Полный текст (633 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وَقد تنَازع الْعلمَاء فِي صِحَة هَذَا العقد سَوَاء قيل بِصِحَّتِهِ أَو فَسَاده فَمَا ذهب من الشّجر ذهب مَا يُقَابله من الْعِوَض سَوَاء كَانَ بِقطع الْمَالِك أَو غير قطعه
وَجوز إِجَارَة أَرض مصر سَوَاء شملها مَاء الرى أَو لم يشملها إِذا كَانَت الأَرْض مِمَّا قد جرت الْعَادة بِأَن الرى يشملها كَمَا تكرى الأَرْض الَّتِي جرت عَادَتهَا أَن تشرب من المَاء قبل أَن ينزل الْمَطَر عَلَيْهَا وَهَذَا مَذْهَب أَئِمَّة الْمُسلمين مَالك وَأبي حنيفَة وَأحمد وَهُوَ إيضا مَذْهَب الشَّافِعِي الصَّحِيح عَنهُ
وَلَكِن بعض أَصْحَابه غلط فِي مَعْرفَته فَلم يفرق بَين الأَرْض الَّتِي ينالها المَاء غَالِبا وَالَّتِي لَا ينالها إِلَّا نَادرا كَالَّتِي تشرب فِي غَالب الْأَوْقَات
ثمَّ هَذِه الأَرْض الَّتِي صحت إِجَارَتهَا إِن شملها الرى وَأمكن مجئ الزَّرْع الْمُعْتَاد وَجَبت الْأُجْرَة وَإِن لم يرو مِنْهَا شئ فَلَيْسَ على الْمُسْتَأْجر شئ من الْأُجْرَة وَإِن روى بَعْضهَا وَجب من الْأُجْرَة بِقَدرِهِ وَمن ألزم الْمُسْتَأْجر بِالْأُجْرَةِ إِذا لم ترو الأَرْض فقد خَالف إِجْمَاع الْمُسلمين
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا حَاجَة إِلَى قَوْله أجرتكها مقيلا أَو مراحا وَلَا فَائِدَة فِيهِ وَإِنَّمَا فعل ذَلِك من ظن أَنه لَا تجوز الْإِجَارَة قبل رى الأَرْض وَالَّذِي فَعَلُوهُ من إِجَارَتهَا مقيلا أَو مراحا بَاطِل بِإِجْمَاع الْمُسلمين من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَنَّهَا لَا تصلح مقيلا وَلَا مراحا لِأَن الْمَاشِيَة لَا تقبل إِلَّا بِأَرْض تقيم بهَا عَادَة بِقرب مَا ترعاه وتشرب من مَائه أما الأَرْض الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَاء وَلَا زرع وَلَا عمَارَة فَلَا تصلح مقيلا وَلَا مراحا وَإِجَارَة الْعين لمَنْفَعَة لَيست فِيهَا بَاطِلَة
الثناي أَن هَذِه الْمَنْفَعَة إِذا كَانَت حَاصِلَة فَهِيَ غير مُتَقَومَة فِي مثل هَذِه الأَرْض بل الْبَريَّة كلهَا تشارك هَذِه الأَرْض فِي كَونهَا مقيلا ومراحا وَالْمَنْفَعَة الَّتِي لَا قيمَة لَهَا فِي الْعَادة بِمَنْزِلَة الْأَعْيَان الَّتِي لَا قيمَة لَهَا لَا يصلح أَن يرد عَلَيْهَا عقد
стр. 352
إِجَارَة وَلَا بيع بِاتِّفَاق كالاستظلال بشجرة والاستضاءة بناره من بعد وَالنَّاس يعلمُونَ فِي الْعدة هَل رويت أم لَا
فصل
إِذا كَانَت الْإِجَارَة لَازِمَة فَلَيْسَ للمؤجر أَن يخرج الْمُسْتَأْجر عَن الْعين قبل انْقِضَاء الْمدَّة سَوَاء حصلت زِيَادَة فِي أثْنَاء الْمدَّة أَو لم تحصل وَسَوَاء كَانَت الْعين وَقفا أَو ملكا ليتيم أَو غَيره وَهَذَا مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم وَلم يقل أحد من الْمُسلمين إِن الْإِجَارَة الْمُطلقَة تكون لَازِمَة من أحد الطَّرفَيْنِ فِي وَقت وَلَا غَيره
وَإِن شَذَّ بعض المتأجرين فَحكى نزاعا فِي بعض ذَلِك فَهُوَ مَسْبُوق بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة قبله فَلَا تجوز قبُول الزِّيَادَة فِي وقف وَلَا غَيره الا حَيْثُ لَا تكون الْأُجْرَة لَازِمَة مثل كل يَوْم بِكَذَا فَفِي كل يَوْم لَهُ أَن يُخرجهُ وَله أَن يخرج فَهُوَ مُتَمَكن من الإخلاء والمؤجر كَذَلِك مثله
لَيْسَ للنَّاظِر وَلَا لوَلِيّ الْيَتِيم أَن يسلم مَا يتَصَرَّف فِيهِ إِلَّا بِإِجَارَة شَرْعِيَّة وَكَذَلِكَ الْوَكِيل مَعَ مُوكله متصرف بِحكم الْولَايَة
لَيْسَ للنَّاظِر أَن يَجْعَل الْإِجَارَة لَازِمَة من جِهَة الْمُسْتَأْجر جَائِزَة من جِهَته فَإِن هَذَا خلاف الْإِجْمَاع
إِن اعْتقد صِحَة الْإِجَارَة والنفع وَنَحْوهَا مِمَّا جرت بِهِ الْعَادة كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور جَازَ لَهُ أَن يُسلمهُ الْعين بِمَا هُوَ إِجَارَة فِي الْعرف وَإِن كَانَ لَا يرى صِحَة ذَلِك إِلَّا بِاللَّفْظِ كَانَ عَلَيْهِ أَن لَا يُسَلِّمهَا إِلَّا إِذا أجرهَا بِاللَّفْظِ
وَمن اعْتقد جَوَاز بيع المعاطاه سَلمَة الْمَبِيع بِهَذَا البيع وَإِن اعْتقد عدم صِحَّته لم يكن لَهُ أَن يُسلمهُ بالمعاطاة
فَكل من اعْتقد شَيْئا وَجب عيه الْعَمَل بِهِ لَهُ وَعَلِيهِ وَلَيْسَ لأحد أَن يعْتَقد
стр. 353
أحد الْقَوْلَيْنِ فِيمَا لَهُ دون مَا عَلَيْهِ كمن يعْتَقد أَنه إِذا كَانَ جارا اسْتحق شُفْعَة الْجوَار وَإِذا كَانَ مُشْتَريا لم تجب عَلَيْهِ شُفْعَة الْجوَار
وَإِذا كَانَ من الْإِخْوَة من الْأُم فِي المشركة أسقط ولد الْأَبَوَيْنِ وَإِن كَانَ هُوَ من الْأُخوة لِلْأَبَوَيْنِ ورث وشارك وَإِذا كَانَ هُوَ الْمُدعى قضى بِالنّكُولِ وَإِذا كَانَ مدعى عَلَيْهِ قضى برد الْيَمين وأمثال ذَلِك كثير
فَلَيْسَ لأحد أَن يعْتَقد فِي مَسْأَلَة نزاع مثل هَذَا بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَإِن مَضْمُون هَذَا أَنه يحلل لنَفسِهِ مَا يحرمه على مثله وَبِالْعَكْسِ وَيُوجب على غَيره مَالا يُوجِبهُ على نَفسه مَعَ تساويهما فَمن اعْتقد جَوَاز فَهُوَ كَافِر فالمؤجر يلْتَزم لَهُ وَعَلِيهِ مَا يَعْتَقِدهُ فَإِذا سلم الْعين بِإِجَارَة يجوزها لنَفسِهِ وَيُطَالب بِالْأُجْرَةِ الَّتِي سَمَّاهَا لم يحل لَهُ أَن يقبل زِيَادَة
وَمن ذَلِك من زَاد على من يكترى أَو ساوم على من ركن إِلَيْهِ وَجب تعزيز المزايد والمساوم الَّذِي يضارره
وَيجوز إِجَارَة الإقطاع وَإِذا أقطعت لآخر صَارَت لَهُ من حِين أقطع فَإِن شَاءَ أجرهَا لذَلِك الْمُسْتَأْجر وَإِن شَاءَ لم يؤجرها لَهُ وَإِن كَانَ للْمُسْتَأْجر فِيهَا زرع أبقاه بأجره الْمثل إِلَى حِين تَمام صَلَاحه
فصل
هَل يجوز ضممان الْبَسَاتِين وَالْأَرْض الَّتِي فِيهَا النّخل أَو الشّجر الَّذِي لم يبد صَلَاح ثَمَرَة
فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال
قيل لَا يجوز بِحَال بِنَاء على أَنه دَاخل فِيمَا نهى عَنهُ من بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف عَن الشَّافِعِي وَأحمد نَص عَلَيْهِ وَمذهب أبي حنيفَة أَشد منعا وتنازع هَؤُلَاءِ هَل يجوز الاحتيال على ذَلِك بِأَن يُؤجر
стр. 354
الأَرْض ويساق على الشّجر يجزء يسير على قَوْلَيْنِ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد أَنه لَا يجوز وَذكر القَاضِي أَبُو يعلى أَنه يجوز وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد أَصْحَاب الشَّافِعِي وَهَذِه الْحِيلَة قد تتعذر عَليّ أصل مصححي الْحِيَل وَهِي بَاطِلَة من وُجُوه
أَحدهَا أَن الأَرْض قد تكون وَقفا أَو ليتيم وَنَحْوه فَمن يتَصَرَّف فِي مَاله بِحكم الْولَايَة فالمساقاه عَليّ ذَلِك بِجُزْء يسير لَا يجوز وَاشْتِرَاط أحد الْعقْدَيْنِ فِي الآخر لَا يجوز
الثَّانِي أَن الْفساد الَّذِي نهى من أَجله عَن بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا من كَونه غررا هُوَ من جنس الْقمَار مَوْجُود فِي هَذِه الْمُعَامَلَة أَكثر من وجوده عِنْد مُجَرّد بيع الثَّمَرَة
الثَّالِث أَن اسْتِئْجَار الأَرْض الَّتِي تَسَاوِي مائَة بِأَلف وَالْمُسَاقَاة عَليّ الثَّمَرَة بِجُزْء من ألف جُزْء فعل السُّفَهَاء الَّذين يسْتَحقُّونَ الْحجر عَلَيْهِم فضلا عَن إِمْضَاء فعلهم وَالْحكم بِصِحَّتِهِ
وَأَيْضًا لَهُ أَن يُطَالِبهُ بِجَمِيعِ الْأُجْرَة حصلت الثَّمَرَة أَو لم تحصل فَلَيْسَ هَذَا من أَفعَال الرَّاشِدين لَا سِيمَا إِن كَانَ الْمُتَصَرف مِمَّا لَا يملك التَّبَرُّع وَلَيْسَ الْفَقِيه من عمد إِلَيّ مَا نهى عَنهُ النَّبِي ﷺ دفعا لفساد يحصل لَهُم فَعدل عَنهُ إِلَى مَا فَسَاده أَشد مِنْهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة المستجير من الرمضاء بالنَّار وَهَذَا يسلم من قَاعِدَة إبِْطَال الْحِيَل فَإِن كثيرا مِنْهَا يتَضَمَّن من الْفساد وَالضَّرَر أَكثر مِمَّا فِي إِثْبَات المنهى عَنهُ ظَاهرا كَمَا قَالَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ يخادعون الله كَأَنَّمَا يخادعون الصّبيان لَو أَتَوا الْأَمر على وَجهه كَانَ أَهْون على وَلِهَذَا يُوجد فِي نِكَاح التَّحْلِيل من الْفساد أعظم مِمَّا يُوجد فِي نِكَاح الْمُتْعَة إِذا الْمُتَمَتّع قَاصد للنِّكَاح إِلَى وَقت والمحلل غير قَاصد لنكاح فَكل فَسَاد نهى عَنهُ فِي التَّمَتُّع فَهُوَ فِي التَّحْلِيل وَزِيَادَة وَلِهَذَا تنكر قُلُوب النَّاس التَّحْلِيل أعظم من إنكارها الْمُتْعَة والمتعة أبيحت أول الاسلام وتنازع السّلف فِي نسخهَا والتحليل لم يبح قطّ وَمن شنع على الشِّيعَة
стр. 355
بِإِبَاحَة الْمُتْعَة مَعَ إِبَاحَته التَّحْلِيل فقد سلطهم عَليّ الْقدح فِي السّنة كَمَا يُسَلط النَّصَارَى على الْقدح فِي الاسلام بِمثل إِبَاحَة التَّحْلِيل حَتَّى قَالُوا إِن هَؤُلَاءِ قَالَ لَهُم نَبِيّهم إِذا طلق أحدكُم امْرَأَته لم حل لَهُ حَتَّى تَزني وَذَلِكَ أَن التَّحْلِيل سفاح كَمَا سَمَّاهُ الصَّحَابَة ﵃
القَوْل الثَّانِي أَنه إِن كَانَت مَنْفَعَة الأَرْض هِيَ الْمَقْصُود وَالشَّجر تَابع جَازَ أَن يُؤجر الأَرْض وَيدخل فِي ذَلِك الشّجر تبعا وَهَذَا قَول مَالك يقدر البَائِع بِقدر الثُّلُث وَيجوز من بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا مَا يدْخل ضمنا وتبعا كَمَا أجَاز أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع الثَّمَرَة بعد أَن يُؤثر الشّجر فالمبتاع قد اشرى الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا لَكِن تبعا لذَلِك
القَوْل الثُّلُث أَنه يجوز ضَمَان الأَرْض وَالشَّجر جَمِيعًا وَإِن كَانَ أَكثر وَهُوَ قَول ابْن عقيل وَهُوَ مأثور عَن عمر بن الْخطاب ﵁ فِي بيعَة حُذَيْفَة أسيد بن حضير ﵁ لما قبلهَا ثَلَاث سِنِين ووفي دين أسيد بن حضير روى ذَلِك حَرْب فِي مسائلة عَن أَحْمد وَرَوَاهُ أَبُو ذَر الدِّمَشْقِي وَغَيرهمَا وَهُوَ مَعْرُوف عَن عمر ﵁ والحداذق الَّتِي بِالْمَدِينَةِ يغلب عَلَيْهَا الشّجر
وَقد ذكر هَذَا الْأَمر بعض فُقَهَاء الْمغرب وَزعم أَنه خلاف الْإِجْمَاع وَلَيْسَ بِشَيْء بل ادِّعَاء الْإِجْمَاع على جَوَازه أقرب فَإِن عمر ﵁ فعله بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة بمشهد من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار واشتهر وَلم يُنكر مَعَ أَنهم كَانُوا يُنكرُونَ مادون هَذَا عَليّ عمر كَمَا أنكر عمرَان بن حُصَيْن وَغَيره ﵃ مَا فعله عمر من مُتْعَة الْحَج وَالَّذِي فعله عمر ﵁ هُوَ الصَّوَاب وَإِذا تدبر الْفَقِيه أصُول الشَّرِيعَة تبين لَهُ أَنه لَيْسَ دَاخِلا فِيمَا نهى الله عَنهُ لأمور
أَحدهَا أَن الأَرْض يُمكن فِيهَا الْإِجَارَة وَيُمكن فِيهَا بيع حبها قبل أَن يشْتَد وَالنَّبِيّ ﷺ لما نهى عَن بيع الْحبّ حَتَّى يشْتَد لم يكن ذَلِك نهيا عَن إِجَارَة الأَرْض وَإِن كَانَ هُوَ مَقْصُود الْمُسْتَأْجر الَّذِي يعْمل فِي الأَرْض
стр. 356
حَتَّى يحصل لَهُ الْحبّ بِخِلَاف الْمُشْتَرى فَإِنَّهُ حبا مُجَردا وعَلى البَائِع خدمته حَتَّى يتَحَصَّل وَكَذَلِكَ نَهْيه عَن بيع الْعِنَب حَتَّى يسود لَيْسَ نهيا لمن يَأْخُذ الشّجر فَيقوم عَلَيْهَا ويسقيها حَتَّى تثمر إِنَّمَا النهى لمن اشْترى عنبا مُجَردا رعلى البَائِع خدمتها حَتَّى تكمل كَمَا يفعل المشترون للأعيان الَّتِي تسمى الكروم وَلِهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ لَا يبيعونها حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا بِخِلَاف التَّضْمِين
الْوَجْه الثَّانِي أَن الْمُزَارعَة عَليّ الأَرْض كالمسافاة على الشَّجَرَة وَكِلَاهُمَا جاذز عِنْد فُقَهَاء الحَدِيث وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وَالَّذين نهوا عَنْهَا ظنوها من بَاب الْإِجَارَة بعوض مَجْهُول وَأَبُو حنيفَة طرد قِيَاسه فَلم يجوزها بِحَال
وَأما الشَّافِعِي فَإِنَّهُ اسْتثْنى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ كالبياض إِذا دخل تبعا للشجر فِي المسافاة وَكَذَلِكَ مَالك يُرَاعى الْقلَّة وَالْكَثْرَة على أَصله
هَؤُلَاءِ جعلُوا الْمُضَاربَة بِهِ أَيْضا خَارِجَة الْقيَاس ظنا مِنْهُم أَنَّهَا من بَاب الْإِجَارَة بعوض مَجْهُول
وَالتَّحْقِيق أَن هَذِه الْمُعَامَلَات هِيَ من بَاب المشاركات لَا من بَاب المؤاجرات وَالْمُضَاربَة وَالْمُسَاقَاة والمزارعة مُشَاركَة هَذَا بنفع بِبدنِهِ وَهَذَا ينفع مَاله وَمَا قسم الله من الرِّبْح كَانَ بَينهمَا كشركة الْعَنَان
وَلَو قيل هِيَ جعَالَة كَانَ أشبه لِأَن الْجعَالَة لَا يكون الْعَمَل فِيهَا مَعْلُوما وَلَكِن لَيست جعَالَة أَيْضا فَإِن الْجعَالَة يكون الْمَقْصُود فِيهَا لأَحَدهمَا من غير جنس مَقْصُود الآخر هَذَا قَصده رد أبقه وَهَذَا قَصده الْجعل بِخِلَاف الْمُسَاقَاة والمزارعة وَالْمُضَاربَة فَإِنَّهُمَا شريكان فِي الْجِنْس الْمَقْصُود وَهُوَ الرِّبْح مستوران فِي المغرم والمغنم وَلِهَذَا وَجب أَن يكون الْمَشْرُوط فِيهَا مشَاعا مُقَدرا مَعْلُوم وَلَو كَانَت إِجَارَة أَو جعَالَة لَكَانَ أقل الْأَحْوَال فِيهَا أَن يجوز كَون الْعِوَض فِيهَا مُقَدرا مَعْلُوما لَا شَائِعا فَلَمَّا كَانَ الْمَشْرُوط لأَحَدهمَا من جنس الْمَشْرُوط للْآخر علم
стр. 357
أَنه من بَاب الْمُشَاركَة كَمَا فِي الشّركَة الْعَنَان وَلَو شَرط لأَحَدهمَا مِقْدَارًا من الرِّبْح أَو غَيره لم يجز لِأَنَّهُ المخابرة فَأَيْنَ من يَجْعَل مَا جَاءَت بِهِ السّنة مُوَافقا لِلْأُصُولِ مِمَّن يَجعله مُخَالفا لِلْأُصُولِ
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فمعلوم أَنه إِذا ساقاه عَليّ الشّجر بِجُزْء من الثَّمَرَة كَمَا إِذا زارعه عَليّ الأَرْض بِجُزْء من الزَّرْع أَو مُضَارَبَة عَليّ النَّقْد بِجُزْء من الرِّبْح فقد جعلت الثَّمَرَة من بَاب الناء والفائدة الْحَاصِلَة ببدن هَذَا وَمَال هَذَا وَالَّذِي نهى عَنهُ من بيع الثَّمَرَة قبل بَدو صَلَاحهَا لَيْسَ للْمُشْتَرِي عمل فِي حُصُوله أصلا بل الْعَمَل كُله عَليّ البَائِع فَإِذا اسْتَأْجر الأَرْض وَالشَّجر حَتَّى يحصل لَهُ ثَمَر جَازَ كَمَا إِذا استأة ر الأَرْض حَتَّى يحصل لَهُ الزَّرْع
الْوَجْه الثَّالِث أَن الثَّمَرَة تجرى الْمَنَافِع والفوائد فِي الْوَقْف وَالْعَارِية وَنَحْوهَا وَيجوز وقف الشّجر لينْتَفع مِنْهُ أهل الْوَقْف بالثمرة كَمَا يقف الأَرْض وَيجوز إِعَارَة الشّجر كَمَا يجوز إفقار الظّهْر وإعارة الدَّار ومنحه اللَّبن
فَإِن قيل هَذَا يقتضى أَن الْأَعْيَان مَعْقُود عَلَيْهَا فِي الْإِجَارَة
قيل إِن تَقْبِيل الأَرْض وَالشَّجر لَيْسَ هُوَ عقد عَليّ عين وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة إِجَارَة الأَرْض ليحصل لَهُ الزَّرْع لَكِن العقد ورد عَليّ الْمَنَافِع الَّتِي هِيَ مَنْفَعَة هَذِه الْأَعْيَان
وَيُقَال ثَانِيًا لَا سنلم أَن ؤجارة الظِّئْر عَليّ خلاف الْقيَاس فَكيف يُقَال ذَلِك وَلَيْسَ فِي الْقُرْآن إِجَارَة مصوصة فِي شريعتنا إِلَّا فِي إِجَارَة الظذر فَمن ظن أَن الْإِجَارَة لَا تكون إلاعلى الْمَنْفَعَة قَالَ ذَلِك وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك بل الْإِجَارَة لَا تكون إِلَّا على مَا يسْتَوْفى مَعَ بَقَاء أَصله سَوَاء كَانَ عينا أَو مَنْفَعَة كالظذر ونقع الْبذر فهى يحدثها الله تَعَالَى وَأَصلهَا بَاقٍ فَهِيَ كالمنفعة وَلِهَذَا جَازَ وقف هَذِه الْأُصُول لَا ستمرار هَذِه الْفَوَائِد أعيانها ومنافعها
стр. 358
فَأن قيل فَهَذَا يقتضى جَوَاز إجغارة الْحَيَوَان
قيل وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة نزاع بَين الْعلمَاء أَيْضا والمعرضة لَا تكون بِمَسْأَلَة نزاع بل بِدَلِيل شَرْعِي فَإِن كل ماذكرنا من ذَلِك يُوجب صِحَة هَذِه الْإِجَارَة وَلزِمَ طرده
ورذا لم يتَمَكَّن الْمُسْتَأْجر من ازدراع الأَرْض لآفة حصلت لم يكن عَلَيْهِ أُجْرَة وَإِن نبت الزَّرْع ثمَّ حصلت آفَة سَمَاوِيَّة أتلفته قبل التَّمَكُّن من حَصَاده فَفِيهِ نزاع نظرا إِلَى أَن الثَّمَرَة وَالْمَنْفَعَة هِيَ الْمَعْقُود عَلَيْهَا وَهَذَا الزَّرْع لَيْسَ بمعقود عَلَيْهِ بل الْمَعْقُود عَلَيْهِ الْمَنْفَعَة وَمن سوى بَينهمَا قَالَ الْمَقْصُود بِالْإِجَارَة هُوَ الزَّرْع فَإِذا حَالَتْ الآفة بَين الْمَقْصُود بِالْإِجَارَة وَالْمُسْتَأْجر كَانَ قد تلف الْمَقْصُود بِالْعقدِ قبل التَّمَكُّن من قَبضه والمؤجر وَإِن لم يعاض عَليّ زرع فقد عاوض عَليّ الْمَنْفَعَة الَّتِي يُمكن بهَا من حُصُول الزَّرْع فَإِذا حصلت الآفة قبل التَّمَكُّن لم تسلم لَهُ الْمَنْفَعَة الْمَعْقُود عَلَيْهَا بل تلفت قبل التَّمَكُّن وَلَا فرق بَين تعطل مَنْفَعَة الأَرْض فِي أول الْمدَّة أَو آخرهَا
وعَلى هَذَا بنبني مَسْأَلَة ضَمَان الحداذق وَالله أعلم
وَمن لَهَا حلى فأكثرته كِرَاء مُبَاحا لمن تتزين بِهِ ازوجها أَو سَيِّدهَا فَهُوَ حائز وَكَرِهَهُ مَالك وَأحمد وَكثير من أصحابهما كَرَاهَة تَنْزِيه
فَإِذا أكرته لحاجتها وأكلت كراءه لم ينْه عَنهُ وَعَلَيْهَا زَكَاته عِنْد أَكْثَرهم أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد
فَأَما إِن أكرته لمن تتزين بِهِ للرِّجَال الْأَجَانِب فَلَا يجوز وَأَشد من يَفْعَله للفاحشة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ وَلَا يجوز أَخذ الْأُجْرَة عَليّ الْإِعَانَة عَليّ الْفَاحِشَة لَا يجلى وَلَا يلبس وَلَا مسكن وَلَا دَابَّة وَلَا غير ذَلِك
стр. 359
وَمن اسْتَأْجر مَا يكون مَنْفَعَة إِجَارَته لعامة النَّاس مثل الْحمام والفندق والقيسارية فنقصت الْمَنْفَعَة الْمَعْرُوفَة لعمل خير منهت أَو قلَّة الزبون لخوف أَو حَرْب أَو تحول ذى سُلْطَان وَنَحْوه يحط عَن الْمُسْتَأْجر من الْأُجْرَة بِقدر مَا نقص من الْمَنْفَعَة سَوَاء رَضِي النَّاظر وَأهل الْوَقْف أَو سخطوا
وَالْوَزْن كالوزن بِسَائِر الموازين إِذا وزن بِالْعَدْلِ جَازَ لَهُ أَخذ الْأُجْرَة مِمَّن وزن لَهُ وَإِن وزن باخسا كَانَ من الظَّالِمين الْمُعْتَدِينَ
إِذْ أعطَاهُ شمعا وَقَالَ أوقده فَكلما نقص مِنْهُ أُوقِيَّة فَهِيَ بِكَذَا جَازَ ذَلِك كَمَا لَو قَالَ اسكن هَذِه الدَّار كل يَوْم بِكَذَا فِي أظهر قولي الْعلمَاء فَإِنَّهُ إِذن فِي الْإِتْلَاف عَليّ وَجه الِانْتِفَاع وَقَالَ بَعضهم لَيْسَ هُوَ من بَاب الْإِجَارَة وَلَا من بَاب البيع اللَّازِم بل هُوَ مُعَاوضَة جاذزة لَا لَازِمَة كَمَا لَو قَالَ ألق متاعك فِي الْبَحْر وعَلى ثمنه لَكِن لَا بُد أَن يكون الْإِذْن بالايقاد فِي أَمر مُبَاح وعَلى النَّاظر أَن لَا يُؤجر حَتَّى يغلب على ظَنّه أَنه لَيْسَ هُنَاكَ من يزِيد وَعَلِيهِ أَن يشهر الْمَكَان عِنْد أهل الرغبات الَّذين جرت عَادَتهم باستئجار مثل ذَلِك الْمَكَان فَإِذا فعل ذَلِك فقد أجره بأجره الْمثل وَهِي الْإِجَارَة الشَّرْعِيَّة فَإِن حابى بِهِ بعض أصدقائه أَو بعض من لَهُ عِنْده يَد فَأَجره بِدُونِ أُجْرَة الْمثل كَانَ ظَالِما ضَامِنا لما نقص أهل الْوَقْف من أُجْرَة الْمثل
وَلَو تَغَيَّرت أسعار الْعقار بعد الْإِجَارَة الشَّرْعِيَّة لم يملك الْفَسْخ بذلك فَإِن هَذَا لَا يَنْضَبِط وَلَا يدْخل فِي التَّكْلِيف وَالْمَنْفَعَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَان قد تخْتَلف فَتكون قيمتهَا فِي الشتَاء أَكثر مِنْهَا فِي الصَّيف وَبِالْعَكْسِ فَلَو قدر أَنَّهَا انْفَسَخت فِي بعض الْحول لسقطت الْأُجْرَة فِي مثل ذَلِك بِالْقيمَةِ رلا بأجزاء الزَّمَان فَيُقَال كم قِيمَته وَقت الصَّيف وَكم قِيمَته وَقت الشتَاء فتقسم الْأُجْرَة ويحسب لكل من الْأُجْرَة بِقدر قِيمَته وَالْوَاجِب على النَّاظر أَن يفعل مصلحَة الْوَقْف من كرائه مساومة أَو شماهرة أَو مانهة
стр. 360
وَلَيْسَ لَهُ إِخْرَاج الْمُسْتَأْجر قبل انْقِضَاء مدَّته لأجل زِيَادَة أَو غَيرهَا
وَمَا فعله بعض متأخرى الْفُقَهَاء من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد من التَّفْرِيق بَين أَن يُزَاد قدر الثُّلُث أَو أقل فَهُوَ قَول مُبْتَدع لَا أصل لَهُ عِنْد أحد من الْأَئِمَّة لَا بِسَبَب تفَاوت وَقت وَلَا غَيره وَالله أعلم
ورذا كَانَ الْوَقْف عَليّ وجهة عَامَّة جَازَت إِجَارَته بِحَسب الْمصلحَة وَلَا يتَقَدَّر بِعَدَد عِنْد أَكثر الْعلمَاء
وَإِذا وَقع النزاع بَين الْمَالِك وَالْمُسْتَأْجر فَقَالَ الْمُسْتَأْجر أعرتني وَقَالَ الْمَالِك بل أجرتك فَالْقَوْل قَول الْمَالِك وَفِي الدَّابَّة رِوَايَتَانِ قيل قَول الْمَالِك وَقيل قَول الرَّاكِب وَهُوَ قَول أبي حنيفَة
ورذا قُلْنَا فِي الأَرْض مثلا القَوْل قَول الْمَالِك فَهَل يُطَالب بِالْأُجْرَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا أَو بِأُجْرَة الْمثل أَو بِالْأَقَلِّ مِنْهَا عَليّ ثَلَاثَة أَقْوَال فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَقَالَ مَالك القَوْل قَول الْمَالِك
وَمِنْهُم من قَالَ إِلَّا أَن يكون مثله لَا يكرى الدَّوَابّ
وَللشَّافِعِيّ فيهمَا قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج فَإِنَّهُ نَص فِي الأَرْض أَن القَوْل قَول الْمَالِك وَفِي الدَّابَّة القَوْل قَول الرَّاكِب وَبَعض أَصْحَابه قررالنصين وَفرق بِأَن الدَّابَّة يسمح بعاريتها بِخِلَاف الأَرْض
فصل
فِي فلاح حرث أَرضًا ثمَّ زَرعهَا غَيره إِذا كَانَت الأَرْض مقاسمة لرب الأَرْض سهم وللفلاح سهم فَإِنَّهُ يقسم نصيب الْفَلاح من الْحَرْث وَالزَّرْع على مِقْدَار مَا يذلاه من نفع وَمَال
وَإِذا أجره الْوَصِيّ مُدَّة ثَلَاثِينَ سنة بِغَيْر قيمَة الْمثل ثمَّ توفى الْوَصِيّ وَبَلغت
стр. 361
الْمُوصى عَلَيْهَا رشدها فلهَا أَن تفسخ الْإِجَارَة بِلَا نزاع وَإِنَّمَا النزاع هَل تقع الْإِجَارَة بَاطِلَة من أَصْلهَا ومضمونة عَليّ الْمُؤَجّر
أجَاب بذلك فِي رجل تصدق على بنته لصلبه وَأسْندَ وَصيته لرجل فأجر مُدَّة ثَلَاثِينَ سنة فَأجَاب بذلك
ورذا أقْرضهُ عشرَة عَليّ أَن يكترى مِنْهُ حانوته بِأَكْثَرَ من أُجْرَة الْمثل لم يجز هَذَا بِاتِّفَاق الْمُسلمين بل لَو قرن بَينهمَا كَانَ بَاطِلا مَنْهِيّا عَنهُ عِنْد أَكثر الْعلمَاء والإقطاع نَوْعَانِ نوع إقطاع تمْلِيك كَمَا يقطع ولي الْأَمر الْموَات لمن يحييه بتملكه وإقطاع استغلال وَهُوَ إقطاع مَنْفَعَة الأروض لمن شَاءَ وَأَن يستغلها أَو يؤجرها أَو يزارع عَلَيْهَا
والإقطاع الْيَوْم من هَذَا الْبَاب فَإِن المقطعين لم يقطعوا لمُجَرّد أخراج وَاجِب عَليّ شئ من الأَرْض بيدهم كالخراج الشَّرْعِيّ الَّذِي ضربه عمر ﵁ على بِلَاد العنوة وكالإجارة الَّتِي تكون فِي ذمَّة من يسْتَأْجر عقارا لبيت المَال فَمن أقطع ذَلِك فقد أقطع خراجا
وَإِذا عرف ذَلِك فَإِذا انْفَسَخ الإقطاع أثْنَاء السّنة إِمَّا لمَوْت المقطع وَإِمَّا لغير ذَلِك كَانَت الْمَنْفَعَة الْحَادِثَة للمقطع الثَّانِي دون الأول بِحَيْثُ لَو كَانَ الأول قد أجر الأَرْض ثمَّ انْفَسَخ إقطاعه انْفَسَخت تِلْكَ الْإِجَارَة كَمَا تَنْفَسِخ إِجَارَة الْبَطن الأول إِذا انْتقل الْوَقْف إِلَى الْبَطن الثَّانِي فِي أصح الْوَجْهَيْنِ فَإِذا انْفَسَخ فِي نصف الْمدَّة كَانَ لَهُ نصف الْمَنْفَعَة وَإِذا انْفَسَخ فِي ربعهَا كَانَ الأول الرّبع وَللثَّانِي ثَلَاثَة أَربَاع الْمَنْفَعَة الْمُسْتَحقَّة وَالْأول لَيْسَ بغاصب بل هُوَ كالمستأجر بل أولى فَهُنَا للفقهاء ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا الزَّرْع للزارع وَعَلِيهِ الْأُجْرَة
وَالثَّانِي الزَّرْع لرب الأَرْض وَعَلِيهِ مَا أنفقهُ الأول على زرعه وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ معروفان فِيمَن زرع أَرض غَيره بِغَيْر إِذْنه وَهَذَا لَيْسَ غَاصبا لَكِن
стр. 362
هُوَ بِمَنْزِلَة من زرع أَرض الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه فَهُوَ كَمَا لَو اتّجر فِي مَال يطنه لنَفسِهِ فَبَان أَنه لغيره
وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة قَول ثَالِث قضى بِهِ عمر ﵁ فِي نظيرها وَهُوَ أَصَحهَا فَإِنَّهُ كَانَ قد اجْتمع عِنْد أبي مُوسَى الاشعري ﵁ مَال للْمُسلمين يُرِيد أَن يُرْسِلهُ إِلَى عمر فَمر بِهِ عبد الله وَعبيد الله ابْنا عمر فاستقرضاه فَقَالَ إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَن أعطيكما شَيْئا وَلَكِن عِنْدِي مَال أُرِيد أَن أحملهُ إِلَى أبيكما فخذاه اتجرا بِهِ وَأَعْطوهُ مثل المَال فتكونان قد انتفعتما وَالْمَال حصل عِنْده مَعَ ضمانكما لَهُ فاشتريا بِهِ بضَاعَة فَلَمَّا قدما على عمر ﵁ قَالَ أكل الْعَسْكَر أقرضهم مثل مَا أقرضكما فَقَالَا لَا ضعا الرِّبْح كُله فِي بَيت المَال فَسكت عبد الله وَقَالَ لَهُ عبيد الله أَرَأَيْت لَو ذهب هَذَا المَال أما كَانَ علينا ضَمَانه قَالَ بلَى فَقَالَ كَيفَ يكون الرِّبْح للْمُسلمين وعلينا ضَمَانه فَوقف عمر ﵁ فَقَالَ لَهُ الصَّحَابَة اجْعَلْهُ مُضَارَبَة بَينهمَا وَبَين الْمُسلمين لَهما النّصْف من الرِّبْح وَالْمُسْلِمين النّصْف فَعمل عمر ذَلِك
وَهَذَا أحسن الْأَقْوَال فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الَّتِي تنَازع فِيهَا الْفُقَهَاء وَفِي مَسْأَلَة التِّجَارَة بالوديعة وَغَيرهَا من مَال الْغَيْر فَإِن فِيهَا أَرْبَعَة أَقْوَال لِأَحْمَد وَغَيره هَل الرِّبْح للْمُودع أَو لبيت المَال أَو لِلْعَامِلِ أَو يتصدقان بِهِ أَو يقسم بَينهمَا كالمضاربة
وَمَسْأَلَة الإقطاع كَذَلِك فَإِنَّهُ زرع الأَرْض يَظُنهَا لنَفسِهِ فَتبين أَنَّهَا أَو بَعْضهَا لغيره فَجعل الزَّرْع بَينهمَا للمزارعة الْمُطلقَة مشاطرة فَجعل للْأولِ نصف الزَّرْع كالعامل فِي الْمُزَارعَة وَجعل النّصْف الثَّانِي للمنفعة الْمُقطعَة وَالْأول قد اسْتحق ربعهَا فَيجْعَل لَهُ النّصْف بِنَاء على مَا ذكرنَا وَللثَّانِي ثَلَاثَة أَربَاع النّصْف وَهَذَا أعدل الْأَقْوَال فِي مثل هَذِه الْمَسْأَلَة
وتضمن ذَلِك أَن المارعة يكون الزَّرْع فِيهَا من الْعَامِل وَهُوَ الصَّوَاب كَمَا عَامل النَّبِي ﷺ أهل خَيْبَر
وَأما الْقُوَّة الَّتِي تجْعَل على الأَرْض فَإِنَّهَا لَيست قرضا مَحْضا كَمَا يَظُنّهُ
стр. 363
بَعضهم فَإِن الْقَرْض الْمُطلق يتَصَرَّف فِيهِ بِمَا أَرَادَ وَهَذِه الْقُوَّة مَشْرُوطَة على من يقبضهَا أَن يبذلها فِي الأَرْض لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّف فِيهَا بِغَيْر ذَلِك فقد جعلت قُوَّة فِي الأَرْض ينْتَفع بهَا كل من يسْتَعْمل الأَرْض من مقطع أَو عَامل إِذْ مصلحَة الأَرْض لَا تقوم إِلَّا بذلك وَلِهَذَا يُقَال من دخل على قُوَّة خرج على نظيرها
وَحَقِيقَة الْأَمر أَن السُّلْطَان اشْترط على من يقطعهم أَن ينزلُوا على الأَرْض قُوَّة وَإِذا كَانَ الأول قد أنزل فِيهَا قُوَّة وَالثَّانِي مُحْتَاج إِلَيْهَا فَهِيَ لَهُ
وَلَيْسَ لأحد من وُلَاة الْأَمر أَن يَجْعَل عطاءها للْأولِ فان قسطه بِحَسب الْمصلحَة جَازَ ذَلِك وَإِذا جرت الْعَادة بِأَن من دخل على قُوَّة خرج على نظيرها وَمن أعْطى قُوَّة من عِنْده واستوفاها مُؤَجّلَة كَانَ إقطاع ولي الْأَمر لَهُ بِهَذَا الشَّرْط وَذَلِكَ جَائِز فَإِن الزَّرْع إِنَّمَا ملكه بالإقطاع وإقطاع ولي الْأَمر بِمَنْزِلَة بَيت مَال الْمُسلمين
وَلَيْسَت قسْمَة الْأَمْوَال السُّلْطَانِيَّة بِمَنْزِلَة قسْمَة المَال بَين الشُّرَكَاء المعينين لِأَن قسْمَة المَال بَين الشُّرَكَاء مثل قسْمَة الْمِيرَاث يقسم بَين كل صنف فَرْضه مِنْهُ فان قبل الْقِسْمَة وَإِلَّا بيع وَقسم ثمنه بَين الْوَرَثَة عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء كمالك وَأحمد وَأبي حنيفَة وَلَيْسَ لأحد الشَّرِيكَيْنِ أَن يخْتَص بصنف
وَأما أَمْوَال الْفَيْء فللإمام أَن يخص مِنْهَا طَائِفَة بِنصْف وَطَائِفَة بِنصْف آخر وَكَذَلِكَ فِي الْمَغَانِم على الصَّحِيح كَمَا يجوز تَفْضِيل بعض الغائمين بِمَنْفَعَة على الصَّحِيح فَمَال الْفَيْء يسْتَحق بِحَسب الْحَاجة وَمَال الْغَنَائِم يقسم على الْمُقَاتلَة فَيجب أَن يقسم بِالْعَدْلِ كَمَا يجب الْعدْل على كل حَاكم وكل قَاسم لَكِن إِذا قدر أَن الْحَاكِم أَو الْقَاسِم لَيْسَ عدلا لم تبطل جَمِيع أَحْكَامه وقسمه على الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ السّلف
فَإِنَّهُ قد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه أَمر بِطَاعَة وُلَاة الْأُمُور مَعَ جَوْرهمْ فَإِذا أَمر بِالْمَعْرُوفِ وَجَبت طَاعَته وَإِن كَانَ ظَالِما وَإِن حكم حكما عدلا وَقسم قسما عدلا كَانَ من الْعدْل الَّذِي يجب طَاعَته والظالم لَو قسم مِيرَاثا بَين
стр. 364
مستحقيه بِكِتَاب الله كَانَ عدلا بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَلَو قسم مغنما بَين الْغَانِمين بِالْحَقِّ كَانَ عدلا باجماع الْمُسلمين وَلَو حكم بِبَيِّنَة عادلة لَا معَارض لَهَا وَجب طَاعَته فِيهِ
فَأَما إِن كَانَت الْقِسْمَة غير عادلة مثل أَن يُعْطي بعض النَّاس فَوق مَا يسْتَحق أَو ينقص بَعضهم فَهَذَا من الأثرة الَّتِي ذكرهَا رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ على الْمُسلم السّمع وَالطَّاعَة فِي عسره ويسره ومنشطه ومكرهه وأثرة عَلَيْهِ مَا لم يُؤمر بِمَعْصِيَة وَمَعْلُوم أَن هَذَا مَا زَالَ فِي وُلَاة الْأَمر وَإِنَّمَا يسْتَثْنى الْخُلَفَاء الراشدون وَمن اتبعهم على سُنَنهمْ
وَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول آخذه بِمُجَرَّد الِاسْتِيلَاء كَمَا لَو لم يكن حَاكم وَلَا قَاسم فَإِنَّهُ على نُفُوذ هَذِه الْمقَالة تبطل الْأَحْكَام والأعطية الَّتِي فعلهَا وُلَاة الْأُمُور جَمِيعهم غير الْخُلَفَاء وَحِينَئِذٍ تسْقط طَاعَة وُلَاة الْأُمُور إِذا فرق بَين حكم وَقسم وَبَين عَدمه وَفِي ذَلِك من الْفساد فِي الْعقل وَالدّين مَالا يخفي فَإِنَّهُ لَو فتح ذَلِك الْبَاب أفْضى إِلَى فَسَاد أعظم من الْمَظَالِم ثمَّ كَانَ كل وَاحِد يظنّ أَن مَا يَأْخُذهُ بِنَفسِهِ هُوَ حَقه وَلَيْسَ للْإنْسَان أَن يكون حَاكما لنَفسِهِ وَلَا شَاهدا لَهَا فَكيف يكون قاسما لَهَا وَلَو كَانَ على مَا يَظُنّهُ الْجَاهِل لَكَانَ وجود الْحَاكِم كَعَدَمِهِ وَهَذَا لَا يَقُوله عَاقل بل قَالَ الْعُقَلَاء سِتُّونَ سنة من سُلْطَان ظَالِم خير من لَيْلَة بِلَا سُلْطَان وَمَا أحسن قَول عبد الله بن الْمُبَارك رَحمَه الله تَعَالَى ... لَوْلَا الْأَئِمَّة لم يُؤمن لنا سبل ... وَكَانَ أضعفنا نهبا لاقوانا ...
فصل
وَيجوز إِجَارَة المقصبة ليقوم عَلَيْهَا الْمُسْتَأْجر ويسقيها فتنبت الْعُرُوق الَّتِي فِيهَا بِمَنْزِلَة من يسْقِي الأَرْض لينبت لَهُ فِيهَا الْكلأ بِلَا بذر
стр. 365
ثَبت أَن رَسُول الله ﷺ احْتجم وَأعْطى الْحجام أجره وَلَو كَانَ سحتا لم يُعْطه إِيَّاه
وَلَا ريب أَن الْحجام إِذا حجم أعطي أُجْرَة حجمه عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء وَإِن كَانَ فِيهِ قَول ضَعِيف بِخِلَاف ذَلِك وَقد أرخص لَهُ أَن يعلفه نَاضِحَهُ ويطعمه رَقِيقه كَمَا روى عَن النَّبِي ﷺ وَبِذَلِك احْتج أَكثر الْعلمَاء على أَنه لَا يحرم وَإِنَّمَا يكره للْخَبَر تَنْزِيها لِأَنَّهُ لَا يَأْمر بإطعام الْحَرَام للرقيق
وَقيل بل يحرم لما روى مُسلم أَن النَّبِي ﷺ قَالَ كسب الْحجام خَبِيث وَمَا رُوِيَ أَنه نهى عَن ثمن الدَّم
قَالَ الْأَولونَ وَكَذَلِكَ قَالَ من أكل من هَاتين الشجرتين الخبيثتين فَلَا يقربن مَسْجِدنَا فسماهما خبيثتين لخبث ريحهما وليستا حَرَامًا وَقَالَ لَا يصلين أحدكُم وَهُوَ مَا يدافعه الأخبثان فَيكون تَسْمِيَته خبيثا لملاقاة النَّجَاسَة لَا لتحريمه بِدَلِيل أَنه أعْطى الْحجام أجره وَأذن أَن يطعمهُ الرَّقِيق والبهائم وَمهر الْبَغي لَا يطعمهُ رَقِيقا
وَبِكُل حَال فحال الْمُحْتَاج لَيْسَ كَحال المستغني عَنهُ كَمَا قَالَ بعض السّلف كسب فِيهِ بعض الدناءة خير من مَسْأَلَة النَّاس
وَلِهَذَا تنَازع النَّاس أَخذ الْأُجْرَة على تَعْلِيم الْقُرْآن وَنَحْوه على ثَلَاثَة أَقْوَال لِأَحْمَد وَغَيره
أَحدهَا أَنه يُبَاح للمحتاج قَالَ أَحْمد أُجْرَة التَّعْلِيم خير من جوائز السُّلْطَان وجوائز السُّلْطَان خير من صلَة الإخوان
وأصول الشَّرِيعَة تفرق فِي المنهيات بَين الْمُحْتَاج وَغَيره كَمَا فِي المأمورات
стр. 366
فأبيحت الْمُحرمَات عِنْد الضَّرُورَة لَا سِيمَا إِذا قدر أَنه يعدل على ذَلِك إِلَى سُؤال النَّاس فَالْمَسْأَلَة أَشد تَحْرِيمًا وَلِهَذَا قَالَ الْعلمَاء يجب أَدَاء الْوَاجِبَات وَإِن لم يقم إِلَّا بِالشُّبُهَاتِ كَمَا سُئِلَ الإِمَام أَحْمد ﵁ سَأَلَهُ رجل فَقَالَ إِن ابْنا لي مَاتَ وَعَلِيهِ دين وَله دُيُون أَكثر مِمَّا عَلَيْهِ أفأتقاضاها فَقَالَ أتدع ذمَّة ابْنك مرتهنة بدينة وَلِهَذَا اتّفق الْعلمَاء على أَن رزق الْحَاكِم وَأَمْثَاله جَائِز عِنْد الْحَاجة وَتَنَازَعُوا فِي الرزق عِنْد عدمهَا وَأَصله ولي الْيَتِيم يَأْكُل من مَال الْيَتِيم لِحَاجَتِهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن كَانَ غَنِيا فليستعفف وَمن كَانَ فَقِيرا فَليَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾
إِذْ الشَّرِيعَة مبناها على تَحْصِيل الْمصَالح وتكميلها وتعطيل الْمَفَاسِد وتقليلها والورع ترجيج خير الخيرين بِتَقْدِيم أَحدهمَا وَدفع شَرّ الشرين وَإِن حصل أدناهما
وَقد جَاءَ فِي الْحجامَة أَحَادِيث كَثِيرَة وَفِي الصَّحِيح أَنه ﷺ قَالَ شِفَاء أمتِي فِي ثَلَاث شربة غسل أَو شرطة محجم أَو كَيَّة نَار وَمَا أحب أَن أكتوى والتداوي بالحجامة جَائِز بِالسنةِ المتواترة وَإِجْمَاع الْعلمَاء
وَإِذا جَاءَ من يخْتم القماش بِدَرَاهِم يَدْفَعهَا عَن دينه وَذكر أَنَّهَا من غير كَسبه وَغلب عَليّ الظَّن صَدَقَة جَازَ أَخذهَا وَإِن لم يغلب على الظَّن كذبة جَازَ تَصْدِيق إِذا لم يعرف كذبه
وَأي الْأَمريْنِ أفضل فِي أَرض تقبل للنَّاس أَن تَأْخُذ أجرتهَا وَتَتَصَدَّق بهَا أَو تقبل بِلَا أُجْرَة إِن كَانُوا فُقَرَاء فَتَركه لَهُم أفضل وَإِن كَانُوا أَغْنِيَاء وَهُنَاكَ مُحْتَاج فَأخذ الْأُجْرَة لأجل الْمُحْتَاج أفضل
وَمن اسْتَأْجر أَجِيرا يعْمل فِي بُسْتَان فَترك الْعَمَل الْمَشْرُوط عَلَيْهِ من غير عذر فَتلف من المَال شَيْء ضمن مَا تلف بِسَبَب تفريطه
وَمن اسْتَأْجر أَرضًا فَمَا وَالْأُجْرَة مقسطة فَلَا يجب على أَوْلَاده تَعْجِيل جَمِيع الْأُجْرَة لَكِن إِذا لَا يُوثقُوا بِهِ فَلهُ أَن يطالبهم بِمن يضمن لَهُ الْأُجْرَة فِي أقساطها وَهَذَا قَول من يَقُول لَا يحل الدّين الْمُؤَجل بِمَوْت من هُوَ عَلَيْهِ ظَاهر فَأَما على قَول
стр. 367
من يَقُول إِنَّه يحل فَكَذَلِك هُنَا على الصَّحِيح من قولي الْعلمَاء لِأَن الْوَارِث الَّذِي ورث الْمَنْفَعَة عَلَيْهِ أُجْرَة تِلْكَ الْمَنْفَعَة الَّتِي استوفاها بِحَيْثُ لَو كَانَ على الْمَيِّت دُيُون لم يكن للْوَارِث أَن يخْتَص بِمَنْفَعَة ويزاحم أهل الدّين بِالْأُجْرَةِ بِنَاء على أَنَّهَا من الدُّيُون الَّتِي على الْمَيِّت كَمَا لَو كَانَ ثمن مَبِيع نافد بِمَنْزِلَة أَن تنْتَقل الْمَنْفَعَة إِلَى مُشْتَر أَو متهب مثل أَن يَبِيع الأَرْض أَو يَهَبهَا أَو تورث عَنهُ فَإِن أُجْرَة الأَرْض من حِين الِانْتِقَال تلْزم أَو الْمُتَّهب أَو الْوَارِث فِي أصح قولي الْعلمَاء كَمَا عَلَيْهِ عمل الْمُسلمين فَإِنَّهُم يطالبون المُشْتَرِي وَالْوَارِث بالحكر قسطا لَا يطْلبُونَ الحكر جَمِيعه من البَائِع أَو تَركه الْمَيِّت على ذَلِك لِأَن الْمَنَافِع لَا نستقر إِلَّا بِاسْتِيفَاء الْأُجْرَة وَلَو تلفت الْمَنَافِع قبل الِاسْتِيفَاء سَقَطت الْأُجْرَة بِاتِّفَاق وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَغَيره أَن الْأُجْرَة لَا تملك بِالْعقدِ بل بِالِاسْتِيفَاءِ وَلَا يملك الْمُطَالبَة إِلَّا شَيْئا فَشَيْئًا وَلِهَذَا قَالَ إِن الْإِجَارَة تَنْفَسِخ بِالْمَوْتِ
وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِن قَالَا لَا تملك بِالْعقدِ الْمُطَالبَة بهَا إِذا أسلم الْعين فَلَا نزاع عِنْدهمَا أَنَّهَا تملك إِلَّا بالإستياء وَلَا نزاع أَنَّهَا إِذا كَانَت مُؤَجّلَة لم تطلب إِلَّا عِنْد مَحل الْأَجَل فَإِذا كلف الْوَارِث أَن يعجل الْأُجْرَة الَّتِي لم تجب إِلَّا مؤجرة مَعَ تَأْخِير اسْتِيفَاء حَقه من الْمَنْفَعَة كَانَ هَذَا ظلما لَهُ مُخَالفا للعدل الَّذِي هُوَ مبْنى الْمُعَاوضَة وَإِذا لم يرض الْوَارِث بِأَن يجب عَلَيْهِ الْأُجْرَة وَقَالَ الْمُؤَجّر أَنا مَا أسلم إِلَيْك الْمَنْفَعَة لتوفى حَقك مِنْهَا فأوجبنا عَلَيْهِ أَدَاء الْأُجْرَة حَالَة من التَّرِكَة مَعَ تَأْخِير الْمَنْفَعَة تبين مَا فِي ذَلِك من الحيف عَلَيْهِ
وَأما إِذا كَانَ الْمُؤَجّر وَقفا فَهُنَا لَيْسَ للنَّاظِر تَعْجِيل الْأُجْرَة كلهَا بل لَو شَرط ذَلِك لم يجز لِأَن الْمَنَافِع المستقلة إِذن لم يملكهَا وَيملك أجرتهَا من يحدث فِي الْمُسْتَقْبل فَإِذا تعجلت من غير حَاجَة إِلَى عمَارَة كَانَ ذَلِك أخذا لما لم يسْتَحقّهُ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ الْآن
وَأجَاب لَا يلْزمهُم تَعْجِيل الْأُجْرَة فِي أصح قولي الْعلمَاء لَا سِيمَا إِذا كَانَ الْمُؤَجّر حبسا فَإِن تَعْجِيل الْأُجْرَة فِي الْحَبْس لَا يجوز إِلَّا لعمارة وَنَحْوهَا لِأَن
стр. 368
مَنَافِع الْحَبْس يَسْتَحِقهَا الْمَوْقُوف عَلَيْهِ بعد بطن وكل قوم يسْتَحقُّونَ أُجْرَة الْمَنَافِع الْحَادِثَة فِي زمانهم فَإِذا استسلقوا للمستقبل كَانُوا قد أخذُوا مالم يستحقوه من الْوَقْف وَهَذَا لَا يجوز
لَكِن إِذا طلب من الْوَرَثَة ضمينا فَلم ذَلِك مَعَ أَنه لَو لم يكن وَقفا لم تحل الْأُجْرَة على قَول من يَقُول لَا يحل الدّين الْمُؤَجل بِالْمَوْتِ وَكَذَا على قَول من يَقُول يحل فِي أظهر قوليه أَو يفرقون بَين الْإِجَارَة وَغَيرهَا كَمَا يفرقون فِي الأَرْض المحتكرة إِذا بِيعَتْ أَو ورثت فَإِن الحكر يكون على المُشْتَرِي وَالْوَارِث وَلبس اجرة من البَائِع من تَرِكَة الْمَيِّت فِي أظهر أَقْوَالهم وَالله أعلم
فصل
ضَمَان الإقطاع صَحِيح لَا نعلم أحدا من الْعلمَاء الَّذين يُفْتى بقَوْلهمْ وَلَا أحدا من المصنفين قَالَ إِنَّه بَاطِل إِلَّا مَا بلغنَا أَن بعض النَّاس حكى فِيهِ خلافًا قولا بِالْجَوَازِ وقولا بِالْمَنْعِ وقولا يجوز سنة فَقَط
وَلم يفت أحد بِتَحْرِيمِهِ إِلَّا بعض أهل زمَان لشُبْهَة عرضت لَهُم اعتقدوا أَن المقطع بِمَنْزِلَة الْمُسْتَعِير وغفلوا عَن كَون الْمَنَافِع مُسْتَحقَّة لأهل الإقطاع وغفلوا عَن كَون السُّلْطَان أذن فِي الِانْتِفَاع بالمقطع استغلالا وإيجارا وَلَو أذن الْمُعير بِالْإِجَارَة جَازَت وفَاقا فيكف بالإقطاع
وَمن أَخذ عوضا عَن عين مُحرمَة أَو نفع محرم مثل أُجْرَة حمال المحمر وصانع الصَّلِيب وَمهر الْبَغي وَنَحْوه وَأُجْرَة الْبَيْت ليتَّخذ مَكَانا للفسوق ليتصدق بهَا وَتَكون صدقته بذلك كَفَّارَة عَمَّا عمله من الْمحرم فَإِن هَذَا الْعِوَض لَا يجوز الِانْتِفَاع بِهِ لِأَنَّهُ خَبِيث وَلَا يُعَاد إِلَى صَاحبه لِأَنَّهُ إِعَانَة لَهُ على الْإِثْم والعدوان بل
стр. 369
يَتَّصِف بِهِ كَمَا نَص على ذَلِك أَحْمد فِي مثل حَامِل الْخمر وَأَصْحَاب مَالك وَغَيرهم
وَمن اكترى لفعل محرم كالغناء وَالزِّنَا وَشَهَادَة الزُّور كَانَ كراؤه محرما
وَكَذَلِكَ إِن أكراه لفعل مَا وَجب عَلَيْهِ مثل أَن تتَعَيَّن عَلَيْهِ شَهَادَة بِحَق أَو فيتا فِي مَسْأَلَة أَو قَضَاء فِي حُكُومَة أَو جِهَاد معِين فَإِن هَذَا الْكِرَاء لَا يجوز
وَإِن كَانَ الْفِعْل يخْتَص بِأَهْل القربات كالكراء لإقراء الْقُرْآن وَالْعلم والإمامة وَالْأَذَان أَو الْحَج أَو للْجِهَاد الَّذِي لَا يتَعَيَّن فَفِيهِ نزاع وَإِن كَانَ الْكِرَاء لعمل كالخياطة وَالتِّجَارَة وَالْبناء جَازَ بالِاتِّفَاقِ
وَإِذا انْتقل نحل إِلَى بلد فَلَا يجوز شَيْئا وَالْعَمَل هُوَ من الطول الَّتِي هِيَ المباحثات وَهِي أَحَق بالبذل من الْكلأ فَإِن هَذِه الطلول لَا يُمكن أَن يجمعها إِلَّا النَّحْل لَكِن إِن كَانَ لصَاحب الأَرْض نحل فَهُوَ أَحَق بالجني فِي أرضه فَإِذا كَانَ جنى ذَلِك النَّحْل يضر بِهِ فَلهُ مَنعه من ذَلِك
وَيَقَع اسْتِئْجَار الْأَعْمَى وشراؤه صَحِيحا عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء كمالك وَأبي حنيفَة وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَلَا بُد أَن يُوصف لَهُ الْمَبِيع وَالْمُسْتَأْجر فان وجده بخلافة فَلهُ الْفَسْخ
وَلَا يجوز أَن يسْتَأْجر من يُصَلِّي عَنهُ فرضا وَلَا نفلا لَا فِي حَيَاته وَلَا بعد مماته فَإِذا أوصى بِدَرَاهِم لمن يُصَلِّي عَنهُ تصدق الْوَرَثَة بهَا عَنهُ ويخص بِالصَّدَقَةِ أهل الصَّلَاة فَيكون للْمَيت أجر كل صَلَاة يصلونها ويستعينون عَلَيْهَا بِصَدَقَتِهِ من غير أَن ينقص من أجر الْمصلى شَيْئا كَمَا قَالَ ﷺ من فطر صَائِما فَلهُ مثل أجره وَمن جهز غازيا فقد غزا
وَأما تَعْلِيم الْقُرْآن وَالْعلم بِغَيْر أُجْرَة فَهُوَ أفضل الْأَعْمَال وأحبها إِلَى الله تَعَالَى وَهَذَا مِمَّا يعلم بالاضطرار من الدّين وَكَانَ السّلف لَا يعلمُونَ إِلَّا الله تَعَالَى
стр. 370
وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاء وَيجوز أَن يعْطى رزقا من بَيت المَال مَعَ الْحَاجة
وَهل يجوز مَعَ الْغَنِيّ على قَوْلَيْنِ
وَإِجَارَة أَرض الإقطاع جَائِزَة وللمستأجر أَن يؤجرها
وَأما إِذا مَاتَ المقطع أَو انْقَطع إقطاعه فالمقطع الثَّانِي لَا يلْزمه إِجَارَة الأول فَلَيْسَ لَهُ أَن يقطع مَا فِيهَا من الشّجر وَالزَّرْع مجَّانا بل يُخَيّر بَين أَن يبقيه بِأُجْرَة الْمثل أَو أَن يُؤجر للْمُسْتَأْجر إِجَارَة مستأنفة بِمَا يتفقان عَلَيْهِ لَكِن لَيْسَ لَهُ أَن يلْزمه بِأَكْثَرَ من أُجْرَة الْمثل وَإِذا اسْتَأْجرهَا صَاحب الزَّرْع جَازَ فَإِنَّهُ يتَمَكَّن من الِانْتِفَاع بهَا وَلِصَاحِب الزَّرْع الْفَسْخ فَإِنَّهَا تَنْفَسِخ بانتقال الإقطاع فَلَيْسَ لأَحَدهمَا إِلْزَام الآخر وَلَو اسْتَأْجرهَا غَيره جَازَ على الصَّحِيح وَقَامَ فِيهَا مقَام الْمُؤَجّر
وَهَذِه الْمُعَامَلَات الْوَاقِعَة على الْبَسَاتِين الْمُسَمَّاة بِالضَّمَانِ سَوَاء كَانَت قبل ظُهُور الثَّمَرَة وَقبل بَدو صَلَاحهَا أَو بعدهمَا أَو بَينهمَا وَسميت ضمانا أَو سميت ضمانا أَو سميت للتحيل مُسَاقَاة أَو إِجَارَة فَإِنَّهُ إِذا تلف الثَّمر بِآفَة سَمَاوِيَّة وَجب وضع الْجَائِحَة عَن الْمُسْتَأْجر سَوَاء كَانَ العقد فَاسِدا أَو صَحِيحا أَو متحيلا على صِحَّته
وَلَو قَالَ الْعَامِل ضمنته بِكَذَا وَإِن كَانَ أكله الْجَرَاد فَهُوَ شَرط فَاسد لِأَنَّهُ شَرط غرر وقمار وَإِن كَانَ مَعَ الشَّرْط قد ضمنه بعوض دون عوض الْمثل الْخَالِي من الشَّرْط فَحِينَئِذٍ يفرق بَين صِحَة العقد وفساده على الْمَشْهُور فَإِذا كَانَ فَاسِدا كَانَ الْوَاجِب الْمَقْبُوض بِهِ أَو قِيمَته وَإِن كَانَ صَحِيحا زيد على نصيب الْبَاقِي من الْمُسَمّى بِقدر قيمَة مَا بَين الْقيمَة مَعَ الشَّرْط وَالْقيمَة مَعَ عَدمه فَإِذا كَانَ الْمُسَمّى أنفًا وَالْبَاقِي ثلث الثَّمَرَة كَانَ نصِيبه ثلث مَا بَقِي من الْألف فَينْظر قيمَة الْجَمِيع بِالشّرطِ فيوجد بسبعمائة فيزاد على الْمُسَمّى أَو يُصِيبهُ ثلثه
وَمن اسْتَأْجر دَارا بجوارها رجل سوء فَمثل هَذَا عيب فِي الْعقار إِذا لم يعلم بِهِ الْمُسْتَأْجر فَلهُ فسخ الْإِجَارَة عِنْد الْعلم بِهِ
стр. 371
وَمذهب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَن الشبابة حرَام وَلم يتنازع فِيهَا إِلَّا مُتَأَخّر وَأَصْحَاب أَحْمد من الخراسانيين فانهم ذكرُوا وَجْهَيْن وَأما الْعِرَاقِيُّونَ فَقطعُوا بِالتَّحْرِيمِ وهم أعلم بمذهبه وَبِكُل حَال فَهُوَ وَجه ضَعِيف وَقد قَالَ الشَّافِعِي الْغناء مَكْرُوه يشبه الْبَاطِل وَالْمحرم اسْتِمَاع الآت اللَّهْو لاسماعها فَمن اجتاز فَسمع كفرا أوغيبة أَو شَبابَة لم يحرم عَلَيْهِ وَلَو اسْتمع وَلم يُنكر بِقَلْبِه أَو يَده أَو لِسَانه أَثم اتِّفَاقًا وَمَا رُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ أَنه سمع راعي غنم يزمر بزمارة فسد أُذُنَيْهِ وَقَالَ لنافع هَل تسمع قَالَ لَا فَأخْرج أَصَابِعه وروى عَن النَّبِي ﷺ ذَلِك هُوَ يبين أَن عدم السماع أولى وَلَا يدل هَذَا على أَن الشبابة جَائِزَة فَإِن ابْن عمر ﵄ سامع لَا مستمع وَالسَّامِع لَا يحرم عَلَيْهِ كَمَا لَا يُؤجر السَّامع لقِرَاءَة الْقُرْآن إِنَّمَا يُؤجر المستمع وسد أُذُنَيْهِ ﵁ مُبَالغَة فِي التحفظ وَلَو كَانَ مُبَاحا لما سد أُذُنَيْهِ بل سدهما يدل على أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يسمع مَالا يجوز استماعه
وَأَيْضًا فرفيقه نَافِع لم يعلم أَنه كَانَ بَالغا فَلَعَلَّهُ كَانَ صَغِيرا وَالصبيان يرخص لَهُم من اللّعب مَا لَا يرخص فِيهِ للبالغين
وَأَيْضًا فَلَو قدر أَن الِاسْتِمَاع لَا يجوز فَلَو سد هُوَ ورفيقه أذنيهما لم يعرفا مَتى يَنْقَطِع الصَّوْت
وَأَيْضًا زمارة الرَّاعِي لَيست مطربة كالشبابة الَّتِي تصنع من اليراع فَلَو قدر الْإِذْن فِيهَا لم يجز الْإِذْن فِي اليراع الْمَوْصُول وَمَا يتبعهُ من الْأَصْوَات الَّتِي تفعل فِي النُّفُوس فعل حميا الكؤوس
وَأَيْضًا فقد ذكر ابْن الْمُنْذر الِاتِّفَاق على تَحْرِيم الْغناء وَالنوح قَالَ أجمع كل من أحفظ عَنهُ من أهل الْعلم على إبِْطَال إِجَارَة الناعية والمغنية فَإِذا كَانَت الْمُغنيَة لَا يجوز استئجارها مَعَ أَن الْغناء رخص فِيهِ النَّاس فِي الْعرس فَكيف
стр. 372
بالشبابة الَّتِي لم يبحها أحد من الْعلمَاء لَا للرِّجَال وَلَا للنِّسَاء وَلَا فِي عرس وَلَا فِي غَيره فَلَا يجوز أَن يُعْطي شَيْئا ينْسب بِهِ لعيشه
وَأَيْضًا لَيْسَ كل مَا جَازَ فعله جَازَ أَن يُعْطي الْعِوَض عَلَيْهِ لِأَن فِي الحَدِيث لَا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر أَو نصل فقد نهى عَن السَّبق فِي غير هَذِه الثَّلَاثَة مَعَ جَوَاز المصارعة والمسابقة بالأقدام
أما من يصلح لَهُ اللّعب فيرخص لَهُ فِي الأعياد كَمَا كَانَت الجاريتان تُغنيَانِ وَالنَّبِيّ ﷺ يسمع وَلما نهاهما أَبُو بكر ﵁ وَقَالَ أمزمار الشَّيْطَان فِي بَيت رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ دعهما يَا أَبَا بكر فَإِنَّهَا أَيَّام عيد أَو كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ
فَمن اسْتدلَّ بِجَوَاز الْغناء للصغار فِي يَوْم الْعِيد على أَنه مُبَاح للكبار من الرِّجَال وَالنِّسَاء على الاطلاق فَهُوَ مخطىء
وَكَذَلِكَ أَخطَأ من اسْتدلَّ على جَوَاز اليراع بِالْحَدِيثِ الَّذِي سد فِيهِ ابْن عمر أُذُنَيْهِ وَسَأَلَ نَافِعًا لَو كَانَ الحَدِيث صَحِيحا فَكيف وَهُوَ حَدِيث مُنكر قَالَه أَبُو دَاوُد وَلَكِن رَوَاهُ الْخلال من وُجُوه يصوب بَعْضهَا بَعْضًا
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا حجَّة فِيهِ لما قدمنَا
وَمَا رُوِيَ من علمك آيَة من الْقُرْآن فقد ملك رقك إِن شَاءَ باعك وَإِن شَاءَ أعتقك حَدِيث بَاطِل مُخَالف للاجماع وَمن اعْتقد جَوَاز ملك الْمعلم للَّذي علمه يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَالْحر الْمُسلم لَا يسترق وَلَا يَقُول مُسلم من علم امْرَأَة آيَة من الْقُرْآن ملك وَطئهَا
стр. 373
كتاب الْوَقْف
يجوز بيع الْأَشْجَار فِي الْمَسْجِد ويشترى بِثمنِهَا مَا يعْمل على الْوَقْف إِذا كَانَ فِيهِ مصلحَة وللناظر أَن يُغير صُورَة الْوَقْف من صُورَة إِلَى صُورَة أصلح مِنْهَا كَمَا غير الْخُلَفَاء الراشدون صُورَة المسجدين المفسدين اللَّذين بالحرمين وكما نقل عمر ﵁ مَسْجِد الْكُوفَة من مَوضِع إِلَى مَوضِع
وعَلى النَّاظر أَن يعْمل مَا يقدر عَلَيْهِ من الْعَمَل وَيَأْخُذ على ذَلِك الْعَمَل مَا يُقَابله وَله أَن يَأْخُذ على فقرة مَا يَأْخُذهُ الْفَقِير على فقره
وَإِذا جعل الْوَاقِف للنَّاظِر أَن يخرج من شَاءَ وَيدخل من شَاءَ وَيزِيد وَينْقص فَذَلِك رَاجع الى الْمصلحَة الشَّرْعِيَّة لَا إِلَى شَرط الْوَاقِف وشهوته وهواه بل يفعل من الْأُمُور الْمُخَير فِيهَا مَا كَانَ أرْضى لله وَرَسُوله وَهَذَا فِي كل من تصرف لغيره بِالْولَايَةِ كَالْإِمَامِ وَالْحَاكِم والواقف وناظر الْوَقْف وَغَيرهم حَتَّى لَو صرح الْوَاقِف بِأَن النَّاظر يفعل مَا يهواه وَمَا يرَاهُ مُطلقًا لم يكن هَذَا الشَّرْط صَحِيحا بل يكون بَاطِلا فَإِنَّهُ شَرط مُخَالف لكتاب الله وَمن شَرط مَا لَيْسَ فِي كتاب الله تَعَالَى فَهُوَ بَاطِل
فَإِذا عزل عزلا مُوَافقا لأمر الله لم يكن للمعزول أحد شَيْء من الْوَقْف وَإِن كَانَ عَزله غير مُوَافق لأمر الله كَانَ مردودا بِحَسب الْإِمْكَان فقد قَالَ ﷺ من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد
وَمن وقف وَقفا لم يُخرجهُ عَن يَده فَفِيهِ قَولَانِ مشهوران
أَحدهمَا يبطل وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَالثَّانِي يلْزم وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى عَن أَحْمد وَقَول لأبي حنيفَة وَقَول لأبي يُوسُف
وَإِذا شَرط الْوَاقِف المحاصصة بَينهم فَهَل يعْطى أَرْبَاب الْوَظَائِف مكملا يُقَال إِن كَانَ الَّذِي يحصل بالمحاصصة لأرباب الْوَظَائِف الَّذِي يستأجرون عَلَيْهَا
стр. 374
كالبواب والقيم والسواق وَنَحْوهم أجره مثلهم أعْطوا وَإِن كَانَ مَا يحصل دون أُجْرَة الْمثل وَأمكن من يعْمل بذلك لم يحْتَج إِلَى الزِّيَادَة وَإِن كَانَ الْحَاصِل لَهُم أقل من أُجْرَة الْمثل وَلَا يُوجد من يعْمل بِأَقَلّ من أُجْرَة الْمثل فَلَا بُد من تَكْمِيل أُجْرَة الْمثل إِذا لم تقم مصلحَة الْمَكَان إِلَّا بهم وَإِن أمكن أَن يجمع بَين الْوَظَائِف لوَاحِد فعل ذَلِك وَلَا يلْزم الْعدَد الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَيْهِ مَعَ كَون الْوَقْف قد عَاد إِلَى ريعه
وَالْأَصْل أَن كل مَا شَرط من الْعَمَل فِي الْوُقُوف الَّتِي توقف على الْأَعْمَال فَلَا بُد أَن يكون قربَة إِمَّا وَاجِبا وَإِمَّا مُسْتَحبا أما اشْتِرَاط عمل محرم فَلَا يَصح بِاتِّفَاق الْمُسلمين بل كَذَلِك الْمَكْرُوه وَكَذَلِكَ الْمُبَاح على الصَّحِيح
وَقد اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن شَرط الْوَاقِف تَنْقَسِم إِلَى صَحِيح وفاسد كَمَا فِي سَائِر الْعُقُود وَمن قَالَ إِن شُرُوط الْوَاقِف كنصوص الشَّارِع فمراده أَنَّهَا كالنصوص فِي الدّلَالَة على مُرَاد الْوَاقِف لَا فِي وجوب الْعَمَل بهَا أَي إِن مُرَاد الْوَاقِف يُسْتَفَاد من أَلْفَاظه الْمَشْرُوطَة كَمَا يُسْتَفَاد مُرَاد الشَّارِع من أَلْفَاظه كَمَا يعرف الْخُصُوص والعموم وَالْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد والتشريك من أَلْفَاظ الشَّارِع كَذَلِك يعرف فِي الْوَقْف من أَلْفَاظ الْوَاقِف
مَعَ أَن التَّحْقِيق فِي هَذَا أَن لفظ الْوَاقِف كَلَفْظِ الْحَالِف وَالْمُوصى وكل عَاقد يحمل قَوْله على عَادَته فِي خطابه ولغته الَّتِي يتَكَلَّم بهَا سَوَاء وَافَقت الْعَرَبيَّة العرباء أَو الْعَرَبيَّة المولدة أَو الْعَرَبيَّة الملحونة أَو كَانَت غير عَرَبِيَّة وَسَوَاء وَافَقت لُغَة الشَّارِع أَو لم توافقه فَإِن الْمَقْصُود فِي الْأَلْفَاظ دلالتها على مُرَاد الناطقين بهَا فَنحْن نرْجِع فِي معرفَة كَلَام الشَّارِع إِلَى معرفَة لغته وعرفه وعادته وَكَذَلِكَ فِي خطاب كل أمة وكل قوم فَإِذا تخاطبوا بَينهم فِي البيع أَو الْإِجَارَة أَو الْوَقْف أَو الْوَصِيَّة أَو النّذر أَو غير ذَلِك بِكَلَام نرْجِع فِي مَعْرفَته مُرَادهم مِنْهُ إِلَى مَا يدل على مُرَادهم من عَادَتهم فِي الْخطاب وَمَا يقْتَرن بذلك من الْأَسْبَاب
стр. 375
وَأما أَن نجْعَل نُصُوص الْوَاقِف أَو نُصُوص غَيره من الْعَاقِدين كنصوص الشَّارِع فِي وجوب الْعَمَل بهَا فَهَذَا كفر بِاتِّفَاق الْمُسلمين إِلَّا أحد يطاع فِيمَا يَأْمر بِهِ وَينْهى عَنهُ من الْبشر بعد رَسُول الله ﷺ
والشروط إِن وَافَقت كتاب الله كَانَت صَحِيحَة وَإِن خَالَفت كتاب الله كَانَت بَاطِلَة كَمَا ثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ أَيّمَا شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بطال وَإِن كَانَ مائَة شَرط وَهَذَا الْكَلَام حكمه ثَابت فِي البيع وَالْإِجَارَة وَالْوَقْف وَغَيره بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة إِذْ الْأَخْذ بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب
فَإِذا شَرط فعلا محرما ظهر أَنه بَاطِل فَإِنَّهُ لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق وَإِن شَرط شرطا مُبَاحا لَا قربَة كَانَ أَيْضا بَاطِلا لِأَنَّهُ شَرط شرطا لَا مَنْفَعَة فِيهِ لَا لَهُ وَلَا للْمَوْقُوف عَلَيْهِ فَإِنَّهُ فِي نَفسه لَا ينْتَفع إِلَّا بِالْبرِّ وَالتَّقوى وَأما بذل المَال فِي مُبَاح فِي حَيَاته فَلهُ فِيهِ مَنْفَعَة أما بعد الْمَوْت فالواقف والموصي لَا ينتفعان بِمَا يفعل الْمُوصي لَهُ وَالْمَوْقُوف عَلَيْهِ من الْمُبَاحَات فِي الدُّنْيَا وَلَا يثابان على بذل المَال فِي ذَلِك فِي الْآخِرَة فَيكون منفقا لِلْمَالِ فِي الْبَاطِل وَهَذَا مسخر معذب وَإِذا كَانَ الشَّارِع ﷺ قد قَالَ لَا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر أَو بصل فَلم يجوز بذل الْجعل فِي شَيْء لَا يستعان بِهِ على الْجِهَاد وَإِن كَانَ مُبَاحا مَعَ أَنه قد يكون فِيهِ مَنْفَعَة كَمَا فِي المصارعة والمسابقة على الْأَقْدَام فَكيف ببذل الْعِوَض المؤبد فِي عمل لَا مَنْفَعَة فِيهِ لَا سِيمَا وَالْوَقْف محبس مؤبد فَيكون فِي ذَلِك ضَرَر على الْوَرَثَة وَسَائِر الْأَقْرَبين بِحَبْس المَال عَنْهُم بِلَا مَنْفَعَة حصلت لَهُم وَفِي ذَلِك ضَرَر على المتناولين باستعمالهم إِيَّاه فِي عمل هم فِيهِ مسخرون يعوقهم عَن مصلحتهم الدِّينِيَّة والدنيوية بِلَا فَائِدَة تحصل لَا لَهُ وَلَا لَهُم
وَقد بسطنا الْكَلَام فِي هَذِه الْقَاعِدَة فِي غير هَذَا الْموضع
стр. 376
إِذا عرف ذَلِك فقراءة كل وَاحِد الْقُرْآن على حِدته أفضل من قِرَاءَته مُجْتَمعين بِصَوْت وَاحِد فَإِن هَذِه تسمى قِرَاءَة الإدارة وَقد كرهها طوائف من أهل الْعلم كمالك وَطَائِفَة من أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد وَغَيرهم وَمن رخص فِيهَا كبعض أَصْحَاب احْمَد لم يقل إِنَّهَا أفضل من قِرَاءَة الِانْفِرَاد إِذْ يحصل لكل وَاحِد فِي قِرَاءَة الِانْفِرَاد جَمِيع الْقِرَاءَة وَأما هَذِه فَلَا يحصل لكل وَاحِد جَمِيع الْقِرَاءَة بل هَذَا يتم مَا بَدَأَ فِيهِ هَذَا وَهَذَا يتم مَا بَدَأَ فِيهِ هَذَا
وَلَيْسَ فِي الْقِرَاءَة بعد الْمغرب فَضِيلَة مستحية تقدم بهَا على الْقِرَاءَة فِي جَوف اللَّيْل أَو بعد الْفجْر وَنَحْو ذَلِك من الْأَوْقَات فَلَا قربَة فِي تَخْصِيص مثل ذَلِك بِالْوَقْفِ
وَلَو نذر صَلَاة أَو صياما أَو قِرَاءَة أَو اعتكافا فِي مَكَان بِعَيْنِه فَإِن كَانَ للمكان الْمُتَعَيّن مزية فِي الشَّرْع كَالصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة لزم الْوَفَاء بِهِ والإلم يتَعَيَّن بِالنذرِ الَّذِي أَمر الله بِالْوَفَاءِ بِهِ فَإِذا كَانَ النّذر الَّذِي أَمر الله بِالْوَفَاءِ بِهِ لَا يجب أَن يُوفي بِهِ إِلَّا فِيمَا كَانَ طَاعَة بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة مُتَابعًا لهدى رَسُول الله ﷺ زَمَانا ومكانا وَصفَة وَحَالا فَلَا يجب أَن يُوفي مِنْهُ بمباح كَمَا لَا يجوز أَن يُوفي مِنْهُ بِمحرم بِاتِّفَاق الْعلمَاء فِي الصُّورَتَيْنِ وَإِنَّمَا تنازعوا فِي لُزُوم الْكَفَّارَة فَكيف بِغَيْر النّذر من الْعُقُود الَّتِي لَيْسَ فِي لُزُومهَا من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة مَا فِي النّذر
وَأما اشْتِرَاط إهداء ثَوَاب التِّلَاوَة فَهَذَا مَبْنِيّ على إهداء ثَوَاب الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة كَالصَّلَاةِ وَفِيه ونزاع
فَمن كَانَ مذْهبه أَنه لَا يجوز إهداء ثَوابًا كأكثر أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ كَانَ هَذَا الشَّرْط عِنْدهم بَاطِلا كَمَا لَو شَرط أَن يحمل عَن الْوَاقِف ذنُوبه فَإِنَّهُ لَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى
وَمن كَانَ مذْهبه أَنه يجوز إهداء ثَوَابهَا للْمَيت كأحمد وأصحابي أبي حنيفَة وَطَائِفَة من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ فَهَذَا يعْتَبر أمرا آخرا وَهُوَ أَن هَذَا إِنَّمَا يكون
стр. 377
من الْعِبَادَات والعبادات هِيَ مَا قصد بهَا وَجه الله تَعَالَى فَأَما مَا يَقع مُسْتَحقّا بِعقد إِجَارَة أَو جعَالَة فَإِنَّهُ لَا يكون قربَة فَإِن جَازَ أَخذ الْأُجْرَة والجعل عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يجوز الِاسْتِئْجَار على الْإِمَامَة وَالْأَذَان وَتَعْلِيم الْقُرْآن فِي قَول
وَأما الصُّوفِي الَّذِي يدْخل فِي الْوَقْف على الصُّوفِيَّة فَلهُ ثَلَاثَة شُرُوط
أَحدهَا أَن يكون عدلا فِي دينه
وَالثَّانِي أَن يكون ملازما لغالب الْآدَاب الشَّرْعِيَّة فِي غَالب الْأَوْقَات وَإِن لم تكن وَاجِبَة مثل أدب الْأكل وَالشرب واللباس وَالنَّوْم وَالسّفر وَالرُّكُوب والصحبة وَالْعشرَة وَحسن الْمُعَامَلَة مَعَ الْخلق إِلَى غير ذَلِك من الْآدَاب الشَّرْعِيَّة قولا وفعلا وَلَا يلْتَفت إِلَى مَا أحدثه بعض المتصوفة من لاآداب الَّتِي لَا أصل لَهَا فِي الدّين من الْتِزَام شكل مَخْصُوص فِي اللبسة وَنَحْوهمَا مِمَّا لَا يسْتَحبّ فِي الشَّرِيعَة فَإِن مبْنى الْآدَاب على اتِّبَاع السّنة
وَلَا يلْتَفت إِلَى مَا يهذر بِهِ بعض المتفقهة من آدَاب ظَنّهَا مَشْرُوعَة يعْتَقد لقلَّة علمه أَن ذَلِك لَيْسَ من آدَاب الشَّرِيعَة لكَونه لَيْسَ فِيمَا بلغه من الْعلم الِاعْتِبَار بالآداب بِمَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة قولا وفعلا وتركا
وَالشّرط الثَّالِث فِي الصُّوفِي قناعته بالكفاف من الرزق بِحَيْثُ لَا يمسك فِي الدُّنْيَا مَا يفضل عَن حَاجته فَمن كَانَ جَامعا لفضول المَال لم يكن من الصُّوفِيَّة
стр. 378
الَّذين يقْصد اجراء الأرزاق عَلَيْهِم وَإِن كَانَ قد يفْسخ لَهُم فِي مُجَرّد السُّكْنَى فِي الرَّبْط وَنَحْوهَا
وَمن جمع هَذِه الثَّلَاث كَانَ مَقْصُودا بالربط وَالْوَقْف عَلَيْهِ
وَأما غير هَؤُلَاءِ من أَرْبَاب والعلية وَالْأَحْوَال الزكية فَيدْخلُونَ فِي الْعُمُوم لَكِن لَا يخْتَص بهم الْوَقْف لقلتهم ولعسر تَمْيِيز الْأَحْوَال الْبَاطِنَة على غَالب الظَّن فَلَا يرْبط اسْتِحْقَاق الدُّنْيَا بذلك وَمَا دون هَذِه الصِّفَات من المقتصرين على مُجَرّد طقوس ورسوم فِي لبسة أَو مشْيَة فانهم لَا يسْتَحقُّونَ فِي الْوَقْف وَلَا يدْخلُونَ فِي مُسَمّى الصُّوفِيَّة لَا سِيمَا إِن كَانَ ذَلِك الرَّسْم مُحدثا فَإِن بذل المَال على مثل هَذِه الرسوم فِيهِ نوع من التلاعب بِالدّينِ وَأكل أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ وصدهم عَن سَبِيل الله وَمن كَانَ من الصُّوفِيَّة الْمَذْكُورين فِيهِ قدر زَائِد مثل اجْتِهَاده فِي نوافل الْعِبَادَات أَو سعى فِي تَصْحِيح أَحْوَال الْقلب أَو الْكِفَايَة فَهُوَ أولى من غَيره
وَمن لم يكن متأدبا بالآداب الشَّرْعِيَّة فَلَا يسْتَحق شَيْئا الْبَتَّةَ
وطالب الْعلم الَّذِي لَيْسَ لَهُ كِفَايَة أولى مِمَّن لَيْسَ مَعَه الْأَدَب الشَّرْعِيّ وَلَا علم عِنْده مثل هَذَا فسبيله أَن لَا يسْتَحق شَيْئا
فصل
وَلَيْسَ للْحَاكِم أَن يتَوَلَّى نَاظرا وَلَا يتَصَرَّف فِي الْوَقْف بِدُونِ أَمر النَّاظر الشَّرْعِيّ الْخَاص إِلَّا أَن يكون النَّاظر الْخَاص قد تعدى فِيمَا يَفْعَله وللحاكم أَن ينْقض عَلَيْهِ إِذا خرج عَمَّا يجب عَلَيْهِ
وَإِذا كَانَ بَين الْحَاكِم والناظر مُنَازعَة حكم بَينهمَا غَيرهمَا حكم الله
وقرابة الْوَقْف أَحَق من الْفَقِير الْمسَاوِي لَهُ
وَمَا فضل من الْوَقْف يصرف فِي مصَالح مثله مثل مَسْجِد آخر وفقراء الْجِيرَان
стр. 379
وَنَحْو ذَلِك خير من أَن يرصد لعمارة أَو غَيرهَا فَإِنَّهُ لَا فَائِدَة فِي رصده مَعَ زِيَادَة الْوَقْف إِلَّا لمن يتَوَلَّى من المباشرين الظَّالِمين
وَأَيْضًا فعمر ﵁ كَانَ يتَصَدَّق كل عَام بكسوة الْكَعْبَة بقسمها بَين الْحجَّاج
وَصَرفه إِلَى إِمَامه ومؤذنه مَعَ فقرهما أولى من غَيرهمَا
وليعلم أَن الْجِهَات الدِّينِيَّة مثل الخوانق والمدارس وَغَيرهَا لَا يجوز أَن ينزل فِيهَا فَاسِقًا وَسَوَاء كَانَ فسقه بظلمه الْخلق أَو فسقه بتعديه بقوله وَفعله حُدُود الله الَّتِي بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَمن نزل بِشَرْط الْوَاقِف لم يجز إِخْرَاجه وَمن أعَان على ذَلِك فقد أعَان عَليّ الْإِثْم والعدوان
وَإِذا رأى النَّاظر تَقْدِيم أَرْبَاب الْوَظَائِف الَّذين يَأْخُذُونَ من الْوَقْف على عمل مَعْلُوم كَالْإِمَامِ والمؤذن فقد أصَاب إِذا كَانَ الَّذِي يأخذونه لَا يزِيد عَن جعل مثلهم فِي عَادَة النَّاس كَمَا أَنه يجب تَقْدِيم الجابي وَالْعَامِل والصانع وَالْبناء وَنَحْوهم مِمَّن يَأْخُذ على عمل يعمله فِي تَحْصِيل المَال فَإِن عمار الْمَكَان يُقِيمُونَ بِأخذ الْأُجْرَة والإمامة وَالْأَذَان شَعَائِر لَا يُمكن إِبْطَالهَا وَلَا نَقصهَا بِحَال فَإِن جعل مثل ذَلِك لأصحابها يقدم على مَا يَأْخُذهُ الْفُقَهَاء بِخِلَاف الْمدرس والمعيد وَالْفُقَهَاء فَإِنَّهُم من جنس وَاحِد
وَإِذا كَانَ الْوَقْف على معِين وَلم يقبله فالتحقيق أَنه لَيْسَ كالوقف الْمُنْقَطع بل الْوَقْف هُنَا صَحِيح قولا وَاحِد ثمَّ إِنَّه ينْتَقل إِلَى من بعده كَمَا لَو مَاتَ أَو تعذر اسْتِحْقَاقه مثل أَن يقف عَلَيْهِ بِشَرْط كَونه فَقِيرا أَو عدلا ففاتت الصّفة انْتقل الْوَقْف إِلَى من بعده فَإِن الطَّبَقَة الثَّانِيَة يتلقون الْوَقْف عَن الْوَاقِف لَا عَن الْمَوْقُوف عَلَيْهِ فَلَا يشْتَرط فِي اسْتِحْقَاق الطَّبَقَة الثَّانِيَة اسْتِحْقَاق الطَّبَقَة الأولى وَالْقَبُول شَرط للمعين فِي الْمَوْقُوف عَلَيْهِم فَإِذا لم يقبل كَمَا رد الْوَصِيَّة
стр. 380
وَاحِد من الْمُوصى لَهُم لم يقْدَح ذَلِك فِي اسْتِحْقَاق بَقِيَّة الشُّرَكَاء بِخِلَاف مَا إِذا وقف على من لَا يجوز الْوَقْف عَلَيْهِ فَإِن هَذَا يدْخل فِي مسَائِل تَفْرِيق الصَّفْقَة وَيُوجد جهل الْمُسْتَحق أَولا وَلِهَذَا صَار فِيهِ نزاع فَالصَّحِيح أَنه يَصح وَإِن لم يقبل الْمعِين لَكِن لَا يسْتَحق شَيْئا حَتَّى يقبل وَلَو رده لَا يبطل بل ينْتَقل إِلَى من بعده
وَمن شَرط كَون المقرىء غزبا مثلا فَهُوَ شَرط بَاطِل والمتأهل أَحَق بِمثل هَذَا من العزب إِذْ لَيْسَ فِي التعزب مَقْصُود شَرْعِي
وَهل يجب أَن يُوصي لأقاربه الَّذين لَا يرثونه على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ بِمذهب معِين فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنه لَو لم يكن فِي الْبَلَد إِلَّا حَاكم على غير الْمَذْهَب الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ حَاكم الْبَلَد زمن الْوَاقِف أَن لَا يكون لَهُ نظر وَهَذَا بَاطِل بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَإِن ذَلِك يَقْتَضِي بطلَان الشَّرْع فِي الْوُقُوف الْعَامَّة الَّتِي لم يعين ولي الْأَمر لَهَا نَاظرا خَاصّا وَفِي الْوَقْف الْخَاص نزاع مَعْرُوف ثمَّ قد يكون للْحَاكِم وَقت الْوَقْف مَذْهَب وَبعد ذَلِك يكون لَهُ مَذْهَب ثمَّ مَذْهَب آخر
وَلَو شَرط الإِمَام على الْحَاكِم أَو شَرط الْحَاكِم على خَلِيفَته أَن يحكم بِمذهب معِين بَطل الشَّرْط وَفِي فَسَاد العقد وَجْهَان وَلَا يسوغ لواقف أَن يمْنَع النّظر على الْوَقْف إِلَّا لذى مَذْهَب معِين دَائِما مَعَ إِمْكَان أَن لَا يتَوَلَّى من أهل هَذَا الْمَذْهَب أحد فَكيف إِذا لم يشْتَرط ذَلِك فالحاكم على أَي مَذْهَب كَانَ إِذا كَانَت ولَايَته تتَنَاوَل النّظر فِي الْوَقْف كَانَ تفويضه سائغا وَلم يجز لحَاكم آخر نقص وَلَو ولي كل حَاكم شخاص كَانَ الْوَاجِب على ولي الْأَمر أَن يقدم أحقهما
وَمن وقف على ولديه عمر وعبد الله بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ أبدا مَا عاشوا ثمَّ على أولادهما من بعدهمَا وَأَوْلَاد أولادهما ونسلهما وعقبهما بَطنا بعد بطن فتوفى عبد الله وَخلف أَوْلَادًا فَرفع عمر ولد عبد الله إِلَى حَاكم يرى الحكم بالترتيب بالمجموع وَسَأَلَهُ
стр. 381
رفع يَدَيْهِ ولد عبد الله عَن الْوَقْف وتسليمه إِلَيْهِ فَفعل فَلَيْسَ الحكم جَائِزا فِي جَمِيع الْبُطُون وَلَا يكون حكما لأولاده بِمَا حكم لَهُ بِهِ فَإِن قَوْله ثمَّ على أولادهما هُوَ لترتيب الْمَجْمُوع على الْمَجْمُوع أَو لترتيب الْأَفْرَاد بِحَيْثُ ينْتَقل نصيب كل ميت إِلَى أَوْلَاده فَفِيهِ قَولَانِ فَإِذا حكم بِاسْتِحْقَاق عمر الْجَمِيع بعد موت عبد الله كَانَ الِاعْتِقَاد أَنه لترتيب الْمَجْمُوع فَإِذا مَاتَ عمر فقد يكون ذَلِك الْحَاكِم يرى التَّرْتِيب فِي الطَّبَقَة الأولى فَقَط وَقد يكون يرى التَّرْتِيب فِي جَمِيع الْبُطُون لَكِن تَرْتِيب الْمَجْمُوع على الْمَجْمُوع وتشترك كل طبقَة من الطبقتين فِي الْوَقْف دون من هُوَ أَسْفَل مِنْهَا وَقد يرى غَيره بعد ذَلِك أَنه لترتيب الْأَفْرَاد على الْأَفْرَاد فَإِذا حكم حَاكم ثَان فِيمَا لم يحكم فِيهِ الأول بِمَا لَا يُنَاقض حكمه لم يكن نقضا لحكمه فَلَا ينْقض الثَّانِي إِلَّا لمُخَالفَة نَص أَو أجماع
وَلَا يجوز كِرَاء الْوَقْف لمن يضر بِهِ بِاتِّفَاق الْمُسلمين
وَلَا يجوز كِرَاء الشّجر بِحَال وَإِن سوقي عَلَيْهَا بِجُزْء يسير حِيلَة لم يجز ذَلِك فِي الْوَقْف بِاتِّفَاق الْعلمَاء
وَمن وقف مدرسة وَشرط على أَهلهَا الصَّلَوَات الْخمس فِيهَا فَلَيْسَ هَذَا شرطا صَحِيحا يقف الإستحقاق عَلَيْهِ كَمَا كَانَ يُفْتِي بذلك فِي هَذِه الصُّورَة بِعَينهَا الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام وَغَيره من الْعلمَاء لأدلة مُتعَدِّدَة وَقد بسطناها فِي غير هَذَا الْموضع بل للْمَوْقُوف عَلَيْهِم الْمدرسَة أَن يصلوا فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى الصَّلَوَات الْخمس وَلَا يصلونها فِي الْمدرسَة ويستحقون مَعَ ذَلِك مَا قدر لَهُم وَذَلِكَ أفضل لَهُم من أَن يصلوا فِي الْمدرسَة والإمتناع من أَدَاء الْفَرْض فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَغَيره لأجل الْجَارِي ورع فَاسد يمْنَع صَاحبه عَن الثَّوَاب الْعَظِيم فِي الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد
وَقَوله ﷺ فِي حَدِيث عَائِشَة ﵁ من اشْترط شرطا لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل وَإِن كَانَ مائَة شَرط كتاب الله أَحَق وَشرط الله أوثق هَذَا حَدِيث مُتَّفق على عُمُومه فَإِنَّهُ من جَوَامِع الْكَلم الَّتِي
стр. 382
أوتيها النَّبِي ﷺ وَبعث بهَا فَهُوَ عَام فِي جَمِيع الْعُقُود وَإِن كَانَ سَببه قصَّة عتق بَرِيرَة فَالْعِبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب
وَلَكِن تنازعوا فِي الْعُقُود المباحت كَالْبيع وَالْإِجَارَة وَالنِّكَاح هَل معنى الحَدِيث من اشْتِرَاط شرطا لم يثبت أَنه مَأْذُون فِيهِ شرعا أَو من اشْترط شرطا لم يعلم أَنه مُخَالف لما شَرعه الله هَذَا فِيهِ نزاع لِأَن قَوْله فِي آخر الحَدِيث كتاب الله أَحَق وَشرط الله أوثق يدل على أَن الشَّرْط الْبَاطِل مَا خَالف ذَلِك وَقَوله من اشْترط شرطا لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل قد يفهم مِنْهُ مَا لَيْسَ بمشروع وَصَاحب القَوْل الأول يَقُول مَا لم ينْه عَن الْمُبَاحَات فَهُوَ مِمَّا أذن الله فِيهِ فَيكون مَشْرُوعا بِكِتَاب الله وَأما إِذا كَانَ فِي الْعُقُود الَّتِي يقْصد بهَا الطَّاعَات كالنذر فَلَا بُد أَن يكون لله
وَأما الْمَنْذُور طَاعَة فَمَتَى كَانَ مُبَاحا لم يجب الْوَفَاء وَكَذَلِكَ الْوَقْف وَحكم الشُّرُوط فِيهِ فَإِذا أوصى أَو وقف على معِين وَكَانَ كَافِرًا أَو فَاسِقًا لم يكن الْكفْر وَالْفِسْق هُوَ سَبَب الِاسْتِحْقَاق لَا شَرط فِيهِ بل هُوَ يسْتَحق مَا أعطَاهُ وَإِن كَانَ مُسلما عدلا فَكَانَت الْمعْصِيَة عديمة التَّأْثِير بِخِلَاف مَا لَو جعلهَا شرطا فِي ذَلِك على الْكفَّار أَو الْفُسَّاق أَو على الطَّائِفَة الْفُلَانِيَّة بِشَرْط أَن يَكُونُوا كفَّارًا أَو فساقا فَهَذَا الَّذِي لَا ريب فِي بُطْلَانه
وَهنا أصلان أَحدهمَا أَن بذل المَال لَا يجوز إِلَّا لمَنْفَعَة فِي الدّين أَو الدُّنْيَا وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْعلمَاء وَمن خرج عَن هَذَا كَانَ سَفِيها مبذرا لمَاله وَقد نهى الله تَعَالَى التبذير وَنهى النَّبِي ﷺ عَن إِضَافَة المَال فِي الحَدِيث وَمن الْمَعْلُوم أَن الْوَاقِف لَا ينْتَفع بوقفه فِي الدُّنْيَا وَلَا ينْتَفع بِهِ فِي الدّين إِن لم يَنْفَعهُ فِي سَبِيل الله طَاعَته وَطَاعَة رَسُوله فَإِنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا يثيب العَبْد على مَا أنفقهُ فيمَ يُحِبهُ فالمباحات لَا يثيب عَلَيْهَا وَلَا يكون فِي الْوَقْف عَلَيْهَا مَنْفَعَة فِي الدُّنْيَا وَلَا ثَوَاب فالوقف عَلَيْهَا خَال من الْمَنْفَعَة فِي الدّين وَالدُّنْيَا
стр. 383
فَيكون بَاطِلا كمن خصص الْغنى لكَونه غَنِيا مَعَ مشاركته الْفُقَرَاء عَلَيْهِ فَهَذَا مِمَّا يعلم بالاضطرار أَن الله لَا يُحِبهُ فَلَا يكون اشْتِرَاطه صَحِيحا
وَأَيْضًا المَال يمْنَع مِنْهُ الْوَارِث فَلَو أَن فِيهِ مصلحَة لما جَازَ منع الْوَارِث فَأَما منع الْوَارِث مِنْهُ وَلَا مصلحَة فِيهِ للْوَاقِف وَلَا مَنْفَعَة للآخذ فَهَذَا لَا يجوز تنفيذه
وَأما الوق على الْأَعْمَال الدِّينِيَّة كالقرآن والْحَدِيث وَالْفِقْه وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا هُوَ الأَصْل الثَّانِي وَلَا يُمكن أَن يكون فِي ذَلِك نزاع فِي جَوَازه إِذا كَانَ على مَا شَرعه الله تَعَالَى وأوجبه من هَذِه الْأَعْمَال فَأَما من ابتدع عملا لم يشرعه الله تَعَالَى وَجعله دينا فَهَذَا ينْهَى عَن عمل هَذَا فَكيف يشرع لَهُ أَن يقف عَلَيْهِ الْأَمْوَال بل هَذَا من جنس الْوَقْف على مَا يعتقدوه الْيَهُود وَالنَّصَارَى عبادات وَهِي من الدّين الْمُبدل الْبَاطِل فباب الْعِبَادَات والديانات متلقى عَن الله وَرَسُوله فَلَيْسَ لأحد أَن يَجْعَل شَيْئا عبَادَة أَو قربَة إِلَّا بِدَلِيل شَرْعِي فالبدع المذمومة شرعا هِيَ مَا لم يشرعه الله أَي لم يدْخل فِي أمره
وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين أَن من وقف على صَلَاة أَو صِيَام أَو قِرَاءَة أَو جِهَاد غير شَرْعِي لم يَصح وَقفه وَفرق بَين الْمُبَاح الَّذِي يفعل لِأَنَّهُ مُبَاح وَبَين الْمُبَاح الَّذِي يتَّخذ دينا وَعبادَة وَطَاعَة فَمن جعل مَا لَيْسَ قربَة أَو طَاعَة ودينا وقربة وَطَاعَة كَانَ ذَلِك حَرَامًا باتفاقهم وَوَقفه على ذَلِك بَاطِل
وَلَكِن قد يَقع النزاع فِي بعض الْأُمُور هَل هُوَ من بَاب القربات أم لَا كَمَا تنازعوا فِي مسَائِل الِاجْتِهَاد كمن يرى وجوب الْقِرَاءَة على الْمَأْمُوم وَآخر يَرَاهَا مَكْرُوهَة لَهُ
فَمن علم فِي شَيْء أَنه بِدعَة لم يجز أَن يقف عَلَيْهِ بِاتِّفَاق
فالشروط المتضمنة لِلْأَمْرِ بِمَا نهى الله وَرَسُوله عَنهُ أَو النَّهْي عَمَّا أَمر الله وَرَسُوله بِهِ مُخَالفَة للنَّص وَالْإِجْمَاع
إِذا تبين هَذَا تبين أَو الْوَقْف على الْمُبَاح من الشُّرُوط الْفَاسِدَة المضادة لمحبة
стр. 384
الشَّارِع وَرضَاهُ بل هِيَ من الْغنى وَمَا تبين أَنه مُوَافق لكتاب الله وَسنة رَسُوله أنفذه وَمَا اشْتبهَ أمره أَو كَانَ فِيهِ نزاع فَلهُ حكم نَظَائِره
وَمن هَذِه الشُّرُوط مَا يحْتَاج تَفْسِيره إِلَى همة قَوِيَّة وقدرة يؤيدها الله بِالْعلمِ وَالدّين وَإِلَّا فمجرد قيام الشَّخْص فِي هوى نَفسه لجلب دنيا أَو دفع مضرَّة دنيوية إِذا خرج ذَلِك على صُورَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لَا يكَاد ينجح سَعْيه وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
فمبيت الشَّخْص فِي مَكَان معِين دَائِما لَيْسَ قربَة وَلَا طَاعَة بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَلَا يكون إِلَّا نَادرا كالمبيت فِي ليَالِي منى ومبيت الانسان فِي الثغر للرباط أَو فِي الحرس فِي سَبِيل الله أَو عِنْد عَالم أَو رجل صَالح ينْتَفع بِهِ وَأما أَن يرابط دَائِما فِي بقْعَة بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار لغير مصلحَة دينية فَلَيْسَ من الدّين بل تعْيين مَكَان للصلوات الْخمس أَو قِرَاءَة الْقُرْآن أَو هَدِيَّة غير مَا عينه الشَّارِع لَيْسَ مَشْرُوعا باتفاقهم حَتَّى لَو نذر الصَّلَاة فِي مَسْجِد غير الثَّلَاثَة لم يتَعَيَّن وَلَهُم فِي وُصُول الْعِبَادَات قَولَانِ لَكِن لم يقل أحد بالتفاضل فِي مَكَان دون مَكَان وَلم يقل أحد إِن الْقِرَاءَة عِنْد الْقَبْر أفضل وَلَا أَن الْمَيِّت ينْتَفع بسماعها وَمن قَالَ من الْمُتَأَخِّرين ذَلِك فَقَوله بِدعَة بَاطِلَة لِأَن الْمَيِّت بعد مَوته لَا ينْتَفع بأعمال يعلمهَا هُوَ وَلَا غَيره بعد الْمَوْت لَا من اسْتِمَاع وَلَا قِرَاءَة وَلَا غير ذَلِك بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَإِنَّمَا ينْتَفع بآثار أَعماله فِي حَيَاته
مَسْأَلَة وإلزام الْمُسلم الَّذِي أَن لَا يعْمل وَلَا يتَصَدَّق إِلَّا فِي بقْعَة مُعينَة مثل كنائسهم وَنَحْوهَا لَا يَصح وَمَتى نَقَصُوا شرطا مِمَّا شَرط لَهُم الْوَاقِف كَانَ لَهُم أَن ينقصوا من الْمَشْرُوط عَلَيْهِم بِحَسب ذَلِك وَالله أعلم
إِذا تعدى النَّاظر فِي الْوَقْف مثل أَن يصرف المَال إِلَى من لَا يسْتَحقّهُ سَوَاء إِلَى نَفسه أَو غَيره أَو فرط فِيهِ مثل أَن يدع اسْتِخْرَاج مَا يجب استخراجه من مَال الْوَقْف فَإِن الْوَاجِب إِذا لم يستقم أَن يسْتَبْدل بِهِ نَاظر غَيره يقوم بِالْوَاجِبِ أَو
стр. 385
يضم إِلَيْهِ أَمِين ولمستحق الْوَقْف مُطَالبَة النَّاظر بالمحاسبة على الْمُسْتَخْرج والمصروف الْمُتَعَيّن للأماكن الْمَوْقُوفَة وَتعين المستأجرين لَهَا لينظروا مَالهم ويستدلوا بذلك على صَدَقَة فِيمَا يُخْبِرهُمْ أَو كذبة وعَلى عدله وجوره فقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي ﷺ اسْتعْمل رجلا يُقَال لَهُ ابْن اللتبية فَلَمَّا رَجَعَ حَاسبه مَعَ أَنه كَانَ لَهُ ولَايَة فِي صرفهَا والمستحق غير معِين فَجَاز الْمولى والمستحق ذَلِك
وَمن بَاعَ أَرضًا ثمَّ تبين أَنَّهَا وقف عَلَيْهِ صَحِيح لَازم فَالْبيع بعد ذَلِك بَاطِل وَيرجع المُشْتَرِي على من غره بِالثّمن وَبِمَا يغرمه من الْأُجْرَة وَأما إِن لم يكن الْوَقْف كَذَلِك كمن أوقف وَقفا وَلم يُخرجهُ من يَده على مَذْهَب مَالك وَإِحْدَى الرايتين عَن أَحْمد وَأبي حنيفَة فَهُنَا لَا يبطل البيع بِمثل ذَلِك
وَمَا يضر أهل الْوَقْف من أُجْرَة تَسْتَقِر على الْغَار الَّذِي غر المُشْتَرِي فَهُوَ على من غره
وَإِذا كَانَت يَد الْمُسْتَحقّين على الْوَقْف وَلَهُم عَادَة مستمرة فِي صرفه وَذكر أَن تِلْكَ الْعَادة من شُرُوط بِخِلَافِهِ فَإِن يَد المصارف على الْوَقْف وَالْأَيْدِي المستقرة على الْملك أَو على الْوَقْف لَا ترفع إِلَّا بِحجَّة
وَالشَّهَادَة بمصرف الْوَقْف مَقْبُولَة وَإِن كَانَ مستندها الْإِفَاضَة فِي أصح قولي الْعلمَاء وَلَا يعلم مصارف الْوُقُوف المتقادمة إِلَّا بِمثل ذَلِك
وَمَا يضر بِأَهْل الْوَقْف من أجره تَسْتَقِر على الْغَار الَّذِي غر المُشْتَرِي فَهُوَ على من غره
وَإِذا كَانَت يَد الْمُسْتَحقّين على الْوَقْف وَلَهُم عَادَة مستمرة فِي صرفه وَذكر أَن تِلْكَ الْعَادة من شُرُوط الْوَاقِف بِخِلَافِهِ فَإِن يَد المصارف على الْوَقْف وَالْأَيْدِي المستقرة على الْملك أَو على الْوَقْف لَا ترفع إِلَّا بِحجَّة
وَالشَّهَادَة بمصرف الْوَقْف مَقْبُولَة وَإِن كَانَ مستندها الْإِفَاضَة فِي أصح قولي الْعلمَاء وَلَا يعلم مصارف الْوُقُوف المتقادمة إِلَّا بِمثل ذَلِك
وَإِذا كَانَ فِي شَرط الْوَاقِف أَنه لَا يؤجرا أَكثر من سنتَيْن فتعطل وَخرب وَلَا يُمكن إِجَارَته وعمارته إِلَّا بِأَرْبَع سِنِين أجر كَذَلِك وَإِن كَانَ فِيهِ مُخَالفَة لشرط الْوَاقِف الْمُطلق وَلَا يفسق النَّاظر بذلك
وَمن وقف وَقفا وَشرط نظره لنَفسِهِ مُدَّة حَيَاته ثمَّ من بعده إِلَى الأرشد فالأرشد من أَوْلَاده فَغَاب عَن الْبَلَد فَأجَاب طَائِفَة بِأَن النّظر للْحَاكِم مُدَّة الْغَيْبَة فَإِن الْوَاقِف إِذا خرج عَن الْأَهْلِيَّة كَانَ النّظر للْحَاكِم لَا لوَلَده بِنَاء على أَن الِانْتِقَال إِلَى الْوَلَد لَا يكون إِلَّا بعد ممات الْوَالِد
стр. 386
قَالَ شيخ الاسلام ﵀ كَأَنَّهُمْ جعلُوا تَوْلِيَة الْوَقْف كترويج الأثم إِذا غَابَ الْوَلِيّ الْأَقْرَب
وَفِيه نظر لِأَن هَذَا ولَايَة الِاسْتِقْبَال لَا الاسْتِئْذَان وَلَيْسَ فِي التَّأْخِير تَفْوِيت مصلحَة وَكَذَا مَضَت السّنة بِأَن الْأَئِمَّة يولون مَعَ بعد الدَّار شرقا وغربا وَكَذَلِكَ المستحقون وَحفظ الْبضْع بل الْولَايَة على الولايات أوسع من الْولَايَة على الْبضْع وَالْمَال فَإِذا مَاتَ الْمدرس مثلا فَلَا يولي بدله حَاكم الْبَلَد بل يراسل النَّاظر فَأَما الِانْتِقَال بِخُرُوجِهِ عَن الِاسْتِقْلَال بِالْحَيَاةِ إِلَى الْمَوْت فَينْتَقل إِلَى الْأَبْعَد كَمَا فِي ولي النِّكَاح لقَوْل النَّبِي ﷺ لَا نَبِي بعدِي أَي بعد نبوتي
فَقَوله وَالنَّظَر بعده أَي بعد نظره كَمَا أَن قَوْله مُدَّة حَيَاته مَشْرُوط بالأهلية فَقَوله وَالنَّظَر بعده أَي بعد نظره كَمَا أَن قَوْله مُدَّة حَيَاته مَشْرُوط بالأهلية فَقَوله بعد يعود إِلَى الْقسمَيْنِ عدم الْأَهْلِيَّة وتنويره وفرشه وإمامه ومؤذنه كفايتهم بِالْمَعْرُوفِ وَمَا فضل بعد ذَلِك يجوز صرفه إِلَى مَسْجِد آخر وَفِي مصَالح الْجِيرَان بِالْمَعْرُوفِ مثل رزق قَاضِي النَّاحِيَة وَنَحْو ذَلِك
وَإِذا حكم حَاكم باختصاص الْوَقْف بفلان لِأَنَّهُ لم يعقب من ولد الْوَاقِف غير أمه وَثَبت أَن فُلَانَة الْأُخْت الْأُخْرَى أعقبت فلَانا قسم بَينهمَا لِأَن بَيِّنَة الْإِثْبَات مُقَدّمَة على النَّفْي
وَالْوَقْف على الْيَتَامَى لَا يدْخل فِيهِ يتامى الْكفَّار وَأما الْغُلَام الصَّغِير الَّذِي أعتق وَلَيْسَ لَهُ أَب يعرف فَيدْخل وَإِن لم يعرف هَل مَاتَ أَبوهُ فِي دَار الْحَرْب أَو فِي دَار الاسلام
وَإِذا عدم بعض الْمَوْقُوف عَلَيْهِم قبل اسْتِحْقَاقه انْتقل نصِيبه لَو عَاشَ إِلَى وَلَده وَإِن لم يسْتَحق هُوَ شَيْئا لِأَن الطَّبَقَة الأولى أَو بَعضهم لَا يلْزم من حرمانها حرمَان الطَّبَقَة الثَّانِيَة إِذا تحققت فيهم الشُّرُوط وَلَا فرق بَين الصُّورَتَيْنِ
стр. 387
وَقَول الْوَقْف على زيد ثمَّ على أَوْلَاده ثمَّ أَوْلَاد أَوْلَاده فَفِيهِ للفقهاء من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم عَن الْإِطْلَاق قَولَانِ
أَحدهمَا أَنه لترتيب الْجمع على الْجمع كالمشهور فِي قَوْله على زيد وَعمر ثمَّ على الْمَسَاكِين
وَالثَّانِي أَنه لترتيب الْأَفْرَاد على الْأَفْرَاد كَمَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلكم نصف مَا ترك أزواجكم﴾ أَي لَك وَاحِد نصف مَا تركت زَوجته وَكَذَا ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ إِذْ مُقَابلَة الْجمع بِالْجمعِ تَقْتَضِي توزيع الْأَفْرَاد نَحْو لَيْسَ النَّاس ثِيَابهمْ وَركب النَّاس دوابهم
وَيجب على نَاظر الْوَقْف أَن يجْتَهد فِي صرفه فَيقدم الأحق فالأحق وَإِذا اقْتَضَت الْمصلحَة الشَّرْعِيَّة صرفه إِلَى ثَلَاثَة مثل أَن لَا يكفيهم أقل من ذَلِك وَغَيرهم من الْفُقَرَاء يَكْفِي من غير هَذَا الْوَقْف أَو يساويهم فِيمَا يحصل من ريعه وهم أَحَق مِنْهُ عِنْد التزاحم وَنَحْو ذَلِك جَازَ ذَلِك وأقارب الْوَاقِف الْفُقَرَاء أولى من الْأَجَانِب مَعَ التَّسَاوِي فِي الْحَاجة وَيجوز أَن يصرف إِلَيْهِ كِفَايَته إِلَى أَن يُوجد أَحَق مِنْهُ وَإِن قدر وجود فَقير مُضْطَر كَانَ دفع ضَرُورَته وَاجِبا
وَإِن قدر تنقيص غَيره من غير ضَرُورَة تحصل لَهُ تعين ذَلِك وَالله أعلم
فصل
الشَّرْط فِي الْوَقْف كَعَدم الْجمع بَين الوظيفتين وَغَيرهمَا من مدرسة أُخْرَى إِنَّمَا يلْزم الْوَفَاء بِهِ إِذا لم يفض ذَلِك إِلَى الْإِخْلَاص بِالْمَقْصُودِ الشَّرْعِيّ الَّذِي هُوَ وَاجِب أَو مُسْتَحبّ
فَأَما الْمُخَالفَة على بعض الشُّرُوط مَعَ فَوَات الْمَقْصُود الشَّرْعِيّ بِالشّرطِ فَلَا يجوز
стр. 388
فاشتراط عدم الْجمع بَاطِل مَعَ ذهَاب بعض أصل الْوَقْف وَعدم حُصُول الْكِفَايَة للمرتب بهَا لَا يجب الْتِزَامه وَلَا يجوز الْإِلْزَام بِهِ لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن ذَلِك إِنَّمَا شَرط عَلَيْهِم مَعَ وجود ريع الْوَقْف سَوَاء كَانَ كَامِلا أَو نَاقِصا فَإِذا ذهب بعض أصل الْوَقْف لم تكن الشُّرُوط مَشْرُوطَة فِي هَذِه الْحَال وَفرق بَين نقص ربع الْوَقْف مَعَ وجود أَصله وَبَين ذهَاب بعض أَصله
الْوَجْه الثَّانِي أَن حُصُول الْكِفَايَة للمرتب بهَا أَمر لَا بُد مِنْهُ حَتَّى لَو قدر أَن الْوَاقِف صرح بِخِلَاف ذَلِك لَكَانَ شرطا بَاطِلا مثل أَن يَقُول إِن الْمُرَتّب بهَا لَا يرتزق من غَيرهَا وَلَو لم يحصل لَهُ كِفَايَة فَلَو صرح بِهَذَا لم يَصح لِأَنَّهُ مُخَالف لكتاب الله فَإِن حُصُول الْكِفَايَة لَا بُد مِنْهَا وتحصيلها للْمُسلمِ وَاجِب إِمَّا عَلَيْهِ وَإِمَّا على الْكِفَايَة من الْمُسلمين
وَالْوَقْف سَوَاء شبه بالجعل أَو بِالْأُجْرَةِ أَو بالرزق فَإِنَّمَا على الْعَامِل أَن يعْمل إِذا أوفى لَهُ بِمَا شَرط لَهُ
وَإِذا شَرط للنَّاظِر نَصِيبا مَعْلُوما فَلَيْسَ فِي شَرطه كَونه يقدم على غَيره بل هُوَ مَذْكُور بِالْوَاو الَّتِي مقتضاها التَّشْرِيك وَلَكِن إِذا كَانَ ثمَّ دَلِيل مُنْفَصِل يَقْتَضِي جَوَاز الِاخْتِصَاص والتقدم مثل كَونه حائزا أجره عمله مَعَ فقرة كولي الْيَتِيم عمل بذلك الدَّلِيل الْمُنْفَصِل الشَّرْعِيّ وَالْمَال الْمَشْرُوط للنَّاظِر مُسْتَحقّ على الْعَمَل الْمَشْرُوط عَلَيْهِ فَمن يَوْم عمل عَلَيْهِ يسْتَحقّهُ لَا من حِين تولى
وَلَا يجوز الْوَقْف على الْغناء وَإِن كَانَ الْغناء مُبَاحا وَكَذَا سَائِر الصِّفَات الْمُبَاحَة وَكَذَا لَو شَرط عَلَيْهِم الْتِزَام نوع خَاص من الْمطعم أَو الملبس أَو الْمسكن الَّذِي لَا تستحبه الشَّرِيعَة أَو ترك بعض الْأَعْمَال الَّتِي تسْتَحب الشَّرِيعَة عَملهَا
بَقِي الْكَلَام فِي تَحْقِيق هَذَا المناط فِي أَعْيَان الْمسَائِل فَإِنَّهُ قد يكون مُتَّفقا عَلَيْهِ وَقد يخْتَلف فِيهِ الِاجْتِهَاد
فَينْظر فِي الشَّرْط فَإِن لم يكن فِيهِ مَقْصُود شَرْعِي خَالص أَو رَاجِح كَانَ بَاطِلا
стр. 389
فَإِذا شَرط أَن لَا يرْزق فِي وَظِيفَة أُخْرَى نظر فِي ذَلِك كَمَا تقدم والواقف هُوَ من بَاب الرزق والمعاونة على الدّين بِمَنْزِلَة مَا ترزقه الْمُقَاتلَة وَالْعُلَمَاء من الْفَيْء لَيْسَ كالجعالة وَلَا الْإِجَارَة على عمل دُنْيَوِيّ
وَيجوز لوَلِيّ الْأَمر أَن ينصب ديوانا مُسْتَوْفيا لحساب الْأَمْوَال الْمَوْقُوفَة عِنْد الْمصلحَة كَمَا ينصب لحساب الْأَمْوَال السُّلْطَانِيَّة كالفيء وَغَيره وَله أَن يفْرض لَهُ على عمله مَا يسْتَحقّهُ مثله من كل مَال يعْمل فِيهِ بِقدر ذَلِك المَال وَالْعَمَل لقَوْله تَعَالَى ﴿والعاملين عَلَيْهَا﴾ وَقد اسْتعْمل رَسُول الله ﷺ ابْن اللتبية وحاسبه
وَنصب الْمُسْتَوْفى فِي الْجَامِع للعمال وَصَرفه إِلَى المتفرقين هُوَ بِحَسب الْحَاجة فقد يكون وَاجِبا إِذا لم تتمّ مصلحَة قبض المَال وَصَرفه إِلَّا بِهِ وَكَذَا نصب الْحَاكِم قد يجب إِذا لم تصل الْحُقُوق إِلَى مستحقيها أَو لم يتم فعل الْوَاجِب وَترك الْمحرم إِلَّا بِهِ وَقد يسْتَغْنى عَنهُ إِذا بَاشر الإِمَام الحكم بِنَفسِهِ وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ يُبَاشر الحكم وَاسْتِيفَاء الْحساب بِنَفسِهِ فِي الْمَدِينَة وَفِيمَا بعد ولى من يقوم بِالْأَمر وَلما كثرت الرّعية على عهد الْخُلَفَاء استعملوا الْقُضَاة ودونوا الدَّوَاوِين
فَإِذا قَامَ الْمُسْتَوْفى بِمَا عَلَيْهِ بِمَا عَلَيْهِ وَجب لَهُ مَا فرض لَهُ وَإِذا عمل وَلم يُعْط جعله فَلهُ أَن يطْلب عَن الْعَمَل الْخَاص فَإِن مَا وَجب لَهُ بطرِيق الْمُعَامَلَة يجب
وَمن وقف وَقفا مُسْتقِلّا ثمَّ ظهر عَلَيْهِ دين فَأمكن وَفَاء الدّين من غير بيع الْوَقْف لم يجز بيع الْوَقْف وَإِن لم يُمكن وفاؤه إِلَّا بِبيع شَيْء من الْوَقْف وَهُوَ فِي مرض الْمَوْت بيع بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَإِن كَانَ الْوَقْف فِي صِحَة فَهَل يُبَاع لوفاء الدّين فِيهِ خلاف فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَمنعه قَول قوي
وَأُجْرَة إِثْبَات الْوَقْف وَالسَّعْي فِي مَصَالِحه من تَرِكَة الْمَيِّت لَا من ريعه وَإِذا عين نَاظرا ثمَّ نَاظرا غَيره من غير عزل الأول يرجع فِيهِ إِلَى عرف مثل هَذَا الْوَاقِف وَعَادَة أَمْثَاله فَإِن كَانَ مثل هَذَا كَانَ رُجُوعا وَكَذَلِكَ إِن كَانَ فِي لَفظه مَا يقتضى انْفِرَاد الثَّانِي وَإِلَّا فقد عرفت الْمَسْأَلَة فِيمَا إِذا أوصى بالمعين لشخص ثمَّ
стр. 390
وصّى بهَا لآخر هَل يكون رُجُوعا أم لَا
وَمَا علمه الشُّهُود من حق تركته ويصل الْحق إِلَى مُسْتَحقّه بِشَهَادَتِهِم يحرم عَلَيْهِم أَن يكتموها وَإِن كَانَ يَأْخُذهُ من لَا يسْتَحقّهُ بِشَهَادَتِهِم وَلَا يصل إِلَى من يسْتَحقّهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِم أَن يعينوا وَاحِدًا مِنْهُمَا
وَإِن كَانَ فِي يَده بِتَأْوِيل واجتهاد لم يكن عَلَيْهِم أَيْضا نَزعَة من يَده بل يعان المتأول على من لَا تَأْوِيل لَهُ
أجَاب بذلك فِيمَا إِذا علم الشُّهُود بِحَق لبيت المَال فِي تَرِكَة هَل يجب كتم الشَّهَادَة أم لَا
وَمن قَالَ إِذا مت فداري وقف ثمَّ تعافى وَلَزِمَه دُيُون جَازَ بيع الدَّار وَفَاء للدّين وَإِن كَانَ التَّعْلِيق صَحِيحا كَمَا هُوَ أحد قولي الْعلمَاء وَلَيْسَ هَذَا بأبلغ من التَّدْبِير وَقد بَاعَ النَّبِي ﷺ الْمُدبر فِي الدّين
فصل
الْأَمْوَال الَّتِي لَهَا أصل فِي كتاب الله ثَلَاثَة
مَال الْمغنم ذكره الله فِي قَوْله ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه وَمَا أنزلنَا على عَبدنَا يَوْم الْفرْقَان يَوْم التقى الْجَمْعَانِ وَالله على كل شَيْء قدير﴾
فَهَذِهِ الْمَغَانِم للغانمين بعد خمسها
وَالثَّانِي الْفَيْء وَهُوَ الَّذِي ذكر الله فِي سُورَة الْحَشْر حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب﴾ اي مَا حركتم وَلَا أعلمتم وَلَا سقتم فَهُوَ مَا صَار للْمُسلمين بِغَيْر إيجَاف خيل وَلَا ركاب فَإِن الله أفاءه على الْمُسلمين فَإِن الله سُبْحَانَهُ خلق الْخلق لعبادته وَأحل لَهُم الطَّيِّبَات ليأكلوا طيبا ويعملوا صَالحا وَالْكفَّار يعْبدُونَ غَيره فصاروا غير مستحقين
следующие страницы →