Полный текст (633 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
إِلَّا بِمَال كَانَ حَرَامًا تسميه الْعَامَّة قطع مصانعه
فالمباحات الَّتِي يشْتَرك فِيهَا الْمُسلمُونَ كالصيود الْبَريَّة والبحرية والمعادن إِذا تحجرها السُّلْطَان وَأمر أَن لَا يَأْخُذهَا إِلَّا نوابه وتباع للنَّاس لم يحرم على النَّاس شراؤها ونواب السُّلْطَان يستخرجونها بأثمانها الَّتِي أخذوها ظلما وَنَحْو ذَلِك من الظُّلم قبل تِلْكَ الْأَمْوَال أخذت من الْمُسلمين ظلما فالمسلمون هم المظلومون وَذَلِكَ لَا يحرم عَلَيْهِم مَا كَانَ حَلَالا لَهُم وَهَذَا طَاهِر فِيمَا إِذا كَانَ الظُّلم مناسبا مثل أَن يُبَاع كل مِقْدَار بِثمن معِين وَيُؤْخَذ من تِلْكَ الْأَثْمَان مَا يسْتَخْرج بِتِلْكَ الْمُبَاحَات بِدُونِ الْمُعَامَلَة بالأموال السُّلْطَانِيَّة الْمُشْتَركَة
أما لَو سخر نواب السُّلْطَان بِغَيْر حق من يسْتَخْرج تِلْكَ الْمُبَاحَات فَهَذِهِ بِمَنْزِلَة أَن يغْضب من يطْبخ لَهُ طَعَاما أَو ينسج لَهُ ثوبا أَو يطْبخ بحطب مغضوب فَهَذَا فِيهِ شُبْهَة
وَطَرِيقَة التَّخَلُّص أَن ينظر النَّفْع الْحَاصِل فِي تِلْكَ الْعين ويقدره بِعَمَل الْمَظْلُوم فيعطيه أجرته وَإِن تعذر معرفَة الْمَظْلُوم تصدق بهَا عَنهُ كَمَا لَو اخْتَلَط مَاله بِمَا غَضَبه فَلَا يُوجب تَحْرِيم كل مَاله عَلَيْهِ لِأَن الْمُحرمَات نَوْعَانِ
محرم عَلَيْهِ لوصفه وعينه كَالدَّمِ وَالْميتَة فَهَذَا إِن اخْتَلَط بالمائع وَظهر فِيهِ حُرْمَة ومحرم لكسبه كالنقدين والحبوب الثِّمَار وَأَمْثَاله فَهَذَا لَا تحرم أعيانه تَحْرِيمًا مُطلقًا بل تحرم على آخذها ظلما أَو بِوَجْه محرم فَإِذا الرجل مِنْهَا شَيْئا وخلطه بِمَالِه فَالْوَاجِب إِخْرَاج قدره وَمَا بَقِي من مَاله حَلَالا فَهُوَ حَلَال لَهُ وَلَو أخرج مثل الْحَرَام من غَيره فَفِيهِ وَجْهَان لأَصْحَاب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَهَذَا أصل فِيمَا يحصل فِي يَد الْإِنْسَان من وَدِيعَة وعارية وغصوب لَا يعرف صَاحبهَا يتَصَدَّق بِهِ عَنهُ فِي مصَالح الْمُسلمين على مَذْهَب مَالك وَأحمد وَأبي حنيفَة وَغَيرهم وَيجوز للْفُقَرَاء أَخذهَا فَإِن الْمُعْطى نَائِب صَاحبهَا بِخِلَاف من تصدق من غلُول وَهُوَ الَّذِي يحوز المَال وَيتَصَدَّق بِهِ مَعَ إِمْكَان رده أَو يتَصَدَّق بِهِ صَدَقَة
стр. 317
متقرب فَهُوَ كَمَاله وَأما ذَاك فَيتَصَدَّق صَدَقَة متحرج متأتم بِمَنْزِلَة أَدَاء الَّذين وَأَدَاء الْأَمَانَة إِلَى أَصْحَابه وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود وَمُعَاوِيَة ﵄
وَقَالَ ﷺ فِي اللّقطَة فَإِن جَاءَ رَبهَا وَإِلَّا فَهِيَ مَال الله يؤتيه من يَشَاء فَجَعلهَا للملتقط إِذا تعذر معرفَة صَاحبهَا وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين فِي جَوَاز صدقته بهَا وَإِنَّمَا نزاعهم فِي جَوَاز تملكه لَهَا مَعَ الْغَنِيّ وَالْجُمْهُور على جَوَازه مَعَ الْجَزْم بِأَنَّهَا سَقَطت من مَالك فَكيف بِمَا يجهل فِيهِ ذَلِك
فصل
فِي كلب نزا على نعجة فَولدت خروفا نصفه كلب وَنصفه خروف وَهُوَ نِصْفَانِ بالطول لَا يُؤْكَل مِنْهُ شَيْء وَإِن كَانَ مهْرا وَلِأَن الْأكل بعد التذكية وَلَا يَصح تذكية مثل هَذَا لأجل الِاخْتِلَاط
وَأما الْمُتَوَلد بَين حمَار وَحشِي وَفرس فَهُوَ بغل حَلَال بِخِلَاف الْمُتَوَلد بَين حمَار إنسي وَفرس
وعناق أرضعتها كلبة مرّة يجوز أكلهَا وَشرب لَبنهَا
وَمَا روى فِي الْبِطِّيخ إِنَّه مَكْتُوب عَلَيْهِ لَا إِلَه إِلَّا الله وَمن أكله بقشره فَلهُ كَذَا أَو ببذره فَلهُ كَذَا فكله كذب مفترى
وَلَا بَأْس بِالْأَكْلِ وَالشرب قَائِما مَعَ الْعذر كَمَا شرب ﷺ من زَمْزَم قَائِما لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوضِع جُلُوس وَأما مَعَ عدم الْحَاجة فَيكْرَه لنَهْيه ﷺ عَنهُ وَبِهَذَا التَّفْصِيل يحصل الْجمع بَين النُّصُوص وَفِيه عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ قيل يكره وَقيل لَا
стр. 318
وَمن قَالَ إِنَّه ﷺ قَالَ أكل الْعِنَب دو دو فَهُوَ كذب لَا أصل لَهُ
وَمن أكل الطَّيِّبَات بِدُونِ الشُّكْر الْوَاجِب فَهُوَ مَذْمُوم قَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم﴾ أَي عَن شكر النَّعيم
والإسراف فِي الْأكل هُوَ مُجَاوزَة الْحَد
وَمن أكل بنية الِاسْتِعَانَة على الْعِبَادَة كل مأجورا
وَإِذا أَضَافَهُ رجل فِي مَاله شُبْهَة قَليلَة وَفِي التّرْك مفْسدَة من قطيعة رحم أَو فَسَاد ذَات الْبَين فليجبه وَإِن لم يكن فِي التّرْك مفْسدَة وَفِيه مصلحَة الْإِجَابَة فَقَط وَفِي الْإِجَابَة مفْسدَة أكل مَا فِيهِ شُبْهَة فَأَيّهمَا أرجح فِيهِ نزاع
وَقَوْلهمْ من أكل مَعَ مغْفُور غَفُور لَهُ لم ينْقل عَنهُ ﷺ لَفظه وَإِنَّمَا ذكر أَنه رُؤْيا رَآهَا رَاء وَلَيْسَ هَذَا على إِطْلَاقه صَحِيحا
وَأكل الْحَيَّات والعقارب حرَام مجمع عَلَيْهِ فَمن أكلهَا مستحلا لَهَا استتيب وَمن عتقد التَّحْرِيم وأكلها فَهُوَ فَاسق عَاص لله وَرَسُوله فَكيف يكون صَالحا وَلَو ذكى الْحَيَّة كَانَ أكلهَا بعد ذَلِك حَرَامًا عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء وَأما من يَأْكُل الْحَيَّات والثعابين ويجعله من بَاب الكرامات فَهُوَ شَرّ مِمَّن يأكلها فسقا فان كرامات الْأَوْلِيَاء لَا تكون بِمَا نهى الله عَنهُ من أكل الْخَبَائِث كَمَا لَا تكون بترك الْوَاجِبَات وَلَا يجوز إِعَانَة هَؤُلَاءِ المشعبذين بِالصَّدَقَةِ وَنَحْوهَا على أَن يقيموا الصناعات والشعبذات الْمُحرمَة ويفعلون مَالا يرضى الله من إِقَامَة مشيخة تخَالف الْكتاب وَالسّنة وَلَا يعْطى رزقه على مشيخة جَاهِلِيَّة تخَالف كتاب الله وَإِنَّمَا يعان بالرزق من قَامَ بِطَاعَة الله وَرَسُوله وَعمل مَا ينفع الْمُسلمين فِي دنياهم ودعا إِلَى طَاعَة الله وَرَسُوله
стр. 319
والسياحة فِي الْبِلَاد لغير مقصد مَشْرُوع كَمَا يعانيه بعض النساك أَمر منهى عَنهُ
قَالَ الإِمَام أَحْمد لَيست السياحة من الْإِسْلَام فِي شَيْء وَلَا من فعل النَّبِيين وَلَا الصَّالِحين وَقَوله تَعَالَى ﴿السائحون﴾ المُرَاد بِهِ الصائمون
فصل فِي بيع الْأُصُول وَالثِّمَار
إِذا ضمن الْبُسْتَان بِحَيْثُ يكون الضَّامِن هُوَ الَّذِي يزرع أرضه ويسقي شَجَره كَالَّذي يسْتَأْجر الأَرْض فللعلماء فِي ذَلِك ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنَّهَا دَاخِلَة فِي النَّهْي عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا
وعَلى هَذَا فَمنهمْ من يحتال على ذَلِك بِإِجَارَة الأَرْض وَالْمُسَاقَاة على الشّجر كَمَا يَقُول طَائِفَة من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَبَعض أَصْحَاب أَحْمد مِنْهُم القَاضِي أَبُو يعلى فِي إبِْطَال الْحِيَل وَالْمَنْصُوص عَن أَحْمد بطلَان الْحِيَل
القَوْل الثَّانِي قَول من يفرق بَين كَون الأَرْض كَثِيرَة أَو قَليلَة فَإِن كَانَت الأَرْض الْبَيْضَاء أَكثر من الثُّلثَيْنِ وَالشَّجر أقل من الثُّلُث جَازَ إِجَارَة الأَرْض وَدخل فِيهَا بيع الثَّمَرَة تبعا وعَلى هَذَا قَول مَالك وَفِي وقف الثُّلُث قَولَانِ
القَوْل الثَّالِث جَوَاز ذَلِك مُطلقًا وَهُوَ قَول طَائِفَة من السّلف وَالْخلف مِنْهُم ابْن عقيل وَغَيره وَهُوَ الْمَأْثُور عَن الصَّحَابَة
стр. 320
وَقد روى سعيد بن مَنْصُور عَن عمر بِإِسْنَاد ثَابت أَنه قبل حديقة أسيد بن الْحضير لغرمائه ثَلَاث سِنِين وَكَانَ لَهُم عَلَيْهِ سِتَّة آلَاف دِرْهَم لما مَاتَ وفيهَا النّخل وَالثَّمَر وتسلف الْقَابِلَة ووفى دينه وَلم يُنكر ذَلِك أحد من الصَّحَابَة
وَأَيْضًا وضع الْخراج على أَرض الْخراج وَالْأَعْنَاب وَالْخَرَاج أُجْرَة عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الْمَشْهُور
وَهَذَا القَوْل أصح الْأَقْوَال وَبِه يَزُول الْحَرج عَن الْمُسلمين وَله مأخذان أَحدهمَا أَنه لَا بُد من إجَازَة الأَرْض وَلَا يُمكن إِلَّا مَعَ الشّجر فَجَاز للْحَاجة كَمَا إِذا بدا صَلَاح بعض ثَمَر شَجَرَة جَازَ بيع جَمِيعهَا اتِّفَاقًا وَقد يدْخل من الْغرَر فِي الْعُقُود مَالا يدْخل أصلا كأساسات الْحِيطَان الدَّاخِلَة وَمَا يدْخل من الزِّيَادَة بعد بَدو الصّلاح وكما يجوز بيع الْعَرَايَا للْحَاجة كالمضاربة والمسافاة والمزارعة
المأخذ الثَّانِي أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا وَالْحب قبل اشتداده
ثمَّ إِنَّه يجوز عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة إِجَارَة الأَرْض لمن يعْمل عَلَيْهَا حَتَّى ينْبت الزَّرْع وَلَيْسَ ذَلِك بيعا للحب
كَذَلِك تَقْبِيل الشّجر لمن يعْمل عَلَيْهِ حَتَّى يُثمر لَيْسَ هُوَ بيعا للثمرة
أَلا ترى أَن الْمُزَارعَة على الأَرْض كالمساقاة على الشّجر وَالثَّمَرَة وَإِن كَانَت أعيانا فَإِنَّهَا تجْرِي مجْرى الْفَوَائِد والنفع لِأَنَّهَا يسْتَخْلف بدلهَا كاللبن فِي استرضاع الظِّئْر لما كَانَ يسْتَخْلف بدله أجْرى مجْرى النَّفْع وَلِهَذَا فِي بَاب بيع الثَّمر إِنَّمَا يقوم البَائِع بسقايتها وكمالها
والقبالة الَّتِي فعلهَا عمر ﵁ إِنَّمَا يقوم فِيهَا المتقبل بسقاية الشّجر وَمؤنَة حُصُول الثَّمر الْمُتَّصِل فَلَا يُقَاس هَذَا بِهَذَا
стр. 321
وَنَهْيه عَن بيع الثَّمر حَتَّى يَبْدُو صَلَاحه لم يتَنَاوَل هَذِه القبالة بِلَا ريب ثمَّ إِن قدر أَن الثَّمَرَة لم تطلع أَو تلفت بعد طُلُوعهَا بِدُونِ تَفْرِيط المتقبل كَانَ بِمَنْزِلَة تعطل الْمَنْفَعَة فِي الْإِجَارَة وَهُوَ لَا يسْتَحق أُجْرَة إِذا لم يتَمَكَّن الْمُسْتَأْجر من الِانْتِفَاع
وَأما إِذا كَانَ المُشْتَرِي اشْترى مُجَرّد الثَّمَرَة فَقَط ومؤنه السَّقْي عَن البَائِع وَقد أطلع الثَّمر وَلم يبد صَلَاح جيمعه بل نوع دون نوع فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا يجوز بيع جَمِيع الْبُسْتَان لِأَن فِي التَّفْرِيق ضَرَرا وَهُوَ أقوى وَمن النَّاس من قَالَ لَا يجوز بَيْعه وَهُوَ الْمَشْهُور وَإِذا استثنيت الْعرية من الْمُزَابَنَة للْحَاجة جَازَ فَلِأَن يجوز بيع النَّوْع تبعا لنَوْع آخر مَعَ أَن الْحَاجة فِي ذَلِك أَشد أولى
وَنَهْيه عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا فقد خص بيعهَا تبعا للشجرة فَعلم أَنه إِنَّمَا نهى عَن مُفْرد الثَّمَرَة كنهية عَن الذَّهَب وَالْحَرِير مُفردا وَالْحمل لَا يجوز إِفْرَاده بِالْبيعِ وَيجوز تبعا
وسر الشَّرِيعَة أَن الْفِعْل إِذا اشْتَمَل على مفْسدَة منع إِلَّا إِذا عارضها مصلحَة راجحة كَمَا فِي إِبَاحَة الْميتَة للْمُضْطَر وَبيع الْغرَر وَنهى الله عَنهُ لِأَنَّهُ نوع ميسر من كَونه أكل مَال بِالْبَاطِلِ فَإِذا عَارضه ضَرَر أعظم من أباحة دفعا لأعظم الفسادين بِاحْتِمَال أدناهما وَالله أعلم
وَيجوز بيع قصب السكر والجوز واللوز فِي أصح قولي الْعلمَاء وَكَذَلِكَ القت والقلقاس فِي أصح الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ قَول لِأَحْمَد وَكَذَلِكَ بيع المقاتي بعروقها وكل ذَلِك من بَاب تجويزه للْحَاجة لِأَن فِي تَحْرِيمه فَسَادًا أعظم مِنْهُ عِنْد جَوَازه
ثمَّ إِن كَانَت الجوائح تُوضَع إِن تلف فَهُوَ كالثمرة والشريعة اسْتَقَرَّتْ على أَن مَا يحْتَاج إِلَى بَيْعه يجوز وَإِن كَانَ مَعْدُوما كالمنافع وَإِجَارَة الثَّمر الَّذِي لم يبد
стр. 322
صَلَاحه مَعَ الأَصْل وَالَّذِي بدا صَلَاحه مُطلقًا كَمَا اسْتَقر أَن ذَلِك يجوز تبعا وَإِن لم يجز مُفردا وَمِنْه مَا روى مُسلم من بَاعَ عبدا وَله مَال فَمَاله للْبَائِع إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع
فصل ظَاهر مَذْهَب أَحْمد أَن مَا كَانَ مُتَعَيّنا بِالْعقدِ لَا يحْتَاج إِلَى تَوْفِيَة بكيل أَو وزن وَنَحْوهمَا بِحَيْثُ يكون المُشْتَرِي قد تمكن من قَبضه فَهُوَ من ضَمَانه قَبضه أَو لم يقبضهُ كصبره اشْتَرَاهَا جزَافا وَنَحْوه وَهُوَ قَول مَالك
وَأما عِنْد الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة فَإِنَّهَا من ضَمَان البَائِع وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد اخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّد
لَكِن الصَّوَاب فِي ذَلِك أَنَّهَا متنوعة فمذهب أبي حنيفَة لَا يدْخل الْمَبِيع كُله فِي ضَمَان المُشْتَرِي إِلَّا بِالْقَبْضِ إِلَّا الْعقار وَعند الشَّافِعِي الْعقار وَغَيره سَوَاء وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد وَعنهُ رِوَايَة أُخْرَى بِالْفرقِ بَين الْمكيل وَالْمَوْزُون وَغَيرهمَا وَرِوَايَة بِالْفرقِ بَين الطَّعَام وَغَيره وَبَين المطعوم الْمكيل أَو الْمَوْزُون أَو غَيره وَهَذَا فِي الْقَبْض وَعنهُ الرِّوَايَات فِي الرِّبَا
وَهل جَوَاز التَّصَرُّف وَالضَّمان متلازمان فِيهِ نزاع
فطريقة القَاضِي أبي يعلى وَأَصْحَابه والمتأخرين من أَصْحَاب أَحْمد مَعَ أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ يَقُولُونَ يتلازم التَّصَرُّف وَالضَّمان فَمَا دخل فِي ضَمَان المُشْتَرِي جَازَ تصرفه فِيهِ ومالا فَلَا
وطرد الشَّافِعِي ذَلِك فِي بيع الثِّمَار على الشّجر فَلم يقل بِوَضْع الجوائح بِنَاء على أَن المُشْتَرِي إِذا قبضهَا جَازَ تصرفه فِيهَا فَصَارَ ضَمَانهَا عَلَيْهِ
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي مَذْهَب أَحْمد الَّذِي ذكره الْخرقِيّ وَغَيره من الْمُتَقَدِّمين وَعَلِيهِ تدل أصُول أَحْمد أَن الضَّمَان وَالتَّصَرُّف لَا يتلازمان وَلِهَذَا كَانَ ظَاهر
стр. 323
مذْهبه وضع الجوائح فِي الثِّمَار وَجَوَاز تصرفه فِيهِ بِالْبيعِ وَغَيره مَعَ كَون ضَمَانهَا على البَائِع فَهِيَ كمنافع الْإِجَارَة مَضْمُونَة على الْمُؤَجّر قبل الإستيفاء فَلَو مَاتَ الدَّابَّة فتعطلت الْمَنَافِع كَانَت من ضَمَان الْمُؤَجّر مَعَ أَنه يجوز للْمُسْتَأْجر التَّصَرُّف فِيهَا فِي ظَاهر الْمَذْهَب
وَلِهَذَا كَانَ الظَّاهِر فِي مذْهبه فِي بَاب ضَمَان العقد الْفرق بَين مَا يتَمَكَّن من قَبضه وَمَا لم يتَمَكَّن لَيْسَ هُوَ الْفرق بَين الْمَقْبُوض وَغَيره كَمَا قَالَ الْخرقِيّ وَغَيره فِي بيع الصُّبْرَة الْمَبِيعَة جزَافا تدخل فِي ضَمَان المُشْتَرِي بِالْعقدِ وَلَا يجوزون للْمُشْتَرِي بيعهَا حَتَّى ينقلها فجوز التَّصَرُّف فِي الثَّمَرَة مَعَ كَون ضَمَانهَا على البَائِع وَمنع الصُّبْرَة مَعَ كَون ضَمَانهَا على المُشْتَرِي فَثَبت عدم التلازم
وَلَو عتق العَبْد الْمَبِيع قبل قَبضه نفذ عتقه إِجْمَاعًا
وَقد تنَازع النَّاس فِي الْهِبَة وَغَيرهَا وأصول الشَّرِيعَة توَافق هَذِه الطَّرِيقَة فَلَيْسَ كل مَا كَانَ مَضْمُونا على شخص يجوز لَهُ التَّصَرُّف فِيهِ كالمغضوب وَالْعَارِية وَلَيْسَ كل مَا جَازَ التَّصَرُّف فِيهِ كَانَ مَضْمُونا على الْمُتَصَرف كالمالك لَهُ أَن يتَصَرَّف فِي المغضوب والمعار فيبيع الْمَغْصُوب من غاصبه أَو مِمَّن يقدر على تخليصه وَإِن كَانَ مَضْمُونا على الْغَاصِب كَمَا أَن الضَّمَان بالخراج إِنَّمَا هُوَ فِيمَا اتّفق ملكا ويدا
أما إِذا كَانَ الْملك لشخص وَالْيَد لآخر فقد يكون الْخراج للْمَالِك وَالضَّمان على وَاضع الْيَد مَعَ أَن الدّين لَيْسَ مَضْمُونا على الْمَالِك
وَأَيْضًا فالبائع إِذا مكن المُشْتَرِي وَلم يتَمَكَّن من الْقَبْض فقد قضى مَا عَلَيْهِ
وَظَاهر الْمَذْهَب فِي الثَّمَرَة إِذا بِيعَتْ بعد بَدو الصّلاح أَنَّهَا من ضَمَان البَائِع
لِأَن عَلَيْهِ الْقَبْض إِلَى كَمَال الْجذاذ وَالْمُشْتَرِي لم يتَمَكَّن من جذاذها وَلَكِن جَازَ لَهُ التَّصَرُّف فِيمَا بدا مِنْهَا إِذا خلى بَينه وَبَينهَا
فَجعل فِي التَّصَرُّف قبضهَا بِالتَّخْلِيَةِ وَجعل فِي الضَّمَان قبضهَا بالتمكن من
стр. 324
الاتنفاع الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود بِالْعقدِ ولعوض مَأْخَذ هَذِه الْمسَائِل تنَازع الْفُقَهَاء فِيهَا كثيرا فَمِنْهُ من يلحظ فِيهَا معنى بل يتَمَسَّك فِيهَا بِظَاهِر النُّصُوص لِأَن أُجْرَة الْمثل فِي الأَرْض المغروسة تقدر بِالْأَرْضِ الْبَيْضَاء لاغراس فِيهَا المهيأة لِأَن يغْرس فِيهَا فَمَا بلغ فَهُوَ من أُجْرَة الْمثل
فصل فِي الْمُصراة وَغَيرهَا
وَلَا يجوز بيع الْمَغْشُوش وَلَا عمله إِذا لم يعلم قدر الْمَغْشُوش وَلَو أعلم المُشْتَرِي أَنه مغشوش لم يجز بَيْعه كاللبن المشوب بِالْمَاءِ وَالصُّوف المشوب بالمشاقة لِأَن المُشْتَرِي لَا يعلم قدر الْخَلْط فَيبقى الْمَبِيع مَجْهُولا وَكَذَا كل مَا كَانَ من الْغِشّ فِي المطعوم والملابس وَغَيرهَا
وَقد أفتى طَائِفَة من الْعلمَاء من أَصْحَاب أَحْمد وَمَالك وَغَيرهم أَن من صنع مثل هَذَا فَإِنَّهُ يجوز أَن يُعَاقب بتمزيق الثَّوْب الَّذِي غشه وَالتَّصَدُّق بِالطَّعَامِ الَّذِي غشه كَمَا يجوز شقّ ظروف الْخمر وَكسر دنانها كَمَا أَمر عمر ﵁ بتحريق كل مَكَان يُبَاع فِيهِ الْخمر وَقد نَص عَلَيْهِ أَحْمد وَغَيره وكما أَمر النَّبِي ﷺ عجل السامري وَلم يعده إِلَى أَهله وكما تكسر آلَات الملاهي
وَهَذِه تبنى على أَن الْعُقُوبَات فِي الْأَمْوَال يتبع فِيهَا مَا جَاءَت بهَا الشَّرِيعَة كالأبدان يتبع فِيهَا مَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة
وَادّعى قوم أَن الْعُقُوبَات الْمَالِيَّة مَنْسُوخَة وَلَا حجَّة مَعَهم فِي ذَلِك أصلا كَمَا أَن الْبدن إِذا قَامَ بِالْفُجُورِ أقيم عَلَيْهِ الْحَد وان كَانَ قد يتْلف بِإِقَامَة الْحَد كَذَلِك الَّذِي قَامَ بِهِ صَنْعَة الْفُجُور مثل الصَّنَم يجوز إِتْلَافه وتحريقه كَمَا حرق رَسُول الله ﷺ الْأَصْنَام
وَكَذَلِكَ من صنع صَنْعَة مُحرمَة فِي طَعَام أَو لِبَاس أَو نَحْو ذَلِك
стр. 325
وَلَا يجوز للدلال أَن يكون شَرِيكا فِي أَن يزِيد من غير علم البَائِع لانه يجب أَن لَا يزِيد أحد عَلَيْهِ فَلَا ينصح وَإِذا تواطأ جمَاعَة على ذَلِك استحقوا التَّعْزِير وَمن تعزيرهم أَن يمنعوا من المناداة حَتَّى يتوبوا وَتظهر تَوْبَتهمْ
وكل بيع غرر مثل الطَّائِر فِي الْهَوَاء والشارد والآبق وَالثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا وَبيع الْحَصَاة من الميسر الَّذِي حرمه الله فِي الْقُرْآن لِأَنَّهُ إِن قدر عَلَيْهِ كَانَ المُشْتَرِي قد قمر البَائِع حَيْثُ أَخذ مَاله بِدُونِ قِيمَته وَإِن لم يقدر عَلَيْهِ كَانَ البَائِع قد قمر المُشْتَرِي وَفِي كل مِنْهُمَا أكل مَال بِالْبَاطِلِ فَهُوَ قمار
وَمِنْه أَن يَبِيعهُ مَا فِي بطن الدَّابَّة وَنَحْوهَا
وَيجوز بيع الْغرَر لحَاجَة البَائِع كَمَا قد بسط ذَلِك فِي مَوْضِعه
إِذا أنزى على بهائمه فَحل غَيره فاللقاح لَهُ وَلَكِن إِذا كَانَ ظَالِما بالإنزاء بِحَيْثُ يضر بالفحل المنزى فَعَلَيهِ ضَمَان مَا نقص لصَاحبه فَإِن لم يعرف لَهُ صاحبا تصدق عَنهُ وَأما أَن كَانَ لَا يضرّهُ فَلَا قيمَة لَهُ
وَإِذا مَاتَ رب المَال فِي الْمُضَاربَة انْفَسَخت ثمَّ إِذا علم الْعَامِل بِمَوْتِهِ وَتصرف بِغَيْر إِذن الْوَرَثَة فَهُوَ غَاصِب
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي الرِّبْح هَل هُوَ للْمَالِك فَقَط كَمَاء الْأَعْيَان أَو لِلْعَامِلِ فَقَط لِأَن عَلَيْهِ الضَّمَان أَو يتصدقان بِهِ لِأَنَّهُ ربح خَبِيث أَو يكون بَينهمَا على أَرْبَعَة أَقْوَال أَصَحهَا الرَّابِع وَبِه حكم أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر ﵁ فِيمَا أَخذ ابناه من بَيت المَال فاتجروا فِيهِ بِغَيْر اسْتِحْقَاق فَجعله مُضَارَبَة
وَعَلِيهِ اعْتمد الْفُقَهَاء فِي بَاب الْمُضَاربَة أَن الرِّبْح مِمَّا حصل من مَنْفَعَة بدن هَذَا وَمَال هَذَا يكون بَينهمَا
стр. 326
فصل
إِذا أعْطى الدَّلال قماشا يَبِيعهُ ويختمه فَمَا وجد الختام فأودعه عِنْد شخص أَمِين عَادَتهم أَن يودعوا عِنْده فَعدم مِنْهُ شَيْء فَإِذا كَانَ عَادَتهم أَن يودعوا وَأَصْحَاب القماش يعلمُونَ ذَلِك ويقرونهم عَلَيْهِ فَلَا شَيْء على الدَّلال وَأما إِن كَانَ الدَّلال فرط فتصرف بِمَا لم يُؤذن لَهُ فِيهِ لَا لفظا وَلَا عرفا ضمن وَمن استودع وَدِيعَة فحفظها مَعَ مَاله فسرقت دون مَاله كَانَ ضَامِنا الْوَدِيعَة فِي أحد قولي الْعلمَاء هما رِوَايَتَانِ فَإِن عمر ﵁ ضمن أنس بن مَالك ﵁ وَدِيعَة ادعِي أَنَّهَا ذهبت دون مَاله وَأما إِن ادّعى أَنَّهَا ذهبت مَعَ مَاله ثمَّ ظهر أَن مَاله لم يذهب بل بَاعه أَو نَحوه فَهُنَا أوكد أَن يضمن
فَإِن ادّعى صَاحبهَا أَنه طلبَهَا من الْمُودع فَلم يُسَلِّمهَا أَو أَنه خَان فِيهِ كَانَ القَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه أقوي وآكد بل يسْتَحق الْمُودع التَّعْزِير على كذبه
وَإِن كَانَ من أهل الذِّمَّة فَشهد عَلَيْهِ من أهل دينه المقبولين عِنْدهم قبلت شَهَادَتهم فِي أحد قولي الْعلمَاء هما رِوَايَتَانِ وَقبُول شَهَادَتهم هُنَا أوكد فَإِنَّهُ يحكم بِيَمِين الْمُدَّعِي عَلَيْهِ لرجحان قَول الْمُدعى فِي قوليهم أَيْضا
وَأما من كَانَ من أهل الذِّمَّة يؤوى أهل الْحَرْب ويعاونهم على الْمُسلمين فقد انْتقض عَهده وَحل مَاله وَدَمه
ورذا أودع رجل شخصا مَالا ليوصله إِذا مَاتَ لأولاده فَمَاتَ وَترك غير أَوْلَاده وَرَثَة أخر فَإِذا كَانَ المَال الْمُودع وَجب أَن يُوصل إِلَى وَارِث حَقه سَوَاء خص بِهِ الْوَالِد الْأَوْلَاد أَولا وَلَيْسَ للمستودع أَن يخص بِهِ بعض الْوَرَثَة إِلَّا بِإِجَازَة البَاقِينَ وَلَو صرح لَهُ الْمَالِك بالتخصيص فَلَا يجوز ويحفظ نصيب هَؤُلَاءِ لصغار فَإِن كَانَ فِي الْبَلَد حَاكم عَالم عَادل قَادر يحفظ هَذَا المَال سلم إِلَيْهِ
стр. 327
وَإِن لم يجد من يحفظه أبقاه بِيَدِهِ يتجر فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ وَالرِّبْح للْيَتِيم وأجره على الله تَعَالَى
وَيجوز صرف مَال الْأَسير فكاكه بِلَا إِذْنه
وَالْمَال الْمُوصى بِهِ فِي يَد النَّاظر أَمَانَة يجب عَلَيْهِ حفظه تحفظ الْأَمَانَات وَلَا يودعه لحَاجَة فَإِن أودعهُ عِنْد من يغلب على الظَّن حفظه فالحاكم الْعَادِل إِن وجد أَو غَيره بِحَيْثُ لَا يكون فِي إيداعه تفريطا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَإِن أودعهُ لخائن أَو عَاجز مَعَ إِمْكَانه أَن لَا يفعل فَهُوَ مفرط
وَأما الْمُودع إِذا لم يعلم أَنه وَدِيعَة فَفِي تَضْمِينه قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ أظهرهمَا لَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَمَا حصل على التَّرِكَة بِسَبَب ظلم من المغارم فَهُوَ على المَال جَمِيعه
وَإِذا غضِبت الْوَدِيعَة فللناظر الْمُطَالبَة بهَا وللمودع أَيْضا فِي غيبته
وَإِذا مَاتَ الْمُودع وَلم يعلم حَال الْوَدِيعَة هَل أخذت أَو تلقت فَإِنَّهَا تكون دينا على تركته فِي أظهر قولي الْعلمَاء كَأبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد وَظَاهر نَص الشَّافِعِي تُؤْخَذ من مَاله
فَإِن لم يكن لَهُ مَال سوى الْوَقْف فَفِيهِ نزاع مَشْهُور فِي وقف الدّين الَّذِي أحَاط الدّين بِمَالِه وَكَذَلِكَ الْوَقْف الَّذِي لم يخرج عَن يَده حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ يبطل فِي أحد قولي مَالك وَأحد الْقَوْلَيْنِ لِأَحْمَد وَأبي حنيفَة
وَإِن كَانَ الْوَقْف قد صَحَّ وَلزِمَ وَله مستحقون وَلم يكن صَاحب الدّين يتَنَاوَلهُ الْوَقْف لم يكن وَفَاء الدّين فِي ذَلِك لَكِن إِن كَانَ مِمَّن تنَاوله الْوَقْف مثل أَن يكون على الْفُقَرَاء وَصَاحب الدّين فَقير فَلَا ريب أَن الصّرْف إِلَى هَذَا الْفَقِير الَّذِي لَهُ دين على الْوَقْف أولى من الصّرْف إِلَى غَيره
стр. 328
فصل
فِي رجل أسلف مائَة دِرْهَم على حَرِير فَلَمَّا حل الْأَجَل لم يكن عِنْده بِمَا يرضيه فَقَالَ رب الدّين اشْتَرِ مني هَذَا الْحَرِير إِلَى أجل وأحضر حَرِيرًا بِمِائَة وَخمسين ثمَّ قَالَ أوفى هَذَا الْحَرِير عَن السّلف الَّذِي عنْدك فو رَبًّا حرَام وَهَذَا المربي لَا يسْتَحق مَا فِي ذمم النَّاس إِلَّا مَا أَعْطَاهُم أَو نَظِيره
فَأَما الزِّيَادَات فقد يكون مَا قَبضه قبل ذَلِك رَبًّا وَلَكِن يُعْفَى عَنهُ وَأما مَا بَقِي فِي الذمم فَهُوَ سَاقِط لقَوْله تَعَالَى ﴿وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ وَقَوله ﴿وَإِن تبتم فلكم رُؤُوس أَمْوَالكُم﴾ وَالله أعلم
إِذا أسلف فِي حِنْطَة فاعتاض عَنْهَا شَعِيرًا فَفِيهِ قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ أصَحهمَا الْجَوَاز إِذا كَانَ بِسعْر الْوَقْت أَو أقل وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس
وَمن بَاعَ قمحا إِلَى أجل بِدَرَاهِم فَلَا يجوز أَن يعتاض عَنهُ بِمَا يجْرِي فِيهِ الرِّبَا فِي قَول مَالك وَالْمَشْهُور عَن أَحْمد وَقَالَ بعض أَصْحَابه يجوز وَهُوَ قَول أبي حنيفَة
وَمن بَاعَ عقارا فَخرج مُسْتَحقّا وَكَانَ الْمُشْتَرط عَالما ضمن الْمَنْفَعَة سَوَاء انْتفع بهَا أَولا وَإِن لم يعلم فقرار الضَّمَان على الظَّالِم
وَإِذا انتزع الْمَبِيع من يَد المُشْتَرِي وَأخذت مِنْهُ الْأُجْرَة وَهُوَ مغرور رَجَعَ بذلك على البَائِع الغر لَهُ
وَإِذا أسرت الْمَرْأَة وَلها ملك فرهنه أَخُوهَا أَو زَوجهَا لأجل أَن يخلصها فَلَا شَيْء عَلَيْهِم فَلَو وجدهَا قد خلصت أعَاد إِلَيْهَا مَا قَبضه ويفك الرَّهْن عَن ملكهَا
وَمن أَخذ من تَاجر مَالا وَامْتنع من إِعْطَائِهِ جَازَ ضربه ليؤدي المَال
وَمن غيب المَال وَجحد مَوْضِعه ضرب حَتَّى يدل على مَوْضِعه
стр. 329
وكل من عَلَيْهِ حق لَا يُوفيه مطلا جَازَت عُقُوبَته حَتَّى يُوفيه بِضَرْب مرّة بعد أُخْرَى وَمِنْهُم من قَالَ كل مرّة تِسْعَة وَثَلَاثِينَ وَمِنْهُم من يقدره وَله أَن يُعَاقِبهُ حَتَّى يَنْوِي توفيته فَلَيْسَ على الْحَاكِم إِلَّا ذَلِك وَإِن كَانَ يجوز لَهُ بيع مَاله ووفاء دينه لَكِن مَتى رأى أَن يلْزمه إِيَّاه إِمَّا بنقله عَنهُ وَإِمَّا لخوف مفْسدَة أَو ردعه جَازَ لَهُ ذَلِك
وَمن عَلَيْهِ مَال وَلم يوفه حَتَّى شكى رب المَال ومحرم عَلَيْهِ مَالا وَكَانَ الَّذِي عَلَيْهِ حق قَادِرًا على الْوَفَاء ومطل حَتَّى أحْوج مَالِكه إِلَى الشكوى فَمَا غرم بِسَبَب ذَلِك فَهُوَ على الظَّالِم الماطل إِذا كَانَ غرمه على الْوَجْه الْمُعْتَاد
وَمن حبس بدين وَله رهن لَا وَفَاء لَهُ غَيره وَجب على رب الدّين إمهالة حَتَّى يَبِيعهُ وَهُوَ فِي الْحَبْس ضَرَر وَجب إِخْرَاجه ليَبِيعهُ وَيضمن عَلَيْهِ أَو يمشي مَعَه الدَّائِن أَو وَكيله
وَمن عَلَيْهِ دين وَله ملك لَا يُمكنهُ بَيْعه إِلَّا بِدُونِ ثمن الْمثل الْمُعْتَاد غَالِبا فِي ذَلِك الْبَلَد لم يجب بَيْعه وَيلْزم الْغَرِيم إنظاره إِلَى ميسرَة إِلَّا أَن يكون تغير تغيرا مُسْتَقرًّا فَيكون حِينَئِذٍ ثمن الْمثل قد نقص فَيُبَاع بِثمن الْمثل المستقر وَله أَن يطْلب مِنْهُ كل وَقت مَا يقدر عَلَيْهِ وَهُوَ التقسيط
وَمن هرب وَعِنْده أمانات لَا يعرف حَالهَا وَكَانَ عَلَيْهَا عَلامَة من اسْم كل وَاحِد على متاعة أَو نَحوه عمل بذلك وَإِن تعذر ذَلِك كُله أَقرع بَين المدعين فَمن خرجت قرعته على عين أَخذهَا مَعَ يَمِينه وَمن علم حَقه بِبَيِّنَة أَخذه
وَإِذا حبست زَوجهَا على كسوتها وَكَانَ مُعسرا فَلَا نَفَقَة لَهَا أَيَّام حَبسه لِأَنَّهَا منعته ظلما وَإِن كَانَ مماطلا مَعَ قدرته وَهِي باذلة نَفسهَا فَعَلَيهِ نَفَقَتهَا
وَمن أعْطى رجل مَالا قراضا ثمَّ ظهر عَلَيْهِ دين قبل الفراض فَلَا يجوز
стр. 330
أَن يُوفي الدّين من مَال الْقَرَاض إِلَّا أَن يخْتَار رب المَال وَإِذا ادّعى مَا يُمكن فِي الْعَادة من نقص الْقَرَاض أَو عَدمه فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه وَإِن ادّعى مَا يُخَالف الْمَادَّة لم يقبل بِمُجَرَّد قَوْله
وَمن ادّعى عَلَيْهِ حق فَطلب أَن يعْقد فِي الترسيم حَتَّى يَبِيع مَاله ويوفي وَجب تَمْكِينه وَلم يجز حَبسه الْحَبْس الحاجز لَهُ عَن ذَلِك وَهَذَا بِاتِّفَاق الْمُسلمين
وَكَذَا إِن أمكنه أَن يحتال لوفاء دينه باقتراض أمْهل بِقدر ذَلِك وَلم يجز منفعه من ذَلِك بحبسه وَالْحَال لَا يتأجل وَقيل بلَى وَقيل فِي المفاوضات يتأجل دون التَّبَرُّعَات وَالثَّلَاثَة لِأَحْمَد رَحمَه الله تَعَالَى
فصل فِي الْحجر
إِذا تزوجت لم يجب عَلَيْهَا طَاعَة أَبِيهَا وَلَا أمهَا فِي فِرَاق زَوجهَا وَلَا فِي زيارتهم وَنَحْو ذَلِك بل الْوَاجِب عَلَيْهَا طَاعَة زَوجهَا إِذا لم يأمرها بِمَعْصِيَة وطاعته أَحَق من طاعتهما وَأَيّمَا امْرَأَة رَاض عَنْهَا دخلت الْجنَّة
وَإِذا أَرَادَت الْأُم التَّفْرِيق بَين ابْنَتهَا وَزوجهَا فَهِيَ من حبس هَارُون وماروت لَا طَاعَة لَهَا وَلَو دعت عَلَيْهَا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَكُونَا مجتمين على مَعْصِيّة الله أَو تكون أمرت الْبِنْت بِطَاعَة الله وَرَسُوله ومنعها الزَّوْج ذَلِك وَطَاعَة الله وَاجِبَة على كل مُسلم وَالله أعلم
وَمن تزوج امْرَأَة وَبعد مُدَّة جَاءَ والدها فطلبت مِنْهُ شَيْئا لمصلحتها فَقَالَ أَنا تَحت الْحجر فَلَا يقبل قَوْله بل الْأَصَح صِحَة التَّصَرُّف وَعدم الْحجر حَتَّى يثبت وَمن كَانَ مِنْهُمَا تَحت حجر أَبِيه فَلهُ عَلَيْهِ الْيَمين أَنه لَا يعلم رشده إِذا طلب ذَلِك وَلم تقم بَيِّنَة وَإِن أَقَامَ بَيِّنَة برشده فك عَنهُ الْحجر وَإِن لم يعْتَرف بِهِ أَبوهُ
وَمن قَالَ ازوجته أَنْت طَالِق فأبرأته وَلَيْسَت تَحت الْحجر وَلَا لَهَا أَب ثمَّ ادَّعَت السَّفه ليسقط الْإِبْرَاء لم تقبل دَعْوَاهَا وَلَو أَقَامَت بَيِّنَة بَينه أَنَّهَا كَانَت سَفِيهَة
стр. 331
وَإِن لم تكن تَحت الحجز لم يبطل الْإِبْرَاء بذلك وَإِن كَانَت هِيَ المتصرفة لنَفسهَا وَمن ثَبت أَنه ضَامِن بِإِقْرَار أَو بَيِّنَة أَو بخطة لزمَه ماضمنه فَإِن ادّعى أَنه كَانَ تَحت الْحجر لم يقبل بِمُجَرَّد الدَّعْوَى وَإِذا قَالَ إِن الْمَضْمُون لَهُ يعلم ذَلِك فَلهُ إحلافه وَكَذَا لَو ادّعى الْإِكْرَاه
وَإِذا مَاتَ الْوَصِيّ وَلم يعلم الْيَتِيم قد ذهب بِغَيْر تَفْرِيط فَهُوَ فِي تركته لَكِن هَل هُوَ دين يحاص بِهِ الْغُرَمَاء أم أَمَانَة يقدم بهَا فِيهِ نزاع
فصل فِي الصُّلْح
وَمن شَارك كَافِرًا فِي بِنَاء فَلَيْسَ لَهُ رفْعَة على بِنَاء الْمُسلمين وَإِن أَرَادَ ذَلِك واستخدم الْكَافِر فِي بناءأ أَو شَاركهُ وَقصد بجاه الْإِسْلَام رَفعه فقد بخس الاسلام وَاسْتحق أَن يهان الإهانة الإسلامية
وَيجوز أَن يَبْنِي من وقف الْمَسْجِد خَارج الْمَسْجِد بَيْتا ينْتَفع بِهِ أهل الِاسْتِحْقَاق لريع الْوَقْف القائمين بمصلحة الْوَقْف وَيجوز أَن يعْمل مَكَانا لمصْلحَة الْمَسْجِد وَأَهله من تَغْيِير الْعِمَارَة من صُورَة إِلَى صُورَة وَنَحْو ذَلِك مثل أَن يعْمل ميضأة مَكَانا للْوُضُوء وَلَا مَحْذُور فِيهِ فَإِن الْوضُوء فِي الْمَسْجِد جَائِز بل لَا يكره عِنْد الْجُمْهُور وَلَيْسَ لأحد التحجير على مَقْبرَة الْمُسلمين ليختص هُوَ بِموضع وَلَا بِنَاء حَائِط وَنَحْوه
ومالا تقوم الْعِمَارَة إِلَّا بهم من الْعمَّال والحساب فهم من أهل الْعِمَارَة
وَلَا يجوز بيع شئ من طَرِيق الْمُسلمين سَوَاء كَانَت وَاسِعَة أَو ضيقَة
وَإِذا صَالح على بعض الْحق خوفًا من ذهَاب جَمِيعه فَهُوَ مكره لَا يَصح صلحه لَهُ أَن يُطَالِبهُ بِالْحَقِّ بعد ذَلِك إِذا أقرّ بِهِ أَو ثَبت بِبَيِّنَة
وَإِذا لم يبْق فِي الْقرْيَة من أهل الذِّمَّة أحد بل مَاتُوا أَو أَسْلمُوا جَمِيعًا جَازَ أَن تتَّخذ الْبيعَة مَسْجِدا لَا سِيمَا إِن كَانَت بِبِلَاد الشَّام فَإِنَّهُ فتحت عنْوَة
стр. 332
مَسْأَلَة لَا يجوز لأحد أَن يخرج فِي طَرِيق الْمُسلمين شَيْئا من أحزاء الْبناء حَتَّى إِنَّه نهى عَن تَخْصِيص الْحَائِط إِلَّا أَن يدْخل فِي حَده بِقدر الجص
وَلَا يجوز قسْمَة الْوَقْف إِذا كَانَ عَليّ جِهَة وَاحِدَة اتِّفَاقًا وَقد صرح طَائِفَة فِي قسْمَة الْوَقْف بِوَجْهَيْنِ وصرحوا بِأَن الْوَقْف إِنَّمَا يقسم إِذا كَانَ على جِهَتَيْنِ وَلَيْسَ لأحد اتِّخَاذ الْمَسْجِد طَرِيقا
فصل فِي الضَّمَان
إِذا تعدى الْمَضْمُون فهرب بذلك مَعَ قدرته على الْوَفَاء فَمَا لزم الضَّامِن من غَرَامَة فَلهُ أَن يرجع بهَا على الْمَضْمُون الَّذِي ظلمه إِذا كَانَ مَا غرمه بِالْمَعْرُوفِ ضَمَان مالم يجب وَضَمان الْمَجْهُول جاذز عنجمهور الْعلمَاء كمالك وَأبي حنيفَة وَأحمد وَلَا يجوز عِنْد الشَّافِعِي
وَيجوز لِلْكَاتِبِ وَالشَّاهِد أَن يكْتب العقد وَيشْهد عَلَيْهِ وَلَو لم ير جَوَازه لِأَنَّهُ من مسَائِل الإجتهاد وَولى الْأَمر يحكم بِمَا يرَاهُ من الْقَوْلَيْنِ
وَإِذا كَانَ على الْوَلَد فتغيب فَلَا يُطَالب بِهِ وَالِده إِذا لم يكن ضامنه وَلَا لَهُ عِنْده مَال لَكِن إِن أمكنه مَعُونَة صَاحب الْحق على إِحْضَار وَلَده بالتعريف مَكَانَهُ وَنَحْوه لزمَه ذَلِك وَإِلَّا فَلَا شئ عَلَيْهِ
وَمن سلم غَرِيمه إِلَى السجان ففرط السجان فِيهِ حَتَّى هرب فالسجان وَنَحْوه مِمَّن هُوَ وَكيل على بدن الْغَرِيم بِمَنْزِلَة الْكَفِيل للْغَرِيم يتَوَجَّه عَلَيْهِ إِحْضَاره فَإِن تعذر ضمن مَا عَلَيْهِ من المَال عندنَا وَعند مَالك
وَإِذا أسلم الْكَفِيل الْغَرِيم وَهُوَ فِي حبس الشَّرْع برِئ وَلَا يلْزمه إِخْرَاجه من الْحَبْس وتسليمه إِلَى المككفول لَهُ بل يَكْفِي تَسْلِيمه وَهُوَ فِي الْحَبْس
وَمن كَانَ فِي يَده دَوَاب لغيره من رَاع وَنَحْوه فَحصل مرض وَخَافَ مَوتهَا
стр. 333
فَلهُ ذَبحهَا وَلَا شئ عَلَيْهِ فَإِن ذَبحهَا خير من تَركهَا حَتَّى تَمُوت وَقد فعل مثل هَذَا رَاع عَليّ عهد رَسُول الله ﷺ وَلم يُنكر عَلَيْهِ وَلَا بَين أَنه ضَامِن وَهُوَ نَظِير خرق صَاحب مُوسَى السَّفِينَة ينْتَفع بهَا أَهلهَا مَرْقُوعَة خير من ذهابها بِالْكُلِّيَّةِ وَمثل مَا لَو رأى الرجل مَال أَخِيه يتْلف بِمثل هَذَا فَأصْلح مِنْهُ بِحَسب الْإِمْكَان كَانَ مأجورا عَلَيْهِ وَإِن نقصت قيتهت فناقص خير من تَالِف فَكيف إِذا كَانَ مؤتمنا كَالرَّاعِي والمستكرى وَنَحْوه
وَمن كَانُوا مماليك لرجل نحس يمنعهُم من طَاعَة الله ويكرههم على مَعْصِيَته وَيطْلبُونَ البيع فيضربهم فهوبوا مِنْهُ فَلَا شئ عَلَيْهِم بل الْوَاجِب عَلَيْهِم ذَلِك وَقد أَحْسنُوا فَلَا حُرْمَة لمن يكون كَذَلِك لَو كَانَ فِي طَاعَة الْمُسلمين فَكيف إِذا ك ان فِي طَاعَة الْمُشْركين فَإِنَّهُ يجب قِتَاله وَإِن كَانَ مُسلما وَهَؤُلَاء الْمُهَاجِرُونَ الَّذين فروا بِأَنْفسِهِم قد أَحْسنُوا
وَالْعَبْد إِذا هَاجر من أَرض الْحَرْب فَهُوَ حر
وَمن دخل إِلَى دَوَاب غَيره فَلهُ إخْرَاجهَا بأسهل مَا يُمكن فَإِذا أمكن إحراجها بِغَيْر العرقية فعرقبها عزّر عَليّ تَعْذِيب الْحَيَوَان بِغَيْر حق وعَلى الْعدوان على أَمْوَال النَّاس وَضمن بدلهَا لمَالِكهَا
وعَلى أهل الزَّرْع حفظ زرعهم نَهَارا وعَلى أهل الْمَوَاشِي حفظ دوابهم لَيْلًا كَمَا أَمر رَسُول الله ﷺ
وَمن ربط جملَة فِي الرّبيع بِجنب جمل غَيره فَانْقَلَبَ عَلَيْهِ فَقتله فَإِن كَانَ فرط فِي ربط بِقَيْد ضَعِيف فَعَلَيهِ ضَمَان مَا أتْلفه من جمل أَو غير وَإِلَّا فَلَا
ومنشارك بِبدنِهِ وَمَال صَاحبه وَتلف المَال أَو بعضه من غير عدوان من صَاحب الْبدن الْعَامِل فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ من المَال سَوَاء كَانَت الْمُضَاربَة صَحِيحَة أَو فَاسِدَة بِاتِّفَاق الْعلمَاء
стр. 334
وَمن اتهمَ بقتل فأحضر إِلَى النَّائِب وألزموه بعقابه وضمنوا دَمه فَعُوقِبَ حَتَّى مَاتَ وَلم يقر بشئ وَلَا ظهر عَلَيْهِ شئ لَزِمَهُم دَمه بل يعاقبون كَمَا عُوقِبَ روى أَبُو دَاوُد فِي السّنَن عَن النُّعْمَان بن بشير ﵁ أَنه قضى بِنَحْوِ ذَلِك
فصل
يجب أَن يُولى الامامة وَالنَّظَر على الْمَسَاجِد شرعا وهم الأقرأ لكتاب الله والأعلم بِسنة رَسُول الله ﷺ ثمَّ الأسبق إِلَى الْأَعْمَال الصَّالِحَة مثل أَن يكون أسبق إِلَى الْهِجْرَة أَو أقدم سنا فَكيف إِذا كَانَ الأحق هُوَ المتولى فَلَا يجوز عَزله بِاتِّفَاق الْعلمَاء
وللشريك إِلْزَام شَرِيكه بِالْقِسْمَةِ إنكان الْمَكَان مِمَّا يقسم بِلَا ضَرَر وَإِن كَانَ فِيهِ ضَرَر فَلهُ الْمُطَالبَة بِبيع الْجَمِيع ليقتسما الثّمن
وَمن شهد عَليّ بيع ظلم يعلم أَنه ظلم فَشهد مَعُونَة على ذَلِك فقد أعَان على الْإِثْم بل صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه لعن آكل الرِّبَا وموكله وَشَاهده وكاتبه وَقَالَ إِنِّي لَا أشهد على جور وَمن فعل ذَلِك مصرا عَلَيْهِ قدح ذَلِك فِي عَدَالَته
وَإِذا مَاتَ الْوَصِيّ وَلم يعلم الْيَتِيم فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا يقسم بَينهمَا وَهُوَ قو أبي حنيفَة
وَالثَّانِي يُوقف الْأَمر حَتَّى يصطلحا كَقَوْل الشَّافِعِي
وَالثَّالِث وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد يقرع بَينهمَا فَمن قرع حلف وَأخذ لما روى أَبُو دَاوُد أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا فِي مَتَاع وَلَا بَيِّنَة لوَاحِد مِنْهُمَا فَقَالَ النَّبِي ﷺ اسْتهمَا عَلَيْهِ
стр. 335
وَإِذا طلب الشَّرِيك أَن يُؤجر الْعين المشركة ويقتسموا الْأُجْرَة أَو أَن يتهايؤها بقسم الْمَنْفَعَة وَجب على الشُّرَكَاء إجَابَته إِلَى أحد الْأَمريْنِ وَلَيْسَ لَهُم الغلو وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد وَأبي حنيفَة وَيجب عَليّ الشَّرِيك أَن يعْمل مَعَ شَرِيكه فِي أصح قَول الْعلمَاء فَإِن أجابوه إِلَى الْمُهَايَأَة وطلبوا تَطْوِيل الدّور الَّذِي يَأْخُذ فِيهِ نصِيبه وَهُوَ تَقْصِيره وَجب إجَابَته دونهم فَإِن الْمُهَايَأَة فِيهَا تَأْخِير حُقُوق بعض الشُّرَكَاء وَكلما كَانَ أقرب كَانَ أولى لِأَن الأَصْل اسْتِيفَاء الشُّرَكَاء جَمِيعهم حُقُوقهم وَالتَّأْخِير لأجل الْحَاجة فَكلما قل زمن التَّأْخِير كَانَ أولى
وَلَيْسَ للشَّرِيك أَن يقسم بِنَفسِهِ شَيْئا أَو يَأْخُذ نصِيبه مِنْهُ وَإِذا امْتنع بعض الشُّرَكَاء من الزَّرْع جَازَ لبَعْضهِم أَن يزرع فِي مِقْدَار نصِيبه وَيخْتَص بِمَا زرعه
وَإِذا اشْترك الشُّرَكَاء وَنَحْوهم فَمُقْتَضى عقد الشُّرَكَاء الْمُطلقَة التَّسْوِيَة فِي الْعَمَل وَالْأَجْر فَإِن عمل بَعضهم أَكثر مُتَبَرعا ساووه فِي الْأجر وَإِن لم يتَبَرَّع طالبهم بِمَا زَاد فِي الْعَمَل الزَّائِد بِأُجْرَة وَإِن اتَّفقُوا عَليّ شَرط زِيَادَة لَهُ جَازَ
وَلَيْسَ لوَلِيّ الْأَمر أَن يحمل النَّاس عَليّ مذْهبه فِي منع مُعَاملَة لَا يَرَاهَا وَلَا للْعَالم والمفتي أَن يلزما النَّاس باتباعهما فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد بَين الْأَئِمَّة بل قَالَ الْعلمَاء إِجْمَاعهم قَاطِعَة وَاخْتِلَافهمْ رَحْمَة وَاسِعَة وَمثل هَذِه الْمسَائِل الاجتهادية لَا تنكر بِالْيَدِ
ورذا لم يتَّفق الشريكان فِي الدَّابَّة يَجْعَلهَا عِنْد أَحدهمَا أَو غَيرهمَا جعلهَا الْحَاكِم عَن ثَالِث يحتاره لَهما فَإِن طلب أَحدهمَا مفاظلة الآخر فيهمَا بِيعَتْ جَمِيعهَا قسم ثمنهَا بَينهمَا
وَكَذَا الدَّار إِذا طلب أَحدهمَا الْقِسْمَة وَكَانَت تقبلهَا قسمت وأجبر الْمُمْتَنع عِنْد الْأَرْبَعَة وَإِذا كَانَ طَالب الْقِسْمَة طلب فَيجْبر الْمُمْتَنع وَيقسم بَينهمَا الثّمن فِي مَذْهَب مَالك وزبي حنيفَة وَالْإِمَام أَحْمد
وَمن اشْترك هُوَ وَآخر من أَحدهمَا الدَّابَّة وَمن الآخر دَرَاهِم نظر فِي قيمَة
стр. 336
الدَّابَّة فَتكون هِيَ وَالدَّرَاهِم رَأس المَال وَذَلِكَ مُشْتَرك بَينهمَا لِأَن عندنَا الشّركَة وَالْقِسْمَة تصح بالأبدان لَا تفْتَقر رلي خلط وتمييز فسخا الشّركَة بِيعَتْ الدَّابَّة واقتسما ثمنهَا هَذَا إِذا صححنا الشّركَة بالعروض وَأما إِذا أبطناها فَحكم الْفَاسِدَة حكم الصَّحِيحَة فِي الضَّمَان وَعَدَمه وَصِحَّة التَّصَرُّف وفساده وَإِنَّمَا يفترقان فِي الْحل وَمِقْدَار الرِّبْح على أحد الْقَوْلَيْنِ وَظَاهر مَذْهَب أَحْمد أَن الرِّبْح عَليّ ماشرطا وعَلى القَوْل الآخر الرِّبْح تبع لِلْمَالِ وَللْآخر أُجْرَة الْمثل وَالأَصَح فِي هَذَا أَن لَهُ ربح الْمثل والأقوال ثَلَاثَة
وَإِذا كَانَت غنم الخلطاء مَعَ رَاع واحتاجت إِلَى نَفَقَة فَبَاعَ بَعْضهَا وأنفقه عَليّ الْبَاقِي اقتسموا الْبَاقِي على قدر رُءُوس الْأَمْوَال أَو غرم الرَّاعِي قيمَة مَا بَاعَ
وَإِذا كَانَ الشَّرِيك فِي الْبَقَرَة يَأْخُذ اللَّبن وَهُوَ قدر الْعلف فَلَا شئ عَلَيْهِ وَإِن كَانَ انتفاعه بهَا أَكثر من الْعلف أعْطى شَرِيكه نصِيبه من الْفضل
وَلَا يجوز أَن يَبِيعهُ عَليّ أَن يقْرضهُ وَلَا يؤجره على أَن يساقيه وَلَا يُشَارِكهُ على أَن يقْرضهُ وَلَا يَبِيعهُ عَليّ أَن يبْتَاع مِنْهُ باتفاقهم
فصل فِي الْوكَالَة
إِذا قَالَ لرجل إِن لم ترض زَوْجَتي بِالنَّفَقَةِ سلم إِلَيْهَا كتابها فقد وَكله وَهَذَا القَوْل كِنَايَة فِي الطَّلَاق
فَإِن قَالَ الْمُوكل أردْت بِهِ الطَّلَاق أَو علم ذَلِك بِقَرِينَة الْحَال ملك الْوَكِيل أَن يُطلق وَاحِدَة لَا ثَلَاثًا إِلَّا بِإِذن الْمُوكل فَإِذا قَالَ لم أرد إِلَّا وَاحِدَة كَانَ القَوْل قَوْله وَللزَّوْج أَن يُرَاجِعهَا
وَإِذا أجر أَرض مُوكله عَن شَرِيكه مثل أَن يؤجرها بِنصْف أُجْرَة الْمثل كَانَ الْوَكِيل ضَامِنا للنقص
стр. 337
وَهل للْمَالِك إبِْطَال الْإِجَارَة فِيهِ نزاع
وَمن طلق زَوجته ثمَّ تزوج غَيرهَا ووكل الثَّانِيَة فِي طَلَاق الأولى فَقَالَ مَتى رددت أم أَوْلَادِي كَانَ طَلاقهَا بِيَدِك لم تطلق الَّتِي وَكلهَا وَبَطلَت وكانتها فِي ذَلِك بِخِلَاف مَا لَو وَكلهَا فِي بيع وَنَحْوه ثمَّ طَلقهَا ثَلَاثًا لم تبطل الْوكَالَة بالتطليق هُنَا كَمَا ذكر ذَلِك الْفُقَهَاء وَقد يظنّ صِحَة التَّوْكِيل فِي التَّطْلِيق
وَالصَّوَاب أَنه يبطل توكيلها فِي طَلَاق الأولى إِذا طَلقهَا لِأَن مَقْصُوده أَن لَا أجمع بَيْنك وَبَينهَا إِلَّا برضاك لما تكره منالضرر بمشاركتها لَهَا فِيمَا تستحقه من ذَلِك بالقسم وننحوه فَإِذا بتها لم يبْق لَهَا عَلَيْهِ حق فَلَا تزاحمها تِلْكَ فِي الْحُقُوق وَلَا يعْتَبر رِضَاهَا فِي تزَوجه لَهَا عَليّ ذَلِك لِأَن الْعَادة أَنه يرضى زَوجته وَهُوَ قد أسخطها بِطَلَاقِهَا فَكيف يقْصد رِضَاهَا بِمَا هُوَ دونه
وَمن كَانَ مَمْلُوكه يتَصَرَّف لَهُ تصرف الْوَكِيل من البيع وَالْإِجَارَة وَنَحْوهَا وَهُوَ يعلم ذَلِك فَفعل شَيْئا من االبيع وَالْإِجَارَة فَقَالَ السَّيِّد لَيْسَ هُوَ وَكيلِي فِي ذَلِك لم يقبل إِنْكَاره حَتَّى لَو قدر أَنه لم يُوكله فتفريطه وتسليطه عدوان مِنْهُ يُوجب الضَّمَان
وَمن وكل رجلا فِي تَحْصِيل أَمْوَاله والتحدث فِيهَا بالعشر أَو وَكله مُطلقًا عَليّ الْوَجْه الْمُعْتَاد الَّذِي يقتضى فِي الْعرف أَن لَهُ الْعشْر فَلهُ ذَلِك فَإِنَّهُ يسْتَحق الْعشْر بِشَرْط لَفْظِي أَو عرفي وَهَذَا كاستئجار الأَرْض للزَّرْع بِجُزْء من زَرعهَا وَهِي مَسْأَلَة قفيز الطَّحَّان وَمن نقل النهى عَن أَحْمد فقد أَخطَأ
وَاسْتِيفَاء المَال بِجُزْء شاذع مِنْهُ جَائِز فِي أظهر قولي الْعلمَاء
وَإِن كَانَ قد عمل لَهُ عَليّ أَن يُعْطِيهِ عوضا وَلم يعين فَلهُ أجر الْمثل الَّذِي جرت بِهِ الْعَادة وَإِذا اسْتحق عَلَيْهِ شَيْئا فَلهُ استيفاءه من تركته بِدُونِ إِذْنه وَإِن لم يسْتَحق شَيْئا لم يَأْخُذ شَيْئا إِلَّا بِإِذْنِهِ
стр. 338
وَمن وكل رجلا وكَالَة مُطلقَة فِي إجَازَة أَو نَحْوهَا فأجر أرضه بِخَمْسَة آلَاف وأجرتها تَسَاوِي عشرَة آلَاف فَلهُ تضمين الْوَكِيل مَا فرط فِيهِ وَأكْثر الْفُقَهَاء يَقُولُونَ الْإِجَارَة بَاطِلَة كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحد قولي أَحْمد لَكِن إِن كَانَ الْمُسْتَأْجر مغرورا لم يعلم بِحَال الْوَكِيل بل ظن أَنه مَالك علم بِالْقيمَةِ فَلهُ الرُّجُوع على من غره بِمَا لم يلْزم فِي أصح قولي الْعلمَاء وزرعه مُحْتَرم لَا يقْلع مجَّانا بل يتْرك بِأُجْرَة الْمثل وَإِن كَانَ عَالما فَهُوَ ظَالِم غَاصِب وَهل للْمَالِك قلعه مجَّانا عَليّ قَوْلَيْنِ وَهل يملكهُ بِنَفَقَتِهِ عَليّ قَوْلَيْنِ وَيملك إبقاءه بِأُجْرَة الْمثل اتِّفَاقًا وَإِذا ادّعى الْمُسْتَأْجر أَنه غير عَالم بِالْحَال فَأنْكر الْمُؤَجّر فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه
وَمن وكل وَكيلا فِي بيع ملكه فَبَاعَهُ لشخص وَثَبت البيع والحيازة وَحكم بِهِ حَاكم ثمَّ وَقفه الْمُشْتَرى وَحكم حَاكم بِصِحَّة الْوَقْف وَالْمُوكل عَالم بذلك كُله وَلم يبد فِيهِ مطعنا ثمَّ ادّعى أَنه كَانَ قد عزل الْوَكِيل قبل البيع وَلم يعلم الْوَكِيل وَأقَام بَيِّنَة وَحكم بِهِ حَاكم فَمن قَالَ لَا يَنْعَزِل قبل الْعلم وَهُوَ الْمَشْهُور مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَقَول مَالك فعلى هَذَا لَا يقبل بِمُجَرَّد قَوْله بِمُجَرَّد دَعْوَاهُ الْعَزْل قبل التَّصَرُّف ورذا أَقَامَ بِهِ بَيِّنَة بِبَلَد آخر كَانَ حكما عَليّ الْغَائِب إِذا قيل بصتح فالغائب على حجَّته فَلهُ الْقدح فِي الشُّهُود وَفِي الحكم بِمَا يسوغ من كَون الْحَاكِم الَّذِي حكم لَا يرى الْعَزْل وَكَون الشُّهُود فسقه أَو متهمين
ثمَّ الَّذِي حكم بِصِحَّة البيع وَالْوَقْف إِن كَانَ مِمَّن لَا يرى عزل الْوَكِيل قبل علمه وَقد بلغه ذَلِك فَحكمه نَافِذ لَا يجوز نقضه بِحَال بل من نقضه نقض حكمه وَإِن كَانَ لم يعلم ذَلِك ومذهبه عدم الحكم بِصِحَّتِهِ إِذا ثَبت كَانَ وجود حكمه كَعَدَمِهِ وَالْحكم الثَّانِي إِذا لم يعلم الْعَزْل قبل البيع أَو علم بذلك وَهُوَ لَا يرَاهُ أَو رَآهُ وَهُوَ لَا يرى نقض الحكم الْمُتَقَدّم وَمَا ذكر من علم الْمُوكل بِمَا جرى وسكوته كَانَ وجود حكمه كَعَدَمِهِ واستوثق الحكم فِي الْقَضِيَّة وَقبض الْمُوكل الثّمن دَلِيل عَليّ بَقَاء الْوكَالَة إِ لم يعرضه معَارض راحج
стр. 339
وَأكْثر الْعلمَاء يقبلُونَ مثل هَذِه الْحَج ويدفعون بهَا دَعْوَى الْعَزْل لَا يسما مَعَ كَثْرَة شُهُود الزُّور
وَلَو حكم بِبُطْلَان الْوَقْف لم يجب على الْوَكِيل وَلَا على المُشْتَرِي رد مَا اسْتَوْفَاهُ من الْمَنْفَعَة لِأَنَّهُمَا مغروران غرهما الْمُوكل فَلَا تضمن لَهُ الْمَنْفَعَة وَالْقَوْل فِي دفع الثّمن إِلَى الْمُوكل قَول الْوَكِيل إِن كَانَ بِلَا جعل وَإِن كَانَ يَجْعَل فَقَوْلَانِ وَإِذا فسخ الْوَكِيل النِّكَاح الْمَأْذُون لَهُ فِي فَسخه بعد تَمْكِين الْحَاكِم لَهُ صَحَّ فَسخه وَلم يحْتَج بعد ذَلِك إِلَيّ حكم بِصِحَّة الْفَسْخ فِي مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَغَيرهم وَلَكِن الْحَاكِم نَفسه إِذا فعل فعلا مُخْتَلفا فِيهِ من عقد أَو فسخ كتزويج بِلَا ولي ومشترى عين غَائِبَة ليتيم ثمَّ رفع إِلَى حَاكم لَا يرَاهُ فَهَل لَهُ نقضه قبل أَن يحكم بِهِ أَو يكون فعل الْحَاكِم حكما رَافعا للْخلاف عَليّ وَجْهَيْن فِي مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد
وَالْحَاكِم هُنَا لَيْسَ هُوَ الفاسخ وَإِنَّمَا هُوَ الْآذِن وَالْحَاكِم بِجَوَازِهِ كَمَا لَو حكم بميراث وَأذن لَهُ فِي التَّصَرُّف أَو حكم بِأَنَّهُ ولي الْيَتِيم وَأذن لَهُ فِي التَّصَرُّف
فَفِي كل مَوضِع حكم لشخص بِاسْتِحْقَاق العقد أَو الْفَسْخ فعقد هَذَا الْمُسْتَحق أَو فسخ لم يحْتَج بعد ذَلِك إِلَيّ حكم حَاكم للصِّحَّة أَو للْفَسْخ بِلَا نزاع فِي مثل هَذَا وَإِنَّمَا النزاع فِيمَا إِذا كَانَ هُوَ الْعَاقِد أَو الفاسخ
وَالصَّحِيح أَن عقده وفسخه لَا يحْتَاج إِلَيّ حكم حَاكم فِيهِ يرى أَن لَا يفْسخ بِالِاعْتِبَارِ كَأبي حنيفَة
أما من يرى الْفَسْخ فَلَيْسَ لَهُ نقض الحكم بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة
وكل تصرف متنازع فِيهِ رذا حكم بِصِحَّتِهِ لم يكن لغيره نقضه إِذا لم يُخَالف نصا وَلَا إِجْمَاعًا
وَمن صَالح عَليّ بعض الْحق خوفًا من ذهَاب جمعيه فَهُوَ مكره لم يَصح صلحه وَله أَن يُطَالب بِالْحَقِّ بعد ذَلِك إِذا ثَبت بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار
стр. 340
وَإِذا غر الْوَكِيل شخصا وأجره أَرضًا بِدُونِ أُجْرَة الْمثل فَهَل لأَصْحَاب الأَرْض تضمين الْمُسْتَأْجر عَليّ قَوْلَيْنِ
وَإِذا ضمنوه فَهَل لَهُ الرُّجُوع عَليّ الْغَار الَّذِي هُوَ الْوَكِيل بِمَا يلْتَزم ضَمَانه بِالْعقدِ عَليّ قَوْلَيْنِ لِأَحْمَد وَغَيره
وَإِن علم الْمُسْتَأْجر ضمن مَا اسْتَوْفَاهُ من الْمَنْفَعَة وَإِن لم يكن استوفى بعد فللمالك مَنعه من الِاسْتِيفَاء
فصل فِي الْإِقْرَار
وَمن اتهمَ غُلَامه بِسَرِقَة شئ فَذكر الْغُلَام أَنه أودعهُ عِنْد فلَان مثلا فَلَا يجوز مُؤَاخذَة فلَان بقول الْغُلَام بِاتِّفَاق الْمُسلمين سَوَاء كَانَ الحكم قَاض الحكم أَو ولي الْأَمر بل الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْفُقَهَاء فِي الْمُتَّهم بِسَرِقَة وَنَحْوهَا أَن ينظر فِي الْمُتَّهم فإمَّا أَن يكون مَعْرُوفا بِالْفُجُورِ أَو مَجْهُول الْحَال فَإِن كَانَ مَعْرُوفا بِالْبرِّ وَالتَّقوى لم يجز مُطَالبَته وَلَا عُقُوبَته وَهل يحلف عَليّ قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء وَمِنْهُم من قَالَ يعززمن رَمَاه بالتهمة
فَأَما إِن كَانَ مَجْهُول الْحَال فَإِنَّهُ يجنس حَتَّى يكْشف أمره وَقيل يحبس شهرا وَقيل بِقدر اجْتِهَاد ولي الْأَمر لما فِي السّنَن عَن النَّبِي ﷺ أَنه حبس فِي تُهْمَة وَكَذَلِكَ نَص عَلَيْهِ الْفُقَهَاء من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم
وَإِن كَانَ الرجل مَعْرُوفا بافجور الْمُنَاسب للتُّهمَةِ فَقَالَ طَائِفَة من الْفُقَهَاء يضْربهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي وَقَالَ طَائِفَة يضْربهُ الْوَالِي فَقَط ذكر ذَلِك طوائف من أَصْحَاب مَالك وَالْإِمَام أَحْمد وَالشَّافِعِيّ
وَمن الْفُقَهَاء من قَالَ لَا يضْرب وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ أَمر الزبير أَن يمس بعض المعاهدين بِالْعَذَابِ لما كتم إخْبَاره بِالْمَالِ
стр. 341
حبن سَأَلَهُ عَن كنز حَيّ بن أَخطب فَقَالَ يَا مُحَمَّد أذهبته النَّفَقَات والحروب فَقَالَ المَال كثير والعهد أقرب من هَذَا ثمَّ قَالَ للزبير دُونك هَذَا فمسه الزبير بشئ من الْعَذَاب فدلهم على المَال
وَأما إِذا ادعِي أَنه استودعه فلَانا فَهُوَ أخف
فَإِذا كَانَ مَعْرُوفا بِالْخَيرِ لم يجز إِلْزَامه بِالْمَالِ بِاتِّفَاق الْمُسلمين بل يحلف الْمُدَّعِي عَلَيْهِ سَوَاء كَانَ الحكم والبا أَو قَاضِيا
وَمن أقرّ بِوَطْء جَارِيَته فَأَتَت بِولد يُمكن كَونه مِنْهُ لحقه وَلَيْسَ لَهُ بيعهَا وَلَا وَلَدهَا لَكِن إِن ادّعى الِاسْتِبْرَاء فَفِي قبُول قَوْله وتخليفه نزاع بَين الْعلمَاء
وَمن ادّعى بِحَق بعد مُدَّة طَوِيلَة من غير مَانع يعرف فَلَا تقبل الدَّعْوَى فِي أحد قولي الْعلمَاء وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَغَيره
وَمن كَانَ عَلَيْهِ حق شَرْعِي فتبرع بِملكه بِحَيْثُ لَا يبْقى لأهل الْحُقُوق مَا يستوفونه فَهُوَ بَاطِل فِي أحد قولي الْعلمَاء وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد من جِهَة أَن قَضَاء الدّين وَاجِب وَنَفَقَة الْوَلَد كَذَلِك فَيحرم عَلَيْهِ أَن يدع الْوَاجِب وبصرفه فِيمَا لَا يجب فَيرد إِلَى ملكه ويصرفه فِيمَا يجب من قَضَاء دينه وَنَفَقَة وَلَده
وَإِن أقرّ لفُلَان بِمَال وَلم يكن لَهُ قبل هَذَا الْإِقْرَار شئ لم يصر لَهُ عَلَيْهِ شئ بِهَذَا الْإِقْرَار بل الْإِقْرَار بَاطِل كذب وَلَو جعله لَهُ فِي ذمَّته لم تكن عطيته أمرا وَاجِبا
وَالْعدْل بَين أَوْلَاده وَاجِب فِي أصح قولي الْعلمَاء ورذا قَالَ أعْطوا هَذَا لأيتام فلَان وَثمّ قرينَة تبين مُرَاده هَل هُوَ إِقْرَار أَو وَصِيَّة عمل بهَا وَإِن لم يعرف فَمن كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ لم يزل عنملكه بِلَفْظ مُجمل بل يَجْعَل وَصِيَّة لَا إِقْرَارا وَالله أعلم
وَمن أقرّ لزوجته بشئ وَلَا شئ لَهَا قبل ذَلِك لم يحل لَهَا أَخذه فَإِنَّهُ يكون
стр. 342
وَصِيَّة لوَارث فَلَا تَأْخُذهُ رلا بِإِجَازَة الْوَرَثَة وَأما فِي الحكم فَلَا تُعْطى حَتَّى تصدق على إِقْرَار وَإِن كَانَ فِي مرض الْمَوْت كَانَ بَاطِلا عِنْد أَكثر الْعلمَاء
وَإِذا صدقت على الْإِقْرَار فَادّعى وَصِيَّة أَو ورثته أَنه إِقْرَار من غير اسْتِحْقَاق فَإِن ذَلِك بِمَنْزِلَة أَن يدعى فِي الْإِقْرَار أَنه أقرّ قبل الْقَبْض وَمثل هَذَا تنَازع الْعلمَاء فِي التَّحْلِيف عَلَيْهِ وَالصَّحِيح التَّحْلِيف
وَمن أعتق أمة ثمَّ تزَوجهَا ثمَّ ملكهَا فِي صِحَة من عقله جَمِيع مَا حوى مسكهم الَّذِي هم فِيهِ من نُحَاس وقماش وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ خَارج عَن لبسه ثمَّ زقر لَهَا بذلك إِقْرَارا
فَأجَاب ابْن جمَاعَة بدر الدّين إِن كَانَ الَّذِي ملكهَا إِيَّاه معينا وأقبضها إِيَّاه فِي صِحَة مِنْهُ وَجَوَاز تصرف صَحَّ التَّمْلِيك بِشُرُوطِهِ وَالله أعلم
وَأجَاب شيخ الْإِسْلَام أَبُو الْعَبَّاس رذا زقر أَن جَمِيع مَا فِي بَيته ملك زَوجته رلا السِّلَاح وَالدَّوَاب وَآله الْخَيل كَانَ هَذَا الْإِقْرَار صَحِيحا يعْمل بِمُوجبِه بِلَا خلاف وَكَأن مُسْتَنده فِي ذَلِك أَنه ملكه لزوجته تمليكها شَرْعِيًّا لَازِما بَاطِنا وظاهرا وَالله أعلم
مَسْأَلَة فِي الْأُمَرَاء الَّذين يستدينون مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَيكْتب الْأَمِير خطه لصَاحبه أَو يُقَيِّدهُ وَكيله أَو نَائِبه فِي دفتره أَو يقْرض دَرَاهِم وكل ذَلِك بِغَيْر حجج وَلَا إِشْهَاد ثمَّ يَمُوت فَكل مَا وجد بِخَط الْأَمِير أَو أخبر بِهِ كَاتبه أَو وَكيله فِي ذَلِك مثل أسناد دَاره فَإِنَّهُ يجب الْعَمَل بذلك لِأَن خطة كلفظه وَإِقْرَار وَكيله فِيمَا وَكله فِيهِ مَقْبُول فَلَا يحْتَاج أَصْحَاب الْحُقُوق إِلَى بَيِّنَة لِأَن فِيهِ ظلما للأموات والأحياء وخروجا عَن الْعدْل الْمَعْرُوف
وَإِذا أَبرَأته من صَدَاقهَا ثمَّ أقرّ لَهَا بِهِ لم يجز هَذَا الْإِقْرَار لِأَنَّهُ قد علم أَنه كذب وَلَو جعله تَمْلِيكًا بدل ذَلِك لم يجز أَيْضا عِنْد الْجُمْهُور وَلَا أَن يَجْعَل ذَلِك دينا فِي ذمَّته لِأَن التَّمْلِيك لَا يكون فِي الذِّمَّة
стр. 343
كتاب الْغَصْب
من اسْتعَار فرسا إِلَى مَكَان معِين فَزَاد عَنهُ ضمن نقص الْفرس إِن نقصت وَكَانَ ظَالِما
ورذا طلبت الْجَارِيَة شيذا من شخص عَليّ لِسَان سيدتها وَلم تكن السيدة أَذِنت لَهَا كَانَت الْجَارِيَة غاصبة قابضة ذَلِك بِغَيْر حق فَإِن تلف فضمانه فِي رقبَتهَا
وَمن كَانَ مَعَه دَرَاهِم حَرَامًا قد أَعْطَاهَا إِيَّاه وَاحِد وبدلها من دَرَاهِم وَالِده بِدَرَاهِم حَلَال فَحكم الْبَدَل حكم الْمُبدل مِنْهُ فَإِذا نمت بِفِعْلِهِ وريحت أَو كسبت فَفِيهِ نزاع أعدل الْأَقْوَال التَّقْسِيم بَين مَنْفَعَة المَال وَمَنْفَعَة الْعَامِل بِمَنْزِلَة الْمُضَاربَة كَمَا فعل عمر ﵁ فِي المَال الَّذِي اتّجر فِيهِ أَوْلَاده من بَيت المَال
والكلف الَّتِي تطلب من النَّاس بِحَق أَو بغيرحتى يحب الْعدْل وَيحرم أَن يوفر فِيهَا بعض النَّاس وَيجْعَل قسطه على غَيره وَمن قَامَ فِيهَا بنية الْعدْل وَتَخْفِيف الظُّلم مهما أمكن وإعانة الضَّعِيف لِئَلَّا يتَكَرَّر الظُّلم بِلَا نِيَّة إِعَانَة الظَّالِم كَانَ كالمجاهد فِي سَبِيل الله تَعَالَى إِذا تحرى الْعدْل وابتغى وَجه الله تَعَالَى
وَالثَّوَاب وَالْجَزَاء إِنَّمَا هُوَ على الصَّبْر على الْمُصِيبَة لَا على الْمُصِيبَة لِأَن الْمُصِيبَة من فعل الله تَعَالَى وَهِي من جَزَاء الله للْعَبد على ذَنبه يكفر لَهُ ذَنبه بهَا وَفِي الْمسند أَنهم دخلُوا على أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ﵁ وَهُوَ مَرِيض فَذكرُوا أَنه يُؤجر على مَرضه فَقَالَ مَالِي من الْأجر وَلَا مثل هَذِه وَلَكِن المصائب خطه فَتبين أَن نفس الْمَرَض لَا يُؤجر عَلَيْهِ بل يكفر بِهِ عله
وَكَثِيرًا مَا يفهم من هَذَا الْأجر غفران الذُّنُوب فَيكون فِيهِ الْأجر بِهَذَا الِاعْتِبَار
стр. 344
وَمن النَّاس من قَالَ لَا بده من التعويض وَالْأَجْر وَالْإِنْسَان قد يحصل لَهُ ثَوَاب بِغَيْر عمل مِنْهُ كَمَا يفعل عَنهُ من أَعمال الْبر
وَأما الصَّبْر فَفِيهِ أجر عَظِيم فَمن أُصِيب بِجرح وَنَحْوه فَعَفَا عَن جارحه كَانَ الْجرْح مُصِيبَة يكفر بهَا عَنهُ ويؤجر على صبره وعَلى إحسانه إِلَى الظَّالِم بِالْعَفو عَنهُ فَمن توهم أَن بِالْعَفو قد يسْقط حَقه أَو ينقص قدره أَو يحصل لَهُ ذل فَهُوَ غالط كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَنه ﷺ قَالَ ثَلَاث إِن كنت لحالفا عَلَيْهِنَّ مَا زَاد الله عبدا بِعَفْو إِلَّا عزا وَمَا نقصت صَدَقَة من مَال وَمَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه
وَهَذَا رد لما يَظُنّهُ من النَّقْص والذل أتباعا للظن وَمَا تهوى الْأَنْفس من أَن الْعَفو مذلة وَالصَّدَََقَة تنقص مَاله والتواضع يخفضه وَمَا انتقم رَسُول الله ﷺ لنَفسِهِ قطّ إِلَّا أَن تنتهك محارم الله فينتقم لله
وَالنَّاس أَرْبَعَة مِنْهُم من ينتصر لنَفسِهِ ولربه وَهُوَ الَّذِي فِيهِ دين وَغَضب الله وَمِنْهُم من لَا ينتصر لنَفسِهِ وَلَا لرَبه وَهُوَ الَّذِي فِيهِ جبن وَضعف دين وَمِنْهُم من ينْتَقم لنَفسِهِ لَا لرَبه وَهُوَ شَرّ الْأَقْسَام وَأما الْكَامِل فَهُوَ الَّذِي ينتصر لحق الله وَيَعْفُو عَن حق نَفسه عِنْد الْمقدرَة
وَمن غضب زرع رجل وحصده أُبِيح للْفُقَرَاء الْتِقَاط المتساقط كَمَا لَو حصدها الْمَالِك كَمَا يُبَاح رعي الْكلأ فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة نَص أَحْمد على هَذَا الْمَسْأَلَة
الثَّانِيَة أَن مَا يُبَاح من الْكلأ واللفاظ لَا يخْتَلف بِالْغَضَبِ وَعَدَمه وَلَا يمنعهُ حق الْمَالِك
وَمن وهب ربع مَكَان فَتبين أَنه أقل من ذَلِك لم تبطل الْهِبَة
стр. 345
بَاب الشُّفْعَة
لَا يحل الْكَذِب والتحيل على إِسْقَاط حق الْمُسلم من الشفعية وَغَيرهَا وَيجب على المُشْتَرِي تَسْلِيم الثشقص بِالثّمن الَّذِي وَقع البيع عَلَيْهِ بَاطِنا والتحميل على إِسْقَاطهَا بعد رُجُوعهَا بِاتِّفَاق الْمُسلمين
وَإِنَّمَا النزاع فِي الاحتيال عَلَيْهَا قبل الْوُجُوب
وَإِن بَاعَ المُشْتَرِي الشّقص الْمَشْفُوع فَلَا تسْقط الشُّفْعَة
وَإِن وقْعَة أَو وهبه فَفِيهِ نزاع وَحَيْثُ حكم الْحَاكِم للشَّفِيع بِالشُّفْعَة فَلَا ينقص الحكم إِلَّا إِذا أَخذ الشَّفِيع الشّقص أما مُجَرّد الحكم باستحقاقه فَلَا لَكِن مَا وجد من التَّصَرُّفَات لأجل الاحتيال على إِسْقَاط الشُّفْعَة فَهُوَ بَاطِل فَإِذا أظهر صُورَة أَن البيع بَاطِل لتخلف شَرطه بِأَن ادّعى عدم الرُّؤْيَة الْمُعْتَبرَة ورد الْمَبِيع ثمَّ وقف البَائِع على المُشْتَرِي حِيلَة فكله بَاطِل وَحَتَّى الشَّفِيع ثَابت إِلَّا أَن يتْركهُ
وَالْمَال المكسوب عوضا عَن عين مُحرمَة مُحرمَة أَو مَنْفَعَة إِن كَانَت الْعين أَو الْمَنْفَعَة مُبَاحَة فِي نَفسهَا وَإِنَّمَا حرمت بِالْقَصْدِ مثل من يَبِيع عنبا لمن يتخذها خمرًا أَو من يسْتَأْجر لعصر الْخمر أَو حملهَا فَهَذَا يَفْعَله بِالْعِوَضِ لَكِن لَا يطيب لَهُ أكله
وَأما إِن كَانَت الْعين أَو الْمَنْفَعَة مُحرمَة كمهر الْبَغي وَثمن الْخمر فَهُنَا لَا يقْضِي لَهُ بِهِ قبل الْقَبْض وَلَو أعطَاهُ إِيَّاه لم يحكم برده إِلَى باذله فَإِن هَذَا مَعُونَة لَهُم على الْمعاصِي إِذْ لَهُ بَين الْعِوَض والمعوض وَلَا يحل هَذَا المَال للبغايا أَو الْخمار أَو نَحْوهمَا لَكِن يصرف إِلَيْهِم من هَذَا المَال مِقْدَار حَاجتهم فَإِن كَانَ وَاحِد مِنْهُم يقدر أَن يتجر أَو يعْمل صَنْعَة كالنسج والغزل أعْطى مَا يكون لَهُ رَأس مَال وَإِن افترضوا مِنْهُ شَيْئا ليكتسبوا بِهِ وَلم يردوا عوض الْقَرْض كَانَ أحسن
стр. 346
وَإِمَّا إِذا تصدق بِهِ لاعْتِقَاده أَنه لَا يحل لَهُ أَن يتَصَدَّق بِهِ فَهَذَا يُثَاب على ذَلِك
وَأما إِذا تصدق ب كَمَا يتَصَدَّق الْمَالِك بِملكه فَهَذَا لَا يقبله الله إِن لَا يقبل إِلَّا الطّيب وَهَذَا خَبِيث كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ مهر الْبَغي خَبِيث
وَلَا يجوز خياطه الْحَرِير لمن يلْبسهُ لباسا محرما مثل لبسه مصمتا للرجل فِي غير حَرْب وَلَا تداو بِهِ وَلِأَنَّهُ من الْإِعَانَة على الْإِثْم والعدوان
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ من هَذَا الْبَاب مثل صَنْعَة الذَّهَب لمن يلْبسهُ لباسا محرما وَكَذَلِكَ الْآتِيَة من الذَّهَب وَالْفِضَّة على أصح الْقَوْلَيْنِ عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء
وَكَذَلِكَ صَنْعَة آلَات اللَّهْو وتصوير وَالْحَيَوَان وتصوير الْأَوْثَان والصلبان وأمثال ذَلِك مِمَّا فِيهِ تَصْوِير الشَّيْء على صُورَة يحرم اسْتِعْمَالهَا فِيهِ
وَكَذَلِكَ صَنْعَة الْخمر وَأمكنهُ الْكفْر والمعاصي والعوض الْمَأْخُوذ على ذَلِك الْعَمَل الْمحرم خَبِيث وَيجب إِنْكَار ذَلِك
وَأما خياطته لمن يلْبسهُ لباسا جَائِزا فَهُوَ يُبَاح وَإِن كَانَ الرجل يمسهُ عِنْد الْخياطَة
وَيجوز اسْتِعْمَال خيوط الْحَرِير فِي لِبَاس الرجل وَكَذَلِكَ الْعلم والسجاف مَوضِع اثْنَيْنِ أَو ثَلَاث أَو أَرْبَعَة أَصَابِع
وَمن ورث من آبَائِهِ ملكا هُوَ السُّلْطَان يقاسم بِالثُّلثِ مثل الْمغل فَلَيْسَ لأحد أَن ينْزع حُقُوق النَّاس الَّتِي بِأَيْدِيهِم وَلَا يجوز رفع أَيدي الْمُسلمين الثَّانِيَة على حُقُوقهم إِذْ الأَرْض الخراجية كالسواد وَغَيره نقل من المخارجة إِلَى الْمُقَاسَمَة كَمَا فعل ذَلِك الْمَنْصُور بسواد الْعرَاق وأقرت أَيدي أَهلهَا وَهل تنْتَقل عَن أَهلهَا إِلَى ذُرِّيتهمْ وَغَيره بِالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّة وَالْهِبَة وَكَذَلِكَ بِالْبيعِ تنْتَقل فِي أصح قَول الْعلمَاء إِذْ حكمهَا بيد المُشْتَرِي كحكمها بيد البَائِع وَلَيْسَ هَذَا بيعا للْوَقْف الَّذِي لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَلَا يُورث كَمَا غلط فِي ذَلِك من منع بيع أَرض السوَاد مُعْتَقدًا أَنَّهَا كالوقف الَّذِي لَا يجوز مَعَه مَعَ أَنه يجوز أَن يُورث ويوهب
стр. 347
إِذا لَا خلاف فِي هَذَا بل يَنْبَغِي أَن يُبَاع مَا لبيت المَال من هَذِه الْأَرْضين وَمَال بَيت المَال من الْمَغَانِم الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَة الْخراج فَمثل هَذَا لَا يُبَاع لما فِيهِ من إِضَاعَة حُقُوق الْمُسلمين
وَمن أغضب مَالا استفادة صَاحبه من حَلَال فَاشْترى بِهِ مماليك وأعتقهم فَإِن كَانَ اشْترى بِإِذْنِهِ فَلَا يَصح الْعتْق إِلَّا بِإِذْنِهِ وَإِن اشْترى بِمَالِه بِغَيْر إِذْنه فَلصَاحِب المَال أَخذهم وَله أَن يغرمه مَاله وَإِذا أعتقهم هَذَا المُشْتَرِي إِذن فَلصَاحِب المَال أَخذهم وَالْعِتْق بَاطِل
وَلَا يجوز أَن يزاحم من فرض لَهُ ولي الْأَمر على الصَّدقَات قرضا لأجل فقره فَلَا يجوز انْتِزَاعه من يَده وَإِذا حرم السمُوم على سوم الرجل فِي الْمُعَاوَضَات فَهَذَا أَشد تَحْرِيمًا من ذَلِك
نتاج الدَّابَّة المغضوبة لمَالِكهَا وَلَا يحل للْغَاصِب لَكِن إِن كَانَ النِّتَاج مستولدا من عمل الْغَاصِب فَمن النَّاس من يَجْعَل النَّمَاء مقاسمة بَين الْمَالِك وَالْغَاصِب كالمضاربة وَنَحْوهَا
بَاب الْمُسَاقَاة
الْمُزَارعَة على الأَرْض بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا جَائِز سَوَاء الْبذر من رب الأَرْض أَو من الْعَامِل
هَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي دلّت عَلَيْهِ سنة رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهُ زارع أهل خَيْبَر على شطر مَا يخرج مِنْهَا من ثَمَر وَزرع على أَن يعمروها من أَمْوَالهم
والمزارعة على الأَرْض الْبَيْضَاء مَذْهَب الثَّوْريّ وَابْن أبي ليلى وَأحمد وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن والمحققين من أَصْحَاب الشَّافِعِي وعلماء الحَدِيث وَبَعض أَصْحَاب مَالك وَغَيرهم
стр. 348
وَنَهْيه ﷺ عَن المخابرة هِيَ أَنَّهَا كَانُوا يعاملون ويشترطون للْمَالِك بقْعَة مُعينَة من الأَرْض وَهَذَا بَاطِل بالِاتِّفَاقِ كَمَا لَو شَرط دَرَاهِم مقدرَة فِي الْمُضَاربَة
وَمن اسْتَأْجر أَرضًا بِجُزْء من زَرعهَا فَظَاهر الْمَذْهَب صِحَّتهَا سَوَاء سميت إجَازَة أَو مزرعة فَإِن لم تزرع الأَرْض وصححناها ضمنت بِالْمُسَمّى وَالصَّحِيح هُنَا لَيْسَ هُوَ فِي الذِّمَّة ينظر إِلَى معدل الْمغل فَيجب الْقسْط الْمُسَمّى فِيهِ
وَإِذا جعلناها مُزَارعَة صَحِيحَة فَيَنْبَغِي أَن تضمن بِمثل ذَلِك لِأَن الْمَعْنى وَاحِد
وَإِن أفسدناها وسميناها إِجَارَة فَفِي الْوَاجِب قَولَانِ
أَحدهمَا أُجْرَة الْمثل وَهُوَ ظَاهر قَول أَصْحَابنَا وَغَيرهم
وَالثَّانِي قسط الْمثل وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق
وَأجَاب بعض النَّاس أَن هَذِه إجَازَة فَاسِدَة فَيجب بِالْقَبْضِ فِيهَا أُجْرَة الْمثل
وَضَمان الْبَسَاتِين الَّتِي فِيهَا أَرض وَشَجر عدَّة سِنِين صَحِيح فِي أحد قولي الْعلمَاء فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَهُوَ الصَّحِيح الَّذِي اخْتَارَهُ ابْن عقيل وَغَيره وَثَبت عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه ضمن حديقة لأسيد ابْن حضير بعد مَوته ثَلَاث سِنِين ووفى بِالضَّمَانِ دينه
فَهَذِهِ الضمانات الَّتِي الْبَسَاتِين دمشق الشتوية الَّتِي فِيهَا أَرض وَشَجر صَحِيحَة وَإِن كَانَ قد كتب فِي الْمَكْتُوب إِجَارَة الأَرْض وَالْمُسَاقَاة على الشّجر فالمقصود الَّذِي اتفقَا عَلَيْهِ هُوَ الضَّمَان الْمَذْكُور وَالْعبْرَة فِي الْعُقُود بِالشُّرُوطِ الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا المتعاقدان والمقاصد مُعْتَبرَة فِي الْعُقُود
والعقود الَّتِي نهى عَنْهَا النَّبِي ﷺ من بيع الثَّمر قبل بَدو صَلَاحهَا هُوَ بيع الثَّمر الْمُجَرّد كَمَا تبَاع الكروم فِي دمشق بِحَيْثُ يكون السَّقْي وَالْعَمَل على البَائِع والضمانات مبينَة بالمؤاجرة
стр. 349
وَمن أعْطى أرضه لرجل يغرسها بِجُزْء مَعْلُوم وَشرط عَلَيْهِ عمارتها فغرس بعض الأَرْض وتعطل بَاقِي الأَرْض من الْغِرَاس فَإِذا لم يقم بِمَا شَرط عَلَيْهِ كَانَ لرب الأَرْض الْفَسْخ وَإِذا فسخ الْعَامِل كَانَت فلزب الأَرْض تملك نصيب الغارس بِقِيمَتِه إِذا اتفقَا على الْقلع
وَمن رتب على فائض مَسْجِد رزقه على الحكم أَو الخطابة فَبَقيَ سِنِين لَا يتَنَاوَل شَيْئا لعدم الفائض ثمَّ زَادَت الْأُجْرَة فِي السّنة الثَّانِيَة وَلَيْسَ لَهُ مصارف شَرْعِيَّة وَاقْتضى نظر الإِمَام أَن يصرفهُ إِلَى الإِمَام أَن يصرفهُ إِلَى الإِمَام عوضا عَمَّا فَاتَهُ فِي الْمَاضِي جَازَ ذَلِك وَإِن كَانَ لَهُ مصارف شَرْعِيَّة بِالشّرطِ لم يجز بل يصرف إِلَى مصارفه
ومزارعة الإقطاع جَائِزَة كالملك فِي أصح قولي الْعلمَاء وَلَا يجوز أَن يشْتَرط على الْعَامِل شَيْئا معينا كالدجاجة وَنَحْوهَا وَتجوز الشَّهَادَة عَلَيْهَا وَلَو كَانَ الشَّاهِد مِمَّن لَا يجوزها لِأَنَّهُ عقد مُخْتَلف فِيهِ وَالشَّاهِد يشْهد بِمَا رأى والمحققون من أَصْحَاب أبي حنيفَة ويجوزنها كَمَا هُوَ مَذْهَب فُقَهَاء الحَدِيث
وَإِذا ألزموا الْفَلاح بِعشر مَا على الجندي الْمزَارِع فيؤديه من مَال الجندي فَهُوَ حق ثَابت بَين لَا نزاع فِيهِ وَلَيْسَ حَقًا خفِيا وَلَا يُمكن الجندي جَحده فَهُوَ بِمَنْزِلَة حق هِنْد بنت عتبَة على أبي سُفْيَان فَإِن حق النَّفَقَة للزَّوْجَة على زَوجهَا ظَاهر لَا يُمكن جَحده وَلذَلِك قَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ خذي مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ بِخِلَاف الْحق الْخَفي الَّذِي قَالَ فِيهِ أد الْأَمَانَة إِلَى من ائتمنك وَلَا تخن من خانك لما قَالَ لَهُ إِن لنا جيرانا لَا يدعونَ لنا شَاذَّة وَلَا فاذة إِلَّا أخذوها فَإِذا قَدرنَا لَهُم على شَيْء أفتأخذه فَقَالَ أد الْأَمَانَة إِلَى من ائتمنك وَلَا تخن من خانك لِأَن الْحق هُنَا خَفِي فَإِذا أَخذ شَيْئا من غير اسْتِحْقَاق ظَاهر كَانَ خِيَانَة
стр. 350
بَاب الاجارة
إِذا دلّس الْمُسْتَأْجر على الْمُؤَجّر مثل أَن يكون أخبرهُ أَن قيمَة الأَرْض فِي النَّاحِيَة الْفُلَانِيَّة كَذَا بِمَا ينقص عَن قيمتهَا وَلم يكن الْأَمر كَذَلِك فَأَجره بِمَال ثمَّ تبين لَهُ هَذَا التَّدْلِيس فَلهُ فسخ الْإِجَارَة
كَذَلِك إِن أُجْرَة موهما لَهُ أَنه لَيْسَ هُنَاكَ من يستأجرها وَكَانَ لَهَا طلاب أَو أخبرهُ أَن هَذَا سعرها وَلم يكن سعرها وأمثال ذَلِك
وَإِذا أجر الوصى بِدُونِ الْمثل كَانَ ضَامِنا لما فَوْقه على الْيَتِيم وَلَيْسَت الْإِجَارَة لَازِمَة فلليتيم فَسخهَا بعد رشده بل هِيَ ياطلة فِي أحد قولي الْعلمَاء وَفِي الآخر لَهُ أَن يفسخها ثمَّ إِن كَانَ الْمُسْتَأْجر غير عَالم بِتَحْرِيم مَا فعله الْوَصِيّ كَانَ لَهُ أَن يضمنهُ مالم يلْتَزم ضَمَانه فَإِن علم اسْتَقر الضَّمَان عَلَيْهِ بل إِذا أجره بِأُجْرَة الْمثل مُدَّة يعلم أَن الصَّبِي يبلغ فِي أَثْنَائِهَا فَأكْثر الْعلمَاء يجوزون للْيَتِيم الْفَسْخ
وصناعة التنجيم وَالِاسْتِدْلَال بهَا على الْحَوَادِث محرم بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَأخذ الْأجر على ذَلِك سحت وَيمْنَعُونَ من الْجُلُوس فِي الحوانيت والطرقات وَيمْنَع النَّاس أَن يكرموهم وَالْقِيَام فِي مَنعهم عَن ذَلِك من أفضل الْجِهَاد فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَلَيْسَ لوَرَثَة الْمُؤَجّر فسخ الْإِجَارَة وتستوفى من تركته عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء لَكِن مِنْهُم من قَالَ قَالَ تحل الْأُجْرَة بِالْمَوْتِ وتستوفي من تركته فان لم يكن لَهُ تَرِكَة فسخ الْإِجَارَة
وَمِنْهُم من قَالَ لَا تحل رلا إِذا وَافق الْوَرَثَة وَهَذَا أظهر الْقَوْلَيْنِ لِأَحْمَد وَالله أعلم
وَمن أجر أرضه وساقاه على الشّجر ثمَّ قطع الْمُؤَجّر بعض الشّجر فقد نقص من الْعِوَض الْمُسْتَحق بِقدر مَا نقص من الْمَنْفَعَة وَهَذَا وَإِن كَانَ فِي اللَّفْظ إِجَارَة ومساقاة فَهِيَ عَليّ الْمَعْنى الْمَقْصُود عِنْد الْجَمِيع
стр. 351
وَقد تنَازع الْعلمَاء فِي صِحَة هَذَا العقد سَوَاء قيل بِصِحَّتِهِ أَو فَسَاده فَمَا ذهب من الشّجر ذهب مَا يُقَابله من الْعِوَض سَوَاء كَانَ بِقطع الْمَالِك أَو غير قطعه
وَجوز إِجَارَة أَرض مصر سَوَاء شملها مَاء الرى أَو لم يشملها إِذا كَانَت الأَرْض مِمَّا قد جرت الْعَادة بِأَن الرى يشملها كَمَا تكرى الأَرْض الَّتِي جرت عَادَتهَا أَن تشرب من المَاء قبل أَن ينزل الْمَطَر عَلَيْهَا وَهَذَا مَذْهَب أَئِمَّة الْمُسلمين مَالك وَأبي حنيفَة وَأحمد وَهُوَ إيضا مَذْهَب الشَّافِعِي الصَّحِيح عَنهُ
وَلَكِن بعض أَصْحَابه غلط فِي مَعْرفَته فَلم يفرق بَين الأَرْض الَّتِي ينالها المَاء غَالِبا وَالَّتِي لَا ينالها إِلَّا نَادرا كَالَّتِي تشرب فِي غَالب الْأَوْقَات
ثمَّ هَذِه الأَرْض الَّتِي صحت إِجَارَتهَا إِن شملها الرى وَأمكن مجئ الزَّرْع الْمُعْتَاد وَجَبت الْأُجْرَة وَإِن لم يرو مِنْهَا شئ فَلَيْسَ على الْمُسْتَأْجر شئ من الْأُجْرَة وَإِن روى بَعْضهَا وَجب من الْأُجْرَة بِقَدرِهِ وَمن ألزم الْمُسْتَأْجر بِالْأُجْرَةِ إِذا لم ترو الأَرْض فقد خَالف إِجْمَاع الْمُسلمين
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا حَاجَة إِلَى قَوْله أجرتكها مقيلا أَو مراحا وَلَا فَائِدَة فِيهِ وَإِنَّمَا فعل ذَلِك من ظن أَنه لَا تجوز الْإِجَارَة قبل رى الأَرْض وَالَّذِي فَعَلُوهُ من إِجَارَتهَا مقيلا أَو مراحا بَاطِل بِإِجْمَاع الْمُسلمين من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَنَّهَا لَا تصلح مقيلا وَلَا مراحا لِأَن الْمَاشِيَة لَا تقبل إِلَّا بِأَرْض تقيم بهَا عَادَة بِقرب مَا ترعاه وتشرب من مَائه أما الأَرْض الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَاء وَلَا زرع وَلَا عمَارَة فَلَا تصلح مقيلا وَلَا مراحا وَإِجَارَة الْعين لمَنْفَعَة لَيست فِيهَا بَاطِلَة
الثناي أَن هَذِه الْمَنْفَعَة إِذا كَانَت حَاصِلَة فَهِيَ غير مُتَقَومَة فِي مثل هَذِه الأَرْض بل الْبَريَّة كلهَا تشارك هَذِه الأَرْض فِي كَونهَا مقيلا ومراحا وَالْمَنْفَعَة الَّتِي لَا قيمَة لَهَا فِي الْعَادة بِمَنْزِلَة الْأَعْيَان الَّتِي لَا قيمَة لَهَا لَا يصلح أَن يرد عَلَيْهَا عقد
стр. 352
إِجَارَة وَلَا بيع بِاتِّفَاق كالاستظلال بشجرة والاستضاءة بناره من بعد وَالنَّاس يعلمُونَ فِي الْعدة هَل رويت أم لَا
فصل
إِذا كَانَت الْإِجَارَة لَازِمَة فَلَيْسَ للمؤجر أَن يخرج الْمُسْتَأْجر عَن الْعين قبل انْقِضَاء الْمدَّة سَوَاء حصلت زِيَادَة فِي أثْنَاء الْمدَّة أَو لم تحصل وَسَوَاء كَانَت الْعين وَقفا أَو ملكا ليتيم أَو غَيره وَهَذَا مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم وَلم يقل أحد من الْمُسلمين إِن الْإِجَارَة الْمُطلقَة تكون لَازِمَة من أحد الطَّرفَيْنِ فِي وَقت وَلَا غَيره
وَإِن شَذَّ بعض المتأجرين فَحكى نزاعا فِي بعض ذَلِك فَهُوَ مَسْبُوق بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة قبله فَلَا تجوز قبُول الزِّيَادَة فِي وقف وَلَا غَيره الا حَيْثُ لَا تكون الْأُجْرَة لَازِمَة مثل كل يَوْم بِكَذَا فَفِي كل يَوْم لَهُ أَن يُخرجهُ وَله أَن يخرج فَهُوَ مُتَمَكن من الإخلاء والمؤجر كَذَلِك مثله
لَيْسَ للنَّاظِر وَلَا لوَلِيّ الْيَتِيم أَن يسلم مَا يتَصَرَّف فِيهِ إِلَّا بِإِجَارَة شَرْعِيَّة وَكَذَلِكَ الْوَكِيل مَعَ مُوكله متصرف بِحكم الْولَايَة
لَيْسَ للنَّاظِر أَن يَجْعَل الْإِجَارَة لَازِمَة من جِهَة الْمُسْتَأْجر جَائِزَة من جِهَته فَإِن هَذَا خلاف الْإِجْمَاع
إِن اعْتقد صِحَة الْإِجَارَة والنفع وَنَحْوهَا مِمَّا جرت بِهِ الْعَادة كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور جَازَ لَهُ أَن يُسلمهُ الْعين بِمَا هُوَ إِجَارَة فِي الْعرف وَإِن كَانَ لَا يرى صِحَة ذَلِك إِلَّا بِاللَّفْظِ كَانَ عَلَيْهِ أَن لَا يُسَلِّمهَا إِلَّا إِذا أجرهَا بِاللَّفْظِ
وَمن اعْتقد جَوَاز بيع المعاطاه سَلمَة الْمَبِيع بِهَذَا البيع وَإِن اعْتقد عدم صِحَّته لم يكن لَهُ أَن يُسلمهُ بالمعاطاة
فَكل من اعْتقد شَيْئا وَجب عيه الْعَمَل بِهِ لَهُ وَعَلِيهِ وَلَيْسَ لأحد أَن يعْتَقد
стр. 353
أحد الْقَوْلَيْنِ فِيمَا لَهُ دون مَا عَلَيْهِ كمن يعْتَقد أَنه إِذا كَانَ جارا اسْتحق شُفْعَة الْجوَار وَإِذا كَانَ مُشْتَريا لم تجب عَلَيْهِ شُفْعَة الْجوَار
وَإِذا كَانَ من الْإِخْوَة من الْأُم فِي المشركة أسقط ولد الْأَبَوَيْنِ وَإِن كَانَ هُوَ من الْأُخوة لِلْأَبَوَيْنِ ورث وشارك وَإِذا كَانَ هُوَ الْمُدعى قضى بِالنّكُولِ وَإِذا كَانَ مدعى عَلَيْهِ قضى برد الْيَمين وأمثال ذَلِك كثير
فَلَيْسَ لأحد أَن يعْتَقد فِي مَسْأَلَة نزاع مثل هَذَا بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَإِن مَضْمُون هَذَا أَنه يحلل لنَفسِهِ مَا يحرمه على مثله وَبِالْعَكْسِ وَيُوجب على غَيره مَالا يُوجِبهُ على نَفسه مَعَ تساويهما فَمن اعْتقد جَوَاز فَهُوَ كَافِر فالمؤجر يلْتَزم لَهُ وَعَلِيهِ مَا يَعْتَقِدهُ فَإِذا سلم الْعين بِإِجَارَة يجوزها لنَفسِهِ وَيُطَالب بِالْأُجْرَةِ الَّتِي سَمَّاهَا لم يحل لَهُ أَن يقبل زِيَادَة
وَمن ذَلِك من زَاد على من يكترى أَو ساوم على من ركن إِلَيْهِ وَجب تعزيز المزايد والمساوم الَّذِي يضارره
وَيجوز إِجَارَة الإقطاع وَإِذا أقطعت لآخر صَارَت لَهُ من حِين أقطع فَإِن شَاءَ أجرهَا لذَلِك الْمُسْتَأْجر وَإِن شَاءَ لم يؤجرها لَهُ وَإِن كَانَ للْمُسْتَأْجر فِيهَا زرع أبقاه بأجره الْمثل إِلَى حِين تَمام صَلَاحه
فصل
هَل يجوز ضممان الْبَسَاتِين وَالْأَرْض الَّتِي فِيهَا النّخل أَو الشّجر الَّذِي لم يبد صَلَاح ثَمَرَة
فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال
قيل لَا يجوز بِحَال بِنَاء على أَنه دَاخل فِيمَا نهى عَنهُ من بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف عَن الشَّافِعِي وَأحمد نَص عَلَيْهِ وَمذهب أبي حنيفَة أَشد منعا وتنازع هَؤُلَاءِ هَل يجوز الاحتيال على ذَلِك بِأَن يُؤجر
стр. 354
الأَرْض ويساق على الشّجر يجزء يسير على قَوْلَيْنِ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد أَنه لَا يجوز وَذكر القَاضِي أَبُو يعلى أَنه يجوز وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي وَهَذِه الْحِيلَة قد تتعذر عَليّ أصل مصححي الْحِيَل وَهِي بَاطِلَة من وُجُوه
أَحدهَا أَن الأَرْض قد تكون وَقفا أَو ليتيم وَنَحْوه فَمن يتَصَرَّف فِي مَاله بِحكم الْولَايَة فالمساقاه عَليّ ذَلِك بِجُزْء يسير لَا يجوز وَاشْتِرَاط أحد الْعقْدَيْنِ فِي الآخر لَا يجوز
الثَّانِي أَن الْفساد الَّذِي نهى من أَجله عَن بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا من كَونه غررا هُوَ من جنس الْقمَار مَوْجُود فِي هَذِه الْمُعَامَلَة أَكثر من وجوده عِنْد مُجَرّد بيع الثَّمَرَة
الثَّالِث أَن اسْتِئْجَار الأَرْض الَّتِي تَسَاوِي مائَة بِأَلف وَالْمُسَاقَاة عَليّ الثَّمَرَة بِجُزْء من ألف جُزْء فعل السُّفَهَاء الَّذين يسْتَحقُّونَ الْحجر عَلَيْهِم فضلا عَن إِمْضَاء فعلهم وَالْحكم بِصِحَّتِهِ
وَأَيْضًا لَهُ أَن يُطَالِبهُ بِجَمِيعِ الْأُجْرَة حصلت الثَّمَرَة أَو لم تحصل فَلَيْسَ هَذَا من أَفعَال الرَّاشِدين لَا سِيمَا إِن كَانَ الْمُتَصَرف مِمَّا لَا يملك التَّبَرُّع وَلَيْسَ الْفَقِيه من عمد إِلَيّ مَا نهى عَنهُ النَّبِي ﷺ دفعا لفساد يحصل لَهُم فَعدل عَنهُ إِلَى مَا فَسَاده أَشد مِنْهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة المستجير من الرمضاء بالنَّار وَهَذَا يسلم من قَاعِدَة إبِْطَال الْحِيَل فَإِن كثيرا مِنْهَا يتَضَمَّن من الْفساد وَالضَّرَر أَكثر مِمَّا فِي إِثْبَات المنهى عَنهُ ظَاهرا كَمَا قَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ يخادعون الله كَأَنَّمَا يخادعون الصّبيان لَو أَتَوا الْأَمر على وَجهه كَانَ أَهْون على وَلِهَذَا يُوجد فِي نِكَاح التَّحْلِيل من الْفساد أعظم مِمَّا يُوجد فِي نِكَاح الْمُتْعَة إِذا الْمُتَمَتّع قَاصد للنِّكَاح إِلَى وَقت والمحلل غير قَاصد لنكاح فَكل فَسَاد نهى عَنهُ فِي التَّمَتُّع فَهُوَ فِي التَّحْلِيل وَزِيَادَة وَلِهَذَا تنكر قُلُوب النَّاس التَّحْلِيل أعظم من إنكارها الْمُتْعَة والمتعة أبيحت أول الاسلام وتنازع السّلف فِي نسخهَا والتحليل لم يبح قطّ وَمن شنع على الشِّيعَة
стр. 355
بِإِبَاحَة الْمُتْعَة مَعَ إِبَاحَته التَّحْلِيل فقد سلطهم عَليّ الْقدح فِي السّنة كَمَا يُسَلط النَّصَارَى على الْقدح فِي الاسلام بِمثل إِبَاحَة التَّحْلِيل حَتَّى قَالُوا إِن هَؤُلَاءِ قَالَ لَهُم نَبِيّهم إِذا طلق أحدكُم امْرَأَته لم حل لَهُ حَتَّى تَزني وَذَلِكَ أَن التَّحْلِيل سفاح كَمَا سَمَّاهُ الصَّحَابَة ﵃
القَوْل الثَّانِي أَنه إِن كَانَت مَنْفَعَة الأَرْض هِيَ الْمَقْصُود وَالشَّجر تَابع جَازَ أَن يُؤجر الأَرْض وَيدخل فِي ذَلِك الشّجر تبعا وَهَذَا قَول مَالك يقدر البَائِع بِقدر الثُّلُث وَيجوز من بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا مَا يدْخل ضمنا وتبعا كَمَا أجَاز أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع الثَّمَرَة بعد أَن يُؤثر الشّجر فالمبتاع قد اشرى الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا لَكِن تبعا لذَلِك
القَوْل الثُّلُث أَنه يجوز ضَمَان الأَرْض وَالشَّجر جَمِيعًا وَإِن كَانَ أَكثر وَهُوَ قَول ابْن عقيل وَهُوَ مأثور عَن عمر بن الْخطاب ﵁ فِي بيعَة حُذَيْفَة أسيد بن حضير ﵁ لما قبلهَا ثَلَاث سِنِين ووفي دين أسيد بن حضير روى ذَلِك حَرْب فِي مسائلة عَن أَحْمد وَرَوَاهُ أَبُو ذَر الدِّمَشْقِي وَغَيرهمَا وَهُوَ مَعْرُوف عَن عمر ﵁ والحداذق الَّتِي بِالْمَدِينَةِ يغلب عَلَيْهَا الشّجر
وَقد ذكر هَذَا الْأَمر بعض فُقَهَاء الْمغرب وَزعم أَنه خلاف الْإِجْمَاع وَلَيْسَ بِشَيْء بل ادِّعَاء الْإِجْمَاع على جَوَازه أقرب فَإِن عمر ﵁ فعله بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة بمشهد من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار واشتهر وَلم يُنكر مَعَ أَنهم كَانُوا يُنكرُونَ مادون هَذَا عَليّ عمر كَمَا أنكر عمرَان بن حُصَيْن وَغَيره ﵃ مَا فعله عمر من مُتْعَة الْحَج وَالَّذِي فعله عمر ﵁ هُوَ الصَّوَاب وَإِذا تدبر الْفَقِيه أصُول الشَّرِيعَة تبين لَهُ أَنه لَيْسَ دَاخِلا فِيمَا نهى الله عَنهُ لأمور
أَحدهَا أَن الأَرْض يُمكن فِيهَا الْإِجَارَة وَيُمكن فِيهَا بيع حبها قبل أَن يشْتَد وَالنَّبِيّ ﷺ لما نهى عَن بيع الْحبّ حَتَّى يشْتَد لم يكن ذَلِك نهيا عَن إِجَارَة الأَرْض وَإِن كَانَ هُوَ مَقْصُود الْمُسْتَأْجر الَّذِي يعْمل فِي الأَرْض
следующие страницы →