← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6104

مختصر الفتاوى المصرية - ط الفقي

بدر الدين البعلي

Полный текст (633 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَلَا يشرع الطّواف بِغَيْر الْكَعْبَة من سَائِر الأَرْض بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَمن أَتَّخِذ ذَلِك عرف واستتيب فَإِن أصر قتل بالِاتِّفَاقِ وَهل كَانَت عَائِشَة ﵂ لما اعْتَمَرت من التَّنْعِيم قارنة حِين حَاضَت أَو كَانَت قد رفضت إحرامها على قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء وَالثَّانِي قَول أبي حنيفَة فصل لما نهى عمر ﵁ عَن الاعتمار فِي أشهر الْحَج قصد أَمرهم بالأفضل لأَنهم تركُوا الاعتمار فِي سفرة مُفْردَة فِي غير أشهر الْحَج وصاروا فِي عهد أبي بكر وَعمر ﵁ يقتصرون فِي الْعمرَة على الْعمرَة فِي أشهر الْحَج مَعَ الْحَج ويتركون السّفر إِلَى الْعمرَة سَائِر الْأَشْهر فَصَارَ الْبَيْت يعرى عَن الْعِمَارَة من أهل الْأَمْصَار فِي سَائِر الْحول فَكَانَ عمر ﵁ من شفقته على رعتيه اخْتَار الْأَفْضَل لإعراضهم عَنهُ كَالْأَبِ الشفيق يَأْمر وَلَده بِمَا هُوَ الْأَصْلَح لَهُ وَهَذَا كَانَ مَوضِع اجْتِهَاد مِنْهُ لرعيته فألزمهم بذلك وَخَالفهُ عَليّ وَعمْرَان بن حُصَيْن وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة ﵃ وَلم يرَوا أَن يلزموا النَّاس بل يتركونهم وَمَا يختارون فَمن أحب شَيْئا عمله قبل أشهر الْحَج أَو فِيهَا وَإِن الأول أكمل وقوى النزاع فِي ذَلِك فِي خلَافَة عُثْمَان ﵁ حَتَّى ثَبت أَنه كَانَ ينْهَى عَن الْمُتْعَة فَلَمَّا رَآهُ عَليّ ﵁ أهل بهما وَقَالَ لم أكن لأدع سنة رَسُول الله ﷺ لقَوْل أحد وَنهى عُثْمَان ﵁ عَن الْمُتْعَة لاختيار الْأَفْضَل وليعمر الْبَيْت بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ فِي كل سنة لَا نهى كَرَاهَة للْعَمَل فِي ذَاته فَلَمَّا قتل عُثْمَان ﵁ صَار النَّاس شيعتين قدما يميلون إِلَى عُثْمَان ﵁ وقوما يميلون إِلَى عَليّ ﵁ وَصَارَ قوم من بني أُميَّة من شيعَة عُثْمَان ينهون عَن الْمُتْعَة ويعاقبون على ذَلِك وَلَا يمكنون أحدا من الْعمرَة فِي أشهر الْحَج وَكَانَ فِي ذَلِك نوع من الظُّلم وَالْجهل فَلَمَّا رأى ذَلِك عُلَمَاء الصَّحَابَة

стр. 282

كَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَغَيرهمَا ﵃ جعلُوا يُنكرُونَ ذَلِك ويأمرون بِالْمُتْعَةِ اتبَاعا للسّنة فَصَارَ بعض النَّاس يناظرهم بهَا بوهمه على أبي بكر وَعمر ﵄ فَيَقُولُونَ لِابْنِ عمر إِن أَبَاك كَانَ ينْهَى عَنْهَا فَيَقُول ﵁ إِن أبي لم يرد ذَلِك وَلَا كَانَ يضْرب النَّاس عَلَيْهَا وَيبين لَهُم أَن قصد عمر ﵁ كَانَ الْأَفْضَل لَا تَحْرِيم الْمَفْضُول فَكَانُوا ينازعونه فَكَانَ يَقُول لَهُم قدرُوا أَن عمر ﵄ كَانُوا يعارضونه بِمَا توهموا على أبي بكر وَعمر ﵄ فَيَقُول لَهُم يُوشك أَن ينزل عَلَيْكُم حِجَارَة السَّمَاء أَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ وتقولون قَالَ أَبُو بكر وَعمر فصل فِي الصَّحِيح عَنهُ ﷺ أَنه أفرد وَفِيه أَنه قرن وروى أَنه تمتّع وكل ذَلِك صَحِيح بِمَعْنى وَاحِد فَمَعْنَى أَنه قرن وتمتع وَاحِد لِأَن الْقرَان تمتّع عَام مَشْهُور والتمتع بِمَعْنى أَنه يحل من الْعمرَة ثمَّ يحجّ فِي أشهر الْحَج فِي عَام وَاحِد اصْطِلَاح خَاص وَمن روى أَنه أفرد فَمَعْنَاه أَنه لم يحل من عمرته بل أفرد أَفعَال الْحَاج وَلم يكن فِي أَفعاله زِيَادَة على عمل الْمُفْرد فَالْمَعْنى وَاحِد وَلِهَذَا كَانَ رُوَاة الْإِفْرَاد هم رُوَاة الْقُرْآن فروايات الصَّحَابَة ﵃ متفقة وفسروا التَّمَتُّع بِالْقُرْآنِ وَرووا فِيهِ صَرِيحًا أَنه قَالَ لبيْك حجا وَعمرَة وَأَنه قَالَ أتأتي آتٍ فِي وَاد العقيق فَقَالَ قل عمْرَة وَحجَّة قَالَ الإِمَام أَحْمد ﵁ لَا شكّ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ قَارنا والتمتع أحب إِلَى أَي لمن لم يسق الْهدى فَإِنَّهُ

стр. 283

لَا يخْتَلف قَوْله أَنه من جمع الْحَج وَالْعمْرَة فِي سفرة وَاحِدَة وَلم يسق الْهدى أَن هَذَا التَّمَتُّع لَهُ أفضل بل هُوَ الْمَطْلُوب لأمر النَّبِي ﷺ أَصْحَابه بذلك فَأَما من سَاق الْهدى فَهَل الْقرَان لَهُ التَّمَتُّع ذكرُوا عَنهُ رِوَايَتَيْنِ فَأَما من أفردهما فِي سفرتين أَو اعْتَمر قبل أشهر الْحَج وَأقَام إِلَى الْحَج فَهَذَا أفضل من التَّمَتُّع وَهُوَ قَول الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ﵃ وَقَول أَحْمد وَغَيره وَبَعض أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم وَهل على المنتفع بعد طواف الْإِفَاضَة سعى غير السَّعْي الأول الَّذِي كَانَ عقيب طواف الْعمرَة فِيهِ قَولَانِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَمَالك وَإِن كَانَ يخْتَار الْإِفْرَاد لمن يعْتَمر عقيب الْحَج كالمحرم وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى وَلَا أحفظ قَول الشَّافِعِي فِيمَن يعْتَمر عقيب الْحَج وَإِن كَانَ من أَصْحَابه من يَجْعَل هَذَا هُوَ أفضل كَمَا يظنّ كثير من أَصْحَاب أَحْمد أَن الْمُتْعَة أفضل من الاعتمار قبل أشهر الْحَج فالغلط كثير فصل الَّذِي يَنْبَغِي أَن يُقَال إِن مَا اخْتَارَهُ الله لنَبيه ﷺ هُوَ الْأَفْضَل وَقَوله ﷺ لَو اسْتقْبلت من أمرى مَا اسْتَدْبَرت لم أسق الْهدى فَهُوَ حكم مُعَلّق على شَرط وَالتَّعْلِيق على شَرط بِعَدَمِ عَنهُ عَدمه فَمَا اسْتقْبل من مرّة مَا استدبر وَقد اخْتَار لَهُ ربه أَنه لم يسْتَقْبل من أمره مَا استدبر وَلَكِن هَذَا يبين أَن الْمُوَافقَة إِذا كَانَت فِي تنويع الْأَعْمَال تفرق وَلَيْسَ هُوَ أولى من تنويعها وتنويعها هُوَ بِاخْتِيَار الْقَادِر للأفضل وَالْعَاجِز للمفضول كَمَا اخْتَار من قدر على سوق الْهدى الْأَفْضَل مِمَّن لم يقدر على سوقه مَعَ السَّلامَة وَجُمْهُور الْعلمَاء على أَن طواف القادمين أفضل من الصَّلَاة لتحية الْمَسْجِد فان تَحِيَّة الْمَسْجِد الْحَرَام هُوَ الطّواف مَعَ فضيلتها أَيْضا وَكَذَلِكَ الطّواف للقادم أفضل

стр. 284

صَحَّ عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ حِين أَرَادَ تَقْبِيل الْحجر الْأسود إِنِّي لأعْلم أَنَّك حجر لَا تضر وَلَا تَنْفَع وَلَوْلَا أَن رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يقبلك لما قبلتك وَزَاد بَعضهم أَن أَبَا بكر ﵁ قَالَ بل ينفع ويشفع وَهَذَا كذب وَاضح وروى الْأَزْرَقِيّ عَن عَليّ ﵁ فِي ذَلِك أثرا لَكِن إِسْنَاده ضَعِيف واه وَالْبَيْت زَاده الله تَشْرِيفًا وتعظيما ومهابة وَبرا لَهُ الشّرف من وُجُوه كَثِيرَة مِنْهَا نفس الْبقْعَة شرفعها الله على غَيرهَا كَمَا شرف فِي بَقِيَّة الْأَنْوَاع بعض أشخاصها وكما خص بعض النَّاس بِنَوْع من الْفضل وَمِنْهَا أَن الله بوأه لخليلة ابراهيم خير الْبَريَّة فَلَيْسَ بعد مُحَمَّد ﷺ أفضل من ابراهيم الَّذِي بناه ودعا النَّاس إِلَيْهِ وَمِنْهَا أَنه جعل على النَّاس حج الْبَيْت حَتَّى حجَّة الْأَنْبِيَاء كموسى وَيُونُس وَغَيرهمَا وَفِيه آيَات كَثِيرَة مثل مقَام ابراهيم وَمثل الْأمان الَّذِي جعله للنَّاس وَالطير والوحش وَمن إهلاك الْجَبَابِرَة الَّذِي قصدُوا انتهاكه إِلَى غير ذَلِك مِمَّا فِيهِ من العلامات والدلالات على حرمته وعظمته وَمن دخله كَانَ آمنا فَلَا يقتل الْجَانِي فِيهِ عِنْد أَحْمد وَأبي حنيفَة وَكَانَ الْكفَّار يعظمونه حَتَّى ليلقى الرجل قَاتل أَبِيه فَلَا يقْتله والاسلام زَاده حُرْمَة وَأما أَن يظنّ أَن من دخله كَانَ آمنا من عَذَاب الله مَعَ تَركه الْفَرَائِض واتخاذه الأنداد من دون الله فخلاف إِجْمَاع الْمُسلمين

стр. 285

فصل هَل تجوز الصَّلَاة على غير النَّبِي ﷺ الْإِفْرَاد مثل اللَّهُمَّ صل على أبي بكر أَو عمر أَو عَليّ ﵃ فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَطَائِفَة من الْحَنَابِلَة إِلَى أَن لَا يُصَلِّي على غير النَّبِي ﷺ مُفردا وَذهب الإِمَام أَحْمد وَأكْثر أَصْحَابه إِلَى أَنه لَا بَأْس بذلك لِأَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ لعمر بن الْخطاب ﷺ وَهَذَا أصح وَأولى لَكِن إِفْرَاد وَاحِد من الصَّحَابَة ﵃ أَو من الْقَرَابَة كعلي بِالصَّلَاةِ دون غَيره مضاهاة للنَّبِي ﷺ بِحَيْثُ يَجْعَل ذَلِك شعارا مَقْرُونا باسمه هُوَ بِدعَة سُؤال فِي خطْبَة بَين صَلَاتَيْنِ كِلَاهُمَا لوَقْتهَا فِي سَاعَة مشكلة الْعين وَاعْتِبَار الشَّرْط فِيهَا كَمَا فِي غَيرهَا من هَيْئَة الدّين كالطهر والسترة وَالْوَقْت والقبلة أَيْضا بِالتَّأْذِينِ الْجَواب هَذِه الْمَسْأَلَة قد تنزل على عدَّة مسَائِل بَعْضهَا مُتَّفق عَلَيْهِ وَبَعضهَا متنازع فِيهِ مِنْهَا إِذا اجْتمع عيد وجمعة فَمن قَالَ إِن الْعِيد فرض يَقُول إِن خطْبَة الْجُمُعَة هِيَ خطْبَة بَين صَلَاتَيْنِ كِلَاهُمَا فرض بِخِلَاف خطْبَة الْعِيد فَإِنَّهُ يَقُول لَيست فرضا وَإِمَّا أَن ينزل على مَا إِذا عقدت جمعتان فِي مَوضِع فَلَا تصح فِيهِ جمعتان فَإِنَّهُ تصح الأولى وَتبطل الثَّانِيَة إِذا كَانَتَا بِإِذن الإِمَام فَإِن أشكل عين السَّابِق بطلتا جَمِيعًا وصلوا ظهرا فَإِن الْخطْبَة الَّتِي قبل الثَّانِيَة إِذا كَانَتَا بِإِذن الإِمَام قد

стр. 286

أذن فِي كل مِنْهُمَا واعتقدوا أَن الْجُمُعَة لَا تقم عِنْدهم فكلاهما يعْتَقد أَن جمعته فرض وَيُمكن أَن يُرِيد السَّائِل الْفجْر وَالْجُمُعَة فَإِن الْفجْر فرض وَقتهَا وَالْجُمُعَة فرض وَقتهَا وَبَينهمَا خطْبَة وَيُمكن أَن يُرِيد السَّائِل خطْبَة الْحَج فَإِن خطْبَة عَرَفَة تكون بَين الصَّلَاة بِعَرَفَة وَبَين صَلَاة الْمغرب فكلاهما فرض وَالْخطْبَة يَوْم النَّحْر تكون بعد الْفجْر وَالظّهْر وَكِلَاهُمَا فرض فصل دم الْمَنْفَعَة دم نسك وَهدى وَهُوَ مِمَّا وسع الله فِيهِ على الْمُسلمين فأباح لَهُم التَّحَلُّل فِي أثْنَاء الْإِحْرَام وَعَلَيْهِم مَا استبشر من الْهدى لما فِي اسْتِمْرَار الْإِحْرَام من الْمَشَقَّة فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْقصر فِي السّفر وَالْفطر وَالْمسح فَهُوَ أفضل وَلأَجل ذَلِك من سنّ لَهُم الْأكل مِنْهُ فقد أكل رَسُول الله ﷺ من هَدِيَّة وَأطْعم نِسَاءَهُ من الْهدى ذبحه عَنْهُن وَكن متمتعات وَهُوَ كَانَ مُتَمَتِّعا التَّمَتُّع الْعَام فَدلَّ على اسْتِحْبَاب الْأكل من هدى التَّمَتُّع وَدم الْجِيرَان لَيْسَ كَذَلِك وَأَيْضًا فَهُوَ بِسَبَب فعل مَحْظُور كَالْوَطْءِ وَفعل الْمَحْظُورَات أَو ترك الْوَاجِبَات والتمتع جَائِز مُطلقًا فَلَا يقْدَح دم التَّمَتُّع فِيهِ ويجعله مفضولا وَالْهدى وَإِن كَانَ بَدَلا عَن ترفهه لسُقُوط أحد السفرين فَهُوَ أفضل لمن جمع بَينهمَا وَقدم فِي أشهر الْحَج من أَن يَأْتِي بِحَجّ مُفْرد يعْتَبر عَقِيبه وَالْبدل يكون وَاجِبا كَالْجُمُعَةِ وكاليتيم للعاجز عَن اسْتِعْمَال المَاء فَإِن الْجُمُعَة وَالتَّيَمُّم وَاجِب عَلَيْهِ وَهُوَ بدل فَإِذا جَازَ كَون الْبَدَل وَاجِبا فكونه مُسْتَحبا أولى بِالْجَوَازِ وَكَذَلِكَ الْمَرِيض وَالْمُسَافر يسْتَحبّ لَهما أَن يفطرا ويقضيا وَالْقَضَاء بدل وتحلل الْإِحْلَال لَا يمْنَع أَن يكون الْجمع بِمَنْزِلَة الْعِبَادَة الْوَاحِدَة كطواف

стр. 287

الْفَرْض فَإِنَّهُ من تَمام الْحَج بالِاتِّفَاقِ وَلَا يفعل المتحلل الأول وكرمي الْجمار فانه من تَمام الْحَج وَإِذا طَاف قبل ذَلِك فقد رمى بعد الْحلَل التَّام وَهُوَ السّنة كَمَا فعله النَّبِي ﷺ وَصَوْم رَمَضَان يَتَخَلَّل صِيَام أَيَّامه فطر اللَّيْل فصل لم يخْتَلف النَّقْل عَن النَّبِي ﷺ وَلَا عَن أحد من أهل الْعلم أَنه ﷺ أَمر أَصْحَابه بِفَسْخ الْحَج إِلَى الْعمرَة وَأَنه أَمرهم إِذا طافوا بِالْبَيْتِ وبالصفا والمروة أَن يحلوا من إحرامهم فَهُوَ مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيث وَلم يَخْتَلِفُوا أَنه ﷺ لم يعْتَمر بعد حجَّة ﷺ وَلَا أحد من أَصْحَابه ﵃ إِلَّا عَائِشَة رصي الله عَنْهَا لَكِن تنازعوا فِي إِحْرَامه هَل كَانَ مُتَمَتِّعا أَو قَارنا أَو مُفردا أَو أحرم مُطلقًا واضطربت عَلَيْهِم الْأَحَادِيث وَهِي بِحَمْد الله متفقة لمن فيهم مرادها وَالْمَنْصُوص على أَحْمد أَنه كَانَ قَارنا وَهُوَ قَول إِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ وَغَيره وَهُوَ الصَّوَاب وَأول من أدعى أَنه ﷺ التَّمَتُّع الْخَاص القَاضِي أَبُو يعلى ثمَّ الَّذين قَالُوا إِنَّه كَانَ مُتَمَتِّعا على قَوْلَيْنِ أضعفهما أَنه حل من إِحْرَامه مَعَ سوقه الْهدى وحملوا الْهدى على أَن الْمُتْعَة كَانَت خَاصَّة وَأَنَّهُمْ حلوا من الْإِحْرَام مَعَ سوى الْهدى وَهَذِه طَريقَة القَاضِي وَهِي مُنكرَة عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء القَوْل الثَّانِي أَنه تمتّع بِمَعْنى أَنه أحرم بِالْعُمْرَةِ وَلم يحل لسوق الْهدى

стр. 288

وَأحرم بِالْحَجِّ بعد أَن طَاف وسعى للْعُمْرَة وَهِي طَريقَة الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْمَقْدِسِي وَقد يسمون هَذَا قَارنا وَأما الشَّافِعِي فَقَالَ تَارَة إِنَّه أفرد وَتارَة إِنَّه تمتّع إِنَّه أحرم مُطلقًا وَأحمد يَقُول من روى الْإِفْرَاد كعائشة وَابْن عمر لكَونه أحفظ وَجَابِر قَالَ وَظن أَن الْأَحَادِيث فِيهَا مَا يُخَالف بعضة بَعْضًا خطأ فَإِن قَالَ قَائِل فَمن أَيْن أثبت حَدِيث عَائِشَة وَجَابِر وَابْن عمر ﵃ وَفِي الصَّحَابَة من قَالَ قرن قيل لتقدم صُحْبَة جَابر وَحسن سياقته لحجة رَسُول الله ﷺ ولفضل حفظ عَائِشَة ولقرب ابْن عمر مِنْهُ قلت وَالصَّوَاب أَن الْأَحَادِيث متفقة الْإِسْنَاد إِلَّا شَيْئا يَسِيرا وَالِاخْتِلَاف يَقع مثله فِي غير ذَلِك فقد كَانَ عُثْمَان ﵁ ينْهَى عَن الْمُتْعَة وَكَانَ على ﵁ يَأْمر بهَا فَقَالَ عَليّ ﵁ لقد علمت أَنا تَمَتعنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ عُثْمَان أجل وَلَكِن كُنَّا خَائِفين فقد اتّفق عُثْمَان وَعلي ﵄ أَنهم تمَتَّعُوا مَعَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الصَّحِيح وَقَول عُثْمَان ﵁ كُنَّا خَائِفين فَإِنَّهُم مَا كَانُوا خَائِفين إِلَّا فِي عمْرَة الْقَضِيَّة وَكَانُوا اعتمروا فِي أشهر الْحَج وكل من اعْتَمر فِي أشهر الْحَج يُسمى مُتَمَتِّعا والناهون عَن الْمُتْعَة كَانُوا ينهون عَن الْعمرَة فِي أشهر الْحَج مُطلقًا فَفِي الصَّحِيح عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ لما بلغه أَن مُعَاوِيَة ﵁ نهى عَن الْمُتْعَة قَالَ فعلناها مَعَ رَسُول الله ﷺ وَهَذَا كَافِر بالعرش يَعْنِي مُعَاوِيَة

стр. 289

وَمَعْلُوم أَن مُعَاوِيَة ﵁ كَانَ مُسلما فِي حجَّة الْوَدَاع بل وَفِي عمْرَة الْجِعِرَّانَة عَام الْفَتْح وَلَكِن فِي عمْرَة الْقَضِيَّة كَانَ كَافِرًا بالعرش بِمَكَّة فقد سمى سعد ﵁ عمْرَة الْقَضِيَّة وَكَانُوا خَائِفين أَيْضا عَام الْفَتْح أما عَام حجَّة الْوَدَاع فَكَانُوا آمِنين وَلِهَذَا قَالُوا صلينَا مَعَ رَسُول الله ﷺ بمنى آمن مَا كَانَ النَّاس رَكْعَتَيْنِ فَلَعَلَّهُ قد اشْتبهَ حَالهم هَذَا الْعَام بحالهم ذَاك الْعَام كَمَا اشْتبهَ على من روى أَنه نهى عَن مُتْعَة النِّسَاء فِي حجَّة الْوَدَاع وَإِنَّمَا كَانَ النَّهْي عَنْهُمَا فِي غزَاة الْفَتْح وكما ظن بَعضهم أَن النَّبِي ﷺ دخل الْكَعْبَة فِي حج أَو عمْرَة وَإِنَّمَا دَخلهَا عَام الْفَتْح وَلم يقل أحد إِنَّه دَخلهَا فِي حج وَلَا عمْرَة أَو يكون مُرَاد عُثْمَان ﵁ أَن غَالب أهل الأَرْض كَانُوا كفَّارًا مخالفين لنا والآن فقد فتحت الأَرْض فَيمكن الْإِنْسَان أَن يذهب إِلَى مقرة ثمَّ يرجع لعمرة وَهَذَا لم يكن مُمكنا فِي حجَّة الْوَدَاع لمن كَانَ مجاور الْعَدو بِالشَّام وَالْعراق ومصر وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن مطرف بن عبد الله بن الشخير قَالَ قَالَ لي عمرَان بن حُصَيْن ﵁ أحَدثك حَدِيثا لَعَلَّ الله ينفعك بِهِ إِن رَسُول الله ﷺ جمع بَين حجَّته وعمرته ثمَّ إِنَّه لم ينع عَنهُ حَتَّى مَاتَ وَلم ينزل فِيهِ قُرْآن يحرمه وَفِي رِوَايَة تمتّع رَسُول الله ﷺ وتمتعنا مَعَه فَهَذَا عمرَان بن حُصَيْن من أجل السَّابِقين الْأَوَّلين أخبر أَنه تمتّع وَأَنه جمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة وَفِي مُسلم عَن غنيم بن قيس قَالَ سَأَلت سعد بن أبي وَقاص ﵁ عَن الْمُتْعَة فِي الْحَج فَقَالَ فعلناها وَهَذَا كَافِر بالعرش يَعْنِي مُعَاوِيَة وَهُوَ إِنَّمَا كَانَ كَافِرًا فِي عمْرَة الْقَضِيَّة

стр. 290

فَكَانَ السَّابِقُونَ ينهون عَن الِاعْتِمَاد فِي أشهر الْحَج فَصَارَ الصَّحَابَة ﵃ يوردون السّنة فِي ذَلِك ردا على من نهى عَن ذَلِك فالقارن عِنْدهم متمتع وَلِهَذَا وَجب على الْقَارِن أَن يهدي هَديا وَدخل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج﴾ وَفِي البخار عَن عمر ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أَتَانِي آتٍ من رَبِّي فَقَالَ صل فِي هَذَا الْوَادي الْمُبَارك وَاديا لعتيق وَقل عمْرَة فِي حجَّة فَهَذِهِ الْأَحَادِيث صَرِيحَة فِي أَنه ﷺ كَانَ قَارنا بِلَا شكّ والقارن يسمونه مُتَمَتِّعا وَفِي الصحيحن عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة قَالَ بكر فَحَدِيث ابْن عمر قَالَ لبّى بِالْحَجِّ وَحده فَلَقِيت أنسا فَقَالَ ﵁ مَا يعدونا إِلَّا صبيانا سَمِعت رَسُول الله ﷺ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة جَمِيعًا وَقد روى الثِّقَات مثل سَالم روى عَن ابْن عمر أَنه قَالَ تمتّع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ بِالْعُمْرَةِ وَالْحج وَهَؤُلَاء أثبت عَن ابْن عمر من بكر وَغلط بكر أولى من غلط سَالم على أَبِيه وتغليطه هُوَ على النَّبِي ﷺ ونسبته إِلَى ابْن عمر ﵄ أَنه قَالَ لَهُ أفرد الْحَج فَظن هُوَ أَنه قَالَ لبّى بِالْحَجِّ فَإِنَّهُم كَانُوا يطلقون إِفْرَاد الْحَج ويريدون إِفْرَاد أَعماله وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن سَالم عَن أَبِيه ﵄ قَالَ تمتّع رَسُول الله ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج قَالَ الزُّهْرِيّ وحَدثني عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ بِمثل حَدِيث سَالم عَن أَبِيه فَهَذَا أصبح حَدِيث على وَجه الأَرْض

стр. 291

وَثَبت عَنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ اعْتَمر أَربع عمر الرَّابِعَة مَعَ حجَّته وَلم يعْتَمر بعد حجَّته بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَتعين أَن يكون كَانَ تمتّع قرَان وَأما الَّذين نقلوا أَنه أفرد فيهم ثَلَاثَة عَائِشَة وَابْن عمر وَجَابِر ﵃ وَالثَّلَاثَة نقل عَنْهُم أَنهم كَانُوا يتمتعون وَحَدِيث عَائِشَة وَابْن عمر ﵄ أَنه تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج أصح من حَدِيثهمَا أَنه أفرد الْحَج وَلَئِن صَحَّ ذَلِك عَنْهُمَا فَمَعْنَاه إِفْرَاد أَعمال الْحَج وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه أَمر أَزوَاجه أَن يتحللن عَام حجَّة الْوَدَاع قَالَت حَفْصَة ﵂ لرَسُول الله ﷺ فَمَا مَنعك أَن تحل قَالَ إِنِّي لبدت رَأْسِي وقلدت هَدْيِي فَلَا أحل حَتَّى أنحر وَفِي حَدِيث عَائِشَة وَابْن عمر ﵁ فَطَافَ بالصفا وَطَاف بالمروة ثمَّ لم يحل من شَيْء حرم مِنْهُ حَتَّى قضى حجَّة وَنحر هَدْيه يَوْم النَّحْر وأفاض بالمروة ثمَّ لم يحل من شَيْء حرم مِنْهُ حَتَّى قضى حجه وَنحر هَدْيه يَوْم النَّحْر وأفاض بِالْبَيْتِ ثمَّ حل من كل شَيْء وَفِي رِوَايَة قَالَت حَفْصَة ﵂ لرَسُول الله ﷺ مَا شَأْن النَّاس حلوا وَلم تحل أَنْت من عمرتك فَقَالَ إِنِّي لبدت رَأْسِي وقلدت هَدْيِي فَلَا أحل حَتَّى أنحر فَهَذَا يدل على أَنه ﷺ كَانَ مُعْتَمِرًا وَلَيْسَ فِيهِ أَنه لم يكن مَعَ الْعمرَة حَاجا فقد تبين أَن الرِّوَايَات الْكَثِيرَة الثَّابِتَة عَن ابْن عمر وَعَائِشَة ﵃ توَافق مَا نَقله سَائِر الصَّحَابَة أَنه ﷺ كَانَ مُتَمَتِّعا التَّمَتُّع الْعَام وَمن قَالَ إِنَّه أحرم مُطلقًا يحْتَج بِحَدِيث مُرْسل فَلَا يُعَارض هَذِه الْأَحَادِيث الثَّابِتَة فقد تبين أَن من قَالَ إِنَّه أفرد الْحَج وَأَرَادَ أَنه آعتمر بعد حجَّة كَمَا يَظُنّهُ بعض المتفقهة فَهَذَا مخطىء بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَأَن من قَالَ أفرد الْحَج بِمَعْنى أَنه

стр. 292

لم يَأْتِ مَعَ حجه بِعُمْرَة فقد اعتقده بعض الْعلمَاء فَهُوَ غلط لأَنهم اتَّفقُوا على أَنه اعْتَمر أَربع عمر الرَّابِعَة مَعَ حجه وَمن قَالَ إِنَّه أحرم إحراما مُطلقًا فَقَوله غلط لم ينْقل عَن أحد من الصَّحَابَة وَمن قَالَ إِنَّه تمتّع بِمَعْنى أَنه حل من إِحْرَامه فَهُوَ أَيْضا مخطىء بِاتِّفَاق الْعلمَاء العارفين بالأحاديث وَمن قَالَ إِنَّه قرن بِمَعْنى أَنه طَاف طوافين وسعى سعيين فقد غلط أَيْضا وَلم ينْقل ذَلِك أحد من الصَّحَابَة ﵃ عَن النَّبِي ﷺ فالغلط وَقع مِمَّن هُوَ دون الصَّحَابَة مِمَّن لم يفهم كَلَامهم وَأما الصَّحَابَة ﵃ فنقولهم متفقة وَمِمَّا يبين أَنه لم يطف طوافين وَلَا سعى سعيين لَا هُوَ وَلَا أَصْحَابه مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ من كَانَ مَعَه هدى فليهل بِالْحَجِّ مَعَ الْعمرَة ثمَّ لَا يحل حَتَّى يحل مِنْهُمَا جَمِيعًا وَقَالَت فِيهِ فَطَافَ الَّذين كَانُوا أهلوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة ثمَّ حَلقُوا ثمَّ طافوا آخر بعد أَن رجعُوا لحجهم وَأما الَّذين جمعُوا الْحَج وَالْعمْرَة فَإِنَّمَا طافوا طَوافا وَاحِدًا وَفِي مُسلم عَنَّا أَنَّهَا قَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ يَوْم يسعك طوافك لحجك وعمرتك فَأَبت فبعثها مَعَ أَخِيهَا عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر إِلَى اتنعيم فاعتمرت بعد الْحَج وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسّنَن أَنه قَالَ لَهَا يسعك طوافك لحجك وعمرتك يَكْفِيك طوافك لحجك وعمرتك وَقد حللت من حجك وعمرتك جَمِيعًا قَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي أجد فِي نَفسِي أَنِّي لم أطف بِالْبَيْتِ حَتَّى حججْت قَالَ فَاذْهَبْ بهَا يَا عبد الرَّحْمَن فأعمرها من التَّنْعِيم وَذَلِكَ لَيْلَة الحصبة فقد أخْبرت أَن الَّذين قرنوا لم يطوفوا بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة إِلَّا الطّواف

стр. 293

الأولى الَّذِي طافه المتمتعون أَولا وَأَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهَا يسعك طوافك لحجك وعمرتك فَدلَّ على أَنَّهَا كَانَت قارنة وَأَنه أجزأها طواف وَاحِد وسعي وَاحِد كالمفرد لَا سِيمَا وَهِي لم تطف أَولا طواف قدم بل وَلم تطف إِلَّا بعد التَّعْرِيف وسعت مَعَ ذَلِك وَإِذا كَانَ طواف الْإِفَاضَة وَالسَّعْي بعده يَكْفِي الْقَارِن فَلِأَن يَكْفِيهِ طواف الْقدوم مَعَ طواف الْإِفَاضَة وسعى وَاحِد مَعَ أَحدهمَا بطرِيق الأولى وَقد صحّح عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ دخلت الْعمرَة فِي الْحَج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِذا دخلت الْعمرَة فِي الْحَج لم يحْتَج إِلَى عمل زَائِد لَهَا فقد تبين أَن من سَاق الْهدى فالقرآن لَهُ أفضل وَمن لم يسْبق الْهدى فالتمتع لَهُ أفضل كَمَا عَلَيْهِ عَامَّة أَصْحَاب الحَدِيث كأحمد وَغَيره وَالله أعلم فصل قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل هَذِه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله على بَصِيرَة أَنا وَمن اتبعني﴾ فالدعوة إِلَى الله هِيَ الدعْوَة إِلَى الْإِيمَان بِهِ وَبِمَا جَاءَت بِهِ رسله وَذَلِكَ يتَضَمَّن الدعْوَة إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَحج الْبَيْت وَالْإِيمَان بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله والبعث بعد الْمَوْت والايمان بِالْقدرِ خَيره وشره والدعوة إِلَى أَن يعبد العَبْد ربه كَأَنَّهُ يرَاهُ فَإِن الدَّرَجَات الثَّلَاث وَهِي الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْإِحْسَان دَاخِلَة فِي الدّين وأصل الدّين عبَادَة الله وَحده لَا شريك لَهُ كَمَا اتّفق على ذَلِك جَمِيع الرُّسُل قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون﴾

стр. 294

فالدين وَاحِد وَإِنَّمَا تنوعت شرائع الْأَنْبِيَاء ومناهجهم قَالَ تَعَالَى ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ فالرسل متفقون فِي الدّين الْجَامِع لِلْأُصُولِ الاعتقادية والعملية فالاعتقادية الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله وَالْيَوْم الآخر والعملية كأعمال الْعِبَادَة الْعَامَّة الْمَذْكُورَة فِي سور الْأَنْعَام والأعراف وَبني إِسْرَائِيل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿قل تَعَالَوْا أتل مَا حرم ربكُم عَلَيْكُم﴾ إِلَى آخر الْآيَات الثَّلَاث وَقَوله ﵎ ﴿وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ إِلَى آخر الْوَصَايَا وَقَوله ﴿قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد﴾ وَقَوله ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق﴾ فالدعوة إِلَى الله الْأَمر بِعِبَادَتِهِ وَحب كل مَا أحبه وَمن أحبه وبغض كل مَا أبغضه الله وَرَسُوله من بَاطِن وَظَاهر فَمن الدعْوَة إِلَى الله النهى عَمَّا نهى عَنهُ ولاتتم الدعْوَة إِلَى الله إِلَّا بذلك سَوَاء كَانَ من الْأَقْوَال الْبَاطِنَة أَو الظَّاهِرَة أَو من الْأَعْمَال الْبَاطِنَة أَو الظَّاهِرَة كالتصديق بِمَا أخبر بِهِ الرَّسُول من أَسمَاء الله وَصِفَاته والمعاد وَمَا أخبر بِهِ عَن ساذر الْمَخْلُوقَات كالعرش والكرسي وَالْمَلَائِكَة والأنبياء السَّابِقين وأممهم وأعدائهم كإخلاص الدّين لله وَأَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وكالتوكل عَلَيْهِ والرجاء لِرَحْمَتِهِ وخشية غَضَبه وعذابه وَالصَّبْر لحكمه وأمثال ذَلِك وكصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وَالْوَفَاء بالعهد وصلَة الْأَرْحَام وَحسن الْجوَار وكالجهاد فِي سَبِيل الله بِالْقَلْبِ وَالْبدن وَاللِّسَان إِذا تبين ذَلِك فالدعوة إِلَى الله وَاجِبَة على من اتبع الرَّسُول ﷺ على طَرِيقه وهم أمته الَّذين يدعونَ إِلَى الله تَعَالَى كَمَا دَعَا هُوَ إِلَيْهِ ويتناول الْأَمر بِكُل مَعْرُوف والنهى عَن كل مُنكر كَمَا وَصفهم الله تَعَالَى بقوله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾

стр. 295

وَهَذَا وَاجِب كفائى على كل الْأمة إِن قَامَ بِهِ طاذفة سقط عَن البَاقِينَ فمجموع أمته تقوم فِي الدعْوَة إِلَى الله تَعَالَى وَلِهَذَا كَانَ إِجْمَاعهم حجَّة قَاطِعَة فَلَا تَجْتَمِع أمته على ضَلَالَة وكل وَاحِد من الْأمة يجب عَلَيْهِ أَن يقوم من الدعْوَة بِمَا يقدر عَلَيْهِ إِذا لم يقم بِهِ غَيره فَيجب على كل من يقدر على شئ أَن يَدْعُو إِلَيْهِ من تَعْلِيم الْعلم وَالْجهَاد وَالْعَمَل وتبيين الْأَمر وَغير ذَلِك والدعوة إِلَى الله هِيَ الدعْوَة إِلَى سَبيله وسبيله ﷺ تَصْدِيقه فِيمَا أخبر وطاعته فِيمَا أَمر وَقد تبين أَنَّهُمَا واجبان على كل فَرد من أَفْرَاد الْمُسلمين وجوب فرض الْكِفَايَة وَالْقِيَام بِالْوَاجِبِ من الدعْوَة والواجبة وَغَيرهَا بِثَلَاثَة شُرُوط كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث يَنْبَغِي لمن أَمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْمُنكر أَن يكون فقهيا فِيمَا يَأْمر بِهِ فَقِيها فِيمَا ينْهَى عَنهُ رَفِيقًا فِيمَا يَأْمر بِهِ وفيقا ينْهَى عَنهُ حَلِيمًا فِيمَا يَأْمر بِهِ حَلِيمًا فِيمَا ينْهَى عَنهُ فالتفقه ليعرف بِهِ والرفق ليسلك بِهِ وَهُوَ أقرب الطّرق تَحْصِيل الْمَقْصُود والحلم ليصير على الْأَذَى فكثيرا مَا يحصل لَهُ الْأَذَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿واصبر على مَا أَصَابَك﴾ بعد أَن قَالَ ﴿وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَن الْمُنكر﴾ وَقَوله تَعَالَى لنَبيه ﴿ولربك فاصبر﴾ وَقَوله ﴿واصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن وَالسّنة وَلَكِن للآنر أَن يدْفع عَن نَفسه فَإِذا أَرَادَ الْمَأْمُور أَن يُؤْذِيه فَلهُ أَن يدْفع أَذَاهُ عننفسه قبل الْإِيقَاع بِهِ أما بعد وُقُوع الْأَذَى وَالتَّوْبَة فيصبر ويحلم والكمال حَال نَبينَا ﷺ فقد ثَبت أَنه مَا انتقم لنَفسِهِ وَلَا ضرب خَادِمًا وَلَا زَوْجَة وَلَا دَابَّة وَلَا نيل مِنْهُ فانتقم لنَفسِهِ إِلَّا أَن

стр. 296

تنتهك حرمكات الله فَإِذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شئ حَتَّى ينْتَقم لله فالآمر الناهي إِذا نيل مِنْهُ ثمَّ تَابَ الْمَأْمُور الَّذِي قدنال مِنْهُ وَقبل الْحق فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يقْتَصّ مِنْهُ ويعقب على أَذَاهُ فَإِنَّهُ قد سقط عَنهُ بِالتَّوْبَةِ كَمَا تسْقط عَن الْكَافِر إِذا اسْلَمْ حُقُوق الله وَلم يضمن مَا أتْلفه للْمُسلمين من الدِّمَاء وَالْأَمْوَال بل أجر الْمُسلمين عَليّ الله وَلَو أسلم وَبِيَدِهِ مَال للْمُسلمين كَانَ ملكا لَهُ عِنْد الْجُمْهُور وَهُوَ الَّذِي مَضَت بِهِ السّنة وَفِي الحَدِيث الْإِسْلَام يهدم مَا كَانَ قبله وَالتَّوْبَة تهدم مَا كَانَ قبلهَا أما إِذا كَانَ الْمَأْمُور المنهى مستحلا لأَذى الْآمِر كالرافضى وَغَيره الَّذِي يسب الصَّحَابَة ويكفرهم فَإِذا تَابَ من هَذَا الِاعْتِقَاد وَصَارَ يُحِبهُمْ لم يبْق لَهُم قبله حق بل دخل حَقهم فِي حق الله تَعَالَى وَلِهَذَا كَانَ أصح قولى الْعلمَاء أَن أهل البغى لَا يضمنُون مَا أتلفوه عَليّ أهل الْعدْل وَكَذَلِكَ الْمُرْتَد وَهَذَا بِخِلَاف شَأْن من يعْتَقد أَن مَا يَفْعَله بغى وعدوان كَالْمُسلمِ إِذا ظلم الْمُسلم وَالْمُرْتَدّ الَّذِي أتلف مَالا لمُسلم وَلَيْسَ بمحارب بل هُوَ فِي الظَّاهِر مُسلم أَو معاهد فَإِن هَؤُلَاءِ يضمنُون مَا أتلفوه بالِاتِّفَاقِ فَمن اعْتقد أذي الآخر بِتَأْوِيل فَهُوَ من المتأولين وَحقّ الْآمِر الناهى دَاخل فِي حق الله تَعَالَى فَإِذا تَابَ سقط عَنهُ الحقان فَهُوَ كالحاكم إِذا اجْتهد فَأَخْطَأَ وكالمفتى وكالشاهد إِذا اجتهدوا فأخطأوا وَقد يُقَال إِنَّه سقط عَنهُ الْجَزَاء على وَجه الْقصاص الَّذِي يجب فِي الْعمد لَا فِي الْخَطَأ كَمَا تجب وكما يجب ضَمَان الْأَمْوَال الَّتِي يتلفها الصّبيان والمجانين وَالْقَاتِل خطأ الدِّيَة على عَاقِلَته وَكَذَلِكَ هَذَا الَّذِي ظلم خطأ لَكِن يُقَال الْفرق بَين مَا كَانَ حَقًا لله وَحقّ الآدمى تبع لَهُ أَو مَا كَانَ حَقًا لآدمى مَحْضا أَو غَالِبا وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْجهَاد من هَذَا

стр. 297

الْبَاب مُوَافق لقَوْل الْجُمْهُور الَّذين يوجبون عَليّ أهل البغى ضَمَان مَا أتلفوه لأهل الْعدْل بالتأويل فَهَذَا من با الِاجْتِهَاد الَّذِي يَقع فِيهِ الْأجر عَليّ الله تَعَالَى وَهَذَا مَا يتَعَلَّق بِالْعَبدِ الْآمِر الناهي وَالْإِنْسَان قد تزين لَهُ نَفسه أَن عَفوه عَن ظالمه ذل فَتلْزمهُ أَن لَا بُد أَن يجْزِيه عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك فقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ فِي صَحِيح ميلم ثَلَاث إِن كنت لحافا عَلَيْهِنَّ مَا زَاد الله عبدا بالغفو إِلَّا عزا وَمَا نقصت صَدَقَة من مَال وَمَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه فَالَّذِي يَنْبَغِي للانسان أَن يعْفُو عَن حَقه ويتوقى حُدُود الله تَعَالَى بِحَسب الْإِمْكَان قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين إِذا أَصَابَهُم الْبَغي هم ينتصرون﴾ قَالَ النَّخعِيّ كَانُوا يكْرهُونَ أَن يسذلوا فَإِذا قدرُوا عفوا قَالَ الله تَعَالَى ﴿هم ينتصرون﴾ يمدحهم بِأَن فيهم همة الِانْتِصَار للحق وَالْحمية لَيْسُوا بِمَنْزِلَة الَّذين يعفون عَجزا وذلا بل هَذَا مِمَّا قد ذمّ بِهِ الرجل

стр. 298

فصل الصّفة الَّتِي كَانَت شمَالي الْمَسْجِد كَانَ ينزلها الْمُهَاجِرُونَ الْفُقَرَاء فَمن تأهل مِنْهُم أَو سَافر أَو خرج غازيا خرج مِنْهَا وَقد كَانُوا يكونُونَ فِي الْوَقْت الْوَاحِد سبعين أَو أقل أَو أَكثر وَمِنْهُم سعد بن أبي وَقاص وَأَبُو هُرَيْرَة وخبيب وسلمان الْفَارِسِي وَغَيرهم ﵃ وَقد جمع أَبُو عبد الرَّحْمَن السلمى تاريخهم وهم نَحْو سِتّمائَة أَو سَبْعمِائة أَو غير ذَلِك وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين أَنهم كَانُوا كَافِرين جاهلين بِاللَّه وَرَسُوله حَتَّى هدَاهُم الله بكتابه وَرَسُوله مُحَمَّد ﷺ وَبعد الْإِسْلَام كَانَ غَيرهم مِمَّن لَيْسَ من أهل الصّفة كَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ أعلم بِاللَّه مِنْهُم وَأعظم يَقِينا من عامتهم وَكَانُوا من أعظم النَّاس جهادا مَعَ رَسُول الله ﷺ كَمَا وَصفهم الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ هم الصادقون وَالَّذين تبوؤوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم يحبونَ من هَاجر إِلَيْهِم﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿للْفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض﴾ الْآيَة وَقتل مِنْهُم يَوْم بِئْر مَعُونَة سَبْعُونَ وهم الَّذين قنت رَسُول الله ﷺ على الَّذين قتلوهم وَأخْبرهُ جِبْرِيل عَنْهُم وَأما وَصفهم بنهم تتقى بهم المكاره وتسد بهم الثغور وَأَنَّهُمْ أول النَّاس ورودا على الْحَوْض وَأَنَّهُمْ الشعث رُءُوسًا الذنس ثيابًا الَّذين لَا ينْكحُونَ الْمُنَعَّمَاتِ وَلَا تفتح لَهُم أَبْوَاب السدد فَذَلِك لم يكن خَاصّا بِأَهْل الصّفة بل كَانَ الْخُلَفَاء الراشدون ﵃ وقواد الْمُسلمين من السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ﵃ كَذَلِك يقى الله بهم الْمُسلمين

стр. 299

المكاره وَلم يَكُونُوا مفتونين بزينة الدُّنْيَا وزخرفها الْكَاذِب ﵃ وَأما إِنَّهُم قبل مبعثه ﷺ كَانُوا مهتدين فعلى من قَالَ هَذَا لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ بل لَا خلاف أَنهم كَانُوا كَافِرين وَكَذَلِكَ من قَالَ إِنَّهُم عرفُوا مَا أوحاه الله إِلَى نبيه لَيْلَة الْمِعْرَاج فكذب مَلْعُون قَائِله والمعراج كَانَ بِمَكَّة وَالصّفة بِالْمَدِينَةِ بعد الْمِعْرَاج بِكَثِير وَكَذَلِكَ من يَقُول إِن عمر كَانَ يكون كالزنجي بَين النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وأنهما يتكلمان بمالا يفهم فكدب نعم كَانَ أَبُو بكر ﵁ أقرب النَّاس إِلَى النَّبِي ﷺ وأعلمهم بمراده لِأَنَّهُ لم يسْبقهُ إِلَى الاسلام وملازمة صَحبه النَّبِي ﷺ أحد قطّ وَكَذَلِكَ من يَقُول إِنَّه ﷺ قَالَ أَنا من الله والمؤمنون مني فكذب على قَائِله أَو مفتريه لَعنه الله وليتبوأ مَقْعَده من النَّار بل من اعْتقد صِحَة مَجْمُوع هَذِه الْأَحَادِيث وَجَبت استتابته فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَهَذَا كُله وَاضح عِنْد من عرف الله وَكَانَ مُؤمنا حَنِيفا وإنمات يَقع فِي هَذِه الجهالات من نقص علمه واستكبر على الْحق حَتَّى صَار بِمَنْزِلَة فِرْعَوْن وَالله علينما وَعَلَيْهِم شَهِيد ووكيل وحسيب فصل مَا روى أَن من وقف بِعَرَفَة غفر لَهُ ذنُوبه وَمن ظن أَنه لم يغْفر لَهُ فَلَا غفر الله لَهُ وَلَو مر بهَا راعي غنم غفر لَهُ وَإِن لم يعلم أَنه يَوْم عَرَفَة وَمَا نسبوه إِلَيّ الرَّسُول ﷺ من قَوْلهم وَمن حج وَلم يزرني فقد جفاني وَمن زارني وَجَبت لَهُ شَفَاعَتِي لَيْسَ مِنْهَا حَدِيث صَحِيح بل مِنْهَا مَا مَعْنَاهُ مُخَالف للسّنة فَإِنَّهُ لَو وقف

стр. 300

رجل خَائِف أَن الله لَا يغْفر لَهُ ذنُوبه لم يقل أحد إِن الله لَا يغفرله فَإِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا بِالتَّوْبَةِ وَيغْفر غير الشّرك لمن يَشَاء والمسلمون متفقون على أَن من وقف بِعَرَفَة لم يسْقط عَنهُ مَا وَجب عَلَيْهِ من صَلَاة وَزَكَاة وَكَذَلِكَ حُقُوق الْعباد من الْمُسلمين بل لم يثبت عَنهُ سُقُوط شئ من الْمَظَالِم بِالْوُقُوفِ بعوفة وجفاء النَّبِي ﷺ محرم وزيارة قَبره لَيست وَاجِبَة بِاتِّفَاق الْمُسلمين بل لم يثبت عَنهُ ﷺ حَدِيث وَاحِد فِي زِيَارَة قَبره وَيجوز الْحَج بِمَال يُؤْخَذ على وَجه النِّيَابَة اتِّفَاقًا أما عَليّ وَجه الْإِجَازَة فَفِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء وهما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد إِحْدَاهمَا يجوز كَمَا هُوَ عِنْد الشَّافِعِي وَالْآخر لَا يجوز كَمَا عِنْد أبي حنيفَة ثمَّ إِن كَانَ قَصده الْحَج أَو نفع الْمَيِّت كَانَ لَهُ فِي ذَلِك أجر وثواب وَإِن كَانَ لَيْسَ لَهُ مقصد إِلَّا أَخذ الْأُجْرَة فَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة من خلاق وَإِذا كَانَت الْمَرْأَة من الْقَوَاعِد وَقد يئست من النِّكَاح وَلَا محرم لَهَا فَيجوز لَهَا أَن تحج مَعَ من تأمنه فِي أحد قولي الْعلمَاء هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَمن اسْتَطَاعَ الْحَج بالزاد وَالرَّاحِلَة وَجب عَلَيْهِ الْحَج بِالْإِجْمَاع فَإِن خرج عقيب ذَلِك بِحَسب الْإِمْكَان وَمَات فِي الطَّرِيق وَقع أجره على الله وَمَات غير عَاص وَإِن كَانَ فرط ثمَّ خرج بعد ذَلِك وَمَات قبل الْحَج مَاتَ عَاصِيا وَله أجر مَا فعله وَلم يسْقط عَنهُ الْفَرْض بل يحجّ عَنهُ من حَيْثُ بلغ وَفِي أحد قولي الْعلمَاء لَا يكون هَديا إِلَّا ماسيق من الْحل إِلَى الْحَرَام وسوقه من الْمِيقَات أفضل من أدنى الْحل

стр. 301

كتاب اللبَاس هَذِه العمائم الَّتِي يلبسهَا النِّسَاء حرَام بِلَا ريب الَّتِي مثل أسنمة البخت لقَوْله ﷺ صنفان من أمتِي لم أرهما بعد نسَاء كاسيات عاريات على رءوسهن مثل أسنمة البخت الحَدِيث وَمَا رأى النَّبِي ﷺ أم سَلمَة تتعصب قَالَ لَهَا لية لَا ليتين وحياصة الذَّهَب مُحرمَة وَأما حياصة الْفضة فَفِيهَا نزاع وَأما كِتَابَة آيَة من الْقُرْآن عَلَيْهَا أَو على آلَات الْحَرْب فتشبه الْكِتَابَة على الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَلَكِن تمتاز لِأَنَّهُ يُعَاد إِلَى النَّار وَهَذَا كُله مَكْرُوه وَلبس الْحَرِير عِنْد ضَرُورَة الْقِتَال جَائِز إِذا كَانَ لَا يقوم غَيره مقَامه من دفع السِّلَاح وَأما لِبَاسه لإرهاب الْعَدو فَفِيهِ نزاع الْأَظْهر الْجَوَاز وَالْعلم الْحَرِير أَربع أَصَابِع جَائِز وَفِي الْعلم جَائِز وَفِي الْعلم الذَّهَب نزاع الْأَظْهر جَوَازه وَخَاتم الْفضة مُبَاح وَخَاتم الذَّهَب حرَام بِاتِّفَاق الْأَرْبَعَة على الرِّجَال وَتجوز تحلية السَّيْف بِيَسِير الْفضة وَفِي الذَّهَب خلاف وَالأَصَح جَوَازه وحيلة الحياصة بِيَسِير الْفضة جَائِز عَليّ الْأَصَح والكلاليب إِذا احْتِيجَ إِلَيْهَا وَكَانَت بزنة الْخَاتم كالمثقال وَنَحْوه صَحَّ فَهُوَ أولى من الْخَاتم

стр. 302

ويسير الذَّهَب التَّابِع لغيره كالطراز وَنَحْوه جَائِز فِي الْأَصَح من مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وقبع الْحَرِير حرَام عَليّ الرِّجَال إِجْمَاعًا وعَلى النِّسَاء لِأَنَّهُ لعن من تشبه من النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَأما الصّبيان فَفِيهِ قَولَانِ الْأَظْهر أَنه لَا يجوز وَمَا حرم لبسه لم يحل صناعته وَلَا بَيْعه لمن يلْبسهُ من أهل التَّحْرِيم وَلَا يخيط لمن يحرم عَلَيْهِ لبسه لما فِيهِ من الْإِعَانَة على الْإِثْم والعدوان فَهُوَ مثل الْإِعَانَة على الْفَوَاحِش وَلَا يُبَاع الْحَرِير لرجل يلْبسهُ أما بَيْعه للنِّسَاء فَجَائِز وَكَذَلِكَ بَيْعه لكَافِر لِأَن عمر ﵁ أرسل بحلة حيرير إِلَى رجل مُشْرك وَلَا يجوز أَن يُبَاع المسترسل رلا بالسعر الَّذِي يُبَاع بِهِ غَيره فَلَا يغبن بِالرِّيحِ غبنا يخرج عَن الْعَادة وَقدره بَعضهم بِالثُّلثِ وَبَعْضهمْ بالسدس بَعضهم بِمَا جرت بِهِ الْعَادة وَالرِّيح على المتماكسين يجوز ربحه على المسترسل المسترسل فسر بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يماكس بل يَقُول أَعْطِنِي وَبِأَنَّهُ الْجَاهِل يقيمة الْمَبِيع فَلَا يغبن غبنا فَاحِشا لَا هَذَا وَلَا هَذَا فَفِي الحَدِيث غين المسترسل رَبًّا وَمن علم أَنه يغبنهم يسْتَحق الْعقُوبَة بل يمْنَع من الْجُلُوس فِي سوق الْمُسلمين وللمغبون فسخ البيع ورده وَإِذا تَابَ هَذَا الْغبن وَلم يُمكنهُ رد الْمَظَالِم فليتصدق بِمِقْدَار مَا ظلمهم بِهِ عَنْهُم لتبرأ ذَنبه من ذَلِك وَكَذَلِكَ الْمُضْطَر وَمن لَا يجد حَاجته إِلَّا عِنْد شخص لَا يَبِعْهُ إِلَّا بِأَكْثَرَ من الرِّبْح الْمُعْتَاد يَنْبَغِي لَهُ يربح عَلَيْهِ مثل مَا يربح على غير الْمُضْطَر وَلَو كَانَت الضَّرُورَة

стр. 303

إِلَى مَالا بدمنه مثل أَن يضْطَر النَّاس إِلَيّ ماعنده من الطَّعَام واللباس فَيجب عَلَيْهِ أَن لَا يبيعهم إِلَّا بِالْقيمَةِ الْمَعْرُوفَة بِغَيْر اخْتِيَاره وَلَا يعطوه زِيَادَة على ذَلِك والصمت وملازمة لبس الصُّوف والتعري وَالْقِيَام فِي الشَّمْس أَو لبس الليف أَو أَن يغطى وَجهه أَو يمْتَنع من أكل الْخبز وَاللَّحم أَو شرب المَاء وَنَحْوه كُله بِدعَة مَرْدُودَة لَيست من الدّين فَإِن المبتدع لذَلِك قَصده أَن يعظمه النَّاس ويزار فَلَيْسَ عمله لله وَلَا صَوَابا بل هُوَ زغل وناقص بِمَنْزِلَة خِنْزِير ميت حرَام من وَجْهَيْن فَيجب الْإِنْكَار عَليّ أهل هَذِه الْبدع بِحسن قصد بجيث يكون الْمَقْصُود طَاعَة الله وَرَسُوله لَا اتِّبَاع الْهوى وَلَا مُنَافَسَة المريدين للعظمة وَطول الْقَمِيص وَسَائِر اللبَاس لَيْسَ لَهُ أَن يَجعله أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ

стр. 304

كتاب الْبيُوع من اشْترى عشرَة أَزوَاج بِثمن وَاحِد فقسم الثّمن على قدر كل وَاحِد مِنْهَا بِالْعَدْلِ وَأخْبرهُ بِصُورَة الْحَال فقد صدق وَمَتى ظهر الْمَبِيع مُسْتَحقّا فللمشترى أَن يرجع بِالثّمن عَليّ من قَبضه مِنْهُ أَو يُبدلهُ فَإِن كَانَ الْقَابِض غَائِبا إِذا قَامَت الْحجَّة وَسلم إِلَى الْمَحْكُوم لَهُ حَقه من مَال الغاذب مَعَ بَقَائِهِ على حجَّته وَمن اشْترى جَارِيَة فأبقت وَكَانَت مَعْرُوفَة بالإباق قبل ذَلِك وكتم البَائِع فَلِلْمُشْتَرِي أَن يُطَالب البَائِع بِالثّمن إِذا أبقت عِنْد المُشْتَرِي فِي أصح قولي الْعلمَاء كَمَا هُوَ مَذْهَب مَالك وَالْمَنْصُوص عَن أَحْمد وَفِي الْأُخْرَى يُطَالب بِالْأَرْشِ وَإِن حدث الْعَيْب فَلَا ردله إِلَّا عِنْد مَالك فانه قَالَ لَهُ الرَّد إِلَى تَمام ثَلَاثَة أَيَّام والبخس فِي الميكال وَالْمِيزَان من الْأَعْمَال الَّتِي أهلك الله بهَا قوم شُعَيْب والإصرار عَلَيْهِ من أعظم الكباذر وَيُؤْخَذ مِنْهُ مَا بخسه على طول الزَّمَان وَيصرف فِي مصَالح الْمُسلمين إِذا لم يُمكن إِعَادَته إِلَى أَصْحَابه وَالَّذِي بخس لغيره هُوَ من أخسر النَّاس صَفْقَة إِذْ بَاعَ آخرته بدنيا غَيره ولايحل أَن يَجْعَل بَين النَّاس وزانا يبخس أَو يحابي كَمَا لَا يحل أَن يكون بَينهم مقوم يحابي بِحَيْثُ يَكِيل أَو يزن أَو يقوم لمن يرجوه أَو يخَاف شَره أَو يكون لَهُ جاه وَنَحْوه بِخِلَاف مَا يَكِيل أَو يزن أَو يقوم لغيره أَو يظلم من يبغضه وَيزِيد من يُحِبهُ وَمن أعْتقهُ سَيّده وَهُوَ بطال وَله عائلة هَل يجوز بَيْعه أما البيع الشَّرْعِيّ فَلَا وَلَكِن إِذا انْضَمَّ إِلَيّ بعض الْمُلُوك أَو الْأُمَرَاء باسم مَمْلُوك فَيَجْعَلهُ من مماليكه الَّذين يعتقهم لَا يَتَمَلَّكهُ بِملك الأرقاء فَهَذَا يشبه

стр. 305

ملك السَّيِّد الأول فَإِن هَذَا الدي يَفْعَله هَؤُلَاءِ إِنَّمَا هُوَ بيع عادي وَإِطْلَاق عادي وَأكْثر المماليك ملك بَيت المَال وولاؤهم للْمُسلمين وَلَا بَأْس أَن ينضاف الْإِنْسَان إِلَيّ من يُعْطِيهِ حَقه وَعَلِيهِ طَاعَة من ولاه الله أمره وَلَا يطيعوا أحدا فِي مَعْصِيّة الله وَلَا يحل لأحد أَن يضمن من وُلَاة الْأُمُور أَن لَا يَبِيع الصِّنْف الْفُلَانِيّ إِلَّا هُوَ وَإِن كَانَ يَشْتَرِي بِمَال حَلَال جَازَ الشِّرَاء وَإِن اشْترى بِمَال من يَظْلمه فَهُوَ كالمغضوب وَحكمه ظَاهر وَإِن كَانَ أصل مَاله حَلَالا وَلَكِن ربح فِيهِ بِهَذِهِ الْمَعيشَة حَتَّى زَاد فقد صَار فِيهِ شُبْهَة إِن كَانَ الغلب حَلَالا جَازَ الشِّرَاء وَتَركه ورع وَإِن كَانَ الْغَالِب حَرَامًا فَهَل الشِّرَاء مِنْهُ حَلَال على وَجْهَيْن والنبات الَّذِي ينْبت بِغَيْر فعل الْآدَمِيّ كالكلأ ينبته الله فِي ملك الْإِنْسَان وَنَحْوه لَا يجوز بَيْعه فِي أحد قولي الْعلمَاء لَكِن إِن قصد صَاحب الأَرْض تَركهَا بِغَيْر زرع لينبت فِيهَا الْكلأ فَبيع هَذَا أسهل لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة استنباته وَإِذا دخل الْمُسلم إِلَى بِلَاد الْحَرْب بِغَيْر أَمَان فَاشْترى مِنْهُم أَوْلَادهم وَخرج إِلَى دَار الْإِسْلَام كَانُوا ملكا لَهُ بِاتِّفَاق وَله مَعَهم وَكَذَلِكَ إِن بَاعَ الْحَرْبِيّ نَفسه للْمُسلمين وَخَرجُوا بِهِ بل لَو أعْطى الحربيون أَوْلَادهم للْمُسلمين بِغَيْر ثمن وَخَرجُوا بهم ملكوهم وَكَذَا لَو سرقهم الْمُسلم أما لَو دخل بِأَمَان فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا لَهُ شِرَاء أَوْلَادهم وَالْآخر لَا يجوز وَكَذَلِكَ لَو هادن الْمُسلمُونَ أهل بَلْدَة فسباهم ثمَّ اعهم للْمُسلمين وَلَو قهر أهل الْحَرْب بَعضهم بَعْضًا أَو اشْترى بَعضهم بَعْضًا أَو سرقهم فوهبهم أَو باعهم للْمُسلمين ملكوهم

стр. 306

فصل فِيمَا يجوز بَيْعه ومالا يجوز إِذا اتّفق أهل السُّوق أَن لَا يزِيدُوا فِي سلْعَة لَهُم فِيهَا غَرَض ليشتريها أحدهم ويتقاسموها فَهَذَا يضر بِالْمُسْلِمين أَكثر من تلقى الركْبَان أما إِذا اتّفق اثْنَان وَفِي السُّوق من يزِيد فَلَا يحرم ذَلِك لِأَن بَاب المزايدة مَفْتُوح وَلَا يجوز أَن يطْلب بالسلعة ثمنا كثيرا ليغرى الْمُشْتَرى بهَا فَيدْفَع مَا يزِيد عَليّ قمتها إِذا كَانَ جَاهِلا بِالْقيمَةِ وَهل يلْزم الْوَكِيل عُهْدَة العقد إِذا سمى موكلا على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ وَإِن لم يسم طُولِبَ بدرك الْمَبِيع وَالْمَاء والكلأ الَّذين يكون فِي الأَرْض الْمُبَاحَة يجوز بَيْعه بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَلَا يجوز للْمَالِك أَن يزِيد فِي السّلْعَة فانه يكون ظَالِما ناجشا بل هُوَ أعظم من نجش الْأَجْنَبِيّ فَإِنَّهُ لَا يطْلب البيع أَي نجش الْأَجْنَبِيّ إِذا لم يواطئه رب السّلْعَة وَأما الباذع رذا ناجش أَو واطأ من يناجش فَفِي بطلَان البيع قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ وَلَا يجوز خلط المَاء بِاللَّبنِ لمن يُرِيد بَيْعه وَلَو أعلم بِهِ الْمُشْتَرى فَإِنَّهُ لَا يعلم قدر مَا شابه من المَاء والشريكان فِي الْعقار وَنَحْوه يجوز لكل وَاحِد أَن يُؤَاجر للْآخر ويؤاجره لغَيرهم ويتهايآينه بِالْمَكَانِ والزمانومن المتنع من المؤاجرة والمهايأة أجبر عَلَيْهَا وَعند جُمْهُور الْعلمَاء إِلَّا الشَّافِعِي فِي الْإِجْبَار على الْمُهَايَأَة أَقْوَال ثَلَاثَة مَعْرُوفَة

стр. 307

بَاب الرِّبَا الذَّهَب المخيش بِالْفِضَّةِ رذا علم مِقْدَار مَا فِيهِ من الْفضة وَالذَّهَب فَهَل يجوز بَيْعه بِأَحَدِهِمَا إِذا كَانَ الْمُفْرد أَكثر من الَّذِي مَعَه غَيره فَهَذِهِ على ثَلَاثَة أَنْوَاع أَحدهَا أَن يكون الْمَقْصُود بيع فضَّة بِفِضَّة مُتَفَاضلا أَو بيع ذهب بِذَهَب مُتَفَاضلا وَيضم رلى الأنقص من غير جنسه حِيلَة فَلَا يجوز ذَلِك أصلا وَالثَّانِي أَن يكون الْمَقْصُود بيع أَحدهمَا أَو بيع عرض بِأَحَدِهِمَا وَفِي الْعرض مَا لَيْسَ مَقْصُودا مثل بيع السِّلَاح بِأَحَدِهِمَا وَفِيه حلية يسيرَة أَو بيع عقار بِأَحَدِهِمَا وَفِي سقفه وحيطانه أَحدهمَا وَكَذَلِكَ مثل بيع غنم ذَات صوف بصوف وَذَات لبن بِلَبن فَيجوز هَذَا عِنْد أَكثر الْعلمَاء وَهُوَ الصَّوَاب أَو بيع المخيشة بِذَهَب عِنْد السبك بِفِضَّة مثله هُوَ من هَذَا الْبَاب فَإِذا بِيعَتْ الْفضة المصنوعة المخشية بِذَهَب أوبيعت بِذَهَب مَقْبُوض جَازَ ذَلِك ورذا بِيعَتْ الْفضة المصنوعة بِفِضَّة أَكثر مِنْهَا لأجل الصِّنَاعَة لم يجز وَالثَّالِث أَن يكون كلا الْأَمريْنِ مَقْصُودا مثل أَن يكون على السِّلَاح ذهب أَو فضَّة كثير فَهَذَا إِذا كَانَ مَعْلُوم الْمِقْدَار أَو بيع بِأَكْثَرَ من ذَلِك فَفِيهِ نزاع مَشْهُور الْأَظْهر جَوَازه وَإِذا بِيعَتْ الْفضة المصنوعة بِفِضَّة أَكثر مِنْهَا لم يجز وَمن احْتَاجَ إِلَى دَرَاهِم فَاشْترى سلْعَة ليبيعها فِي الْحَال فَهُوَ مَكْرُوه فِي أظهر قولي الْعلمَاء وَأما حياصة الذَّهَب أَو الْفضة فَلَا تبَاع إِلَى أجل بِذَهَب أَو فضَّة لَكِن تبَاع بِعرْض إِلَى أجل وَمن اشْترى قمحا إِلَى أجل ثمَّ عوض البَائِع عَن الثّمن سلْعَة إِلَى أجل لم يجز وَكَذَلِكَ إِن احتال على أَن يزِيدهُ فِي الثّمن ويزيده ذَلِك فِي الْأَجَل بِصُورَة

стр. 308

يظْهر رباها لم يجز وَلم يكن لَهُ عِنْده إِلَّا الدّين الأول فَإِن هَذَا هُوَ الرِّبَا الَّذِي أنزل الله فِيهِ الْقُرْآن يَقُول الرجل لغريمه عِنْد مَحل الْأَجَل تقضى أَو تربى فَإِن قَضَاهُ وَإِلَّا زَاده هَذَا فِي الْأَجَل فَحرم الله ذَلِك وآذن بِحَرب من لم ينْتَه عَنهُ وَمن تدين من رجل دينا فَدخل بِهِ السُّوق فَاشْترى شَيْئا بِحَضْرَة الرجل ثمَّ بَاعه عَلَيْهِ بفائدة فَهِيَ على ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَن يكون بَينهم مواطأة لفظية أَو عرفية على أَن يَشْتَرِي السّلْعَة من رب الْحَانُوت ثمَّ يَبِيعهَا للْمُشْتَرِي ثمَّ تُعَاد إِلَى صَاحب الْحَانُوت فَلَا يجوز ذَلِك الثَّانِي أَن يَشْتَرِيهَا مَعَه ثمَّ يُعِيدهَا إِلَيْهِ فَلَا يجوز لحَدِيث أم ولد زيد ابْن أَرقم ﵁ الثَّالِث أَن يَشْتَرِي السّلْعَة شِرَاء ثَابتا ثمَّ يَبِيعهَا للمستدين ثَانِيًا فيبيعها أَحدهمَا فَهَذِهِ تسمى التورق لِأَن غَرَض المُشْتَرِي هُوَ الْوَرق فَيَأْخُذ مائَة وَيبقى عَلَيْهِ مائَة وَعِشْرُونَ مثلا فقد نَازع فِي ذَلِك السّلف والأقوى أَنه ينْهَى عَنهُ قَالَ عمر بن الْعَزِيز التورق رَبًّا فَإِن الله حرم أَخذ دَرَاهِم بِدَرَاهِم أَكثر مِنْهَا إِلَى أجل لما فِي ذَلِك من ضَرَر الْمُحْتَاج وَأكل مَاله بِالْبَاطِلِ وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي هَذِه الصُّورَة وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَالَّذِي أَبَاحَهُ الله للْبيع وَالتِّجَارَة وكل قرض جر مَنْفَعَة فَهُوَ رَبًّا كَمَا يقْرض صناعه ليحابوه بِالْأُجْرَةِ أَو يقْرضهُ مَائه ويبيعه سلْعَة تَسَاوِي مائَة بِمِائَة وَخمسين وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ رَبًّا وَيجب على الْمُقْتَرض أَن يُوفي الْمقْرض فِي الْبَلَد الَّذِي اقْترض فِيهِ وَلَا يكلفه شَيْئا من مُؤنَة السّفر إِلَى بلد آخر وَمؤنَة حمل ذَلِك فَإِن قَالَ مَا أوفيك إِلَّا فِي بلد أُخْرَى كَانَ عَلَيْهِ مُؤنَة الْمقْرض وَمَا يُنْفِقهُ على الْمَعْرُوف وَلَا يجوز الْوَفَاء فُلُوسًا إِلَّا برضى البَائِع وَإِذا وفاه فُلُوسًا فَلَا يكون إِلَّا بالسعر الْوَاقِع أما النَّقْد ان فَيجوز اسْتِيفَاء النَّقْدَيْنِ أَحدهمَا عَن الآخر كاستيفاء

стр. 309

أَحدهمَا عَن نَفسه فَلَا يكون ذَلِك من بَاب الْمُعَارضَة وَلَا يجوز فِيهِ الزِّيَادَة بِالشّرطِ كَمَا لَا يجوز فِي الْقَرْض وَنَحْوه مِمَّا يُوجب الْمُمَاثلَة فَإِن اتفقَا على أَن يُوفي أَحدهمَا أَكثر من قِيمَته كَانَ كالانفاق أَن يُوفي عَنهُ أَكثر مِنْهُ من جنسه بِخِلَاف الزِّيَادَة من غير شَرط وعَلى هَذَا فالفلوس النافقة قد يكون فِيهَا شوب قوي من الأتمان فيوفيها على أحد النَّقْدَيْنِ كتوفية أَحدهمَا عَن صَاحبه وَإِذا قوم السّلْعَة بِقِيمَة حَالَة ثمَّ بَاعهَا إِلَى أجل بِأَكْثَرَ من ذَلِك فَهَذَا مَنْهِيّ عَنهُ فِي أصح قولي الْعلمَاء كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ إِذا أسلمت بِنَقْد ثمَّ بِعْت بِنَقْد فَلَا بَأْس وَإِذا أسلمت بِنَقْد ثمَّ بِعْت نَسِيئَة بِأَكْثَرَ من الثّمن فَهَذَا هُوَ الرِّبَا إِذا كَانَ لَهُ عَليّ رجل دَرَاهِم مُؤَجّلَة فباعة بِأَقَلّ مِنْهَا حَالَة فَهَذَا رَبًّا وَإِن كَانَت حَالَة فَأخذ الْبَعْض وأبرأه من الْبَعْض فقد أحسن وأجره على الله وَإِذا ابتيعت أسورة ذهب بِذَهَب أوفضة إِلَى أجل لم يجز بِاتِّفَاق الْعلمَاء بل يجب رد الأسورة إِن كَانَت بَاقِيَة ورد بدلهَا إِن كَانَت فَائِتَة وَمن قَالَ لتاجر أَعْطِنِي هَذِه السّلْعَة فَقَالَ التَّاجِر مشتراها ثَلَاثُونَ وَمَا أبيعها إِلَّا بِخَمْسِينَ إِلَى أجل فَهِيَ على ثَلَاثَة أَنْوَاع أَحدهَا أَن يكون مَقْصُوده السّلْعَة ينْتَفع بهَا للْأَكْل أَو الشّرْب أَو اللّبْس وَنَحْوه وَالثَّانِي أَن يكون مَقْصُوده التِّجَارَة فهذان جائزان بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَلَا بُد من مُرَاعَاة الشُّرُوط الشَّرْعِيَّة فَإِذا كَانَ المُشْتَرِي مُضْطَرّا لم يجز أَن يُبَاع إِلَّا بِقِيمَة الْمثل مثل أَن يضْطَر الْإِنْسَان إِلَى شِرَاء طَعَام لَا يجده إِلَّا عِنْد شخص فَعَلَيهِ أَن يَبِيعهُ إِيَّاه بِقِيمَة الْمثل فَأن أَبى أَن يَبِيعهُ إِلَّا بِأَكْثَرَ فَلِلْمُشْتَرِي

стр. 310

أَخذه قهرا بِقِيمَة الْمثل وَإِذا أعطَاهُ إِيَّاه لم يجب عَلَيْهِ إِلَّا قيمَة الْمثل وَإِن بَاعه إِيَّاه إِلَى أجل بَاعه بِالْقيمَةِ إِلَى ذَلِك الْأَجَل وَيَأْخُذ قسطا من الثّمن وَالنَّوْع الثَّالِث أَن يكون المُشْتَرِي إِنَّمَا يُرِيد دَرَاهِم مثلا ليوفي بهَا دينه فيتفقان على أَن يُعْطِيهِ مثلا الْمِائَة بِمِائَة وَعشْرين إِلَى أجل فَهَذَا منهى عَنهُ فَإِن اتفقَا على أَن يُعِيد السّلْعَة إِلَيْهِ فَهُوَ بيعان فِي بيعَة وَإِن أدخلا بَينهمَا ثَالِثا فيشتري مِنْهُ السّلْعَة ثمَّ تُعَاد إِلَيْهِ فَكَذَلِك وَإِن بَاعه وأقرضه فَكَذَلِك وَإِن كَانَ المُشْتَرِي يَأْخُذ السّلْعَة فيبيعها فِي مَوضِع آخر فيشتريها بِمِائَة ويبيعها بتسعين لأجل الْحَاجة إِلَى الدَّرَاهِم فَهِيَ مَسْأَلَة التورق وَفِيه نزاع والأقوى أَنه منهى عَنهُ وَأَنه أصل الرِّبَا كَمَا قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَطَائِفَة الْمَالِكِيَّة وَغَيرهم وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَرخّص فِيهِ آخَرُونَ والأقوى كَرَاهَته وَالله أعلم فصل مَا يصنعه ابْن آدم من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَغَيرهمَا من أَنْوَاع الْجَوَاهِر وَالطّيب واللؤلؤ والياقوت والمسك والعنبر وَمَاء الْورْد وَغير ذَلِك كُله لَيْسَ بِمثل مَا يخلقه الله من ذَلِك بل هُوَ مشابه لَهُ من بعض الْوُجُوه لَيْسَ هُوَ مُسَاوِيا لَهُ لَا فِي الْحَد وَلَا فِي الْحَقِيقَة وَذَلِكَ محرم فِي الشَّرْع بِلَا نزاع بَين الْعلمَاء الَّذين يعلمُونَ حَقِيقَة ذَلِك وَحَقِيقَة الكيمياء تَشْبِيه الْمَصْنُوع بالمخلوق وَهُوَ بَاطِل فِي الْعقل وَالله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي أَفعاله فَلَنْ يقدر الْعباد أَن يصنعوا مثل مَا خلق وَمَا يصنعونه لم يخلق لَهُم مثله فَلم يخلق طَعَاما مخلوقا وَلَا ثوبا منسوجا وَقد اسْتَقر أَن الْمَخْلُوق لَا يكون مصنوعا والمصنوع لَا يكون مخلوقا عِنْد

стр. 311

الْمُسلمين وَعند أَوَائِل الفلاسفة الَّذين تكلمُوا فِي الطبائع قَالَ الله تَعَالَى ﴿أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم قل الله خَالق كل شَيْء﴾ وَفِي الصَّحِيح عَنهُ ﷺ فِيمَا يروي عَن ربه وَمن أظلم مِمَّن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا بعوضة الحَدِيث وَقد لمن المصورين وَقَالَ من صور صُورَة كلف أَن ينْفخ فِيهَا الرّوح وَلَيْسَ بنافخ وَقَالَ أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة الَّذين يضاهون خلق الله وَلَيْسَ فِي التَّصْوِير تلبيس وَأَن كل أحد يعلم أَن صُورَة الْحَيَوَان المصورة لَيست حَيَوَانا وَلِهَذَا يفرق فِي التَّصْوِير فَيجوز تَصْوِير الشّجر والمعادن فِي الثِّيَاب والحيطان وَلِهَذَا قَالَ جِبْرِيل مر بِالرَّأْسِ فليقطع وَنَصّ الْأَئِمَّة على ذَلِك وَقَالُوا الصُّورَة بِلَا رَأس لَا يبْقى فِيهَا حَيَاة فَتبقى مثل الجمادات وَأما الكيمياء فَإِنَّهَا غش وَقد قَالَ ﷺ من غَشنَا فَلَيْسَ منا وَلم يكن من الْأَنْبِيَاء وَلَا الصَّالِحين وَلَا الْعلمَاء من هُوَ من أهل الكيمياء وأقدم من يحْكى عَنهُ ممارسة الكيمياء خَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة وَلَيْسَ هُوَ مِمَّن يَقْتَدِي بِهِ الْمُسلمُونَ فِي دينهم فَإِن ثَبت النَّقْل عَن جَعْفَر الصَّادِق فقد دلّس عَلَيْهِ فَإِنَّهَا على مَرَاتِب مِنْهَا مَا يفْسد بعد بضع سِنِين أَو أَكثر كَمَا دلّس على غَيره كمحمد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ المتطبب وَكَانَ من المصححين لَهَا وَمَا أعلم الْأَطِبَّاء الإسلاميين من كَانَ فِيهَا مِنْهُ وَهِي أَشد تَحْرِيمًا من الرِّبَا وَمن قَالَ إِن النَّبِي ﷺ عَملهَا فَقَوله مُسْتَلْزم للكفر وَهُوَ ﷺ يَقُول ﴿لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ﴾ وَكَانَ يُمكنهُ أَن يعْمل الكيمياء على قَول هَذَا المفتري وَيكون عِنْده مَا يحملهم عَلَيْهِ وَكَثِيرًا مَا ينضاف إِلَيْهِ السحر كَمَا كَانَ ابْن سبعين والسهروردي وَالْحُسَيْن

стр. 312

الحلاج المقتولان على الزندقة وَالسحر من الْكَبَائِر والكيمياء من السحر فصل بيع الدَّرَاهِم بأنصاف أَصله مَسْأَلَة مد عَجْوَة وَهِي ثَلَاثَة أَقسَام يجمعها بيع رِبَوِيّ بِجِنْسِهِ ومعهما أَو مَعَ أَحدهمَا صنف آخر من غير جنسه الْقسم الأول أَن يكون الْمَقْصُود بيع رِبَوِيّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا أَو يضم إِلَى الْأَقَل غير الْجِنْس حِيلَة مثلي ألفي دِينَار بِأَلف دِينَار ومنديل فَالصَّوَاب فِي مثل هَذَا الْجَزْم بِالتَّحْرِيمِ كَمَا هُوَ مَذْهَب أَحْمد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَإِلَّا فَلَا يعجز أحد عَن رَبًّا الْفضل الْقسم الثَّانِي أَن يكون الْمَقْصُود بيع غير رِبَوِيّ وَإِنَّمَا دخل الرِّبَوِيّ ضمنا وتبعا كَبيع شَاة ذَات صوف وَلبن بِشَاة ذَات صوف وَلبن أَو سيف فِيهِ فضَّة يسيرَة بِسيف أَو غَيره فِيهِ فضَّة أَو دَار مموهة بدار مموهة فَهُنَا الصَّحِيح فِي مَذْهَب مَالك وَأحمد الْجَوَاز وَكَذَلِكَ لَو كَانَ الْمَقْصُود بيع الرِّبَوِيّ بِغَيْر الرِّبَوِيّ مثل بيع الدَّار وَالسيف بِذَهَب أَو بَيْعه بِجِنْسِهِ وهما يتساويان وَمَسْأَلَة الدَّرَاهِم المغشوشة فِي زَمَاننَا من هَذَا الْبَاب فَإِن الْفضة الَّتِي فِي أحد

стр. 313

الدرهمين مثل الْفضة الَّتِي فِي الدِّرْهَم الآخر والنحاس تَابع غير مَقْصُود وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيح جَوَاز ذَلِك بِخِلَاف الْقسم الثَّالِث وَهُوَ مَا إِذا كَانَ كِلَاهُمَا مَقْصُودا مثل بيع مد عَجْوَة وَدِرْهَم بمدين ودرهمين أَو بيع دِينَار بِنصْف دِينَار وَعشرَة دَرَاهِم ورطل نُحَاس بِعشْرَة دَرَاهِم ورطلي نُحَاس فَمثل هَذِه فِيهَا نزاع مَشْهُور فَأَبُو حنيفَة يجوزه وَقَالَ فِي مَوضِع اخر وَهُوَ الْأَشْبَه إِذا لم تشتبه بالربا وَالْأَصْل حمل الْعُقُود على الصِّحَّة فَحصل أَن مَسْأَلَة بيع الدَّرَاهِم النقرة الَّتِي ثلثهَا فضَّة بالسود الَّتِي ربعهَا فضَّة مخرجة على مَسْأَلَة مد عَجْوَة وَالنَّاس بَين مفرط ومفرط ومتوسط فَإِذا كَانَ الْمَقْصُود بيع الرِّبَوِيّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلا فَحَرَام وَإِن كَانَ الْمَقْصُود البيع الْجَائِز وَمَا فِيهِ من رِبَوِيّ تبع فَالصَّوَاب جَوَازه كَمَا جَازَ فِي بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا تبعا وَأما إِن كَانَ كلا الصِّنْفَيْنِ مَقْصُودا فَفِيهَا النزاع الْمَشْهُور مِنْهُم من حرمه لكَونه ذَرِيعَة إِلَى الرِّبَا وَلكَون الصّفة الْمُشْتَملَة على عوضين يقسم الثّمن عَلَيْهَا بِالْقيمَةِ وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى يجوز إِذا كَانَ الْمُفْرد أَكثر وَجوز أَبُو حنيفَة بيع النقرة بالنقرة والمغشوشة والنقرة بِالسَّوْدَاءِ إِذا لم يقْصد بيع فضَّة مُتَفَاضلا يخرج على النزاع الْمَشْهُور فِي مد عَجْوَة وَالشَّافِعِيّ يحرمه وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ وَمَالك يفصل بَين الثَّلَاث وَغَيرهَا

стр. 314

كتاب الْأَطْعِمَة وَغَيرهَا إِذا بَاعَ الرجل سلْعَته وَأخذ عَلَيْهِ مكس من البَائِع أَو من المُشْتَرِي لم يحرم ذَلِك السّلْعَة وَلَا الشِّرَاء لَا على بَائِعهَا وَلَا على مشتريها وَلَا شُبْهَة فِي ذَلِك أصلا وَلَو كَانَ الْمَأْخُوذ بعض السّلْعَة كسواقط الشَّاة مثلا وَأما إِذا ضمن نوعا من السّلع لَا يَبِيعهَا إِلَّا هُوَ فَهُوَ ظَالِم وَهَذَا نَوْعَانِ مِنْهُم من يسْتَأْجر حانوتا بِأَكْثَرَ من قيمتهَا إِمَّا لمقطع أَو غَيره على أَن لَا يَبِيع فِي الْمَكَان إِلَّا هُوَ وَيجْعَل عَلَيْهِ مَالا يُعْطِيهِ لمقطع أَو غَيره بِلَا اسْتِئْجَار حَانُوت وَلَا غَيره فكلاهما ظَالِم النَّوْع الثَّانِي أَن يكون عَلَيْهِم ضَمَان لَكِن يلتزمونه بِالْبيعِ للنَّاس كالطحانين والخبازين وَنَحْوهم مِمَّن لَيْسَ عَلَيْهِم وَظِيفَة كمن عَلَيْهِ أَن يَبِيع كل يَوْم شَيْئا مُقَدرا وَيمْنَعُونَ من سواهُم من البيع وَلِهَذَا جَازَ التسعير على هَؤُلَاءِ وَإِن لم يجز التسعير على الْإِطْلَاق فَإِنَّهُم قد وَجَبت عَلَيْهِم الْمُبَايعَة لهَذَا الصِّنْف وَمنع غَيرهمَا عَن ذَلِك فَلَو مكنوا أَن يبيعوا بِمَا شَاءُوا كَانَ ظلما للْمَسَاكِين بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ النَّاس كلهم متمكنين من ذَلِك لَكِن لم يجز أَن يلزموا أَن يبيعوا بِدُونِ ثمن الْمثل كَمَا لَا يبيعون بِمَا شَاءُوا وَهل يجوز أَن يلزموا بِمثل ذَلِك فَيُقَال أما إِذا اخْتَارُوا أَن يلزموا بِمَا يحْتَاج النَّاس إِلَيْهِ من تِلْكَ المبيعات وَألا يبيعوا إِلَّا بِقِيمَة الْمثل على أَن يمْنَع غَيرهم من البيع وَمن اخْتَار الدُّخُول دخل مَعَهم فِي ذَلِك إِن أمكن فَهَذَا لَا يبين تَحْرِيمه بل قد يكون فِيهِ مصلحَة عَامَّة للنَّاس فهم لم يلزموا بل دخلُوا باختيارهم وَمنع غَيرهم لمصْلحَة عَامَّة النَّاس فَإِن دخل فِي هَذِه الْمصلحَة مكن وَقد يُقَال هَذَانِ نَوْعَانِ من الظُّلم إِلْزَام لشخص أَن يَبِيع وَأَن يكون

стр. 315

بَيْعه بِثمن الْمثل وَفِي هَذَا فَسَاد وَحِينَئِذٍ فَإِن كَانَ أَمر النَّاس صَالحا بِدُونِ هَذَا لم يجز احْتِمَال هَذَا بِلَا مصلحَة راجحة وَأما أَن كَانَ بِدُونِ هَذَا لَا يحصل للنَّاس مَا يكفيهم من الطَّعَام وَنَحْوه أَو لَا يكون ذَلِك إِلَّا بأثمان مُرْتَفعَة وَبِذَلِك يحصل مَا يكفيكم بِثمن الْمثل فَهَذِهِ الْمصلحَة الْعَامَّة يفْتَقر فِي جَانبهَا مَا ذكر من المتع وَأما إِذا ألزم النَّاس بذلك فَفِيهِ تَفْصِيل فَإِن النَّاس إِذا اضطروا إِلَى مَا عِنْد الْإِنْسَان من السّلْعَة وَالْمَنْفَعَة وَجب عَلَيْهِ أَن يبذلها لَهُم بِقِيمَة الْمثل وَيمْنَع أَن لَا يَبِيع سلْعَة حَتَّى يَبِيع مِقْدَار معينا وتفصيل ذَلِك لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه إِذا تبين ذَلِك فَالَّذِي يضمن كُله من الكلف على أَن لَا يَبِيع السّلْعَة إِلَّا هُوَ ويبيعها بِمَا يخْتَار لَا ريب أَنه من جنس الكلف السُّلْطَانِيَّة وسبيل أهل الْوَرع لَا يَأْكُلُون من الشِّرَاء المضمن أَو الْملح المضمن فَإِنَّهُ مَكْرُوه لأجل الشُّبْهَة فَإِنَّهُ إِذا كَانَ لَا يَبِيع إِلَّا هُوَ بِمَا يخْتَار صَار كَأَنَّهُ يكره النَّاس على الشِّرَاء مِنْهُ فَيَأْخُذ مِنْهُم أَكثر مِمَّا يجب عَلَيْهِم ويختلط بِمَالِه فَيكون بِمَالِه شُبْهَة وَمن أحد ذَلِك من الْمُبَاح وَإِن كَانَ إِنَّمَا بِضَمَان فَلَيْسَتْ كَغَيْرِهَا فَإِن أصل الْملح مُشْتَرك بَين النَّاس وَلَا يحرم شِرَاؤُهُ لِأَن المُشْتَرِي لَا يظلم أحد والمباح لم يملكهُ بِمَالِه فَيجوز للْمُشْتَرِي دفع المَال ليَأْخُذ مَا كَانَ لَهُ أحد بِغَيْر شَيْء كَمَا لَا يجوز أَن يَشْتَرِي الرجل ملكه المغضوب من غاضبه وَله بذل ثمنه وَإِن حرم على البَائِع كَمَا يجوز رشوة الْعَامِل ليدفع الظُّلم عَن نَفسه لَا لمنع الْحق وإرشاؤه حرَام فِيهَا وَكَذَلِكَ الْأَسير وَالْعَبْد الْمُعْتق وَالزَّوْجَة الْمُطلقَة إِذا أنكر الآسر وَسيد العَبْد وَالزَّوْج الْمُطلق جَازَ لَهُم دفع شَيْء ليقروا بِالْحَقِّ وَإِن حرم على الْآخِذ وَنَحْو ذَلِك وَمَا وَفِي الْعرض بِهِ صَدَقَة وَلَو أعْطى الرجل شَاعِرًا لِئَلَّا يكذب عَلَيْهِ يهجو أَو غَيره أَو لِئَلَّا يَقُول فِي عرضه مَا يحرم عَلَيْهِ كَانَ بذله لذَلِك جَائِزا وَأما أَخذ الشَّاعِر ذَلِك لِئَلَّا يَظْلمه فَحَرَام لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ ترك ظلمه وَترك الْكَذِب عَلَيْهِ بِلَا عوض فَإِذا لم يتْركهُ

стр. 316

إِلَّا بِمَال كَانَ حَرَامًا تسميه الْعَامَّة قطع مصانعه فالمباحات الَّتِي يشْتَرك فِيهَا الْمُسلمُونَ كالصيود الْبَريَّة والبحرية والمعادن إِذا تحجرها السُّلْطَان وَأمر أَن لَا يَأْخُذهَا إِلَّا نوابه وتباع للنَّاس لم يحرم على النَّاس شراؤها ونواب السُّلْطَان يستخرجونها بأثمانها الَّتِي أخذوها ظلما وَنَحْو ذَلِك من الظُّلم قبل تِلْكَ الْأَمْوَال أخذت من الْمُسلمين ظلما فالمسلمون هم المظلومون وَذَلِكَ لَا يحرم عَلَيْهِم مَا كَانَ حَلَالا لَهُم وَهَذَا طَاهِر فِيمَا إِذا كَانَ الظُّلم مناسبا مثل أَن يُبَاع كل مِقْدَار بِثمن معِين وَيُؤْخَذ من تِلْكَ الْأَثْمَان مَا يسْتَخْرج بِتِلْكَ الْمُبَاحَات بِدُونِ الْمُعَامَلَة بالأموال السُّلْطَانِيَّة الْمُشْتَركَة أما لَو سخر نواب السُّلْطَان بِغَيْر حق من يسْتَخْرج تِلْكَ الْمُبَاحَات فَهَذِهِ بِمَنْزِلَة أَن يغْضب من يطْبخ لَهُ طَعَاما أَو ينسج لَهُ ثوبا أَو يطْبخ بحطب مغضوب فَهَذَا فِيهِ شُبْهَة وَطَرِيقَة التَّخَلُّص أَن ينظر النَّفْع الْحَاصِل فِي تِلْكَ الْعين ويقدره بِعَمَل الْمَظْلُوم فيعطيه أجرته وَإِن تعذر معرفَة الْمَظْلُوم تصدق بهَا عَنهُ كَمَا لَو اخْتَلَط مَاله بِمَا غَضَبه فَلَا يُوجب تَحْرِيم كل مَاله عَلَيْهِ لِأَن الْمُحرمَات نَوْعَانِ محرم عَلَيْهِ لوصفه وعينه كَالدَّمِ وَالْميتَة فَهَذَا إِن اخْتَلَط بالمائع وَظهر فِيهِ حُرْمَة ومحرم لكسبه كالنقدين والحبوب الثِّمَار وَأَمْثَاله فَهَذَا لَا تحرم أعيانه تَحْرِيمًا مُطلقًا بل تحرم على آخذها ظلما أَو بِوَجْه محرم فَإِذا الرجل مِنْهَا شَيْئا وخلطه بِمَالِه فَالْوَاجِب إِخْرَاج قدره وَمَا بَقِي من مَاله حَلَالا فَهُوَ حَلَال لَهُ وَلَو أخرج مثل الْحَرَام من غَيره فَفِيهِ وَجْهَان لأَصْحَاب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَهَذَا أصل فِيمَا يحصل فِي يَد الْإِنْسَان من وَدِيعَة وعارية وغصوب لَا يعرف صَاحبهَا يتَصَدَّق بِهِ عَنهُ فِي مصَالح الْمُسلمين على مَذْهَب مَالك وَأحمد وَأبي حنيفَة وَغَيرهم وَيجوز للْفُقَرَاء أَخذهَا فَإِن الْمُعْطى نَائِب صَاحبهَا بِخِلَاف من تصدق من غلُول وَهُوَ الَّذِي يحوز المَال وَيتَصَدَّق بِهِ مَعَ إِمْكَان رده أَو يتَصَدَّق بِهِ صَدَقَة

стр. 317

متقرب فَهُوَ كَمَاله وَأما ذَاك فَيتَصَدَّق صَدَقَة متحرج متأتم بِمَنْزِلَة أَدَاء الَّذين وَأَدَاء الْأَمَانَة إِلَى أَصْحَابه وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود وَمُعَاوِيَة ﵄ وَقَالَ ﷺ فِي اللّقطَة فَإِن جَاءَ رَبهَا وَإِلَّا فَهِيَ مَال الله يؤتيه من يَشَاء فَجَعلهَا للملتقط إِذا تعذر معرفَة صَاحبهَا وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين فِي جَوَاز صدقته بهَا وَإِنَّمَا نزاعهم فِي جَوَاز تملكه لَهَا مَعَ الْغَنِيّ وَالْجُمْهُور على جَوَازه مَعَ الْجَزْم بِأَنَّهَا سَقَطت من مَالك فَكيف بِمَا يجهل فِيهِ ذَلِك فصل فِي كلب نزا على نعجة فَولدت خروفا نصفه كلب وَنصفه خروف وَهُوَ نِصْفَانِ بالطول لَا يُؤْكَل مِنْهُ شَيْء وَإِن كَانَ مهْرا وَلِأَن الْأكل بعد التذكية وَلَا يَصح تذكية مثل هَذَا لأجل الِاخْتِلَاط وَأما الْمُتَوَلد بَين حمَار وَحشِي وَفرس فَهُوَ بغل حَلَال بِخِلَاف الْمُتَوَلد بَين حمَار إنسي وَفرس وعناق أرضعتها كلبة مرّة يجوز أكلهَا وَشرب لَبنهَا وَمَا روى فِي الْبِطِّيخ إِنَّه مَكْتُوب عَلَيْهِ لَا إِلَه إِلَّا الله وَمن أكله بقشره فَلهُ كَذَا أَو ببذره فَلهُ كَذَا فكله كذب مفترى وَلَا بَأْس بِالْأَكْلِ وَالشرب قَائِما مَعَ الْعذر كَمَا شرب ﷺ من زَمْزَم قَائِما لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوضِع جُلُوس وَأما مَعَ عدم الْحَاجة فَيكْرَه لنَهْيه ﷺ عَنهُ وَبِهَذَا التَّفْصِيل يحصل الْجمع بَين النُّصُوص وَفِيه عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ قيل يكره وَقيل لَا

стр. 318

وَمن قَالَ إِنَّه ﷺ قَالَ أكل الْعِنَب دو دو فَهُوَ كذب لَا أصل لَهُ وَمن أكل الطَّيِّبَات بِدُونِ الشُّكْر الْوَاجِب فَهُوَ مَذْمُوم قَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم﴾ أَي عَن شكر النَّعيم والإسراف فِي الْأكل هُوَ مُجَاوزَة الْحَد وَمن أكل بنية الِاسْتِعَانَة على الْعِبَادَة كل مأجورا وَإِذا أَضَافَهُ رجل فِي مَاله شُبْهَة قَليلَة وَفِي التّرْك مفْسدَة من قطيعة رحم أَو فَسَاد ذَات الْبَين فليجبه وَإِن لم يكن فِي التّرْك مفْسدَة وَفِيه مصلحَة الْإِجَابَة فَقَط وَفِي الْإِجَابَة مفْسدَة أكل مَا فِيهِ شُبْهَة فَأَيّهمَا أرجح فِيهِ نزاع وَقَوْلهمْ من أكل مَعَ مغْفُور غَفُور لَهُ لم ينْقل عَنهُ ﷺ لَفظه وَإِنَّمَا ذكر أَنه رُؤْيا رَآهَا رَاء وَلَيْسَ هَذَا على إِطْلَاقه صَحِيحا وَأكل الْحَيَّات والعقارب حرَام مجمع عَلَيْهِ فَمن أكلهَا مستحلا لَهَا استتيب وَمن عتقد التَّحْرِيم وأكلها فَهُوَ فَاسق عَاص لله وَرَسُوله فَكيف يكون صَالحا وَلَو ذكى الْحَيَّة كَانَ أكلهَا بعد ذَلِك حَرَامًا عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء وَأما من يَأْكُل الْحَيَّات والثعابين ويجعله من بَاب الكرامات فَهُوَ شَرّ مِمَّن يأكلها فسقا فان كرامات الْأَوْلِيَاء لَا تكون بِمَا نهى الله عَنهُ من أكل الْخَبَائِث كَمَا لَا تكون بترك الْوَاجِبَات وَلَا يجوز إِعَانَة هَؤُلَاءِ المشعبذين بِالصَّدَقَةِ وَنَحْوهَا على أَن يقيموا الصناعات والشعبذات الْمُحرمَة ويفعلون مَالا يرضى الله من إِقَامَة مشيخة تخَالف الْكتاب وَالسّنة وَلَا يعْطى رزقه على مشيخة جَاهِلِيَّة تخَالف كتاب الله وَإِنَّمَا يعان بالرزق من قَامَ بِطَاعَة الله وَرَسُوله وَعمل مَا ينفع الْمُسلمين فِي دنياهم ودعا إِلَى طَاعَة الله وَرَسُوله

стр. 319

والسياحة فِي الْبِلَاد لغير مقصد مَشْرُوع كَمَا يعانيه بعض النساك أَمر منهى عَنهُ قَالَ الإِمَام أَحْمد لَيست السياحة من الْإِسْلَام فِي شَيْء وَلَا من فعل النَّبِيين وَلَا الصَّالِحين وَقَوله تَعَالَى ﴿السائحون﴾ المُرَاد بِهِ الصائمون فصل فِي بيع الْأُصُول وَالثِّمَار إِذا ضمن الْبُسْتَان بِحَيْثُ يكون الضَّامِن هُوَ الَّذِي يزرع أرضه ويسقي شَجَره كَالَّذي يسْتَأْجر الأَرْض فللعلماء فِي ذَلِك ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنَّهَا دَاخِلَة فِي النَّهْي عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا وعَلى هَذَا فَمنهمْ من يحتال على ذَلِك بِإِجَارَة الأَرْض وَالْمُسَاقَاة على الشّجر كَمَا يَقُول طَائِفَة من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَبَعض أَصْحَاب أَحْمد مِنْهُم القَاضِي أَبُو يعلى فِي إبِْطَال الْحِيَل وَالْمَنْصُوص عَن أَحْمد بطلَان الْحِيَل القَوْل الثَّانِي قَول من يفرق بَين كَون الأَرْض كَثِيرَة أَو قَليلَة فَإِن كَانَت الأَرْض الْبَيْضَاء أَكثر من الثُّلثَيْنِ وَالشَّجر أقل من الثُّلُث جَازَ إِجَارَة الأَرْض وَدخل فِيهَا بيع الثَّمَرَة تبعا وعَلى هَذَا قَول مَالك وَفِي وقف الثُّلُث قَولَانِ القَوْل الثَّالِث جَوَاز ذَلِك مُطلقًا وَهُوَ قَول طَائِفَة من السّلف وَالْخلف مِنْهُم ابْن عقيل وَغَيره وَهُوَ الْمَأْثُور عَن الصَّحَابَة

стр. 320

وَقد روى سعيد بن مَنْصُور عَن عمر بِإِسْنَاد ثَابت أَنه قبل حديقة أسيد بن الْحضير لغرمائه ثَلَاث سِنِين وَكَانَ لَهُم عَلَيْهِ سِتَّة آلَاف دِرْهَم لما مَاتَ وفيهَا النّخل وَالثَّمَر وتسلف الْقَابِلَة ووفى دينه وَلم يُنكر ذَلِك أحد من الصَّحَابَة وَأَيْضًا وضع الْخراج على أَرض الْخراج وَالْأَعْنَاب وَالْخَرَاج أُجْرَة عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الْمَشْهُور وَهَذَا القَوْل أصح الْأَقْوَال وَبِه يَزُول الْحَرج عَن الْمُسلمين وَله مأخذان أَحدهمَا أَنه لَا بُد من إجَازَة الأَرْض وَلَا يُمكن إِلَّا مَعَ الشّجر فَجَاز للْحَاجة كَمَا إِذا بدا صَلَاح بعض ثَمَر شَجَرَة جَازَ بيع جَمِيعهَا اتِّفَاقًا وَقد يدْخل من الْغرَر فِي الْعُقُود مَالا يدْخل أصلا كأساسات الْحِيطَان الدَّاخِلَة وَمَا يدْخل من الزِّيَادَة بعد بَدو الصّلاح وكما يجوز بيع الْعَرَايَا للْحَاجة كالمضاربة والمسافاة والمزارعة المأخذ الثَّانِي أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا وَالْحب قبل اشتداده ثمَّ إِنَّه يجوز عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة إِجَارَة الأَرْض لمن يعْمل عَلَيْهَا حَتَّى ينْبت الزَّرْع وَلَيْسَ ذَلِك بيعا للحب كَذَلِك تَقْبِيل الشّجر لمن يعْمل عَلَيْهِ حَتَّى يُثمر لَيْسَ هُوَ بيعا للثمرة أَلا ترى أَن الْمُزَارعَة على الأَرْض كالمساقاة على الشّجر وَالثَّمَرَة وَإِن كَانَت أعيانا فَإِنَّهَا تجْرِي مجْرى الْفَوَائِد والنفع لِأَنَّهَا يسْتَخْلف بدلهَا كاللبن فِي استرضاع الظِّئْر لما كَانَ يسْتَخْلف بدله أجْرى مجْرى النَّفْع وَلِهَذَا فِي بَاب بيع الثَّمر إِنَّمَا يقوم البَائِع بسقايتها وكمالها والقبالة الَّتِي فعلهَا عمر ﵁ إِنَّمَا يقوم فِيهَا المتقبل بسقاية الشّجر وَمؤنَة حُصُول الثَّمر الْمُتَّصِل فَلَا يُقَاس هَذَا بِهَذَا
следующие страницы →