← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6104

مختصر الفتاوى المصرية - ط الفقي

بدر الدين البعلي

Полный текст (633 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الْفُقَهَاء إِن مُنْهَزِم الْبُغَاة يقتل إِذا كَانَ لَهُ طَائِفَة يأوى إِلَيْهَا فيخاف عودة بِخِلَاف المثحن مِنْهُم والمقتول قد يُقَال إِنَّه يكفر عَنهُ بعض ذَنبه مَعَ أَنه مَعَ أهل النَّار بِخِلَاف المنهزم الْمصر على الْحِنْث الْعَظِيم فانه أَسْوَأ حَالا مِنْهُ فصل هَؤُلَاءِ الْقَوْم المسمون بالنصيرية الَّذين ينزلون جبال الدروز من بِلَاد الشَّام وَغَيرهَا وَسَائِر أَصْنَاف القرامطة الباطنية هم أكفر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى بل وأكفر من كثير من الْمُشْركين وَفِيهِمْ من جنس دين البراهمة والوثنيين والملحدين وضررهم على أمة مُحَمَّد ﷺ أعظم من الْكفَّار الْمُحَاربين مثل كفار التّرْك والافرنج وَغَيرهم فَإِن هَؤُلَاءِ يتظاهرون عِنْد جهال الْمُسلمين بالتشيع وموالاة أهل الْبَيْت وهم فِي الْحَقِيقَة لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِرَسُولِهِ وَلَا بكتابه وَلَا بِأَمْر وَلَا نهي وَلَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب وَلَا جنَّة وَلَا بِأحد من الْمُرْسلين وَلَا شَرِيعَة من الشَّرَائِع السماوية وَلَا بِملَّة من الْملَل بل يحرفُونَ كَلَام الله وَرَسُوله الْمَعْرُوف عِنْد الْمُسلمين إِلَى أُمُور من الالحاد وَالْكفْر يدعونَ أَنَّهَا من علم الْبَاطِن وَهُوَ الزندقة والشرك وَتَكْذيب الله وكل رسله إِذْ مقصودهم الْحَقِيقِيّ هُوَ هدم الْإِيمَان وَشَرَائِع الْإِسْلَام بِكُل طَرِيق من جنس قَوْلهم إِن الصَّلَوَات الْخمس معرفَة أسرارهم وَالصِّيَام الْمَفْرُوض كتمان أسرارهم وَحج الْبَيْت الْعَتِيق زِيَارَة شيوخهم وَأَن يَد أبي لَهب أَبُو بكر وَعمر وَأَن النبأ الْعَظِيم وَالْإِمَام الْمُبين على ابْن ابي طَالب وَلَهُم فِي معاداة الْإِسْلَام وَأَهله وقائع مَشْهُورَة وَكتب مصنفة وَكلما سنحت لَهُم الفرصة سَفَكُوا دِمَاء الْمُسلمين كَمَا قتلوا الْحجَّاج وألقوهم فِي زَمْزَم وَأخذُوا الْحجر الْأسود فَبَقيَ مَعَهم مُدَّة حَتَّى رده خلفاء العباسيين وَقتلُوا من عُلَمَاء الْمُسلمين ومشايخهم وأمرائهم وجندهم من لَا يحصي عَددهمْ إِلَّا الله وصنف عُلَمَاء الْمُسلمين كتبا فِي هتك أستارهم وبينوا فِيهَا مَا هم عَلَيْهِ من الْكفْر الشنيع والزندقة

стр. 457

وَمن الْمَعْلُوم عِنْد أهل الْمعرفَة من الْمُسلمين أَن النَّصَارَى مَا استدلوا على السواحل الشامية إِلَّا من جهتهم وهم دَائِما مَعَ كل عَدو للْمُسلمين وَمن أعظم المصائب عِنْدهم انتصار الْمُسلمين على النَّصَارَى والتتار وَمن أعظم أعيادهم إِذا استولى وَالْعِيَاذ بِاللَّه النَّصَارَى على ثغور الْمُسلمين وبلادهم وبسببهم استولى النَّصَارَى على الْقُدس وَغَيره وبسببهم استولى التتار على بَغْدَاد وَقتلُوا الْخَلِيفَة وَقتلُوا من أهل بَغْدَاد مَالا يعلم عَددهمْ إِلَّا الله وأحرقوا الْكتب الإسلامية وأفسدوا فَسَادًا عَظِيما ثمَّ لما أَقَامَ الله مُلُوك الْمُسلمين الْمُجَاهدين فِي سَبِيل الله كنور الدّين الشَّهِيد وَصَلَاح الدّين وأتباعهما وفتحوا السواحب واستخلصوا الْبِلَاد الإسلامية من أَيدي النَّصَارَى وَمِمَّنْ كَانَ بهَا مِنْهُم وفتحوا أَيْضا أَرض مصر واستنفذوها من العبيدين الَّذين كَانُوا على دين هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَة القرامطة فَمن ذَلِك التَّارِيخ انتشرت دَعْوَة الْإِسْلَام بالبلاد المصرية والشامية وَلَهُم ألقاب مَعْرُوفَة عِنْد الْمُسلمين فَتَارَة يسمون الْمَلَاحِدَة وَتارَة يسمون القرامطة وَتارَة يسمون الباطنية وَتارَة يسمون الاسماعيلية وَتارَة يسمون النصيرية وَتارَة يسمون الخرمية وَتارَة يسمون المحمرة كَمَا قَالَ الْعلمَاء فيهم ظَاهر مَذْهَبهم الرَّفْض وباطنه الْكفْر الْمَحْض وَحَقِيقَة أَمرهم أَنهم يكفرون بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وهم تَارَة يبنون قَوْلهم على مَذْهَب المتفلسفة الطبيعين وَتارَة يبنونه على قَول الْمَجُوس الَّذِي يعْبدُونَ النُّور وَتارَة على غير ذَلِك من دُيُون الوثنيين ويتدرجون من كل إِلَى االرفض ويموهون على الْعَامَّة بالاحتجاج بتحريف الْآيَات وَالْأَحَادِيث أَو بِالْكَذِبِ على الله وَرَسُوله كَمَا يَزْعمُونَ كذبا أَن أول مَا خلق الله الْعقل حَدِيث وَهُوَ من وضعهم وكذبهم على قَوَاعِد الفلسفة اليونانية والهندية والمصرية الْقَدِيمَة الْقَائِلين أول الصادرات عَن وَاجِب الْوُجُود هُوَ الْعقل الْكُلِّي وَقد دخل كثير من باطلهم على كثير من الْمُسلمين وراج عَلَيْهِم حَتَّى صَار فِي كتب طوائف من المنتسبين إِلَى الْعلم وَالدّين

стр. 458

وبالأخص الصُّوفِيَّة وَإِن كَانَ الْعَامَّة مِنْهُم لَا يوافقونهم على أصل كفرهم لأَنهم لَا يعْرفُونَ حَقِيقَته وَلَو عرفوه لتبرءوا مِنْهُ وَلَهُم فِي إِظْهَار دعوتهم المعلونة الَّتِي يسمونها الدعْوَة الهادية دَرَجَات مُتعَدِّدَة ويسمون النِّهَايَة الْبَلَاغ الْأَكْبَر والناموس الْأَعْظَم ومضمون الْبَلَاغ الْأَكْبَر عِنْدهم جحد الخالف والاستهزاء بِهِ وبمن يقربهُ حَتَّى يكْتب أحدهم اسْم الله فِي أَسْفَل رجله وَفِيه أَيْضا جحد شرائعه تَعَالَى وَدينه وَجحد مَا جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاء إِذْ أَن الْأَنْبِيَاء عِنْدهم كَانُوا من جنسهم طَالِبين للرئاسة فَمنهمْ من أحسن فِي طلبَهَا وَمِنْهُم من أَسَاءَ فِي طلبَهَا تى قتل ويجعلون مُحَمَّدًا ومُوسَى من الْقسم الأول ويجعلون الْمَسِيح من الْقسم الثَّانِي وَفِيهِمْ من الِاسْتِهْزَاء بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَمن تَحْلِيل نِكَاح ذَوَات الْمَحَارِم وَسَائِر الْفَوَاحِش مَا يطول وَصفه وَلَهُم شارات ورموز فِي الْخطاب يعرف بهم بَعضهم بَعْضًا لذَلِك يخفى أَمرهم على أَكثر النَّاس إِلَّا القطنين الَّذين هم على بَيِّنَة وبصيرة فِي دين الْإِسْلَام وَقد اتّفق عُلَمَاء الْمُسلمين على أَن مثل هَؤُلَاءِ لَا تجوز مناكحتهم وَلَا تُبَاح ذَبَائِحهم وَأم الْجُبْن الْمَعْمُول بأنفحة ذَبَائِحهم فَفِيهِ قَولَانِ مشهوران للْعُلَمَاء كَسَائِر أنفحة الْميتَة وكأنفحة ذَبِيحَة الْمَجُوس الَّذين يُقَال عَنْهُم إِنَّهُم يذكون وَالْحكم فِيهَا كَالْحكمِ فِي جبن النَّصَارَى وَغَيرهم من الْكفَّار وَهِي مَسْأَلَة اجتهادية للمقلد أَن يُقَلّد من يُفْتى بِأحد الْقَوْلَيْنِ وَأما أوانيهم وملابسهم فكأواني الْمَجُوس على مَا عرف من مَذَاهِب الْأَئِمَّة وَلَا يجوز دفنهم فِي مَقَابِر الْمُسلمين وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِم فَإِن الله نهى عَن الصَّلَاة على الْمُنَافِقين كَعبد الله بن أبي وَنَحْوه وَكَانُوا يتظاهرون بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَالْجهَاد مَعَ الْمُسلمين وَلَا يظهرون مقَالَة تخَالف دين الْإِسْلَام وَقَالَ الله للنَّبِي ﷺ ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره إِنَّهُم كفرُوا بِاللَّه وَرَسُوله وماتوا وهم فَاسِقُونَ﴾

стр. 459

فَكيف بهؤلاء الَّذين هم الزندقة لَا يظهرون إِلَّا الْكفْر والالحاد وَحرب الْمُسلمين والكيد للاسلام بِكُل سَبِيل وَأما اسْتِخْدَام مثل هَؤُلَاءِ فِي ثغور الْمُسلمين وحصونهم أَو جنودهم فَهُوَ من أكبر الْكَبَائِر بِمَنْزِلَة من يستخدم الذئاب لرعي الْغنم فَإِنَّهُم أغش النَّاس للْمُسلمين ولولاة الْأُمُور وأحرص النَّاس على فَسَاد الْملَّة والدولة وهم شَرّ من المخامر الَّذِي يكون فِي الْكفْر فَإِن المخامر قد يكون لَهُ غَرَض إِمَّا مَعَ أَمِير الْعَسْكَر وَإِمَّا مَعَ الْعَدو وَهَؤُلَاء غرضهم بغض الْملَّة ونبيها ودينها وملوكها وعلمائها وعامتها وخاصتها وهم أحرص النَّاس على تَسْلِيم الْبِلَاد والعباد إِلَى عَدو الْمُسلمين وعَلى إِفْسَاد الْجند على ولي الْأَمر وإخراجهم عَن طَاعَته وَالْوَاجِب على وُلَاة الْأُمُور قطعهم من دواوين الْمُقَاتلَة وَعدم استخدامهم فِي ثغر وَلَا فِي غير ثغر وضررهم فِي الثغر أَشد وَلَا حُرْمَة لعقود هَؤُلَاءِ وَلَا لأموالهم وَلَا دِمَائِهِمْ بل دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالهمْ حَلَال لوَلِيّ أَمر الْمُسلمين فَمن كَانَ لَهُ عقد فِي أَي عمل مَعَ الْجند أَو فِي الثغور أَو فِي أَي شَأْن آخر من الشئون الإسلامية الْعَامَّة فَالْوَاجِب على ولي الْأَمر الْمُبَادرَة بفسخه وَإِذا أظهرُوا التَّوْبَة فَفِي قبُولهَا مِنْهُم نزاع بَين الْعلمَاء فَمن قبل تَوْبَتهمْ إِذا التزموا شَرِيعَة الْإِسْلَام أقرّ أَمْوَالهم للتائب فَقَط وَلم ينقلها إِلَى ورثتهم الَّذين لم يعلنوا التَّوْبَة فَتكون أَمْوَالهم فَيْئا لبيت المَال لَكِن هَؤُلَاءِ إِذا أخذُوا فَإِنَّهُم يظهرون التَّوْبَة إِذا أصل مَذْهَبهم التقية وكتمان أَمرهم وَفِيهِمْ من يعرف وَفِيهِمْ من قد لَا يعرف فالطريق أَن يحْتَاط أَوْلِيَاء الْأُمُور أَشد الِاحْتِيَاط فِي أَمرهم فَلَا يتركون مُجْتَمعين وَلَا يمكنون من حمل السِّلَاح وَأَن لَا يَكُونُوا من الْمُقَاتلَة ويلزمون شرائع الْإِسْلَام من الصَّلَوَات الْخمس وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَيتْرك بَينهم من يعلمهُمْ دين الْإِسْلَام ويحال بَينهم وَبَين معلميهم فَإِن أَبَا بكر الصّديق ﵁ هُوَ وَسَائِر الصَّحَابَة لما ظَهَرُوا على أهل الرِّدَّة وَجَاءُوا إِلَيْهِ قَالَ لَهُم الصّديق

стр. 460

اخْتَارُوا منى إِمَّا الْحَرْب الْمَحَلِّيَّة وَإِمَّا السّلم المخزية قَالُوا يَا خَليفَة رَسُول الله هَذِه الْحَرْب الْمَحَلِّيَّة قد عرفناها فَمَا السّلم المخزية قَالَ تداون قَتْلَانَا وَلَا ندى قَتْلَاكُمْ وتشهدون أَن قَتْلَانَا فِي الْجنَّة وَقَتلَاكُمْ فِي النَّار ومغنم مَا أصبْنَا من أَمْوَالكُم وتردون مَا أصبْتُم من أَمْوَالنَا وننزع مِنْكُم الْحلقَة وَالسِّلَاح وتمنعون من ركُوب الْخَيل وتتركون ترتعون وَرَاء أَذْنَاب الْإِبِل حَتَّى يرى الله خَليفَة رَسُول الله وَالْمُؤمنِينَ أمرا يعذرونكم بِهِ فوافقه الصَّحَابَة على ذَلِك إِلَّا فِي تضمنهم دِيَة قَتْلَى الْمُسلمين فَإِن عمر قَالَ لَهُ هَؤُلَاءِ قتلوا فِي سَبِيل الله فأجورهم على الله يَعْنِي هم اسْتشْهدُوا فَلَا دِيَة لَهُم فاتفقوا على قَول عمر ذَلِك وَهَذَا الَّذِي اتّفق عَلَيْهِ الصَّحَابَة هُوَ مَذْهَب أَئِمَّة الْعلمَاء فَهَذَا الَّذِي فعله الصَّحَابَة بأولئك الْمُرْتَدين بعد عودهم إِلَى الْإِسْلَام يفعل بِمن أظهر الْإِسْلَام والتهمة طَاهِرَة فِيهِ فَيمْنَع من ركُوب الْخَيل وَمن السِّلَاح والدروع الَّتِي تلبسها الْمُقَاتلَة وَلَا يتْرك فِي الْجند يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ ويلزمون شرائع الْإِسْلَام حَتَّى يظْهر مَا يَفْعَلُونَ من خير أَو شَرّ وَمن كَانَ من أَئِمَّة ضلالهم وَأظْهر التَّوْبَة أخرج عَنْهُم وسير إِلَى بِلَاد الْمُسلمين الَّتِي لَيْسَ لَهُم فِيهَا ظُهُور فإمَّا أَن يهديه الله أَو يَمُوت على نفَاقه من غير مضرَّة للْمُسلمين وَلَا ريب أَن جِهَاد هَؤُلَاءِ وَإِقَامَة الْحُدُود عَلَيْهِم من أعظم الطَّاعَات وَأوجب الْوَاجِبَات وَهُوَ أفضل من جِهَاد من يُقَاتل الْمُسلمين من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب فَإِن جِهَاد هَؤُلَاءِ حفظ وتطهير لما بأيدي الْمُسلمين من بِلَادهمْ وأزواجهم وَأَبْنَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وقتال الْعَدو الْخَارِج من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين إِنَّمَا هُوَ لإِظْهَار الدّين وَحفظ الأَصْل مقدم على حفظ الْفَرْع وَأَيْضًا فضرر هَؤُلَاءِ على الْمُسلمين أعظم أُولَئِكَ بل ضَرَر هَؤُلَاءِ فِي الدّين على كثير من النَّاس أَشد من ضَرَر الْمُحَاربين من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب فَوَاجِب على كل مُسلم أَن يقوم فِي ذَلِك بِحَسب مَا يقدر عَلَيْهِ من حربهم وَدفع

стр. 461

شرهم فَلَا يحل لأحد أَن يكتم مَا يعرفهُ من أخبارهم بل يَنْبَغِي أَن يفشيها ويظهرها ليعرف الْمُسلمُونَ حَقِيقَة حَالهم ويحذروه وَلَا يحل لأحد أَن يعاونهم على بقائهم فِي الْجند والمستخدمين وَلَا يحل لأحد السُّكُوت عَن الْقيام عَلَيْهِم بِمَا أَمر الله بِهِ وَرَسُوله فَإِن هَذَا من أعظم أَبْوَاب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله وَقد قَالَ لنَبيه ﴿يَا أَيهَا النَّبِي جَاهد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ وَهَؤُلَاء لَا يخرجُون عَن الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ والمعاون على كف شرهم وعَلى هدايتهم بِحَسب الْإِمْكَان لَهُ من الْأجر وَالثَّوَاب مَالا يُعلمهُ إِلَّا الله فَإِن الْمَقْصُود وهدايتهم لما فِيهِ صَلَاح حَالهم وَحَال النَّاس فِي المعاش والمعاد كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ فَمن هداه الله مِنْهُم سعد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن لم يهتد كف الله ضَرَر عَن غَيره وَمَعْلُوم أَن الْجِهَاد وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر هُوَ أفضل الْأَعْمَال كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ رَأس الْأَمر الْإِسْلَام وعموده الصَّلَاة وذروة سنامة الْجِهَاد فِي سَبِيل الله وكما قَالَ تَعَالَى ﴿أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله لَا يستوون عِنْد الله وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم أعظم دَرَجَة عِنْد الله وَأُولَئِكَ هم الفائزون﴾ فصل من لعن أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ورضى الله عَنْهُم كمعاوية وَعَمْرو بن الْعَاصِ أَو من هُوَ أفضل من هَؤُلَاءِ كَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأبي هُرَيْرَة أَو من هُوَ أفضل من هَؤُلَاءِ كطلحة وَالزُّبَيْر وَعُثْمَان أَو على أَو أبي بكر

стр. 462

أَو عمر أَو عَائِشَة أَو نَحْو هَؤُلَاءِ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَرَضي الله عَنْهُم فَإِنَّهُ يسْتَحق الْعقُوبَة البليغة بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَتَنَازَعُوا هَل يُعَاقب بِالْقَتْلِ أَو مَا دون الْقَتْل وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَنه ﷺ قَالَ لَا تسبوا أَصْحَابِي فو الَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه واللعنة أعظم من السب فقد قَالَ النَّبِي ﷺ لعن الْمُؤمن كقتله وَأَصْحَابه خِيَار الْمُؤمنِينَ كَمَا قَالَ خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الدّين يَلُونَهُمْ وكل من رَآهُ وآمن بِهِ فَلهُ من الصُّحْبَة بِقدر ذَلِك وَلما كَانَ لفظ الصُّحْبَة فِيهِ عُمُوم كَانَ من أختص من الصُّحْبَة بِمَا يتَمَيَّز بِهِ عَن غَيره فَوق من لم يشْتَرك مَعَه فِيهَا كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث أبي سعيد لخَالِد بن الْوَلِيد ﵃ أَجْمَعِينَ لما اخْتصم هُوَ وَعبد الرَّحْمَن يَا خَالِد لَا تسبوا أَصْحَابِي فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه فعبد الرَّحْمَن بن عَوْف هُوَ وَأَمْثَاله ﵃ من السَّابِقين ولين الَّذين أَنْفقُوا قبل الْفَتْح فتح الْحُدَيْبِيَة وخَالِد بن الْوَلِيد وَغَيره مِمَّن أسلم بعد الْحُدَيْبِيَة وأنفقوا وقاتلوا دون أُولَئِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُم من أنْفق من قبل الْفَتْح وَقَاتل أُولَئِكَ أعظم دَرَجَة من الَّذين أَنْفقُوا من بعد وقاتلوا﴾ وَالْمرَاد بِالْفَتْح الَّتِي أنزلهَا الله قبل فتح مَكَّة بل قبل أَن يعْتَمر النَّبِي ﷺ عمْرَة الْقَضِيَّة وَكَانَت بيعَة الرضْوَان عَام الْحُدَيْبِيَة سنة سِتّ من الْهِجْرَة وَصَالح الْمُشْركين صلح الْحُدَيْبِيَة الْمَشْهُور وَبِذَلِك الصُّلْح حصل من الْفَتْح وَالْخَيْر مَالا يُعلمهُ إِلَّا الله مَعَ أَنه قد كَانَ كرهه خلق كثير من الْمُسلمين وَلم يعلمُوا مَا فِيهِ من حسن الْعَاقِبَة حَتَّى قَالَ سهل بن حنيف أَيهَا النَّاس اتهموا

стр. 463

أَنفسكُم فَلَقَد رَأَيْتنِي يَوْم أبي جندل وَلَو أَسْتَطِيع أَن أرد أَمر رَسُول الله ﷺ لرددته رَوَاهُ البُخَارِيّ فَلَمَّا كَانَ من الْعَام الْقَابِل اعْتَمر رَسُول الله ﷺ عمْرَة الْقَضِيَّة وَدخل هُوَ وَمن اعْتَمر مَعَه مَكَّة معتمرين وَأهل مَكَّة يَوْمئِذٍ مَعَ الْمُشْركين وَلما كَانَ فِي الْعَام الثَّانِي من فتح مَكَّة فِي شهر رَمَضَان وَقد أنزل الله فِي سُورَة الْفَتْح ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين مُحَلِّقِينَ رؤوسكم﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَجعل من دون ذَلِك فتحا قَرِيبا﴾ فَوَعَدَهُمْ فِي سُورَة الْفَتْح أَن يدخلُوا مَكَّة آمِنين وَأَن موعدهم الْعَام الثَّانِي عَام عمْرَة الْقَضِيَّة وَأنزل فِي ذَلِك ﴿الشَّهْر الْحَرَام بالشهر الْحَرَام والحرمات قصاص﴾ وَذَلِكَ كُله قبل تفتح مَكَّة فَمن توهم أَن سُورَة الْفَتْح نزلت بعد فتح مَكَّة فقد غلط غَلطا بَينا وَالْمَقْصُود أَن الدّين صحبو النَّبِي ﷺ قبل الْفَتْح واختصوا من الصُّحْبَة بِمَا استحقوا بِهِ فَإِنَّهُم صحبوه قبل أَن يَصْحَبهُ خَالِد وَأَمْثَاله وَلما كَانَ لأبي بكر الصّديق ﵁ من مزية الصُّحْبَة مَا يتَمَيَّز بِهِ عَن جَمِيع الصحاب ﵃ خصة بذلك فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ أَنه كَانَ بَين أبي بكر وَعمر كَلَام فَطلب أَبُو بكر من عمر أَن يسْتَغْفر لَهُ فَامْتنعَ عمر وَجَاء أَبُو بكر إِلَى النَّبِي ﷺ فَذكر لَهُ مَا جرى ثمَّ نَدم عمر فَخرج يطْلب أَبَا بكر فِي بَيته فَذكرُوا لَهُ أَنه عِنْد النَّبِي ﷺ فَلَمَّا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ أَخذ يغْضب لأبي بكر وَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي جِئْت إِلَيْكُم فَقلت إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم فقلتم كذبت وَقَالَ أَبُو بكر صدقت فَهَل أَنْتُم تاركوا لي صَاحِبي فَهَل أَنْتُم تاركو الى صَاحِبي فَهَل أَنْتُم تاركوا لي صَاحِبي فَمَا أوذي بعْدهَا فخصه هُنَا بالصحبة كَمَا خصّه بهَا الله فِي قَوْله ﴿إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن﴾

стр. 464

وَقَالَ ﷺ إِن من أَمن النَّاس عَليّ فِي صحبته وَذَات يَده أَبُو بكر وَلَو كنت متخذا من أهل الأَرْض خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَلَكِن صَاحبكُم خَلِيل الله لَا تبقين خوخة إِلَّا سدت إِلَّا خوخة أبي بكر هَذَا حَدِيث من أصح حَدِيث يكون بِاتِّفَاق أهل الحَدِيث فعموم الصُّحْبَة ينْدَرج فِيهَا كل من رَآهُ مُؤمنا بِهِ وَلِهَذَا يُقَال صُحْبَة سنة أَو شهرا أَو سَاعَة وَمُعَاوِيَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ ﵄ هما من الْمُؤمنِينَ لم يتهم أحد من السّلف بِنفَاق بل ثَبت فِي الصَّحِيح أَن عَمْرو بن الْعَاصِ لما بَايع النَّبِي ﷺ قَالَ على أَن يفغر الله لي مَا تقدم من ذَنبي فَقَالَ يَا عَمْرو أما علمت أَن الْإِسْلَام يهدم مَا كَانَ قبله وَأَن الْهِجْرَة تهدم مَا كَانَ قبلهَا وَأَن الْحَج يهدم مَا كَانَ قبله وَالْإِسْلَام الهادم هُوَ إِسْلَام الْمُؤمنِينَ وَأَيْضًا فعمرو وَأَمْثَاله مِمَّن قدم مُهَاجرا بعد الْحُدَيْبِيَة هَاجرُوا من بِلَادهمْ طَوْعًا والمهاجرون لم يكن فيهم مُنَافِق وَإِنَّمَا كَانَ النِّفَاق فِي بعض الْأَنْصَار وَذَلِكَ لِأَن الْأَنْصَار هم أهل الْمَدِينَة فَلَمَّا أسلم أَشْرَافهم وجمهورهم احْتَاجَ الْبَاقُونَ أَن يظهروا الْإِسْلَام نفَاقًا لعزة الْإِسْلَام وظهوره فِي قَومهمْ وَأما أهل مَكَّة فَكَانَ أَشْرَافهم كفَّارًا فَلم يكن يظْهر الْإِسْلَام إِلَّا من هُوَ مُؤمن ظَاهرا وَبَاطنا فَإِن من أظهر الْإِسْلَام كَانَ يُؤْذِي ويهجر فالمهاجرون كلهم لم يتهمهم أحد بالنفاق وَلعن الْمُؤمن كقتله وَأما مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَأَمْثَاله من الطُّلَقَاء الَّذين أَسْلمُوا بعد الْفَتْح كعكرمة بن أبي جهل والْحَارث بن هِشَام وَسُهيْل بن عَمْرو وَصَفوَان بن أُميَّة وَأبي سُفْيَان بن الْحَرْث بن عبد الْمطلب مِمَّن حسن إسْلَامهمْ بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَلم يتهم أحد مِنْهُم بعد ذَلِك بِنفَاق

стр. 465

وَمُعَاوِيَة قد اسْتَكْتَبَهُ النَّبِي ﷺ للوحي وَكَانَ أَكثر النَّاس كِتَابَة لَهُ وَقد روى بِإِسْنَاد جيد أَن النَّبِي وَقَالَ ﷺ قَالَ اللَّهُمَّ علمه الْكتاب والحساب وقه سوء الْعَذَاب وَكَانَ أَخُوهُ يزِيد بن أبي سُفْيَان خيرا مِنْهُ وَأفضل وَهُوَ أحد الْأُمَرَاء الَّذين بَعثهمْ أَبُو بكر ﵁ فِي فتح الشَّام ووصاه بِوَصِيَّة مَعْرُوفَة وَأَبُو بكر ماش وَيزِيد رَاكب فَقَالَ لَهُ يزِيد يَا خَليفَة رَسُول الله وَقَالَ ﷺ إِمَّا أَن تركب وَإِمَّا أَن أنزل قَالَ لست بِرَاكِب وَلست بنازل إِنِّي أحتسب خطاي فِي سَبِيل الله وَعَمْرو بن الْعَاصِ كَانَ هُوَ الْأَمِير الآخر وَالثَّالِث شُرَحْبِيل بن حَسَنَة وَالرَّابِع خَالِد بن الْوَلِيد وَهُوَ أَمِيرهمْ الْمُطلق رَضِي الله عَن الصَّحَابَة أَجْمَعِينَ ثمَّ عزل عمر ﵁ خَالِدا وَولى أَبَا عُبَيْدَة الَّذِي شهد لَهُ النَّبِي وَقَالَ ﷺ بِأَنَّهُ أَمِين هَذِه الْأمة فَكَانَ فتح الشَّام على يَد أبي عُبَيْدَة وَفتح الْعرَاق على يَد سعد بن أبي وَقاص ثمَّ لما مَاتَ يزِيد بن أبي سُفْيَان فِي خلَافَة عمر اسْتعْمل مَكَانَهُ أَخَاهُ مُعَاوِيَة وَكَانَ عمر بن الْخطاب من أعظم النَّاس فراسة وَأخْبرهمْ بِالرِّجَالِ وأقومهم بِالْحَقِّ وأعلمهم بِهِ حَتَّى قَالَ عَليّ كُنَّا نتحدث أَن السكينَة تَنْطَلِق على لِسَان عمر وَقَلبه وَقَالَ لَو لم أبْعث فِيكُم لبعث عمر وَمَا اسْتعْمل عمر وَلَا أَبُو بكر منافقا وَلَا استعملا من أقاربهما أحد وَلَا كَانَا تأخذهما فِي الله لومة لائم بل مَا قَاتلُوا أهل الرِّدَّة وأعادوهم إِلَى الْإِسْلَام منعوهم ركُوب الْخَيل وَحمل السِّلَاح فَكَانَ عمل يَقُول لسعد بن أبي وَقاص وَهُوَ أَمِير الْعرَاق لَا تسْتَعْمل مِنْهُم أحدا وَلَا تشاورهم فِي الْحَرْب فَإِنَّهُم كَانُوا أُمَرَاء أكَابِر مثل طَلْحَة الْأَسدي والأقرع بن حَابِس وعيينة بن حصن والأشعث بن قيس وأمثالهم

стр. 466

فَهَؤُلَاءِ لما تخوف أَبُو بكر وَعمر ﵄ مِنْهُم نوع نفاق لم يولوهم على الْمُسلمين فَلَو كَانَ عَمْرو بن الْعَاصِ وَمُعَاوِيَة مِمَّن يتخوف مِنْهُمَا النِّفَاق لم يولوهما على الْمُسلمين بل قد أَمر رَسُول الله وَقَالَ ﷺ عَمْرو بن الْعَاصِ فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل وَالنَّبِيّ وَقَالَ ﷺ لم يول على الْمُسلمين منافقا وَاسْتعْمل على نجوان أَبَا سُفْيَان فِي حَرْب أَبُو مُعَاوِيَة وَمَات رَسُول الله وَقَالَ ﷺ وَأَبُو سُفْيَان نَائِبه عَلَيْهَا بل جَمِيع عُلَمَاء الصَّحَابَة متفقون على إسْلَامهمْ وَصدقهمْ وَالْأَخْذ عَنْهُم وَإِذا كَانُوا مُؤمنين محبين لله وَلِرَسُولِهِ فَمن لعنهم فقد عصى الله وأئمة الدّين لَا يَعْتَقِدُونَ عصمَة أحد من الصَّحَابَة وَلَا من الْقَرَابَة بل يجوزون عَلَيْهِم وُقُوع الذُّنُوب وَالله تَعَالَى يغْفر لَهُم وقصة حَاطِب بن أبي بلتعة ﵁ فِي الصَّحِيح فقد غفر لَهُ الذَّنب الْعَظِيم بشهوده بَدْرًا وللصحابة من الْحَسَنَات والأسباب الَّتِي تمحو السَّيِّئَات أعظم نصيب وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا﴾ هَذَا فِي الذُّنُوب المحققة وَأما مَا اجتهدوا فِيهِ فَتَارَة يصيبون وَتارَة يخطئون فهم مأجورون على الْحَالين فَأهل السّنة لَا يعصمون وَلَا يؤتمرون بِخِلَاف أهل الْبدع الَّذين غلوا من الْجَانِبَيْنِ طَائِفَة عصمت وَطَائِفَة أتمت فتولد بَينهم من الْبدع مَا سبوا بِهِ السّلف بل يفسقونهم ويكفرونهم كَمَا كفرت الْخَوَارِج عليا وَعُثْمَان وَاسْتَحَلُّوا قِتَالهمْ وهم الَّذين قَالَ فيهم النَّبِي ﷺ تمزق مارقه على خير فرقة من الْمُسلمين نقلتها أولى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ فَقَتلهُمْ على وهم المارقة الَّذين مرقوا على على وَكَفرُوا كل من تولاه وَقَالَ النَّبِي ﷺ فِي الْحسن ابْن عَليّ إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين فَأصْلح بِهِ بَين شيعَة عَليّ وشيعة مُعَاوِيَة فَدلَّ على أَنه فعل مَا أحبه الله وَرَسُوله

стр. 467

وَأَن الفئتين لَيْسُوا مثل الْخَوَارِج الَّذين أَمر ﷺ بقتالهم وَلِهَذَا فَرح عَليّ بقتاله للخوارج وحزن لقِتَال صفّين وَأظْهر الكآبة والألم وتبرئة الْفَرِيقَيْنِ من الْكفْر والنفاق والترحم على قَتَلَاهُمَا هُوَ من الْأُمُور الْمُتَّفق عَلَيْهَا وَأَن كل وَاحِدَة من الطَّائِفَتَيْنِ مُؤمنَة وَقد شهد الْقُرْآن بِأَن قتال الْمُؤمنِينَ لَا يخرجهم عَن الْإِيمَان والْحَدِيث المروى إِذا قتل خليفتان فأحدهما مَلْعُون كذب مفترى لم يروه أحد من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَمُعَاوِيَة لم يدع الْخلَافَة وَلم يُبَايع لَهُ بهَا حِين قَاتل عليا وَلم يُقَاتل علينا على أَنه خَليفَة وَلَا أَنه يسْتَحق الْخلَافَة وَلَا كَانَ هُوَ وَأَصْحَابه يرَوْنَ ابْتِدَاء على الْقِتَال بل لما رأى على أَنه يجب عَلَيْهِم مبايعته وطاعته إِذا لَا يكون للنَّاس خليفتان وَأَن هَؤُلَاءِ خارجون عَن طَاعَته رأى أَن يقاتلهم حَتَّى يؤدوا الْوَاجِب وَتحصل الطَّاعَة وَالْجَمَاعَة وهم قَالُوا إِن ذَلِك لَا يجب عَلَيْهِم وَأَنَّهُمْ إِذا قوتلوا على ذَلِك كَانُوا مظلومين لِأَن عُثْمَان قتل مَظْلُوما بِاتِّفَاق الْمُسلمين وقتلته فِي عَسْكَر عَليّ وهم غالبون لَهُم شَوْكَة فَإِذا لم نمتنع ظلمونا واعتدوا علينا وعَلى لَا يُمكنهُ دفعهم كَمَا لَا يُمكنهُ الدّفع عَن عُثْمَان وَإِنَّمَا علينا أَن نُبَايِع خَليفَة يقدر على أَن ينصفنا ويبذل لنا الْإِنْصَاف وَكَانَ فِي جهال الْفَرِيقَيْنِ من يظنّ بعلي وَعُثْمَان ظنونا كَاذِبَة برأهما الله تَعَالَى مِنْهَا مِنْهُم من ظن أَن عليا أَمر بقتل عُثْمَان وَكَانَ يحلف وَهُوَ الْبَار الصَّادِق بِلَا يَمِين أَنه لم يَأْمر بقتْله وَلم يمالىء على قَتله وَهَذَا مَعْلُوم بِلَا ريب من على فَكَانَ أنَاس من محبي عَليّ وَمن مبغضيه يشيعون ذَلِك عَنهُ فمحبوه يقصدون الطعْن على عُثْمَان وَأَنه كَانَ يسْتَحق الْقَتْل وَأَن عليا أَمر بقتْله ومبغضوه يقصدون الطعْن على عَليّ وَأَنه أعَان على قتل الْخَلِيفَة الْمَظْلُوم الشَّهِيد الَّذِي صَبر نَفسه وَلم يدْفع عَنْهَا وَلم يسفك دم مُسلم فِي الدّفع عَنهُ فَكيف فِي طلب طَاعَته

стр. 468

وأمثال هَذِه الْأُمُور الَّتِي يتسبب بِهِ الزائغون على الشيعتين العثمانية والعلوية وَلَا يجوز أَن يكون خَليفَة مَعَ إِمْكَان اسْتِخْلَاف عَليّ فَإِن فضل عل وسابقته وَعلمه وَدينه وشجاعته وَسَائِر فضائله كَانَت عِنْدهم ظَاهِرَة مَعْرُوفَة كفضل إخوانه أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَغَيرهم ﵃ وَلم يكن بَقِي من أهل الشورى غَيره وَغير سعد بن أبي وَقاص لَكِن سَعْدا قد ترك هَذَا الْأَمر وَكَانَ الْأَمر قد انحصر فِي عُثْمَان وَعلي فحص بذلك قُوَّة لأهل الظُّلم والعدوان وَضعف لأهل الْعلم والايمان حَتَّى حصل من الْفرْقَة وَالِاخْتِلَاف مَا صَار بطاع فِيهِ من غَيره أولى مِنْهُ بِالطَّاعَةِ وَلِهَذَا أَمر الله بِالطَّاعَةِ والائتلاف وَنهى عَن الْفرْقَة وَالِاخْتِلَاف وَأما الحَدِيث الَّذِي فِيهِ إِن عمارا تقتله الفئة الباغية فَهَذَا الحَدِيث قد طعن فِيهِ طَائِفَة من أهل الْعلم وَلَكِن رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه وَهُوَ فِي بعض نسخ البُخَارِيّ وَقد تَأَوَّلَه بَعضهم على أَن المُرَاد بالباغية الطالبة بِدَم عُثْمَان كَمَا قَالُوا نبغي ابْن عَفَّان بأطراف الأسل وَلَيْسَ بِشَيْء بل يُقَال مَا قَالَه رَسُول الله ﷺ فَهُوَ حق كَمَا قَالَه وَلَيْسَ فِي كَون عمار تقتله الفئة الباغية مَا يُنَافِي مَا ذَكرْنَاهُ فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة فأصلحوا بَين أخويكم﴾ فجعلهم مَعَ وجود الْقِتَال وَالْبَغي مُؤمنين إخْوَة بل أَمر بِقِتَال الفئة الباغية وَلَيْسَ كل من كَانَ بَاغِيا يخرج عَن الْإِيمَان وَلَا يسْتَوْجب اللَّعْنَة فَكيف يسْتَوْجب ذَلِك من كَانَ من خير الْقُرُون خُصُوصا المتأول الْمُجْتَهد كَأَهل الْعلم وَالدّين الَّذين اجتهدوا واعتقدوا حل أُمُور واعتقد الْآخرُونَ تَحْرِيمهَا كَمَا اسْتحلَّ بَعضهم بعض أَنْوَاع الْأَشْرِبَة وَبَعْضهمْ بعض الْمُعَامَلَات الربوية وعقود التَّحْلِيل والمتعة وأمثال ذَلِك كثير فغاية الْمُجْتَهد أَن يكون مخطئا مغفورا لَهُ خَطؤُهُ كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَن الله تَعَالَى

стр. 469

اسْتَجَابَ دُعَاء النَّبِي ﷺ فِي قَوْله ﴿رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا﴾ الْآيَة وَقد حكم دَاوُد وَسليمَان ﵉ فِي الْحَرْث الَّذِي نفثت فِيهِ غنم الْقَوْم وَخص الله أَحدهمَا بِالْعلمِ وَالْحكم وَأثْنى عَلَيْهِمَا وَإِن كَانَ قد خص أَحدهمَا بِالْعلمِ وَالْحكم وَالْعُلَمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء فَإِذا فهم أحدهم من الْعلم مالم يفهمهُ الآخر أَحدهمَا بِالْعلمِ وَالْحكم وَالْعُلَمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء فَإِذا فهم أحدهم من الْعلم مالم يفهمهُ الآخر لَو لم يكن مَعْلُوما وَإِن كَانَ مَا لَو فعله وَقَالَهُ مَعَ علمه يكون ملموما عَلَيْهِ بل تَحْلِيل الْحَرَام وَتَحْرِيم الْحَلَال كفر وَالْبَغي من هَذَا الْبَاب يكون الْبَاغِي مُجْتَهدا ومتأولا وَلم يتَبَيَّن لَهُ أَنه بَاغ بل يعْتَقد أَنه على الْحق وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن تَسْمِيَته بَاغِيا مُوجبا لإثمه فضلا عَن أَن يُوجب فسقه وَالَّذين يَقُولُونَ بِقِتَال الْبُغَاة المتأولين لَا يَقُولُونَ بفسقهم بل هم باقون عِنْدهم على عدالتهم وَإِنَّمَا قِتَالهمْ لدفع ضَرَر بغيهم لَا عُقُوبَة لَهُم كَمَا يمْنَع الصَّبِي وَالْمَجْنُون والناشىء من عدوان يصدر مِنْهُم بل الْبَهَائِم تمنع من الْعدوان وَيجب على من قتل مُؤمنا خطأ الدِّيَة بِالنَّصِّ مَعَ أَنه إِثْم عَلَيْهِ وَهَكَذَا من دفع إِلَى الإِمَام من أهل الْحُدُود وَتَابَ بعد الْقُدْرَة عَلَيْهِ يُقَام عَلَيْهِ الْحَد والتائب من الذَّهَب كمن لَا ذَنْب لَهُ ثمَّ بِتَقْدِير أَن يكون الْبَغي بِغَيْر تَأْوِيل بل يكون ذَنبا فالذنوب تَزُول عقوبتها بِأَسْبَاب مُتعَدِّدَة كالتوبة والحسنات والمصائب والشفاعة وعفو أرْحم الرَّاحِمِينَ ثمَّ قَوْله ﷺ إِن عمارا تقتله الفئة الباغية لَيْسَ نصا فِي أَن هَذَا اللَّفْظ المُرَاد بِهِ مُعَاوِيَة وَأَصْحَابه بل يُمكن أَن يكون المُرَاد تِلْكَ الْعِصَابَة الَّتِي حملت عَلَيْهِ حَتَّى قتلته وَهِي طَائِفَة من الْعَسْكَر وَمن رَضِي بقتل عمار كَانَ حكمه حكمهَا وَمن الْمَعْلُوم أَنه كَانَ فِي الْعَسْكَر من لم يرض بقتْله كَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَغَيره بل كَانَ النَّاس كَانُوا منكرين لقتل عمار حَتَّى مُعَاوِيَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَغَيرهَا ويروى أَن مُعَاوِيَة تَأَول أَن الَّذِي قَتله هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِلَى سيوف قتلته وَأَن عليا رد هَذَا التَّأْوِيل بقوله فَنحْن إِذن قتلنَا حَمْزَة وَلَا ريب أَن

стр. 470

قَول عَليّ هُوَ الصَّوَاب لَكِن من نظر فِي كَلَام المتناظر الَّذين لَيْسَ بَينهم قتال وَلَا ملك رَأْي لَهُم من التأويلات مَا هُوَ أَضْعَف من ذَلِك فَلم ير مُعَاوِيَة أَنه قتل عمارا وَلم يعْتَقد أَنه بَاغ فَهُوَ متأول وَالْفُقَهَاء لَيْسَ فيهم من رأى الْقِتَال مَعَ من قتل عمارا لَكِن هَلُمَّ قَولَانِ مشهوران كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أكَابِر الصَّحَابَة مِنْهُم من يرى الْقِتَال مَعَ عمار وطائفته وَمِنْهُم من يرى الْإِمْسَاك عَن الْقِتَال مُطلقًا وَفِي كل من الطَّائِفَتَيْنِ طوائف من السَّابِقين الْأَوَّلين فَفِي الطَّائِفَة الأولى عمار وَسَهل بن حنيف وَأَبُو أَيُّوب وَفِي الثَّانِيَة سعد بن أبي وَقاص وَمُحَمّد بن مسلمة وَأُسَامَة بن زيد وعبد الله بن عَمْرو ﵃ وَلَعَلَّ أكَابِر الصَّحَابَة كَانُوا على هَذَا القَوْل وَلم يكن فِي العسكرين بعد عَليّ أفضل من سعد وَكَانَ من القاعدين وَحَدِيث عمار قد يحْتَج بِهِ من رأى الْقِتَال لِأَنَّهُ إِذا كَانَ قَاتلُوهُ بغاة فَالله أَمر بِقِتَال الطَّائِفَة الَّتِي تبغي والساكتون يحتجون بالأحاديث الصَّحِيحَة الْكَثِيرَة من أَن الْقعُود فِي الْفِتْنَة خير من الْقِتَال فِيهَا وَهَذَا الْقِتَال وَنَحْوه هُوَ قتال الْفِتْنَة وَالله تَعَالَى لم يَأْمر بِقِتَال الْبَاغِي أَولا بل أَمر بِالصُّلْحِ فَإِن بغث إِحْدَاهمَا قوتلت الباغية ردا لشرها من بَاب رد الصَّائِل الَّذِي لَا ينْدَفع ظلمه إِلَّا بِالْقِتَالِ كَمَا قَالَ من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد فبتقدير أَن يكون جَمِيع الْعَسْكَر بغاة لم يُؤمر بقتالهم ابْتِدَاء بل أمرنَا بالإصلاح بَينهمَا والقتال الأول لم يَأْمر الله بِهِ وَلَا أَمر الله كل من بنى عَلَيْهِ أَن يُقَاتل الْبَاغِي فَإِن قتل كل بَاغ كفر فَإِن غَالب النَّاس لَا يَخْلُو من ظلم وبغي وَلَكِن إِذا اقْتتلَتْ طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ فَالْوَاجِب الْإِصْلَاح بَينهمَا وَلم تكن طَائِفَة مِنْهُمَا مأمورة بِالْقِتَالِ ثمَّ إِذا بَغت الْوَاحِدَة بعد ذَلِك قوتلت وَأَيْضًا فَيمكن أَنهم لم يَكُونُوا بغاة فِي الأول بل فِي أثْنَاء الْحَال بغوا

стр. 471

وَحين بغوا وَجب قِتَالهمْ إِذا كَانَ الَّذين مَعَ على ناكلين عَن الْقِتَال فَإِنَّهُم كَانُوا كثيرى الْخلاف عَلَيْهِ ضعيفي الطَّاعَة لَهُ وَالْمَقْصُود أَن هَذَا الحَدِيث لَا يُبِيح لعنة أحد من الصَّحَابَة وَلَا يُوجد فسقه وَأما أهل الْبَيْت فَلم يسبوا قطّ وَللَّه الْحَمد وَلم تقتل الْحجَّاج أحدا من بني هَاشم وَإِنَّمَا قتل رجلا من أشرف الْعَرَب وَكَانَ قد تزوج بنت عبد الله بن جَعْفَر فَلم يرض بذلك بَنو عبد منَاف ول بَنو هَاشم وَلَا بَنو عبد منَاف وَلَا بَنو هَاشم وَلَا بَنو أُميَّة حَتَّى فرقوا بَينهمَا حَيْثُ لم يروه كفئا لَهَا فصل وَمن ادّعى الْعِصْمَة فِي الْمعز بن معد بن تَمِيم الَّذِي بنى الْقَاهِرَة والقصرين وَأَنه كَانَ شريفا فاطميا فَقَوله شَرّ من قَول الرافضة فِي الاثنى عشر فَإِن الرافضة ادَّعَت الْعِصْمَة فِي أنَاس من أهل الْجنَّة وَهَؤُلَاء ادعوا الْعِصْمَة فِيمَن اشْتهر نفاقة فَإِذا كَانَ من ادّعى الْعِصْمَة فِي هَؤُلَاءِ السَّادة عَليّ وَحسن وحسين قد أَجمعت الْأمة على تخطئة وَفَسَاد قَوْله فَكيف بِمن ادعوا الْعِصْمَة فِي ذُرِّيَّة عبد الله ابْن مَيْمُون القداح مَعَ شهرته بالنفاق وَالْكذب والضلال والمباطنة لأهل الْكفْر وَالْبَغي والعدوان وَمَعَ الْعَدَاوَة لأهل الْبر وَالتَّقوى وَالْإِيمَان وَهَؤُلَاء الْقَوْم تشهد عَلَيْهِم عُلَمَاء الْأمة وأئمتها أَنهم كَانُوا ملحدين زنادقة يظهرون الْإِسْلَام ويبطنون الْكفْر وَجُمْهُور الْأمة تطعن فِي نسبهم ويذكرون أَنهم من أَوْلَاد الْيَهُود أَو الْمَجُوس وهم يدعونَ علم الْبَاطِن الَّذِي مضمونه الْكفْر بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وَعِنْدهم لَا جنَّة وَلَا نَار وَلَا بعث وَلَا نشور وهم فِي إِثْبَات وَاجِب الْوُجُود على قَوْلَيْنِ أئمتهم تنكره ويستهينون باسم الله وَرَسُوله حَتَّى يكْتب أحدهم الله فِي أَسْفَل نَعله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا

стр. 472

وَمن ادّعى أَنه لَا فرق بَين الْبُغَاة والخوارج وقتال عَليّ لأهل الْجمل وصفين فِي الْأَحْكَام الْجَارِيَة عَلَيْهِمَا فَإِن قَوْله قَول مجازف فَإِن التَّسْوِيَة بَينهمَا هُوَ قَول طَائِفَة من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم وَأما جُمْهُور أهل الْعلم فيفرقون بَين الْخَوَارِج المارقين وَبَين أهل الْجمل وصفين وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف عَن الصَّحَابَة ﵃ وَعَلِيهِ عَامَّة أهل الحَدِيث وَالْفِقْه وَعَلِيهِ نُصُوص أَكثر الْأَئِمَّة وأتباعهم من أَصْحَاب مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم وَذَلِكَ أَنه ثَبت فِي الصَّحِيح عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ تمرق مارقة على خير فرقة من الْمُسلمين تقتلها أولى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ فتضمن هَذَا الحَدِيث ذكر الطوائف الثَّلَاثَة وَبَين أَن لمارقة نوع ثَالِث لَيْسُوا من جنس أُولَئِكَ فَإِن طَائِفَة عَليّ أولى بِالْحَقِّ من طَائِفَة مُعَاوِيَة وَقَالَ فِي حق المارقين يحقر أحدكُم صلَاته مَعَ صلَاتهم وصيامه مَعَ صِيَامهمْ وقراءته مَعَ قراءتهم يقرءُون الْقُرْآن لَا يُجَاوز حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَام كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية أَيْنَمَا لقيتموهم فاقتلوهم فَإِن فِي قَتلهمْ أجرا عِنْد الله لمن قَتلهمْ يَوْم الْقِيَامَة وَقد روى مُسلم أَحَادِيثهم فِي الصَّحِيح من عشرَة أوجه وَاتفقَ الصَّحَابَة ﵃ على قتال هَؤُلَاءِ وَأما أهل الْجمل وصفين فَكَانَت طَائِفَة قَاتَلت من هَذَا الْجَانِب وَطَائِفَة من هَذَا الْجَانِب وَأكْثر الصَّحَابَة لم يقاتلوا لَا مَعَ هَؤُلَاءِ وَلَا مَعَ هَؤُلَاءِ ومدح رَسُول الله ﷺ الْحسن لِأَن الله أصلح بِهِ وَبَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين من أَصْحَاب أَبِيه وَأَصْحَاب مُعَاوِيَة فَلم يكن الْقِتَال وَاجِبا وَلَا مُسْتَحبا بِخِلَاف الْخَوَارِج فَإِنَّهُ قد ثَبت أَنه أَمر بِهِ رَسُول الله ﷺ وحض عَلَيْهِ وأجمعت عَلَيْهِ الْأمة فَمن سوى بَين قتال الصَّحَابَة وَبَين قتال ذِي الْخوَيْصِرَة وَأَمْثَاله من الْخَوَارِج والحرورية الْمُعْتَدِينَ كَانَ قَوْله من جنس أَقْوَال أهل الْجَهْل وَالظُّلم الْمُبين

стр. 473

وَقد اخْتلف السّلف فِي كفر الْخَوَارِج على قَوْلَيْنِ مَعَ اتِّفَاقهم على الثَّنَاء على الصَّحَابَة المقتتلين والإمساك عَمَّا جرى بَينهم ﵃ فَكيف ينْسب هَذَا إِلَى هَذَا وَلذَلِك تنَازع الْفُقَهَاء فِي كفر مَانع الزَّكَاة الْمقَاتل عَلَيْهَا على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد كالروايتين فِي تَكْفِير الْخَوَارِج وَأما أهل الْبَغي الْمُجَرّد فَلَا يكفرون اتِّفَاقًا كتاب حد الزِّنَا وَالْقَذْف تغلط الْمعْصِيَة ويغلظ عقابها فِي الْأَيَّام المفضلة والأمكنة المفضلة وَوَطْء الزَّوْجَة فِي الدبر محرم بِالْكتاب وَالسّنة وَعَلِيهِ عَامَّة الْأمة وَهُوَ كاللواط فِي الذّكر هَذَا قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأصحابهم بِلَا نزاع عَنْهُم وَهُوَ الظَّاهِر من مَذْهَب وَأَصْحَابه وَحكى بعض النَّاس عَنْهُم رِوَايَة أُخْرَى بِخِلَاف ذَلِك وَمِنْهُم من أنكرها وأصل ذَلِك مَا نقل عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ وَكَانَ سَالم ابْن عبد الله يكذب نَافِعًا فِي ذَلِك فإمَّا أَن يكون نَافِع غلط أَو غلط من فَوْقه وَإِذا غلط بعض النَّاس غلطة لم يكن هَذَا مِمَّا يسوغ بِهِ مُخَالفَة الْكتاب وَالسّنة فَإِنَّهُ ثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ إِن الله لَا يستحي من الْحق لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي حشوشهن وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأتوا حَرْثكُمْ﴾ والحرث مَكَان الزَّرْع كَمَا غلط طَائِفَة فِي إِبَاحَة دِرْهَم دِرْهَمَيْنِ وانفق الْأَئِمَّة على تَحْرِيمه وَطَائِفَة غَلطت فِي بعض الْأَشْرِبَة وَثَبت عَنهُ ﷺ كل مُسكر خمر

стр. 474

وَمن وطىء امْرَأَته وطاوعته فِي دبرهَا وَجب أَن يعاقبا على ذَلِك عُقُوبَة تزجرهما فَإِن علم أَنَّهُمَا لَا ينزجران فَإِنَّهُ يجب التَّفْرِيق بَينهمَا على ذَلِك فصل فِي قَوْله ﷺ إِذا هم العَبْد بحسنة فَلم يعلمهَا كتبت لَهُ حَسَنَة فَإِذا كَانَ لَهُم سرا بَين العَبْد وَبَين ربه فَكيف تطلع الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ فقد روى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي جَوَاب ذَلِك أَنه قَالَ إِذا هم العَبْد بِالْحَسَنَة ثمَّ الْملك رَائِحَة طيبَة وَإِذا هم بِالسَّيِّئَةِ ثمَّ رَائِحَة خبيثة وَالتَّحْقِيق أَن الله تَعَالَى قَادر أَن يعلم الْمَلَائِكَة بِمَا فِي نفس العَبْد كَيفَ شَاءَ كَمَا هُوَ قَادر أَن يطلع بعض الْبشر على مَا فِي نفس الْإِنْسَان فَإِذا كَانَ بعض الْبشر قد يَجْعَل الله لَهُ مَا يعلم بِهِ أَحْيَانًا مَا فِي نفس الْإِنْسَان فالملك أولى وَقد قيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ أَن المُرَاد بِهِ الْمَلَائِكَة وَقد جعل الله الْمَلَائِكَة تلقى الخواطر فِي قلب العَبْد كَمَا قَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ إِن للْملك لمة وللشيطان لمة فلمة الْملك تَصْدِيق بِالْحَقِّ ووعد بِالْخَيرِ ولمة الشَّيْطَان تَكْذِيب بِالْحَقِّ وإيعاد بِالشَّرِّ وَقد ثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد وكل بِهِ قرينَة من الْمَلَائِكَة وَمن الْجِنّ فالسيئة الَّتِي يهم بهَا العَبْد إِذا كَانَت من إِلْقَاء الْملك فَإِذا علم بهَا هَذَا الْملك أمكن علم الْمَلَائِكَة الْحفظَة بهَا وَمن زنت أمة وَعلم ذَلِك مِنْهَا وَجب على أولادهما وعصبتها منعهَا من الْمُحرمَات

стр. 475

فَإِن لم تمْتَنع إِلَّا بِالْحَبْسِ حبسوها وقيدوها إِن احْتَاجَت وَمَا يَنْبَغِي للأولاد أَن يضْربُوا أمّهم وَلَا يجوز لَهُم مقاطعتها بِحَيْثُ نتمكن بذلك من السوء بل يمنعوها بِحَسب قدرتهم وَإِن احْتَاجَت إِلَى رزق وَكِسْوَة رزفرها وكسوها وَلَا يجوز لَهُم إِقَامَة الْحَد عَلَيْهَا بقتل وَلَا غَيره وَعَلَيْهِم الْإِثْم فِي ذَلِك فصل وَمن قَالَ لصَاحبه أَنْت معلون ولد زنا وَجب تعزيره على هَذَا الْكَلَام وَعَلِيهِ حد الْقَذْف إِن لم يقْصد بِهَذِهِ الْكَلِمَة مَا يَقْصِدهُ كثير من النَّاس من أَن فعله خَبِيث كَفعل ولد الزِّنَا إِذا قذف رجل ومطلقته زَوجته الْمَعْرُوفَة بالعفاف والحصانة فعلى الْمُطلقَة الْحَد ثَمَانِينَ جلدَة إِذا طلبت ذَلِك الْمَرْأَة المقذوفة وَلَا تقبل لَهَا شَهَادَة أبدا لِأَنَّهَا فاسقة وَكَذَلِكَ الرجل يجلد ثَمَانِينَ جلدَة إِذا طلبت الْمَرْأَة ذَلِك وَهُوَ فَاسق لَا تقبل لَهُ شَهَادَة أبدا إِذا لم يتب وَهل لَهُ إِسْقَاط الْحَد بِاللّعانِ للفقهاء ثَلَاثَة أَقْوَال فِي ذَلِك وَيجب على سيد الْأمة إِذا زنت أَن يُقيم عَلَيْهَا الْحَد ثَلَاثًا ثمَّ فِي الرَّابِعَة يَبِيعهَا كَمَا أمره رَسُول الله ﷺ فَإِن كَانَ هُوَ يرسلها تَزني وَيَأْكُل من كسبها أَو يَأْخُذهُ مِنْهَا فَهُوَ مَلْعُون ديوث خَبِيث آذن فِي الْكَبِيرَة وَأخذ مهر الْبَغي وَمثل هَذَا لَا يجوز إِقْرَاره بَين الْمُسلمين بل يسْتَحق الْعقُوبَة الغليظة وَأَقل الْعقُوبَة أَن يهجر فَلَا يسلم عَلَيْهِ وَلَا يصلى خَلفه إِذا أمكن الصَّلَاة خلف غَيره وَلَا يستشهد وَلَا يُولى ولَايَة أصلا وَإِن اسْتحلَّ ذَلِك فَهُوَ كَافِر مُرْتَد

стр. 476

يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَلَا يَرِثهُ ورثته الْمُسلمُونَ وَإِن كَانَ جَاهِلا بِالتَّحْرِيمِ عرف ذَلِك حَتَّى تقوم عَلَيْهِ الْحجَّة فَإِن مثل هَذَا من الْمُحرمَات الْمجمع عَلَيْهَا وَإِذا شِئْتُم الرجل أَبَاهُ وَعِنْدِي عَلَيْهِ وَجب أَن يُعَاقب عُقُوبَة بليغة تردعه وَأَمْثَاله بل وأبلغ من ذَلِك أَنه ثَبت فِي الصَّحِيح أَن من الْكَبَائِر أَن يسب الرجل وَالدية قَالُوا وَكَيف يسب الرجل وَالدية قَالَ يسب الرجل أَبَا الرجل فيسب الرجل أَبَاهُ ويسب أمه فيسب أمه وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ فَكيف يشتمهما وَإِذا قَالَ لَهُ أَنْت علق وَهُوَ حر مُسلم لم يشْتَهر عَنهُ ذَلِك فَعَلَيهِ حد الْقَذْف إِذا طلبه وَيجب قتل الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ رجما بِالْحِجَارَةِ سَوَاء كَانَا محصنين أَو غير محصنين وَجلد الذّكر بِالْيَدِ حرَام عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء وَعند طَائِفَة من الْأَئِمَّة حرَام إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة مثل أَن يخَاف الْعَنَت وَهُوَ أَن يخَاف الْمَرَض أَو يخَاف الزِّنَا فالاستمناء حِينَئِذٍ أَهْون شرا وَمن قذف رجلا بِأَنَّهُ ينظر إِلَى حَرِيم النَّاس وَهُوَ كَذَّاب عزّر على افترائه بِمَا يزجره وَأَمْثَاله إِذا طَالبه الْمَقْذُوف بذلك وَكَذَا إِذا شَتمه بِأَنَّهُ فَاسق أَو أَنه يشرب الْخمر وَهُوَ كَاذِب عَلَيْهِ يُعَزّر وَلَا يجوز وَطْء الْحَائِض حَتَّى تَغْتَسِل يدل عَلَيْهِ ظَاهر الْقُرْآن والْآثَار وَجوزهُ أَبُو حنيفَة إِذا انْقَطع الدَّم لأكْثر الْحيض أَو مر عَلَيْهَا وَقت صَلَاة فصل حب المَال والشرف يفْسد الدّين وَالَّذِي يُعَاقب عَلَيْهِ الشَّخْص هُوَ الْحبّ الَّذِي يَدْعُو إِلَى الْمعاصِي مثل الظُّلم وَالْكذب وَالْفَوَاحِش وَلَا ريب أَن فرط

стр. 477

الْحِرْص على المَال والرياسة يُوجب ذَلِك أما مُجَرّد حب الْقلب إِذا كَانَ الْإِنْسَان يفعل مَا أَمر الله بِهِ يتْرك مَا نهى عَنهُ وَيخَاف مقَام ربه وَينْهى النَّفس عَن الْهوى فَإِن الله تَعَالَى لَا يُعَاقب على مثل هَذَا إِذا لم يكن مَعَه عمل وَجمع المَال إِذا قَامَ فِيهِ بالواجبات وَلم يكتسبه من الْحَرَام لَا يُعَاقب عَلَيْهِ لَكِن إِخْرَاج الْفضل والاقتصار على الْكِفَايَة أفضل وَأسلم وأفرغ للقلب وَأجْمع للهم وأنفع للدنيا وللآخرة وَقد قَالَ ﷺ من أصبح وَالدُّنْيَا أكبر همه شتت الله عَلَيْهِ شَمله وججعل فقره بَين عَيْنَيْهِ وَلم يَأْته من الدُّنْيَا إِلَّا مَا كتب لَهُ وَمن أصبح وَالْآخِرَة همه جعل الله غناهُ فِي قلبه وَجمع عَلَيْهِ ضيعته وأتته الدُّنْيَا وَهِي راغمة وَقَوْلهمْ حب الدُّنْيَا رَأس كل خَطِيئَة لَيْسَ هُوَ حَدِيثا بل هُوَ مَعْرُوف عَن جُنْدُب بن عبد الله ﵁ وَيذكر عَن الْمَسِيح وَإِذا اعْتدى عَلَيْهِ بالشتم فَلهُ أَن يرد بِمثل ذَلِك فيشمته إِذا لم يكن ذَلِك محرما لعَينه كالكذب وَأما إِن كَانَ محرما لعَينه كالقذف بِغَيْر الزِّنَا فَإِنَّهُ يعزز عَليّ ذَلِك وَلَو عزّر عَليّ النَّوْع الأول من الشتم جَازَ وَهُوَ الَّذِي يشرع إِذا كثر سفهه أَو عدوانه على من هُوَ أفضل مِنْهُ فصل فِي الذُّنُوب الْكَبَائِر أمثل الْأَقْوَال فِيهَا هُوَ الْمَأْثُور عَن السّلف كَابْن عَبَّاس وَأبي عبيد وَأحمد ابْن حَنْبَل وَهُوَ أَن الصَّغِير مادون الحدين وَهُوَ أَن الصَّغِيرَة مادون الحدين حد الدُّنْيَا وحد الْآخِرَة وَهُوَ

стр. 478

معنى قَول الْقَائِل كل ذَنْب ختم بلعنة أَو غضب أَو نَار فَهُوَ من الْكَبَائِر وَمعنى قَوْلهم لَيْسَ فِيهَا حد فِي الدُّنْيَا وَلَا وَعِيد فِي الْآخِرَة أى وَعِيد خَاص كالوعيد بالنَّار وَالْغَضَب واللعنة وَذَلِكَ أَن الْوَعيد الْخَاص فِي الْآخِرَة كالعقوبة الْخَاصَّة فِي الدُّنْيَا فَكَمَا أَنه يفرق فِي الْعُقُوبَات الْمَشْرُوعَة للنَّاس بَين الْعُقُوبَات الْمقدرَة بِالْقطعِ وَالْقَتْل وَجلد مائَة أَو ثَمَانِينَ وَبَين الْعُقُوبَات الَّتِي لَيست بمقدرة وَهِي التَّعْزِير فَكَذَلِك يفرق فِي الْعُقُوبَات الَّتِي يجزى الله بهَا الْعباد وَفِي غير أَمر الْعباد بهَا بَين الْعُقُوبَات الْمقدرَة كالغضب واللعنة وَالنَّار وَنَفس الْعُقُوبَات الْمُطلقَة وَهَذَا الضَّابِط يسلم من القوادح الْوَارِدَة عَليّ غَيره فَإِنَّهُ يدْخل فِيهِ كل مَا ثَبت بِالنَّصِّ أَنه كَبِيرَة كالشرك وَالْقَتْل وَالزِّنَا وَالسحر وَقذف الْمُحْصنَات وَغير ذَلِك من الْكَبَائِر الَّتِي فِيهَا عقوبات مقدرَة مَشْرُوعَة وكالفرار من الزَّحْف وَأكل مَال الْيَتِيم وَأكل الرِّبَا وعقوق الْوَالِدين وَالْيَمِين الْغمُوس وشاهداة الزُّور فَإِن هَذِه الذُّنُوب وأمثالها فِيهَا وَعِيد خَاص وَكَذَلِكَ كل ذَنْب توعد صَاحبه بِأَنَّهُ لَا يدْخل الْجنَّة أَو لَا يشم رائحها أَو قيل فِيهِ من فعله فَلَيْسَ منا لِأَنَّهُ لَيْسَ المُرَاد مَا تَقوله المرجئة أَنه لَيْسَ من خيارنا وَلَا مَا يَقُوله الْخَوَارِج أَنه صَار كَافِرًا وَلَا مايقوله الْمُعْتَزلَة من أَنه لم يبْق مَعَه من الايمان شئ بل هُوَ مُسْتَحقّ للخلود فِي النَّار فَهَذِهِ كلهَا أَقْوَال بَاطِلَة وَلَكِن الْمُؤمن الْمُطلق فِي بَاب الْوَعْد والوعيد وَهُوَ الْمُسْتَحق لدُخُول الْجنَّة بِلَا عِقَاب فَهُوَ الْمُؤَدى للفرائض المجتنب للمحارم وَهَؤُلَاء هم الْمُؤْمِنُونَ عِنْد الْإِطْلَاق فَمن فعل هَذِه الكباذر لم يكن من هَؤُلَاءِ الْمُؤمنِينَ إِذْ هُوَ متعرض للعقوبة على تِلْكَ الْكَبِيرَة فنفى الْإِيمَان أَو دُخُول الْجنَّة أَو كَونه لَيْسَ من الْمُؤمنِينَ لَا يكون إِلَّا عَن كَبِيرَة فَأَما الصَّغَائِر فَلَا تنفى هَذَا الِاسْم وَلَا يحكم على صَاحبهَا بمجردها فَيعرف أَن النَّفْي لَا يكون لترك مُسْتَحبّ وَلَا لفعل صَغِيرَة بل لترك وَاجِب

стр. 479

وَالدَّلِيل على أَن هَذَا الضَّابِط أولى من غَيره من وُجُوه أَحدهَا أَنه مأثور عَن السّلف وَالثَّانِي أَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مدخلًا كَرِيمًا﴾ فقد وعد مجتنب الْكَبَائِر بتكفير السَّيِّئَات وَاسْتحق الْمدْخل الْكَرِيم وكل من وعد بغضب أَو لعنة أَو نَار أَو حرمَان من جنَّة أَو مَا يقتضى ذَلِك فَإِنَّهُ خَارج عَن الْوَعْد فَلَا يكون من مجتنبي الْكَبَائِر وَكَذَلِكَ من اسْتحق أَن تُقَام عَلَيْهِ الْحُدُود لم يكن اسْتِثْنَاؤُهُ مكفرا باجتناب الْكَبَائِر الثَّالِث أَن هَذَا الضَّابِط يرجع إِلَى مَا ذكره الله وَرَسُوله فِي الذُّنُوب فَهُوَ متلقى من خطاب الشَّارِع الرَّابِع أَن هَذَا الضَّابِط يُمكن الْفرق بِهِ بَين الْكَبَائِر والصغائر بِخِلَاف غَيره الْخَامِس أَن تِلْكَ الْأَقْوَال فَاسِدَة فَقَوْل من قَالَ إِنَّه مَا اتّفقت الشَّرَائِع على احريمه دون مَا اخْتلفت فِيهِ فَوَجَبَ أَن تكون الْحبَّة من مَال الْيَتِيم أَو من السّرقَة والخيانة والكذبة الْوَاحِدَة وَبَعض الإحسانات الْخفية وَنَحْو ذَلِك كَبِيرَة وَأَن يكون الْفِرَار من الزَّحْف لَيْسَ من الْكَبَائِر إِذا الْجِهَاد لم يجب فِي كل شَرِيعَة وَكَذَلِكَ يقتضى أَن يكون التَّزْوِيج بالمحرمات من الرضَاعَة أَو الصهر أَو غَيرهَا لَيْسَ من الكباذر وَكَذَلِكَ إمْسَاك الْمَرْأَة بعد الطَّلَاق الثَّلَاث ووطؤها بعد ذَلِك وَكَذَلِكَ قَول من قَالَ إِنَّهَا مَا تسد بَاب الْمعرفَة أَو ذهَاب النُّفُوس أَو الْأَمْوَال يُوجب أَن يكون الْقَلِيل من الْغَصْب والخيانة كَبِيرَة وَأَن يكون عقوق الْوَالِدين وَقَطِيعَة الرَّحِم وَشرب الْخمر وَأكل الْميتَة وَلحم الْخِنْزِير وَقذف الْمُحْصنَات وَنَحْوه لَيْسَ من الكباذر وَمن قَالَ إِنَّهَا سميت كباذر بِالنِّسْبَةِ إِلَى مادنها أَو أَن ماعصى الله بِهِ فَهُوَ

стр. 480

كَبِيرَة فَإِنَّهُ يُوجب أَلا تكون الذُّنُوب فِي نَفسهَا تَنْقَسِم إِلَى كابذر وصغاذر وَهَذَا خلاف الْقُرْآن وَمن قَالَ هِيَ سَبْعَة عشر فَهُوَ قَول بِلَا دَلِيل وَمن قَالَ إِنَّهَا مُبْهمَة أَو غير مَعْلُومَة فَإِنَّمَا أخبر عَن نَفسه أَنه لَا يعلمهَا وَمن قَالَ أَنَّهَا مَا توعد عَلَيْهِ بالنَّار فقد يُقَال فِيهِ تَقْصِير إِذْ الْوَعيد قد يكون بالنَّار وَقد يكون بغَيْرهَا وَقد يُقَال أَن كل وَعِيد فَلَا بُد أَن يسْتَلْزم الْوَعيد بالنَّار وَأما من قَالَ إِن كل ذَنْب فِيهِ وَعِيد فَهَذَا ينْدَرج فِيمَا ذكره السّلف فان كل ذَنْب فِيهِ حد فِي الدِّينَا فِيهِ وَعِيد من غير عكس فَإِن الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر وَقذف الْمُحْصنَات وَنَحْوهَا فِيهِ الْوَعيد فَمن قَالَ إِن الْكَبِيرَة مَا فِيهَا وَعِيد فقد وَافق مَا ذَكرُوهُ فصل وَمن تَابَ من الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر قبل أَن يرفع إِلَى الإِمَام فَالصَّحِيح أَن الْحَد يسْقط عَنهُ كَمَا يسْقط عَن الحاربين إِجْمَاعًا إِذا تَابُوا قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِم وَمن يخَاف من إفساده يفعل بِهِ الإِمَام مَا يرى فِيهِ الْمصلحَة من نَفْيه أَو حَبسه كالقوادة الَّتِي لَا تتوب أَو ينقلها عَن الْحَرَائِر أَو غير ذَلِك مِمَّا يرَاهُ وَقد كَانَ عمر ﵁ يَأْمر الأعزب أَن يسكن بَين المتأهلين وَكَذَلِكَ فعل الْمُهَاجِرُونَ لما قدمُوا الْمَدِينَة وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ نفى المخنثين وَأمر بنفيهم من الْبيُوت خشيَة إفسادهم للنِّسَاء فالقوادة شَرّ من هَؤُلَاءِ وكل من تَابَ من ذَنْب فَإِن الله يَتُوب عَلَيْهِ فَإِذا عمل عملا صَالحا سنة من الزَّمَان وَلم ينْقض التَّوْبَة فَإِنَّهُ يقبل مِنْهُ ذَلِك ويجالس ويكلم وَأما إِذا تَابَ وَلم يمض عَلَيْهِ سنة فللعلماء فِيهِ قَولَانِ مِنْهُم من يَقُول يُجَالس وَتقبل شَهَادَته فِي الْحَال وَمِنْهُم من يُقَال لَا بُد من سنة كَمَا فعل عمر ﵁ ببصيغ بن عسل وَهَذِه من مسَائِل الِاجْتِهَاد على حسب الْحَال والقرائن الدَّالَّة على صدق التَّوْبَة من عدمهَا

стр. 481

كتاب الْأَشْرِبَة شَارِب الْخمر يجب على الإِمَام حَده اتِّفَاقًا إِن شَاءَ ثَمَانِينَ وَإِن شَاءَ أَرْبَعِينَ فَإِن جلد ثَمَانِينَ جَازَ بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَإِن اقْتصر على أَرْبَعِينَ فَفِي الْأَجْزَاء نزاع وروى أَن عمر كَانَ يُعَزّر بِأَكْثَرَ من ذَلِك كَمَا روى أَنه كَانَ يَنْفِي الشَّارِب ويمثل بِهِ ويحلق رَأسه وروى من وُجُوه أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن يشرب الْخمر فاجلدوه ثمَّ إِن شربهَا فاجلدوه ثمَّ إِن شربهَا فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة فَاقْتُلُوهُ فَأمر بقتل الشَّارِب فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة وَأكْثر وَأكْثر الْعلمَاء لَا يوجبون الْقَتْل ويجعلونه مَنْسُوخا وَهُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب الْأَئِمَّة أَو يَقُولُونَ إِذا لم ينْتَهوا عَن الشّرْب إِلَّا بِالْقَتْلِ جَازَ ذَلِك كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث آخر فِي السّنَن أَنه ﷺ نَهَاهُم عَن أَنْوَاع من الْأَشْرِبَة المسكرة قَالَ فَإِن لم يدعوا ذَلِك فاقتلوهم وَأما تَارِك الصَّلَاة فَإِنَّهُ يسْتَحق الْعقُوبَة اتِّفَاقًا وَأَكْثَرهم يقْتله بعد أَن يُسْتَتَاب وَهل يقتل كفرا أَو حدا فِيهِ نزاع وَإِذا لم يكن إِمَامَة الْحَد على مثل فانه يعْمل مَعَه الْمُمكن فيجر ويوبخ حَتَّى يفعل الْمَفْرُوض وَيتْرك الْمَحْظُور وخمر الْعِنَب حرَام الْمُسلمين قَليلَة وكثيرة وَمن نقل عَن أبي حنيفَة إِبَاحَة قَلِيل ذَلِك فقد كذب بل من اسْتحلَّ ذَلِك فانه يُسْتَتَاب فان تَابَ وَإِلَّا قتل وَأَبُو حنيفَة يحرم نَبِيذ التَّمْر وَالزَّبِيب النَّبِي قَليلَة وكثيرة إِذا كَانَ مُسكرا وَكَذَلِكَ الْمَطْبُوخ من عصير الْعِنَب الَّذِي لم يذهب ثُلُثَاهُ فانه يحرم قَليلَة وَكَثِيره فَهَذِهِ الْأَرْبَعَة يحرم عِنْده قليلها وكثيرها وَإِنَّمَا وَقعت الشُّبْهَة فِي سَائِر كالمرز الَّذِي يصنع من الذّرة أَو الْقَمْح وَنَحْوه فَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير أَئِمَّة الْمُسلمين التَّحْرِيم كَمَا

стр. 482

فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن أهل الْيمن قَالُوا يَا رَسُول الله إِن عندنَا شرابًا يُقَال لَهُ البتع من الْعَسَل وَشَرَابًا من الذّرة يُقَال لَهُ المزر وَكَانَ قد أُوتى جَوَامِع والكلم فَقَالَ كل مُسكر حرَام وَقَالَ كل مُسكر خمر وكل مُسكر حرَام واستفاضت الْأَحَادِيث بذلك والحشيشة المسكرة حرَام وَمن اسْتحلَّ السكرة مِنْهَا فقد كفر بل فِي أصح قولي الْعلمَاء أَنَّهَا نجسه كَالْخمرِ وَالْخمر كالبول والحشيشة كالعذرة وَيجب فِيهِ الْحَد وَإِنَّمَا توقف بعض الْفُقَهَاء فِي الْحَد لِأَنَّهُ ظن أَنَّهَا تغطى الْعقل كالبنج فيعزره وَالصَّحِيح أَنَّهَا تسكر وَإِنَّمَا كَانَت مسكرة بِخِلَاف البنج وجوزة الطّيب لِأَنَّهَا تسكر بالاستحالة كَالْخمرِ يسكر بالاستحالة أَيْضا فالبنج يغيب الْعقل ويسكر بعد الاستحالة كجوزة الطّيب وَمن ظن أَن الحشيشة لَا تسكر وَإِنَّمَا نغيب الْعقل بِلَا لَذَّة لم يعرف حَقِيقَة أمرهَا فَإِنَّهُ لَوْلَا مَا فِيهَا من اللَّذَّة لم يَتَنَاوَلهَا بِخِلَاف البنج وَنَحْوه والشارع اكْتفى فِي الْمُحرمَات الَّتِي لَا تشتهيها النُّفُوس كَالدَّمِ بالزاجر الطبيعي فَجعل الْعقُوبَة عَلَيْهَا التَّعْزِير وَأما مَا تشتهيه النُّفُوس فقد جعل الزاجر الشَّرْعِيّ كالزاجر الطبيعي وَهُوَ الْحَد والحيشية من هَذَا الْبَاب وَمَا يرْوى أَن عمر أَبَاحَ الْمَنْصُوص وَصورته أَن يغلي الْعصير حَتَّى يذهب ثلاثاه فَالَّذِي أَبَاحَهُ عمر لم يكن يسكر فَمن نقل أَنه أَبَاحَ الْمُسكر فقد كذب وَأما إِذا ضيف إِلَيْهِ شَيْء مثل أفاويه مِمَّا تقويه حَتَّى يصير مُسكرا فَهَذَا من الخليطين وَقد استفاض النَّهْي عَن الخليطين وَقد استفاض النَّهْي عَن الخليطين لتقوية أَحدهمَا الآخر كَمَا نهى عَن خلط التَّمْر وَالزَّبِيب وَعَن الرطب وَالتَّمْر وللعلماء نزاع فِي الخليطين إِذا لم يسكر كَمَا تنازعوا فِي نَبِيذ الأوعية الَّتِي لَا تنشف بالغليان وكما تنازعوا فِي الْعصير والنبيذ بعد ثَلَاث وَأما إِذا صادر الخليطان مُسكرا فَإِنَّهُ حرَام بانفاق جَمَاهِير عُلَمَاء الْأمة كَأَهل الْحجاز واليمن ومصر وَالشَّام وَالْبَصْرَة وفقهاء الحَدِيث وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي حنيفَة فان هَؤُلَاءِ جَمِيعًا على أَن كل مَا أسكر فقليله حرَام وَهُوَ خمر

стр. 483

عِنْدهم من أَي مَادَّة كَانَ من الْحُبُوب أَو التمار أَو لبن الْخَيل أَو غَيره وَسَوَاء كَانَ مطبوخا أَو نيئا ذهب ثلثه أَو نصفه أَو أقل أَو أَكثر وَالَّذِي أَبَاحَهُ عمر من الْمَطْبُوخ مَا كَانَ ن الْعِنَب أَو غَيره صرفا فَإِذا خلط بِمَا يقويه وَلَو ذهب ثُلُثَاهُ لم يكن مِمَّا أَبَاحَهُ عمر وَرُبمَا يكون لبَعض الْبِلَاد طبيعة يسكر فِيهَا مَا ذهب ثُلُثَاهُ فَيحرم إِذا فَإِن منَاط التَّحْرِيم هُوَ السكر بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة فصل وَأما التَّدَاوِي بِالْخمرِ وَلحم الْكَلْب وَسَائِر الْمُحرمَات فَإِنَّهُ حرَام عِنْد جَمَاهِير الْأَئِمَّة كمالك وَأحمد وَأبي حنيفَة وَأحد الْوَجْهَيْنِ للشَّافِعِيّ لِأَنَّهُ ثَبت أَنه ﷺ سُئِلَ عَن الْخمر يصنع الدَّوَاء فَقَالَ إِنَّهَا دَاء وَلَيْسَ بدواء وَنهى عَن الدَّوَاء الْخَبيث وَفِي السّنَن الْخمر أم الْخَبَائِث وَذكر البُخَارِيّ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ إِن الله لم يَجْعَل شِفَاء أمتِي فِيمَا حرم عَلَيْهَا وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم فِي صَحِيحه مَرْفُوعا وَالَّذين جوزوا التَّدَاوِي بالمحرم فاسوا ذَلِك على إِبَاحَة الْمُحرمَات للْمُضْطَر وَهَذَا ضَعِيف لوجوه أَحدهَا أَن الْمُضْطَر يحصل مَقْصُوده بِأَكْل الْميتَة يَقِينا والمتداوي لَيْسَ كَذَلِك الثَّانِي أَن الْمُضْطَر لَا طَرِيق لَهُ غير الْأكل من هَذِه وَأما المتداوي فَلَا يتَعَيَّن عَلَيْهِ تنَاول هَذَا الْخَبيث فَإِن الْأَدْوِيَة أَنْوَاع كَثِيرَة وَقد يحصل الشِّفَاء بِغَيْر الْأَدْوِيَة كالدعاء والرقي وَهُوَ أعظم نَوْعي الدَّوَاء حَتَّى قَالَ بقراط نِسْبَة طبنا إِلَى طب أَرْبَاب الهياكل كنسبة طب الْعَجَائِز إِلَى طبنا وَقد يحصل الشِّفَاء بِغَيْر سَبَب اخْتِيَاري بل بِمَا يَجعله الله من القوى الطبيعية فِي الْجَسَد

стр. 484

الثَّالِث أَن أكل الْميتَة للْمُضْطَر وَاجِب إِلَّا عِنْد طَائِفَة قَليلَة قَالَه بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي أَحْمد بل تنازعوا أَيّمَا أفضل وَحَدِيث الْجَارِيَة الَّتِي كَانَت تصرع وَسَأَلت النَّبِي ﷺ أَن يَدْعُو لَهَا فَقَالَ إِن أَحْبَبْت أَن تصبري وَلَك الْجنَّة وَإِن أَحْبَبْت دَعَوْت الله أَن يشفيك فَقَالَت بل أَصْبِر وَلَكِنِّي أنكشف فَادع الله لي أَن لَا أتكشف فَدَعَا لَهَا بذلك يدل على عدم وجوب التَّدَاوِي وَأَيْضًا فخلق من الصَّحَابَة لم يَكُونُوا يتداوون بل فيهم من اخْتَار الْمَرَض كَأبي بن كَعْب وَأبي ذَر وَلم يُنكر عَلَيْهِم فَيمْتَنع الْقيَاس مَعَ وجود هَذِه الْأُمُور فصل واللعب بالشطرنج حرَام عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء كالنرد فقد ثَبت عَن عَليّ أَنه مر بِقوم يَلْعَبُونَ بالشطرنج فَقَالَ مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون وقلب الرقعة عَلَيْهِم وَقَالَ أجمع الْعلمَاء على أَن اللّعب بالنرد وَالشطْرَنْج حرَام عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة سَوَاء كَانَ بعوض أَو غَيره وَجوزهُ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي إِذا لم يكن بعوض وَجُمْهُور أَصْحَاب مَالك وَأحمد وَأَبُو حنيفَة وَغَيرهم حرمُوهُ وَلَكِن تنازعوا أَيّمَا أَشد فَقَالَ مَالك وَغَيره الشطرنج شَرّ من النَّرْد وَقَالَ أَحْمد وَغَيره الشطرنج أخف من النَّرْد وَلِهَذَا توقف الشَّافِعِي فِي الشطرنج إِذا خلت عَن الْمُحرمَات إِذا سَبَب الشُّبْهَة فِي ذَلِك أَن أَكثر من يلْعَب النَّرْد يلعبها بعوض بِخِلَاف الشطرنج فَإِنَّهَا تلعب بِغَيْر عوض غَالِبا وَظن بَعضهم أَن الشطرنج يعين على قتال وَالتَّحْقِيق أَن النَّرْد وَالشطْرَنْج إِذا لعب بهما بعوض فالشطرنج شرهما لِأَن الشطرنج حِينَئِذٍ حرَام إِجْمَاعًا وَكَذَلِكَ يحرم إِجْمَاعًا إِذا اشْتَمَلت على محرم من كذب وَيَمِين فاجرة أَو ظلم أَو خِيَانَة أَو حَدِيث غير وَاجِب وَنَحْوهَا وَهِي

стр. 485

حرَام عِنْد الْجُمْهُور وَإِن خلت عَن الْمُحرمَات فَإِنَّهَا تصد عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة وتوقع الْعَدَاوَة والبغضاء أعظم من النَّرْد إِذا كَانَ بعوض وَإِذا كَانَا بعوض فالشطرنج شَرّ فِي الْحَالين وَأما إِذا كَانَ الْعِوَض من أَحدهمَا فَفِيهِ من أكل المَال بِالْبَاطِلِ مَا لَيْسَ فِي الآخر وَالله تَعَالَى قرن الميسر بِالْخمرِ والأنصاب والأزلام لما فِيهَا من الصد عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة وإيقاع المداوة والبغضاء فَإِن الشطرنج إِذا استكثر مِنْهَا تسكر الْقلب وتصده عَن ذكر الله أعظم من سكر الْخمر وَقد شبه عَليّ ﵁ لاعبيها بعباد الْأَصْنَام كَمَا شبه رَسُول الله ﷺ شَارِب الْخمر بعابد الوثن وَمَا يرْوى عَن سعيد بن جُبَير من اللّعب بالشطرنج فقد بَين سَبَب ذَلِك وَهُوَ أَن الْحَاج طلبه للْقَضَاء فلعب بهَا ليَكُون ذَلِك قادحا فِيهِ فَلَا يُولى الْقَضَاء وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رأى ولَايَة الْحجَّاج أَشد ضَرَرا عَلَيْهِ فِي دينه من ذَلِك والأعمال بِالنِّيَّاتِ وَقد يُبَاح مَا هُوَ أعطم تَحْرِيمًا من ذَلِك لأجل الْحَاجة وَهَذَا بَين أَن اللّعب بالشطرنج كَانَ عِنْدهم من الْمُنْكَرَات كَمَا نقل عَن عَليّ وَابْن عمر وَغَيرهمَا وَلِهَذَا قَالَ أَحْمد وَأَبُو حنيفَة وَغَيرهمَا لَا يسلم على لاعب الشطرنج لِأَنَّهُ مظهر للمعصية وَقَالَ صاحبا أبي حنيفَة يسلم عَلَيْهِ فصل لَيْسَ لأهل الذِّمَّة أَن يبيعوا الْخمر للْمُسلمين وَلَا يهدوها وَلَا يعاونونهم عَلَيْهَا وَلَا يعصرونها لمُسلم وَلَا يحملونها لَهُم وَلَا يبيعونها من مُسلم وَلَا ذمِّي جهارا أما إِذا بَاعهَا الذِّمِّيّ سرا فَلَا يمْنَع من ذَلِك وَإِذا تقابضا جَازَ أَن يعامله الْمُسلمُونَ بذلك الثّمن الَّذِي قَبضه من ثمن الْخمر وَمَتى فعلوا ذَلِك استحقوا الْعقُوبَة وَهل ينْتَقض عَهدهم فِيهِ نزاع وَمن أعانهم بجاهه أَو غير جاهه وَجب عُقُوبَته

стр. 486

وَإِذا شربهَا الذِّمِّيّ الَّذِي قيل يحد وَقيل لَا يحد وَقيل يحد إِن سكر وَهَذَا إِذا ظهر بَين الْمُسلمين وَأما مَا يختفون بِهِ فِي بُيُوتهم من غير ضَرَر بِالْمُسْلِمين بِوَجْه من الْوُجُوه فَلَا يتَعَرَّض لَهُم على هَذَا فَإِذا كَانُوا لَا ينتهون عَن إِظْهَار الْخمر أَو عَن معاونة الْمُسلمين عَلَيْهَا أَو بيعهَا أَو هديتها لَهُم إِلَّا بإراقتها عَلَيْهِم فَإِنَّهَا تراق مَعَ مَا يعاقبون بِهِ إِمَّا بِمَا يُعَاقب بِهِ نَاقص الْعَهْد وَأما بِغَيْرِهِ فصل مَا يذكر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا غيبَة لفَاسِق فَلَيْسَ هُوَ من كَلَام النَّبِي ﷺ لكنه مَأْمُور عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ أترغبون عَن ذكر الْفَاجِر أذكروه بِمَا فِيهِ يحذرهُ النَّاس وَفِي حَدِيث آخر من ألْقى جِلْبَاب الْحيَاء فَلَا غيبَة لَهُ وَهَذَا النوعان يجوز فيهمَا الْغَيْبَة بِلَا نزاع بَين الْعلمَاء أَحدهمَا أَن يكون الرجل مظهر للفجور مثل الظُّلم وَالْفَوَاحِش والبدع الْمُخَالفَة للسّنة فَإِذا أظهر الْمُنكر وَجب الْإِنْكَار عَلَيْهِ بِحَسب الْقُدْرَة ويهجر وَيذكر مَا فعله وَيذكر مَا فعله ويذم على ذَلِك وَلَا يرد ﵇ إِذا أمكن من غير مفْسدَة راجحة وَيَنْبَغِي لأهل الْخَيْر أَن يهجروه حَيا إِذا كَانَ فِي ذَلِك كف لأمثاله وَلَا يشيعوا جنَازَته وكل من علم ذَلِك مِنْهُ وَلم يُنكر عَلَيْهِ فَهُوَ عَاص لله وَرَسُوله فَهَذَا معنى قَوْلهم من ألْقى جِلْبَاب الْحيَاء فَلَا غيبية لَهُ من كَانَ مستترا بِذَنبِهِ مستخفيا فَإِن هَذَا يستر عَلَيْهِ لَكِن ينصح سرا ويهجره من عرف حَاله حَتَّى يَتُوب وَيذكر أمره على وَجه النَّصِيحَة النَّوْع الثَّانِي أَن يستشار الرجل فِي مناكحته ومعاملته أَو استشهاده وَيعلم أَنه لَا يصلح لذَلِك فينصح مستثيره بِبَيَان حَاله فَهُوَ كَمَا قَالَ الْحسن اذْكروا بِمَا فِيهِ يحذرهُ النَّاس فَإِن النصح فِي الدّين من أعظم النصح فِي الدُّنْيَا

стр. 487

وَإِذا كَانَ الرجل يتْرك الصَّلَاة ويرتكب الْمُنْكَرَات وَقد عَاشر من يخَاف عَلَيْهِ أَن يفْسد دينه فَلَا أَن يبين أمره ليتقى مُبَاشَرَته وَإِذا كَانَ مبتدعا يَدْعُو النَّاس إِلَى عقائد تخَالف الْكتاب وَالسّنة وَيخَاف أَن يضل النَّاس بذلك فَلَا بُد أَن يبين أمره للنَّاس ليتقوا ضلاله ويعلموا حَاله وَهَذَا كُله يجب أَن يكون على وَجه النصح وابتغاء وَجه الله لَا للهوى الشَّخْص مَعَ الْإِنْسَان مثل أَن يكون بَينهمَا عَدَاوَة دينوية أَو تحاسد أَو تباغض أَو تنَازع على رياسة فيتكلم بمساوية مظْهرا للنصح وَفِي بَاطِنه البغض وشفاؤه غيظه مِنْهُ فَهَذَا من عمل الشَّيْطَان وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل أمرىء مَا نوي بل يَنْبَغِي أَن يقْصد أَن يصلح الله ذَلِك الشَّخْص وَيَكْفِي الْمُسلمين ضَرَره ويسلك صِرَاط الْمُسْتَقيم وَلَا يجوز لأحد أَن يشْهد مجَالِس الْمُنْكَرَات بِاخْتِيَارِهِ بِغَيْر صُورَة وَرفع إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ قوم شربوا الْخمر فَأمر بجلدهم فَقيل فيهم فلَان صَائِم فَقَالَ بِهِ ابدأوا أما سَمِعت الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَقد نزل عَلَيْكُم فِي الْكتاب أَن إِذا سَمِعْتُمْ آيَات الله يكفر بهَا ويستهزأ بهَا فَلَا تقعدوا مَعَهم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره إِنَّكُم إِذا مثلهم﴾ فَجعل حَاضر الْمُنكر كفاعلة فصل وَمَا يذكر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يؤلف عمر الأَرْض فَلَا أصل لذَلِك بل لَيْسَ فِي تَحْدِيد وَقت السَّاعَة نَص أصلا وَإِنَّمَا أخبر الْكتاب وَالسّنة بأشراطها وَهِي كَثِيرَة يقدم بَعْضهَا بَعْضًا وَمن تكلم فِي وَقتهَا الْمعِين مثل الَّذِي صنف كتابا سَمَّاهُ الدّرّ المنتظم فِي معرفَة النبأ الْأَعْظَم وَذكر فِيهِ عشر دلالات بَين فِيهَا وَقتهَا وَالَّذين تكلمُوا على ذَلِك من حُرُوف المعجم وَالَّذِي تكلم فِي عنقاء مغرب وأمثال وَإِن ادعوا الْكَشْف وَمَعْرِفَة الْأَسْرَار فهم كاذبون قَائِلُونَ على الله بِغَيْر علم وَقد حرم الله القَوْل عَلَيْهِ بِغَيْر علم

стр. 488

كتاب الْجِهَاد الْمقَام بثغور الْمُسلمين كالثغور الشامية والمصرية أفضل من الْمُجَاورَة فِي الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة لَا أعلم فِي هَذَا نزاعا بَين الْعلمَاء نَص عَلَيْهِ غير وَاحِد وَذَلِكَ لِأَن الرِّبَاط من جنس الْجِهَاد والمجاورة غايتها أَن تكون من جنس الْحَج وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله لَا يستوون عِنْد الله﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ سُئِلَ أَي الْأَعْمَال أفضل قَالَ إِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله قيل ثمَّ أَي قَالَ ثمَّ جِهَاد فِي سبييل الله قيل ثمَّ أَي قَالَ ثمَّ حج مبرور وَقَالَ رِبَاط يَوْم فِي سَبِيل الله خير من ألف يَوْم فِيمَا سواهُ وَمن عجز عَن إِقَامَة دينه بماردين أَو غَيرهَا من الْبِلَاد وَجب عَلَيْهِ الْهِجْرَة وَإِلَّا اسْتحبَّ ومساعدة الْمُسلمين لأعداء الله وَرَسُوله مُحرمَة عَلَيْهِم وَمن كَانَ للْمُسلمين بِهِ مَنْفَعَة من الْجند وَنَحْوهم لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يتْرك الْخدمَة إِلَّا لمصْلحَة راجحة للْمُسلمين بل كَونه مقدما فِي الْجِهَاد الَّذِي يُحِبهُ الله وَرَسُوله هُوَ أفضل من التَّطَوُّع بالعبادات كَصَلَاة التَّطَوُّع وَالْحج التَّطَوُّع وَالصَّوْم التَّطَوُّع وَإِذا سباه مُسلم فَهُوَ مُسلم إِذا كَانَ المسبي طفْلا وَإِن لم يعلم حَال السابي بل أمكن أَن يكون كَافِرًا أَو نقم حجَّة بِأَحَدِهِمَا لم يحكم بِإِسْلَامِهِ وَيجوز بل يجب قتال هَؤُلَاءِ التتار الَّذين يقدمُونَ إِلَى الشَّام مرّة بعد مرّة وَإِن تكلمُوا بِالشَّهَادَتَيْنِ وانتسبوا إِلَى الْإِسْلَام وَجب قِتَالهمْ بِسنة رَسُول الله ﷺ واتفاق أَئِمَّة الْمُسلمين وَهَذَا مبْنى على أصلين أَحدهمَا الْمعرفَة بحالهم وَالثَّانِي معرفَة حكم الله فيهم وَفِي أمثالهم أما الأول فَكل من بَاشر الْقَوْم يعلم حَالهم وَهُوَ متواتر بأخبار

стр. 489

الصَّادِقين وَنحن نتكلم على جملَة أُمُورهم بعد أَن تبين الأَصْل الآخر الَّذِي يخْتَص بمعرفته أهل الْعلم فَنَقُول كل طَائِفَة خرجت عَن شرائع الْإِسْلَام الظَّاهِرَة المتواترة مثل أَن تركُوا الصَّلَاة أَو منعُوا الزَّكَاة أَو أعْلنُوا بالبدع المناقضة للاسلام فِي العقائد أَو الْعِبَادَات أَو تحاكموا إِلَى الطاغوت وَنَحْو ذَلِك فَالْوَاجِب على الْمُسلمين قِتَالهمْ بِاتِّفَاق أَئِمَّة الْمُسلمين وَإِن تكلمُوا بِالشَّهَادَتَيْنِ فَيجب قِتَالهمْ على نَحْو مَا فعل أَبُو بكر وَالصَّحَابَة بِأَهْل الرِّدَّة وبالخوارج حَتَّى يكون الدّين كُله لله وَأما الأَصْل الآخر وَهُوَ معرفَة أَحْوَالهم فقد علم أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم جاروا على الشَّام فِي الْمرة الأولى عَام تِسْعَة وَتِسْعين وسِتمِائَة وأعطوا النَّاس الْأمان وقرءوه على الْمِنْبَر بِدِمَشْق وَمَعَ هَذَا فقد سبوا من ذَرَارِي الْمُسلمين مَا يُقَال إِنَّه مائَة ألف أَو يزِيد عَلَيْهِ وفعلوا بِبَيْت الْمُقَدّس وجبل الصالحية ونابلس وحمص ودرايا وَغير ذَلِك من الْقَتْل والسبي مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله وفجروا بِخَير نسَاء الْمُسلمين فِي الْمَسَاجِد كالمسجد الْأَقْصَى والأموي وَغَيرهَا وَجعلُوا الْجَامِع الَّذِي بِالْعقبَةِ دكا وَقد شاهدنا عَسْكَر الْقَوْم فَوَجَدنَا جمهورهم لَا يصلونَ وَلَو نر فِي عَسْكَرهمْ مُؤذنًا وَلَا إِمَامًا وَلم يكن مَعَهم إِلَّا من كَانَ من شَرّ الْخلق إِمَّا زنديق مُنَافِق لَا يعْتَقد دين الْإِسْلَام فِي الْبَاطِن وَإِمَّا من هُوَ شَرّ أهل الْبدع كالرافضة والجهمية والاتحادية وَنَحْوهم وَإِمَّا من أفجر النَّاس وأفسقهم وهم لَا يحجون الْبَيْت الْعَتِيق مَعَ تمكنهم وَإِن كَانَ فيهم من يُصَلِّي ويصوم فَلَيْسَ الْغَالِب عَلَيْهِم إِقَامَة الصَّلَاة وَلَا إيتَاء الزَّكَاة وَإِن فعلوا هُوَ للتقية وهم يُقَاتلُون على ملك جنكزخان فَمن دخل فِي طاعتهم وَطَاعَة شَرِيعَة جنكزخان الكفرية الَّتِي يسمونها الباسقة السياسة جَعَلُوهُ وليالهم وَإِن كَافِرًا وَمن خرج عَن ذَلِك جَعَلُوهُ عدوا لَهُم وَإِن كَانَ من خِيَار الْمُسلمين وَلَا يُقَاتلُون على

стр. 490

الْإِسْلَام وَلَا يضعون على أهل الذِّمَّة جِزْيَة كَمَا قَالَ أكبر مقدميهم إِلَى الْمُسلمين أَن يسوى بَين رَسُول الله ﷺ الَّذِي هُوَ أكْرم خلق الله وَسيد ولد آدم وَبَين مَالك كَافِر وثنى خَبِيث من أعظم الْمُشْركين كفرا وَفَسَادًا وعدوانا وَذَلِكَ أَن اعْتِقَادهم فِي جنكرخان كفر عَظِيم فَإِنَّهُم يَعْتَقِدُونَ أَنه أبن الله من جنس مَا يعْتَقد النَّصَارَى فِي الْمَسِيح سُبْحَانَ رَبنَا وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا وَيَقُولُونَ إِن الشَّمْس حبلت أمه وَأَنَّهَا كَانَت خيمة فَنزلت الشَّمْس من كوَّة فَدخلت فِيهَا حَتَّى حبلت وَهَذَا كذب عِنْد كل ذى دين وعقل بل هُوَ دَلِيل على أَنه ولد زنا وَأَن أمه مَا ادَّعَت ذَلِك إِلَّا لتستر معرة زنَاهَا وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ عِنْدهم أعظم من رَسُول الله ﷺ ويعظمون ماسنه لَهُم وشرعه بظلمه وهواه ويشركون بِهِ بِذكر اسْمه على أكلهم وشربهم وحكمهم ويستحلون قتل من ترك سنة هَذَا الْكَافِر الملعون وَمَعْلُوم أَن مُسَيْلمَة الْكذَّاب كَانَ أقل ضَرَرا من هَذَا الْكَافِر الَّذِي ادعوا أَنه شريك مُحَمَّد ﷺ فِي الرسَالَة فاستحل الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم قِتَاله فَكيف بِمن كَانَ فِيمَا يظهره من الْإِسْلَام هُوَ بجعله مُحَمَّدًا ﷺ كجنكرخان وَهُوَ يعظمون الْكفَّار الَّذين يتبعُون جنكرخان عَليّ الْمُسلمين المتبعين لِلْقُرْآنِ بل جنكرخان أعظم من فِرْعَوْن وهامان ضَرَرا فَإِنَّهُ علا فِي الأَرْض وَجعل أَهلهَا شيعًا وَأهْلك الْحَرْث والنسل فَرد عَن مَالك الْأَنْبِيَاء إِلَى مَا ابتدعه من جاهليته وسياسته الكفرية الْمفْسدَة وَلَو قلت مَا رَأَيْته مِنْهُم وسمعته لما وَسعه هَذَا الْمَكَان وَمَعْلُوم من دين الْإِسْلَام أَن من جوز اتِّبَاع شَرِيعَة غير الْإِسْلَام فَإِنَّهُ كَافِر

стр. 491

وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا من نفاق وزندقة وإلحاد وفسوق وعصيان إِلَّا وَهِي دَاخِلَة فِي أَتبَاع التتار لأَنهم من أَجْهَل الْخلق وَأَقلهمْ معرفَة بِالدّينِ وأجرأهم على انتهاك الحرمات واعتداء الْحُدُود وَأعظم الْخلق اتبَاعا للظن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَقد قسموا النَّاس يحْسب سياستهم الْفَاجِرَة أَرْبَعَة أَقسَام يار ودشمن ودانشمند وطط أَي صديقهم وعدوهم والعالم والمعاصي حَتَّى صنف وزيرهم السَّفِيه الملقب بالرشيد كتابا قَالَ فِيهِ إِن مُحَمَّدًا رَضِي بدين الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَأَنه لَا يُنكر عَلَيْهِم وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ لَا أعبد مَا تَعْبدُونَ وَلَا أَنْتُم عَابِدُونَ مَا أعبد﴾ إِلَى آخر السُّورَة وَزعم الْخَبيث أَن هَذَا يَقْتَضِي أَن الرَّسُول رَضِي دينهم قَالَ وَهَذِه الْآيَة مَكِّيَّة لييت مَنْسُوخَة وَهَذَا من فَسَاد جَهله فَإِن قَوْله ﴿لكم دينكُمْ﴾ إِنَّمَا يدل عَليّ أَنه ﷺ تَبرأ من دينهم لَا أَنه رضيه وَلِهَذَا قَالَ ﷺ إِنَّهَا بَرَاءَة من الشّرك كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن كَذبُوك فَقل لي عَمَلي وَلكم عَمَلكُمْ أَنْتُم بريئون مِمَّا أعمل وَأَنا بَرِيء مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وَشرح حَالهم يطول وَمن فر إِلَيْهِم من أُمَرَاء الْعَسْكَر فَحكمه حكمهم فِيهِ من الرِّدَّة بِقدر مَا تَركه من شرائع الْإِسْلَام فعلينا أَن نقاتلهم وَلَو كَانَ فيهم من هُوَ مكره لَا نلتفت إِلَيْهِ لِأَن الله تَعَالَى يخسف بالجيش الَّذِي يَغْزُو الْكَعْبَة مَعَ علمه بِمن فيهم هُوَ مكره ثمَّ يَبْعَثهُم على نياتهم وَهل يجوز الْقِتَال فِي الْفِتْنَة على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَيجوز أَن يغمس الْمُسلم نَفسه فِي صف الْكفَّار لمصْلحَة وَلَو غلب على ظَنّه أَنهم يقتلونه وَمن زعم أَن هَؤُلَاءِ التتارية يُقَاتلُون كالبغاة فقد أَخطَأ خطأ قبيحا فَإِن هَؤُلَاءِ التتار لَا شُبْهَة لَهُم بل يسعون فِي الأَرْض فَسَادًا خَارِجين عَن شرائع كل دين ثمَّ لَو قدر أَنهم يتأولون لم يكن تأويلهم سائغا بل تَأْوِيل الْخَوَارِج وَمَا نعي الزَّكَاة أوجه من تأويلهم

стр. 492

وَقد خاطبني بَعضهم فَقَالَ ملكنا ملك بن مَالك بن ملك إِلَى سَبْعَة أجداد وملككم ابْن مولى فَقلت اباه ذَلِك الْملك كلهم كفار وَلَا فَخر بالكافر بل الْمَمْلُوك الْمُسلم خير من الْملك الْكَافِر قَالَ الله تَعَالَى ﴿ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك﴾ فَهَذِهِ وأمثالها حججهم وَبِالْجُمْلَةِ فقد اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن من ترك شَرِيعَة من شرائع الْإِسْلَام وَجب قِتَاله فَكيف بِمن ترك جَمِيع شرائعه أَو أَكْثَرهَا فَمَا الظَّن بِمن يحاربها فصل يجب جِهَاد الْكفَّار واستنفاذا مَا بِأَيْدِيهِم من بِلَاد الْمُسلمين وأسراهم وَيجب على الْمُسلمين أَن يَكُونُوا يدا وَاحِدَة على الْكفَّار وَأَن يجتمعوا ويقاتلوا على طَاعَة الله وَرَسُوله وَالْجهَاد فِي سَبيله وَيَدْعُو الْمُسلمين إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ سلفهم الصَّالح من الصدْق وَحسن الْأَخْلَاق فَإِن هَذَا من أعظم أصُول الْإِسْلَام وقواعد الْإِيمَان الَّتِي بعث الله بهَا رسله وَأنزل بهَا كتبه أَمر عباده عُمُوما بالاجتماع ونهاهم عَن التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات﴾ وَأخْبر سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ أرسل جَمِيع الْمُرْسلين بدين الْإِسْلَام كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم هُوَ سَمَّاكُم الْمُسلمين من قبل﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ ﷺ قَالَ إِنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء إخْوَة لعَلَّات ديننَا وَاحِد وَأَنا أولى بِابْن مَرْيَم لِأَنَّهُ لَيْسَ بيني وَبَينه نَبِي فَتبين أَن دين الْأَنْبِيَاء وَاحِد وَأَنَّهُمْ إخْوَة لعَلَّات وهم الَّذين أبوهم وَاحِد وأمهاتهم شَتَّى فَإِن كَانَ بِالْعَكْسِ قيل أَوْلَاد أخياف وَإِن اشْتَركُوا فِي الْأَمريْنِ قيل أَوْلَاد أَعْيَان وَهَذَا لِأَن الدّين هُوَ الأَصْل فَشبه بِالْأَبِ والشرعة والمنهاج تبع فَشبه بِالْأُمِّ فَقَالَ تَعَالَى ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ والشرعة والمنهاج

стр. 493

السَّبِيل وَقَالَ ﴿وَلكُل وجهة هُوَ موليها﴾ وَالْقُرْآن لَهُ شَرِيعَة والتوراة لَهَا شَرِيعَة قبل النّسخ وَاتِّبَاع كل شَرِيعَة قبل النّسخ والتبديل هُوَ الْوَاجِب وَهُوَ من تَمام الدّين الَّذِي هُوَ الْإِسْلَام فَلَمَّا بدلت الْيَهُود التَّوْرَاة وَنسخت لم يبقوا مُسلمين حَيْثُ كفرُوا بِبَعْض الْكتاب وآمنوا بِبَعْض وَهَؤُلَاء الرافضة الجبلية الخارجون عَن جمَاعَة الْمُسلمين وَطَاعَة وُلَاة الْأُمُور الَّذين قد اعتدوا على الْمُسلمين وَكَفرُوا سَائِر الْمُسلمين وفضلوا عَلَيْهِم الْيَهُود وَالنَّصَارَى واعتقدوا حل دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وكذبوا بِأَحَادِيث الرَّسُول ﷺ وَكَفرُوا السَّابِقين الْأَوَّلين وَالْأَنْصَار وفارقوا السّنة يجب قِتَالهمْ بِالْإِجْمَاع وَيجوز أَخذ أَمْوَالهم الَّتِي بِالْجَبَلِ غنيمَة لأَنهم قد أخذُوا من أَمْوَال الْمُسلمين أَضْعَاف ذَلِك ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ وَأما سبي حريمهم فَفِيهِ نزاع كَمَا تنازعوا فِي تكفيرهم مِنْهُم من يلحقهم بمانعي الزَّكَاة الَّذين سبا أَبُو بكر ﵁ حريمهم ومنعهم من يلحهم بالخوارج الَّذين لم تسب حريمهم وَيجب أَن يُحَال بَين الرافضي وَبَين أَوْلَاده فِي حَال حياتهم لِأَنَّهُ لَا بُد أَن يفْسد دينهم وَإِذا قدر على كَافِر حَرْبِيّ فَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَجب الْكَفّ عَنهُ بِخِلَاف الخارجين عَن الشَّرِيعَة كالمرتدين الَّذين قَاتلهم أَبُو بكر ﵁ أَو الْخَوَارِج الَّذين قَاتلهم عَليّ كالخرمية والتتار وأمثال هَذِه الطوائف مِمَّن نطق بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَا يلتز شرائع الْإِسْلَام وَإِمَّا الْحَرْبِيّ فَإِذا نطق بهَا كف عَنهُ ثمَّ إِن لم يصل فَإِنَّهُ يُسْتَتَاب فَإِن صلى وَإِلَّا قَتله الإِمَام وَلَيْسَ لأحد من الرّعية قَتله إِنَّمَا يقْتله ولي الْأَمر عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَعند أبي حنيفَة يُعَاقِبهُ بِدُونِ الْقَتْل وَأما إِذا كَانَ فِي طَائِفَة ممتنعين عَن الصَّلَاة وَنَحْوهَا فَهَؤُلَاءِ يُقَاتلُون كقتال

стр. 494

الْمُرْتَدين والخوارج وَمن قدر عَلَيْهِ قَتله فَيجب الْفرق بَين الْمَقْدُور عَلَيْهِ وَبَين قتال الطَّائِفَة الممتنعة الَّتِي تحْتَاج إِلَى قتال وَالرّق الشَّرْعِيّ سَببه الْكفْر لما لم يسلم ويعبد الله أَبَاحَ الله للْمُسلمِ أَن يسعبده وَأما الْكَنِيسَة المحدثة فِي دَار الْإِسْلَام فَلَيْسَ لَهُم إِعَادَتهَا إِذا انْهَدَمت بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَأما الْكَنِيسَة العتيقة إِذا كَانَت بِأَرْض العنوة فَلَيْسَ لَهُم إِعَادَتهَا أَيْضا بل فِي وجوب هدمها قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ لِأَحْمَد وَالشَّافِعِيّ أما إِذا كَانَت بِأَرْض الصُّلْح الَّتِي للْمُسلمين فَهَذِهِ هَل يجوز إِعَادَتهَا فِيهِ نزاع لِأَحْمَد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَغَيرهم وَأما إِذا كَانَت الْكَنِيسَة فِي مَكَان قد صَار فِيهِ مَسْجِد للْمُسلمين يصلى فِيهِ وَهِي أَرض عنْوَة كأرض مصر فَهَذِهِ يجب هدمها لما روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا تَجْتَمِع قبلتان بِأَرْض وَلَا جِزْيَة على مُسلم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِهَذَا أقرهم الْمُسلمُونَ فِي أول الْفَتْح على مَا بِأَيْدِيهِم من الْكَنَائِس الَّتِي فتحت عنْوَة كأرض مصر وَالشَّام وَغَيرهمَا فَلَمَّا كثر الْمُسلمُونَ وبنيت الْمَسَاجِد فِي تِلْكَ الأَرْض أَخذ الْمُسلمُونَ تِلْكَ الْكَنَائِس فأقطعوها وبنوها مَسَاجِد أَو غير ذَلِك لِأَن الْكَنَائِس العنوة ملك الْمُسلمين فأقروا مَا لم يكن فِيهِ ضَرَر على الْمُسلمين كإقرارهم على خَيْبَر ثمَّ أَمر النَّبِي ﷺ بإجلائهم فأجلاهم عمر ﵁ لما كثر الْمُسلمُونَ واستغنوا عَنْهُم وَصَارَ عَلَيْهِم مِنْهُم ضَرَر وَقَالَ عمر وَغَيره من السّلف لَا يجْتَمع بَيت رَحْمَة وَبَيت عَذَاب أَي الْمَسَاجِد بيُوت الرَّحْمَة والكنيسة بَيت الْعَذَاب وَقد هدم الْمُسلمُونَ بِأَرْض الشَّام وَالْعراق وَغَيرهَا من الْكَنَائِس مَالا يُعلمهُ إِلَّا الله لما فتح عنْوَة ومصر مَوْضِعه أَو بنى عِنْده مَسْجِدا وَأكْثر هَذِه الْكَنَائِس الْيَوْم مستحدثة وَلَا يجوز تَجْدِيد الْكَنِيسَة بِاتِّفَاق الْمُسلمين على ولي الْأَمر أَن يهدم مَا عمروه من ذَلِك وَإِذا كَانَت قديمَة ثمَّ تضرر الْمُسلمُونَ بِتِلْكَ الْكَنِيسَة وَجب هدمها فِي أصح قولي الْعلمَاء وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد

стр. 495

بَاب عقد الذِّمَّة الراهب الَّذِي تنَازع الْعلمَاء فِي وجوب أَخذ الْجِزْيَة مِنْهُ هُوَ الحبيس الْمُنْقَطع المتخلي عَن النَّاس فِي دينهم ودنياهم كَمَا قَالَ أَبُو بكر ﵁ سَتَجِدُونَ أَقْوَامًا قد حبسوا أنفسهم فِي الصوامع فَهَذَا يُؤْخَذ مِنْهُ الْجِزْيَة فِي مَذْهَب الشَّافِعِي فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَلَا يُؤْخَذ مِنْهُ عِنْد غَيره وَأما الَّذِي يخالط أهل الذِّمَّة فيزارع ويتاجر فَحكمه حكمهم بِلَا نزاع وَتُؤْخَذ مِنْهُ الْجِزْيَة بِلَا ريب ولاي حل إبقاؤهم بِلَا جِزْيَة وَلَا يتْرك لَهُ من المَال إِذا فتحت الْبِلَاد إِلَّا مَا يَكْفِيهِ وَلَا يجوز أَن يقطع شَيْئا من أَمْوَال الْمُسلمين وَمن أعْتقهُ سَيّده وَجَبت عَلَيْهِ الْجِزْيَة عِنْد الْجُمْهُور سَوَاء كَانَ سَيّده مُسلما أَو كَافِرًا وَفِي رِوَايَة ضَعِيفَة عِنْد أَحْمد لَا جِزْيَة على عَتيق وَهِي رِوَايَة عَن مَالك وَرِوَايَة التَّهْذِيب الْفرق بَين الْعَتِيق الْمُسلم وَالذِّمِّيّ وَالرِّوَايَة الثَّالِثَة عَن مَالك كمذهب الْجُمْهُور تجب الْجِزْيَة على كل عَتيق والجزية وَجَبت عُقُوبَة وعوضا عَن حقن الدَّم عِنْد أَكثر الْعلمَاء وَأُجْرَة على سُكْنى الدَّار عِنْد بَعضهم وَمن قَالَ بِالثَّانِي لَا يُسْقِطهَا بِإِسْلَام من وَجَبت عَلَيْهِ وَلَا بِمَوْتِهِ وَلَا جِزْيَة على عبد الْمُسلم وَفِي عبد الْكَافِر نزاع لِأَحْمَد وَغَيره وَلعن الْكفَّار مُطلقًا حسن لما فيهم من الْكفْر وَأما لعن الْمعِين فينهى عَنهُ وَفِيه نزاع وَتَركه أولى وَلَا يجوز أَن يُولى الْكِتَابِيّ شَيْئا من ولايات الْمُسلمين لَا على جِهَات سلطانية وَلَا أَخْبَار الْأُمَرَاء وَلَا غير كَمَا قَالَ عمر ﵁ لما ولى بعض امرائه كَاتبا نَصْرَانِيّا وَلَا تعزوهم بعد إِذا أذلّهم الله وَلَا تَأْمَنُوهُمْ بعد إِذْ خَوَّنَهُمْ الله
следующие страницы →