيَ من بَاب الضلال

стр. 101

فِي الايمان والبدع الَّتِي هِيَ من جنس الْعُلُوّ فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء والحسد وَالْكبر والرياء هِيَ فِي النَّاس الَّذِي هم متفقون على الْفَوَاحِش وَكَذَلِكَ الذُّنُوب لتي هِيَ ترك الْوَاجِبَات كالإخلاص والتوكل على الله ورجاء رَحمته وَخَوف عَذَابه وَالصَّبْر على بلائه وَالصَّبْر على حكمه وَالتَّسْلِيم لأَمره وَالْجهَاد وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَنَحْوه وَتَحْقِيق مَا يجب من المعارف والأعمال يطول وَإِذا علم ذَلِك فظلم العَبْد نَفسه يكون بترك مَا ينفعها وَهِي محتاجة إِلَيْهِ وبفعل مَا يَضرهَا كَمَا أَن ظلم الْغَيْر كَذَلِك إِمَّا بِمَنْع حَقه أَو التَّعَدِّي وَالنَّفس إِنَّمَا تحْتَاج من العَبْد إِلَى فعل مَا أَمر الله بِهِ وَإِنَّمَا يَضرهَا فعل نهي الله عَنهُ فظلمه لَا يَنْفَكّ عَن ترك حَسَنَة أَو فعل سَيِّئَة وَمَا يضْطَر العَبْد إِلَيْهِ حَتَّى أكل الْميتَة دَاخل فِي هَذَا فَأكلهَا عِنْد الضَّرُورَة وَاجِب فِي الْمَشْهُور من مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَكَذَلِكَ مَا يَضرهَا من جنس الْعِبَادَات مثل الصَّوْم الَّذِي يزِيد فِي مَرضهَا والاغتسال بِالْمَاءِ الْبَارِد الَّذِي يَقْتُلهَا وَهُوَ من ظلمها فَإِن الله أَمر الْعباد بِمَا يَنْفَعهُمْ ونهاهم عَمَّا يضرهم وَجَاء الْقُرْآن بِالْأَمر بالصلاح وَالنَّهْي عَن الْفساد وَالصَّلَاح كُله طَاعَة وَالْفساد كُله مَعْصِيّة وَقد لَا يعلم بعض النَّاس ذَلِك على حَقِيقَته فالمؤمن يعلم أَن الله يَأْمر بِكُل مصلحَة وَينْهى عَن كل مفْسدَة وَمِمَّا يُوجب أَن يعرف أَن العَبْد قد يجب عَلَيْهِ بِأَسْبَاب أُمُور لَا تجب عَلَيْهِ بِدُونِ هَذِه الْأَسْبَاب فَإِن قَامَ بهَا كَانَ محسنا إِلَى نَفسه وَإِلَّا كَانَ ظَالِما لنَفسِهِ وَإِن لم يكن تَركهَا ظلما فِي حق من لم يجْتَمع عِنْده هَذِه الْأَسْبَاب كمن ولى ولَايَة فَفِي الْمسند أحب ألخلق إِلَى الله إِمَام عَادل وأبغضهم إِلَيْهِ إِمَام جَائِر وَكَذَلِكَ من لغيره عَلَيْهِ حُقُوق كَالزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَاد وَالْجِيرَان فقد ذكر الله الْحُقُوق الْعشْرَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين﴾

стр. 102

إحسانا وبذى الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب والصاحب بالجنب وبن السَّبِيل وَمَا ملكت أَيْمَانكُم فَكلما أزدادت معرفَة الأنسان بالنفوس ولوازمها وتقلب الْقُلُوب وَبِمَا عَلَيْهَا من الْحُقُوق لله ولعباده وَبِمَا حد لَهُم من الْحُدُود علم أَنه لَا يخلوا أحد من ترك بعض الْحُقُوق وتعدي بعض الْحُدُود وَلِهَذَا أَمر الله عباده الْمُؤمنِينَ أَن يسألوه أَن يهْدِيهم السراط الْمُسْتَقيم فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فِي الْمَكْتُوبَة وَحدهَا سبع عشرَة مرّة وَهُوَ صِرَاط الَّذين أنعم عَلَيْهِم من النبين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَمن يطع الله وَرَسُوله فَهُوَ مَعَ هَؤُلَاءِ فالصراط الْمُسْتَقيم هُوَ طَاعَة الله وَرَسُوله وَهُوَ دين الْإِسْلَام التَّام وَهُوَ اتِّبَاع الْقُرْآن وَهُوَ لُزُوم السّنة وَالْجَمَاعَة وَهُوَ طَرِيق الْعُبُودِيَّة وَهُوَ طَرِيق الْخَوْف والرجاء وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول فِي خطبَته الْحَمد الله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ لعلمه أَنه لَا يفعل خيرا وَلَا يجْتَنب شرا إِلَّا بإعانة الله لَهُ وَأَنه لابد أَن يفعل مَا يُوجب الأستغفار وَفِي الصَّحِيح سيد الأستغفار أَن يَقُول العَبْد اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت خلقتني وَأَنا عَبدك وأنما على عَهْدك وَوَعدك مَا اسْتَطَعْت اعوذ بك من شَرّ مَا صنعت أَبُوء لَك بنعمتك عَليّ وأبوء بذنبي فَاغْفِر لي إِنَّه لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت فَقَوله أَبُوء بنعمتك عَليّ يتَنَاوَل نعْمَته عَلَيْهِ فِي إعانته على الطَّاعَات وَقَوله أَبُوء بذنبي يبين إِقْرَاره بِالذنُوبِ الَّتِي يحْتَاج إِلَى الإستغفار مِنْهَا وَالله غَفُور رَحِيم شكور يغْفر الْكَبِير ويشكر الْيَسِير وَجَاء عَن غير وَاحِد إِنِّي أصبح بَين نعْمَة وذنب أُرِيد أَن أحدث للنعمة شكرا وللذنب إستغفارا وَكَانَ الْمَشَايِخ يقرنون بَين هَذِه الثَّلَاثَة الشُّكْر مَا مضى

стр. 103

من إِحْسَان ربه وَالِاسْتِغْفَار لما تقدم من إساءة العَبْد إِلَى نَفسه والاستعانة لما يستقبله العَبْد من أُمُوره فَلَا بُد لكل عبد من الثَّلَاثَة فَقَوله الْحَمد لله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ يتَنَاوَل ذَلِك فَمن قصر فِي وَاحِدَة مِنْهَا فقد طلم نَفسه بِحَسب تَقْصِيره وَالْعَبْد إِذا عمل بِمَا علم أورثه الله علم مَا لم يعلم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو أَنهم فعلوا مَا يوعظون بِهِ لَكَانَ خيرا لَهُم﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿وَالَّذين اهتدوا زادهم هدى﴾ وَإِذا ترك العَبْد الْعَمَل بِعِلْمِهِ عَافِيَة الله بِأَن يضله عَن الْهدى وَأَن لَا يعرفهُ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم﴾ وَقَالَ ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة﴾ وَدلّ ﴿فِي قُلُوبهم مرض فَزَادَهُم الله مَرضا﴾ وَفِي الحَدِيث إِن العَبْد إِذا أذْنب ذَنبا نكت فِي قلبه نُكْتَة سَوْدَاء فَإِذا تَابَ وَنزع واستغفر صقل قلبه وَإِن زَاد زيد فِيهَا حَتَّى تعلو كل قلبه فَذَلِك الران الَّذِي قَالَ تَعَالَى ﴿كلا بل ران على قُلُوبهم﴾ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ فَهَذِهِ الْأُمُور يبين الله بهَا أَجنَاس ظلم العَبْد نَفسه لَكِن لكل إِنْسَان بِحَسبِهِ وبحسب دَرَجَته فَمَا من صباح يصبح إِلَّا وَللَّه على عبَادَة حُقُوق ولنفسه ولخلقه عَلَيْهِ حُقُوق فلنفسه عَلَيْهِ أَن يعفها وحدود عَلَيْهِ أَن يحفظها ومحارم عَلَيْهِ أَن يتجنبها فَإِن أَجنَاس الْأَعْمَال ثَلَاثَة مَأْمُور بِهِ قَالُوا هُوَ الْفَرَائِض ومنهى عَنهُ وَهُوَ الْمحرم ومباح لَهُ حد فتعديه حُدُود الله بل قد تكون الزِّيَادَة بعض الْوَاجِبَات والمستحبات لحدود الله وَذَلِكَ هُوَ الاسراف كَمَا قَالَ ﴿رَبنَا اغْفِر لنا ذنوبنا وإسرافنا فِي أمرنَا﴾

стр. 104

إِذا عرف ذَلِك فَقَوْل الْقَائِل مَا مَفْهُوم قَول الصّديق ﵁ ظلمت نَفسِي ظلما كَبِيرا وَالدُّعَاء بَين يَدي الله لَا يحْتَمل الْمجَاز وَالصديق ﵁ من أَئِمَّة التَّابِعين وَالرَّسُول ﷺ أمره بذلك هَل كَانَ لَهُ نازلة شُبْهَة إِن قَالَ كَانَ الصّديق ﵁ أجد قدرا من أَن يكون لَهُ ذنُوب تكون ظلما كثيرا فَإِن ذَلِك يُنَافِي الصديقية وَهَذَا الشُّبْهَة تَزُول بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن الصّديق ﵁ بل وَالنَّبِيّ ﵊ إِنَّمَا كملت مرتبته وانتهت دَرَجَته وَتمّ علو مَنْزِلَته فِي نهايته لَا فِي بدايته وَإِنَّمَا نَالَ ذَلِك بِفعل مَا أَمر الله بِهِ وَمن الْأَعْمَال الصَّالِحَة وأفضلها التَّوْبَة وَمَا وجد قبل التَّوْبَة فَإِنَّهُ لم ينقص صَاحبه وَلَا يتَصَوَّر أَن بشرا يَسْتَغْنِي عَن التَّوْبَة كَمَا فِي الحَدِيث يَا أَيهَا النَّاس تُوبُوا إِلَى الله فَإِنِّي أَتُوب الى الله فِي الْيَوْم أَكثر من سبعين مرّة وَإنَّهُ ليغان عَن قلبِي فَاسْتَغْفر الله فِي الْيَوْم مائَة وَكَذَلِكَ قَوْله اللَّهُمَّ اغْفِر لي خطأي وجهلي وعمدي وكل ذَلِك عِنْدِي فِيهِ من الِاعْتِرَاف أعظم مَا فِي دُعَاء الصّديق ﵁ وَالصِّدِّيقُونَ ﵃ تجوز عَلَيْهِم جَمِيع الذُّنُوب بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة فصل فَمَا يلقى لأهل المكاشفات والمخاطبات من الْمُؤمنِينَ هُوَ من جنس مَا يكون لأهل الْقيَاس والرأي فَلَا بُد من عرضه على الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع فَلَيْسَ أحد من هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ الصديقين مَعْصُوما فَكل من ادّعى غناءه عَن الرسَالَة مكاشفة أَو مُخَاطبَة أَو عصمَة سَوَاء ادّعى ذَلِك لنَفسِهِ أَو لشيخه فَهُوَ من أضلّ النَّاس

стр. 105

وَمن اسْتدلَّ على ذَلِك بِقصَّة الْخضر فَهُوَ من أَجْهَل النَّاس فَإِن مُوسَى لم يكن مَبْعُوثًا إِلَى الْخضر وَلَا كَانَ يجب على الْخضر اتِّبَاعه بل قَالَ لمُوسَى إِنِّي على علم من علم الله علمنيه الله لَا تعلمه وَأَنت على علم من علم الله علمكه الله لَا أعلمهُ وَلما سلم عَلَيْهِ قَالَ وَأَنِّي بأرضك السَّلَام قَالَ أَنا مُوسَى قَالَ مُوسَى بني إِسْرَائِيل قَالَ نعم فالخضر ﵇ لم يعرف مُوسَى ﵇ حَتَّى عرفه مُوسَى نَفسه وَأما مُحَمَّد ﷺ فَهُوَ الرَّسُول إِلَى جَمِيع الْخلق فَمن لم يتبعهُ من جَمِيع من بلغته دَعوته كَانَ كَافِرًا ضَالًّا وَمن قَالَ لَهُ مثل مَا قَالَ الْخضر فَهُوَ كَافِر وَأَيْضًا مَا فعله الْخضر فَلم يكن خَارِجا عَن شَرِيعَة مُوسَى إِذْ لما بَين لَهُ الْأَسْبَاب أقره على ذَلِك فَكَانَ قد علم الْخضر الأسبا الَّتِي أَبَاحَتْ لَهُ ذَلِك الْفِعْل وَلم يكن يعلمهَا مُوسَى كَمَا يدْخل الرجل على غَيره فيأكل طَعَامه وَيَأْخُذ مَاله لعلمه بأذنه مَأْذُون لَهُ وَأَيْضًا فَإِن الْخضر إِن كَانَ نَبيا فَلَيْسَ لغيره أَن يتشبه بِهِ وَإِن يكن نَبيا وَهُوَ قَول الْجُمْهُور فَأَبُو بكر وَعمر ﵄ أفضل مِنْهُ فَإِن هَذِه الْأمة خير أمة أخرجت للنَّاس وَأَبُو بكر وَعمر ﵄ خِيَارهَا وَكَانَ حَالهمَا مَعَ رَسُول الله ﷺ كَمَا قد علم من الطَّاعَة لأَمره وَنحن مأمورون أَن نقتدي بهما بل من اعْتقد أَنه يجوز لَهُ أَن يخرج عَن طَاعَة النَّبِي ﷺ وتصديقه فِي شئ من أُمُوره الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة فَإِنَّهُ يجب استتابته فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل كَائِنا من كَانَ

стр. 106

وَأما مَا ذكره الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي أَصْنَاف الرَّحْمَة فَلَا ريب أَن الرَّحْمَة أَصْنَاف متنوعة كَمَا ذكره وَلَيْسَ فِي الحَدِيث رَحْمَة من عنْدك وَإِنَّمَا فِيهِ فَاغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك وَلَكِن مَقْصُوده أَن يشبه هَذِه بقوله وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة وَقد جعل هَذِه الْمَغْفِرَة من عِنْده سُبْحَانَهُ مغْفرَة مَخْصُوصَة لَيست مِمَّا يبْذل للعامة كَمَا أَن الرَّحْمَة الخصوصة لَيست مِمَّا يبْذل للعامة وَهَذَا الككلام فِي بعضه نظر وَهُوَ كَغَيْرِهِ من المصنفين فِي كَلَامه مَرْدُود ومقبول فَلَيْسَ فِي قَوْله ﷺ مغْفرَة من عنْدك وَلَكِن فِي قَول الراسخين هَب لنا من لَدُنْك رَحْمَة وَنَحْو ذَلِك لَا يَقْتَضِي اخْتِصَاص هَذَا الشَّخْص دون غَيره وَإِلَّا لما سَاغَ لغيره أَن يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاء وَهُوَ خلاف الاجماع أَو تَفْسِير اللَّفْظ بِمَا لَا يدل عَلَيْهِ وَقد قَالَ زَكَرِيَّا هَب لي من لَدُنْك ذُرِّيَّة طيبَة وَلم تكن الذُّرِّيَّة مُخْتَصَّة بِهِ وَلَا بالأنبياء بل الله يخرج الْأَنْبِيَاء من الْكفَّار إِذا شَاءَ وَلَكِن بمشيئته وَالله أعلم أَنه إِذا قَالَ من عنْدك وَمن لَدُنْك كَانَ مَطْلُوبا بِغَيْر فعل العَبْد فَإِن مَا يُعْطِيهِ الله العَبْد على وَجْهَيْن مِنْهُ مَا يكون بِسَبَب فعله كالرزق الَّذِي يرزقه الله بِكَسْبِهِ والسيئات الَّتِي يغفرها الله بِالْحَسَنَاتِ الماحية وَالْولد الَّذِي يُعْطِيهِ الله بِالنِّكَاحِ الْمُعْتَاد وَالْعلم الَّذِي يَنَالهُ بالتعلم وَمِنْه مَا يُعْطِيهِ للْعَبد ولايحوجه إِلَى السَّبَب الَّذِي ينَال بِهِ فِي غَالب الْأُمُور كَمَا أعْطى زَكَرِيَّا الْوَلَد مَعَ أَن امْرَأَته كَانَت عاقرا وَقد بلغ هُوَ من الْكبر عتيا فَهَذَا وهبه لَهُ الله من لَدنه لَيْسَ بالاأسباب الْمُعْتَادَة وَكَذَلِكَ الَّذِي علمه الْخضر من لَدنه لميكن بالتعلم الْمَعْهُود وَكَذَلِكَ الرَّحْمَة الْمَوْهُوبَة وَلِهَذَا قَالَ إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب وَقَوله مغْفرَة من عنْدك لم يقل فِيهِ من لَدُنْك بل من عنْدك وَمن النَّاس من يفرق بَين لَدُنْك وعندك كَمَا يفرق بَين التَّقْدِيم

стр. 107

وَالتَّأْخِير فَإِن لم يكن بَينهمَا فرق فقد يكون المُرَاد اغْفِر لي مغْفرَة من عنْدك لَا أطلبها بِأَسْبَاب لِأَنَّهَا من عزائم الْمَغْفِرَة الَّتِي يغْفر لصَاحِبهَا كَالْحَجِّ وَالْجهَاد وَنَحْوه بل اغْفِر لي مغْفرَة توجبها لي وتجود بهَا على بِلَا عمل يَقْتَضِي تِلْكَ الْمَغْفِرَة وَمن الْمَعْلُوم أَن الله قد يغْفر الذُّنُوب بِالتَّوْبَةِ وَقد يغفرها بِالْحَسَنَاتِ أَو بالمصائب وَقد يغفرها بِمُجَرَّد اسْتِغْفَار العَبْد وسؤاله أَن يغْفر لَهُ فَهَذِهِ مغْفرَة من عِنْده فَهَذَا الْوَجْه إِذا فسر بِهِ من عنْدك كَانَ أحسن وأشبه مِمَّا ذكر من الِاخْتِصَاص وَأما قَوْله والأشياء كلهَا من عِنْده فَيُقَال الْأَشْيَاء وَجْهَان مِنْهَا مَا جعل بِسَبَب من العَبْد يُوفيه عمله وَمِنْهَا مَا يَفْعَله بِدُونِ ذَلِك السَّبَب بِلَا حَاجَة لسؤاله إحسانا إِلَيْهِ وَاسْتِعْمَال لفظ من عنْدك فِي هَذَا الْمَعْنى مُنَاسِب دون تَخْصِيص لبَعض النَّاس دون بعض فَإِن قَوْله من عنْدك دلَالَته على الأول أبين وَلِهَذَا يَقُول الرجل لمن يطْلب مِنْهُ أَعْطِنِي عَن عنْدك لما يَطْلُبهُ مِنْهُ بِغَيْر سَبَب بِخِلَاف مَا يَطْلُبهُ من الْحُقُوق الَّتِي عَلَيْهِ كَالدّين وَالنَّفقَة الْوَاجِبَة فَلَا يُقَال من عنْدك وَالله تَعَالَى أعلم وَإِن كَانَ الْخلق لَا يوجبون عَلَيْهِ شَيْئا فَهُوَ قد كتب على نَفسه الرَّحْمَة وَحرم الظُّلم على نسه وَأوجب بوعده مَا يجب لمن وعده إِيَّاه فَهَذَا قد يصير وَاجِبا بِحكم إِيجَاب وعده بِخِلَاف مَا لم يكن كَذَلِك فاستعمال من عنْدك يُرَاد بِهِ أَن تكون مغْفرَة تجود بهَا أَنْت لَا تحوجني فِيهَا إِلَى خلقك وَلَا أحتاج إِلَى أحد يشفع فِي أَو يسْتَغْفر لي وَاسْتِعْمَال لفظ من عنْدك فِي مثل هَذَا مَعْرُوف كَمَا فِي حَدِيث كَعْب ابْن مَالك ﵁ لما قَالَ رَسُول الله ﷺ أبشر بِخَير يَوْم

стр. 108

مر عَلَيْك مُنْذُ وَلدتك أمك فَقَالَ من عنْدك أم من عِنْد الله تَعَالَى فَقَالَ بل هُوَ من عِنْد الله وَأخْبرهُ أَنه تَابَ عَلَيْهِ من عِنْده وكلا الْوَجْهَيْنِ فِي قَول مَرْيَم عَن رزقها هُوَ من عِنْد الله فَلَمَّا كَانَ الرزق لَا يَأْتِي بِهِ بشر وَلم تسع فِيهِ السعى الْمُعْتَاد قَالَت هُوَ من عِنْد الله فَهَذَا الْمعَانِي وَمَا يُنَاسِبهَا هِيَ الَّتِي يشْهد لَهَا اسْتِعْمَال هَذَا اللَّفْظ وَإِن قَالَ قَائِل وَكَذَلِكَ كَلَام الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ أَرَادَ بِهِ مثل هَذَا كَانَ مُحْتملا وَقد قَالَ عمر ﵁ احْمِلْ كَلَام أَخِيك على أحْسنه حَتَّى يَأْتِيك مَا يَغْلِبك مِنْهُ وَالله أعلم وَالتَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار قد يكونَانِ من ترك الْأَفْضَل والذم والوعيد لَا يكونَانِ إِلَّا على ذَنْب وَمن سمع الْمُؤَذّن وَهُوَ فِي صَلَاة أتمهَا وَلَا يَقُول مثل مَا يَقُول عِنْد الْجُمْهُور كَمَا لَو سمع غَيره يقْرَأ سَجْدَة لم يسْجد فِي الصَّلَاة عِنْد الْجُمْهُور وَقَول لَيْسَ رلا الله وَمَا ثمَّ رلا الله مُجمل يحْتَمل حَقًا وباطلا فصل روى أَبُو ذَر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ فِيمَا يرْوى عَنهُ ربه ﵎ أَنه قَالَ يَا عبَادي إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي وَجَعَلته بَيْنكُم محرما فَلَا تظلموا الحَدِيث فَقَوله حرمت الظُّلم على نَفسِي فِيهِ مَسْأَلَتَانِ كبيرتان كل مِنْهُمَا ذَات شعب وفروع

стр. 109

إِحْدَاهمَا أَن الظُّلم الَّذِي حرمه الله ونفاه نَفسه بقوله وَمَا ظلمنَا لَهُم وَقَوله ﴿وَلَا يظلم رَبك أحدا﴾ ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ ﴿إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة﴾ ﴿وَلَا تظْلمُونَ فتيلا﴾ ﴿وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد﴾ ﴿فَلَا يخَاف ظلما وَلَا هضما﴾ فقد تنَازع النَّاس فِي معنى هَذَا الظُّلم تنَازعا صَارُوا فِيهِ بَين طرفين ووسط بَينهمَا وَخير الْأُمُور أوسطها وَذَلِكَ بِسَبَب الْبَحْث فِي الْقدر ومجامعته للشَّرْع إِذا الْخَوْض فِيهِ بِغَيْر علم تَامّ أوجب ضلال عَامَّة الْأُمَم وَلِهَذَا نهى النَّبِي ﷺ أَصْحَابه عَن التَّنَازُع فِيهِ فَذهب الكذبون بِالْقدرِ الْقَائِلُونَ بِأَن الله لم يخلق أَفعَال الْعباد وَلم يرد أَن يكون رلا مَا أَمر بِأَن يكون وغلاتهم المكذبون بِتَقْدِيم علم الله وَكتابه سَيكون من أَفعَال الْعباد من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم إِلَى أَن الظُّلم مِنْهُ تَعَالَى هُوَ نَظِير الظُّلم من الْآدَمِيّين بَعضهم لبَعض وشبهوه ومثلوه فِي الْأَفْعَال بزفعال الْعباد حَتَّى كَانُوا هم ممثلة الْأَفْعَال وضربوا لله الْأَمْثَال ولميجعلوا لَهُ الْمثل الْأَعْلَى بل أوجبوا عَلَيْهِ وحرموا مَا رَأَوْا أَنه يجب على الْعباد وَيحرم بقياسه على الْعباد قَالُوا إِذا أَمر العَبْد وَلم يعنه بِجمع مَا يقدر بِهِ عَلَيْهِ من وُجُوه الْإِعَانَة كَانَ ظَالِما لَهُ والتزموا أَنه لَا يقدر أَن يهدي ضَالًّا كَمَا قَالُوا إِنَّه لَا يقدر أَن يضل مهتديا وَقَالُوا إِذا أَمر اثْنَيْنِ بِأَمْر وَاحِد وَخص أَحدهمَا باعانته على فعل الْمَأْمُور كَانَ ظلما إِلَى أَمْثَال ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي هِيَ من بَاب الْفضل وَالْإِحْسَان جعلُوا تَركه لَهَا ظلما وَكَذَلِكَ ظنُّوا أَن التعذيب لمن كَانَ فعله مُقَدرا ظلم لَهُ وَلم يفرقُوا بَين التعذيب لمن قالم بِهِ سَبَب اسْتِحْقَاق ذَلِك وَمن لم يقم بِهِ سَببه وَإِن كَانَ ذَلِك الِاسْتِحْقَاق لحكمة أُخْرَى عَامَّة أَو خَاصَّة وَهَذَا الْموضع زلت فِيهِ أَقْدَام وضلت فِيهِ أفهام

стр. 110

فعارض هَؤُلَاءِ آخَرُونَ من أهل الْكَلَام المثبتين للقدر وَقَالُوا لَيْسَ الظُّلم مِنْهُ حَقِيقَة يُمكن وجودهَا بل هُوَ من الْأُمُور الممتنعة لذاتها فَلَا يجوز أَن يكون مَقْدُورًا وَلَا أَن يُقَال إِنَّه تَارِك لَهُ بِاخْتِيَارِهِ وَإِنَّمَا هُوَ من بَاب الْجمع بَين الضدين وَجعل الْجِسْم الْوَاحِد فِي مكانين وقلب الْقَدِيم مُحدثا ورلا فمهما قدر فِي الذِّهْن وَكَانَ وجوده مُمكنا فَالله قَادر عَلَيْهِ فَلَيْسَ بظُلْم مِنْهُ سَواد فعله أَو لم يَفْعَله وتلقى هَذَا القَوْل عَن هَؤُلَاءِ طوائف من أهل الاثبات من الْفُقَهَاء وَأهل الحَدِيث من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم وَمن شرح الحَدِيث وفسروا هَذَا الحَدِيث بِمَا يَنْبَنِي عَليّ هَذَا القَوْل وَرُبمَا احْتَجُّوا بظواهر أَقْوَال مآثورة كَمَا روينَا عَن إِيَاس بن مُعَاوِيَة أَنه قَالَ مَا ناظرت بعقلي كُله أحدا رلا الْقَدَرِيَّة قلت لَهُم مَا لاظلم قَالُوا أَن تَأْخُذ مَا لَيْسَ لَك أَو تتصرف فِيمَا لَيْسَ لَك قلت فَللَّه كل شئ وَلَيْسَ هَذَا من إِيَاس إِلَّا ليبين أَن التَّصَرُّفَات الْوَاقِعَة فِي مكله تَعَالَى فَلَا يكن ظلما بِمُوجب حَدهمْ وَهَذَا لَا نزاع فِيهِ بَين أهل الْإِثْبَات فَإِنَّهُم متفقون مَعَ أهل الْإِيمَان بِالْقدرِ على أَن كل مَا فعله الله فَهُوَ عدل فَرَأى إِيَاس أَن هَذَا الْجَواب المطابق لحدهم خَاصم لَهُم وَلم يدْخل مَعَهم فِي التَّفْصِيل الَّذِي يطول وَبِالْجُمْلَةِ كَمَا قَالَ ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن لغيلان حِين قَالَ لَهُ غيلَان نشدتك الله أَتَرَى الله يحب ان يَعْصِي فَقَالَ ربيعَة نشدتك الله أرى الله يعْصى قسرا فَكَأَنَّمَا ألقمه حجرا فَإِن قَوْله يحب أَن يَعْصِي لفظ فِيهِ إِجْمَال وَقد لَا يَأْتِي فِي المناظرة تَفْسِير المجملات خوفًا من لدد الْخصم فَيُؤتى بالواضحات كَمَا ألزمهُ بِالْعَجزِ الَّذِي هُوَ لَازم للقدرية وَلمن هُوَ شَرّ مِنْهُم من الدَّهْر والفلاسفة
следующие страницы →