← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6104

مختصر الفتاوى المصرية - ط الفقي

بدر الدين البعلي

Полный текст (633 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

على قَوْلَيْنِ للْعُلَمَاء فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَغَيرهَا أَحدهمَا لَا يَقع وَهُوَ مَنْصُوص أبي حنيفَة وَطَائِفَة من أَصْحَاب الشَّافِعِي كالقفال وَأبي سعيد الْمُتَوَلِي وَبِه يُفْتِي وَيَقْضِي فِي بِلَاد الشرق والجزيرة وَالْعراق وخراسان والحجاز ومصر وَالشَّام وبلاد الْمغرب وَهُوَ قَول دَاوُد وَأَصْحَابه كَانَ حزم وَقَول طَاوس وَكثير من عُلَمَاء الْمغرب الْمَالِكِيَّة وَغَيرهم وَقد دلّ عَلَيْهِ كَلَام الإِمَام أَحْمد الْمَنْصُوص عَنهُ وأصول مذْهبه فِي غير مَوضِع وَلَو حلف بِالثلَاثِ فَقَالَ الطَّلَاق يلْزَمنِي ثَلَاثًا لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَكَانَ طَائِفَة من السّلف وَالْخلف من أَصْحَاب مَالك وَأحمد وَدَاوُد وَغَيرهم يفتون بِأَنَّهُ لَا يَقع الثَّلَاث لَكِن مِنْهُم من يُوقع بِهِ وَاحِدَة وَهَذَا مَنْقُول عَن طَائِفَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَغَيرهم فِي التَّنْجِيز فضلا عَن التَّعْلِيق وَالْيَمِين وَهَذَا قَول من اتبعهم من أَصْحَاب مَالك وَأحمد وَدَاوُد فِي التَّخْيِير وَالتَّعْلِيق وَالْحلف وَمن السّلف طَائِفَة من أعيانهم تفرق بَين الْمَدْخُول بهَا وَغَيرهَا وَالَّذين لم يوقعوا طَلَاقا على من قَالَ يلْزَمنِي الطَّلَاق الثَّلَاث لَأَفْعَلَنَّ كَذَا مِنْهُم من لَا يُوقع بِهِ طَلَاقا وَلَا يَأْمُرهُ بكفارة وَمِنْهُم من يَأْمُرهُ بِالْكَفَّارَةِ وَبِكُل من الْقَوْلَيْنِ أفتى كثير من الْعلمَاء وَقد بسطت أَقْوَال الْعلمَاء وَأَلْفَاظهمْ وَمن نقل عَنْهُم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة والكتب الْمَوْجُود ذَلِك فِيهَا والأدلة فِي مَوَاضِع أخر تبلغ عَن مجلدات وَالْخلاف الَّذِي ذكرته فِي مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ هُوَ فِيمَا إِذا حلف بِصِيغَة اللُّزُوم مثل الطَّلَاق يلْزَمنِي والنزاع فِي المذهبين سَوَاء كَانَ مُنجزا أَو مُعَلّقا بِشَرْط أَو مخلوفا بِهِ فَهَل ذَلِك صَرِيح أَو كِنَايَة أَو لَا صَرِيح وَلَا كِنَايَة فَلَا يَقع بِهِ طَلَاق وَإِن نَوَاه ثَلَاثَة أَقْوَال وَفِي مَذْهَب أَحْمد قَولَانِ هَل ذَلِك صَرِيح أَو كِنَايَة وَأما الْحلف بِالطَّلَاق أَو التَّطْلِيق الَّذِي يقْصد بِهِ الْحلف هَل يَقع بِهِ فِي

стр. 422

مثل هَذِه الْحلف فالنزاع فِيهِ من غَيرهم بِغَيْر هَذِه الصِّيغَة فَمن قَالَ إِن من أفتى بِأَن الطَّلَاق لَا يَقع فِي مثل هَذِه الصُّورَة مُخَالف للْإِجْمَاع ومخالف لكل قَول فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فقد أَخطَأ وَقفا مَا لَا علم لَهُ بل أجمع الْأَرْبَعَة وأتباعهم وَسَائِر الْأَئِمَّة على أَن من قضى بِأَنَّهُ لَا يَقع الطَّلَاق فِي مثل هَذِه الصُّورَة لم يجز نقص حكمه وَمن أفتى بِهِ مِمَّن هُوَ من أهل الْفتيا سَاغَ لَهُ ذَلِك وَلم يجز الْإِنْكَار عيله بِاتِّفَاق الْأَرْبَعَة وَغَيرهم من الْمُسلمين وَلَا من قَلّدهُ وَلَو قضى أَو أفتى بقول سَائِغ يخرج على أَقْوَال الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فِي مسَائِل الْأَيْمَان وَالطَّلَاق وَغَيرهَا مِمَّا ثَبت فِيهِ النزاع بَين عُلَمَاء الْمُسلمين وَلم يُخَالف بِهِ كتابا وَلَا سنة وَلَا معنى ذَلِك بل كَانَ القَاضِي بِهِ والمفتي بِهِ يسْتَدلّ عَلَيْهِ بالأدلة الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ يشرع لَهُ أَن يحكم ويفتى بِهِ وَلَا ينْتَقض حكمه اتِّفَاقًا وَلَا يحل مَنعه من الحكم وَلَا من الْفتيا وَلَا منع أحد من تَقْلِيده وَمن قَالَ إِنَّه يسوغ الْمَنْع من ذَلِك فقد خَالف إِجْمَاع الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة بل إِجْمَاع الْمُسلمين مَعَ مُخَالفَته لله وَرَسُوله فَمن قَالَ يجب اتِّبَاع قَوْلنَا دون غَيره من غير أَن يُقيم دَلِيلا شَرْعِيًّا على صِحَة قَوْله فقد خَالف إِجْمَاع الْمُسلمين وَتجب عُقُوبَته كَمَا يُعَاقب أَمْثَاله وَيجب استتابته إِن أصر فان تَابَ وَإِلَّا قتل وكل يَمِين من أَيْمَان الْمُسلمين غير الْمعِين بِاللَّه تَعَالَى مثل الْحلف بِالطَّلَاق وَالْعتاق وَالظِّهَار وَالْحرَام وَالْحج وَالْمَشْي إِلَى بَيت الله وَالصَّدَََقَة وَالصِّيَام وَغير ذَلِك فللعلماء فِيهِ نزاع مَعْرُوف سَوَاء حلف بِصِيغَة الْقسم فَقَالَ الْحَرَام يلْزَمنِي أَو الطَّلَاق يلْزَمنِي أَو الْعتْق يلْزَمنِي أَو حلف بِصِيغَة التَّعْلِيق فَقَالَ إِن فعلت كَذَا فعلي الْحَرَام أَو نسَائِي طَوَالِق أَو عَبِيدِي أَحْرَار أَو مَالِي صَدَقَة أَو على الْمَشْي إِلَى بَيت الله فقد اتّفق الْأَئِمَّة أَنه يسوغ للْقَاضِي أَن يقْضِي فِي هَذِه الْمسَائِل جَمِيعهَا بِأَنَّهُ إِذا حنث وَلَا يلْزمه مَا حلف بِهِ بل إِمَّا أَن لَا يجب عَلَيْهِ من شَيْء مُطلقًا

стр. 423

وَإِمَّا أَن تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة وَمَا زَالَ فِي الْمُسلمين من يُفْتِي بذلك من حِين حدث الْحلف بهَا وَإِلَى هَذِه الْأَزْمِنَة مِنْهُم من يُفْتِي بِالْكَفَّارَةِ وَمِنْهُم من يُفْتِي بِأَن لَا كَفَّارَة وَلَا يلْزم الْمَخْلُوق عَلَيْهِ شَيْء كَمَا أَن مِنْهُم من يُفْتِي بِلُزُوم المخلوف بِهِ وَهَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة فِي الْأمة من يُفْتِي بهَا بِالْحلف بِالطَّلَاق وَالْعتاق وَالْحرَام وَالنّذر وَأما إِذا حلف بالمخلوقات كالكعبة فَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ بِاتِّفَاق الْمُسلمين فالأيمان ثَلَاثَة أَقسَام أما الْحلف بِاللَّه فَفِيهِ الْكَفَّارَة بالِاتِّفَاقِ وَأما الْحلف بالمخلوقات فَلَا كَفَّارَة فِيهِ بالِاتِّفَاقِ إِلَّا بِالْحلف بِالنَّبِيِّ ﷺ فَفِيهِ الْكَفَّارَة قولا فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَقد عزى بعض أَصْحَابه ذَلِك إِلَى جَمِيع النَّبِيين وَأما من عقد من الْأَيْمَان بِالطَّلَاق وَنَحْوه وَهُوَ هَذِه الْأَيْمَان فللمسلمين فِيهَا ثَلَاثَة أَقْوَال وَإِن كَانَ من النَّاس من ادّعى الْإِجْمَاع فِي بَعْضهَا فَهُوَ مثل كثير من مسَائِل النزاع الَّتِي يدعى الْإِجْمَاع فِيهَا من لم يعرف الْخلاف ومقصوده أَنِّي لَا أعلم نزاعا فَمن علم النزاع وأثبته كَانَ مثبتا عَالما ومقدما على النَّافِي بِاتِّفَاق فَإِذا كَانَ الصَّحَابَة ﵃ ثَبت أَنهم أثبتوا فِي الْحلف بِالطَّلَاق بل فِي الْحلف بِالْعِتْقِ الَّذِي هُوَ أحب إِلَى الله تَعَالَى من الطَّلَاق أَنه لَا يلْزم الْحَالِف بِهِ طَلَاق وَلَا عتاق بل يُجزئهُ الْكَفَّارَة فَكيف يكون قَوْلهم فِي الطَّلَاق الَّذِي هُوَ أبْغض الْحَلَال إِلَى الله تَعَالَى وَقد اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن من حلف بالْكفْر أَنه لَا يلْزمه الْكفْر وَقَالَ تَعَالَى ﴿قد فرض الله لكم تَحِلَّة أَيْمَانكُم﴾

стр. 424

فصل والألفاظ الَّتِي يتَكَلَّم بهَا النَّاس فِي الطَّلَاق ثَلَاثَة أَنْوَاع صِيغَة التَّنْجِيز والإرسال كَقَوْلِه أَنْت طَالِق فَهَذَا يَقع بِهِ الطَّلَاق وَلَيْسَ بِحلف وَلَا كَفَّارَة فِيهِ اتِّفَاقًا الثَّانِي صِيغَة قسم كَقَوْلِه الطَّلَاق يلْزَمنِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَهَذَا يَمِين بِاتِّفَاق أهل اللُّغَة واتفاق طوائف الْفُقَهَاء واتفاق الْعَامَّة الثَّالِث صِيغَة تَعْلِيق كَقَوْلِه إِن فعلت كَذَا فامرأتي طَالِق فَهَذَا إِن قصد بِهِ الْيَمين وَهُوَ يكره وُقُوع الطَّلَاق كَمَا يكره الِانْتِقَال عَن دينه فَهُوَ يَمِين حكمه حكم الأول الَّذِي هُوَ صِيغَة الْقسم باتفقا الْفُقَهَاء وَإِن كَانَ يُرِيد وُقُوع الْجَزَاء عِنْد الشَّرْط لم يكن حَالفا كَقَوْلِه إِن أَعْطَيْتنِي ألفا فَأَنت طَالِق وَإِذا زَنَيْت فَأَنت طَالِق وَقصد إِيقَاع الطَّلَاق عِنْد وُقُوع الْفَاحِشَة لَا مُجَرّد الْحلف عَلَيْهَا فَهَذَا لَيْسَ بِيَمِين وَلَا كَفَّارَة فِي هَذَا عِنْد أحد من الْفُقَهَاء فِيمَا علمناه بل يَقع بِهِ الطَّلَاق وَأما مَا يقْصد بِهِ الحض أَو الْمَنْع أَو التَّصْدِيق أَو التَّكْذِيب بالتزمه عِنْد الْمُخَالفَة مَا يكره وُقُوعه سَوَاء كَانَ بِصِيغَة الْقسم أَو الْجَزَاء فَهُوَ يَمِين عِنْد جَمِيع الْخلق من الْعَرَب وَغَيرهم وَإِن كَانَ يَمِينا فَلَيْسَ للْيَمِين إِلَّا حكمان إِمَّا أَن تكون منعقدة فتكفر وَإِمَّا أَن لَا تكون منعقدة كالحلف بالمخلوقات فَلَا تكفر وَأما أَن تكون يَمِين منعقدة مُحْتَرمَة غير مكفرة فَهَذَا حكم لَيْسَ فِي كتاب الله وَلَا سنة رَسُول الله ﷺ وَلَا يقوم عَلَيْهِ دَلِيل وَمن قَالَ إِن من اتبع هَذِه الْفتيا وقلد مفتيها فولده بعد ذَلِك ولد زنا فَإِنَّهُ فِي غَايَة الْجَهْل والضلال والمشاقة لله وَلِرَسُولِهِ فَإِن الْمُسلمين متفقون على أَن كل نِكَاح اعْتقد الزَّوْج أَنه سَائِغ إِذا وطىء فِيهِ امْرَأَته يلْحقهُ فِيهِ وَلَده ويتوارثان بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَإِن كَانَ ذَلِك النِّكَاح بَاطِلا فِي نفس الْأَمر فاليهودي إِذا تزوج ابنت أَخِيه كَانَ وَلَده مِنْهَا يلْحقهُ ويرثه بِاتِّفَاق وَإِن كَانَ هَذَا النِّكَاح بَاطِلا بِاتِّفَاق وَكَذَلِكَ لَو تزوج الْمُسلم امْرَأَة فِي عدتهَا وَوَطئهَا وَهُوَ جَاهِل بعد أَن

стр. 425

اعتقدها زَوجته كَانَ وَلَده مِنْهَا يلْحقهُ نسبه بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَمثل هَذَا كثير فَإِن ثُبُوت النّسَب لَا يفْتَقر إِلَى صِحَة النِّكَاح فِي نفس الْأَمر بل الْوَلَد للْفراش فَمن طلق امْرَأَته ثَلَاثًا ثمَّ وَطئهَا جهلا أَو تَقْلِيد لمفتي مخطىء أَو لغير ذَلِك فَإِنَّهُ يلْحقهُ النّسَب ويتوارثان بالِاتِّفَاقِ فَالْوَلَد تَابع لاعتقاد الواطىء مثل من غره بمملوكته أَو تزوج فِي نِكَاح فَاسد مُتَّفقا على فاسده فَلَا يكون أَوْلَادهم أَوْلَاد زنا اتِّفَاقًا قضى بِهِ الْخُلَفَاء الراشدون هَذَا فِي الْمجمع على فَسَاده بالمختلف فِيهِ فَمن قَالَ ذَلِك عرف فَإِن أصر استتيب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَكَذَا من قَالَ إِن التقيا بذلك غير جَائِزَة فَهُوَ مُخَالف لإِجْمَاع الْمُسلمين كَمَا قدمْنَاهُ وَالله أعلم فصل الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الْمُسلمين أَنه لَيْسَ على أحد وَلَا شرع لَهُ الْتِزَام قَول شخص معِين فِي كل مَا يُوجِبهُ ويحرمه ويبيحه إِلَّا رَسُول الله ﷺ لَكِن مِنْهُم من يَقُول على المستفتى أَن يُقَلّد الأعلم الأورع مِمَّن يُمكن استفتاؤه وَمِنْهُم من يَقُول بل يتَخَيَّر بَين الْمُفْتِينَ وَإِذا كَانَ لَهُ نوع تميز قيل يتبع أَي الْقَوْلَيْنِ أرجح عِنْده بِحَسب تَمْيِيزه فَإِن هَذَا من التَّخْيِير الْمُطلق وَقيل لَا يجْتَهد إِلَّا إِذا صَار من أهل الِاجْتِهَاد وَالْأول أشبه فَإِذا ترجح عِنْد المستفتى أحد الْقَوْلَيْنِ إِمَّا لرجحان دَلِيله بِحَسب تَمْيِيزه وَإِمَّا لكَون قَائِله أعلم وَأَوْرَع فَلهُ ذَلِك وَإِن خَالف قَول الْمَذْهَب وَليكن تطليق الْمَرْأَة من بر الْأُم إِذا طلبته مِنْهُ وَمن قَالَ إِن أبرأتيني طَلقتك فَقَالَت أَبْرَأتك فَلم يطلقهَا لم يَصح الإراء فَإِن هَذَا إِيجَاب وَقبُول لما تقدم من الشُّرُوط وَدلَالَة الْحَال تدل على أَن التَّقْدِير أَبْرَأتك إِن طلقتني فَالشَّرْط الْمُتَقَدّم على العقد كالمقارن

стр. 426

كتاب عشرَة النِّسَاء وَالْخلْع إِذا أكره الزَّوْج على الْفرْقَة بِحَق مثل أَن يكون مقصرا فِي واجباتها أَو مضارا لَهَا بِغَيْر حق من قَول أَو فعل كَانَت الْفرْقَة صَحِيحَة وَإِن كَانَ أكراه بِغَيْر حق كالإكراه بِالضَّرْبِ أَو الْحَبْس وَهُوَ محسن لعشرتها لم تقع الْفرْقَة بل إِذا أبغضته هِيَ وَهُوَ محسن اليها فَإِنَّهُ يطْلب مِنْهُ الْفرْقَة من غير أَن يلْزم بذلك فَإِن فعل وَإِلَّا أمرت الْمَرْأَة أَن تصبر إِذا لم يكن هُنَاكَ مَا يُبِيح الْفَسْخ وَالْخلْع الَّذِي جَاءَت بِهِ السّنة أَن تكون الْمَرْأَة مبغضة الرجل فتفتدى نَفسهَا مِنْهُ كالأسير أما إِذا كَانَ كل مِنْهُمَا مرِيدا لصَاحبه فالخلع مُحدث فِي الْإِسْلَام وَيحرم على الْمَرْأَة أَن لَا تطيع زَوجهَا إِذا دَعَاهَا إِلَى فرَاشه وَتقدم على ذَلِك الْقيام وَالصَّلَاة وَالصِّيَام بل الْوَاجِب أَن تجيبه إِلَى فرَاشه إِذا طلبَهَا حَتَّى ثَبت فِي البُخَارِيّ أَنه لَا يحل لَهَا الصَّوْم وَزوجهَا شَاهد إِلَّا بِإِذْنِهِ لِأَنَّهُ يمْنَعهَا عَن بعض مَا يجب عَلَيْهَا للزَّوْج فَكيف يكون حَالهَا إِذا طلبَهَا فامتنعت وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب﴾ فالصالحة هيالتي تكون قانتة أَي مداومة على طَاعَة رَبهَا وَطَاعَة زَوجهَا فَإِذا امْتنعت من فرَاشه أُبِيح لَهُ ضربهَا وَلَيْسَ عَلَيْهَا حق بعد حق الله وَرَسُوله أوجب من حق الزَّوْج وَقد قَالَ ﵊ لَو كنت آمرا أحدا أَن يسْجد لأحد لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَقَالَ ﷺ أَيّمَا امْرَأَة مَاتَت وَزوجهَا رَاض عَنْهَا دخلت الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَقَالَ ﷺ إِذا دَعَا الرجل الْمَرْأَة إِلَى فرَاشه فَأَبت لعنتها الْمَلَائِكَة حَتَّى تصبح وَفِي لفظ إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاء ساخطا عَلَيْهَا حَتَّى تصبح وَإِذا خَالعهَا على أَن تبرئه من حُقُوقهَا وَتَأْخُذ الْوَلَد بكفالتها وَلَا تطالبه

стр. 427

ينفقته صَحَّ ذَلِك عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء كمالك وَأحمد فِي الْمَشْهُور وَغَيرهم فَإِن عِنْد الْجُمْهُور يَصح الْخلْع بالمعدوم وَالَّذِي ينْتَظر وجوده ووجوبه كَمَا تحمل أمتها أَو شجرتها وَأما نَفَقَة عَمها ورضاع وَلَدهَا وَنَفَقَته فقد انْعَقَد سَبَب وجوده ووجوبه وَكَذَلِكَ إِذا قَالَت طَلقنِي وَأَنا أبرئك من حُقُوق وآخذ الْوَلَد بكفالته وَنَحْوه مِمَّا يدل على المقصدو وَإِذا خَالع بَينهمَا من يرى صِحَة ذَلِك كالحاكم الْمَالِكِي لم يجز لغيره أَن ينْقضه وَإِن رَآهُ فَاسِدا وَلَا يجوز أَن يفْرض عَلَيْهِ بعد هَذَا نَفَقَة الْوَلَد لِأَن فعل الْحَاكِم حكم فِي الصَّحِيح وَالْحَاكِم مَتى عقد عقدا أَو فسخ فسخا جَائِز فِيهِ الِاجْتِهَاد لم يكن لغيره نقضه فصل يجب الْعدْل بَين زَوْجَاته بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَفِي السّنَن الْأَرْبَعَة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من كَانَت لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَال إِلَى إحدهما دون الْأُخْرَى جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَأحد شقيه مائل فَعَلَيهِ الْعدْل فِي الْقسم لَكِن إِذا أحب إِحْدَاهمَا أَكثر وَوَطئهَا أَكثر فَلَا حرج عَلَيْهِ وَفِيه أنزل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلنْ تستطيعوا أَن تعدلوا بَين النِّسَاء وَلَو حرصتم﴾ أَي فِي الْحبّ وَالْجِمَاع وَفِي السّنَن أَنه ﷺ كَانَ يَقُول بعد عدلة فِي الْقسم اللَّهُمَّ هَذَا فِيمَا أملك فَلَا تؤاخذني فِيمَا تملك وَلَا أملك يَعْنِي الْقلب وَأما الْعدْل وَالْكِسْوَة وَالنَّفقَة فَهُوَ السّنة وَتَنَازَعُوا فِي وجوب الْعدْل فِي النَّفَقَة ووجوبه أقوى وَهَذَا الْعدْل مَأْمُور بِهِ مَا دَامَت زَوجته فَإِن أَرَادَ أَن يُطلق إِحْدَاهمَا فَلهُ ذَلِك فَإِن اصْطلحَ هُوَ وَالَّتِي يُرِيد طَلاقهَا على أَن يُقيم عِنْده بِلَا قسم وَهِي راضية بذلك جَازَ لقَوْله

стр. 428

تَعَالَى ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصلحا بَينهمَا صلحا وَالصُّلْح خير﴾ فقد وهبت سَوْدَة يَوْمهَا لعَائِشَة ﵄ وَكَذَلِكَ رَافع بن خريج ﵁ جرى لَهُ ذَلِك وَامْتنع من المعاشرة وَيُقَال إِن الْآيَة أنزلت فِيهِ وَإِذا نشرت فَلَا نَفَقَة لَهَا وَلَا سُكْنى وَله ضربهَا إِذا نشزت أَو آذنة أَو اعتقدت عَلَيْهِ وَيجب أَن يعاشرها فَإِن تعذر ذَلِك وَامْتنع من المعاشرة فرق بَينهمَا فصل وروى أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله إِن امْرَأَتي لَا ترد يَد لامس فَهُوَ حَدِيث ضَعِيف ضعفه أَحْمد وَغَيره وتأوله بعض النَّاس على أَنَّهَا لَا ترد طَالب مَال وسياقه وَظَاهره يدل على خلاف ذَلِك وَمن النَّاس من اعْتقد ثُبُوته وَأَنه أمره أَن يمْسِكهَا مَعَ كَونهَا لَا يمْنَع الرِّجَال وَهَذَا أنكرهُ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة أَو مُشركَة والزانية لَا ينْكِحهَا إِلَّا زَان أَو مُشْرك وَحرم ذَلِك على الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿محصنات غير مسافحات وَلَا متخذات أخدان﴾ فَإِنَّمَا أَبَاحَ نِكَاح الْإِمَاء فِي حَال كونهن غير مسافحات وَلَا متخذات أخذان والمسامحة الَّتِي تسافح مَعَ كل وَاحِد والمتخذة الخذن هِيَ الَّتِي يكون لَهَا صديق وَاحِد وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالْمُحصنَات من الْمُؤْمِنَات وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ إِلَى قَوْله ﴿محصنين غير مسافحين﴾ فَاشْترط هَذِه الشُّرُوط فِي الرِّجَال كَمَا اشترطها فِي النِّسَاء وَهُوَ مُوَافق لقَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة أَو مُشركَة﴾ الْآيَة

стр. 429

وَقد تنَازع الْعلمَاء فِي جَوَاز نِكَاح الزَّانِيَة قبل ثُبُوتهَا على قَوْلَيْنِ الأول أَنه لَا يجوز فَإِنَّهُ مَتى تزوج زَانِيَة لم يكن مَاؤُهُ مصونا مَحْفُوظًا بل مختلطا بِمَاء غَيره والفرج الَّذِي يطؤه مُشْتَركا وَهَذَا هُوَ الزِّنَا وَالْمَرْأَة إِذا كَانَ زَوجهَا يَزْنِي بغَيْرهَا لَا يُمَيّز بن الْحَلَال وَالْحرَام كَانَ وَطْؤُهُ لَهَا بِمَنْزِلَة وَطْء الزَّانِي للْمَرْأَة الَّتِي يَزْنِي بهَا وَإِن لم يَطَأهَا غَيرهَا وَمن ضَرَر الزِّنَا اتِّخَاذ الأخذان وَمن تزوج بغيا كَانَ ديوثا بالِاتِّفَاقِ وَلَا يدْخل الْجنَّة ديوث وَإِذا كَانَت الْمَرْأَة خبيثة كَانَ زَوجهَا خبيثا وَإِذا كَانَ قرينها خبيثا كَانَت خبيثة وَبِهَذَا اعظم القَوْل فِيمَن قذفة عَائِشَة أَو غَيرهَا من أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ ﵅ وَلِهَذَا قَالَ السّلف مَا بَغت امْرَأَة نَبِي قطّ فَلَيْسَ فِي الْأَنْبِيَاء وَلَا الصَّالِحين من تزوج بغيا لِأَن ضَرَر الْبَغي يتَعَدَّى إِلَى فَسَاد فرَاشه بِخِلَاف الْكفْر فَإِنَّهُ لَا يتَعَدَّى وَلَيْسَ للزَّوْج أَن يسكنهَا حَيْثُ شَاءَ بل يسكن بهَا فِي مَكَان يصلح لمثلهَا وَلَا يخرج بهَا إِلَى أهل الْفُجُور بل لَيْسَ لَهُ أَن يعاشر الْفجار على فُجُورهمْ وَمَتى فعل ذَلِك وَجب أَن يُعَاقب عُقُوبَة تردعه وَلَا يحل للرجل أَن يعضل الْمَرْأَة ويضيق عَلَيْهَا حَتَّى تعطيه الصَدَاق أَو بعضه لَكِن إِذا أَتَت بِفَاحِشَة مبينَة كَانَ لَهُ أَن يعضلها حَتَّى تَفْتَدِي نَفسهَا مِنْهُ وَله أَن يضْربهَا هَذَا بَين الرجل وَبَين الله تَعَالَى وَأهل الْمَرْأَة يكشفون الْحق مَعَ من هُوَ أَضْعَف ويعينونه عَلَيْهِ فَإِن كَانَت متعدية بذهابها إِلَى عِنْد ذِي رِيبَة فَهِيَ ظالمة لَهُ وَمن ثَابت جَازَ لَهُ إِِمْسَاكهَا وصلحها خير فَإِن التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ

стр. 430

فصل إِذا قَالَ لامْرَأَة كلما حللت لي حرمت عَليّ لَا تحرم عَلَيْهِ لَكِن فِيهَا قَولَانِ أَحدهمَا لَهُ أَن يَتَزَوَّجهَا وَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَالثَّانِي عَلَيْهِ كَفَّارَة ظِهَار فِي قَول وَإِمَّا كَفَّارَة يَمِين فِي آخر وَإِنَّمَا يَقُول بِوُقُوع الطَّلَاق بِمثل هَذَا من يجوز تَعْلِيق الطَّلَاق على النِّكَاح كَأبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فعندهما لَو قَالَ كلما تَزَوَّجتك فَأَنت طَالِق وَلم يَقع بِهِ طَلَاق فَكيف فِي الْحَرَام لَكِن أَحْمد يجوز فِي الْمَشْهُور عَنهُ الظِّهَار قبل الْملك بِخِلَاف الشَّافِعِي وَمن قَالَ عَن زَوجته هِيَ أُمِّي أَو هِيَ عِنْدِي كأمي وَأَرَادَ بهَا مثل أُمِّي أَنَّهَا تستر عَليّ وَلَا تهتكني وَلَا تلومني كَمَا تفعل الْأُم مَعَ وَلَدهَا فَإِنَّهُ يُؤَدب على هَذَا القَوْل وَلَا تحرم عَلَيْهِ امْرَأَته فَإِن عمر ﵁ سمع رجلا يَقُول لامْرَأَته يَا أُخْتِي فأدبه وَإِن كَانَ جَاهِلا لم يُؤَدب على ذَلِك وَإِن أَرَادَ أَنَّهَا عِنْدِي مثل أُمِّي أَي فِي الِامْتِنَاع من وطذها فَهُوَ مظَاهر وَلَو قَالَ إِن بقيت أنكحك أنكح أُمِّي تَحت ستور الْكَعْبَة فَهُوَ مظَاهر وَإِذا قَالَت الزَّوْجَة أَنْت على حرَام كَأبي وَأمي فعلَيْهَا كَفَّارَة الظِّهَار

стр. 431

كتاب الْعدَد الْمُرضعَة تبقى فِي الْعدة حَتَّى تحيض ثَلَاث حيضات فَإِن أحبت أَن تسترضع لوالدها لتحيض هِيَ أَو تشرب دَوَاء أَو نَحوه تحيض بِهِ فلهَا ذَلِك وَالله أعلم وَلَا يجوز التَّصْرِيح بِخطْبَة الْمُعْتَدَّة بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَمن فعل ذَلِك عُوقِبَ وزجر عَن التَّزْوِيج بهَا مُقَابلَة لَهُ بنقيض قَصده وَمن أخْبرت بِانْقِضَاء عدتهَا ثمَّ أَتَت بِولد لسِتَّة أشهر فَصَاعِدا أَو لدوّنَ أَكثر مُدَّة الْحمل فَهَل يلْحق الزَّوْج على قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَعَن أبي حنيفَة لَا يلْحق نسبه بِالْأولِ قولا وَاحِدًا وَتَأَخر الدَّعْوَى الممكنة فِي مسَائِل الْجور وَنَحْوهَا يدل على كذب الْمُدعى بهَا وَمن أقرّ أَنه طلق زَوجته من مُدَّة تزيد على الْعدة الشَّرْعِيَّة وَكَانَ الْمقر فَاسِقًا أَو مَجْهُول الْحَال لم يقبل قَوْله فِي إِسْقَاط الْعدة إِذْ فِيهِ حق الله فَلَا تتَزَوَّج إِلَّا بعد الْعدة وَأما إِن كَانَ عدلا غير مُتَّهم أَو مثل أَن كَانَ غَائِبا فَلَمَّا حضر أخْبرهَا أَنه طلق من مُدَّة كَذَا وَكَذَا فَهَل تعتقد من حِين بلغَهَا الْخَبَر إِذا لم يقم بذلك بَيِّنَة أَو من حِين الطَّلَاق كَمَا لَو قَامَت بِهِ بَيِّنَة فِيهِ خلاف عِنْد أَحْمد وَغَيره وَالْمَشْهُور الثَّانِي الْمُطلقَة ثَلَاثًا أَجْنَبِيَّة عَن الزَّوْج وَلَا يجوز أَن يوطئها على أَن تتَزَوَّج غَيره ثمَّ يطلقهَا وَترجع إِلَيْهِ وَلَا يجوز أَن يُعْطِيهَا نَفَقَة ثمَّ لَو تزوجت غَيره النِّكَاح الصَّحِيح الْمَعْرُوف ثمَّ مَاتَ زَوجهَا أَو طَلقهَا لم يجز للْأولِ أَن يخطبها فِي الْعدة صَرِيحًا بِاتِّفَاق الْمُسلمين سَوَاء قيل يَصح نِكَاح الْمُحَلّل أَو قيل لَا وَلَا تحل الْمُطلقَة ثَلَاثًا إِلَّا بِوَطْء فِي الْقبل من زوج بِنِكَاح صَحِيح أما الْوَطْء فِي الدبر فا يحلهَا وَمَا يذكر عَن بعض الْمَالِكِيَّة من إِبَاحَة الْوَطْء فِي الدبر فهم يطعنون فِي

стр. 432

كَونه قولا لَهُم وَمَا يذكر عَن ابْن الْمسيب من عدم اشْتِرَاط الْوَطْء فَذَاك لم يذكر فِيهِ وَطْء الدبر وَهُوَ قَول شَاذ صحت السّنة بِخِلَافِهِ وانعقد الْإِجْمَاع قبله وَبعده وَلَيْسَ للْمَرْأَة أَن تُسَافِر فِي عدَّة الْوَفَاة إِلَى الْحَج فِي مَذْهَب الْأَرْبَعَة وَمن طلق ثَلَاثًا وألزمها بوفاء الْعدة فِي مَكَانهَا فَخرجت مِنْهُ قبل أَن توفّي عدتهَا فَلَا نَفَقَة لَهَا وَلَيْسَ لَهَا أَن تطالب بِنَفَقَة الْمَاضِي فِي مثل هَذِه الْعدة فِي مَذْهَب الْأَرْبَعَة كتاب الرَّضَاع حَدِيث عَائِشَة ﵁ يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب حَدِيث صَحِيح متلقى بِالْقبُولِ مُتَّفق على صِحَّته وَفِي لفظ آخر يحرم من الرضَاعَة مَا يحرم من الْولادَة وَقد اسْتثْنى بعض الْفُقَهَاء الْمُتَأَخِّرين من عُمُومه صُورَتَيْنِ وبعضم أَكثر وَهَذَا خطأ فانه لَا يحْتَاج أَن يسْتَثْنى من الحَدِيث شَيْء لِأَن الْوَلَد إِذا ارتضع خمس رَضعَات فِي الْحَوْلَيْنِ صَارَت الْمَرْأَة أمه وَزوجهَا صَاحب اللَّبن أَبَاهُ فَصَارَ ابْنا لكل وَاحِد مِنْهُمَا من الرضَاعَة وَحِينَئِذٍ فَيكون جمع أَوْلَاد الْمَرْأَة من هَذَا الرجل وَمن غَيره وَجَمِيع أَوْلَاد الرجل مِنْهَا وَمن غَيرهَا إخْوَة لَهُ سَوَاء ولدُوا قبل الرضَاعَة أَو بعْدهَا بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَأَوْلَاد أولادهما أَوْلَاد إخْوَته فَلَا يجوز للمرتضع أَن يتَزَوَّج أحدا من هَؤُلَاءِ وإخوة الْمَرْأَة وَأَخَوَاتهَا أَخْوَاله وخالاته وآباؤها وأمهاتها أجداده وجداته وإخوة الرجل وأخواته كَذَلِك أَعْمَامه وعماته وَأَبُو الرجل وَأمه وجدته أجداده وجداته لَكِن يتَزَوَّج بأولاد أَعْمَامه وعماته وَأَوْلَاد الأخوال والخالات كالنسب سَوَاء فَهَؤُلَاءِ الْأَصْنَاف الْأَرْبَعَة هم من النّسَب مباحات فَكَذَا هم من الرضَاعَة

стр. 433

وَإِذا كَانَ المرتضع ابْنا الْمَرْأَة ولزوجها فأولاده أَوْلَاد أولادهما وَيحرم على أَوْلَاد من الرَّضَاع مَا يحرم على أَوْلَاده من النّسَب فَهَذِهِ الْجِهَات الثَّلَاث مِنْهَا انتشرت حُرْمَة الرَّضَاع وَأما إخْوَة المرتضع من النّسَب وَأَبوهُ من النّسَب وَأمه من النّسَب فهم أجانب عَن أَبِيه وَأمه وَإِخْوَته من الرَّضَاع لَيْسَ بَين هَؤُلَاءِ صلَة لَا بِنسَب وَلَا رضَاع لِأَن الرجل يُمكن أَن يكون لَهُ أَخ من أَبِيه من أمه وَلَا نسب بَينهمَا بل يجوز لأخته من أَبِيه أَن تتَزَوَّج أَخَاهُ من أمه فَكيف إِذا كَانَ لَهُ أَخ من النّسَب وَأُخْت من الرَّضَاع فَيجوز لهَذَا أَن يتَزَوَّج هَذِه وَبِالْعَكْسِ وَبِهَذَا تَزُول الشُّبْهَة الَّتِي تعرض لبَعض النَّاس فَإِنَّهُ يجوز للمرتضع أَن يتَزَوَّج أَخُوهُ من الرضَاعَة بِأُمِّهِ من النّسَب كَمَا يتَزَوَّج بأخته من الرضَاعَة وَهَذَا لَا نَظِير لَهُ فِي النّسَب فَإِن أَخا الرجل من النّسَب لَا يتَزَوَّج بِأُمِّهِ من النّسَب فاما أَن يكون بنت ابْنه أَو ربيبة ابْنه فالرجل يحرم عَلَيْهِ بنته وربيبه فَحرمت على أَبِيه بِهَذَا الطَّرِيق وَأُخْته من الرَّضَاع لَيست بنت أَبِيه من النّسَب وَلَا ربيبته فَجَاز أَن تتَزَوَّج بِهِ فَمن لَا يُحَقّق يَقُول يحرم فِي النّسَب على أخي أَن يتَزَوَّج أُمِّي وَلَا يحرم مثل هَذَا فِي الرَّضَاع وَهَذَا غلط مِنْهُ فَإِن نَظِير الْمحرم بِالنّسَبِ أَن تتَزَوَّج أُخْته أَو أخوة من الرضَاعَة بِابْن هَذَا الْأَخ أَو بِأَبِيهِ من الرضَاعَة كَمَا لَو ارتضع هُوَ وَآخر من امْرَأَة وَاللَّبن لفحل وَاحِد فَإِنَّهُ يحرم على أُخْته أَخِيه من الرضَاعَة أَن تتَزَوَّج أَخَاهُ أَو يتَزَوَّج أُخْته من الرضَاعَة لِكَوْنِهِمَا أَخَوَيْنِ للمرتضع وَيحرم عَلَيْهِمَا أَن يتزوجا أَبَاهُ وَأمه من الرضَاعَة لِكَوْنِهِمَا ولديهما من الرضَاعَة لَا لِكَوْنِهِمَا أخوي ولديهما فَمن تدبر هَذَا وَنَحْوه زَالَت عَنهُ الشُّبْهَة وَأما رضَاع الْكَبِير فَإِنَّهُ لَا يحرم فِي مَذْهَب الْأَرْبَعَة وفيمن رضع قَرِيبا من الْحَوْلَيْنِ نزاع وَمذهب الشَّافِعِي وَأحمد أَنه لَا يحرم

стр. 434

وَأما الرجل الْكَبِير وَالْمَرْأَة الْكَبِيرَة فَلَا يحرم أَحدهمَا على الآخر برضاع القرائب مثل أَن ترتضع زَوجته لِأَخِيهِ من النّسَب فَلَا تحرم عَلَيْهِ زَوجته لما تقدم من أَنه يجوز لَهُ أَن يتَزَوَّج بِالَّتِي هِيَ أُخْت من الرضَاعَة لِأَخِيهِ من النّسَب إِذْ لَيْسَ بَينه وَبَينهَا صلَة نسب وَلَا رضَاع وَإِنَّمَا حرمت على أَخِيه لِأَنَّهَا أمة من الرضَاعَة وَلَيْسَت أم نَفسه من الرَّضَاع وَأم المرتضع من الرَّضَاع لَا تكون أما لأخوته من النّسَب لِأَنَّهَا إِنَّمَا أرضعت الرَّضِيع وَلم ترْضع غَيره نعم لَو كَانَ للرجل نسْوَة يطؤهن وأرضعت كل وَاحِدَة لَهَا طفْلا وَلِهَذَا طفْلا لم يجز أَن يتَزَوَّج أَحدهمَا الآخر وَلِهَذَا لما سُئِلَ ابْن عَبَّاس ﵄ عَن ذَلِك قَالَ اللقَاح وَاحِد وَلَو كَانَ أَخُوهُ من النّسَب ابْن زَوجته حرمت عَلَيْهِ زَوجته لِأَنَّهَا أم أمه وَأم امْرَأَة أَبِيه وَكِلَاهُمَا حرَام وَأما أم أَخِيه من الرضَاعَة فَلَيْسَتْ أمه وَلَا امْرَأَة أَبِيه لِأَن زَوجهَا صَاحب اللَّبن لَيْسَ أَبَا لهَذَا لَا صلَة بَينهمَا نسبا وَلَا رضَاعًا فَإِذا قَالَ قَائِل إِن النَّبِي ﷺ قَالَ يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب وَأم أُخْته من النّسَب حرَام عَلَيْهِ فَكَذَا ابْن الرَّضَاع قلت هَذَا تلبيس وتدليس فَإِنَّهُ تَعَالَى لم يقل حرمت أخواتكم وَإِنَّمَا قَالَ ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم﴾ فَحرم أمه ومنكوحة أَبِيه وَإِن لم يكن أمه وَهَذِه تحرم من الرضَاعَة فَلَا يتَزَوَّج أمه من الرضَاعَة وَأما مَنْكُوحَة أَبِيه من الرضَاعَة فَالْمَشْهُور عِنْد الْأَئِمَّة أَنَّهَا تحرم لَكِن فِيهَا نزاع لكَونهَا من الْمُحرمَات بالصهر لَا بِالنّسَبِ لَا والولادة وَفينَا بِعُمُوم الحَدِيث وَأما أم أَخِيه الَّتِي لَيست أما وَلَا مَنْكُوحَة أَب فَهَذِهِ لَا تُوجد فِي النّسَب فَلَا يجوز أَن يُقَال يحرم من النّسَب مَالا يحرم نَظِيره من الرَّضَاع

стр. 435

فَتبقى أم الْأُم من النّسَب لِأَخِيهِ من الرضَاعَة أَو الْأُم من الرضَاعَة لِأَخِيهِ من النّسَب لَا نَظِير لَهَا من الْولادَة فَلَا تحرم وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْمُسلمين وَغسل عَيْنَيْهِ بِلَبن امْرَأَته يجوز وَلَا تحرم بذلك لِأَنَّهُ كَبِير وَأَيْضًا فَلَا تَنْتَشِر الْحُرْمَة بِوَضْع اللَّبن فِي الْعين بِلَا نزاع وَإِذا كَانَت الْأُم مَعْرُوفَة بِالصّدقِ فَذكرت أَنَّهَا أرضعت زوج بنتهَا فرق بَينهمَا فِي أصح قولي الْعلمَاء وَأما إِذا شكّ فِي صدقهَا أَو فِي عدد الرضعات فَإِنَّهَا تكون من المتشبهات تَركهَا أولى وَلَا يحكم بِالتَّفْرِيقِ بَينهمَا إِلَّا بِحجَّة وَإِذا رجعت عَن الشَّهَادَة قبل الترويج لم تحرم الزَّوْجَة إِذا علم أَنَّهَا كَاذِبَة أَو أَنَّهَا كتمت الشَّهَادَة لم يحل لَهُ التَّزْوِيج وَله منع الزَّوْجَة من إِرْضَاع غير وَلَدهَا والقط إِذا صال على مَاله فَلهُ دَفعه عَن ذَلِك وَلَو بِالْقَتْلِ وَله رميه بمَكَان بعيد فَإِن لم يُمكن دَفعه إِلَّا بِالْقَتْلِ قَتله وَأما النَّمْل فَيدْفَع ضَرَره بِغَيْر التحريق فَإِذا كَانَ الْأَب عَاجِزا عَن أُجْرَة الاسترضاع وامتنعت الْأُم عَن الْإِرْضَاع إِلَّا بِالْأُجْرَةِ فَلهُ أَن يسترضع غَيرهَا فَإِنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِ مَالا يقدر عَليّ وَإِذا كَانَت الْمُرضعَة أعدل قبل قَوْلهَا وَفِي تحليفها نزاع

стр. 436

كتاب النَّفَقَات إِذا تسلم الزَّوْج الْمَرْأَة التسلم الشَّرْعِيّ هُوَ أَبوهُ أَو نَحْوهمَا وأطعمها كَمَا جرت الْعَادة لم يكن لأَبِيهَا وَلَا لَهَا أَن تدعى بِالنَّفَقَةِ وَإِن لم يَأْذَن وَأَنَّهَا تَحت حجرَة وَإِن كَانَ قد توهم ذَلِك وَقَالَهُ طَائِفَة فَإِذا طلب وَليهَا النَّفَقَة وَلم يعْتد بِمَا أنْفق عَلَيْهَا كَانَ ظَالِما لَا تحل لَهُ الشَّرِيعَة هَذَا الطّلب وَمن توهم أَن النَّفَقَة كَالدّين لَا بُد أَن يقبضهُ الْوَلِيّ وَهُوَ لم يَأْذَن فِيهِ كَانَ مخطئا من وُجُوه أَحدهَا أَن الْمَقْصُود بِالنَّفَقَةِ إطعامها لَا حفظ المَال لَهَا وَقبض الْوَلِيّ لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة وَلَا يحْتَاج إِلَى أُذُنه فَإِنَّهُ وَاجِب بِالشَّرْعِ فَهُوَ نهى الْوَلِيّ عَن الْإِنْفَاق عَلَيْهَا وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ وَأَيْضًا إِقْرَاره لَهَا مَعَ حَاجَتهَا إِلَى النَّفَقَة إِذن عرفي وَلَا يُقَال إِنَّه لم يَأْمَن الزَّوْج على النَّفَقَة لِأَن الائتمان بهَا حصل بِالشَّرْعِ كَمَا ائْتمن على بدنهَا وَالْقسم لَهَا وَغير ذَلِك من حُقُوقهَا فَإِن الرِّجَال قوامون على النِّسَاء وَالنِّسَاء عوان عِنْدهم وَلِأَن الائتمان الْعرفِيّ كاللفظي وَإِذا سَافر الْوَلِيّ بِالزَّوْجَةِ بِغَيْر إِذن الزَّوْج عزّر على ذَلِك وتعزر هِيَ إِذا كَانَ التَّخَلُّف يُمكنهَا وَلَا نَفَقَة لَهَا من حِين سَافَرت وَإِذا امْتنعت من الصَّلَاة فَإِنَّهَا تستتاب فَإِن ثَابت وَإِلَّا قتلت وهجر الزَّوْج لَهَا على تَركهَا الصَّلَاة من أَعمال الْبر وَلَا نَفَقَة لَهَا إِذا امْتنعت من تَمْكِينه إِلَّا مَعَ ترك الصَّلَاة وعَلى الْوَلَد الْمُوسر أَن ينْفق على أَبِيه وَزَوْجَة أَبِيه وعَلى إخْوَته الصغار والكبار إِذا كَانُوا عاجزين عَن الْكسْب وَإِن لم يفعل ذَلِك كَانَ عاقا لوَالِديهِ قَاطعا لرحمه مُسْتَحقّا لعقوبة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِذا طلق زَوجته ثَلَاثًا وأبرأته من حُقُوق الزَّوْجَة قبل علمهَا بِالْحملِ لم تدخل نَفَقَة الْحمل فِي الْإِبْرَاء وَلَو علمت بِالْحملِ وأبرأته من حُقُوق الزَّوْجِيَّة فقد لم يدْخل

стр. 437

فِي ذَلِك نَفَقَة الْحمل لِأَنَّهَا تجب بعد زَوَال النِّكَاح وَهِي وَاجِبَة للْحَمْل فِي أظهر قولي الْعلمَاء كَأُجْرَة الرَّضَاع اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون الْإِبْرَاء بِمُقْتَضى أَنه لَا يبْقى بَينهمَا مُطَالبَة بِعقد النِّكَاح أبدا فَإِذا كَانَ مقصودهما الْبَرَاءَة بِحَيْثُ لَا يبْقى للْآخر مُطَالبَة يُوَجه فَهَذَا يدْخل فِيهِ الْإِبْرَاء من نَفَقَة الْحمل وعَلى الْوَالِد نَفَقَة وَلَده إِذا كَانَ مُوسِرًا فَإِن لم يُمكنهُ إِلَّا بِأَن يعمر ملكه أَو يكريه لزمَه ذَلِك بل من كَانَ لَهُ ملك لَا يعمره وَلَا يؤجره فَهُوَ سَفِيه مبذر يَنْبَغِي أَن يحْجر عَلَيْهِ فَأَما إِذا كَانَ لَهُ فَيتَعَيَّن ذَلِك عَلَيْهِ لأجل مصلحَة وَلَده مَسْأَلَة وَالزَّوْجَة الْمَرِيضَة تسْتَحقّ النَّفَقَة فِي مَذْهَب الْأَرْبَعَة وَإِن لم يسْتَمْتع بهَا وَولد الزِّنَا لَا يلْحق نسبه بِأَبِيهِ عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَلَكِن لَا بُد أَن ينْفق عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ لِأَنَّهُ من يتامى الْمُسلمين والمزوجة المحتاجة نَفَقَتهَا على زَوجهَا وَاجِبَة من غير صَدَاقهَا وَأما صَدَاقهَا الْمُؤخر فَيجوز أَن تطالبه بِهِ فَإِن أَعْطَاهَا فَحسن وَإِن امْتنع لم يجْبر حَتَّى يَقع بَينهمَا فرقة بِمَوْت أَو طَلَاق أَو نَحوه وَالصَّدَََقَة على الْمُحْتَاج من الْأَهْل أولى من غَيره فَإِن لم يَتَّسِع مَال الْإِنْسَان للأقارب والأباعد فَإِن نَفَقَة الْقَرِيب وَاجِبَة فَلَا يعْطى الْبعيد مَا يضر بالقريب أما الزَّكَاة وَالْكَفَّارَة فَيجوز أَن يعْطى مِنْهَا الْقَرِيب الَّذِي لَا ينْفق عَلَيْهِ والقريب أولى إِذا اسْتَوَت الْحَاجة وَإِذا حكم بِالْوَلَدِ للْأُم فغيبته عَن الْأَب لم يكن لَهَا أَن تطالبه بِالنَّفَقَةِ الْمَفْرُوضَة وَلَا بِمَا اتفقَا عَلَيْهِ وَإِذا عجز الْأَب عَن النَّفَقَة وَلَا رُجُوع لمن أنْفق فِي هَذِه الْمدَّة بِغَيْر إِذْنه بِلَا نزاع وَإِنَّمَا تنازعوا فيمَ إِذا أنْفق مُتَّفق على أبنه باذنه أَو بِدُونِ إِذْنه مَعَ وجوب النَّفَقَة على الْأَب

стр. 438

فَقيل يرجع بِمَا أنْفق غير متربع كَمَا هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي قَول وَلَا يجوز جبسه على هَذِه النَّفَقَة وَلَا على الرُّجُوع حَتَّى يثبت الْوُجُوب بيساره وَإِذا اخْتلف فِي يسَاره وَلم يعرف لَهُ مَال فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه وَإِذا كَانَ مُقيما فِي غير بلد الْأُم فالحصانة لَهُ لَا للْأُم وَإِن كَانَت الْأُم أولى بالحصانة فِي الْبَلَد الْوَاحِد وَهَذَا أَيْضا مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَإِذا ادّعى الابْن على أَبِيه بصدقا أمه وكسوتها الْمَاضِيَة قبل مَوتهَا فعلى الْأَب أَن يُوفيه مَا يسْتَحقّهُ من ذَلِك وَإِذا تزوجت الْأُم فَلَا حضَانَة لَهَا وَإِن سَافَرت سفر نَقله فالحصانة للجدة دومها وَإِذا حضنته وَلم تكن الْحَضَانَة لَهَا فطالبت بِالنَّفَقَةِ فَلَا شَيْء لَهَا لِأَنَّهَا ظللة بالحضانة وَإِذا كَانَ رزق الرجل على الْجِهَات السُّلْطَانِيَّة فللولي أَن يمْنَع موليته من التَّزَوُّج بِمن يتَنَاوَل مثل هَذَا الرَّزَّاق الَّذِي يَعْتَقِدهُ حَرَامًا لَا سِيمَا إِذا كَانَ لَا ضَرَر بِهِ فَإِذا كَانَ الزَّوْج يطْعمهَا من غَيره أَو تَأْكُل هِيَ من غَيره فَلهُ أَن يُزَوّجهَا إِذا كَانَ الزَّوْج متأولا فِيمَا يَأْكُلهُ فَإِن هَذِه الْجِهَات السُّلْطَانِيَّة لم يذكر أحد من الْفُقَهَاء الَّذين يُفْتى بقَوْلهمْ جَوَاز ذَلِك وَلَكِن فِي أَوَائِل الدولة السلجوقية أفتى طَائِفَة من الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة إِذا لم يكن فِي أَمْوَال بَيت المَال كِفَايَة لرزق الْجند الَّذين يحْتَاج إِلَيْهِم فِي الْجِهَاد أَن يوضع على الْمُعَامَلَات وَأنكر ذَلِك غير هَؤُلَاءِ وَحكى أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كتاب الْإِجْمَاع إِجْمَاع الْعلمَاء على تَحْرِيم ذَلِك وَقد كَانَ نور الدّين مَحْمُود الشَّهِيد بن زنكي قد أبطل جَمِيع الْوَظَائِف المحدثة فِي الشَّام والجزيرة ومصر والحجاز وَكَانَ أعرف النَّاس بِالْجِهَادِ وَهُوَ الَّذِي أَقَامَ الْإِسْلَام بعد اسْتِيلَاء الافرنج والقرامطة على أَكثر بِلَاده وَمن فعل مَا يعْتَقد حلّه متأولا تأولا سائغا لَا سِيمَا مَعَ حَاجَة لم يَجْعَل فَاسِقًا بِمُجَرَّد ذَلِك بِحَيْثُ يمْنَع من تزَوجه لَكِن لَهُ منعهَا من تنَاول مثل هَذَا وَإِذا أطعمها الزَّوْج من غَيره فَلهُ أَن يُزَوّجهَا إِذا كَانَ متأولا فِيمَا يَأْخُذهُ كَمَا تقدم

стр. 439

كتاب الْهِبَة لَيْسَ للْوَاهِب أَن يرجع فِي هِبته غير الْوَالِد لوَلَده إِلَّا أَن تكون الْهِبَة على جِهَة الْمُعَاوضَة لفظا أَو عرفا فَإِذا كَانَت لأجل عوض وَلم يحصل فللواهب الرُّجُوع فِيهَا إِذا كَانَت بَاقِيَة وَإِلَّا فعوضها وَإِذا لم يكن ضَرَر على الْأَوْلَاد فلأبيهم أَن يَأْخُذ من مَالهم مَا يشترى بِهِ أمه يَطَؤُهَا وتخدمه وَمذهب مَالك وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ أَن البيع وَالْهِبَة وَالْإِجَارَة تثبت بالمعاطاة وَبِمَا بعده النَّاس بيعا أَو هبة أَو إِجَارَة وَمذهب الشَّافِعِي اعْتِبَار الصِّيغَة إِلَّا فِي مَوَاضِع مُسْتَثْنَاة وَلَيْسَ لذَلِك صِيغَة محددة فِي الشَّرْع بل الْمرجع فِي الصِّيغَة الْمقيدَة لذَلِك إِلَى عرف الْخطاب وَهَذَا مهذب الْجُمْهُور وَكَذَلِكَ صححوا الْهِبَة بِمثل قَوْله أعمرتك وأطعمتك وحملتك على هَذَا الدَّابَّة وَنَحْوه مِمَّا يفهم مِنْهُ أهل الْخطاب الْهِبَة وتجهيز الْمَرْأَة بجهازها إِلَى بَيت زَوجهَا تمْلِيك لجهازها كَمَا أفتى بِهِ أَصْحَاب أبي حنيفَة وَأحمد وَغَيرهمَا وعادات النَّاس إِذا اشْترى الرجل أمة وَقَالَ لِابْنِهِ خُذْهَا لَك استمتع بهَا وَنَحْو ذَلِك كَانَ ذَلِك تَمْلِيكًا فَإِذا أذن لِابْنِهِ فِي الْوَطْء مَعَ علمه أَن الْوَطْء لَا يكون إِلَّا فِي ملك فَلَا يكون مَقْصُوده إِلَّا تمليكها وَكَانَ وَطْؤُهُ فِي ملكه فَإِذا حصل الْإِذْن بقول أَو بِفعل ثَبت التَّمْلِيك على قَول الْجُمْهُور وَهُوَ أصح وَولده حر لَا حق النّسَب بِهِ وَالْأمة أم وَلَده لَا تبَاع وَأما إِن قدر أَن الْأَب لم يصدر مِنْهُ تمْلِيك بِحَال واعتقد الابْن أَنه قد ملكهَا كَانَ أَيْضا حرا وَنسبه لاحقا وَلَا حد عَلَيْهِ وان اعْتقد الابْن أَنه لم يملكهَا وَلَكِن وَطئهَا بِالْإِذْنِ فَهَذِهِ تبنى على الأَصْل الثَّانِي فَإِن الْعلمَاء فِيمَن وطىء

стр. 440

أمة غَيره باذنه قَالَ مَالك يملكهَا بِالْقيمَةِ حبلت أَو لم تحبل وَقَالَ الثَّلَاثَة لَا يملكهَا بذلك فعلى قَول مَالك هِيَ أَيْضا ملك للْوَلَد وَأم وَلَده وَولده حر وعَلى قَول الثَّلَاثَة لَا تصير أم ولد لَكِن هَل لولد حر مثل أَن يطَأ جَارِيَة امْرَأَته بِإِذْنِهَا فِيهِ عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا أَن لَا يكون حرا قوهو قَول أبي حنيفَة وَإِن ظن أَنَّهَا حَلَال لَهُ وَالثَّانيَِة أَن الْوَلَد يكون حرا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح إِذا ظن أَنَّهَا حَلَال فَهُوَ الصَّحِيح الْمَنْصُوص عَن الشَّافِعِي وَأحمد فِي الْمُرْتَهن فَإِذا وطىء الْأمة الْمَرْهُونَة بِإِذن الرَّاهِن وَظن أَن ذَلِك جَائِز فَإِن وَلَده ينْعَقد حرا لأجل الشُّبْهَة فَإِن شُبْهَة اعْتِقَاد الْملك تسْقط الْحَد بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة فَلذَلِك يُؤثر فِي حريَّة الْوَلَد فَيكون حرا بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَأَبُو حنيفَة يخالفهم فِي هَذَا وَيَقُول الْوَلَد مَمْلُوك وَأما مَالك فَعنده الوطىء قد ملك الْجَارِيَة بِالْوَطْءِ الْمَأْذُون فِيهِ وَهل على هَذَا الواطىء بِالْإِذْنِ قيمَة الْوَلَد فِيهِ قَولَانِ للشَّافِعِيّ أَحدهمَا وَهُوَ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد أَنه لَا تلْزمهُ قِيمَته لِأَنَّهُ وطىء بِإِذن الْمَالِك فَهُوَ كَمَا لَو أتلف مَاله بِإِذْنِهِ الثَّانِي تلْزمهُ قِيمَته وَهُوَ قَول بعض أَصْحَاب أَحْمد وَمن أَصْحَاب الشَّافِعِي من زعم أَن هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي قولا وَاحِدًا وَأما الْمهْر فَلَا يلْزمه فِي مَذْهَب أَحْمد وَمَالك وَغَيرهمَا وَللشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ وكل مَوْضُوع لَا تصير فِيهِ الْأمة أم ولد فَإِنَّهُ يجوز بيعهَا وصلَة الرَّحِم الْمُحْتَاج أفضل من الْعتْق لِأَن مَيْمُونَة ﵂ أعتقت جَارِيَة فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ لَو أعطيتهَا أخوالك كَانَ خيرا لَك فَإِذا أعْطى وَلَده الْمُحْتَاج عبدا أَو جَارِيَة كَانَ أفضل من عتقهما وَإِذا ذهب ابْنه شَيْئا فَتعلق حق الْغَيْر بِهِ مثل أَن يكون قد صَار عَلَيْهِ دين أَو زوجوه لأجل ذَلِك المَال فَلَيْسَ للْأَب أَن يرجع بذلك

стр. 441

إِذا ملك أُخْته ربع دَاره تَمْلِيكًا مَقْبُوضا فَإِنَّهُ ينْتَقل بعْدهَا إِلَى ورثتها وَفِي سنَن أبي دَاوُد وَغَيره عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من شفع لِأَخِيهِ شَفَاعَة فأهدى لَهُ هَدِيَّة فقبلها فقد أَتَى بَابا عَظِيما من أَبْوَاب الرِّبَا وَسُئِلَ ابْن مَسْعُود ﵁ عَن السُّحت فَقَالَ هُوَ أَن يشفع لأخيك شَفَاعَة بشفاعة فيهدى لَك هَدِيَّة فتقبلها قيل لَهُ أَرَأَيْت لَو كَانَت هَدِيَّة فِي بَاطِل فَقَالَ ذَلِك كفر ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ وَلِهَذَا قَالَ الْعلمَاء إِن من أهْدى هَدِيَّة لوَلِيّ الْأَمر ليفعل مَعَه مَالا يجوز كَانَ حَرَامًا على المهدى وَالْمهْدِي إِلَيْهِ وَهِي من الرِّشْوَة الَّتِي قَالَ فِيهَا رَسُول الله ﷺ لعن الله الراشي والمرتشي والرائش وَيُسمى البرطيل والبرطيل فِي اللُّغَة الْحجر المستطيل فَأَما إِذا أهْدى لَهُ هَدِيَّة ليكف ظلمه عَنهُ أَو ليعطيه حَقه الْوَاجِب فَهَذِهِ الْهَدِيَّة تكون حَرَامًا على الْآخِذ وَجَاز للدافع كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ إِنِّي لأعطى أحدهم الْعَطِيَّة فَيخرج بهَا يتأبطها نَارا قيل يَا رَسُول الله فَلم تعطيهم قَالَ يأبون إِلَّا أَن يَسْأَلُونِي ويأبى الله لي الْبُخْل وَمثل ذَلِك إِعْطَاء من أعتق عبدا وكنتم عتقه أَو أسر حرا أَو كَانَ ظَالِما للنَّاس فإعطاء هَؤُلَاءِ جَائِز للمعطى حرَام على الْآخِذ وَأما الْهَدِيَّة فِي الشَّفَاعَة مثل أَن يشفع الرجل عِنْد ولي أَمر أَن يرفع عَنهُ مظْلمَة أَو يُوصل إِلَيْهِ حَقه أَو يوليه ولَايَة يَسْتَحِقهَا فِي الْجند الْمُقَاتلَة وَهُوَ يسْتَحق ذَلِك أَو يُعْطِيهِ من المَال الْمَوْقُوف على الْفُقَرَاء أَو الْفُقَهَاء أَو الْقُرْء أَو النساك أَو غَيرهم وَهُوَ من أهل الِاسْتِحْقَاق وَمثل هَذِه الشَّفَاعَة على فعل وَاجِب أَو ترك محرم فَهَذِهِ لَا يجوز فِيهَا قبُول الْهَدِيَّة وَيجوز للمهدي أَن يبْذل مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى أَخذ حَقه أَو دفع الظُّلم عَنهُ هَذَا هُوَ الْمَنْقُول عَن

стр. 442

السّلف ولأئمة الأكابر وَقد رخص فِيهِ بعض الْمُتَأَخِّرين من الْفُقَهَاء وَجعل هَذَا من بَاب الْجعَالَة وَهُوَ مُخَالف للسّنة وأقوال الصَّحَابَة ﵃ وَالْأَئِمَّة فَهُوَ غلط لِأَن مثل هَذَا الْعَمَل من الْمصَالح الْعَامَّة الَّتِي يكون الْقيام بهَا فرضا إِمَّا على الْأَعْيَان وَإِمَّا على الْكِفَايَة وَمن سوغ أحد الْجعل على مثل هَذَا لزم أَن تكون الْولَايَة وَإِعْطَاء أَمْوَال الْفَيْء وَالصَّدقَات وَغَيرهَا وكف الظُّلم عَمَّن يبْذل فِي ذَلِك وَالَّذِي لَا يبْذل لَا يولي وَلَا يعْطى وَإِن كَانَ أَحَق وأنفع للْمُسلمين من هَذَا وَالْمَنْفَعَة فِي هَذَا لَيست لهَذَا الْبَاذِل حَتَّى يُؤْخَذ من الْجعل كالجعل على الْآبِق والشارد وَإِنَّمَا الْمَنْفَعَة لعُمُوم النَّاس أَعنِي الْمُسلمين فَإِنَّهُ يجب أَن يُولى فِي كل مرتبَة أصلح من يقدر عَلَيْهَا وَأَن يرْزق من رزق الْمُقَاتلَة وَالْأَئِمَّة والمؤذنين وَأهل الْعلم وَالَّذين أَحَق الْمُسلمين وأنفعهم للْمُسلمين وَهَذَا وَاجِب على الإِمَام وعَلى الْأَئِمَّة أَن يعاونوه على ذَلِك فَمن أَخذ جعلا من شخص معِين على ذَلِك أفْضى إِلَى أَن تطالب هَذِه الْأُمُور بِالْعِوَضِ وَنَفس طلب الْولَايَة مَنْهِيّ عَنهُ فَكيف بِالْعِوَضِ وَيلْزم على ذَلِك تَوْلِيَة الْجَاهِل وَالْفَاسِق والفاجر وَيتْرك الْعَالم الْعَادِل الْقَادِر وَأَن يرْزق فِي ديوَان الْمُقَاتلَة الْفَاسِق والجبان الْعَاجِز عَن الْقِتَال وَترك الْعدْل والشجاع النافع للْمُسلمين وفاسد هَذَا كثير بل يشفع وَلَا يَأْخُذ هَذَا هُوَ الْمَأْمُور بِهِ وَأما ذَانك الْأَمْرَانِ فكلاهما مَنْهِيّ عَنهُ وَلَكِن إِذا كَانَ لَا بُد من أَخذ فقد يرجع هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة أُخْرَى فَإِذا أَخذ وشفع لمن هُوَ الأحق وَالْأولَى فَهُنَا ترك الشَّفَاعَة وَالْأَخْذ أضرّ من الشَّفَاعَة وَالْأَخْذ وَيُقَال لهَذَا الشافع ذِي الجاه الَّذِي تقبل الشَّفَاعَة بجاهه عَلَيْك أَن تكون ناصحا لله وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم وَلَو لم يكن لَك هَذَا الجاه وَالْمَال فَكيف إِذا كَانَ لَك هَذَا الجاه وَالْمَال فَأَنت عَلَيْك أَن تنصح للمشفوع إِلَيْهِ فَتبين لَهُ من يسْتَحق الْولَايَة والاستخدام وَالعطَاء وَمن لَا يسْتَحق ذَلِك وتنصح للْمُسلمين بِفعل مثل ذَلِك وتنصح لله وَرَسُوله بطاعتهما فَإِن هَذَا من أعظم طاعتهما وَتَنْفَع أَخَاك هَذَا الْمُسْتَحق بمعاونته على ذَلِك كَمَا علك أَن تصلي وتصوم وتجاهد فِي سَبِيل الله

стр. 443

وَأما الرجل المقبول الْكَلَام فَإِذا أكل قدرا زَائِدا عَن الضِّيَافَة الشَّرْعِيَّة فَلَا بُد أَن يكافىء الْمطعم مثل ذَلِك وَلَا يَأْكُل الْقدر الزَّائِد وَإِلَّا فقبوله الضِّيَافَة الزَّائِدَة مثل قبُوله الْهَدِيَّة وَهُوَ من جنس الشَّاهِد والشافع إِذا أدّى الشَّهَادَة وَقَامَ بالشفاعة وَمن زكى أَو خرج بضيافة أَو جعل كَانَ هَذَا من أَسبَاب الْفساد وَمن اشْترى عبدا فوهبه شَيْئا حَتَّى أثرى ثمَّ ظهر أَنه كَانَ حرا فَلهُ أَن يَأْخُذ مِنْهُ مَا وهبه لما كَانَ ظَانّا أَنه عَبده وَمُجَرَّد التَّمْلِيك بِدُونِ الْقَبْض الشَّرْعِيّ لَا يلْزم بِهِ عقد الْهِبَة وللورثة انْتِزَاعه وَكَذَلِكَ الْهِبَة الملجئة بِحَيْثُ يُوهب فِي الظَّاهِر وَيقبض مَعَ اتِّفَاق الْوَاهِب والموهوب لَهُ على أَنه ينتزعه مِنْهُ إِذا شَاءَ وَنَحْو ذَلِك الَّتِي تجْعَل طَرِيقا إِلَى منع الْوَارِث والغرماء حُقُوقهم فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك كَانَت هبة بَاطِلَة وَإِذا عرف ذَلِك حكم بِبُطْلَانِهِ وَإِذا أعَاد إِلَيْهِ الْعين الْمَوْهُوبَة فَلَا شَيْء لَهُ غَيرهَا لَا أجرتهَا وَلَا مُطَالبَة بِالضَّمَانِ فَإِنَّهُ كَانَ ضَامِنا لَهَا وَكَانَ يطْعمهَا بانتفاعه بهَا مُقَابلَة لذَلِك فصل ثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ لعمر مَا أَتَاك من هَذَا المَال وَأَنت غير سَائل وَلَا مستشرف فَخذه ومالا فَلَا تتبعه نَفسك وَثَبت أَيْضا أَن حَكِيم بن حزَام سَأَلَهُ فَأعْطَاهُ ثمَّ سَأَلَهُ فَأعْطَاهُ ثمَّ سَأَلَهُ فَأعْطَاهُ ثمَّ قَالَ يَا حَكِيم مَا أَكثر مسألتك إِن هَذَا المَال خضرَة حلوة فَمن أَخذه بسخاوة نفس بورك لَهُ فِيهِ وَمن أَخذه بإشراف نفس لم يُبَارك لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذي يَأْكُل وَلَا يشْبع فَقَالَ حَكِيم وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَا أرزأ بعْدك أحدا شَيْئا فَكَانَ أَبُو بكر وَعمر ﵄ يعطيانه فَلَا يَأْخُذ

стр. 444

فَتبين بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ أَن الْإِنْسَان إِذا كَانَ سَائِلًا بِلِسَانِهِ أَو مستشرفا بِقَلْبِه إِلَى مَا يعاه فَلَا يَنْبَغِي أَن يقبله إِلَّا حَيْثُ تُبَاح الْمَسْأَلَة أَو الاستشراف وَأما إِذا أَتَاهُ من غير مَسْأَلَة وَلَا استشراف فَلهُ أَخذه إِن كَانَ الَّذِي أعطَاهُ حَقه كَمَا أعْطى النَّبِي ﷺ عمر ﵁ من بَيت المَال فَإِنَّهُ قد كَانَ لَهُ عمل فَأعْطَاهُ عمالته وَله أَن لَا يقبله كَمَا فعل حَكِيم بن حزَام وَقد تنَازع الْعلمَاء فِي وجوب الْقبُول وَالْمَشْهُور فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره أَنه إِن كَانَ أعطَاهُ مَالا يسْتَحقّهُ عَلَيْهِ فَإِن قبله وكافأه عَلَيْهِ فقد أحسن أما إِذا قبله من غير مُكَافَأَة بِالْمَالِ فَهَذَا يجوز مَعَ الْحَاجة وَيَدْعُو الله لَهُ وَأما الْغَنِيّ فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يكافىء كَمَا فِي الحَدِيث من أسدى إِلَيْكُم مَعْرُوفا فكافئوه فَإِن لم تَجدوا مَا تكافئوه فَادعوا لَهُ حَتَّى تعلمُوا أَنكُمْ قد كافأتموه وَإِذا صَالح عَن شَيْء بِأَكْثَرَ من قِيمَته فَفِي لُزُوم هَذِه الزِّيَادَة نزاع فِي الصُّلْح يُبطلهُ طوائف من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد ويصحه أَو حنيفَة وَهُوَ قِيَاس قَول أَحْمد وَغَيره وَهُوَ الصَّحِيح إِن شَاءَ الله تَعَالَى فصل الصَّدَقَة مَا يعْطى لوجه الله ديانَة وَعبادَة مَحْضَة من غير قصد إِلَى شخص معِين وَلَا طلب عوض من جِهَته وَلَكِن يوضع فِي مَوَاضِع الصَّدَقَة كَأَهل الْحَاجَات وَأما الْهَدِيَّة فيقصد بهَا إكرام شخص معِين إِمَّا لمحبة وَإِمَّا لصدقاة وَإِمَّا لطلب حَاجَة وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي ﷺ يقبل الْهَدِيَّة عَلَيْهَا فَلَا يكون لأحد عَلَيْهِ مِنْهُ وَلَا يَأْكُل أوساخ النَّاس الَّتِي يتطهرون بهَا من ذنوبهم وَهِي الصَّدقَات وَلم يكن يَأْكُل الصَّدَقَة لذَلِك وَغَيره إِذا تبين ذَلِك فالصدقة أفضل إِلَّا أَن يكون فِي الْهَدِيَّة معنى يكون بِهِ أفضل من الصَّدَقَة مثل الإهداء لآل بَيت رَسُول الله ﷺ محبَّة لَهُ وَمثل

стр. 445

الإهداء لقريب يصل بِهِ رَحْمَة أَو أَخ لَهُ فِي الله وَقد يكون أفضل من الصَّدَقَة وَالرَّقِيق الَّذِي يَشْتَرِي بِمَال الْمُسلمين كَالْمَالِ وَالْخَيْل وَالسِّلَاح الَّذِي يَشْتَرِي بِمَال الْمُسلمين أَو يهدى للملوك كل ذَلِك من أَمْوَال بَيت المَال فَإِذا تصرف فيهم الْمَالِك الثَّانِي بِعِتْق أَو إِعْطَاء فَهُوَ بِمَنْزِلَة تصرف الأول ينفذ تصرف الثَّانِي كَمَا ينفذ تصرف الأول هَذَا مَذْهَب الْأَئِمَّة كلهم مَسْأَلَة إِذا لم يقبض الابْن الْهِبَة الَّتِي خصته بهَا أمة حَتَّى مَاتَت بطلت فِي الْمَشْهُور من مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَإِن قبضهَا لم يجز على الصَّحِيح أَنه لَا يخْتَص بهَا وَحده بل يشْتَرك هُوَ وَإِخْوَته وَكَذَا إِن كتب الْأَب لِابْنِهِ فِي ذمَّته مبلغا مثل ألف دِينَار من غير إقباض فَهُوَ عقد مفسوخ وَمن وهب لِابْنِهِ هبة ثمَّ تصرف فِيهَا فَادّعى أَنه ملكه تضمن ذَلِك الرُّجُوع لِأَنَّهُ أقرّ إِقْرَارا لَا يملك إنشاءه وَمن عَلَيْهِ دين يسْتَغْرق مَاله فَلَيْسَ لَهُ فِي مرض مَوته أَن يتَبَرَّع بِهِبَة وَلَا مُحَابَاة وَلَا إِبْرَاء إِلَّا باجازة الْغُرَمَاء بل لَيْسَ للْوَرَثَة حق إِلَّا بعد وَفَاء الدّين مَسْأَلَة وَإِذا أبرأت الْمَرْأَة زَوجهَا من صَدَاقهَا ثمَّ طَلقهَا فَهَل لَهَا الرُّجُوع إِذا كَانَ يملكنها لكَون مثل هَذَا الْإِبْرَاء لَا يصدر فِي الْعَادة إِلَّا على أَن يمْسِكهَا أَو خوفًا من أَن يطلقهَا أَو يتَزَوَّج عَلَيْهَا أَو نَحْو ذَلِك فَفِيهِ قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَأما إِذا كَانَت قد طابت نَفسهَا بِالْإِبْرَاءِ مُطلقًا وَهُوَ أَن يكون ابْتِدَاء مِنْهَا لَا بِسَبَب مِنْهُ وَلَا عوض فَهُنَا لَا نرْجِع بِلَا ريب وَالله أعلم

стр. 446

كتاب الْجراح والديانات والقود وَغير ذَلِك مو وَجب لَهُ الْقود فَلهُ الْقود وَله أَخذ الدِّيَة بِغَيْر رضَا الْقَاتِل فِي مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَا تُؤْخَذ الدِّيَة إِلَّا بِرِضا الْقَاتِل وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك إِذا خنقه الخنق الَّذِي يقتل غَالِبا وَجب الْقود عِنْد الْجُمْهُور كمالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وصاحبي أبي حنيفَة وَلَو ادّعى أَن هَذَا لَا يقتل غَالِبا لم يقبل قَوْله بِغَيْر حجَّة وَأما إِن كَانَ أَحدهمَا قد غشي عَلَيْهِ بعدالخنق ورفسه الآخر بِرجلِهِ حَتَّى خرج من فِيهِ شَيْء فَمَاتَ فَهُنَا يجب فِيهِ الْقود بِلَا ريب مَسْأَلَة وَمن شرب الْخمر ثمَّ قتل وَهُوَ يعلم مَا يَقُول فَهُوَ قَاتل يجب عَلَيْهِ الْقود وَأما إِن كَانَ لَا يعلم مَا يَقُول فَفِيهِ قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد أَكثر الْفُقَهَاء يوجبون الْقود فَإِن لم يشْهد بِالْقَتْلِ إِلَّا وَاحِد لم يحكم بِهِ إِلَّا أَن يحلف مَعَ ذَلِك أَوْلِيَاء الْمَقْتُول خمسين يَمِينا وَهَذَا إِن مَاتَ بِضَرْب وَكَانَ ضربه عُدْوانًا مَحْضا فَأَما إِن مَاتَ فِي مُضَارَبَة مَعَ آخر فَفِي الْقود نزاع وَكَذَلِكَ إِن ضربه دفعا لعدوانه عَلَيْهِ وضربه مثل ضربه سَوَاء مَاتَ بِسَبَب الضَّرْب أَو غَيره وَلَو رفسه فِي أنثييه فَمَاتَ فَهُوَ عمد لِأَنَّهُ يقتل غَالِبا وَلَيْسَ لوَلِيّ الْأَمر أَن يَأْخُذ من الْقَاتِل شَيْئا لنَفسِهِ وَلَا لبيت المَال وَإِنَّمَا الْحق لأولياء الْمَقْتُول

стр. 447

فصل الْقَاتِل خطأ لَا يُؤْخَذ مِنْهُ قصاص فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة بل الْوَاجِب الْكَفَّارَة وَالدية وَأما الْقَاتِل عمدا إِن اقْتصّ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ الْمَقْتُول أَن يسْتَوْفى حَقه فِي الْآخِرَة فِيهِ قَولَانِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَفِي مَذْهَب غَيره فِيمَا أَظن قيل يسْقط حَقه لِأَن الْحق استوفى وَقيل بل لَهُ عَلَيْهِ حق فَإِن حَقه لم يسْقط بقتل الْوَرَثَة كَمَا لَا يسْقط حق الله بذلك وكما لَا يسْقط حق الْمَظْلُوم الَّذِي غضب مَاله وأعيد إِلَى ورثته بل لَهُ أَن يُطَالب الظَّالِم بِمَا حرمه من الِانْتِفَاع بِهِ فِي حَيَاته وَمن دفنت ابْنهَا فِي الْحَيَاة حَتَّى مَاتَ فَهُوَ أَرَادَ يجب عَلَيْهَا الدِّيَة تكون لوَرثَته لَيْسَ لَهَا مِنْهَا شَيْء بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَفِي وجوب الْكَفَّارَة عَلَيْهَا قَولَانِ وَكَذَلِكَ لَو عاندت فَأسْقطت جَنِينهَا إِمَّا بِضَرْب أَو شَيْء دَوَاء وَجب عَلَيْهِ غرَّة لوَرثَته غير أمه تكون الْغرَّة عشر الدِّيَة خمسين دِينَارا وَعَلَيْهَا عِنْد أَكثر الْعلمَاء عتق رَقَبَة مُؤمنَة فَإِن لم تَجِد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين فَإِن لم تستطع أطعمت سِتِّينَ مِسْكينا وَإِسْقَاط الْحمل حرَام بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَهُوَ من الوأد وَمن تَعَمّده عُوقِبَ عُقُوبَة تردعه وَأَمْثَاله وَذَلِكَ مِمَّا يقْدَح فِي دينه وعدالته مثل أَن يطَأ جَارِيَته ويلطخ ذكره بقطران اَوْ يسقيها سما أَو غَيره مِمَّا يسْقط جَنِينهَا وَإِذا جنى الصَّبِي خطأ ففقأ عينا أَو قلع سنا فديته على عَاقِلَته كَالْبَالِغِ وَأولى وَإِن فعله عمدا فَهُوَ خطأ عِنْد الْجُمْهُور كَأبي حنيفَة وَمَالك وَاحْمَدْ فِي الْمَشْهُور وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه وَالْقَوْل الآخر عمده فِي مَاله وَإِذا وَجب عَلَيْهِ شَيْء

стр. 448

وَلم يكن لَهُ مَال حمله عَنهُ أَبوهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد روى ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَالْقَوْل الآخر فِي ذمَّته وَلَيْسَ على أَبِيه شَيْء وَإِذا حمل حر وَعبد خَشَبَة فتهورت عَليّ رجل من غير عمد مِنْهُمَا فَقتلته فَإِن حصل مِنْهُمَا تَفْرِيط أَو عدوان وَجب الضَّمَان وَإِن كَانَ الْوَاقِف هُوَ المفرط بوقوفه حَيْثُ لَا يصلح الْمَكَان فَلَا ضَمَان وَإِن لم يحصل تَفْرِيط من أحد وَكَانَ التّلف بِمُبَاشَرَة مِنْهُمَا فعلَيْهِمَا الضَّمَان وَإِن كَانَ بطرِيق السَّبَب فَلَا ضَمَان وَإِذا وَجب الضَّمَان فَالضَّمَان عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ فنصيب العَبْد فِي رقبته وليسيده فداؤه ويفتديه بِأَقَلّ الْأَمريْنِ من قِيمَته وَقدر جِنَايَته وَإِن تغيب فَلَا شَيْء على السَّيِّد وَلَا يجوز قتل الذِّمِّيّ بِغَيْر حق فَإِن قَتله مُسلم فَلَا قَود وَعَلِيهِ دِيَته لوَرثَته وَكَفَّارَة الْقَتْل وَإِن كَانَ عمدا فقد قضى عُثْمَان ﵁ بِتَضْعِيف الدِّيَة فَيجب دينة مُسلم ومظالم الْعباد لَا تسْقط بِمُجَرَّد اسْتِغْفَار العَبْد بل يوفيهم الله من حَسَنَات الظَّالِم أَو من عِنْده وَمن أقرّ بِالْقَتْلِ مكْرها فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حكم بقتل وَلَا غَيره إِذا لم يتَبَيَّن صدق إِقْرَاره وَإِن أقرّ وَاحِد عدل أَنه قَتله فَهُوَ لوث لأولياء الْمَقْتُول أَن يحلفوا خمسين يَمِينا ويستحقون الدَّم وَمن أَخذ مَاله فانهم بِهِ رجلا من أهل التهم فَضَربهُ على تَقْرِيره فَأقر ثمَّ أنكر فَضَربهُ حَتَّى مَاتَ فَعَلَيهِ أَن يعْتق رَقَبَة مُؤمنَة وَتجب دِيَة الْمَقْتُول وَلَو فعل بِهِ فعلا لَا يقتل إِلَّا أَن يُصَالح ورثته على أقل من ذَلِك غَالِبا بِلَا حق وَلَا شُبْهَة لوَجَبَ الْقود وَلَو كَانَت بِحَق لم يجب شَيْء

стр. 449

وَإِذا اتّفق الْكِبَار من الْوَرَثَة على الْقَتْل فَلهم ذَلِك عِنْد أَكثر الْعلمَاء كَأبي حنيفَة وَمَالك فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَمن قتل فَعَفَا عَنهُ الْأَوْلِيَاء على أَنه لَا ينزل بِلَادهمْ وَلَا يسكنهَا وَلم يَفِ بِهَذَا الشَّرْط لم يكن الْعَفو لَازِما بل لَهُم أَن يطالبوه بِالدِّيَةِ فِي قَول وبالدم فِي قَول آخر وَسَوَاء قيل هُوَ شَرط صَحِيح أم فَاسد وَسَوَاء قيل يفْسد العقد بفساده أم لَا فَإِن ذَيْنك الْقَوْلَيْنِ مبنيان على هَذِه الْأُصُول وَإِذا ضرب رجلا فَقلع أَسْنَانه وَكَانَت الضَّرْبَة تقلع الْأَسْنَان عَادَة فَفِيهِ الْقصاص فيقلع من أَسْنَانه مثل مَا قلع وَإِذا قَالَ لزوجته أسقطي مَا فِي بَطْنك وَالْإِثْم عَليّ فَفعلت وَسمعت مِنْهُ فعلَيْهَا الْكَفَّارَة عتق رَقَبَة مُؤمنَة وَعَلَيْهَا غرَّة وَإِذا وعد رجلا بِشَيْء عَليّ أَن يقتل لَهُ فلَانا فعلى الْقَاتِل الْقود وَأما الواعد فَعَلَيهِ الْعقُوبَة الَّتِي تردعه وَأَمْثَاله وَعند بَعضهم الْقود وَمن نزل مَكَانا فجَاء لص سرق قماشه فلحق السَّارِق فَضَربهُ بِالسَّيْفِ فَمَاتَ وَكَانَ هَذَا هُوَ الطَّرِيق فِي استرجاع مَا مَعَ السَّارِق لم يلْزم الضَّارِب شَيْء فقد روى عَن عمر ﵁ أَن لصا دخل دَاره فَقَامَ إِلَيْهِ بِالسَّيْفِ فلولا أَنهم ردُّوهُ عَنهُ لضربه بِالسَّيْفِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من قتل دون مَال فَهُوَ شَهِيد وَمن علم بِوُقُوع بنائِهِ فَلم ينْقضه فأتلف صَغِيرا فَعَلَيهِ الضَّمَان فِي أحد قولي الْعلمَاء فصل فِي الْقسَامَة إِذا قَالَ الْقَتِيل فلَان قتلني فَلَا يُؤْخَذ بِمُجَرَّد قَوْله بِلَا نزاع وَهل يكون لؤثا يحلف مَعَه أَوْلِيَاء الْمَقْتُول خمسين يَمِينا ويستحقون دم الْمَحْلُوف عَلَيْهِ إِذا كَانَ بِهِ أثر ضرب أَو جرح فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه لوث وَهُوَ قَول مَالك وَالثَّانِي لَا وَهُوَ قَول البَاقِينَ

стр. 450

وَلَو شهد شَاهِدَانِ لم تثبت عدالتهما فَهُوَ لوث للأولياء أَن يحلفوا ويستحقون الذَّم وَمن أحد من أَمْوَال النَّاس شَيْئا يجب عَلَيْهِ إِحْضَاره كالأمانات وَادّعى هلاكها دَعْوَى تكذبها الْعَادة لم يلْتَفت إِلَى قَوْله بل يُعَاقب حَتَّى يحضرهُ كالمدين إِذا غيب مَاله وأصر على الْحَبْس ضرب أَيْضا وَمن عرف بِالشَّرِّ ضرب إِذا اتهمَ بِسَرِقَة أَو غَيرهَا حَتَّى يعْتَرف وَمن لم يعْتَرف يحبس حَتَّى يتَبَيَّن أمره وَمن عرف بِالْخَيرِ لم يقبل عَلَيْهِ تُهْمَة أحد بل لَا يستحف فِي أحد قولي الْعلمَاء بل يُؤَدب من اتهمه وَمن اتهمَ بقتيل وَهُنَاكَ لوث ويغلب على الظَّن أَنه قَتله لعداوة أَو توعد بقتل وَنَحْوه جَازَ لأولياء الْمَقْتُول أَن يحلفوا خمسين يَمِينا ويستحقون دَمه وَأما ضربه لِيُقِر فَلَا يجوز إِلَّا مَعَ الْقَرَائِن الَّتِي تدل على أَنه قَتله فَإِن بَعضهم جوز تَقْرِيره بِالضَّرْبِ فِي هَذِه الْحَال وَمنعه بَعضهم مُطلقًا وَلَيْسَ على أهل الْبقْعَة فِي الْعَادة السُّلْطَانِيَّة وَلَا فِي حكم الشَّرِيعَة شَيْء وَمن رأى رجلا قد قتل وَهُوَ قَاطع طَرِيق وَعلم من وُلَاة الْأَمر أَنهم يطلبونه ليقتلوه وَقدر عَلَيْهِ جَازَ قَتله بل يُؤجر على ذَلِك وَإِن كَانَ قد قَتله لغَرَض كعداوة فَالْأَمْر إِلَى أَوْلِيَاء الْمَقْتُول إِن أذنوا فِيهِ جَازَ قَتله وروى أَبُو دَاوُد عَن النُّعْمَان بن بشير أَنه قَالَ لقوم طلبُوا مِنْهُ أَن يضْرب رجلا على تُهْمَة قَالَ إِن شِئْتُم ضَربته لكم فَإِن ظهر مالكم عِنْده وَإِلَّا ضربتكم مثل مَا ضَربته فَقَالُوا هَذَا حكمك فَقَالَ هَذَا حكم الله وَرَسُوله وَهَذَا فِي ضرب من لم يعرف بِالشَّرِّ أما من عرف بِالشَّرِّ فَذَاك مقَام آخر فَيسْتَحق الْمَضْرُوب أَن يضْرب من ضربه من المتهمين لَهُ إِذا لم يعرف بِالشَّرِّ قبل ذَلِك

стр. 451

وَفِي هَذَا دَلِيل على أَنه يجوز ضرب من لم يعرف بِالشَّرِّ وَقد تقدم فِي كَلَامه أَنه لَا يضْرب بل يحبس إِمَّا شهرا وَإِمَّا بِحَسب مَا يرى ولي الْأَمر حَتَّى يتَبَيَّن أمره فَحَمله حَدِيث النُّعْمَان على من لم يعرف بشر مُشكل وَمن كذب على رجل حَتَّى ضرب وعلق وطافوا بِهِ وَحبس فَيجب عُقُوبَة الْكَاذِب عُقُوبَة تردعه وَأَمْثَاله بل جُمْهُور السّلف يوجبون الْقصاص فِي مثل ذَلِك فَمن ضرب غَيره أَو جرحه بِغَيْر حق فَإِنَّهُ يفعل بِهِ كَمَا فعل كَمَا قَالَ عمر ﵁ أَيهَا النَّاس إِنِّي لم أبْعث عمالي إِلَيْكُم ليضربوا أبشاركم وَلَا ليأخذوا أَمْوَالكُم وَلَكِن ليعلموكم كتاب الله وَسنة نَبِيكُم ويقسموا بَيْنكُم فيئكم فَلَا يبلغنِي أَن أحدا ضربه عَامله بِغَيْر حق إِلَّا أقدته فَرَاجعه عَمْرو ابْن الْعَاصِ فِي ذَلِك فَقَالَ إِن رَسُول الله ﷺ أقاد من نَفسه إِذا قتل جمَاعَة وَاحِدًا قتل الَّذين باشروا قَتله وَأما من أعانوا على ذَلِك مثل أَن أدخلوهم إِلَى بَيته أَو حفظوا الْأَبْوَاب وَنَحْو ذَلِك فَفِي قَتلهمْ قَولَانِ للْعُلَمَاء وَإِن كَانَ شَارك فِي قَتله أَوْلَاده الصغار فَلَا مِيرَاث لَهُم فِي أحد قولي الْعلمَاء وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد بل يعاقبون بالتأديب وَلَا يقتلُون وَمذهب أبي حنيفَة وَمَالك يورثون إِذا عَاد أحد مُقَاتِلًا مُمْتَنعا من الطَّائِفَة الْمفْسدَة الَّذين خَرجُوا عَن الطَّاعَة وَفرقُوا الْجَمَاعَة وعدوا على الْمُسلمين فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ بِغَيْر حق وَقد طلبُوا الْقيام ليقام فيهم أَمر الله وَرَسُوله فَالَّذِي عَاد مِنْهُم مُقَاتِلًا مُمْتَنعا يجوز قِتَاله وَلَا شَيْء على من قَتله بل المحاربون يَسْتَوِي فيهم المعاون والمباشر عِنْد جُمْهُور الْأَئِمَّة أَحْمد وَمَالك وَأبي حنيفَة فَمن عاونهم كَانَ حكمه حكمهم وَيجوز بل يجب بِإِجْمَاع الْمُسلمين قتال كل طَائِفَة ممتنعة عَن شَرِيعَة من شرائع الْإِسْلَام الظَّاهِرَة المتواترة مثل الطَّائِفَة الممتنعة عَن إِقَامَة الصَّلَوَات الْخمس

стр. 452

أَو عَن أَدَاء الزَّكَاة عَن الصّيام الْمَفْرُوض وَمثل من لَا يمْتَنع عَن سفك دِمَاء الْمُسلمين وَأخذ أَمْوَالهم بِالْبَاطِلِ وَمثل ذَوي الشَّوْكَة المقيمين بِأَرْض لَا يصلونَ بهَا وَلَا يتحاكمون بَينهم بِالشَّرْعِ الَّذِي بعث الله بِهِ رَسُوله وَلَا عِنْدهم مَسْجِد وَلَا يُؤذنُونَ وَلَا يزكون مَعَ وُجُوبهَا عَلَيْهِم أَو يقتل بَعضهم بَعْضًا وينهب بَعضهم مَال بعض وَيقْتلُونَ الْأَطْفَال ويسبونهم ويتبعون مَا يسنه الأفرنج وَإِذا دعى أحدهم إِلَى الشَّرْع قَالَ أَنا للشَّرْع فَهَؤُلَاءِ يجب قِتَالهمْ كَمَا أَمر رَسُول الله ﷺ بقتل الْخَوَارِج مَعَ كَون الصَّحَابَة ﵃ كَانَ أحدهم يحقر صلَاته مَعَ صلَاتهم وصيامه مَعَ صِيَامهمْ فَقَاتلهُمْ عَليّ ﵁ وَيدعونَ قبل الْقِتَال إِلَى الْتِزَام شرائع الْإِسْلَام فَإِن التزموها استوثق مِنْهُم وَلم يكتف بِمُجَرَّد قَوْلهم بل تنْزع مِنْهُم الْخَيل وَالسِّلَاح كَمَا فعل أَبُو بكر ﵁ بِأَهْل الرِّدَّة حَتَّى يرى مِنْهُم السّلم وَيُرْسل إِلَيْهِم من يعلمهُمْ الْإِسْلَام وَيُقِيم بهَا الصَّلَاة ويستخدم بعض المطيعين مِنْهُم فِي جند الْمُسلمين ويجعلهم فِي جمَاعَة الْمُسلمين وَيمْنَعُونَ من ركُوب الْخَيل وَأخذ السِّلَاح حَتَّى يستقيموا فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا الله وَرَسُوله وَإِلَّا وَجب قِتَالهمْ حَتَّى يلتزموا شرائع الْإِسْلَام الظَّاهِرَة المتواترة وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين عُلَمَاء الْإِسْلَام فصل هَذِه الْفِتَن الَّتِي تقع بَين الْبَادِيَة ويزعمون أَنهم من أمة مُحَمَّد ﷺ كحرام وَسعد وهلال وثعلبة وأمثالهم من أعظم الْفِتَن الْمُحرمَات وأكبر الْمُنْكَرَات فَيجب أَن يكون بعد الْمُسلمين من يَأْمُرهُم بِالْخَيرِ والاجتماع على مَا يُحِبهُ لله وَرَسُوله من عِبَادَته وَحده لَا شريك لَهُ والتعاون على الْبر وَالتَّقوى

стр. 453

ويؤمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَالْوَاجِب أَن يسْعَى بَين هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ بِالصُّلْحِ الَّذِي أَمر الله بِهِ رَسُوله وَيُقَال لهَذِهِ مَا تنقم من هَذِه ولهذه مَا تنقم من هَذِه وَمن كَانَ من الطَّائِفَتَيْنِ يظنّ أَنه مظلوم مبغي عَلَيْهِ فَإِذا صَبر وَعَفا أعزه الله تَعَالَى وَنَصره وَمن كَانَ بَاغِيا فَاسِقًا فليتق الله وليتب إِلَيْهِ وَهَذِه الْفِتَن سَببهَا الذُّنُوب فعلى كل من الطَّائِفَتَيْنِ أَن يسْتَغْفر الله وَيَتُوب إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يرفع عَنْهُم الْعَذَاب وَينزل عَلَيْهِم الرَّحْمَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وَأجْمع الْمُسلمُونَ على جَوَاز مقاتلة قطاع الطَّرِيق فَإِذا طلبُوا مَالا لمعصوم لم يَصح أَن يعطيهم شَيْئا بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة بل يدفعهم بالأسهل فالأسهل فَإِن لم يندفعوا إِلَى الْقِتَال فَلهُ أَن يقاتلهم فَإِن قتل كَانَ شَهِيدا وَإِن قتل مِنْهُم وَاحِدًا على هَذَا الْوَجْه كَانَ دَمه هدرا وَكَذَلِكَ إِذا طلبُوا دَمه وَفِي وجوب دَفعه عَن عَدمه نزاع هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَلَا يجب الدّفع عَن مَاله قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَبشر المخبتين﴾ قَالَ عَمْرو بن أَوْس ﵀ عَلَيْهِ هم الَّذين لَا يظْلمُونَ إِذا ظلمُوا فَيَنْبَغِي الصَّبْر على الظَّالِم وَألا يُقَاتل الْبَغي ببغي كَمَا قَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ لَو بغى جبل على جبل لجعل الله الْبَاغِي مِنْهُمَا دكا وَمن حِكْمَة الشّعْر ... قضى الله أَن الْبَغي يصرع أَهله ... وَأَن على الْبَاغِي تَدور الدَّوَائِر ... وَيشْهد لهَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا بَغْيكُمْ على أَنفسكُم﴾

стр. 454

فصل هَذِه الْأُخوة الَّتِي تكون بَين بعض النَّاس فِي هَذَا الزَّمَان وَقَول كل وَاحِد مِنْهُمَا مَالِي مَالك ودمى دمك وَوَلَدي ولدك وَيشْرب أَحدهمَا دم الآخر فَهَذَا الْفِعْل على هَذَا الْوَجْه غير مَشْرُوع بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَإِنَّمَا كَانَ أصل الْأُخوة أَنه ﷺ آخى بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وحاف بَينهم فيدار أنس بن مَالك كَمَا آخى بَين سعيد بن الرّبيع وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَبَين سُلَيْمَان الْفَارِسِي وَأبي الدَّرْدَاء وَأما مَا يذكرهُ بعض المصنفين من أَن النَّبِي ﷺ آخى عليا وآخى أبي بكر وَعمر ﵃ وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا بَاطِل بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة فَإِنَّهُ لم يؤاخ بَين مُهَاجِرِي ومهاجري وَإِنَّمَا آخى بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَكَانُوا يتوارثون بالمؤاخاة حَتَّى نزل ﴿وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض﴾ وَتَنَازَعُوا اهل يُورث بهَا عِنْد تقدم الْوَرَثَة على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عِنْد أَحْمد وَكَذَلِكَ تنَازع النَّاس هَل يشرع فِي الْإِسْلَام أَن يتآخى اثْنَان ويتحالفا كَمَا فعل الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار ﵃ فَقيل إِن ذَلِك مَنْسُوخ لما رَوَاهُ مُسلم أَنه قَالَ لَا حلف فِي الْإِسْلَام وَمَا من حلف كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة إِلَّا زَاده الْإِسْلَام شدَّة وَلِأَن الله تَعَالَى جعل المومنين بِنَصّ الْقُرْآن وَقَالَ ﷺ أَخُو الْمُسلم فَمن كَانَ قَائِما بِوَاجِب الْإِيمَان كَانَ أَخا لكل مُؤمن وَيجب عَلَيْهِ أَن يقوم بحقوقه وَإِن لم يجر بَينهمَا عقد أخوة خَاص فَإِن الله وَرَسُوله قد عقدا الْأُخوة بَينهمَا فَيجب على كل مُسلم أَن يكون حبه وبغضه ومعاداته وموالاته تبعا لحب الله وَرَسُوله ولأمر الله وَرَسُوله وَمن النَّاس من يَقُول يشرع مثل ذَلِك تِلْكَ المؤاخاة والمحالفة وَهُوَ يُنَاسب من

стр. 455

يَقُول بالتوارث بالمحافة لَكِن لَا نزاع بَين الْمُسلمين فِي أَن ولد أَحدهمَا يضرون ولد الآخر بإرثهم مَعَ أَوْلَاده فَإِن الله تَعَالَى قد نسخ التبنى الَّذِي كَانَ من دين الْجَاهِلِيَّة حَيْثُ كَانَ الرجل يتبنى ولد غَيره وَكَذَلِكَ لَا يصير مَال كل وَاحِد مِنْهُمَا مَالا للْآخر يُورث عَنهُ وَلَكِن إِذا طابت نفس الْوَاحِد بِمَا يتَصَرَّف الآخر فِيهِ من مَاله فَهَذَا جَائِز كَمَا كَانَ السّلف يَفْعَلُونَ فقد كَانَ أحدهم يدْخل بَيت الآخر فيأكل من طَعَامه مَعَ غيبته بِطيب نَفسه بذلك كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَو صديقكم﴾ وَأما شرب كل مِنْهُمَا دم الآخر فَهَذَا لَا يجوز بِحَال وَيُشبه هَذَا بالذين يتآخون متعاونين على الْإِثْم والعدوان بالاكتواء وعَلى حب المردان وَهَذَا مثل مؤاخاة من ينتسب الى المشيخة والسلوك للنِّسَاء فيؤاخى أحدهم الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة ويخلو بهَا وَقد أقرّ طوائف من هَؤُلَاءِ بِمَا جرى بَينهم من الْفَوَاحِش فَمثل هَذِه المؤاخاة مِمَّا فِيهِ تعاون على الْإِثْم والعدوان كَائِنا مَا كَانَ حرَام بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَإِنَّمَا النزاع فِي مؤاخاة يكون مقصودها التعاون على الْبر وَالتَّقوى بِحَيْثُ تجمعهما طَاعَة الله وتفرق بَينهمَا مَعْصِيّة الله كَمَا يَقُولُونَ تجمعنا السّنة وتفرقنا الْبِدْعَة فَهَذِهِ هِيَ الَّتِي فِيهَا النزاع فَأكْثر الْعلمَاء لَا يرونها اكْتِفَاء بالأخوة فِي الْإِسْلَام الَّتِي عقدهَا الله وَرَسُوله وَبِالْجُمْلَةِ فَكل شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل وَإِن كَانَ مائَة شَرط سَوَاء فِي ذَلِك البيع وَالْإِجَارَة والأخوة والمشيخة وَغَيرهَا وَإِذا اقتتل طَائِفَتَانِ من الفلاحين وَغَيرهم فَانْهَزَمَ وَاحِد تَوْبَة وخوفا من الله لم يحكم لَهُ بالنَّار وَأما إِن كَانَ قد انهزم عَجزا وَلَو قدر على خَصمه لقَتله فَهُوَ فِي النَّار كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا التقى المسلمان بسفيهما فالقاتل والمقتول فِي النَّار قيل يَا رَسُول الله هَذَا الْقَاتِل فَمَا بَال الْمَقْتُول قَالَ إِنَّه أَرَادَ قتل صَاحبه فَإِذا كَانَ الْمَقْتُول فِي النَّار مَعَ كَونه لَيْسَ أَسْوَأ حَالا مِمَّن انهزم فَكيف بالمنهزم فمصيبة قَتله لم تكفر مَا كَانَ حَرِيصًا عَلَيْهِ من قتل صَاحبه وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَة من

стр. 456

الْفُقَهَاء إِن مُنْهَزِم الْبُغَاة يقتل إِذا كَانَ لَهُ طَائِفَة يأوى إِلَيْهَا فيخاف عودة بِخِلَاف المثحن مِنْهُم والمقتول قد يُقَال إِنَّه يكفر عَنهُ بعض ذَنبه مَعَ أَنه مَعَ أهل النَّار بِخِلَاف المنهزم الْمصر على الْحِنْث الْعَظِيم فانه أَسْوَأ حَالا مِنْهُ فصل هَؤُلَاءِ الْقَوْم المسمون بالنصيرية الَّذين ينزلون جبال الدروز من بِلَاد الشَّام وَغَيرهَا وَسَائِر أَصْنَاف القرامطة الباطنية هم أكفر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى بل وأكفر من كثير من الْمُشْركين وَفِيهِمْ من جنس دين البراهمة والوثنيين والملحدين وضررهم على أمة مُحَمَّد ﷺ أعظم من الْكفَّار الْمُحَاربين مثل كفار التّرْك والافرنج وَغَيرهم فَإِن هَؤُلَاءِ يتظاهرون عِنْد جهال الْمُسلمين بالتشيع وموالاة أهل الْبَيْت وهم فِي الْحَقِيقَة لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِرَسُولِهِ وَلَا بكتابه وَلَا بِأَمْر وَلَا نهي وَلَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب وَلَا جنَّة وَلَا بِأحد من الْمُرْسلين وَلَا شَرِيعَة من الشَّرَائِع السماوية وَلَا بِملَّة من الْملَل بل يحرفُونَ كَلَام الله وَرَسُوله الْمَعْرُوف عِنْد الْمُسلمين إِلَى أُمُور من الالحاد وَالْكفْر يدعونَ أَنَّهَا من علم الْبَاطِن وَهُوَ الزندقة والشرك وَتَكْذيب الله وكل رسله إِذْ مقصودهم الْحَقِيقِيّ هُوَ هدم الْإِيمَان وَشَرَائِع الْإِسْلَام بِكُل طَرِيق من جنس قَوْلهم إِن الصَّلَوَات الْخمس معرفَة أسرارهم وَالصِّيَام الْمَفْرُوض كتمان أسرارهم وَحج الْبَيْت الْعَتِيق زِيَارَة شيوخهم وَأَن يَد أبي لَهب أَبُو بكر وَعمر وَأَن النبأ الْعَظِيم وَالْإِمَام الْمُبين على ابْن ابي طَالب وَلَهُم فِي معاداة الْإِسْلَام وَأَهله وقائع مَشْهُورَة وَكتب مصنفة وَكلما سنحت لَهُم الفرصة سَفَكُوا دِمَاء الْمُسلمين كَمَا قتلوا الْحجَّاج وألقوهم فِي زَمْزَم وَأخذُوا الْحجر الْأسود فَبَقيَ مَعَهم مُدَّة حَتَّى رده خلفاء العباسيين وَقتلُوا من عُلَمَاء الْمُسلمين ومشايخهم وأمرائهم وجندهم من لَا يحصي عَددهمْ إِلَّا الله وصنف عُلَمَاء الْمُسلمين كتبا فِي هتك أستارهم وبينوا فِيهَا مَا هم عَلَيْهِ من الْكفْر الشنيع والزندقة

стр. 457

وَمن الْمَعْلُوم عِنْد أهل الْمعرفَة من الْمُسلمين أَن النَّصَارَى مَا استدلوا على السواحل الشامية إِلَّا من جهتهم وهم دَائِما مَعَ كل عَدو للْمُسلمين وَمن أعظم المصائب عِنْدهم انتصار الْمُسلمين على النَّصَارَى والتتار وَمن أعظم أعيادهم إِذا استولى وَالْعِيَاذ بِاللَّه النَّصَارَى على ثغور الْمُسلمين وبلادهم وبسببهم استولى النَّصَارَى على الْقُدس وَغَيره وبسببهم استولى التتار على بَغْدَاد وَقتلُوا الْخَلِيفَة وَقتلُوا من أهل بَغْدَاد مَالا يعلم عَددهمْ إِلَّا الله وأحرقوا الْكتب الإسلامية وأفسدوا فَسَادًا عَظِيما ثمَّ لما أَقَامَ الله مُلُوك الْمُسلمين الْمُجَاهدين فِي سَبِيل الله كنور الدّين الشَّهِيد وَصَلَاح الدّين وأتباعهما وفتحوا السواحب واستخلصوا الْبِلَاد الإسلامية من أَيدي النَّصَارَى وَمِمَّنْ كَانَ بهَا مِنْهُم وفتحوا أَيْضا أَرض مصر واستنفذوها من العبيدين الَّذين كَانُوا على دين هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَة القرامطة فَمن ذَلِك التَّارِيخ انتشرت دَعْوَة الْإِسْلَام بالبلاد المصرية والشامية وَلَهُم ألقاب مَعْرُوفَة عِنْد الْمُسلمين فَتَارَة يسمون الْمَلَاحِدَة وَتارَة يسمون القرامطة وَتارَة يسمون الباطنية وَتارَة يسمون الاسماعيلية وَتارَة يسمون النصيرية وَتارَة يسمون الخرمية وَتارَة يسمون المحمرة كَمَا قَالَ الْعلمَاء فيهم ظَاهر مَذْهَبهم الرَّفْض وباطنه الْكفْر الْمَحْض وَحَقِيقَة أَمرهم أَنهم يكفرون بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وهم تَارَة يبنون قَوْلهم على مَذْهَب المتفلسفة الطبيعين وَتارَة يبنونه على قَول الْمَجُوس الَّذِي يعْبدُونَ النُّور وَتارَة على غير ذَلِك من دُيُون الوثنيين ويتدرجون من كل إِلَى االرفض ويموهون على الْعَامَّة بالاحتجاج بتحريف الْآيَات وَالْأَحَادِيث أَو بِالْكَذِبِ على الله وَرَسُوله كَمَا يَزْعمُونَ كذبا أَن أول مَا خلق الله الْعقل حَدِيث وَهُوَ من وضعهم وكذبهم على قَوَاعِد الفلسفة اليونانية والهندية والمصرية الْقَدِيمَة الْقَائِلين أول الصادرات عَن وَاجِب الْوُجُود هُوَ الْعقل الْكُلِّي وَقد دخل كثير من باطلهم على كثير من الْمُسلمين وراج عَلَيْهِم حَتَّى صَار فِي كتب طوائف من المنتسبين إِلَى الْعلم وَالدّين

стр. 458

وبالأخص الصُّوفِيَّة وَإِن كَانَ الْعَامَّة مِنْهُم لَا يوافقونهم على أصل كفرهم لأَنهم لَا يعْرفُونَ حَقِيقَته وَلَو عرفوه لتبرءوا مِنْهُ وَلَهُم فِي إِظْهَار دعوتهم المعلونة الَّتِي يسمونها الدعْوَة الهادية دَرَجَات مُتعَدِّدَة ويسمون النِّهَايَة الْبَلَاغ الْأَكْبَر والناموس الْأَعْظَم ومضمون الْبَلَاغ الْأَكْبَر عِنْدهم جحد الخالف والاستهزاء بِهِ وبمن يقربهُ حَتَّى يكْتب أحدهم اسْم الله فِي أَسْفَل رجله وَفِيه أَيْضا جحد شرائعه تَعَالَى وَدينه وَجحد مَا جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاء إِذْ أَن الْأَنْبِيَاء عِنْدهم كَانُوا من جنسهم طَالِبين للرئاسة فَمنهمْ من أحسن فِي طلبَهَا وَمِنْهُم من أَسَاءَ فِي طلبَهَا تى قتل ويجعلون مُحَمَّدًا ومُوسَى من الْقسم الأول ويجعلون الْمَسِيح من الْقسم الثَّانِي وَفِيهِمْ من الِاسْتِهْزَاء بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَمن تَحْلِيل نِكَاح ذَوَات الْمَحَارِم وَسَائِر الْفَوَاحِش مَا يطول وَصفه وَلَهُم شارات ورموز فِي الْخطاب يعرف بهم بَعضهم بَعْضًا لذَلِك يخفى أَمرهم على أَكثر النَّاس إِلَّا القطنين الَّذين هم على بَيِّنَة وبصيرة فِي دين الْإِسْلَام وَقد اتّفق عُلَمَاء الْمُسلمين على أَن مثل هَؤُلَاءِ لَا تجوز مناكحتهم وَلَا تُبَاح ذَبَائِحهم وَأم الْجُبْن الْمَعْمُول بأنفحة ذَبَائِحهم فَفِيهِ قَولَانِ مشهوران للْعُلَمَاء كَسَائِر أنفحة الْميتَة وكأنفحة ذَبِيحَة الْمَجُوس الَّذين يُقَال عَنْهُم إِنَّهُم يذكون وَالْحكم فِيهَا كَالْحكمِ فِي جبن النَّصَارَى وَغَيرهم من الْكفَّار وَهِي مَسْأَلَة اجتهادية للمقلد أَن يُقَلّد من يُفْتى بِأحد الْقَوْلَيْنِ وَأما أوانيهم وملابسهم فكأواني الْمَجُوس على مَا عرف من مَذَاهِب الْأَئِمَّة وَلَا يجوز دفنهم فِي مَقَابِر الْمُسلمين وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِم فَإِن الله نهى عَن الصَّلَاة على الْمُنَافِقين كَعبد الله بن أبي وَنَحْوه وَكَانُوا يتظاهرون بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَالْجهَاد مَعَ الْمُسلمين وَلَا يظهرون مقَالَة تخَالف دين الْإِسْلَام وَقَالَ الله للنَّبِي ﷺ ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره إِنَّهُم كفرُوا بِاللَّه وَرَسُوله وماتوا وهم فَاسِقُونَ﴾

стр. 459

فَكيف بهؤلاء الَّذين هم الزندقة لَا يظهرون إِلَّا الْكفْر والالحاد وَحرب الْمُسلمين والكيد للاسلام بِكُل سَبِيل وَأما اسْتِخْدَام مثل هَؤُلَاءِ فِي ثغور الْمُسلمين وحصونهم أَو جنودهم فَهُوَ من أكبر الْكَبَائِر بِمَنْزِلَة من يستخدم الذئاب لرعي الْغنم فَإِنَّهُم أغش النَّاس للْمُسلمين ولولاة الْأُمُور وأحرص النَّاس على فَسَاد الْملَّة والدولة وهم شَرّ من المخامر الَّذِي يكون فِي الْكفْر فَإِن المخامر قد يكون لَهُ غَرَض إِمَّا مَعَ أَمِير الْعَسْكَر وَإِمَّا مَعَ الْعَدو وَهَؤُلَاء غرضهم بغض الْملَّة ونبيها ودينها وملوكها وعلمائها وعامتها وخاصتها وهم أحرص النَّاس على تَسْلِيم الْبِلَاد والعباد إِلَى عَدو الْمُسلمين وعَلى إِفْسَاد الْجند على ولي الْأَمر وإخراجهم عَن طَاعَته وَالْوَاجِب على وُلَاة الْأُمُور قطعهم من دواوين الْمُقَاتلَة وَعدم استخدامهم فِي ثغر وَلَا فِي غير ثغر وضررهم فِي الثغر أَشد وَلَا حُرْمَة لعقود هَؤُلَاءِ وَلَا لأموالهم وَلَا دِمَائِهِمْ بل دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالهمْ حَلَال لوَلِيّ أَمر الْمُسلمين فَمن كَانَ لَهُ عقد فِي أَي عمل مَعَ الْجند أَو فِي الثغور أَو فِي أَي شَأْن آخر من الشئون الإسلامية الْعَامَّة فَالْوَاجِب على ولي الْأَمر الْمُبَادرَة بفسخه وَإِذا أظهرُوا التَّوْبَة فَفِي قبُولهَا مِنْهُم نزاع بَين الْعلمَاء فَمن قبل تَوْبَتهمْ إِذا التزموا شَرِيعَة الْإِسْلَام أقرّ أَمْوَالهم للتائب فَقَط وَلم ينقلها إِلَى ورثتهم الَّذين لم يعلنوا التَّوْبَة فَتكون أَمْوَالهم فَيْئا لبيت المَال لَكِن هَؤُلَاءِ إِذا أخذُوا فَإِنَّهُم يظهرون التَّوْبَة إِذا أصل مَذْهَبهم التقية وكتمان أَمرهم وَفِيهِمْ من يعرف وَفِيهِمْ من قد لَا يعرف فالطريق أَن يحْتَاط أَوْلِيَاء الْأُمُور أَشد الِاحْتِيَاط فِي أَمرهم فَلَا يتركون مُجْتَمعين وَلَا يمكنون من حمل السِّلَاح وَأَن لَا يَكُونُوا من الْمُقَاتلَة ويلزمون شرائع الْإِسْلَام من الصَّلَوَات الْخمس وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَيتْرك بَينهم من يعلمهُمْ دين الْإِسْلَام ويحال بَينهم وَبَين معلميهم فَإِن أَبَا بكر الصّديق ﵁ هُوَ وَسَائِر الصَّحَابَة لما ظَهَرُوا على أهل الرِّدَّة وَجَاءُوا إِلَيْهِ قَالَ لَهُم الصّديق

стр. 460

اخْتَارُوا منى إِمَّا الْحَرْب الْمَحَلِّيَّة وَإِمَّا السّلم المخزية قَالُوا يَا خَليفَة رَسُول الله هَذِه الْحَرْب الْمَحَلِّيَّة قد عرفناها فَمَا السّلم المخزية قَالَ تداون قَتْلَانَا وَلَا ندى قَتْلَاكُمْ وتشهدون أَن قَتْلَانَا فِي الْجنَّة وَقَتلَاكُمْ فِي النَّار ومغنم مَا أصبْنَا من أَمْوَالكُم وتردون مَا أصبْتُم من أَمْوَالنَا وننزع مِنْكُم الْحلقَة وَالسِّلَاح وتمنعون من ركُوب الْخَيل وتتركون ترتعون وَرَاء أَذْنَاب الْإِبِل حَتَّى يرى الله خَليفَة رَسُول الله وَالْمُؤمنِينَ أمرا يعذرونكم بِهِ فوافقه الصَّحَابَة على ذَلِك إِلَّا فِي تضمنهم دِيَة قَتْلَى الْمُسلمين فَإِن عمر قَالَ لَهُ هَؤُلَاءِ قتلوا فِي سَبِيل الله فأجورهم على الله يَعْنِي هم اسْتشْهدُوا فَلَا دِيَة لَهُم فاتفقوا على قَول عمر ذَلِك وَهَذَا الَّذِي اتّفق عَلَيْهِ الصَّحَابَة هُوَ مَذْهَب أَئِمَّة الْعلمَاء فَهَذَا الَّذِي فعله الصَّحَابَة بأولئك الْمُرْتَدين بعد عودهم إِلَى الْإِسْلَام يفعل بِمن أظهر الْإِسْلَام والتهمة طَاهِرَة فِيهِ فَيمْنَع من ركُوب الْخَيل وَمن السِّلَاح والدروع الَّتِي تلبسها الْمُقَاتلَة وَلَا يتْرك فِي الْجند يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ ويلزمون شرائع الْإِسْلَام حَتَّى يظْهر مَا يَفْعَلُونَ من خير أَو شَرّ وَمن كَانَ من أَئِمَّة ضلالهم وَأظْهر التَّوْبَة أخرج عَنْهُم وسير إِلَى بِلَاد الْمُسلمين الَّتِي لَيْسَ لَهُم فِيهَا ظُهُور فإمَّا أَن يهديه الله أَو يَمُوت على نفَاقه من غير مضرَّة للْمُسلمين وَلَا ريب أَن جِهَاد هَؤُلَاءِ وَإِقَامَة الْحُدُود عَلَيْهِم من أعظم الطَّاعَات وَأوجب الْوَاجِبَات وَهُوَ أفضل من جِهَاد من يُقَاتل الْمُسلمين من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب فَإِن جِهَاد هَؤُلَاءِ حفظ وتطهير لما بأيدي الْمُسلمين من بِلَادهمْ وأزواجهم وَأَبْنَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وقتال الْعَدو الْخَارِج من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين إِنَّمَا هُوَ لإِظْهَار الدّين وَحفظ الأَصْل مقدم على حفظ الْفَرْع وَأَيْضًا فضرر هَؤُلَاءِ على الْمُسلمين أعظم أُولَئِكَ بل ضَرَر هَؤُلَاءِ فِي الدّين على كثير من النَّاس أَشد من ضَرَر الْمُحَاربين من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب فَوَاجِب على كل مُسلم أَن يقوم فِي ذَلِك بِحَسب مَا يقدر عَلَيْهِ من حربهم وَدفع
следующие страницы →