Полный текст (633 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
قَالَ شيخ الاسلام ﵀ كَأَنَّهُمْ جعلُوا تَوْلِيَة الْوَقْف كترويج الأثم إِذا غَابَ الْوَلِيّ الْأَقْرَب
وَفِيه نظر لِأَن هَذَا ولَايَة الِاسْتِقْبَال لَا الاسْتِئْذَان وَلَيْسَ فِي التَّأْخِير تَفْوِيت مصلحَة وَكَذَا مَضَت السّنة بِأَن الْأَئِمَّة يولون مَعَ بعد الدَّار شرقا وغربا وَكَذَلِكَ المستحقون وَحفظ الْبضْع بل الْولَايَة على الولايات أوسع من الْولَايَة على الْبضْع وَالْمَال فَإِذا مَاتَ الْمدرس مثلا فَلَا يولي بدله حَاكم الْبَلَد بل يراسل النَّاظر فَأَما الِانْتِقَال بِخُرُوجِهِ عَن الِاسْتِقْلَال بِالْحَيَاةِ إِلَى الْمَوْت فَينْتَقل إِلَى الْأَبْعَد كَمَا فِي ولي النِّكَاح لقَوْل النَّبِي ﷺ لَا نَبِي بعدِي أَي بعد نبوتي
فَقَوله وَالنَّظَر بعده أَي بعد نظره كَمَا أَن قَوْله مُدَّة حَيَاته مَشْرُوط بالأهلية فَقَوله وَالنَّظَر بعده أَي بعد نظره كَمَا أَن قَوْله مُدَّة حَيَاته مَشْرُوط بالأهلية فَقَوله بعد يعود إِلَى الْقسمَيْنِ عدم الْأَهْلِيَّة وتنويره وفرشه وإمامه ومؤذنه كفايتهم بِالْمَعْرُوفِ وَمَا فضل بعد ذَلِك يجوز صرفه إِلَى مَسْجِد آخر وَفِي مصَالح الْجِيرَان بِالْمَعْرُوفِ مثل رزق قَاضِي النَّاحِيَة وَنَحْو ذَلِك
وَإِذا حكم حَاكم باختصاص الْوَقْف بفلان لِأَنَّهُ لم يعقب من ولد الْوَاقِف غير أمه وَثَبت أَن فُلَانَة الْأُخْت الْأُخْرَى أعقبت فلَانا قسم بَينهمَا لِأَن بَيِّنَة الْإِثْبَات مُقَدّمَة على النَّفْي
وَالْوَقْف على الْيَتَامَى لَا يدْخل فِيهِ يتامى الْكفَّار وَأما الْغُلَام الصَّغِير الَّذِي أعتق وَلَيْسَ لَهُ أَب يعرف فَيدْخل وَإِن لم يعرف هَل مَاتَ أَبوهُ فِي دَار الْحَرْب أَو فِي دَار الاسلام
وَإِذا عدم بعض الْمَوْقُوف عَلَيْهِم قبل اسْتِحْقَاقه انْتقل نصِيبه لَو عَاشَ إِلَى وَلَده وَإِن لم يسْتَحق هُوَ شَيْئا لِأَن الطَّبَقَة الأولى أَو بَعضهم لَا يلْزم من حرمانها حرمَان الطَّبَقَة الثَّانِيَة إِذا تحققت فيهم الشُّرُوط وَلَا فرق بَين الصُّورَتَيْنِ
стр. 387
وَقَول الْوَقْف على زيد ثمَّ على أَوْلَاده ثمَّ أَوْلَاد أَوْلَاده فَفِيهِ للفقهاء من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم عَن الْإِطْلَاق قَولَانِ
أَحدهمَا أَنه لترتيب الْجمع على الْجمع كالمشهور فِي قَوْله على زيد وَعمر ثمَّ على الْمَسَاكِين
وَالثَّانِي أَنه لترتيب الْأَفْرَاد على الْأَفْرَاد كَمَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلكم نصف مَا ترك أزواجكم﴾ أَي لَك وَاحِد نصف مَا تركت زَوجته وَكَذَا ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ إِذْ مُقَابلَة الْجمع بِالْجمعِ تَقْتَضِي توزيع الْأَفْرَاد نَحْو لَيْسَ النَّاس ثِيَابهمْ وَركب النَّاس دوابهم
وَيجب على نَاظر الْوَقْف أَن يجْتَهد فِي صرفه فَيقدم الأحق فالأحق وَإِذا اقْتَضَت الْمصلحَة الشَّرْعِيَّة صرفه إِلَى ثَلَاثَة مثل أَن لَا يكفيهم أقل من ذَلِك وَغَيرهم من الْفُقَرَاء يَكْفِي من غير هَذَا الْوَقْف أَو يساويهم فِيمَا يحصل من ريعه وهم أَحَق مِنْهُ عِنْد التزاحم وَنَحْو ذَلِك جَازَ ذَلِك وأقارب الْوَاقِف الْفُقَرَاء أولى من الْأَجَانِب مَعَ التَّسَاوِي فِي الْحَاجة وَيجوز أَن يصرف إِلَيْهِ كِفَايَته إِلَى أَن يُوجد أَحَق مِنْهُ وَإِن قدر وجود فَقير مُضْطَر كَانَ دفع ضَرُورَته وَاجِبا
وَإِن قدر تنقيص غَيره من غير ضَرُورَة تحصل لَهُ تعين ذَلِك وَالله أعلم
فصل
الشَّرْط فِي الْوَقْف كَعَدم الْجمع بَين الوظيفتين وَغَيرهمَا من مدرسة أُخْرَى إِنَّمَا يلْزم الْوَفَاء بِهِ إِذا لم يفض ذَلِك إِلَى الْإِخْلَاص بِالْمَقْصُودِ الشَّرْعِيّ الَّذِي هُوَ وَاجِب أَو مُسْتَحبّ
فَأَما الْمُخَالفَة على بعض الشُّرُوط مَعَ فَوَات الْمَقْصُود الشَّرْعِيّ بِالشّرطِ فَلَا يجوز
стр. 388
فاشتراط عدم الْجمع بَاطِل مَعَ ذهَاب بعض أصل الْوَقْف وَعدم حُصُول الْكِفَايَة للمرتب بهَا لَا يجب الْتِزَامه وَلَا يجوز الْإِلْزَام بِهِ لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن ذَلِك إِنَّمَا شَرط عَلَيْهِم مَعَ وجود ريع الْوَقْف سَوَاء كَانَ كَامِلا أَو نَاقِصا فَإِذا ذهب بعض أصل الْوَقْف لم تكن الشُّرُوط مَشْرُوطَة فِي هَذِه الْحَال وَفرق بَين نقص ربع الْوَقْف مَعَ وجود أَصله وَبَين ذهَاب بعض أَصله
الْوَجْه الثَّانِي أَن حُصُول الْكِفَايَة للمرتب بهَا أَمر لَا بُد مِنْهُ حَتَّى لَو قدر أَن الْوَاقِف صرح بِخِلَاف ذَلِك لَكَانَ شرطا بَاطِلا مثل أَن يَقُول إِن الْمُرَتّب بهَا لَا يرتزق من غَيرهَا وَلَو لم يحصل لَهُ كِفَايَة فَلَو صرح بِهَذَا لم يَصح لِأَنَّهُ مُخَالف لكتاب الله فَإِن حُصُول الْكِفَايَة لَا بُد مِنْهَا وتحصيلها للْمُسلمِ وَاجِب إِمَّا عَلَيْهِ وَإِمَّا على الْكِفَايَة من الْمُسلمين
وَالْوَقْف سَوَاء شبه بالجعل أَو بِالْأُجْرَةِ أَو بالرزق فَإِنَّمَا على الْعَامِل أَن يعْمل إِذا أوفى لَهُ بِمَا شَرط لَهُ
وَإِذا شَرط للنَّاظِر نَصِيبا مَعْلُوما فَلَيْسَ فِي شَرطه كَونه يقدم على غَيره بل هُوَ مَذْكُور بِالْوَاو الَّتِي مقتضاها التَّشْرِيك وَلَكِن إِذا كَانَ ثمَّ دَلِيل مُنْفَصِل يَقْتَضِي جَوَاز الِاخْتِصَاص والتقدم مثل كَونه حائزا أجره عمله مَعَ فقرة كولي الْيَتِيم عمل بذلك الدَّلِيل الْمُنْفَصِل الشَّرْعِيّ وَالْمَال الْمَشْرُوط للنَّاظِر مُسْتَحقّ على الْعَمَل الْمَشْرُوط عَلَيْهِ فَمن يَوْم عمل عَلَيْهِ يسْتَحقّهُ لَا من حِين تولى
وَلَا يجوز الْوَقْف على الْغناء وَإِن كَانَ الْغناء مُبَاحا وَكَذَا سَائِر الصِّفَات الْمُبَاحَة وَكَذَا لَو شَرط عَلَيْهِم الْتِزَام نوع خَاص من الْمطعم أَو الملبس أَو الْمسكن الَّذِي لَا تستحبه الشَّرِيعَة أَو ترك بعض الْأَعْمَال الَّتِي تسْتَحب الشَّرِيعَة عَملهَا
بَقِي الْكَلَام فِي تَحْقِيق هَذَا المناط فِي أَعْيَان الْمسَائِل فَإِنَّهُ قد يكون مُتَّفقا عَلَيْهِ وَقد يخْتَلف فِيهِ الِاجْتِهَاد
فَينْظر فِي الشَّرْط فَإِن لم يكن فِيهِ مَقْصُود شَرْعِي خَالص أَو رَاجِح كَانَ بَاطِلا
стр. 389
فَإِذا شَرط أَن لَا يرْزق فِي وَظِيفَة أُخْرَى نظر فِي ذَلِك كَمَا تقدم والواقف هُوَ من بَاب الرزق والمعاونة على الدّين بِمَنْزِلَة مَا ترزقه الْمُقَاتلَة وَالْعُلَمَاء من الْفَيْء لَيْسَ كالجعالة وَلَا الْإِجَارَة على عمل دُنْيَوِيّ
وَيجوز لوَلِيّ الْأَمر أَن ينصب ديوانا مُسْتَوْفيا لحساب الْأَمْوَال الْمَوْقُوفَة عِنْد الْمصلحَة كَمَا ينصب لحساب الْأَمْوَال السُّلْطَانِيَّة كالفيء وَغَيره وَله أَن يفْرض لَهُ على عمله مَا يسْتَحقّهُ مثله من كل مَال يعْمل فِيهِ بِقدر ذَلِك المَال وَالْعَمَل لقَوْله تَعَالَى ﴿والعاملين عَلَيْهَا﴾ وَقد اسْتعْمل رَسُول الله ﷺ ابْن اللتبية وحاسبه
وَنصب الْمُسْتَوْفى فِي الْجَامِع للعمال وَصَرفه إِلَى المتفرقين هُوَ بِحَسب الْحَاجة فقد يكون وَاجِبا إِذا لم تتمّ مصلحَة قبض المَال وَصَرفه إِلَّا بِهِ وَكَذَا نصب الْحَاكِم قد يجب إِذا لم تصل الْحُقُوق إِلَى مستحقيها أَو لم يتم فعل الْوَاجِب وَترك الْمحرم إِلَّا بِهِ وَقد يسْتَغْنى عَنهُ إِذا بَاشر الإِمَام الحكم بِنَفسِهِ وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ يُبَاشر الحكم وَاسْتِيفَاء الْحساب بِنَفسِهِ فِي الْمَدِينَة وَفِيمَا بعد ولى من يقوم بِالْأَمر وَلما كثرت الرّعية على عهد الْخُلَفَاء استعملوا الْقُضَاة ودونوا الدَّوَاوِين
فَإِذا قَامَ الْمُسْتَوْفى بِمَا عَلَيْهِ بِمَا عَلَيْهِ وَجب لَهُ مَا فرض لَهُ وَإِذا عمل وَلم يُعْط جعله فَلهُ أَن يطْلب عَن الْعَمَل الْخَاص فَإِن مَا وَجب لَهُ بطرِيق الْمُعَامَلَة يجب
وَمن وقف وَقفا مُسْتقِلّا ثمَّ ظهر عَلَيْهِ دين فَأمكن وَفَاء الدّين من غير بيع الْوَقْف لم يجز بيع الْوَقْف وَإِن لم يُمكن وفاؤه إِلَّا بِبيع شَيْء من الْوَقْف وَهُوَ فِي مرض الْمَوْت بيع بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَإِن كَانَ الْوَقْف فِي صِحَة فَهَل يُبَاع لوفاء الدّين فِيهِ خلاف فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَمنعه قَول قوي
وَأُجْرَة إِثْبَات الْوَقْف وَالسَّعْي فِي مَصَالِحه من تَرِكَة الْمَيِّت لَا من ريعه وَإِذا عين نَاظرا ثمَّ نَاظرا غَيره من غير عزل الأول يرجع فِيهِ إِلَى عرف مثل هَذَا الْوَاقِف وَعَادَة أَمْثَاله فَإِن كَانَ مثل هَذَا كَانَ رُجُوعا وَكَذَلِكَ إِن كَانَ فِي لَفظه مَا يقتضى انْفِرَاد الثَّانِي وَإِلَّا فقد عرفت الْمَسْأَلَة فِيمَا إِذا أوصى بالمعين لشخص ثمَّ
стр. 390
وصّى بهَا لآخر هَل يكون رُجُوعا أم لَا
وَمَا علمه الشُّهُود من حق تركته ويصل الْحق إِلَى مُسْتَحقّه بِشَهَادَتِهِم يحرم عَلَيْهِم أَن يكتموها وَإِن كَانَ يَأْخُذهُ من لَا يسْتَحقّهُ بِشَهَادَتِهِم وَلَا يصل إِلَى من يسْتَحقّهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِم أَن يعينوا وَاحِدًا مِنْهُمَا
وَإِن كَانَ فِي يَده بِتَأْوِيل واجتهاد لم يكن عَلَيْهِم أَيْضا نَزعَة من يَده بل يعان المتأول على من لَا تَأْوِيل لَهُ
أجَاب بذلك فِيمَا إِذا علم الشُّهُود بِحَق لبيت المَال فِي تَرِكَة هَل يجب كتم الشَّهَادَة أم لَا
وَمن قَالَ إِذا مت فداري وقف ثمَّ تعافى وَلَزِمَه دُيُون جَازَ بيع الدَّار وَفَاء للدّين وَإِن كَانَ التَّعْلِيق صَحِيحا كَمَا هُوَ أحد قولي الْعلمَاء وَلَيْسَ هَذَا بأبلغ من التَّدْبِير وَقد بَاعَ النَّبِي ﷺ الْمُدبر فِي الدّين
فصل
الْأَمْوَال الَّتِي لَهَا أصل فِي كتاب الله ثَلَاثَة
مَال الْمغنم ذكره الله فِي قَوْله ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه وَمَا أنزلنَا على عَبدنَا يَوْم الْفرْقَان يَوْم التقى الْجَمْعَانِ وَالله على كل شَيْء قدير﴾
فَهَذِهِ الْمَغَانِم للغانمين بعد خمسها
وَالثَّانِي الْفَيْء وَهُوَ الَّذِي ذكر الله فِي سُورَة الْحَشْر حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب﴾ اي مَا حركتم وَلَا أعلمتم وَلَا سقتم فَهُوَ مَا صَار للْمُسلمين بِغَيْر إيجَاف خيل وَلَا ركاب فَإِن الله أفاءه على الْمُسلمين فَإِن الله سُبْحَانَهُ خلق الْخلق لعبادته وَأحل لَهُم الطَّيِّبَات ليأكلوا طيبا ويعملوا صَالحا وَالْكفَّار يعْبدُونَ غَيره فصاروا غير مستحقين
стр. 391
لِلْمَالِ فالمباح للْمُؤْمِنين الَّذين يعبدونه هُوَ أَن يسترقوا أنفسهم وَأَن يسترجعوا الْأَمْوَال مِنْهُم فاذا أَعَادَهَا الله إِلَى الْمُؤمنِينَ فقد فاءت أَي رجعت إِلَى مستحقيها
وَهَذَا الْفَيْء يدْخل فِيهِ جِزْيَة الرُّءُوس على أهل الذِّمَّة وَمَا يُؤْخَذ من العثور وأنصاف العثور وَمَا يُصَالح عَلَيْهِ الْكفَّار من المَال الَّذِي يحملونه وَمَا جلوا عَنهُ خوفًا كأموال بني النَّضِير الَّذين كَانُوا شَرْقي الْمَدِينَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ﴾ الْآيَة ثمَّ ذكر مصارف الْفَيْء بقوله ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل﴾ الْآيَة إِلَى قَوْله ﴿للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ﴾ فَهَؤُلَاءِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار وَالَّذين جَاءُوا من بعدهمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَلِهَذَا قَالَ مَالك وَأَبُو عبيد وَأَبُو حَكِيم النهرواني من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم إِن من سبّ الصَّحَابَة لم يكن لَهُ فِي الْفَيْء نصيب
وَمن الْفَيْء مَا ضربه عمر ﵁ على أَرض العنوة فَلَا يُخَمّس فِي قَول الجماهير كَأبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد ويخمس عِنْد الشَّافِعِي وَبَعض أَصْحَابنَا وَذكر ذَلِك رِوَايَة عَنهُ والفيء لم يكن ملكا للنَّبِي ﷺ فِي حَيَاته فِي قَول أَكثر الْعلمَاء وَقَالَ الشَّافِعِي وَبَعض أَصْحَابنَا كَانَ ملكا لَهُ
وَأما مصرفه بعد مَوته فاتفق الْعلمَاء على أَنه يصرف فِي أرزاق الْجند الَّذين يُقَاتلُون الْكفَّار
وَتَنَازَعُوا هَل يصرف فِي سَائِر الْمصَالح أم يخْتَص بِهِ الْمُقَاتلَة على قَوْلَيْنِ للشَّافِعِيّ وَأحمد لَكِن الْمَشْهُور عَنهُ أَنه لَا يخْتَص كَمَا هُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة بل يصرف فِي الْمصَالح كلهَا
وعَلى الْقَوْلَيْنِ يعْطى لمن فِيهِ مَنْفَعَة لأهل الْفَيْء كولاة أُمُورهم وَمن يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن ويفتيهم ويحدثهم ويؤمهم وَيُؤذن لَهُم وَيقوم فِي سد ثغورهم وَعمارَة طرقاتهم وحصونهم وَإِلَى ذَوي الْحَاجَات يبْدَأ بالأهم من
стр. 392
ذَوي الْمَنَافِع نَص عَلَيْهِ عَامَّة الْفُقَهَاء من أَصْحَاب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة وَغَيرهم لَكِن مَذْهَب الشَّافِعِي وَبَعض أَصْحَاب أَحْمد أَنه لَا حق فِيهِ للأغنياء الَّذين لَا مَنْفَعَة للْمُسلمين بهم وَمذهب الْجُمْهُور كمالك وَأحمد وَغَيرهمَا أَن للأغنياء فِيهِ حَقًا إِذا فضل واتسع عَن حاجات الْمُسلمين كَمَا قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ مَا من مُسلم إِلَّا وَله فِي هَذَا المَال حق وَكَانَ الْجَمِيع الْمُسلمين فرض فِي دُيُون عمر غنيهم وفقيرهم وَمَعَ هَذَا فَلَا يعْطى الْغَنِيّ شَيْء إِلَّا بعد الْفُقَرَاء إِذا فضل عَنْهُم هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور كَالْإِمَامِ أَحْمد فِي الصَّحِيح عَنهُ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ كَمَا تقدم تَخْصِيص الْفُقَرَاء بالفاضل
وَأما المَال الثَّالِث فَهُوَ مَال الصَّدقَات الَّتِي هِيَ زَكَاة الْأَمْوَال وَهَذَا مصرفه كَمَا ذكره الله تَعَالَى فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين﴾ إِلَى الْأَصْنَاف الثَّمَانِية الْمَذْكُورَة وَقد انفق الْمُسلمُونَ على أَنه لَا يُجَاوز بهَا الثَّمَانِية الْأَصْنَاف الَّتِي سمى الله تَعَالَى
إِذا تبين هَذَا الأَصْل فَذكر أصلا آخر ونقول
أَمْوَال بَيت المَال فِي هَذِه الْأَزْمِنَة هِيَ أَصْنَاف مِنْهَا مَا هُوَ من الْفَيْء أَو الصَّدقَات أَو الْخمس وَقد عرف حكم هَذَا
وَمِنْهَا مَا صَار إِلَى بَيت المَال بِحَق غير هَذَا مثل من مَاتَ من الْمُسلمين وَلَا وَارِث لَهُ
وَمن ذَلِك مَا فِيهِ نزاع وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ وصنف قبض بِغَيْر حق وبتأويل يجب رده إِلَى مُسْتَحقّه إِذا أمكن وَقد تعذر مثل مَا يُؤْخَذ من مصادرات الْعمَّال وَغَيرهم الَّذين يَأْخُذُونَ الْهَدَايَا وأموال الْمُسلمين مِمَّا لَا يستحقونه فاسترجعه ولي الْأَمر مِنْهُم أَو من تركاتهم وَلم يعرف مُسْتَحقّه وَمن قبض مَالا من الْوَظَائِف المحدثة فَهَذِهِ الْأَمْوَال الَّتِي تعذر ردهَا لعدم الْعلم بأربابها مثلا هِيَ
стр. 393
مَا يصرف فِي الْمصَالح الَّتِي للْمُسلمين عِنْد أَكثر الْعلمَاء كَالْغَاصِبِ والخائن والمرابي التائبين وَنَحْوهم فَمَا صَار بِيَدِهِ مَال لَا يملكهُ وَلَا يعرف صَاحبه فَإِنَّهُ يصرف إِلَى ذَوي الْحَاجَات
إِذا تبين هَذَانِ الأصلان فَنَقُول من كَانَ من ذَوي الْحَاجَات كالفقراء وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل فَيجوز ب يجب أَن يغطوا من الزَّكَاة وَمن الْأَمْوَال المجهولة الأَصْل بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَمن الْفَيْء مِمَّا فضل عَن الْمصَالح الْعَامَّة الَّتِي لَا بُد مِنْهَا عِنْد أَكثر الْعلمَاء سَوَاء كَانُوا مشتغلين بِالْعلمِ الْوَاجِب على الْكِفَايَة أم لَا وَسَوَاء كَانُوا فِي زَوَايَا أَو ربط أم لَا لَكِن من كَانَ متميزا بِعلم أَو دين كَانَ أولى ومقدما على غَيره وأحق هَؤُلَاءِ هم الَّذين ذكرهم الله تَعَالَى فِي قَوْله للْفُقَرَاء الَّذين أحضروا فِي سَبِيل الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الأَرْض الْآيَة فَمن كَانَ مَشْغُولًا بِالْعلمِ ولادين الَّذِي أحْصر بِهِ فِي سَبِيل الله قد مَنعه الْكتب فَهُوَ أولى من غَيره فَيعْطى قُضَاة الْمُسلمين وعلماؤهم وفقهاؤهم مَا يكفيهم وأرزاق الْمُقَاتلَة وذراريهم لَا سِيمَا بني هَاشم الطالبين والعاسيين فَيتَعَيَّن إعطاؤهم من الْفَيْء وَالْخمس والمصالح لِأَن الزَّكَاة مُحرمَة عَلَيْهِم
وَالْفَقِير الشَّرْعِيّ لَيْسَ هُوَ الْفَقِير الاصطلاحي الَّذِي يتَقَيَّد بلبسة أَو طَريقَة خَاصَّة بل هُوَ كل من لَيْسَ لَهُ كِفَايَة مِنْهُم من الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين
وَقد تنَازع الْعلمَاء هَل الْفَقِير أَشد حَاجَة أَو الْمِسْكِين أَو الْفَقِير من يتعفف والمسكين من يسْأَل النَّاس على ثَلَاثَة أَقْوَال
وَاتَّفَقُوا على أَن من لَا مَال لَهُ وَهُوَ عَاجز عَن الْكسْب يعْطى مَا يَكْفِيهِ سَوَاء كَانَ لبسه لبس الْفُقَرَاء الاصطلاحيين أَو لبس الْجند أَو الْفُقَهَاء أَو الفلاحين أَو غَيرهم وَسَوَاء كَانَ جنديا أَو تَاجِرًا أَو مرابطا أَو غير ذَلِك يعْطى مَا يَكْفِيهِ
وَمن كَانَ مُؤمنا تقيا كَانَ لله وليا وَمن كَانَ من هَؤُلَاءِ منافقا أَو مظْهرا
стр. 394
للبدعة مُخَالفا للْكتاب وَالسّنة من بدع الاعتقادات أَو الْعِبَادَات فَلَا يدْفع إِلَيْهِ بل يسْتَحق الْعقُوبَة وَمن عُقُوبَته أَن يحرم حَتَّى يَتُوب
وَأما من كَانَ زنديقا كالحلولية والاباحية وَمن يفضل متبوعه على النَّبِي ﷺ وَمن يعْتَقد أَنه لَا يجب عَلَيْهِ فِي الْبَاطِن اتِّبَاع شَرِيعَة الرَّسُول ﷺ أَو أَنه إِذا حصلت لَهُ الْمعرفَة وَالتَّحْقِيق سقط عَنهُ الْأَمر وَالنَّهْي أَو أَن الْعَارِف الصُّوفِي المتحقق يجوز لَهُ التدين بدين الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَلَا يجب عَلَيْهِ الِاعْتِصَام بِالْكتاب وَالسّنة وأمثال هَؤُلَاءِ فَإِن هَؤُلَاءِ كلهم مُنَافِقُونَ زنادقة وَإِذا ظهر على أحدهم دَلَائِل ذَلِك وَجب قَتله بِاتِّفَاق الْمُسلمين وهم كَثِيرُونَ فِي هَذِه الْأَزْمِنَة لاكثرهم الله فعلى وُلَاة الْأُمُور أَن يأمروا الْفُقَرَاء بِاتِّبَاع السّنة وَلَا يمكنوا أحدا من الْخُرُوج من ذَلِك وَلَو ادّعى من الدعاوي مَا ادّعى وَلَو زعم أَنه يطير فِي الْهَوَاء وَيَمْشي على المَاء
وَمن كَانَ من الْفُقَرَاء الَّذين لم تشغلهم مَنْفَعَة عَامَّة للْمُسلمين عَن الْكسْب بل كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ لم يجز أَن يعْطى من الزَّكَاة عِنْد الشَّافِعِي وَأحمد وَجوزهُ أَبُو حنيفَة
وَلَا يجوز أَن يعْطى من الزَّكَاة من يصنع بهَا دَعْوَة وضيافة للْفُقَرَاء الصُّوفِيَّة وَلَا من يُقيم بهَا ساطا لَهُم لَا لوارد وَلَا لغير وَارِد بل يجب أَن يعْطى الْفَقِير الْمُحْتَاج ملكا لَهُ بِحَيْثُ ينفقها على نَفسه وَعِيَاله فِي بَيته وَيَقْضِي مِنْهَا دينه ويصرفها فِي حاجاته
وَلَيْسَ فِي الْمُسلمين من يُنكر صرف الصَّدقَات وفاضل أَمْوَال للصالح إِلَى الْفُقَرَاء وللمساكين وَمن نقل ذَلِك عَن عَالم فَهُوَ إِمَّا جَاهِل أَو كَافِر بِالدّينِ بل بِسَائِر الشَّرَائِع والملل أَو يكون النَّقْل عَنهُ كذبا أَو محرفا فَأَما من هُوَ متوسط فِي الْعلم وَالدّين فَلَا يخفى عَلَيْهِ ذَلِك وَلَا ينْهَى عَن ذَلِك وَلَكِن قد اخْتَلَط فِي هَذِه الْأَمْوَال السُّلْطَانِيَّة الْحق وَالْبَاطِل فأقوام كَثِيرُونَ من ذَوي الْحَاجَات وَالدّين وَالْعلم لَا يعْطى أحدهم
стр. 395
كفاتيه ويتمزق جوعا وَهُوَ لَا يسْأَل وَمن يعرف فَلَيْسَ عِنْده مَا يُعْطِيهِ وأقوام كَثِيرَة يَأْكُلُون أَمْوَال النَّاس ويصدون عَن سَبِيل الله وَقوم لَهُم رواتب أَضْعَاف حاجاتهم وَقوم لَهُم رواتب مَعَ غناهم عَنْهَا وَقوم ينالون جِهَات كمساجد وَغَيرهَا فَيَأْخُذُونَ معلومها ويستنيبون من يطعونه شَيْئا يَسِيرا وأقوام فِي الرَّبْط والزوايا يَأْخُذُونَ مَالا يسْتَحقُّونَ وَيَأْخُذُونَ فَوق حَقهم وَيمْنَعُونَ من هم أَحَق مِنْهُم وَهَذَا مَوْجُود فِي مَوَاضِع كَثِيرَة لَا يُنَازع فِي وُقُوعه أحد وَلَا يستريب مُسلم أَن السَّعْي فِي تَمْيِيز الْمُسْتَحق من غَيره وَإِعْطَاء الولايات والأرزاق من هُوَ أَحَق بهَا وَالْعدْل بَين النَّاس وَفعله بِحَسب الْإِمْكَان هُوَ من أفضل عمل وُلَاة الْأُمُور بل من أوجبهَا عَلَيْهِم فَإِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وَالْعدْل وَاجِب على كل وَاحِد فِي كل شَيْء وَكَانَ أَن النّظر فِي الْجند الْمُقَاتلَة وَالْعدْل بَينهم وَزِيَادَة من يسْتَحق الزِّيَادَة مِنْهُم وَنقص من يسْتَحق النَّقْص وَإِعْطَاء الْعَاجِز عَن الْجِهَاد من جِهَة أُخْرَى هُوَ من أحسن أَفعَال وُلَاة الْأُمُور وأوجبها فَكَذَلِك النّظر فِي حَال سَائِر المرتزقين من أَمْوَال الْفَيْء وَالصَّدقَات وَالْعدْل بَينهم فِي ذَلِك وَإِعْطَاء الْمُسْتَحق تَمام كِفَايَته وَمنع من لَيْسَ من الْمُسْتَحقّين من أَن يزاحمهم فِي أَرْزَاقهم
وَمن ادّعى الْفقر مِمَّن لم يعرف بالغنى وَطلب الْأَخْذ من الصَّدقَات فَإِنَّهُ جَائِز للامام أَن يُعْطِيهِ بِلَا بَيِّنَة بعد أَن يعلم أَنه لَا حق فِيهَا لَغَنِيّ وَلَا لقوي على الْكسْب
وَإِن ذكر أَن لَهُ عيالا فَهَل يفقتر إِلَى بَيِّنَة فِيهِ قَولَانِ فِي مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَإِن رى أَن يُقيم بَيِّنَة فَلَا خلاف أَنه لَا يجب أَن تكون الْبَيِّنَة من الشُّهُود المعدلين فَإِن شَهَادَة هَؤُلَاءِ المعدلين ترد وَإِن لم يرزقوا على أَدَاء الشَّهَادَة فَكيف إِذا أخذُوا عَلَيْهَا رزقا لَا سِيمَا مَعَ الْعلم بِكَثْرَة من يشْهد مِنْهُم بالزور وَلِهَذَا كَانَت الْعَادة أَن الشُّهُود المرتزقة بِالشَّهَادَةِ بِالشَّام لَا يشْهدُونَ فِي
стр. 396
الاجتهادات كالإعسار والرشد وَالْعَدَالَة والأهلية والاستحقاق وَنَحْو ذَلِك بل يشْهدُونَ بالحسيات كَالَّذي سَمِعُوهُ أَو رَأَوْهُ فَإِن الشَّهَادَة بالاجتهادات يدخلهَا التَّأْوِيل والتهم فالجعل سهل عَلَيْهِم الشَّهَادَة فِيهَا بِغَيْر تحر بِخِلَاف الحسيات فَالزِّيَادَة فِيهَا كذب صَرِيح لَا يقدم عَلَيْهِ إِلَّا من يقدم على صَرِيح الزُّور
وَمن نقل عَن حَاكم أَنه قَالَ لَا يسْتَحق من هَؤُلَاءِ إِلَّا المكسح وَالْأَعْمَى والزمن فَهَذَا لم يقلهُ أحد من الْعلمَاء وَمن قَالَ ذَلِك قدح فِي عَدَالَته واستبدل مَكَانَهُ وَإِن كَانَ مفتريا على النَّاقِل عَنهُ عُوقِبَ تردعه وَأَمْثَاله من المفترين على النَّاس وعقوبة من افترى على النَّاس وَتكلم فيهم بِمَا يُخَالف دين الْمُسلمين لَا يحْتَاج إِلَى دَعْوَى بل الْعقُوبَة فِي ذَلِك جَائِزَة بِدُونِ دَعْوَى كعقوبة من يتَكَلَّم فِي الدّين بِلَا علم فَيحدث بِلَا علم ويفتي بِلَا علم وأمثال هَؤُلَاءِ مِمَّن يتَصَدَّى للاشتغال بالتعليم وَالْفَتْوَى بل اعْلَم فَكل هَؤُلَاءِ يعاقبون بِمَا يردعهم
فَمن قَالَ لَا يسْتَحق من الْأَمْوَال إِلَّا الْأَعْمَى والمكسح والزمن فقد أَخطَأ بِاتِّفَاق الْمُسلمين
وَمن قَالَ إِن أَمْوَال بَيت المَال على اخْتِلَاف أصنافها مُسْتَحقَّة لأصناف مِنْهُم الْفُقَرَاء وَأَنه يجب على الإِمَام إِطْلَاق كفايتهم من بَيت المَال فقد أَخطَأ بل يسْتَحقُّونَ من الزَّكَاة بِلَا ريب وَأما من الْفَيْء وَمن الْمصَالح فَلَا يسْتَحقُّونَ إِلَّا مَا فضل عَن الْمصَالح الْعَامَّة وَلَو قدر أَنه لم يحصل لَهُم من الزَّكَاة مَا يكفيهم وأموال بَيت المَال مستغرفة بالمصالح كَانَ إِعْطَاء الْعَاجِز عَن الْكسْب فرضا على الْكِفَايَة فعلى الْمُسلمين جَمِيعًا أَن يطعموا الجائع ويكسوا العاري وَلَا يدعوا بَينهم مُحْتَاجا وعَلى الإِمَام أَن يصرف ذَلِك من المَال الْمُشْتَرك الْفَاضِل عَن الْمصَالح الْعَامَّة الَّتِي لَا بُد مِنْهَا
وَأما من يَأْخُذ لمصْلحَة عَامَّة فَإِنَّهُ يَأْخُذهُ مَعَ حَاجته بِلَا نزاع وَمَعَ غناهُ على أحد الْقَوْلَيْنِ كَالْقَاضِي وَالشَّاهِد والمفتي والحاسب والمقرى والمحدث وَنَحْوهم
стр. 397
وَأما أَرض العنوة فَفِيهَا ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنَّهَا تقسم كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَإِن طابت نُفُوسهم بِالْوَقْفِ جَازَ فَلَو حكم حَاكم بوقفها من غير طيب أنفسهم نقض حكمه نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم وَجُمْهُور الْأَئِمَّة خالفوه فِي ذَلِك وَرَأَوا أَن مَا فعله عمر بن الْخطاب ﵁ من جعلهَا فَيْئا حسن جَائِز وَقد حَبسهَا عمر ﵁ بِدُونِ استطابة أنفسهم وَلَا نزاع أَن كل أَرض فتحهَا عمر لم يقسهما وَكَانَ مَذْهَب عمر فِي الْفَيْء أَنه لجَمِيع الْمُسلمين لَكِن يفاضل بَينهم بالفضائل الدِّينِيَّة
وَأما أَبُو بكر ﵁ فسوى بَينهم فِي الْعَطاء إِذا اسْتَووا فِي الْحَاجة
وروى أَن عمر ﵁ قَالَ لَئِن عِشْت إِلَى قَابل لأجعلن النَّاس بَيَانا أَي بابة وَاحِدَة وَكَانَ تفضيله بِأَسْبَاب أَرْبَعَة اجْتِهَاد فِي قتال الْأَعْدَاء والغناء عَن الْمُسلمين فِي مصالحهم كمعلميهم وولاتهم والسابقة إِلَى الْإِسْلَام وَالْحَاجة فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ الرجل وبلاؤه وَالرجل وسابقته والرجف وفاقته
فصل
وإحياء الْموَات جَائِز بِدُونِ إِذن الإِمَام فِي مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَاشْترط أَبُو حنيفَة الْإِذْن وَقَالَ مَالك إِن كَانَ مِمَّا قرب من العامر وتشاح النَّاس فِيهِ وَجب إِذن الإِمَام وَإِلَّا فَلَا إحْيَاء
أما أَرض الْخراج فَهَل تملك بِالْإِحْيَاءِ وَلَا خراج عَلَيْهَا أَو تكون بِيَدِهِ وَعَلِيهِ الْخراج على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد
وَمن كَانَ لَهُ حق فِي بَيت المَال فأحيل على بعض الْمَظَالِم فَقَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى قد قلت لمن سَأَلَني عَن ذَلِك لَا تستخرج أَنْت هَذَا وَلَا تعن
стр. 398
على استخراجه لِأَنَّهُ ظلم لَكِن اطلب أَنْت حَقك من المَال المتحصل عِنْدهم وَإِن كَانَ مجموعا من هَذِه الْجِهَة وَغَيرهَا فَإِنَّمَا اجْتمع فِي بَيت المَال وَلم يعرف أَصْحَابه فَصَرفهُ فِي مصَالح للْمُسلمين أولى من صرفه فِيمَا لَا ينْتَفع بِهِ أَصْحَابه
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يصبر مختلطا فَلَا يبْقى مَحْكُومًا بِتَحْرِيم عينه مَعَ كَون الصّرْف إِلَى مثل هَذَا وَاجِبا على الْمُسلمين فَإِن الْوُلَاة يظْلمُونَ تَارَة فِي الاستخراج وَتارَة فِي صرفهَا فَلَا يحل إعانتهم على الاستخراج وَلَا أَخذ الْإِنْسَان مَالا يسْتَحقّهُ
وَأما يسوغ فِيهِ الاستخراج وَالصرْف فكمسائل الِاجْتِهَاد ومالا يسوغ فِيهِ اجْتِهَاد من الْأَخْذ والإعطاء فَلَا يعانون عَلَيْهِ لَكِن إِذا كَانَ المصروف إِلَيْهِ مُسْتَحقّا لمقدار الْمَأْخُوذ جَازَ أَخذه من كل مَال يجوز صرفه كَالْمَالِ الْمَجْهُول مَالِكه فَإِن امْتَنعُوا من إِعَادَته إِلَى مُسْتَحقّه فَهَل الأولى إِقْرَاره فِي أَيدي الظلمَة أَو السَّعْي فِي صرفه فِي مصَالح الْمُسلمين إِذا كَانَ السَّاعِي فِي ذَلِك مِمَّن يكره أصل أَخذه وَلم يعن على أَخذه بل يسْعَى فِي منع أَخذه
فَهَذِهِ مَسْأَلَة حَسَنَة يَنْبَغِي التفطن لَهَا وَإِلَّا دخل الْإِنْسَان فِي فعل الْمُحرمَات أَو ترك الْوَاجِبَات فَإِن الْإِعَانَة على الظُّلم من فعل الْمُحرمَات
وَإِذا لم يُمكن الْوَاجِب إِلَّا بِالصرْفِ الْمَذْكُور كَانَ تَركه من ترك الْوَاجِبَات وَإِذا لم يُمكن إِلَّا إِقْرَاره بيد الظَّالِم وَصَرفه فِي الْمصَالح كَانَ النَّهْي عَن صرفه فِي الْمصَالح إِعَانَة على زِيَادَة الظُّلم الَّتِي هِيَ إِقْرَاره بيد الظَّالِم فَكل مَا يجب إِزَالَة الظُّلم عَنهُ يجب تقليله عِنْد الْعَجز عَن إِزَالَته فَهَذَا أصل عَظِيم
وأصل آخر وَهُوَ أَن المشتهات يَنْبَغِي صرفهَا فِي الْأَبْعَد عَن الْمَنْفَعَة فالأبعد كَمَا أَمر النَّبِي ﷺ بكسب الْحجام يطعمهُ الرَّقِيق والناضح
فَالْأَقْرَب مَا دخل فِي الْبَاطِن من الطَّعَام وَالشرَاب ثمَّ مَا ولي الظَّاهِر من اللبَاس ثمَّ ماستر مَعَ الِانْفِصَال من القباء ثمَّ مَا عرض من الرّكُوب فَكَذَا يفرق فِي الِانْتِفَاع بالرزق وَكَذَلِكَ أَصْحَابنَا يَفْعَلُونَ
стр. 399
بَاب اللّقطَة
وَإِذا وَقع الْمركب فِي الْبَحْر وغرق وَفِيه زَيْت فطفا الزَّيْت على وَجه المَاء فَمن جمعه فقد خلص المَال الْمَعْصُوم من التّلف وَله أُجْرَة الْمثل فِي أصح قولي الْعلمَاء وَالزَّيْت لصَاحبه بِلَا نزاع إِلَّا عِنْد الْحسن فَإِنَّهُ قَالَ هُوَ لمن خلصه وَقد قَالَ الصَّحَابَة ﵃ فِيمَن اشْترى أَمْوَال الْمُسلمين من الْكفَّار إِنَّه أَخذهَا مِمَّن اشْتَرَاهَا بِالثّمن
وَلَو كَانَ حَيَوَانا فخلصه من مهلكة ملكه كَمَا ورد فِي الْأَثر لِأَن الْحَيَوَان حُرْمَة فِي نَفسه بِخِلَاف الْمَتَاع فَإِن حرمته لحُرْمَة صَاحبه فهناك تخليصه لحق الْحَيَوَان الَّذِي قد يئس مِنْهُ صَاحبه بِخِلَاف الْمَتَاع
وَإِن كَانَ فِي السَّفِينَة رمان فَهُوَ لقطَة إِن رجى وجود صَاحبه عرف حولا وَإِن كَانَ لَا يُرْجَى وجوده فَفِي تَعْرِيفه قَولَانِ
وعَلى الْقَوْلَيْنِ لَهُم أكل الرُّمَّان أَو بَيْعه ويحفظ ثمنه ثمَّ يعرفهُ بعد ذَلِك وَيعرف اللّقطَة فِي الْمَكَان الَّذِي وجدت فِيهِ إِلَّا إِن كَانَ وجدهَا فِي فلاة وَإِذا جَازَ التتار فَجعل النَّاس وخلفوا أناثا ودوابا فضمه مُسلم وطالت مدَّته وَلم يظْهر لَهُ صَاحب فَيجوز لَهُ أَن يَسْتَعْمِلهُ وَأَن يتَصَدَّق بِهِ
وَمن اسْتَنْفَذَ فرسا من أَيدي الْعَرَب ثمَّ مرض الْفرس وَلم يقدر على الْمَشْي جَازَ لَهُ بَيْعه بل يجب فِي هَذِه الْحَالة أَن يَبِيعهُ لذمة صَاحبه وَإِن لم يكن وَكيله نَص عَلَيْهِ الْأَئِمَّة ويحفظ الثّمن
وَإِذا وجد طفْلا وَمَعَهُ مَال فَإِن كَانَ الطِّفْل مَجْهُول النّسَب وادعته امْرَأَة أَنه ابْنهَا قبل قَوْلهَا فِي ذَلِك وَيصرف عَلَيْهِ من المَال الَّذِي وجد مَعَه فِي نَفَقَته مُدَّة مقَامه عِنْد الْمُلْتَقط وَالله أعلم
стр. 400
كتاب الْوَصَايَا
لَيْسَ للْوَصِيّ بيع الْعقار إِلَّا لحَاجَة أَو مصلحَة راجحة فِيهِ وَإِذا ذكر أَنه بَاعه للاستهدام لم يكن لَهُ أَن يَشْتَرِيهِ ليتيم آخر
إِذا كَانَ الْمَيِّت مِمَّن يكْتب مَا عَلَيْهِ للنَّاس فِي دفتر وَنَحْوه أَو كَانَ لَهُ وَكيل أَو كتاب يكْتب بِإِذْنِهِ فَإِن وَصِيَّة يرجع فِي ذَلِك إِلَى الْكتاب الَّذِي بِخَطِّهِ أَو خطّ وَكيله فَمَا كَانَ مَكْتُوبًا وَعَلِيهِ عَلامَة الْوَفَاء كَانَ بِمَنْزِلَة إِقْرَار الْمَيِّت وَإِقْرَار الْوَكِيل فِيمَا وكل فِيهِ بِلَفْظِهِ أَو خطه مَقْبُول وَلَكِن على صَاحب الدّين الْيَمين بِالِاسْتِحْقَاقِ وَأَنه لم يقبضهُ وَلم يُبرئهُ وَأما إِعْطَاء الْمُدعى مَا يَدعِيهِ بِمُجَرَّد قَوْله فَلَا يجوز
وَتثبت بِشَاهِد وَيَمِين
وَلَو ثَبت للصَّبِيّ أَو الْمَجْنُون حق على غَائِب من دين أَو فرض أَو دين جِنَايَة أَو غير ذَلِك مِمَّا لَو كَانَ الْفَاعِل عَاقِلا حلف على عدم الْإِبْرَاء أَو الِاسْتِيفَاء فِي أحد قولي الْعلمَاء يحكم بِهِ للصَّبِيّ وَالْمَجْنُون وَلَا يحلف وليه وَلَو ادّعى مُدع فِي صبي أَو مَجْنُون حَقًا لم يحكم لَهُ وَلَا يحلفان وَلَو أوصى لصغير لم يحلف وليه لِأَن الْوَصِيَّة لَا يحلف الْمُوصى لَهُ على اسْتِحْقَاقهَا وَإِن كَانَ قد أحدث بعض النَّاس التَّحْلِيف فِيهَا
وَتَصِح للْحَمْل إِذا ولد حَيا وَلم يقل أحد من الْمُسلمين إِنَّهَا تُؤخر إِلَى حِين بُلُوغه وَلَا يحلف
إِذا أوصى أَن يحجّ عَنهُ بِأَلف فَقَالَ رجل أَنا أحج بأربعمائة وَجب إِخْرَاج جَمِيع مَا أوصى بِهِ إِن خرج من ثلثه وَإِن لم يخرج لم يجب على الْوَرَثَة إِخْرَاج الزَّائِد على الثُّلُث إِلَّا أَن يكون وَاجِبا بِحَيْثُ لَا يحصل حجَّة الْإِسْلَام إِلَّا بِهِ
وَمن لَهُ سِتَّة بَنِينَ فأوصى بِمثل نصيب ابْن لزيد ولعمرو بِثلث مَا بَقِي من الثُّلُث بعد أَن يعْطى من أوصى لَهُ بِمثل نصيب الابْن فَظَاهر مَذْهَب أَحْمد
стр. 401
وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة أَن هَذِه الْمَسْأَلَة تصح من سِتِّينَ لكل ابْن ثَمَانِيَة وللموصى لَهُ بِمثل نصيب ابْن ثَمَانِيَة وَللْآخر أَرْبَعَة فَإِذا أخذت وَعِشْرُونَ أَعْطَيْت صَاحب النّصْف مِنْهُ ثَمَانِيَة وَبَقِي بعد الثُّلُث اثنى عشر ثلث ذَلِك أَرْبَعَة وَلها طرق تعلم بهَا وَجَوَاب هَذِه الْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة فِي كتب الْعلم
وَإِذا كَانَ خلط مَال الْيَتِيم بِمَال الْمُوصى أصلح للْيَتِيم فعل ذَلِك
وَإِذا أوصى لأخته كل يَوْم بدرهم واتسع مَاله كل يَوْم لدرهم أَعْطَيْت إِن كَانَ ثلث مَاله يَتَّسِع أَو أجازة الْوَرَثَة وَلَو لم يخلف إِلَّا عقارا أَعْطَيْت من مغله أقل الْأَمريْنِ من ثلث الْمغل أَو من الدَّرَاهِم الْمُوصى بِهِ
وَمن كَانَ مُتَبَرعا بِالْوَصِيَّةِ فَمَا أنفقهُ على إِثْبَاتهَا بِالْمَعْرُوفِ فَهُوَ فِي مَال الْيَتِيم
وَلَا يجوز للْمَرِيض تَخْصِيص بعض أَوْلَاده بعطية منجزة وَلَا وَصِيَّة وَلَا أَن يقر لوَاحِد مِنْهُم بِشَيْء لَيْسَ فِي ذمَّته وَإِذا فعل ذَلِك لم يجز تنفيذه بِدُونِ إجَازَة الْوَرَثَة وَهَذَا كُله بالِاتِّفَاقِ وَلَا يجوز لأحد من الشُّهُود أَن يشْهد على ذَلِك شَهَادَة يعين بهَا على الظُّلم وَهَذَا التَّخْصِيص من الْكَبَائِر الْمُوجبَة للنار كَمَا روى أَن بشير بن سعد جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ وَقَالَ إِنِّي نحلت ابْني النُّعْمَان هَذَا الْغُلَام فاشهد عَلَيْهِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ أكل ولدك نحلت قَالَ لَا قَالَ أشهد عَلَيْهِ غَيْرِي فانه جور وَقَالَهُ على سَبِيل التهديد وَلَا يجوز أَن يخص فِي الصِّحَّة أَيْضا فِي أصح قولي الْعلمَاء
وَلَا يجوز للْوَلَد الَّذِي فضل أَخذ الْفضل بل عَلَيْهِ أَن يرد ذَلِك فِي حَيَاة الظَّالِم الجائر أَو بعد مَوته كَمَا يرد فِي حَيَاته فِي أصح قولي العلماءء
وَسُئِلَ عَن رجل توفى فِي الْجِهَاد فَجمع صَاحبه جَمِيع تركته فِي مُدَّة ثَلَاث سِنِين بعد تَعب
فَأجَاب إِن كَانَ وَصِيّا فَلهُ أقل الْأَمريْنِ من أجره الْمثل وكفايته وَإِن كَانَ مكْرها على الْعَمَل فَلهُ أُجْرَة الْمثل وَإِن عمل مُتَبَرعا فَلَا شَيْء لَهُ بل أجره على الله وَإِن عمل مَا يجب غير مُتَبَرّع فَفِي وجوب أجرته نزاع بَين الْعلمَاء الْأَظْهر أَنه يجب
стр. 402
وَلَو قَالَ بيعوا غلامي من زيد وتصدقوا بِثمنِهِ فَامْتنعَ زيد من شِرَائِهِ بيع من غَيره وَتصدق بِثمنِهِ
وَكَذَا لَو قَالَ اشْتَروا الأَرْض الْفُلَانِيَّة وقفوها على الْمَسْجِد الْفُلَانِيّ فَلم تبع لكَونهَا وَقفا أَو غير ذَلِك فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بِالثّمن الَّذِي عينه غير تِلْكَ الأَرْض وَتوقف كَمَا قَالَ
وَلَو وصّى أَن يعْتق عَبده الْمعِين أَو نذر عتق عَبده الْمعِين فَمَاتَ الْمعِين لم يقم غَيره مقَامه فَفرق بَين الْمُوصى بِهِ وَالْمَوْقُوف وَبَين الْمُوصى لَهُ وَالْمَوْقُوف عَلَيْهِ فَالْوَصِيَّة بشرَاء معِين وَالتَّصَدُّق بِهِ كَالْوَصِيَّةِ يَبِيع معِين وَالتَّصَدُّق بِثمنِهِ لِأَن الْمُوصى لَهُ هُنَا جِهَة الصَّدَقَة وَالْوَقْف وَهِي بَاقِيَة والمعين إِذا فَاتَ قَامَ بدله مقَامه كَمَا لَو أتلف الْوَقْف أَو أتلف الْمُوصى بِهِ متْلف فَإِن بدلهما يقوم مقامهما
وَلَا يجوز أَن يولي على مَال الْيَتَامَى إِلَّا من كَانَ قَوِيا خيبرا بِمَا ولي عَلَيْهِ أَمينا عَلَيْهِ وَإِذا لم يكن كَذَلِك وَجب الِاسْتِبْدَال بِهِ وَلَا يسْتَحق الْأُجْرَة الْمُسَمَّاة لَكِن أُجْرَة مثله
وَمن كَانَ عِنْده يَتِيم لَهُ مَال وَهُوَ وَصِيَّة فل فعل مَا يرَاهُ من مصلحَة فِي مَاله من تِجَارَة وَشِرَاء عقار بِغَيْر إِذن الْحَاكِم وَإِن لم يكن وَصِيّه وَإِن كَانَ الْحَاكِم هُوَ النَّاظر فِي أَمْوَال الْيَتَامَى وَهُوَ عدل يَأْمر فِيهِ بِالْمَصْلَحَةِ وَجب اسْتِئْذَانه فِي ذَلِك وَإِن كَانَ فِي اسْتِئْذَانه إِضَاعَة المَال مثل كَون الْحَاكِم أَو نَائِبه فَاسِقًا أَو جَاهِلا أَو عَاجِزا أَو لَا يحفظ مَال الْيَتَامَى حفظه المستولى عَلَيْهِ وَعمل فِيهِ بِالْمَصْلَحَةِ من غير إِذن حَاكم
فصل
وَإِتْلَاف الْجَيْش الَّذِي لَا يُمكن تَضْمِينه هُوَ كَافَّة سَمَاوِيَّة كالجراد وَإِذا تلف الزَّرْع بِآفَة سَمَاوِيَّة قبل تمكن الْأَجِير من حَصَاده فَهَل تُوضَع الْجَائِحَة كَمَا تُوضَع فِي الثَّمر الْمُشْتَرى على قَوْلَيْنِ أصَحهمَا وأشبهما بِالْكتاب وَالسّنة وَالْعدْل وضع الْجَائِحَة فِيهِ وَكَذَلِكَ كل خوف يمْنَع من الِانْتِفَاع هُوَ من الآفة السماوية
стр. 403
كتاب الْفَرَائِض
يَنْبَغِي للْمَيت أَن يوصى لأقاربه الَّذين لَا يرثونه فَإِذا لم يوص فَيَنْبَغِي إِذا حَضَرُوا الْقِسْمَة أَن يُعْطوا شَيْئا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا حضر الْقِسْمَة أولُوا الْقُرْبَى واليتامى﴾ الْآيَة
امْرَأَة مَاتَت وخلفت زوجا وبنتا وَأما وأختا من أم
قَالَ يقسم على أحد عشر سَهْما للْبِنْت سِتَّة وَللزَّوْج ثَلَاثَة وَللْأُمّ سَهْمَان وَلَا شَيْء للْأُخْت فَإِنَّهَا تسْقط بالبنت اتِّفَاقًا وَهَذَا على قَول من يَقُول بِالرَّدِّ كأحمد وَأبي حنيفَة وَمن لَا يَقُول بِالرَّدِّ كمالك وَالشَّافِعِيّ نقسم عِنْده اثنى عشر سَهْما كَمَا قُلْنَا وَالْبَاقِي لبيت المَال وَظَاهر هَذَا أَنه رد على الزَّوْج وَفِيه نظر
لغز ... مَا بَال قوم غدوا قد مَاتَ ميتهم ... وَأَصْبحُوا يقسمون المَال والحللا ... فَقَالَت امْرَأَة من غير عترتهم ... أَلا أخْبركُم أعجوبة مثلا ... فِي الْبَطن مني جَنِين دَامَ يشكركم ... فأخرجوا الْقسم حَتَّى تعرفوا الحملا ... فَإِن يكن ذكرا لم يُعْط خردلة ... وَإِن يكن غير انثى فقد فضلا ... بِالنِّصْفِ حَقًا يَقِينا لَيْسَ يُنكره ... من كَانَ يعرف فرض الله إِذْ نزلا ... إِنِّي ذكرت لكم أمرى بِلَا كذب ... فَمَا أَقُول لكم جهلا وَلَا ميلًا ...
جَوَابه زوج وَأم وَاثْنَانِ من ولد الْأُم وَحمل من الْأَب وَالْمَرْأَة الْحَامِل لَيست أم الْمَيِّت بل هِيَ زَوْجَة أَبِيهَا فَللزَّوْج النّصْف وَللْأُمّ السُّدس ولولد الْأُم الثُّلُث فان كَانَ الْحمل ذكرا فَهُوَ أَخ من أَب فَلَا شَيْء لَهُ بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَإِن كَانَ الْحمل أُنْثَى فَهُوَ أُخْت من أَب لَهَا النّصْف وَهُوَ فَاضل عَن السِّهَام
стр. 404
فأصلهما من سِتَّة وتعول إِلَى تِسْعَة وَأما إِن كَانَ الْحمل من أم الْمَيِّت فَهَكَذَا الْجَواب فِي أحد قولي الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالْمَشْهُور عَن أَحْمد وعَلى القَوْل الآخر إِن كَانَ الْحمل ذكرا يُشَارك ولد الْأُم كواحد مِنْهُم وَلَا يسْقط وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة عَنهُ
مَسْأَلَة فِي مَرِيض تحرج وطلق امْرَأَته ثَلَاثًا وَمَات بعد عشْرين يَوْمًا أما الطَّلَاق فَيَقَع إِن كَانَ عَاقِلا مُخْتَارًا لَكِن تَرثه عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء كأحمد وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم كَمَا قضى بِهِ عُثْمَان ﵁ فِي امْرَأَة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ فَإِنَّهُ طَلقهَا فِي مرض فَورثَهَا عُثْمَان مِنْهُ وَتعْتَد أطول الْأَجَليْنِ من عدَّة الطَّلَاق وعدة الْوَفَاة فِي أحد الْوُجُوه وَقيل عدَّة الطَّلَاق وَقيل بل عدَّة الْوَفَاة وَهل يكمل لَهَا الْمهْر على قَوْلَيْنِ
وَإِن كَانَ قد زَالَ عقله فَلَا طَلَاق عَلَيْهِ
فصل
يُورث ذَوي الْأَرْحَام جُمْهُور السّلف وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَأَبُو حنيفَة وَطَوَائِف من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَقَول لمَالِك إِذا فسد بَيت المَال
وَالْقَوْل الثَّانِي يَرث بَيت المَال وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد فِي رِوَايَة وَمن جهزها أَبوهَا على الْوَجْه الْمُعْتَاد فِي الجهاز فَهُوَ تمْلِيك لَهَا فَلَيْسَ لَهَا الرُّجُوع بعد مَوتهَا على التَّرِكَة بل ينْتَقل مَا فِي يَدهَا إِلَى الْوَرَثَة
стр. 405
كتاب النِّكَاح وشروطه
إِذا شرطت عَلَيْهِ أَن لَا يُخرجهَا من بَلَدهَا وَلَا يتَزَوَّج وَلَا يتسرى عَلَيْهَا فَهُوَ شَرط صَحِيح فِي مَذْهَب أَحْمد وَمَالك فِي جَمِيع شُرُوط الْعُقُود وَهُوَ وَجه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي يخرج من مَسْأَلَة صدَاق السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَكَذَا إِن كَانَ مُتَقَدما على العقد وَلَو لم يذكرهُ حِين العقد ويطرده أَحْمد فِي جَمِيع الْعبارَات فَإِن النِّيَّة الْمُتَقَدّمَة لَا تُؤثر عِنْده كالمقارنة وَلأَحْمَد قَول ثَان أَن الشُّرُوط الْمُتَقَدّمَة لَا تُؤثر وَفِيه قَول ثَالِث الْفرق بَين الشَّرْط الَّذِي يَجْعَل العقد غير مَقْصُود كالتواطؤ على أَن يَبِيع بيع تلجئة لَا حَقِيقَة لَهُ وَبَين الشَّرْط الَّذِي لَا يخرج العقد على كَونه مَقْصُودا كاشتراط الْخِيَار وَنَحْوه وَعَامة نصوصه وقدماء أَصْحَابه ومحققي الْمُتَأَخِّرين على أَن الشُّرُوط والمواطأة الَّتِي تجْرِي بَين الْمُتَعَاقدين قبل العقد إِذا لم يفسخاها حِين العقد فَإِن العقد يَقع مُقَيّدا بهَا وعَلى هَذَا جَوَاب أَحْمد فِي مسَائِل الْحِيَل فِي البيع وَالْإِجَارَة وَالرَّهْن وَغير ذَلِك
وَإِذا تزوجت وَلها زوج لم تستثمر مَوته وَلَا طَلَاقه فَهِيَ زَانِيَة لَا مهر لَهَا وَإِن اعتقدت مَوته أَو طَلَاقه فَهُوَ وَطْء شُبْهَة بِنِكَاح فَاسد فلهَا الْمهْر وَظَاهر الْمَذْهَب أَن لَهَا الْمُسَمّى وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى أَن لَهَا مهر امثل كَقَوْل الشَّافِعِي
стр. 406
كَون الْمَرْأَة مُسْتَحَاضَة دَائِما عيب يثبت بِهِ فسخ النِّكَاح فِي أظهر الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره
وَمَا يمْنَع الْوَطْء حسا كانسداد الْفرج أَو طبعا كالجنون والجذام يثبت بِهِ الْفَسْخ عِنْد مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَفِيمَا يمْنَع كَمَال الْوَطْء كالنجاسة فِي الْفرج نزاع والمستحضاة أَشد من غَيرهَا فَإِذا فسخ قبل الدُّخُول فَلَا مهر وَإِن كَانَ بعده وَقيل إِن الصَدَاق يسْتَقرّ بِهَذِهِ الْخلْوَة أَو كَانَ قد وَطئهَا فَإِنَّهُ يرجع بِالْمهْرِ على من غره وَإِن قيل لَا يسْتَقرّ فَلَا شَيْء لَهَا وَله أَن يحلف من ادّعى الْغرُور عَلَيْهِ أَنه لم يغره وَله الْخِيَار مَا لم يصدر مِنْهُ مَا يدل على الرِّضَا يَقُول أول فعل فَإِن وَطئهَا بعد ذَلِك فَلَا خِيَار لَهُ إِلَّا أَن يَدعِي الْجَهْل فَهَل لَهُ الْخِيَار فِيهِ نزاع وَالْأَظْهَر ثُبُوت الْفَسْخ
فصل
لَيْسَ للعم وَلَا لغيره أَن يُزَوّج موليته بِغَيْر كف إِذا لم تكن راضية بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَإِذا فعل ذَلِك اسْتحق الْعقُوبَة الشَّرِيعَة بل لَو رضيت بِغَيْر كف كَانَ للْمولى الآخر الْفَسْخ وَلَيْسَ للعم جَبَّار الْبَالِغَة على النِّكَاح بكفء فَكيف بِغَيْر كُفْء وَإِذا قَالَ لَهَا إِن لم تَأذن والا زَوجك الشَّرْع بِغَيْر اختيارك لم يَصح الْإِذْن وَلَا النِّكَاح
وَلَيْسَ للْمولى منع الْأُم من ابتها إِذا كشف حَالهَا بل إِمَّا أَن يُمكنهَا من ستر حَالهَا أَو يسكن بهَا بَين جيران من أهل الصدْق يكشفون حَالهَا
وَلَيْسَ للْمولى عضلها عَن الْكُفْء إِذا طلبته فَإِن عضلها وَامْتنع من تَزْوِيجهَا زَوجهَا الْوَلِيّ الآخر الْأَبْعَد أَو الْحَاكِم بِغَيْر إِذْنه بِاتِّفَاق
стр. 407
سُؤال
جدتي أُمِّي وَأبي جده ... وَأَنا عمَّة لَهُ وَهُوَ
أَفْتِنَا يَا إِمَام يَرْحَمك الله ... وَيَكْفِيك حادثات اللَّيَالِي
الْجَواب
رجل زوج ابْنه أم بنت ... وأتى الْبِنْت بِالنِّكَاحِ
فَأَتَت مِنْهُ بِالَّتِي قَالَت الشّعْر ... وَقَالَت لِابْنِ هاتيك خَالِي
شرحها رجل تزوج امأة وَزوج ابْنه بأمها فولد لَهُ بنت وَلَا بنه ابْن فبنته هِيَ المخاطبة بالشعر فجدتها أم أمهَا هِيَ أم ابْن الابْن زَوْجَة الابْن وأبوها ابْن ابنهه وَهِي عمته أُخْت أَبِيه من الْأَب وَهُوَ خالها أَخُو أمهَا من الْأُم
وَالصَّحِيح تَزْوِيج بنت تسع بِإِذْنِهَا وَلَا خِيَار لَهَا إِذن وَهُوَ أعدل الأوقال وَظَاهر مدهب أَحْمد
وَمن اسْتمع بِجَارِيَة فَلَا يجوز أَن يسْتَمْتع ببناتها
نِكَاح الْمُحَلّل حرَام بِإِجْمَاع الصَّحَابَة عمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَغَيرهم ﵃ حَتَّى قَالَ عمر ﵁ وَالله لَا أُوتِيَ لمحلل وَلَا مُحَلل لَهُ إِلَّا رَجَمْتهمَا وَقَالَ عُثْمَان لَا نِكَاح إِلَّا نِكَاح رَغْبَة لَا نِكَاح دُلْسَة وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ لما قَالَ لَهُ رجل أَرَأَيْت إِن تَزَوَّجتهَا ومطلقها لَا يعلم أحلهَا لَهُ ثمَّ أطلقها فَقَالَ من يُخَادع الله يخدعه لَا يزَالَانِ زَانِيَيْنِ وَإِن مكثا عشْرين سنة إِذا علم الله من قبله أَنه يُرِيد أَن يحلهَا وَقد لعن رَسُول الله ﷺ الْمُحَلّل والمحلل لَهُ قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث صَحِيح
وَقد اتّفق أَئِمَّة الْفَتْوَى على أَنه إِذا شَرط التَّحْلِيل فِي العقد كَانَ بَاطِلا وَبَعْضهمْ لم يَجْعَل للشّرط الْمُتَقَدّم وَلَا للْعُرْف المطرد تَأْثِيرا
стр. 408
وَأما الصَّحَابَة ﵃ والتابعون وأئمة الْفَتْوَى فَلَا فرق عِنْدهم بَين الشَّرْط الْمُتَقَدّم وَالْعرْف وَهَذَا قَول أهل الْمَدِينَة وَأهل الحَدِيث وَالنَّصَارَى تعيب الْمُسلمين بِنِكَاح الْمُحَلّل يَقُولُونَ الْمُسلمُونَ قَالَ لَهُم نَبِيّهم إِذا طلق أحدكُم زَوجته لم تحل لَهُ حَتَّى تزنى وَنَبِينَا ﷺ برِئ منم ذَلِك هُوَ وَأَصْحَابه والتابعون لَهُم وَجُمْهُور أَئِمَّة الْمُسلمين ﵃
فصل
لَا يشْتَرط فِي صِحَة النِّكَاح الْإِشْهَاد على إِذن الْمَرْأَة قبل النِّكَاح فِي الْمَذْهَب الأريعة إِلَّا وَجها ضَعِيفا للشَّافِعِيّ وَأحمد
بل إِذا قَالَ الْوَلِيّ أَذِنت لي جَازَ عقد النِّكَاح ثمَّ إِن أنْكرت الْإِذْن فَالْقَوْل قَوْلهَا بِيَمِينِهَا وَإِن صدقت على الْإِذْن فَالنِّكَاح ثَابت بَاطِنا وظاهرا
وَالَّذِي يَنْبَغِي للشُّهُود أَن يشْهدُوا على إِذن الزَّوْجَة قبل العقد ليَكُون العقد مُتَّفقا على صِحَّته ويؤمن فَسخه بجحودها وبعلم صدق الْوَلِيّ فِي دَعْوَاهُ الْإِذْن
وَأما الْحَاكِم الْعَاقِد وَالَّذِي هُوَ نَائِبه فَلَا يُزَوّجهَا حَتَّى يعلم أَنَّهَا أَذِنت وَذَلِكَ بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ شَاهدا على العقد أَو وَكيل الْوَلِيّ
وَأما مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي رِوَايَة عَنهُ فَلم يشترطوا الاذن فان لم تَأذن حَتَّى عقد النِّكَاح جَازَ وَتسَمى مَسْأَلَة وقف الْعُقُود
وَكَذَلِكَ العَبْد إِذا تزوج بِغَيْر إِذن موَالِيه ثمَّ أذنوا لَهُ بعد العقد فَهُوَ على هَذَا النزاع وَيسْعَى نِكَاح الْفُضُولِيّ
وشهود النِّكَاح يشْتَرط فيهم الْعَدَالَة الظَّاهِرَة وَمن اشْترط أَن يَكُونُوا مستورين وَأَن يَكُونُوا من المعدلين عِنْد الْحَاكِم فَإِذا عقد الْعدْل صَحَّ العقد لِأَنَّهُ مَسْتُور عِنْد الْحَاكِم وَإِن كَانَ قد يكون فَاسِقًا فِي الْبَاطِن
стр. 409
وَمن يرْكض فِي الْبِلَاد وَلَا يُقيم فِي بلد إِلَّا شهرا أَو شَهْرَيْن فَلهُ أَن يتَزَوَّج لَكِن ينْكح نِكَاحا مُطلقًا وَلَا يشْتَرط فِيهِ توقيتا وَإِن نوى طَلاقهَا حتما عِنْد انْقِضَاء سَفَره كره مثل ذَلِك وَفِي صِحَة النِّكَاح نزاع
وَلَو نوى أَنه إِذا سَافر وأعجبته أمْسكهَا وَإِلَّا طَلقهَا جَازَ فَإِن اشْترط التَّوْقِيت فَهُوَ نِكَاح الْمُتْعَة الَّذِي اتّفق الْأَرْبَعَة وَغَيرهم على تَحْرِيمه وَإِن كَانَ طَائِفَة يرخصون فِيهِ إِمَّا مُطلقًا وَإِمَّا للْمُضْطَر كَمَا قد كَانَ ذَلِك فِي صدر الْإِسْلَام
فَالصَّوَاب أَن ذَلِك مَنْسُوخ كَمَا قد ثَبت فِي الصَّحِيح أَنه ﷺ نهى عَنْهَا بعد أَن كَانَ رخص فِيهَا عَام الْفَتْح وَلِأَنَّهُ لَا يثبت فِيهَا أَحْكَام الزَّوْجِيَّة من الْإِرْث والاعتداد بعد لوفاة وَنَحْو ذَلِك من الْأَحْكَام
وَشَرطه قبل العقد كالمقارن فِي أصح قولي الْعلمَاء
وَأما إِذا نوى الزواج لأجل فَفِيهِ نزاع يرخص فِيهِ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ ويكرهه مَالك وَأحمد وَغَيرهمَا فَهُوَ كَمَا لَو نوى التَّحْلِيل وَهُوَ مَا اتّفق الصَّحَابَة على النَّهْي عَنهُ لَكِن نِكَاح الْمُحَلّل من الْمُتْعَة لِأَن نِكَاح الْمُحَلّل لم يبح قطّ
وَأما الْعَزْل فقد حرمه طَائِفَة لَكِن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة على جَوَازه بِإِذن الْمَرْأَة
فصل
الْجمع بَين الْمَرْأَة وَخَالَة أمهَا أَو عمَّة أَبِيهَا أَو عمَّة أمهَا
كالجمع بَين الْمَرْأَة وعمتها وخالتها عِنْد أَئِمَّة الْمُسلمين وَذَلِكَ حرَام باتفاقهم
وَهل لَهُ أَن يتَزَوَّج الْمُعْتَدَّة مِنْهُ فِي نِكَاح فَاسد فِيهِ قَولَانِ لِأَحْمَد
أَحدهمَا يجوز كمذهب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ
وَالثَّانِي لَا يجوز كمذهب مَالك
وَمن لَهُ جَارِيَة تَزني فَلَا يحل لَهُ وَطْؤُهَا وَمَتى وَطئهَا مَعَ علمه بِكَوْنِهَا زَانِيَة كَانَ ديوثا
стр. 410
وَإِذا احْتَاجَت أمته إِلَى النِّكَاح فإمَّا أَن يَطَأهَا أَو يُزَوّجهَا
وَوَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا حرَام بِالْكتاب وَالسّنة وَهُوَ قَول جَمَاهِير السّلف وَالْخلف بل هُوَ اللوطية الصُّغْرَى وَقد ثَبت لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أدبارهن وَقَوله تَعَالَى ﴿فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾ فالحرض مَوضِع الْوَلَد
فصل
وَطْء الْإِمَاء الكتابيات بِملك الْيَمين أقوى من وطئهن بِملك النِّكَاح عِنْد عوام أهل الْعلم من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم وَلم ينْقل عَن أحد تَحْرِيم ذَلِك كَمَا نقل عَن بَعضهم الْمَنْع من نِكَاح الكتابيات وَإِن كَانَ ابْن الْمُنْذر قد قَالَ لم يَصح عَن أحد من الْأَوَائِل تَحْرِيم نِكَاحهنَّ فقد روى عَن ابْن عمر وَهُوَ قَول الشِّيعَة وَقد كَرَاهَة نِكَاحهنَّ عِنْد عدم الْحَاجة نزاع
والكراهية مَعْرُوفَة فِي مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَكَذَا كَرَاهَة الْوَطْء الْإِمَاء فِيهِ نزاع روى عَن الْحسن أَنه كرهه
وَأما الْأمة الْمَجُوسِيَّة فَالْكَلَام فِيهَا مَبْنِيّ على أصلين
أَحدهمَا أَن نِكَاح المجوسيات لَا يجوز كَمَا لَا يجوز نِكَاح الوثنيات وَهُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَذكره الإِمَام أَحْمد عَن خَمْسَة من الصَّحَابَة ﵃ وَحكى عَن الشَّافِعِي قَول بِجَوَاز ذَلِك بِنَاء على جَوَاز ذَبَائِحهم
الأَصْل الثَّانِي أَن من لَا يجوز نِكَاحهنَّ لَا يجوز وطئهن بِملك كالوثنيات وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم وَحكى عَن أبي ثَوْر إِبَاحَة وَطْء الْإِمَاء بِملك الْيَمين على أَي دين كن وأظن أَنه يذكر عَن بعض الْمُتَقَدِّمين وَقَوله تَعَالَى ﴿إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم﴾ يَقْتَضِي عُمُوم جَوَاز الْوَطْء بِملك الْيَمين مُطلقًا إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الدَّلِيل حَتَّى إِن عُثْمَان وَغَيره من الصَّحَابَة جعلُوا مثل هَذَا النَّص متناولا للْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ حَتَّى قَالُوا أَحَلَّتْهُمَا آيَة
стр. 411
وحرمتهما آيَة وشيئا حرم فِيهِ الْجمع بِالنِّكَاحِ قد يتوزع فِي تَحْرِيم الْجمع فِيهِ بِملك الْيَمين
وَمن زنى بِامْرَأَة ثمَّ وجد مَعهَا بِنْتا لَا يعلم هَل هِيَ مِنْهُ أم لَا لَا يحل لَهُ نِكَاحهَا لِأَنَّهَا إِن كَانَت من غَيره حرمت عَلَيْهِ عِنْد مَالك وَأبي حنيفَة وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَإِن كَانَت بنته من الزِّنَا فَأَغْلَظ من ذَلِك وَإِذا اشتبهت عَلَيْهِ بغَيْرهَا حرمت
وَإِذا تزوج الْحر الْقرشِي أمه فولده مِنْهَا رَقِيق لسَيِّد الْأمة بِاتِّفَاق الْعلمَاء لِأَن الْوَلَد يتبع الْأُم فِي الْحُرِّيَّة ولارق وَيتبع أَبَاهُ فِي النّسَب وَالْوَلَاء فَإِن الْوَلَد مِمَّن يسترق جنسه بالِاتِّفَاقِ فَهُوَ رَقِيق بالِاتِّفَاقِ وَإِن كَانَ مِمَّن تتوزع فِي رق جنسه وَقع النزاع فِي رقّه كالعرب وَالصَّحِيح أَنه يجوز استرقاق الْعَرَب والعجم لما ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ قَالَ لعَائِشَة ﵂ وَعِنْدهَا سبية من بني تَمِيم أعْتقهَا فَإِنَّهَا من ولد اسماعيل وَجَاءَت صدقَات بني تَمِيم فَقَالَ هَذِه صدقَات قَومنَا وَقَالَ هم أَشد أمتِي على الدَّجَّال وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ لَا أَزَال أحبهم يَعْنِي بني تَمِيم بعد هَذِه الثَّلَاثَة الَّتِي سَمِعتهنَّ من رَسُول الله ﷺ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه قَالَ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شئ قدير عشر مَرَّات كَانَ كمن أعتق أَرْبَعَة أنفس من بني إِسْمَاعِيل فَفِي هَذَا الحَدِيث أَن بني اسماعيل يعتقون فَدلَّ على ثُبُوت الرّقّ عَلَيْهِم كَمَا أَمر عَائِشَة أَن تعتقد عَن الْمُحَرر الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا من ولد اسماعيل وَفِيه من بني تَمِيم وَسبي هوَازن وهم عرب أعتقهم بعد أَن طَلَبهمْ من الْمُسلمين وطيبوا لَهُ نفسا بذلك وَقد وطئ مِنْهُ شَيْئا يعينها فِي كتَابَتهَا فَقَالَ ﷺ هَل لَك فِي خير من ذَلِك أقضى دينك وأتزوجك فَفعلت
стр. 412
فَتَزَوجهَا فَقَالَ النَّاس أَصَابَهَا رَسُول الله ﷺ فأرسلوا مَا بِأَيْدِيهِم فقد عتق بتزويجه إِيَّاهَا مائَة من بني المصطلق فَدلَّ ذَلِك على جَوَاز سبي الْعَرَب وَمنعه أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم
وَإِذا تزوج الْحر مَمْلُوكَة فولدها رَقِيق إِلَّا يكون من الْعَرَب عِنْد أبي حنيفَة وَلَكِن لَو زنى الْعَرَبِيّ بمملوكة الْوَلَد رَقِيقا اتِّفَاقًا لِأَن النّسَب غير لَاحق بِأَبِيهِ وَمَسْأَلَة ابْن سُرَيج محدثه لم يفت بهَا أحد من الْأَئِمَّة إِنَّمَا أفتى بهَا طَائِفَة من الْمُتَأَخِّرين بعد الْمِائَة الثَّالِثَة فَأنكرهُ عَلَيْهِ جَمَاهِير الْمُسلمين وَمن قلد فِيهَا شخصا ثمَّ تَابَ عَفا الله عَنهُ وَلَا يُفَارق امْرَأَته وَإِن كَانَ قد تسرج فِيهَا إِذا كَانَ متأولا
وَإِذا وكل ذِمِّيا فِي قبُول نِكَاح امْرَأَة مسلمة فانه يشبه تَزْوِيج الذِّمِّيّ ابْنَته الذِّمِّيَّة من مُسلم وَلَو زَوجهَا من ذمِّي جَازَ وَإِذا زَوجهَا من مُسلم فَفِيهِ نزاع قيل يجوز وَقيل لَا يجوز فيوكل مُسلما وَقيل يُزَوّجهَا الْحَاكِم وَكَونه وليا فِي تَزْوِيج الْمُسلم مثل كَونه وَكيلا فِي تَزْوِيج الْمسلمَة وَمن قَالَ إِن ذَلِك جاذز قَالَ إِن الْملك فِي النِّكَاح يحصل للزَّوْج لَا للْوَكِيل بالِاتِّفَاقِ بِخِلَاف الْملك فِي غَيره فَفِيهِ نزاع لِأَحْمَد وَغَيره فَلَو وكل مُسلم ذِمِّيا فِي شِرَاء خمر لم يجز وَخَالف فِيهِ أَبُو حنيفَة وَإِذا كَانَ الْملك يحصل للزَّوْج فتوكيله الذِّمِّيّ بِمَنْزِلَة تَوْكِيل الْمَرْأَة فِي تَزْوِيجهَا بعض محارمها كخالها فَإِنَّهُ يجوز تَوْكِيله فِي قبُول نِكَاحهَا وَإِن كَانَ لَا يحل لَهُ نِكَاح مسلمة لَكِن الْأَحْوَط أَن لَا يفعل لما فِيهِ من النزاع
لَو وكل امْرَأَة أَو صَبيا مُمَيّز أَو مَجْنُونا لم يجز
وَلَو وكل عبدا بِغَيْر إِذن سَيّده أَو وكل سَفِيها بِغَيْر إِذن وليه أَو صَبيا مُمَيّزا بِغَيْر إِذن وليه فَفِيهِ نزاع لِأَحْمَد وَغَيره
وَمن تزوج وَشرط أَن كل امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهِيَ طَالِق وكل أمة يتسرى بهَا فَهِيَ حرَّة ثمَّ تسرى أَو تزوج فَقَالَ زبو حنيفَة تطلق الَّتِي تزَوجهَا وتعتق الَّتِي
стр. 413
وتسرى بهَا وَهُوَ قَول مَالك إِذا لم يعم كَمَا ذكر وَمذهب أَحْمد لايقع لَهُ طلاة وَلَا عتاق لَكِن للزَّوْجَة الأولى الْخِيَار بَين الْمقَام مَعَه وفراقه
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يَقع بِهِ شئ وَلَا تملك الْمَرْأَة فِرَاقه
وَمن تزوج فَأَتَت امْرَأَة بِولد بِعْ شَهْرَيْن لم يلْحقهُ النّسَب وَلَا يسْتَقرّ عَلَيْهِ الْمهْر بِاتِّفَاق وَفِي العقد قَولَانِ أصَحهمَا أَنه بَاطِل كمذهب مَالك وَأحمد وَغَيرهمَا وَيفرق بَينهمَا وَلَا مهر لَهَا وَلَا نصفه وَلَا مُتْعَة لَهَا إِذا لم يدْخل بهَا كَسَائِر الْعُقُود الْفَاسِدَة إِذا حصلت الْفرْقَة قبل الدُّخُول
وَيَنْبَغِي أَن يفرق بَينهمَا حَاكم يرى فَسَاد العقد بِقطع النزاع
وَالْقَوْل الآخر العقد صَحِيح وَلَا يحل لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى تضع كَقَوْل أبي حنيفَة وَقيل يجوز الْوَطْء قبل الْوَضع كمذهب الشَّافِعِي وَإِن كَانَت حَامِلا من وَطْء شُبْهَة أَو سيد أَو زوج فَإِن النِّكَاح بَاطِل بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَلَا مهر لَهَا قبل الدُّخُول
وَإِذا ركن إِلَى الْخَاطِب حرمت الْخطْبَة على خطبَته عِنْد الْأَرْبَعَة وَإِن تنَازع فِي تَحْرِيمه بعض أحابنا وَفِي صِحَة نِكَاح الثَّانِي قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَيجب عُقُوبَة الْخَاطِب الثَّانِي وَمن أَعَانَهُ عَليّ ذَلِك
وتزويج العَبْد بِغَيْر إِذن سَيّده إِذا لم يجزه سَيّده بَاطِل بِاتِّفَاق فَإِن أجَازه فَهُوَ تصرف الْفُضُولِيّ فِيهِ نزاع
ورذا غر الْمَرْأَة وَذكر أَنه حر وَدخل بهَا ثمَّ تبين لَهَا أَنه عبد وَجب لَهَا الْمهْر بِلَا نزاع لَكِن هَل يجب مهر مثل كَقَوْل أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ أَو المسمي كَقَوْل مَالك أَو الخمسان يه نزاع وَهُوَ ثَلَاث رِوَايَات عَن أَحْمد
وَهل يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ كَقَوْل أَحْمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ أَو بِذِمَّتِهِ كَقَوْل الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد فِيهِ نزاع وَالْأول أظهر لِأَنَّهُ جِنَايَة
стр. 414
وَمن كَانَ مصرا على الفسوق لَا يَنْبَغِي أَن يتَزَوَّج
ورذا تزوج امْرَأَة عَليّ أَنَّهَا بكر فَبَانَت ثَيِّبًا فَلهُ الْفَسْخ وَله أَن يُطَالب بِأَرْش الصَدَاق وَهُوَ تفَاوت مَا بَين مهر الْبكر وَالثَّيِّب وَإِذا فسخ قبل الدُّخُول سقط الْمهْر وَأي الزَّوْجَيْنِ وجد بِالْآخرِ جنونا أَو جذاما أَو برصا فَلهُ فسخ النِّكَاح إِذا لم يرض بعد ظُهُور الْعَيْب وَقبل الدُّخُول يسْقط الْمهْر وَبعده لَا يسْقط
ؤذا تَعَذَّرَتْ النَّفَقَة من جِهَة الزَّوْج فلهَا فسخ النِّكَاح وَالْفَسْخ للْحَاكِم فَإِن فسخت هِيَ نَفسهَا لتعذر الْحَاكِم وَغَيره فَفِيهِ نزاع وَهل لوَلِيّهَا أَن يُطَالب بِفَسْخ النِّكَاح إِذا كَانَت مَحْجُورا عَلَيْهَا على وَجْهَيْن
وَإِذا حضرت مُطلقَة فَذكرت أَنَّهَا تزوجت زوجا وَطَلقهَا فَأَرَادَ هَذَا الزَّوْج ردهَا فخاف أَن يطْلب براءتها من الزَّوْج الثَّانِي فَادّعى عِنْد حَاكم أَنَّهَا جَارِيَة وَأَنه يُرِيد عتقهَا وَيكْتب لَهَا كتابا فَزَوجهَا القَاضِي على أَنه وَليهَا كَانَت خلية من الْمَوَانِع وَلم يكن لَهَا ولي من الْحَاكِم صَحَّ النِّكَاح وَإِن ظن القَاضِي أَنَّهَا عتيقة وَكَانَت حرَّة الأَصْل فَهَذَا الظَّن لَا يقْدَح فِي صِحَة النِّكَاح
وَهَذَا ظَاهر عَليّ أصل الشَّافِعِي فَإِن الزَّوْج عِنْده لَا يكون وليا
وَأما من يَقُول إِن المتعقة يكون زَوجهَا الْمُعْتق وَليهَا وَالْقَاضِي نَائِبه فَهُنَا إِذا زوج الْحَاكِم هَذِه صحت النِّيَابَة وَلم يكن قبُوله من جِهَتهَا وَلَكِن من جِهَة كَونهَا حرَّة الأَصْل فَهَذَا فِيهِ نظر
стр. 415
كتاب الْأَوْلِيَاء
من خلف ابْنا وابنتين غير رشيدتين فللأخ الْولَايَة من جِهَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن النكر فَإِذا فعلت مَالا يحل لَهَا فَلهُ منعهَا وَأما الْحجر عَلَيْهَا إِن كَانَت سَفِيهَة فلوصيها إِن كَانَ وَإِلَّا فللحاكم ولأخيها رفع أمرهَا إِلَى الْحَاكِم
وَإِذا طلب العَبْد النِّكَاح أجبر السَّيِّد فِي مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه على تَزْوِيجه لِأَنَّهُ كالإنفاق عَلَيْهِ
وتزويج الأكة إِذْ طلبت النِّكَاح من كُفْء وَاجِب بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَصَحَّ قَوْله ﵊ يَا معشر الشَّبَاب من اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَة فليتزوج واستطاعة النِّكَاح هِيَ الْقُدْرَة على الْمُؤْنَة لَيْسَ الْقُدْرَة على الْوَطْء فَإِن الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ خطاب للقادر على فعل الْوَطْء وَلِهَذَا أَمر من لم يَسْتَطِيع الْبَاءَة بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاء
وَمكن لَا مَال لَهُ هَل يسْتَحبّ لَهُ أَن يقترض ويتزوج فِيهِ نزاع لِأَحْمَد وَغَيره وَمن كَانَ سَفِيها مَحْجُورا عَلَيْهِ لم يَصح تَزْوِيجه بِغَيْر إِذن وليه وَيفرق بَينهمَا فَإِن كَانَ قبل الدُّخُول فَلَا شئ عَلَيْهِ
وَإِذا تنَازع الرّجلَانِ هَل نكح وَهُوَ رشيد أَو وَهُوَ سَفِيه فَالْقَوْل قَول مدعي صِحَة النِّكَاح
وَمَسْأَلَة ابْن سُرَيج لم يفت بهَا أحد من الْمُتَقَدِّمين وَقد أنكر على من أفتى بهَا وَنِكَاح الْمُسلمين لَا يكون كَنِكَاح النَّصَارَى والدور الَّذِي توهموه بَاطِل فَإِنَّهُم ظنُّوا أَنه وَقع الْمُنجز وَقع الْمُعَلق وَإِذا وَقع الْمُعَلق لم يَقع الْمُنجز وَهَذَا غلط فَإِن الْمُعَلق إِنَّمَا يَقع لَو كَانَ التَّعْلِيق صَحِيحا وَالتَّعْلِيق بَاطِل لِأَنَّهُ مُخَالف لِلْعَقْلِ
стр. 416
والشريعة وَهُوَ وُقُوع طَلْقَة مسبوقة بِثَلَاثَة وَإِذا كَانَ سرج وَحلف بِالطَّلَاق مُعْتَقدًا أَنه لَا يَحْنَث ثمَّ تبين لَهُ فِيمَا بعد أَن التسريح لَا يجوز فليمسك امْرَأَته وَلَا طَلَاق عَلَيْهِ فِيمَا مضى وَيَتُوب فِي الْمُسْتَقْبل
وَمن أعْطى قوما شَيْئا وَاتَّفَقُوا على أَن يزوجوه بنتهم فَمَاتَتْ الْبِنْت لم يكن لَهُ أَن يرجع عَلَيْهِم بِشَيْء مِمَّا أَعْطَاهُم وَإِن كَانُوا لم يفوا لَهُ بِمَا طلبه مِنْهُم فَلهُ الرُّجُوع
التَّحْلِيل محرم لَا يحلهَا لَكِن من قلد فِيهِ المجوز لَهُ أَو فعله بِاجْتِهَاد ثمَّ يتَبَيَّن لَهُ تَحْرِيم ذَلِك فَتَابَ إِلَى الله فالأقوى أَنه لَا يجب فراقها بل يمْتَنع من ذَلِك فِي الْمُسْتَقْبل وَقد عَفا الله عَمَّا مضى
وَمن تزوج امْرَأَة مُدَّة ثمَّ طَلقهَا وَادّعى أَنه مَمْلُوك لَا يقبل قَوْله بِمُجَرَّد دَعْوَاهُ فَإِنَّهُ لَو ادّعى أَنه مَمْلُوك بِلَا بَيِّنَة وَلم يعرف خلاف ذَلِك فَقيل يقبل فِيمَا عَلَيْهِ دون مَاله كمذهب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي قَول لَهما
وَقيل لَا يقبل بِحَال كمذهب بعض الْمَالِكِيَّة وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد وَالثَّالِث يقبل مُطلقًا وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَرِوَايَة عَن أَحْمد
فلهَا أَخذ حَقّهَا وَإِن قدر أَنه مَمْلُوك فَإِنَّهُ جَان فَتعلق حَقّهَا بِرَقَبَتِهِ فلهَا الْمُطَالبَة على كل حَال
وَلَا يَصح لأحد أَن ينْكح موليته رَافِضِيًّا وَلَا من يتْرك الصَّلَاة وَمَتى زوجوه على أَنه سني يصل فَبَان أَنه رَافِضِي أَو لَا يُصَلِّي أَو كَانَ قد تَابَ ثمَّ عَاد إِلَى الرَّفْض وَترك الصَّلَاة فَإِنَّهُم يفسخون نِكَاحه إِذا قيل إِنَّه صَحِيح
وَمن قَالَ لأبي زَوجته بنتك أوقعت عَلَيْهَا الطَّلَاق فَقَالَ والدها أَبْرَأتك أَو أَبْرَأتك بِغَيْر حُضُورهَا أَو بِغَيْر إِذْنهَا فَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة نزاع فمذهب
стр. 417
أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الْمَنْصُوص أَنه لَيْسَ للْأَب أَن يُخَالف على شَيْء من مَال ابْنَته سَوَاء كَانَت مَحْجُورا عَلَيْهَا أَولا
وَمذهب مَالك يجوز أَن يخالع عَن ابْنَته الصَّغِيرَة وروى أَنه يخالع عَن الْبكر فَقَط وروى أَنه يخالع عَن ابْنَته مُطلقًا وَمذهب مَالك يخرج على أصُول أَحْمد من وُجُوه
أَحدهَا أَن للْأَب أَن يُطلق ويخالع امْرَأَة ابْنه الطِّفْل فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَيجوز للْأَب أَن يُزَوّج بنته بِدُونِ صدَاق مثلهَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّهُ الَّذِي بِيَدِهِ عقده النِّكَاح وَله أَن يسْقط نصف الصَدَاق وَللْأَب أَن يتَمَلَّك نَفسه من مَال وَلَده مَالا يضر بِالْوَلَدِ حَتَّى لَو زَوجهَا وَشرط لنَفسِهِ بعض الصَدَاق جَازَ فَإِذا كَانَ لَهُ من التَّصَرُّف فِي المَال والتملك هَذَا التَّصَرُّف لم يبْق إِلَّا طلبه لفرقتها وَذَلِكَ يملكهُ بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَيجوز عِنْده للْأَب أَن يعْتق بعض رَقِيقه الْمولى عَلَيْهِ للْمصْلحَة
فقد يُقَال الْأَظْهر أَن الْمَرْأَة إِن كَانَت تَحت حجر الْأَب أَن لَهُ أَن يخالع بمالها فَإِنَّهُ مُعَاوضَة وافتداء لنَفسهَا من الزَّوْج فَيملكهُ الْأَب كَغَيْرِهِ عَن الْمُعَاوَضَات كَمَا يملك افتداءها من الْأسر وَلَا يَفْعَله إِلَّا لمصْلحَة لَهَا
وَقد يُقَال قد لَا تكون مصلحتها فِي الطَّلَاق وَلَكِن الزَّوْج يملك أَن يطلقهَا وَهُوَ لَا يقدر على مَنعه فَإِذا بذل لَهُ الْعِوَض من غَيرهَا لم يُمكنهَا مَنعه من الْبَذْل بِخِلَاف إِسْقَاط مهرهَا وحقها الَّذِي تستحقه بِالنِّكَاحِ فقد يكون عَلَيْهَا فِي ذَلِك ضَرَر وَقد يكون غَرَض الْأَب أَنه لَحْظَة لَا لمصلحتها وَلَا يملك إِسْقَاط حَقّهَا بِمُجَرَّد حَظه اتِّفَاقًا
فعلى قَول من يصحح الْإِبْرَاء يَقع الْإِبْرَاء وَالطَّلَاق وعَلى قَول من لَا يجوز ابراءه إِن ضمنه الْأَب وَقع الطَّلَاق بِلَا نزاع وعَلى الْأَب للزَّوْجَة مثل الصَدَاق عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم وَفِي الْجَدِيد عَلَيْهِ مهر الْمثل
стр. 418
وَأما إِن لم يضمنهُ إِن علق بِالْإِبْرَاءِ فَقَالَ إِن أبرأتني فَهِيَ طَالِق فالمنصوص عَن أَحْمد أَنه يَقع الطَّلَاق إِذا اعْتقد الزَّوْج أَنه يبرأ وَيرجع على الْأَب بِقدر الصَدَاق لِأَنَّهُ غره وَهِي رِوَايَة عَن أبي حنيفَة وَالْأُخْرَى لَا يَقع وَهِي قَول الشَّافِعِي وَقَول لِأَحْمَد لِأَنَّهُ لم يبرأ فِي نفس الْأَمر
وَأما إِن طَلقهَا طَلَاقا لم يعلقه على الْإِبْرَاء فَإِنَّهُ يَقع لَكِن عِنْد أَحْمد يضمن الْأَب للزَّوْج الصَدَاق لِأَنَّهُ غره وَعند الشَّافِعِي لَا يضمن لَهُ شَيْئا لِأَنَّهُ لم يلْتَزم لَهُ شَيْئا وَالله أعلم
وَمن زَالَت عذرتها بزنا فَهَل يكون إِذْنهَا الصمت أَو النُّطْق
الأول مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد كصاحبي أبي حنيفَة وَعند أبي حنيفَة وَمَالك إِذْنهَا الصمت كَالَّتِي لم أنزل عذرتها
فصل
وَمن كَانَ مبتلى بأمراض معدية يجوز مَنعه من السكن بَين الأصحاء وَلَا يجاور الأصحاء فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يوردن ممرض على مصح فَنهى صَاحب الْإِبِل المراض أَن يوردها على صَاحب الْإِبِل الصِّحَاح مَعَ قَوْله لَا عدوى وَلَا طيرة وَكَذَلِكَ روى أَنه لما قدم رجل مجذوم ليبايعه أرسل إِلَيْهِ بالبيعة وَلم يَأْذَن لَهُ فِي دُخُول الْمَدِينَة
стр. 419
كتاب الطَّلَاق
من أَخذ ينظر بعد الطَّلَاق فِي صفة عقد النِّكَاح وَلم ينظر فِي صفته قبل ذَلِك مثل قَوْله أَنا تزوجت بولِي وشهود فساق فَلَا يَقع طَلَاقي لِأَن نِكَاحي كَانَ بَاطِلا فَهَذَا من الْمُعْتَدِينَ لحدود الله تَعَالَى فَإِنَّهُ يُرِيد أَن يسْتَحل محارم الله قبل الطَّلَاق وَبعده
وَالطَّلَاق الثَّلَاث قبل الدُّخُول وَبعد سَوَاء فِي تَحْرِيم الزَّوْجَة عِنْد الْأَئِمَّة وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء وَالنِّكَاح بِولَايَة الْفَاسِق يَصح عِنْد جَمَاهِير الْأَئِمَّة
وَإِذا نوى طَلَاق زَوجته لم يَقع بِمُجَرَّد النِّيَّة طَلَاق بِاتِّفَاق الْعلمَاء فَلَو اعْتقد الزَّوْج أَنه طَلَاق فَأقر أَنه طَلقهَا وَمرَاده تِلْكَ النِّيَّة لم يَقع بِهَذَا الْإِقْرَار طَلَاق فِي الْبَاطِن وَلَكِن يُؤَاخذ بِهِ فِي الحكم
وَمن قَالَ قلانة كَمَا تَزَوَّجتهَا على مَذْهَب مَالك فَهِيَ طَالِق فَهَذَا الْتِزَام مَذْهَب بِعَيْنِه فَلَا يلْزمه بل لَهُ أَن يُقَلّد مذهبا غَيره
وَمن أكرهها أَبوهَا على إِبْرَاء زَوجهَا وطلاقه فأبرأته مُكْرَهَة بِغَيْر حق لم يَصح الْإِبْرَاء وَلم يَقع الطَّلَاق الْمُعَلق بِهِ وَإِن كنت تَحت حجر الْأَب وَقد رأى أَن ذَلِك مصلحَة لَهَا فَإِنَّهُ جَائِز فِي أحد قولي الْعلمَاء فِي مَذْهَب مَالك وَقَول فِي مَذْهَب أَحْمد
وَمن قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا وَنوى الِاسْتِثْنَاء وَكَانَ اعْتِقَاده أَنه إِذا قَالَ الطَّلَاق يلزمنه إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَنه لَا يَقع بِهِ ومقصوده تخويفها بِالطَّلَاق لم يَقع الطَّلَاق
فَإِذا كَانَ قد قَالَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي هَذِه السَّاعَة فَلَا يَقع عِنْد أَي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمذهب مَالك وَأحمد أَن الطَّلَاق الْمُعَلق بِالْمَشِيئَةِ يَقع لَكِن هَذَا اعْتِقَاده أَنه لَا يَقع فَصَارَ الْكَلَام عِنْده أَنه لَا يَقع فَصَارَ الْكَلَام عِنْده أَنه لَا يَقع بِهِ طَلَاق فَلم يقْصد التَّكَلُّم
стр. 420
بِالطَّلَاق وَإِذا قصد التَّكَلُّم بِالطَّلَاق لَا يعْتَقد أَنه يَقع بِهِ طَلَاق مثل تكلم العجمي بِلَفْظ لَا يفهم مَعْنَاهُ
وَطَلَاق الهازل وَاقع لِأَنَّهُ قصد التَّكَلُّم بِالطَّلَاق وَإِن لم يقْصد إيقافه وَهَذَا لم يقْصد لَا هَذَا وَلَا هَذَا
وَيُشبه هَذَا مَا لَو رأى امْرَأَة فَقَالَ أَنْت طَالِق يَظُنهَا أَجْنَبِيَّة فَبَانَت امْرَأَته فَإِنَّهُ لَا يَقع طَلَاقه فِي الصَّحِيح وَالله أعلم
وَطَلَاق الْمُكْره لَا يَقع عِنْد الجماهير كمالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم
وَإِذا كَانَ حِين الطَّلَاق أحَاط بِهِ أَقوام يعْرفُونَ بِأَنَّهُم يعادونه أَو يضربونه وَلَا يُمكنهُ إِذا ذَاك أَن يدفعهم عَن نَفسه وَادّعى أَنهم أكرهوه على الطَّلَاق قبل قَوْله وَفِي تَحْلِيفه نزاع
إِذا رأى أَن يُطلق وَاحِدَة فَسبق لِسَانه فَقَالَ ثَلَاثًا لم يَقع إِلَّا وَاحِدًا بل لَو أَرَادَ أَن يَقُول لطاهر فَسبق لِسَانه بطالق لم تطلق فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى
وَلَو قَالَ كل شَيْء أملكهُ حرَام عَليّ فَعَلَيهِ فِي غير الزَّوْجَة كَفَّارَة ظِهَار وَأما الزَّوْجَة فمذهب مَالك هُوَ طَلَاق وَمذهب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي أظهر قوليه عَلَيْهِ كَفَّارَة يَمِين وَمذهب أَحْمد عَلَيْهِ كَفَّارَة ظِهَار إِلَّا أَن يَنْوِي غير ذَلِك فَفِيهِ نزاع وَالصَّحِيح أَنه لَا يَقع بِهِ طَلَاق
فصل
إِذا قَالَ الرجل على الطَّلَاق لَأَفْعَلَنَّ كَذَا أَو لَا أَفعلهُ أَو الطَّلَاق لي لَازم لأفعلنه أَو إِن لم أَفعلهُ فالطلاق يلْزَمنِي أَو لَازم لي وَنَحْو هَذِه الْعبارَات الَّتِي تَتَضَمَّن التزاما بِالطَّلَاق ثمَّ حنث فَهَل يَقع بِهِ الطَّلَاق
стр. 421
على قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَغَيرهَا
أَحدهمَا لَا يَقع وَهُوَ مَنْصُوص أبي حنيفَة وَطَائِفَة من أَصْحَاب الشَّافِعِي كالقفال وَأبي سعيد الْمُتَوَلِي وَبِه يُفْتِي وَيَقْضِي فِي بِلَاد الشرق والجزيرة وَالْعراق وخراسان والحجاز ومصر وَالشَّام وبلاد الْمغرب وَهُوَ قَول دَاوُد وَأَصْحَابه كَانَ حزم وَقَول طَاوس وَكثير من عُلَمَاء الْمغرب الْمَالِكِيَّة وَغَيرهم وَقد دلّ عَلَيْهِ كَلَام الإِمَام أَحْمد الْمَنْصُوص عَنهُ وأصول مذْهبه فِي غير مَوضِع
وَلَو حلف بِالثلَاثِ فَقَالَ الطَّلَاق يلْزَمنِي ثَلَاثًا لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَكَانَ طَائِفَة من السّلف وَالْخلف من أَصْحَاب مَالك وَأحمد وَدَاوُد وَغَيرهم يفتون بِأَنَّهُ لَا يَقع الثَّلَاث لَكِن مِنْهُم من يُوقع بِهِ وَاحِدَة وَهَذَا مَنْقُول عَن طَائِفَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَغَيرهم فِي التَّنْجِيز فضلا عَن التَّعْلِيق وَالْيَمِين وَهَذَا قَول من اتبعهم من أَصْحَاب مَالك وَأحمد وَدَاوُد فِي التَّخْيِير وَالتَّعْلِيق وَالْحلف وَمن السّلف طَائِفَة من أعيانهم تفرق بَين الْمَدْخُول بهَا وَغَيرهَا
وَالَّذين لم يوقعوا طَلَاقا على من قَالَ يلْزَمنِي الطَّلَاق الثَّلَاث لَأَفْعَلَنَّ كَذَا مِنْهُم من لَا يُوقع بِهِ طَلَاقا وَلَا يَأْمُرهُ بكفارة
وَمِنْهُم من يَأْمُرهُ بِالْكَفَّارَةِ وَبِكُل من الْقَوْلَيْنِ أفتى كثير من الْعلمَاء
وَقد بسطت أَقْوَال الْعلمَاء وَأَلْفَاظهمْ وَمن نقل عَنْهُم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة والكتب الْمَوْجُود ذَلِك فِيهَا والأدلة فِي مَوَاضِع أخر تبلغ عَن مجلدات
وَالْخلاف الَّذِي ذكرته فِي مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ هُوَ فِيمَا إِذا حلف بِصِيغَة اللُّزُوم مثل الطَّلَاق يلْزَمنِي والنزاع فِي المذهبين سَوَاء كَانَ مُنجزا أَو مُعَلّقا بِشَرْط أَو مخلوفا بِهِ فَهَل ذَلِك صَرِيح أَو كِنَايَة أَو لَا صَرِيح وَلَا كِنَايَة فَلَا يَقع بِهِ طَلَاق وَإِن نَوَاه ثَلَاثَة أَقْوَال وَفِي مَذْهَب أَحْمد قَولَانِ هَل ذَلِك صَرِيح أَو كِنَايَة
وَأما الْحلف بِالطَّلَاق أَو التَّطْلِيق الَّذِي يقْصد بِهِ الْحلف هَل يَقع بِهِ فِي
стр. 422
مثل هَذِه الْحلف فالنزاع فِيهِ من غَيرهم بِغَيْر هَذِه الصِّيغَة فَمن قَالَ إِن من أفتى بِأَن الطَّلَاق لَا يَقع فِي مثل هَذِه الصُّورَة مُخَالف للْإِجْمَاع ومخالف لكل قَول فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فقد أَخطَأ وَقفا مَا لَا علم لَهُ
بل أجمع الْأَرْبَعَة وأتباعهم وَسَائِر الْأَئِمَّة على أَن من قضى بِأَنَّهُ لَا يَقع الطَّلَاق فِي مثل هَذِه الصُّورَة لم يجز نقص حكمه وَمن أفتى بِهِ مِمَّن هُوَ من أهل الْفتيا سَاغَ لَهُ ذَلِك وَلم يجز الْإِنْكَار عيله بِاتِّفَاق الْأَرْبَعَة وَغَيرهم من الْمُسلمين وَلَا من قَلّدهُ وَلَو قضى أَو أفتى بقول سَائِغ يخرج على أَقْوَال الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فِي مسَائِل الْأَيْمَان وَالطَّلَاق وَغَيرهَا مِمَّا ثَبت فِيهِ النزاع بَين عُلَمَاء الْمُسلمين وَلم يُخَالف بِهِ كتابا وَلَا سنة وَلَا معنى ذَلِك بل كَانَ القَاضِي بِهِ والمفتي بِهِ يسْتَدلّ عَلَيْهِ بالأدلة الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ يشرع لَهُ أَن يحكم ويفتى بِهِ وَلَا ينْتَقض حكمه اتِّفَاقًا وَلَا يحل مَنعه من الحكم وَلَا من الْفتيا وَلَا منع أحد من تَقْلِيده
وَمن قَالَ إِنَّه يسوغ الْمَنْع من ذَلِك فقد خَالف إِجْمَاع الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة بل إِجْمَاع الْمُسلمين مَعَ مُخَالفَته لله وَرَسُوله
فَمن قَالَ يجب اتِّبَاع قَوْلنَا دون غَيره من غير أَن يُقيم دَلِيلا شَرْعِيًّا على صِحَة قَوْله فقد خَالف إِجْمَاع الْمُسلمين وَتجب عُقُوبَته كَمَا يُعَاقب أَمْثَاله وَيجب استتابته إِن أصر فان تَابَ وَإِلَّا قتل
وكل يَمِين من أَيْمَان الْمُسلمين غير الْمعِين بِاللَّه تَعَالَى مثل الْحلف بِالطَّلَاق وَالْعتاق وَالظِّهَار وَالْحرَام وَالْحج وَالْمَشْي إِلَى بَيت الله وَالصَّدَََقَة وَالصِّيَام وَغير ذَلِك فللعلماء فِيهِ نزاع مَعْرُوف سَوَاء حلف بِصِيغَة الْقسم فَقَالَ الْحَرَام يلْزَمنِي أَو الطَّلَاق يلْزَمنِي أَو الْعتْق يلْزَمنِي أَو حلف بِصِيغَة التَّعْلِيق فَقَالَ إِن فعلت كَذَا فعلي الْحَرَام أَو نسَائِي طَوَالِق أَو عَبِيدِي أَحْرَار أَو مَالِي صَدَقَة أَو على الْمَشْي إِلَى بَيت الله فقد اتّفق الْأَئِمَّة أَنه يسوغ للْقَاضِي أَن يقْضِي فِي هَذِه الْمسَائِل جَمِيعهَا بِأَنَّهُ إِذا حنث وَلَا يلْزمه مَا حلف بِهِ بل إِمَّا أَن لَا يجب عَلَيْهِ من شَيْء مُطلقًا
стр. 423
وَإِمَّا أَن تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة وَمَا زَالَ فِي الْمُسلمين من يُفْتِي بذلك من حِين حدث الْحلف بهَا وَإِلَى هَذِه الْأَزْمِنَة مِنْهُم من يُفْتِي بِالْكَفَّارَةِ وَمِنْهُم من يُفْتِي بِأَن لَا كَفَّارَة وَلَا يلْزم الْمَخْلُوق عَلَيْهِ شَيْء كَمَا أَن مِنْهُم من يُفْتِي بِلُزُوم المخلوف بِهِ وَهَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة فِي الْأمة من يُفْتِي بهَا بِالْحلف بِالطَّلَاق وَالْعتاق وَالْحرَام وَالنّذر
وَأما إِذا حلف بالمخلوقات كالكعبة فَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ بِاتِّفَاق الْمُسلمين
فالأيمان ثَلَاثَة أَقسَام أما الْحلف بِاللَّه فَفِيهِ الْكَفَّارَة بالِاتِّفَاقِ
وَأما الْحلف بالمخلوقات فَلَا كَفَّارَة فِيهِ بالِاتِّفَاقِ إِلَّا بِالْحلف بِالنَّبِيِّ ﷺ فَفِيهِ الْكَفَّارَة قولا فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَقد عزى بعض أَصْحَابه ذَلِك إِلَى جَمِيع النَّبِيين
وَأما من عقد من الْأَيْمَان بِالطَّلَاق وَنَحْوه وَهُوَ هَذِه الْأَيْمَان فللمسلمين فِيهَا ثَلَاثَة أَقْوَال
وَإِن كَانَ من النَّاس من ادّعى الْإِجْمَاع فِي بَعْضهَا فَهُوَ مثل كثير من مسَائِل النزاع الَّتِي يدعى الْإِجْمَاع فِيهَا من لم يعرف الْخلاف ومقصوده أَنِّي لَا أعلم نزاعا فَمن علم النزاع وأثبته كَانَ مثبتا عَالما ومقدما على النَّافِي بِاتِّفَاق فَإِذا كَانَ الصَّحَابَة ﵃ ثَبت أَنهم أثبتوا فِي الْحلف بِالطَّلَاق بل فِي الْحلف بِالْعِتْقِ الَّذِي هُوَ أحب إِلَى الله تَعَالَى من الطَّلَاق أَنه لَا يلْزم الْحَالِف بِهِ طَلَاق وَلَا عتاق بل يُجزئهُ الْكَفَّارَة فَكيف يكون قَوْلهم فِي الطَّلَاق الَّذِي هُوَ أبْغض الْحَلَال إِلَى الله تَعَالَى
وَقد اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن من حلف بالْكفْر أَنه لَا يلْزمه الْكفْر وَقَالَ تَعَالَى ﴿قد فرض الله لكم تَحِلَّة أَيْمَانكُم﴾
стр. 424
فصل
والألفاظ الَّتِي يتَكَلَّم بهَا النَّاس فِي الطَّلَاق ثَلَاثَة أَنْوَاع صِيغَة التَّنْجِيز والإرسال كَقَوْلِه أَنْت طَالِق فَهَذَا يَقع بِهِ الطَّلَاق وَلَيْسَ بِحلف وَلَا كَفَّارَة فِيهِ اتِّفَاقًا
الثَّانِي صِيغَة قسم كَقَوْلِه الطَّلَاق يلْزَمنِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَهَذَا يَمِين بِاتِّفَاق أهل اللُّغَة واتفاق طوائف الْفُقَهَاء واتفاق الْعَامَّة
الثَّالِث صِيغَة تَعْلِيق كَقَوْلِه إِن فعلت كَذَا فامرأتي طَالِق فَهَذَا إِن قصد بِهِ الْيَمين وَهُوَ يكره وُقُوع الطَّلَاق كَمَا يكره الِانْتِقَال عَن دينه فَهُوَ يَمِين حكمه حكم الأول الَّذِي هُوَ صِيغَة الْقسم باتفقا الْفُقَهَاء وَإِن كَانَ يُرِيد وُقُوع الْجَزَاء عِنْد الشَّرْط لم يكن حَالفا كَقَوْلِه إِن أَعْطَيْتنِي ألفا فَأَنت طَالِق وَإِذا زَنَيْت فَأَنت طَالِق وَقصد إِيقَاع الطَّلَاق عِنْد وُقُوع الْفَاحِشَة لَا مُجَرّد الْحلف عَلَيْهَا فَهَذَا لَيْسَ بِيَمِين وَلَا كَفَّارَة فِي هَذَا عِنْد أحد من الْفُقَهَاء فِيمَا علمناه بل يَقع بِهِ الطَّلَاق
وَأما مَا يقْصد بِهِ الحض أَو الْمَنْع أَو التَّصْدِيق أَو التَّكْذِيب بالتزمه عِنْد الْمُخَالفَة مَا يكره وُقُوعه سَوَاء كَانَ بِصِيغَة الْقسم أَو الْجَزَاء فَهُوَ يَمِين عِنْد جَمِيع الْخلق من الْعَرَب وَغَيرهم وَإِن كَانَ يَمِينا فَلَيْسَ للْيَمِين إِلَّا حكمان إِمَّا أَن تكون منعقدة فتكفر وَإِمَّا أَن لَا تكون منعقدة كالحلف بالمخلوقات فَلَا تكفر وَأما أَن تكون يَمِين منعقدة مُحْتَرمَة غير مكفرة فَهَذَا حكم لَيْسَ فِي كتاب الله وَلَا سنة رَسُول الله ﷺ وَلَا يقوم عَلَيْهِ دَلِيل
وَمن قَالَ إِن من اتبع هَذِه الْفتيا وقلد مفتيها فولده بعد ذَلِك ولد زنا فَإِنَّهُ فِي غَايَة الْجَهْل والضلال والمشاقة لله وَلِرَسُولِهِ فَإِن الْمُسلمين متفقون على أَن كل نِكَاح اعْتقد الزَّوْج أَنه سَائِغ إِذا وطىء فِيهِ امْرَأَته يلْحقهُ فِيهِ وَلَده ويتوارثان بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَإِن كَانَ ذَلِك النِّكَاح بَاطِلا فِي نفس الْأَمر فاليهودي إِذا تزوج ابنت أَخِيه كَانَ وَلَده مِنْهَا يلْحقهُ ويرثه بِاتِّفَاق وَإِن كَانَ هَذَا النِّكَاح بَاطِلا بِاتِّفَاق وَكَذَلِكَ لَو تزوج الْمُسلم امْرَأَة فِي عدتهَا وَوَطئهَا وَهُوَ جَاهِل بعد أَن
стр. 425
اعتقدها زَوجته كَانَ وَلَده مِنْهَا يلْحقهُ نسبه بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَمثل هَذَا كثير فَإِن ثُبُوت النّسَب لَا يفْتَقر إِلَى صِحَة النِّكَاح فِي نفس الْأَمر بل الْوَلَد للْفراش
فَمن طلق امْرَأَته ثَلَاثًا ثمَّ وَطئهَا جهلا أَو تَقْلِيد لمفتي مخطىء أَو لغير ذَلِك فَإِنَّهُ يلْحقهُ النّسَب ويتوارثان بالِاتِّفَاقِ فَالْوَلَد تَابع لاعتقاد الواطىء مثل من غره بمملوكته أَو تزوج فِي نِكَاح فَاسد مُتَّفقا على فاسده فَلَا يكون أَوْلَادهم أَوْلَاد زنا اتِّفَاقًا قضى بِهِ الْخُلَفَاء الراشدون هَذَا فِي الْمجمع على فَسَاده بالمختلف فِيهِ
فَمن قَالَ ذَلِك عرف فَإِن أصر استتيب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل
وَكَذَا من قَالَ إِن التقيا بذلك غير جَائِزَة فَهُوَ مُخَالف لإِجْمَاع الْمُسلمين كَمَا قدمْنَاهُ وَالله أعلم
فصل
الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الْمُسلمين أَنه لَيْسَ على أحد وَلَا شرع لَهُ الْتِزَام قَول شخص معِين فِي كل مَا يُوجِبهُ ويحرمه ويبيحه إِلَّا رَسُول الله ﷺ
لَكِن مِنْهُم من يَقُول على المستفتى أَن يُقَلّد الأعلم الأورع مِمَّن يُمكن استفتاؤه
وَمِنْهُم من يَقُول بل يتَخَيَّر بَين الْمُفْتِينَ وَإِذا كَانَ لَهُ نوع تميز قيل يتبع أَي الْقَوْلَيْنِ أرجح عِنْده بِحَسب تَمْيِيزه فَإِن هَذَا من التَّخْيِير الْمُطلق وَقيل لَا يجْتَهد إِلَّا إِذا صَار من أهل الِاجْتِهَاد وَالْأول أشبه
فَإِذا ترجح عِنْد المستفتى أحد الْقَوْلَيْنِ إِمَّا لرجحان دَلِيله بِحَسب تَمْيِيزه وَإِمَّا لكَون قَائِله أعلم وَأَوْرَع فَلهُ ذَلِك وَإِن خَالف قَول الْمَذْهَب
وَليكن تطليق الْمَرْأَة من بر الْأُم إِذا طلبته مِنْهُ
وَمن قَالَ إِن أبرأتيني طَلقتك فَقَالَت أَبْرَأتك فَلم يطلقهَا لم يَصح الإراء فَإِن هَذَا إِيجَاب وَقبُول لما تقدم من الشُّرُوط وَدلَالَة الْحَال تدل على أَن التَّقْدِير أَبْرَأتك إِن طلقتني فَالشَّرْط الْمُتَقَدّم على العقد كالمقارن
следующие страницы →