← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6104

مختصر الفتاوى المصرية - ط الفقي

بدر الدين البعلي

Полный текст (633 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا من نفاق وزندقة وإلحاد وفسوق وعصيان إِلَّا وَهِي دَاخِلَة فِي أَتبَاع التتار لأَنهم من أَجْهَل الْخلق وَأَقلهمْ معرفَة بِالدّينِ وأجرأهم على انتهاك الحرمات واعتداء الْحُدُود وَأعظم الْخلق اتبَاعا للظن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَقد قسموا النَّاس يحْسب سياستهم الْفَاجِرَة أَرْبَعَة أَقسَام يار ودشمن ودانشمند وطط أَي صديقهم وعدوهم والعالم والمعاصي حَتَّى صنف وزيرهم السَّفِيه الملقب بالرشيد كتابا قَالَ فِيهِ إِن مُحَمَّدًا رَضِي بدين الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَأَنه لَا يُنكر عَلَيْهِم وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ لَا أعبد مَا تَعْبدُونَ وَلَا أَنْتُم عَابِدُونَ مَا أعبد﴾ إِلَى آخر السُّورَة وَزعم الْخَبيث أَن هَذَا يَقْتَضِي أَن الرَّسُول رَضِي دينهم قَالَ وَهَذِه الْآيَة مَكِّيَّة لييت مَنْسُوخَة وَهَذَا من فَسَاد جَهله فَإِن قَوْله ﴿لكم دينكُمْ﴾ إِنَّمَا يدل عَليّ أَنه ﷺ تَبرأ من دينهم لَا أَنه رضيه وَلِهَذَا قَالَ ﷺ إِنَّهَا بَرَاءَة من الشّرك كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن كَذبُوك فَقل لي عَمَلي وَلكم عَمَلكُمْ أَنْتُم بريئون مِمَّا أعمل وَأَنا بَرِيء مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وَشرح حَالهم يطول وَمن فر إِلَيْهِم من أُمَرَاء الْعَسْكَر فَحكمه حكمهم فِيهِ من الرِّدَّة بِقدر مَا تَركه من شرائع الْإِسْلَام فعلينا أَن نقاتلهم وَلَو كَانَ فيهم من هُوَ مكره لَا نلتفت إِلَيْهِ لِأَن الله تَعَالَى يخسف بالجيش الَّذِي يَغْزُو الْكَعْبَة مَعَ علمه بِمن فيهم هُوَ مكره ثمَّ يَبْعَثهُم على نياتهم وَهل يجوز الْقِتَال فِي الْفِتْنَة على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَيجوز أَن يغمس الْمُسلم نَفسه فِي صف الْكفَّار لمصْلحَة وَلَو غلب على ظَنّه أَنهم يقتلونه وَمن زعم أَن هَؤُلَاءِ التتارية يُقَاتلُون كالبغاة فقد أَخطَأ خطأ قبيحا فَإِن هَؤُلَاءِ التتار لَا شُبْهَة لَهُم بل يسعون فِي الأَرْض فَسَادًا خَارِجين عَن شرائع كل دين ثمَّ لَو قدر أَنهم يتأولون لم يكن تأويلهم سائغا بل تَأْوِيل الْخَوَارِج وَمَا نعي الزَّكَاة أوجه من تأويلهم

стр. 492

وَقد خاطبني بَعضهم فَقَالَ ملكنا ملك بن مَالك بن ملك إِلَى سَبْعَة أجداد وملككم ابْن مولى فَقلت اباه ذَلِك الْملك كلهم كفار وَلَا فَخر بالكافر بل الْمَمْلُوك الْمُسلم خير من الْملك الْكَافِر قَالَ الله تَعَالَى ﴿ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك﴾ فَهَذِهِ وأمثالها حججهم وَبِالْجُمْلَةِ فقد اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن من ترك شَرِيعَة من شرائع الْإِسْلَام وَجب قِتَاله فَكيف بِمن ترك جَمِيع شرائعه أَو أَكْثَرهَا فَمَا الظَّن بِمن يحاربها فصل يجب جِهَاد الْكفَّار واستنفاذا مَا بِأَيْدِيهِم من بِلَاد الْمُسلمين وأسراهم وَيجب على الْمُسلمين أَن يَكُونُوا يدا وَاحِدَة على الْكفَّار وَأَن يجتمعوا ويقاتلوا على طَاعَة الله وَرَسُوله وَالْجهَاد فِي سَبيله وَيَدْعُو الْمُسلمين إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ سلفهم الصَّالح من الصدْق وَحسن الْأَخْلَاق فَإِن هَذَا من أعظم أصُول الْإِسْلَام وقواعد الْإِيمَان الَّتِي بعث الله بهَا رسله وَأنزل بهَا كتبه أَمر عباده عُمُوما بالاجتماع ونهاهم عَن التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات﴾ وَأخْبر سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ أرسل جَمِيع الْمُرْسلين بدين الْإِسْلَام كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم هُوَ سَمَّاكُم الْمُسلمين من قبل﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ ﷺ قَالَ إِنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء إخْوَة لعَلَّات ديننَا وَاحِد وَأَنا أولى بِابْن مَرْيَم لِأَنَّهُ لَيْسَ بيني وَبَينه نَبِي فَتبين أَن دين الْأَنْبِيَاء وَاحِد وَأَنَّهُمْ إخْوَة لعَلَّات وهم الَّذين أبوهم وَاحِد وأمهاتهم شَتَّى فَإِن كَانَ بِالْعَكْسِ قيل أَوْلَاد أخياف وَإِن اشْتَركُوا فِي الْأَمريْنِ قيل أَوْلَاد أَعْيَان وَهَذَا لِأَن الدّين هُوَ الأَصْل فَشبه بِالْأَبِ والشرعة والمنهاج تبع فَشبه بِالْأُمِّ فَقَالَ تَعَالَى ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ والشرعة والمنهاج

стр. 493

السَّبِيل وَقَالَ ﴿وَلكُل وجهة هُوَ موليها﴾ وَالْقُرْآن لَهُ شَرِيعَة والتوراة لَهَا شَرِيعَة قبل النّسخ وَاتِّبَاع كل شَرِيعَة قبل النّسخ والتبديل هُوَ الْوَاجِب وَهُوَ من تَمام الدّين الَّذِي هُوَ الْإِسْلَام فَلَمَّا بدلت الْيَهُود التَّوْرَاة وَنسخت لم يبقوا مُسلمين حَيْثُ كفرُوا بِبَعْض الْكتاب وآمنوا بِبَعْض وَهَؤُلَاء الرافضة الجبلية الخارجون عَن جمَاعَة الْمُسلمين وَطَاعَة وُلَاة الْأُمُور الَّذين قد اعتدوا على الْمُسلمين وَكَفرُوا سَائِر الْمُسلمين وفضلوا عَلَيْهِم الْيَهُود وَالنَّصَارَى واعتقدوا حل دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وكذبوا بِأَحَادِيث الرَّسُول ﷺ وَكَفرُوا السَّابِقين الْأَوَّلين وَالْأَنْصَار وفارقوا السّنة يجب قِتَالهمْ بِالْإِجْمَاع وَيجوز أَخذ أَمْوَالهم الَّتِي بِالْجَبَلِ غنيمَة لأَنهم قد أخذُوا من أَمْوَال الْمُسلمين أَضْعَاف ذَلِك ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ وَأما سبي حريمهم فَفِيهِ نزاع كَمَا تنازعوا فِي تكفيرهم مِنْهُم من يلحقهم بمانعي الزَّكَاة الَّذين سبا أَبُو بكر ﵁ حريمهم ومنعهم من يلحهم بالخوارج الَّذين لم تسب حريمهم وَيجب أَن يُحَال بَين الرافضي وَبَين أَوْلَاده فِي حَال حياتهم لِأَنَّهُ لَا بُد أَن يفْسد دينهم وَإِذا قدر على كَافِر حَرْبِيّ فَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَجب الْكَفّ عَنهُ بِخِلَاف الخارجين عَن الشَّرِيعَة كالمرتدين الَّذين قَاتلهم أَبُو بكر ﵁ أَو الْخَوَارِج الَّذين قَاتلهم عَليّ كالخرمية والتتار وأمثال هَذِه الطوائف مِمَّن نطق بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَا يلتز شرائع الْإِسْلَام وَإِمَّا الْحَرْبِيّ فَإِذا نطق بهَا كف عَنهُ ثمَّ إِن لم يصل فَإِنَّهُ يُسْتَتَاب فَإِن صلى وَإِلَّا قَتله الإِمَام وَلَيْسَ لأحد من الرّعية قَتله إِنَّمَا يقْتله ولي الْأَمر عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَعند أبي حنيفَة يُعَاقِبهُ بِدُونِ الْقَتْل وَأما إِذا كَانَ فِي طَائِفَة ممتنعين عَن الصَّلَاة وَنَحْوهَا فَهَؤُلَاءِ يُقَاتلُون كقتال

стр. 494

الْمُرْتَدين والخوارج وَمن قدر عَلَيْهِ قَتله فَيجب الْفرق بَين الْمَقْدُور عَلَيْهِ وَبَين قتال الطَّائِفَة الممتنعة الَّتِي تحْتَاج إِلَى قتال وَالرّق الشَّرْعِيّ سَببه الْكفْر لما لم يسلم ويعبد الله أَبَاحَ الله للْمُسلمِ أَن يسعبده وَأما الْكَنِيسَة المحدثة فِي دَار الْإِسْلَام فَلَيْسَ لَهُم إِعَادَتهَا إِذا انْهَدَمت بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَأما الْكَنِيسَة العتيقة إِذا كَانَت بِأَرْض العنوة فَلَيْسَ لَهُم إِعَادَتهَا أَيْضا بل فِي وجوب هدمها قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ لِأَحْمَد وَالشَّافِعِيّ أما إِذا كَانَت بِأَرْض الصُّلْح الَّتِي للْمُسلمين فَهَذِهِ هَل يجوز إِعَادَتهَا فِيهِ نزاع لِأَحْمَد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَغَيرهم وَأما إِذا كَانَت الْكَنِيسَة فِي مَكَان قد صَار فِيهِ مَسْجِد للْمُسلمين يصلى فِيهِ وَهِي أَرض عنْوَة كأرض مصر فَهَذِهِ يجب هدمها لما روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا تَجْتَمِع قبلتان بِأَرْض وَلَا جِزْيَة على مُسلم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِهَذَا أقرهم الْمُسلمُونَ فِي أول الْفَتْح على مَا بِأَيْدِيهِم من الْكَنَائِس الَّتِي فتحت عنْوَة كأرض مصر وَالشَّام وَغَيرهمَا فَلَمَّا كثر الْمُسلمُونَ وبنيت الْمَسَاجِد فِي تِلْكَ الأَرْض أَخذ الْمُسلمُونَ تِلْكَ الْكَنَائِس فأقطعوها وبنوها مَسَاجِد أَو غير ذَلِك لِأَن الْكَنَائِس العنوة ملك الْمُسلمين فأقروا مَا لم يكن فِيهِ ضَرَر على الْمُسلمين كإقرارهم على خَيْبَر ثمَّ أَمر النَّبِي ﷺ بإجلائهم فأجلاهم عمر ﵁ لما كثر الْمُسلمُونَ واستغنوا عَنْهُم وَصَارَ عَلَيْهِم مِنْهُم ضَرَر وَقَالَ عمر وَغَيره من السّلف لَا يجْتَمع بَيت رَحْمَة وَبَيت عَذَاب أَي الْمَسَاجِد بيُوت الرَّحْمَة والكنيسة بَيت الْعَذَاب وَقد هدم الْمُسلمُونَ بِأَرْض الشَّام وَالْعراق وَغَيرهَا من الْكَنَائِس مَالا يُعلمهُ إِلَّا الله لما فتح عنْوَة ومصر مَوْضِعه أَو بنى عِنْده مَسْجِدا وَأكْثر هَذِه الْكَنَائِس الْيَوْم مستحدثة وَلَا يجوز تَجْدِيد الْكَنِيسَة بِاتِّفَاق الْمُسلمين على ولي الْأَمر أَن يهدم مَا عمروه من ذَلِك وَإِذا كَانَت قديمَة ثمَّ تضرر الْمُسلمُونَ بِتِلْكَ الْكَنِيسَة وَجب هدمها فِي أصح قولي الْعلمَاء وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد

стр. 495

بَاب عقد الذِّمَّة الراهب الَّذِي تنَازع الْعلمَاء فِي وجوب أَخذ الْجِزْيَة مِنْهُ هُوَ الحبيس الْمُنْقَطع المتخلي عَن النَّاس فِي دينهم ودنياهم كَمَا قَالَ أَبُو بكر ﵁ سَتَجِدُونَ أَقْوَامًا قد حبسوا أنفسهم فِي الصوامع فَهَذَا يُؤْخَذ مِنْهُ الْجِزْيَة فِي مَذْهَب الشَّافِعِي فِي الْمَشْهُور عَنهُ وَلَا يُؤْخَذ مِنْهُ عِنْد غَيره وَأما الَّذِي يخالط أهل الذِّمَّة فيزارع ويتاجر فَحكمه حكمهم بِلَا نزاع وَتُؤْخَذ مِنْهُ الْجِزْيَة بِلَا ريب ولاي حل إبقاؤهم بِلَا جِزْيَة وَلَا يتْرك لَهُ من المَال إِذا فتحت الْبِلَاد إِلَّا مَا يَكْفِيهِ وَلَا يجوز أَن يقطع شَيْئا من أَمْوَال الْمُسلمين وَمن أعْتقهُ سَيّده وَجَبت عَلَيْهِ الْجِزْيَة عِنْد الْجُمْهُور سَوَاء كَانَ سَيّده مُسلما أَو كَافِرًا وَفِي رِوَايَة ضَعِيفَة عِنْد أَحْمد لَا جِزْيَة على عَتيق وَهِي رِوَايَة عَن مَالك وَرِوَايَة التَّهْذِيب الْفرق بَين الْعَتِيق الْمُسلم وَالذِّمِّيّ وَالرِّوَايَة الثَّالِثَة عَن مَالك كمذهب الْجُمْهُور تجب الْجِزْيَة على كل عَتيق والجزية وَجَبت عُقُوبَة وعوضا عَن حقن الدَّم عِنْد أَكثر الْعلمَاء وَأُجْرَة على سُكْنى الدَّار عِنْد بَعضهم وَمن قَالَ بِالثَّانِي لَا يُسْقِطهَا بِإِسْلَام من وَجَبت عَلَيْهِ وَلَا بِمَوْتِهِ وَلَا جِزْيَة على عبد الْمُسلم وَفِي عبد الْكَافِر نزاع لِأَحْمَد وَغَيره وَلعن الْكفَّار مُطلقًا حسن لما فيهم من الْكفْر وَأما لعن الْمعِين فينهى عَنهُ وَفِيه نزاع وَتَركه أولى وَلَا يجوز أَن يُولى الْكِتَابِيّ شَيْئا من ولايات الْمُسلمين لَا على جِهَات سلطانية وَلَا أَخْبَار الْأُمَرَاء وَلَا غير كَمَا قَالَ عمر ﵁ لما ولى بعض امرائه كَاتبا نَصْرَانِيّا وَلَا تعزوهم بعد إِذا أذلّهم الله وَلَا تَأْمَنُوهُمْ بعد إِذْ خَوَّنَهُمْ الله

стр. 496

وَلَا تُصَدِّقُوهُمْ بعد إِذا أكذبهم الله وَكتب إِلَى خَالِد بِالشَّام لما رَاجعه خَالِد فِي أَمر كَاتبه بِالشَّام أَن يكون نَصْرَانِيّا لِأَنَّهُ لَا يحسن الْكِتَابَة غَيرهم فَقَالَ عمر قدرموته فِيمَن ترك شَيْئا لله عوض الله خيرا مِنْهُ وَالْمَدينَة والقربة الَّتِي يسكنهَا الْمُسلمُونَ وفيهَا مَسَاجِد الْمُسلمين لَا يجوز أَن يظْهر فِيهَا شَيْء من شَعَائِر الْكفْر لَا كنائس وَلَا غَيرهَا إِلَّا أَن يكون لَهُم عهد فيوفى لَهُم بعهدهم فَلَو كَانَ بِأَرْض الْقَاهِرَة وَنَحْوهَا كَنِيسَة قبل بِنَاء الْمَكَان للْمُسلمين يَنْبَغِي أَن تخرب وتهدم لِأَن الْقَاهِرَة فتحت عنْوَة فَكيف وكنائسها محدثة فَإِن الْقَاهِرَة قد ملكهَا العبيديون الَّذين اتّفق الْمُسلمُونَ على أَنهم خارجون عَن الشَّرِيعَة وَأَنَّهُمْ كَانُوا إسماعيلية كَمَا قَالَ الْغَزالِيّ ظَاهر مَذْهَبهم الرَّفْض وباطنه الْكفْر الْمَحْض وَاتَّفَقُوا على أَن قَتلهمْ كَانَ جَائِزا وهم الَّذين أَحْدَثُوا لِلنَّصَارَى هَذِه الْكَنَائِس وصنف الْعلمَاء فِي كفرهم وزندقتهم مثل القدروى وَالشَّيْخ أبي حَامِد الإسفرائيني وَالْقَاضِي أبي يعلى وَأبي مُحَمَّد بن زبي زيد وَأبي بكر ابْن الطّيب الباقلاني وَالَّذين يوجدون فِي بِلَاد الْإِسْلَام من الاسماعيلية والنصيرية والدروزية هم من أتباعهم وَكَانَ وزيرهم بِالْقَاهِرَةِ مرّة يَهُودِيّا فَقَوِيت الْيَهُودِيَّة بِسَبَبِهِ وَمرَّة نَصْرَانِيّا أرمنيا وقويت النَّصَارَى بِسَبَب ذَلِك النَّصْرَانِي الأرمني وبنوا كنائس كَثِيرَة بِأَرْض مصر فِي دولة أُولَئِكَ الرافضة الْمُنَافِقين وَكَانُوا ينادون بَين القصرين من لعن وَسَب فَلهُ دِينَار وأردب وَفِي أيامهم أَخذ النَّصَارَى سَاحل الشَّام من الْمُسلمين حَتَّى فَتحه نور الدّين مَحْمُود بن زنكي وَصَلَاح الَّذين الأيوبي وَلَيْسَ لأهل الذِّمَّة أَن يكاتبوا أهل دينهم من أهل الْحَرْب وَلَا يخبروهم بشئ من أَخْبَار الْمُسلمين وَمن فعل ذَلِك مِنْهُم وَجَبت عُقُوبَته وَنقض عَهده فِي أصح الْقَوْلَيْنِ

стр. 497

فصل وَلَا يجوز أَن يحبس شئ من أراضى الْمُسلمين الَّتِي فتحت عنْوَة كمصر وَسَوَاد الْعرَاق وبر الشَّام عَليّ شئ من معابد الْكفَّار لاكنائس وَلَا ديارات وَلَا غَيرهَا بل وَلَا يجوز لأحد من الْمُسلمين أَن يحبس عَلَيْهَا شَيْئا من مَاله فَكيف يحبس عَلَيْهَا أَرض الْمُسلمين وَإِن تحايل مُسلم فوهب الَّذِي ليحبس على الْكَنَائِس والمعابد فَيَنْبَغِي مَنعه لِأَن الذني لَو حبس من مَال نَفسه شَيْئا على معابدهم لم يجز للْمُسلمين أَن يحكموا بِصِحَّتِهِ وَإِذا رفع إِلَى ولي الْأَمر حكم بفساده وَجعله لوَرَثَة الذِّمِّيّ إِن كَانَ قد مَاتَ كَذَا نَص على هَذَا الْأَئِمَّة مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم وَمَا كَانَ فِي أَيْديهم من الْمزَارِع المحبسة عَليّ ذَلِك فللامام أَخذه مِنْهُم وَإِذا زار أهل الذِّمَّة كَنِيسَة بَيت الْمُقَدّس فَهَل يُقَال لَهُم يَا حَاج مثلا لَا يَنْبَغِي أَن يُقَال لَهُم ذَلِك تَشْبِيها بحاج الْبَيْت الْحَرَام وَمن اعْتقد أَن زيارتها قربَة فقد كفر فان كَانَ مُسلما فَهُوَ مُرْتَد يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل فَإِن جهل أَن ذَلِك محرم عرف ذَلِك فَإِن أصر فقد كفر وَصَارَ مُرْتَد وَمن قَالَ لأَحَدهم يَا حَاج فَإِنَّهُ يعقب عُقُوبَة بليغة تزدعه عَن مثل هَذَا الْكَلَام الَّذِي فِيهِ تَشْبِيه القاصدين للكنائس بالقاصدين لبيت الله الْحَرَام وَفِيه تَعْظِيم لذَلِك النَّصْرَانِي ولكنيسته وَهُوَ بِمَنْزِلَة من يشبه النَّصَارَى بأعياد الْمُسلمين ويعظهما وأمثال ذَلِك مِمَّا فِيهِ تَشْبِيه الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب بِأَهْل الْإِيمَان وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿أفنجعل الْمُسلمين كالمجرمين﴾ وَقَالَ ﴿أم نجْعَل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض أم نجْعَل الْمُتَّقِينَ كالفجار﴾ وأى نَصْرَانِيّ قَالَ لنصراني يَا حَاج بَين الْمُسلمين فَإِنَّهُ يُعَاقب على ذَلِك بِمَا يزدعه عُقُوبَة بليغة وَكَذَا من يُسَافر إِلَى زِيَارَة الْقُبُور والمشاهد كَمَا يَفْعَله طوائف من الرافضة

стр. 498

وَنَحْوهم فِي تَسْمِيَة ذَلِك حجا وَقد صنف بَعضهم كتابا أَسمَاء مَنَاسِك حج الْمشَاهد فَمن شبه ذَلِك الشّرك والوثنية بِالْحَجِّ الْمَشْرُوع وَجعله مثله فَإِنَّهُ يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ ورلا قتل وَمن سَمَّاهُ حجا أَو جعله مَنَاسِك فَإِنَّهُ أَيْضا يُعَاقب عُقُوبَة بليغة بِمَا يردعه وَأَمْثَاله مَسْأَلَة وَالَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الْمُسلمين وَجُمْهُور الْعلمَاء أَن السّفر للمشاهد الَّتِي على الْقُبُور غير مَشْرُوع بل هُوَ مَعْصِيّة من أشنع الْمعاصِي حَتَّى لَا يجوز قصر الصَّلَاة فِيهِ عِنْد من لَا يجوز قصرهَا فِي سفر الْمعْصِيَة لقَوْله ﷺ لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد الْمَسْجِد الْحَرَام والأقصى ومسجدي هَذَا وَلِهَذَا اتّفق سلف الْأمة وَخَلفهَا على أَنه لَو نذر السّفر إِلَى مشْهد عَليّ وَنَحْوه لم يوف بِهَذَا النّذر بِخِلَاف مالو نذر إتْيَان الْمَسْجِد الْحَرَام فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْوَفَاء اتِّفَاق وَكَذَا لَو نذر إتْيَان مَسْجِد رَسُول الله ﷺ أَو الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَجب عَلَيْهِ الْوَفَاء عِنْد مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَلَا يجب عِنْد أبي حنيفَة لَكِن إِذا سمى حجا مُقَيّدا بِقَيْد يُخرجهُ عَن شُبْهَة الْمَشْرُوع مثل أَن يُقَال حج النَّصَارَى وَحج أهل الْبدع وَحج الضَّالّين كَمَا يُقَال صَوْم النَّصَارَى وَصَوْم الْيَهُود وَصَلَاة النَّصَارَى وَصَلَاة الْيَهُود وَصَلَاة الرافضة وَعِيد الرافضة وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ جَائِز لمييز بذلك الْحق الْمَأْمُور بِهِ وَالْبَاطِل المنهى عَنهُ بل السّفر الْمَشْرُوع إِلَى مَسْجِد النَّبِي ﷺ أَو إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى إِنَّمَا يكون للصَّلَاة الَّتِي ورد الحَدِيث فِي فَضلهَا وَلَيْسَ لأحد أَن يفعل فِي ذَلِك مَا هُوَ من خَصَائِص الْبَيْت الْعَتِيق كَمَا يَفْعَله بعض الضلال من الطّواف بالصخرة أَو الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة أَو السّفر إِلَى الْمُقَدّس وَقت التَّعْرِيف أَو الذّبْح هُنَاكَ وَحلق الرَّأْس وَنَحْو ذَلِك فَكل هَذَا من دين الْجَاهِلِيَّة وَهُوَ من الْمُنْكَرَات فِي دين الْإِسْلَام الَّتِي يَنْبَغِي ردع فاعليها

стр. 499

فصل وَإِذا شَرط ولي الْأَمر على التُّجَّار الداخلين إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام وهم من أهل الْحَرْب أَن يضمنُون مَا أَخذه الْحَرْب مِنْهُم لتجار الْمُسلمين جَازَ ذَلِك وَكَانَ شرطا صَحِيحا لِأَن غَايَته أَنه ضَمَان مَجْهُول أَو ضَمَان مَا لم يجب فَهُوَ كضمان السُّوق وَهُوَ أَن يضمن الضَّامِن مَا يجب على التَّاجِر للنَّاس من الدُّيُون وَهَذَا جَائِز عِنْد أَكثر الْعلمَاء مَالك وَأحمد وَأبي حنيفَة وَغَيرهم كَمَا فِي قَوْله ﴿وَلمن جَاءَ بِهِ حمل بعير وَأَنا بِهِ زعيم﴾ وَلِأَن هَؤُلَاءِ الطَّائِفَة الممتنعة ينصر بَعضهم بَعْضًا فهم كالشخص الْوَاحِد فَإِذا اشترطوا أَن تجارهم يدْخلُونَ بِلَاد الْإِسْلَام بِشَرْط أَن لَا يَأْخُذُوا للْمُسلمين شَيْئا وَمَا أَخَذُوهُ كَانُوا ضامنين لَهُ والمضمون يُؤْخَذ من أَمْوَال التُّجَّار جَازَ ذَلِك ذَلِك وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ للأسير الْعقيلِيّ حِين قَالَ يَا مُحَمَّد علام أوخذ فَقَالَ بجريرة حلفائك من ثَقِيف وأسره النَّبِي ﷺ وحبسه لينال بذلك من حلفائه مَقْصُوده وَلَو أسرنا حَرْبِيّا لأجل تَخْلِيص من أسروه منا جَازَ بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَلنَا أَن نحبسه حَتَّى يردوا أسيرنا وَلَو أَخذنَا مَال حَرْبِيّ حَتَّى يردوا علينا مَا أَخَذُوهُ لمُسلم جَازَ فَإِذا اشْترط عَلَيْهِم ذَلِك فِي عقد الْأمان جَازَ فصل وَإِذا كَانَ الْيَهُودِيّ أَو النَّصْرَانِي خَبِيرا بالطب ثِقَة عِنْد الْإِنْسَان جَازَ لَهُ أَن يستطبه كَمَا يجوز لَهُ أَن يودعه المَال وَأَن يعامله وَقد اسْتَأْجر رَسُول الله ﷺ رجلا مُشْركًا لما هَاجر وَكَانَ هاديا خريتا ماهرا بالهداية إِلَى الطَّرِيق من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة وائتمنه على نَفسه وَمَاله وَكَانَت خُزَاعَة عَيْبَة نصح رَسُول الله ﷺ مسلمهم وكافرهم وَقد روى أَن الْحَارِث بن كلدة وَكَانَ كَافِرًا أَمرهم رَسُول الله ﷺ أَن يستطبوه وَإِذا وجد طَبِيبا

стр. 500

مُسلما فَهُوَ أولى وَأما إِن لم يجد إِلَّا كَافِرًا فَلهُ ذَلِك وَإِذا خاطبه بِالَّتِي هِيَ أحسن كَانَ حسنا وَلَيْسَ لأهل الذِّمَّة إِظْهَار شَيْء من شعار دينهم فِي ديار الْمُسلمين لَا فِي أَوْقَات الاسْتِسْقَاء وَلَا فِي مَجِيء النوائب وَيمْنَعُونَ من إِظْهَار التَّوْرَاة وَلَا يرفعون أَصْوَاتهم بِالْقِرَاءَةِ وصلاتهم وعَلى ولي الْأَمر مَنعهم من ذَلِك وَلَيْسَ الْخَمِيس من أعياد الْمُسلمين بل هُوَ من أعياد النَّصَارَى كعيد الميلاد وَعِيد الغطاس لكل أمة قبله وَلَيْسَ لأه الذِّمَّة أَن يعينوهم على أعيادهم فِي بِلَاد الْمُسلمين وَلَيْسَ للْمُسلمين أَن يعينوهم على أعيادهم لَا يَبِيع مَا يستعينون بِهِ على عيدهم وَلَا بِإِجَازَة دوابهم ليركبوها فِي عيدهم لِأَن أعيادهم مِمَّا حرمه الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ لما فِيهَا من الْكفْر والفسوق والعصيان وَأما إِذا فعل الْمُسلمُونَ مَعَهم أعيادهم مثل صبغ الْبيض وتحمير دوابهم بمغرة وَيجوز وتوسيع النَّفَقَات وَعمل طَعَام فَهَذَا أظهر من أَن يحْتَاج إِلَى سُؤال بل قد نَص طَائِفَة من الْعلمَاء من أَصْحَاب أبي حنيفَة وَمَالك على كفر من يفعل ذَلِك وَقَالَ بَعضهم من ذبح بطيخة فِي عيدهم فَكَأَنَّمَا ذبح خنزيرا وَلَو تشبه الْمُسلم باليهود أَو النَّصَارَى فِي شَيْء من الْأُمُور المختصة بهم لنهى عَن ذَلِك بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَإِن كَانَ أصل ذَلِك جَائِزا إِذا لم يكن من شعارهم مثل لِبَاس الْأَصْفَر وَنَحْوه فَإِن هَذَا جَائِز فِي الأَصْل لَكِن لما صَار من شعار الْكفْر لم يجز لأحد أَن يلبس عِمَامَة صفراء أَو زرقاء لكَون ذَلِك من لباسهم الَّذِي يمتازون بِهِ فَكيف من يشاركهم فِي عَادَتهم وشعاذر دينهم بل لَيْسَ لأحد من الْمُسلمين أَن يخص مواسمهم بِشَيْء مِمَّا يخصونها بِهِ فَلَيْسَ للْمُسلمِ أَن يخص خميسهم الحقير لَا بتجديد طَعَام الرز والعدس وَالْبيض الْمَصْبُوغ وَغير ذَلِك وَلَا بالتجمل بالثياب وَلَا بصبغ دَوَاب وَلَا بنشر ثِيَاب وَلَا غير ذَلِك وَمن فعل ذَلِك على وَجه الْعِبَادَة والتقرب بِهِ واعتقاد

стр. 501

التبرر بِهِ فَإِنَّهُ يعرف دين الْإِسْلَام وَأَن هَذَا لَيْسَ مِنْهُ بل هُوَ ضِدّه ويستتاب مِنْهُ فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَلَيْسَ لأحد أَن يُجيب دَعْوَة مُسلم يعْمل فِي أعيادهم مثل هَذِه الْأَطْعِمَة وَلَا يحل لَهُ أَن يَأْكُل من ذَلِك بل لَو ذبحواهم فِي أعيادهم شَيْئا لأَنْفُسِهِمْ فَفِي جَوَاز أكل الْمُسلم من ذَلِك نزاع بَين الْعلمَاء وَالأَصَح عدم الْجَوَاز لكَوْنهم يذبحونها على وَجه القربان فَصَارَ من جنس مَا ذبح على النصب وَمَا أهل بِهِ لغير الله وَأما ذبح الْمُسلم لنَفسِهِ فِي أعيادهم على وَجه الْقرْبَة فَكفر بَين كالذبح للنصب وَلَا يجوز الْأكل من هَذِه الذَّبِيحَة بِلَا ريب وَلَو لم يقْصد التَّقَرُّب بذلك بل فعله لِأَن عَادَة أَو لتفريج أَهله فَإِنَّهُ يحرم عَلَيْك ذَلِك وَاسْتحق الْعقُوبَة البليغة إِن عَاد إِلَى مثل ذَلِك لقَوْله ﷺ لَيْسَ منا من تشبه بغيرنا وَمن تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم وَقد بسطنا ذَلِك فِي كتَابنَا اقْتِضَاء الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَذكرنَا دَلَائِل ذَلِك كلهَا وَسَأَلَ رجل رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِنِّي نذرت أَن أذبح بيوانة قبل أوف بنذري فَقَالَ إِن كَانَ بِهِ عيد من أعياد الْمُشْركين أَو وثن فَلَا تذبح بهَا فَنَهَاهُ أَن يذبح فِي مَكَان كَانُوا يتخذونه فِي الْجَاهِلِيَّة عيدا لِئَلَّا يكون ذبحه ذَرِيعَة لي إحْيَاء سنَن الْكفْر فَكيف بِمن يظْهر شَعَائِر كفرهم وإفكهم وَإِن كَانَ لَا يعلم أَنه من خَصَائِص دينهم بل يَفْعَله على وَجه الْعَادة فَهِيَ عَادَة جَاهِلِيَّة مَأْخُوذَة عَنْهُم لَيْسَ هَذَا من عادات الْمُسلمين الَّتِي أخذوها عَن الْمُؤمنِينَ وَالدّين الْفَاسِد هُوَ عبَادَة غير الله أَو عبَادَة الله فَاسِدَة ابتدعها بعض الضَّالّين وَالدّين الصَّحِيح عبَادَة الله وَحده وعبادته بِمَا شرع الله وَرَسُوله وَقد كره السّلف صِيَام أَيَّام أعيادهم وَإِن لم يقْصد تعظيمها فَكيف بتخصيصها بِمثل مَا يَفْعَلُونَهُ هم بل قد نهى أَئِمَّة الدّين عَن أَشْيَاء ابتدعها بعض النَّاس من الأعياد وَإِن لم تكن من أعياد الْكفَّار كَمَا يَفْعَلُونَهُ فِي يَوْم عَاشُورَاء وَفِي رَجَب وَفِي لَيْلَة

стр. 502

نصف شعْبَان وَنَحْو ذَلِك فقد نهى الْعلمَاء عَمَّا أحدث فِي ذَلِك من الصَّلَوَات والاجتماعات والأطعمة والزينة وَغير ذَلِك فَكيف بأعياد الْمُشْركين فالناهي عَن الْمُنْكَرَات من المطيعين لله وَرَسُوله كالمجاهدين فِي سَبيله وَيَنْبَغِي على وُلَاة الْأُمُور التَّشْدِيد فِي نهي الْمُسلمين عَن كل مَا فِيهِ عز لِلنَّصَارَى كالسؤال على بَابه وخدمته لَهُ بعوض يُعْطِيهِ إِيَّاه وَيكرهُ إجَازَة نَفسه للْخدمَة فِي الْمَنْصُوص من الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ مَذْهَب مَالك بَاب الصَّيْد والذبائح فِيمَا يشْتَرط قطعه من الْحَيَوَان عِنْد الذّبْح أَقْوَال أَحدهَا أَن الْوَاجِب قطع الْحُلْقُوم والمرىء خَاصَّة كَقَوْل الشَّافِعِي وَرِوَايَة عَن أَحْمد وعَلى هَذَا لَو قطع الودجين والحلقوم أولى بِالْإِبَاحَةِ من قطع الْحُلْقُوم والمرىء وَالْقَوْل الثَّانِي أَن الْوَاجِب قطع الْأَرْبَعَة كالرواية الْأُخْرَى عَن أَحْمد ويروي عَن مَالك وَالثَّالِث أَن الْوَاجِب قطع ثَلَاثَة وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وأصحابة وَمَالك فِيمَا نَقله أَصْحَابه وَهُوَ قَول فِي مَذْهَب أَحْمد لَكِن مَالك يعْتَبر قطع الْحُلْقُوم والوجودين دون المريء وَأَبُو حنيفَة مَعَ صَاحبه على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا يعْتَبر قطع ثَلَاثَة من الْأَرْبَعَة يشْتَرط أَن يكون فِيهَا الْحُلْقُوم الثَّانِي يعْتَبر قطع ثَلَاثَة من الْأَرْبَعَة سَوَاء كَانَ فِيهَا الْحُلْقُوم أَو لم يكن وَهُوَ القَوْل الْمَشْهُور فِي مَذْهَب أَحْمد فَإِذا قطع ودجيه وبلعومه جرح أَو لم يقطع الْحُلْقُوم يَجِيء فِيهِ نزاع على مَا تقدم وَالْأَظْهَر حلّه وَإِذا جرح الصَّيْد فَغَاب وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا سَهْمه فَإِنَّهُ يحل لَهُ على الصَّحِيح من أَقْوَالهم وَبِه أفتى رَسُول الله ﷺ لما سَأَلَهُ عدي بن حَاتِم إِنَّا

стр. 503

نرمي الصَّيْد فنقتفي أَثَره الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة ثمَّ نجده مَيتا وَفِيه سَهْمه فَقَالَ إِن رميت الصَّيْد فَوَجَدته بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلَّا أثر سهمك فَكل وَفِي حَدِيث أبي ثَعْلَبَة الخشنى إِذا رميت بسهمك فَغَاب ثَلَاثَة أَيَّام وأدركته فَكل مَا لم ينتن فهذان الحديثان الصحيحان الأول فِي البُخَارِيّ وَالثَّانِي فِي مُسلم عَلَيْهِمَا اعْتمد الْعلمَاء فَإِن كِلَاهُمَا أفتى بِهِ النَّبِي ﷺ وَمن أفتى بِغَيْر ذَلِك فَلم يبلغهُ الحَدِيث وَأما إِذا أنتن فَيكْرَه أكله وَأما الضبع فَإِنَّهَا مُبَاحَة فِي مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَحرَام فِي مَذْهَب أبي حنيفَة لِأَنَّهَا من ذَوَات الأنياب والأولون استدلوا بقوله ﷺ إِنَّهَا صيد وَأمر بأكلها رَوَاهُ أهل السّنَن وصححته التِّرْمِذِيّ وَقَالُوا لَيْسَ لَهَا نَاب لِأَن أضراسها صفيحة لَا نَاب فِيهَا وَمَا أكل مِنْهُ الْكَلْب لَا يُؤْكَل فِي أصح قولي الْعلمَاء وَلَا يحرم على مَا تقدم فِي أصح قولي الْعلمَاء أَيْضا وَالصَّيْد للْحَاجة فَإِنَّهُ جَائِز وَأما الصَّيْد الَّذِي هُوَ اللَّهْو واللعب فمكروه فَإِن كَانَ فِيهِ تعد على زرع النَّاس وَأَمْوَالهمْ فَهُوَ حرَام وَقد روى عَن عُثْمَان ﵁ أَنه نهى عَن الرمى بالجلاهق وَهِي البندق والمقتول بالبندق حرَام بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَإِن أدْرك حَيا وذكى فحلال وَفِي كلب المَاء نزاع الأولى تَركه فصل فِي السَّبق إِذا كَانَ السَّبق من أحد الحزبين أَو من غَيرهمَا لم يحْتَج إِلَى مُحَلل ويمكنهم مَعَ هَذَا أَن يكون الحزب الأول يخرج السَّبق أول مرّة وَالْآخر يُخرجهُ فِي الْمرة الثَّانِيَة وَالْأول فِي الْمرة الثَّانِيَة وَلم يحْتَج إِلَى مُحَلل وَعَلَيْهِم مَعَ هَذَا أَن يكرروا الرمى وَأما إِعَارَة السِّلَاح وَالْخَيْل لمن يقْرض فِيهَا فَإِن كَانَ مِمَّن يرتزق من بَيت

стр. 504

المَال ويصرفه فِي غير مصارفه الشَّرْعِيَّة أَو يقصر فِيمَا يجب عَلَيْهِ من الْجِهَاد لم يجز إعانته على الْمعْصِيَة والتدليس والتزوير وَكَذَلِكَ الجندي الَّذِي يسرق النَّفَقَة وينفقها فِي الْمعاصِي وَالْفَوَاحِش حَتَّى يبْقى لَا يُمكنهُ أَن يقوم بِمَا يجب عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله أَو يتخذون مَالا ينْتَفع للْجِهَاد من عرض وعقار حَتَّى لَا يقومُوا بِمَا يجب عَلَيْهِم وَأما إِن كَانَ هَذَا الْغَازِي مَعْذُور أَو معدما أَو مَظْلُوما مثل أَن يكون قد مَاتَت خيله بِغَيْر تَفْرِيط مِنْهُ وَلم يعرض عَنْهُمَا أوأن الأَرْض الَّتِي لَهُ لم تقل مَا يقوم بذلك أَو حدث لَهُ من الْعِيَال من يمنعونه من تَمام الْعَمَل أَو كَانَ قد طلم فَلم يُعْط من بَيت المَال الرزق عَلَيْهِ أَن يُقيم بِهِ مَا يَنْبَغِي لمثله فَهَذَا إِذا خيف فِي عرضه نقصا أَنه يزْدَاد ظلمه أَو يقطع خبزه مَعَ اسْتِحْقَاقه أَو يعْطى خبزه لن لمن هُوَ دونه فِي نفع الْمُسلمين فَعير مَا يتَحَمَّل بِهِ فَلَا بَأْس بذلك بل يسْتَحبّ ذَلِك وَيُؤمر بِهِ إِذا كَانَت الاعارة لأجل أَن نرى عُيُون الْكفَّار جند الْمُسلمين وَقصد بذلك تَتِمَّة عز الْمُسلمين كَانَ حسنا مَحْمُودًا وَلعب الكرة إِذا كَانَ قصد صَاحبه الْمَنْفَعَة للخيل وَالرِّجَال بِحَيْثُ يستعان بهَا على الْكر والفر وَالدُّخُول وَالْخُرُوج وَنَحْوه فِي الْجِهَاد وغرضه الِاسْتِعَانَة على الْجِهَاد الَّذِي أَمر الله بهَا رَسُوله ﷺ فَهُوَ حسن وَإِن كَانَ فِي ذَلِك مضرَّة بِالْخَيْلِ وَالرِّجَال فَإِنَّهُ ينْهَى عَنهُ بَاب الْأُضْحِية فِي النَّسَائِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر فَحَضَرَ النَّحْر فاشتركنا فِي الْبَعِير عَن عشرَة وَفِي الْبَقَرَة عَن سَبْعَة وَالَّذِي فِي الصَّحِيح أَنهم عَام الْحُدَيْبِيَة نحرُوا الْبَدنَة عَن سَبْعَة وَهِي الْبَعِير وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور وَقَالَ مَالك لَا يجزى نفس إِلَّا عَن نفس وَأما

стр. 505

ذبح الْبَعِير عَن عشرَة فَلم يقل بِهِ أحد من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَحَدِيث النَّسَائِيّ قيل إِن أَصله كَانَ فِي قسم الْغَنَائِم فقسم بَينهم فَعدل الْجَزُور بِعشْرَة من الْغنم لَا فِي النّسك لِأَن ابْن عَبَّاس ﵄ لم يكن مَعَ النَّبِي ﷺ فِي سفر غير النَّحْر إِلَّا فِي حجَّة الْوَدَاع خَاصَّة فَإِنَّهُ كَانَ مُقيما مَعَ أَبِيه إِلَى عَام الْفَتْح فَلم يشْهد مَعَه عيدا قبل ذَلِك لَا فِي حضر وَلَا سفر وَبعد الْفَتْح إِنَّمَا عيد النَّبِي ﷺ ثَلَاثَة أعياد عَام ثَمَان وتسع وَعشر وَلم يُسَافر سفر الْحَج إِلَّا حجَّة الْوَدَاع وسفرتان للغزو وهما غَزْوَة خَيْبَر وغزوة تَبُوك وَابْن عَبَّاس كَانَ صَبيا دون الِاحْتِلَام لم يكن يشْهد مَعَه الْمَغَازِي لَكِن شهد مَعَه حجَّة الْوَدَاع وَفِي حجَّة الْوَدَاع لم يذبحوا الْبَدنَة عَن عشرَة وَلَا نقل ذَلِك أحد وَالله أعلم وَينْهى عَن التَّضْحِيَة فِي الْكَنِيسَة الَّتِي فِيهَا صور كَمَا ينْهَى عَن ذَبحهَا عِنْد الْأَصْنَام وَمن قَالَ إِن نسك الْمُسلمين يذبح عِنْد الْأَصْنَام كَمَا يذبح الْمُشْركُونَ القرابين لآلتهم فَهُوَ مُخَالف لإِجْمَاع الْمُسلمين بل يُسْتَتَاب قَائِل هَذَا فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل وَفِي الصَّحِيح أَنه ﷺ نهى عَن الغقر عِنْد الْقَبْر وَلم يشرع الصَّدَقَة عِنْده وَمن اعْتقد أَن الذّبْح عِنْد الْقَبْر أفضل أَو لاصلاة أَو الصَّدَقَة فَهُوَ ضال مُخَالف لإِجْمَاع الْمُسلمين وَفِي وجوب الْأُضْحِية قَولَانِ لِأَحْمَد وَمَالك وَغَيرهمَا والعقيقة سنة وَتَنَازَعُوا وُجُوبهَا عَليّ قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره وَإِن كَانَ بعض أهل الْعرَاق لم يعرفهَا وَهِي أفضل من الصَّدَقَة ويعق الْكَبِير عَن نَفسه رذا لم يعق عَنهُ زبوه جوزه طاذفة وروى عبد الْحق فِي أَحْكَامه أَن النَّبِي ﷺ عتق عَن نَفسه بعد النُّبُوَّة وَهَذَا فِيهِ نظر ونزاع

стр. 506

فصل هَل الذَّبِيح إِسْمَاعِيل أَو إِسْحَاق فِيهِ قَولَانِ مشهوران هما رِوَايَتَانِ كل مِنْهُمَا قَول عَن السّلف وَنَصّ القَاضِي أَبُو يعلى أَنه إِسْحَاق تبعا لأبي بكر عبد الْعَزِيز وَقَالَ ابْن أبي مُوسَى الصَّحِيح أَنه إِسْمَاعِيل وَالَّذِي يجب الْقطع بِهِ أَنه إِسْمَاعِيل يدل على ذَلِك الْكتاب وَالسّنة والتوراة فَإِن فِيهَا أَنه قَالَ لإِبْرَاهِيم اذْبَحْ ابْنك وحيدك وَفِي تَرْجَمَة أُخْرَى بكرك وَإِسْمَاعِيل هُوَ بكره ووحيده بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَأهل الْكتاب لَكِن أهل الْكتاب حرفوا فزادوا إِسْحَاق فَتلقى ذَلِك مِنْهُم من تَلقاهُ وشاع بَين الْمُسلمين وَمِمَّا يدل على أَنه إِسْمَاعِيل ﵇ قصَّة الذَّبِيح الَّتِي فِي الصافات حَيْثُ قَالَ ﴿فبشرناه بِغُلَام حَلِيم فَلَمَّا بلغ مَعَه السَّعْي قَالَ يَا بني إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك فَانْظُر مَاذَا ترى﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وفديناه بِذبح عَظِيم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وبشرناه بِإسْحَاق نَبيا من الصَّالِحين وباركنا عَلَيْهِ وعَلى إِسْحَاق وَمن ذريتهما محسن وظالم لنَفسِهِ مُبين﴾ فَهَذِهِ الْقِصَّة تدل من وُجُوه على أَنه إِسْمَاعِيل أَحدهَا أَن الْبشَارَة بالذبيح ذكر فِيهَا قصَّة ذبحه فَلَمَّا استوفى ذَلِك قَالَ ﴿وبشرناه بِإسْحَاق نَبيا من الصَّالِحين وباركنا عَلَيْهِ وعَلى إِسْحَاق﴾ فهما بشارتان بِشَارَة بالذبيح وَبشَارَة بإبنه إِسْحَق وَهَذَا يبين الْوَجْه الثَّانِي أَنه لم يذكر قصَّة الذَّبِيح إِلَّا فِي هَذِه السُّورَة وَفِي ساذر الْمَوَاضِع يذكر الْبشَارَة بِإسْحَاق خَاصَّة كَمَا قَالَ فِي سُورَة هود ﴿وَامْرَأَته قَائِمَة فَضَحكت فبشرناها بِإسْحَاق وَمن وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الذاريات ﴿فأوجس مِنْهُم خيفة قَالُوا لَا تخف وبشروه بِغُلَام عليم﴾ وَقَالَ فِي

стр. 507

سُورَة الْحجر ﴿قَالُوا لَا توجل إِنَّا نبشرك بِغُلَام عليم قَالَ أبشرتموني على أَن مسني الْكبر فَبِمَ تبشرون﴾ وَلم يذكر مَعَ الْبشَارَة بِإسْحَاق أَنه ذبيح مَعَ تعدد الْمَوَاضِع فَإِذا كَانَ قد ذكر الْبشَارَة بِإسْحَاق وَحده غير مرّة وَلم يذكر الذَّبِيح ثمَّ ذكر البشارتين جَمِيعًا الْبشَارَة بالذبيح والبشارة بِإسْحَاق بعده كَانَ هَذَا من أبين الْأَدِلَّة على أَن إِسْحَاق لَيْسَ هُوَ الذَّبِيح وَيُؤَيّد ذَلِك أَنه ذكر هِبته وَهبة يَعْقُوب لإِبْرَاهِيم بقوله ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب نَافِلَة وكلا جعلنَا صالحين﴾ وَقَوله ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب وَجَعَلنَا فِي ذُريَّته النُّبُوَّة وَالْكتاب وَآتَيْنَاهُ أجره فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين﴾ وَلم يذكر ذَلِك فِي الذَّبِيح الْوَجْه الثَّالِث أَنه تَعَالَى ذكر فِي الذَّبِيح أَنه غُلَام حَلِيم وَلما ذكر الْبشَارَة بِإسْحَاق قَالَ ﴿بِغُلَام عليم﴾ فِي غير مَوضِع وَلَا بُد لهَذَا التَّخْصِيص من حِكْمَة وَهل يلغى اقتران الوصفين والحليم الَّذِي هُوَ ثَابت للصبر الَّذِي هُوَ خلق الذَّبِيح وَإِسْمَاعِيل وصف بِالصبرِ فِي قَوْله ﴿وَإِسْمَاعِيل وَإِدْرِيس وَذَا الكفل كل من الصابرين﴾ وَهَذَا وَجه فَإِنَّهُ قَالَ ﴿ستجدني إِن شَاءَ الله من الصابرين﴾ الْوَجْه الرَّابِع أَن الْبشَارَة بِإسْحَاق كَانَت معْجزَة لِأَن أمه عَجُوز عقيم وَأَبوهُ قد مَسّه الْكبر والبشارة مُشْتَركَة لإِبْرَاهِيم وَامْرَأَته وَأما الْبشَارَة بالذبيح فَكَانَت لإِبْرَاهِيم وامتحن بذَبْحه دون الْأُم المبشرة رلم تكن وِلَادَته خرق عَادَة وَهَذَا يُوَافق مَا نقل عَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فِي الصَّحِيح من أَن إِسْمَاعِيل لما ولد لهاجر غارت سارة فَذهب إِبْرَاهِيم بِإِسْمَاعِيل وَأمه إِلَى مَكَّة وَهُنَاكَ كَانَ أَمر الذّبْح فانه يُؤَيّد أَن إِسْمَاعِيل هُوَ الذَّبِيح لَيْسَ هُوَ إِسْحَاق لِأَنَّهُ قَالَ ﴿فبشرناها بِإسْحَاق وَمن وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب﴾ والبشارة بِيَعْقُوب تقتضى أَن إِسْحَاق يعِيش ويولد لَهُ يَعْقُوب فَكيف يَأْمر بعد ذَلِك بذَبْحه وَكَانَت الْبشَارَة وقضة الذَّبِيح فِي حَيَاة إِبْرَاهِيم بِلَا ريب

стр. 508

وَيدل على ذَلِك أَن قصَّة الذَّبِيح كَانَت بِمَكَّة وَلما فتح النَّبِي ﷺ مَكَّة كَانَ قرنا الْكَبْش فِي الْكَعْبَة فَقَالَ للسادن أردْت أَن آمُرك أنتخمر قَرْني الْكَبْش ففنسيت فخمرها فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَن يكون فِي الْقبْلَة شئ يلهي الْمُصَلِّي فَلهَذَا جعلت مني محلا للنسك من عهد إِبْرَاهِيم وَإِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل هما اللَّذَان بنيا الْبَيْت بِنَصّ الْقُرْآن وَلم يقل أحد أَن إِسْحَاق ذهب إِلَى مَكَّة وَبَعض الْمُفَسّرين من أهل الْكتاب يزْعم أَن قصَّة الذَّبِيح كَانَت فِي الشَّام وَهَذَا افتراء بَين فَإِنَّهُ لَو كَانَ بِبَعْض جبال الشَّام لعرف ذَلِك الْجَبَل وَرُبمَا جعل منسكا كَمَا جعل الْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي بناه إِبْرَاهِيم وَمَا خوله من المشاعر وَهُنَاكَ دَلَائِل أخر وعَلى مَا ذَكرْنَاهُ أسئلة أوردهَا طَائِفَة كَابْن جرير وَالْقَاضِي أبي يعلى والسهيلي وَلَكِن لَا يَتَّسِع هَذَا الْموضع لذكرها وجوابها فصل وَمن ضحى بِشَاة ثمنهَا أَكثر من ثمن الْبَقَرَة كَانَ أفضل من الْبَقَرَة فَإِنَّهُ ﷺ سُئِلَ أَي الصَّدقَات أفضل فَقَالَ أغلاها ثمنا وأنفسها عِنْد أَهلهَا وَالَّذِي دلّت عَلَيْهِ السّنة أَن الضحية وَإِن كَانَت وَاجِبَة يضحى الرجل بِالشَّاة الْوَاحِدَة عَنهُ وَعَن أهل بَيته فقد ضحى النَّبِي ﷺ بكبشين وَقَالَ الله مهذا عَن مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد وَقَالَ الرجل يضحى بِالشَّاة الْوَاحِدَة عَن أهل بَيته فصل الْأَعْمَال الَّتِي تكون بَين أثنين فَصَاعِدا يطْلب كل مِنْهُمَا أَن يغلب الآخر ثَلَاثَة أَصْنَاف

стр. 509

صنف أَمر بِهِ وَرَسُوله كالسباق بِالْخَيْلِ وَالرَّمْي بِالنَّبلِ وَنَحْوه من الآت الْحَرْب لِأَنَّهُ مِمَّا يعين على الْجِهَاد فِي سَبِيل الله والصنف الثَّانِي مَا نهى الله وَرَسُوله بقوله ﴿إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ﴾ إِلَى آخر الْآيَة مَسْأَلَة فالميسر محرم بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع وَمِنْه اللّعب بالنرد وَالشطْرَنْج وَمَا أشبهه مِمَّا يصد عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة ويوقع الْعَدَاوَة والبغضاء فاذا كَانَ بعوض حرم إِجْمَاعًا وَإِن لم يكن بعوض فَفِيهِ نزاع عِنْد الصَّحَابَة وَجُمْهُور الْعلمَاء كمالك وَأبي حنيفَة وَأحمد وَنَصّ الشَّافِعِي على تَحْرِيم النَّرْد وَإِن كَانَ بِلَا عوض وَتوقف فِي الشطرنج وَمِنْهُم من أَبَاحَ النَّرْد الْخَالِي عَن الْعِوَض لما ظنُّوا أَن الله حرم الميسر لأجل مَا فِيهِ من المخاطرة المتضمنة أكل المَال بِالْبَاطِلِ فَقَالُوا إِذا لم يكن فِيهِ أكل مَال بِالْبَاطِلِ زَالَ سَبَب التَّحْرِيم وَأما الْجُمْهُور إِن تَحْرِيم الميسر تَحْرِيم الْخمر لاشْتِمَاله على الصد عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة ولالقائه الْعَدَاوَة والبغضاء وَمنعه عَن صَلَاح الْبَين الَّذِي يُحِبهُ الله وَرَسُوله وإيقاعه اللاعبين فِي الْفساد الَّذِي ببغضه الله وَرَسُوله واللعب بذلك يلهي الْقلب ويشغله ويغيب اللاعب بِهِ عَن مَصَالِحه أَكثر مِمَّا يفعل الْخمر فَفِيهَا مَا فِي الْخمر وَزِيَادَة وَيبقى صَاحبهَا عاكفا عكوف شَارِب الْخمر على خمرة وَأَشد وَكِلَاهُمَا مشبه بالعكوف على الْأَصْنَام كَمَا فِي الْمسند أَنه قَالَ شَارِب الْخمر كعابد الوثن وَثَبت عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ أَنه مر بِقوم يَلْعَبُونَ الشطرنج فَقَالَ مَا هَذِه الْأَوْثَان الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون وقلب الرقعة وَإِذا كَانَ ثمَّ مَال تضمن أَيْضا أكل المَال بِالْبَاطِلِ فَيكون حَرَامًا من وَجْهَيْن وَالله حرم الرِّبَا لما فِيهِ من أكل المَال بَاطِلا

стр. 510

وَمَا نهى عَنهُ من بيع الْغرَر كَبيع حَبل الحبلة وَبيع الثِّمَار قبل بَدو الصّلاح وَالْمُلَامَسَة والمنابذة إِنَّمَا حرمه لما فِيهِ من أكل المَال بِالْبَاطِلِ النَّوْع الثَّالِث من المغالباات مَا هُوَ مُبَاح لعدم الْمضرَّة الراجحة وَلَيْسَ مَأْمُورا بِهِ على الْإِطْلَاق لعدم احْتِيَاج الدّين إِلَيْهِ وَلَكِن قد يَقع أَحْيَانًا كالمصارعة والمسابقة على الْأَقْدَام وَنَحْوه فَهَذَا مُبَاح بِاتِّفَاق الْمُسلمين إِذا خلا عَن مفْسدَة راجحة وَقد صارع النَّبِي ﷺ ركَانَة بن عبد يزِيد وسابق عَائِشَة وَكَانَ أَصْحَابه ﵃ يتسابقون على أَقْدَامهم بِحَضْرَتِهِ لَكِن أَكثر الْعلمَاء لَا يجوزون فِي هَذَا سبقا وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل لقَوْله ﷺ لَا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر أَو نصل وَلِأَن إِنَّمَا أُبِيح إِعَانَة على مَا أوجبه الله وَرَسُوله من الْجِهَاد وَأَبُو حنيفَة أَبَاحَ السَّبق بالمحلل كَمَا يبيحه فِي سباق الْخَيل بِنَاء على أَن الْعَمَل بِنَفسِهِ مُبَاح والسبق عِنْده من الْجعَالَة والجعالة تجوز على الْعَمَل الْمُبَاح وَالَّذِي قَالَه هُوَ الْقيَاس وَلَو كَانَ السَّبق الْمَشْرُوع من جنس الْجعَالَة فان النَّاس قد تنازعوا فِي جَوَاز الْجعَالَة وأبطلها طَائِفَة من الظَّاهِرِيَّة وَالصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور جَوَازهَا وَلَيْسَت عقدا لَازِما لِأَن الْعَمَل فِيهَا مَعْلُوم وَلِهَذَا يجوز أَن يَجْعَل للطبيب جعلا على الشِّفَاء كَمَا جعل سيد الْحَيّ اللذيغ لأَصْحَاب النَّبِي ﷺ حِين رقاه أَبُو سعيد الخذري وَلَا يجوز أَن يسْتَأْجر الطَّبِيب على الشِّفَاء لِأَنَّهُ غير مَقْدُور عَلَيْهِ وَمن هُنَا يظْهر فقه بَاب السَّبق فَإِن كثيرا من الْعلمَاء اعتقدوا أَن السَّبق إِذا كَانَ من الجانبيين وَلَيْسَ بَينهمَا مُحَلل كَانَ هَذَا من الميسر الْمحرم وَأَنه قمار لِأَن كلا مِنْهُمَا مُتَرَدّد بَين أَن يغرم أَو يغنم وَمَا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ قمار واعتقدوا أَن الْقمَار إِنَّمَا الْمحرم حرم لما فِيهِ من المخاطرة وَالتَّعْزِير وظنوا أَن الله حرم الميسر لذَلِك وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي المتسابقين إِذا أخرج كل مِنْهُمَا السَّبق فحرموا ذَلِك وروى فِي ذَلِك حَدِيث ظَنّه بَعضهم صَحِيحا وَهُوَ قَوْله من أَدخل فرسا بَين فرسين وَهُوَ

стр. 511

لَا يَأْمَن أَن يسْبق فَلَيْسَ بقمار وَمن أَدخل فرسا بَين فرسا وَهُوَ آمن أَن يسْبق فَهُوَ قمار وَمَعْلُوم أَن هَذَا الحَدِيث لَيْسَ هُوَ من كَلَام النَّبِي ﷺ بل هُوَ من كَلَام سعيد بن الْمسيب هَكَذَا رَوَاهُ الثِّقَات وَرَفعه سُفْيَان بن حُسَيْن الوَاسِطِيّ وَهُوَ ضَعِيف ثمَّ إِن الَّذين اعتقدوا أَن هَذِه الْمُسَابقَة بِلَا مُحَلل قمار تنازعوا بعد ذَلِك فَمنهمْ من لم يجوز الْعِوَض بِحَال وَمِنْهُم من جوزه من أَحدهمَا بِشَرْط أَن لَا يرجع إِلَيْهِ بل يُعْطِيهِ الْجَمَاعَة إِن غلب وروى ذَلِك عَن مَالك وَغَيره وَهُوَ أصح وَالْقِيَاس لَو كَانَت الْمُسَابقَة من الطَّرفَيْنِ قمارا محرما فَإِنَّهُم رَأَوْا أَن هَذِه لَيست جعَالَة يقْصد الْجَاعِل فِيهَا بدل الْجعل فِي عمل ينْتَفع بِهِ إِنَّمَا يقْصد أَن يغلب صَاحبه فحرموها وَقَالُوا دُخُول الْمُحَلّل فِيهَا يزيدها شرا وَأَن المغامرة حرمت لما فِيهَا من أكل المَال بِالْبَاطِلِ والمحلل يزيدها شرا فَإِن المتسابقين إِذا غلب أَحدهمَا صَاحبه فَأخذ مَاله كَانَ هَذَا فِي مُقَابلَة أَن الآخر إِذا غَلبه أَخذ مَاله فَكَانَ مبناها على الْعدْل بِخِلَاف الْمُحَلّل فانه ظلم مَحْض فانه بعرضة أَن يغنم أَو يسلم والآخران قد يغرمان فَلَا يستوون فِي الْمغنم والمغرم والسلامة بِخِلَاف مَا إِذا لم يكن بَينهمَا مُحَلل فكلاهما قد يغرم وَقد يغنم وَقد يسلم فِيمَا إِذا تَسَاويا وجاءا مَعًا فَهَذَا أقرب إِلَى الْعدْل فاذا حرم الْأَقْرَب إِلَى الْعدْل فَلِأَن يحرم الْأَبْعَد عَنهُ بطرِيق الأولى وَأَيْضًا فاذا قيل هَذَا محرم لما فِيهِ من المخاطرة وَأكل المَال بِالْبَاطِلِ كَانَ بالمحلل أَشد تَحْرِيمًا لِأَنَّهَا أَشد مخاطرة وَأَشد أكلا لِلْمَالِ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّهَا عِنْد عَدمه إِمَّا أَن يغنم أَو يغرم أَحدهمَا وَهنا المخاطرة بَاقِيَة كل مِنْهُمَا قد يغنم أَو قد يغرم وانضم إِلَى ذَلِك مخاطرة ثَالِثَة وَهِي أَنه هُنَاكَ يغرم إِذا غَلبه صَاحبه وَهنا يغرم إِذا غَلبه الْمُحَلّل فَكَانَ الْمُحَلّل زِيَادَة فِي المخاطرة

стр. 512

وَأَيْضًا فَإِن كلا يحْتَمل أَن يغلب ويغنم أَو يغرم وَأما الْمُحَلّل فَلَا يحْتَمل أَن يغلب أَو يغرم بل هُوَ يغنم لَا محَالة أَو يعلم فَمن تدبر هَذِه الْأُمُور علم أَن الشَّرِيعَة منزهة عَن مثل هَذَا أَن تحرم الشَّرّ دفعا لمفسدة قَليلَة ونتيجة بالمفسدة عينهَا إِذا كثرت وَلَكِن أَصْحَاب الْحِيَل كثيرا مَا يقعون فِي هَذَا فيحرمون على الرجل بعض أَنْوَاع الزِّيَادَة دفعا لأكل المَال بِالْبَاطِلِ لِئَلَّا يتَضَرَّر ويفتحون لَهُ حِيلَة يُؤْكَل فِيهَا مَاله بِالْبَاطِلِ أَكثر وَيكون فِيهَا ظلمه وضرره أعظم وَمن الْعلمَاء من أَبَاحَ السَّبق بالمحلل كَقَوْل أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالك وَهَذَا مَبْنِيّ على أصلين أَحدهمَا أَن هَذِه جعَالَة وَالثَّانِي أَن الْقمَار هُوَ المخاطرة الدائرة بَين أَن يغنم باذل المَال أَو يغرم أَو يسلم وَهَذَا الْمَعْنى يَنْتَفِي بالمحلل فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَدُور على أَمريْن أَن يغنم أَو يغرم أَو يسلم وَقد تقدم التَّنْبِيه على بعض مَا فِي كل من الْأَصْلَيْنِ وَالْمَقْصُود الْأَعْظَم بَيَان فَسَاد ظن الظَّان أَنه بِدُونِ الْمُحَلّل قمار وبالمحلل يَزُول الْقمَار فَيُقَال أَولا إِن الدَّلِيل الشَّرْعِيّ قد دلّ على أَن الْقمَار هُوَ هَذَا دون هَذَا وَيُقَال ثَانِيًا المتسابقان كل مِنْهُمَا مُتَرَدّد بَين أَن يغنم أَو يغرم أَو يسلم فَإِنَّهُمَا لَو جَاءَا مَعًا لم يَأْخُذ أَحدهمَا سبق الآخر فَقَوْلهم إِن الْقمَار هُوَ المتردد بَين أَن يغنم أَو يغرم فَقَط لَيْسَ بِمُسْتَقِيم بل عِنْدهم وَإِن تردد بَين أَن يغنم أَو يغرم أَو يسلم فَهُوَ أَيْضا قمار وَهَذَا مَوْجُود مَعَ الْمُحَلّل فَإِن كلا مِنْهُمَا يتَرَدَّد بَين أَن يغنم إِن غلب وَبَين أَن يغرم إِن غلب وَبَين أَن يسلم إِن جَاءَا مَعًا أَو جَاءَ هُوَ ورفيقه مَعًا فالمخاطرة فِيهَا مَوْجُودَة مَعَ الْمُحَلّل وَبِدُون الْمُحَلّل بل زَادَت بِدُخُولِهِ فَتبين أَن الْمَعْنى لم يزل بِدُخُول الْمُحَلّل بل ازْدَادَ مفْسدَة فَإِنَّهُ على بر السَّلامَة

стр. 513

وَلَا عدل فِيهِ بِخِلَاف مالو كَانُوا بِلَا مُحَلل فَكَانَ كل مِنْهُمَا مُسَاوِيا للْآخر فِي الِاحْتِمَال وَهَذَا عدل وَهُوَ على الْمِيزَان بَينهمَا بل الَّذِي بذل الْجعل ليجعل الرَّغْبَة فِيمَا يُحِبهُ لَا ينظر فِي مصْلحَته بل معرضًا للخسارة وَيجْعَل الدخيل الَّذِي جَاءَ تَابعا للغرض لَا يخسر شَيْئا من مَاله وَالَّذِي يتَقرَّب إِلَى الله بِمَا يُحِبهُ يخسر وَالَّذِي لم يقْصد لم يُعْط شَيْئا وَلَا يخسر بل إِمَّا سالما وَإِمَّا غانما فَهَل يحسن هَذَا فِي شرع رَسُول الله ﷺ وإنن كَانَ الْقَائِلُونَ عُلَمَاء فضلاء أَئِمَّة فَإِنَّمَا وَقعت الشُّبْهَة من حَيْثُ ظنُّوا أَن الميسر الْمحرم الَّذِي هُوَ الْقمَار حرم لما فِيهِ من المخاطرة ثمَّ مِنْهُم من رأى المخاطرة كلهَا مُحرمَة من الْمُحَلّل وَعَدَمه وَهَذَا أقرب إِلَى الأَصْل الَّذِي ظنُّوا لَو كَانَ صَحِيحا وَمِنْهُم من رأى الْحَاجة إِلَى السَّبق وَقد جَاءَ الشَّرْع بهَا فَجمع بَين مَا أَمر الله بِهِ وَبَين مَا أبْطلهُ من الْقمَار فأباحه مَعَ الْمُحَلّل فَقَط وَالْمَقْصُود هُنَا بالجعل أَن يظْهر أَنه قوي لِأَن صَاحبه يغلبه وَيَأْخُذ مَاله بِخِلَاف الْجعَالَة فَإِن الْغَرَض بهَا الْعَمَل من الْعَامِل الَّذِي يَأْخُذ الْجعل فَلَيْسَتْ هَذِه جعَالَة والجاعل قَصده وجود الشَّرْط والمسابق الَّذِي أظهر المَال قَصده أَن لَا يُوجد الشَّرْط الَّذِي هُوَ سبق صَاحبه لَهُ بل قَصده عَدمه فَأَيْنَ هَذَا من هَذَا هَذَا يكره أَن يطْلب وَذَاكَ يجب أَن يحصل قَصده الَّذِي هُوَ رد آبقة أَو ابناء حَائِطه كَمَا يَقُول الْحَالِف إِن فعلت كَذَا فَمَالِي صَدَقَة أَو على الْحَج ومقصده أَنه لَا يَفْعَله بِخِلَاف النَّاذِر الَّذِي يَقُول إِن شفى الله مريضي فعلي أَن أَصوم شهرا وكالمخالع الَّذِي يَقُول إِن أبرأنيني من صداقك فَأَنت طَالِق وَمن تبين حَقِيقَة هَذِه الْمَسْأَلَة تبين لَهُ أَن مَا من رأى أَنه حرَام وَلَو مَعَ مُحَلل فَقَوله أصح على مَا ظنوه وَأما إِذا تقرر أَن تَحْرِيم الميسر لما نَص الله تَعَالَى على أَنه يُوقع الْعَدَاوَة والبغضاء ويصد عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة وَقد يشْتَد تَحْرِيمه لما فِيهِ

стр. 514

من أكل المَال بِالْبَاطِلِ والمسابقة الَّتِي أَمر الله بهَا وَرَسُوله لَا تشْتَمل لَا على هَذَا الْفساد وَلَا على هَذَا الْبَيْت فَلَيْسَتْ من الميسر وَلَيْسَ إِخْرَاج السَّبق فِيهَا مِمَّا حرمه الله وَرَسُوله وَلَا من الْقمَار الدَّاخِل فِي الميسر فَإِن لفظ الْقمَار الْمحرم لَيْسَ فِي الْقُرْآن إِنَّمَا فِيهِ لفظ الميسر والقمار دَاخل فِي هَذَا الِاسْم وَالْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة يجب أَن تتَعَلَّق بِكَلَام الله وَرَسُوله وَمَعْنَاهُ فَينْظر فِي دلَالَة أَلْفَاظ الْقُرْآن والْحَدِيث وَفِي الْمعَانِي والعلل وَالْحكم والأسباب الَّتِي علق الشَّارِع بهَا الْأَحْكَام فَيكون الِاسْتِدْلَال بِمَا أنزل الله من الْكتاب وَالْمِيزَان وَالْقِيَاس الصَّحِيح الَّذِي يسوى بَين المتماثلين وَيفرق بَين الْمُخْتَلِفين هُوَ من الْعدْل وَهُوَ من الْمِيزَان وَذَلِكَ أَن الْمُسَابقَة والمناضلة عمل صَالح يُحِبهُ الله وَرَسُوله وَقد سَابق النَّبِي ﷺ بَين الْخَيل فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميا وَكَانَ قد صَار مَعَ أحد الحزبين ثمَّ قَالَ ارموا فَأَنا مَعكُمْ كلكُمْ تعديلا بَين الطَّائِفَتَيْنِ وَالرَّمْي وَالرُّكُوب قد يكون وَاجِبا وَقد يكون فرضا على الْكِفَايَة وَقد يكون مُسْتَحبا وَقد نَص أَحْمد وَغَيره على أَن الْعَمَل بِالرُّمْحِ أفضل من صَلَاة الْجِنَازَة فِي الْأَمْكِنَة الَّتِي يحْتَاج فِيهَا إِلَى الْجِهَاد كالثغور فَكيف يَرْمِي النشاب وروى أَن الْمَلَائِكَة لم تحضر شَيْئا من لهوكم إِلَّا الرَّمْي وروى أَن قوما كَانُوا يتناضلون فَحَضَرت الصَّلَاة فَقَالُوا يَا رَسُول الله قد حضرت الصَّلَاة فَقَالَ هم فِي صَلَاة وَمَا كَانَ كَذَلِك فَلَيْسَ من الميسر الَّذِي حرمه الله بل هُوَ من الْحق كَمَا قَالَ كل لَهو يلهو بِهِ الرجل فَهُوَ بَاطِل إِلَّا رمية بقوسه أَو تأديبه لفرسه أَو ملاعبته لامْرَأَته فَإِنَّهُنَّ من الْحق وَحِينَئِذٍ فَأكل المَال بِهَذِهِ الْأَعْمَال بِالْحَقِّ لَا بِالْبَاطِلِ كَمَا قَالَ ﷺ فِي حَدِيث الرّقية لعمري لمن أكل برقية بَاطِل لقد أكلْتُم برقية حق فَجعل كَون الْعَمَل نَافِعًا لَا ينْهَى عَنهُ بل إِذا أكل بِهِ المَال فقد أكل بِحَق وَهنا

стр. 515

هَذَا الْعَمَل نَافِع للْمُسلمين مَأْمُور بِهِ لم ينْه عَنهُ فَالْمَعْنى الَّذِي لأَجله حرم الله الميسر أكل المَال بالقمار وَهُوَ أَن يَأْكُل المَال بِالْبَاطِلِ وَهَذَا أكل بِالْحَقِّ وَأما المخاطرة فَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة مَا يوج تَحْرِيم كل مخاطرة بل قد علم أَن الله وَرَسُوله لم يحرما كل مخاطرة وَلَا كل مَا كَانَ مترددا بل أَن يغنم أَو يغرم أَو يسلم وَلَيْسَ فِي أَدِلَّة اشرع مَا يُوجب تَحْرِيم جَمِيع هَذِه الْأَنْوَاع لَا نصا وَلَا قِيَاسا وَلَكِن يحرم من هَذِه الْأَنْوَاع مَا يشْتَمل على أكل المَال بِالْبَاطِلِ والموجب للتَّحْرِيم عِنْد الشَّارِع أَنه أكل مَال بِالْبَاطِلِ كَمَا يحرم أكل المَال بِالْبَاطِلِ وَإِن لم يكن مخاطرة لَا أَن مُجَرّد المخاطرة محرم مثل المخاطرة على اللّعب بالنرد وَالشطْرَنْج لما فِيهِ من أكل المَال بِالْبَاطِلِ وَهُوَ لَا مَا لَا نفع فِيهِ لَهُ وَلَا للْمُسلمين فَلَو جعل السُّلْطَان أَو أَجْنَبِي مَالا لمن يغلب بذلك لما جَازَ وَإِن لم يكن مخاطرة وَكَذَلِكَ لَو جعل أَحدهمَا جعلا وَكَذَلِكَ لَو أدخلا محللا فَعلم أَن ذَلِك لم يحرم لأجل المخاطرة لَا سِيمَا وَجُمْهُور الْعلمَاء يحرمُونَ هَذَا الْعَمَل وَإِن خلا من عوض وَأما أَخذ الْعِوَض فِي الْمُسَابقَة والمصارعة فَهَذِهِ الْأَعْمَال لم تجْعَل فِي الأَصْل لعبادة الله تَعَالَى وطاعته وَطَاعَة رَسُوله فَلهَذَا لم يحض الشَّارِع عَلَيْهَا وَلَا رغب فِيهَا إِنَّمَا يقْصد بهَا فِي الْغَالِب رَاحَة النُّفُوس أَو الِاسْتِعَانَة على الْمُبَاحَات فأباحها الشَّارِع لعدم الضَّرَر الرَّاجِح وَلم يَأْمر بهَا وَلَا رغب فِيهَا لِأَنَّهَا لَيست مِمَّا يَحْتَاجهُ الْمُسلمُونَ وَلَا يتَوَقَّف قيام الدّين عَلَيْهَا كالرمى وَالرُّكُوب وَلَو خلال الْمُسلمُونَ عَن مصَارِع ومسابق على الْأَقْدَام لم يضرهم لَا فِي دينهم وَلَا فِي دنياهم بِخِلَاف مَا لَو خلوا عَن الرَّمْي وَالرُّكُوب لغلب الْكفَّار على الْمُسلمين وَلِهَذَا لم يدْخل فِيهَا السَّبق أَلا ترى أَن للْإِمَام أَن يخرج جعلا لمن يرى وَلَا يحل لَهُ أَن يُخرجهُ لمن يصارع إِذا عرف هَذَا عرف أَن مُجَرّد المخاطرة لَيْسَ مقتضيا لتَحْرِيم الْمَسْأَلَة

стр. 516

وانكشفت وَظَهَرت وَعرف أَن الصَّوَاب أَن يعرف مُرَاد رَسُول الله ﷺ من أَقْوَاله وَحكمه وَعلله الَّتِي علق بهَا الإحكام فَإِن الْغَلَط إِنَّمَا ينشأ من عدم الْمعرفَة بمراده ﷺ والمخاطرة مُشْتَركَة بَين كل من المتسابقين فان كلأ يَرْجُو أَن يغلب الآخر وَيخَاف أَن يغلبه فَكَانَ ذَلِك عدلا وإنصافا بَينهمَا كَمَا تقدم وَكَذَلِكَ كل من الْمُتَبَايعين لسلعة فَإِن كلا يَرْجُو أَن يربح فِيهَا وَيخَاف أَن يخسر فَمثل هَذِه المخاطرة جَائِزَة بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع والتاجر مخاطر وَكَذَلِكَ الْأَجِير المجعول لَهُ جعل على رد آبق وعَلى بِنَاء حَائِط فَإِنَّهُ قد يحْتَاج إِلَى بذل مَال فَيكون مترددا بَين أَن يعرم أَو يغنم وَمَعَ هَذَا فَهُوَ جَائِز والمخاطرة إِذا كَانَت من الْجَانِبَيْنِ أقرب إِلَى الْعدْل والإنصاف مثل الْمُضَاربَة وَالْمُسَاقَاة والمزارعة فَإِن أَحدهمَا مخاطر قد يحصل لَهُ ربح وَقد لَا يحصل وَمَا علمت أَن أحدا من الصَّحَابَة شَرط فِي السباق محللا وَلَا حُرْمَة إِذا كَانَ كل مِنْهُمَا يخرج وَإِنَّمَا علمت الْمَنْع فِي ذَلِك عَن بعض التَّابِعين وَقد روينَا عَن أبي عُبَيْدَة بن الْجراح أَنه رَاهن رجلَانِ فِي سباق الْخَيل وَلم يكن بَينهمَا مُحَلل وَثَبت فِي الْمسند وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا أَنه لما اقتلت فَارس وَالروم فَغلبَتْ فَارس الرّوم وَبلغ ذَلِك أهل مَكَّة وَكَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام ففرح بذلك الْمُشْركُونَ لِأَن الْمَجُوس أقرب إِلَيْهِم من أهل الْكتاب وساء ذَلِك الْمُسلمين لِأَن أهل الْكتاب أقرب إِلَيْهِم من الْمَجُوس فَأخْبر أَبُو بكر ﵁ بذلك رَسُول الله ﷺ فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿الم غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فِي بضع سِنِين﴾ فَخرج أَبُو بكر ﵁ فراهن الْمُشْركين على أَنه إِن غلبت الرّوم فِي بضع سِنِين أَخذ الرِّهَان وَإِن لم تغلب الرّوم أخذُوا الرِّهَان وَهَذِه الْمُرَاهنَة هِيَ مثل الْمُرَاهنَة فِي سباق الْخَيل وَالرَّمْي بالنشاب وَكَانَت جَائِزَة لِأَنَّهَا مصلحَة للاسلام لِأَن فِيهَا مصلحَة بَيَان صدق الرَّسُول

стр. 517

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا أخبر بِهِ من أَن الرّوم سَوف يغلبُونَ بعد ذَلِك وفيهَا ظُهُور أقرب الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْمُسلمين على أبعدهُمَا وَهَذَا فعله الصّديق ﵁ وَأقرهُ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ لم يُنكره عَلَيْهِ وَلَا قَالَ هَذَا ميسر وقمار وَالصديق أجل قدرا من أَن يقامر فَإِنَّهُ لم يشرب الْخمر فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام وَهِي أشهى إِلَى النُّفُوس من الْقمَار وَقد ظن بَعضهم أَن هَذَا قمار لَكِن فعله هَذَا كَانَ قبل تَحْرِيم الْقمَار وَهَذَا إِنَّمَا يقبل إِذا ثَبت أَن مثل هَذَا ثَابت فِيمَا حرمه الله من الميسر وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيل شَرْعِي أصلا بل هِيَ مُجَرّد أَقْوَال لَا دَلِيل عَلَيْهَا وأقيسة فَاسِدَة يظْهر تناقضها لمن كَانَ خَبِيرا بِالشَّرْعِ وَحل مثل ذَلِك ثَابت بِسنة رَسُول الله ﷺ حَيْثُ أقرّ صديقه على ذَلِك فَهَذَا الْعَمَل مَعْدُود من فَضَائِل الصّديق ﵁ وَكَمَال يقينه حَيْثُ أَيقَن بِمَا قَالَه رَسُول الله ﷺ وَأحب ظُهُور أقرب الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحق وراهن على ذَلِك رَغْبَة فِي إعلاء كَلمه الله وَدينه بِحَسب الْإِمْكَان وَبِالْجُمْلَةِ إِذا ثَبت الْإِبَاحَة فمدعى النّسخ يحْتَاج إِلَى دَلِيل وَالْكَلَام على هَذِه الْمَسْأَلَة مَبْسُوط فِي مَوَاضِع وَإِنَّمَا كتبت ذَلِك فِي جلْسَة وَاحِدَة والسبق بِالْفَتْح هُوَ الْعِوَض وبالسكون هُوَ الْفِعْل وَقَالَ ﷺ لَا سبق إِلَّا فِي نصل أَو خف أَو حافر مُطلقًا لم يشْتَرط محللا لَا هُوَ وَلَا أَصْحَابه بل ثَبت عَنْهُم مثل ذَلِك بِلَا مُحَلل وَمِمَّا يُوضح الْأَمر فِي ذَلِك أَن السَّبق فِي غير هَذِه الثَّلَاثَة لم يحرم لِأَنَّهُ قمار فَإِنَّهُ لَو بذل أَحدهمَا عوضا فِي النَّرْد وَالشطْرَنْج حرم اتِّفَاقًا مَعَ أَن الْعِوَض لَيْسَ من الجانبيين وَلَو كَانَ بَينهمَا مُحَلل فِي النَّرْد حرم اتِّفَاقًا أَيْضا فالعوض فِي النَّرْد وَالشطْرَنْج حرَام سَوَاء كَانَ مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا أَو من غَيرهمَا بِمُحَلل أَو غير مُحَلل فَلم يحرم لأجل المخاطرة فَلَو كَانَ الميسر الْمجمع على تَحْرِيمه والنرد وَالشطْرَنْج

стр. 518

لأجل المخاطرة لأبيح مَعَ عدمهَا فَلَمَّا ثَبت أَنه محرم على كل تَقْدِير علم بطلَان تَعْلِيل تَحْرِيمه بذلك وَأكْثر الْعلمَاء يحرمُونَ الْعِوَض فِي المصارعة وَإِن كَانَ بَينهمَا مُحَلل يرفع المخاطرة عدد من يَقُول بذلك فَعلم أَن الْمُؤثر هُوَ أكل المَال بِالْبَاطِلِ أَو كَون الْعَمَل يصد عَن الصَّلَاة وَعَن ذكر الله ويوقع الْعَدَاوَة والبغضاء كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن كَمَا أَن بذل المَال لما فِيهِ من إعلاء كلمة الله وَدين الله هُوَ من الْجِهَاد الَّذِي أَمر الله سُبْحَانَهُ وَرَسُوله ﷺ بِهِ سَوَاء كَانَ فِيهِ مخاطرة أَو لم يكن فَإِن المجهدة فِي سَبِيل الله عزو وَجل فِيهَا مخاطرة قد يغلب وَقد يغلب وَكَذَلِكَ سَائِر الْأُمُور من الْجعَالَة والمزارعة وَالْمُسَاقَاة وَالتِّجَارَة وَالسّفر وَغَيرهمَا كَمَا تقدم بَيَانه وَفِي هَذَا كِفَايَة وَالله أعلم كتاب جَامع الْأَيْمَان إنْشَاء الْحَرَام فِيمَا إِذا قَالَ الرجل لامْرَأَته أَنْت عَليّ حرَام أَو قَالَ الْحل على حرَام أَو مَا أحل الله عَليّ حرَام وَله زَوْجَة فقد تنَازع فِيهِ الصَّحَابَة على قَوْلَيْنِ مشهورين يتفرغ عَنْهُمَا أَقْوَال أحدما وَهُوَ قَول عَليّ وَزيد وَغَيرهمَا أَنه طَلَاق وَهُوَ قَول مَالك وَالثَّانِي أَنه لَيْسَ بِطَلَاق بل يَمِين مكفرة الْكُبْرَى وَهِي كَفَّارَة الظِّهَار لِأَنَّهُ ظِهَار أَو بِالْكَفَّارَةِ الصُّغْرَى كَسَائِر الْأَيْمَان وَهَذَا قَول جُمْهُور الصَّحَابَة عمر وَعُثْمَان وَابْن عَبَّاس وروى عَن أبي بكر ﵃ ثمَّ من الصَّحَابَة من قَالَ هُوَ ظِهَار وَمِنْهُم من جعله يَمِينا بِلَا ظِهَار وَقَالَ مَسْرُوق لَا شَيْء فِيهِ وَلَا أُبَالِي حرمت امْرَأَتي أم قَصْعَة من ثريد

стр. 519

وتنازع الْفُقَهَاء فِي ذَلِك على نَحْو تنَازع السّلف فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه وَيذكر عَن أَحْمد رِوَايَة أَنه عِنْد الْإِطْلَاق يَمِين وَلَيْسَ بظهار وَقَالَ أَحْمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ هُوَ عِنْد الْإِطْلَاق ظِهَار وَمن جعله يَمِينا أَو ظهرا عِنْد الْإِطْلَاق فَنوى بِهِ غير ذَلِك فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة إِن نوى بِهِ طَلَاقا فَهُوَ طَلَاق وَإِن نوى بِهِ ظِهَارًا فَهُوَ ظِهَار وَإِن نوى بِهِ يَمِينا فَهُوَ يَمِين وَقَالَ أَحْمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ ظِهَار كَقَوْلِه أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي وَلَو نوى بِهِ الطَّلَاق لم يكن طَلَاقا لِأَن اللَّفْظ إِذا كَانَ صَرِيحًا فِي حكم وَوجد مشَاعا لم يَجْعَل كِنَايَة فِي غَيره كَلَفْظِ الظِّهَار وَغَيره وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يطلقون بالظهار ثمَّ لما تظاهر أَوْس بن الصَّامِت من زَوجته خَوْلَة وَسمع الله شكواها أنزل الله سُورَة المجادلة وَجعل الظِّهَار الَّذِي كَانُوا ينوون بِهِ الطَّلَاق مُنْكرا من القَوْل وزورا ل يَقع بِهِ شَيْء وَإِنَّمَا فِي الْكَفَّارَة قبل الْمَسِيس إِذا عَاد فَمن قَالَ عَليّ الْحَرَام كَذَلِك هُوَ الظِّهَار شبهها بِمن تحرم عَلَيْهِ على التأييد فَجعل الله ذَلِك مُنْكرا لِأَنَّهَا لَيست مثلهَا وَهنا نطق بِالتَّحْرِيمِ الَّذِي يُوجب التَّشْبِيه لِأَنَّهُ فِي ذَلِك التَّحْرِيم الْمُؤَيد وَإِنَّمَا قصد فِي الطَّلَاق التَّحْرِيم الْعَارِض وَالزَّوْجَة حَلَال لَا تكون حَرَامًا إِلَّا بِأَمْر الشَّارِع فَإِذا شبهها بِمن تحرم عَلَيْهِ مُؤَبَّدًا أَو صرح بتحريمها كَانَ قد أثبت الحكم بِدُونِ سَببه وَمثل هَذَا مُمْتَنع وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس تَحْرِيم الحلا يَمِين فِي كتاب الله تَعَالَى وَقَرَأَ ﴿قد فرض الله لكم تَحِلَّة أَيْمَانكُم﴾ وَقد ذهب طَائِفَة من متأخري أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ إِلَى أَن لفظ الْحَرَام قد اشْتهر فِي عرف الْعَامَّة فِي الطَّلَاق فجعلوه طَلَاقا عِنْد الْإِطْلَاق وَذهب بعض أَصْحَاب مَالك إِلَى أَنه لَيْسَ الْحَرَام فِي هَذِه الْبِلَاد طَلَاقا هَذَا أصل وَالْأَصْل الثَّانِي أَن الْحلف بالحرام هُوَ بِمَنْزِلَة إِيقَاعه وَذهب كثير من الْفُقَهَاء إِلَى أَنه لَا فرق بَينهمَا كَمَا قَالُوهُ فِي الْحلف بالحرام هُوَ بِمَنْزِلَة إِيقَاعه وَذهب كثير من الْفُقَهَاء إِلَى أَنه لَا فرق بَينهمَا كَمَا قَالُوهُ فِي الْحلف بِالطَّلَاق وَالْعتاق وَذهب طَائِفَة إِلَى أَن الْحلف بِهِ لَيْسَ كالإنشاء كَمَا لَو حلف بِالنذرِ مثل إِن فعلت كَذَا فَمَالِي صَدَقَة

стр. 520

فَإِن مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَرِوَايَة عَن أبي حنيفَة أَنه تجزئة كَفَّارَة يَمِين أفتى بذلك الصَّحَابَة والتابعون مثل عمر وَحَفْصَة وَزَيْنَب ربيبة رَسُول الله ﷺ وَتسَمى هَذِه مَسْأَلَة نذر اللجاج وَالْغَضَب فَإِذا قَالَ إِن فعلت كَذَا فأمرأتي حرَام أَو مَالِي حرَام فقد حرم على نَفسه مالم يحرم الله عَلَيْهِ ليمتنع من ذَلِك الْعَمَل كَمَا أَنه فِي النّذر أوجب على نَفسه مالم يُوجِبهُ الله تَعَالَى عَلَيْهِ ليتمنع من ذَلِك الْعَمَل والإيجاب وَالتَّحْرِيم إِلَى الشَّارِع لَا إِلَى العَبْد وَهُوَ لم يقْصد إِيجَابا وَلَا تَحْرِيمًا إِنَّمَا قصد منع نَفسه من ذَلِك الْفِعْل وَالله قد جعل عَلَيْهِ الْكَفَّارَة إِذا حنث لقَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِك كَفَّارَة أَيْمَانكُم إِذا حلفتم﴾ فشرع الْكَفَّارَة لإِزَالَة الآصار والأغلال عَن هَذِه الْأمة بِخِلَاف من قبلهَا فَإِنَّهُم كَانَ يلْزمهُم الْوَفَاء والتزام الْمَحْلُوف عَلَيْهِ وَمن حلف على ابْن أُخْت زَوجته أَن لَا يعْمل عِنْد إِنْسَان لكَونه يَظْلمه ثمَّ بلغ وَخرج عَن أمره واستقل بِنَفسِهِ وَأجر نَفسه لذَلِك الرجل لم يَحْنَث ذَلِك الْحَالِف وَلَو قَالَ أَنا بَرِيء من رَسُول الله ﷺ إِن كَلمته فَحنث فَعَلَيهِ كَفَّارَة يَمِين وَإِذا سلف على زَوجته بِالطَّلَاق أَنَّهَا لَا تخرج إِلَّا إِلَى الْحمام فَخرجت إِلَى بَيت أهل الزَّوْج وَقَالَت لم أَظن أَنَّك أردْت منعى من أهلك فَعرف صدقهَا فِي ذَلِك لم يَقع بِهِ طَلَاق وَإِن عرف كذبهَا لم يقبل قَوْلهَا وَإِن شكّ فِي صدقهَا وكذبها لم يحكم بِوُقُوع الطَّلَاق فَإِن النِّكَاح ثَابت بِيَقِين فَلَا يَزُول بِالشَّكِّ وَإِذا حلف على أُخْت زَوجته لَا تدخل بَيته لَا بِإِذْنِهِ فَدخلت بِغَيْر إِذْنه وَلم تكن علمت بِالْيَمِينِ ثمَّ علمت فاعتقدت أَن الْيَمين انْحَلَّت بِالْحِنْثِ وَأَنه لم يبْق عَلَيْهَا يَمِين فاستمرت على الدُّخُول فَلَا حنث على الخالف لِأَن الدُّخُول الأول لم تكن عَالِمَة بِالْيَمِينِ وَبعد ذَلِك اعتقدت أَنَّهَا انْحَلَّت وَأَنه لم يبْق عَلَيْهِ يَمِين

стр. 521

فصل وَمن حلف على زَوجته بِالطَّلَاق الثَّلَاث لَا تفعل كَذَا فَفعلت وَزَعَمت أَنَّهَا حِين فعلته اعتقدت أَنه غير الْمَحْلُوف عَلَيْهِ فَالصَّحِيح فِي مثل ذَلِك أَنه لَا يَقع طَلَاقه بِنَاء على أَنه فعل الْمَحْلُوف عَلَيْهِ نَاسِيا ليمينه أَو جَاهِلا لم يَقع بِهِ طَلَاق فِي أحد قولي الشَّافِعِي وَأحمد وَعنهُ فِي جنس ذَلِك ثَلَاث رِوَايَات لِأَن الْبر والأيمان بمنزل الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة فِي الْأَمر وَالنَّهْي لِأَن الْحَالِف يقْصد بِيَمِينِهِ الحض لنَفسِهِ أَو لغيره مِمَّن يحلف عَلَيْهِ أَو الْمَنْع لنَفسِهِ أَو لغيره مِمَّن يحلف عَلَيْهِ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة طلب مُؤَكد بالقسم فَكَمَا أَن الْكَلَام نَوْعَانِ خبر وإنشاء والإنشاء أَمر وَنهي وَإِبَاحَة وَالْقسم أَيْضا نَوْعَانِ خبر مُؤَكد وإنشاء مُؤَكد بالقسم وَلِهَذَا كَانَ الْقسم جملتان جملَة يقسم عَلَيْهَا وَجُمْلَة يقسم بهَا فَإِذا قَالَ وَالله لقد كَانَ كَذَا أَو مَا كَانَ كَذَا أَو لَأَفْعَلَنَّ كَذَا أَو لَا تفعل كَذَا كَانَ هَذَا إنْشَاء مؤكدا بالقسم لكنه طلب يتَضَمَّن الْأَمر وَالنَّهْي ثمَّ لما صَارُوا يحلفُونَ بِالطَّلَاق كَانَ لَهُ صيغتان صِيغَة الْقسم وَصِيغَة الشَّرْط فصيغة الْقسم قَول الْحَالِف الطَّلَاق يلْزَمنِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا أَو لَا أَفعلهُ أَو لتفعلن كَذَا وَصِيغَة الْقسم مُوجب فِي صِيغَة الْجَزَاء والمثبت فِي هَذِه منفى فِي هَذِه وَصِيغَة الشَّرْط إِذا تَضَمَّنت معنى الحض وَالْمَنْع كَانَت حلفا بِالطَّلَاق وَأما إِن كَانَت تَعْلِيقا مَحْضا كَقَوْلِه إِذا طهرت أَو طلعت الشَّمْس وَنَحْو ذَلِك فَفِيهِ نزاع بَين الْعلمَاء وَالصَّحِيح أَنه لَيْسَ بِحلف بل هُوَ إِيقَاع مُوجب بِوَقْت مَعْلُوم أَو مَجْهُول أَو مُعَلّق بِشَرْط وينبنى على ذَلِك مسَائِل

стр. 522

مِنْهَا لَو حلف لَا يحلف بِالطَّلَاق أَو قَالَ إِذا حَلَفت بِهِ فَعَبْدي حر أَو لم يعرف لغته فَأَما إِن عرفت لغته فَإِن يَمِينه تنزل عَلَيْهَا وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من حلف فَقَالَ إِن شَاءَ الله فَإِن شَاءَ فعل وَإِن شَاءَ ترك وَقد تنَازع النَّاس فِي الِاسْتِثْنَاء عَليّ ثَلَاث دَرَجَات أَحدهَا الْإِيقَاع الْمُجَرّد فَعِنْدَ أَحْمد وَمَالك أَنه نفع الثَّانِيَة وَإِذا علق الطَّلَاق بِشَرْط يقْصد بِهِ الحض أَو الْمَنْع فَفِيهِ قَولَانِ هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد إِحْدَاهمَا الْإِيقَاع فَإِنَّهُ الْإِيقَاع وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيح أَنه كالحض والدرجة الثَّالِثَة إِذا حلف بِصِيغَة الْقسم كَقَوْلِه الطَّلَاق يلْزَمنِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَهُنَا ظَاهر الْمَذْهَب عَن أَحْمد أَنه لَا يَحْنَث ثمَّ من أَصْحَابه من يَجعله قولا وَاحِدًا وَمِنْهُم من يَجْعَل فِيهِ رِوَايَتَيْنِ فَالصَّوَاب وُقُوع الاسثتناء فِي هَاتين الصُّورَتَيْنِ وَإِن قيل لَا يَقع فِي الْإِيقَاع وَالْمَقْصُود هُنَا أَن الْحَالِف على نَفسه أَو غَيره ليفعلن أَو لَا يفعل وَهُوَ طَالب طلبا مؤكدا بالقسم بِمَنْزِلَة الْأَمر وَالنَّهْي وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد علم أَن الْمنْهِي إِذا فعل مَا نهى عَنهُ نَاسِيا أَو مخطئا وَقد فعل شَيْئا يعْتَقد أَنه غير الْمنْهِي عَنهُ كَانَ المنهى عَنهُ كَأَنَّهُ لم يكن وَلم يكن الْمنْهِي مُخَالفا للناهي عَاصِيا لَهُ فَكَذَلِك من فعل الْمَحْلُوف عَلَيْهِ نَاسِيا أَو مخطئا فِي اعْتِقَاده لمي كن مُخَالفا للْحَالِف فَلم يَحْنَث الْحَالِف وَهَذَا بَين لمن تَأمله وَالله تَعَالَى لم يُؤَاخذ بِالنِّسْيَانِ وَالْخَطَأ وَأما إِذا فعلت الزَّوْجَة الْمَحْلُوف عَلَيْهِ عَالِمَة بالمخالفة فَهَذَا فِيهِ نزاع آخر غير النزاع الْمَعْرُوف فَأصل الْحلف بِالطَّلَاق هَل يَقع بِهِ الطَّلَاق أَو لَا يَقع فَإِن النزاع فِي ذَلِك بَين السّلف وَالْخلف وَالْمَقْصُود أَن الزَّوْج إِذا حلف على زَوجته فخالفته عمدا فمذهب أَشهب

стр. 523

صَاحب مَالك أَنه لَا يَقع بِهِ طَلَاق فِي هَذِه الصُّورَة وَخَالفهُ غَيره من الْمَالِكِيَّة وَلَعَلَّ مأخذه إِمَّا وجوب طَاعَته وَجعلهَا عاصية بذلك أَو لِئَلَّا يكون الطَّلَاق بِيَدِهَا من غير رِضَاهُ فَإِنَّهُ لم يقْصد جعله بِيَدِهَا إِنَّمَا قصد منعهَا وَظن أَنَّهَا لَا تعصيه كمن حلف على معنى يَظُنّهُ كصفة فَتبين بِخِلَافِهَا ثمَّ إِذا وَقع بِهِ الطَّلَاق بِفِعْلِهَا أَو حصلت فرقة بِفِعْلِهَا بعد الدُّخُول فَهَل يرجع عَلَيْهَا بِالْمهْرِ فَهُوَ مَبْنِيّ على أَن إِخْرَاج الْبضْع من ملك الزَّوْج هَل هُوَ مُتَقَوّم فَلَو شهد شُهُود بِالطَّلَاق ثمَّ رجعُوا هَل يضمنُون الصَدَاق فِيهِ قَولَانِ مشهوران هما رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد وَالصَّحِيح أَنه مُتَقَوّم وَمِنْهُم من فرق بَين الْمَرْأَة واالأجنبي فَيَقُول مُتَقَوّم على الْأَجْنَبِيّ دون الْمَرْأَة فَيَقُولُونَ إِن أفسدت النِّكَاح هِيَ لم تضمنه بِخِلَاف الْأَجْنَبِيّ ثمَّ مَالك يَقُول هُوَ مَضْمُون بالمسعى وَهُوَ مَنْصُوص عَن أَحْمد وَالشَّافِعِيّ يَقُول هُوَ مَضْمُون بِمهْر الْمثل وَهُوَ وَجه لِأَحْمَد وَكَذَلِكَ لَو أفسد رجل نِكَاح امْرَأَة قبل الدُّخُول بهَا وَبعده فللمرأة قبل الدُّخُول نصف الصَدَاق وَلها جَمِيعه بعده وَيرجع بِهِ الزَّوْج على الْمُفْسد فِي الصُّورَتَيْنِ عِنْد من يَقُول خُرُوج الْبضْع مُتَقَوّم وَهُوَ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد وَهُوَ مِقْدَار مَا يرجع بِهِ على الْقَوْلَيْنِ وَمن يَقُول لَا يتقوم بقول لَا يرجع وَهَذَا القَوْل الآخر فِي مَذْهَب أَحْمد وَالدَّلِيل على أَنه مُتَقَوّم جَوَاز الْخلْع عَلَيْهِ وَأَيْضًا مَا ذكره الله فِي الممتحنة حَيْثُ قَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفقُوا﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا مَا أنفقتم وليسألوا مَا أَنْفقُوا﴾ نزلت بِاتِّفَاق الْمُسلمين فِي قَضِيَّة الصُّلْح الَّذِي كَانَ بَين النَّبِي ﷺ وَبَين أهل مَكَّة صلح الْحُدَيْبِيَة لما شَرط عَلَيْهِم أَن يرد الْمُسلمُونَ من جَاءَهُم مُسلما وَأَن لَا يرد أهل مَكَّة من ذهب إِلَيْهِم مُرْتَدا فَهَاجَرَ نسْوَة كَأُمّ كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط فنسخ الله تَعَالَى الرَّد فِي النِّسَاء وَأمر برد الْمهْر عوضا عَن رد الْمَرْأَة فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفقُوا﴾

стр. 524

فَأمر أَن يُؤْتى الْأزْوَاج مَا أَنْفقُوا على الْمَرْأَة الممتحنة الَّتِي لَا ترد وَالَّذِي أَنْفقُوا هُوَ الْمُسَمّى ﴿واسألوا مَا أنفقتم﴾ فشرع للْمُؤْمِنين أَن يسْأَلُوا الْكفَّار مَا أَنْفقُوا على النسْوَة اللَّاتِي ارتددن إِلَيْهِم وَأَن يسْأَل الْكفَّار مَا أَنْفقُوا على النِّسَاء الْمُهَاجِرَات فَلَمَّا حكم الله بذلك دلّ على أَن خُرُوج الْبضْع مُتَقَوّم وَأَنه بِالْمهْرِ الْمُسَمّى ودلت الْآيَة على أَن الْمَرْأَة إِذا أفسدت نِكَاحهَا رَجَعَ عَلَيْهَا زَوجهَا بِالْمهْرِ فَإِذا حلف عَلَيْهَا فخالفته وَفعلت الْمَحْلُوف عَلَيْهِ كَانَت عاصية ظالمة متلفة للبضع عَلَيْهِ فَيجب عَلَيْهَا ضَمَانه إِمَّا بِالْمُسَمّى على أصح قولي للْعُلَمَاء وَإِمَّا بِمهْر الْمثل يُؤَيّد ذَلِك مَا كَانَ من امْرَأَة قيس بن شماس حِين أبغضته وَقَالَت إِنِّي أكره الْكفْر بعد الْإِيمَان فَأمرهَا رَسُول الله ﷺ أَن ترد عَلَيْهِ حديقته لِأَن الْفرْقَة جَاءَت من جِهَتهَا فَتبين أَنه يجوز فَتبين أَنه يجوز أَن يَأْخُذ أَن يَأْخُذ صَدَاقهَا إِذا كَانَ سَبَب الْفرْقَة من جِهَتهَا إِلَّا إِذا كَانَت من جِهَته وَهَذَا كُله يُقرر أَنه يجوز أَن يرجع إِلَيْهِ الصَدَاق إِذا فعل مَا يُوجب الضَّمَان مثل مَا إِذا أفسدته بِالْهِجْرَةِ أَو الرِّدَّة فصل وَإِذا حلف بِالطَّلَاق الثَّلَاث أَن أحدا من أَرْحَام الْمَرْأَة لَا يطلع إِلَى بَيته فطلع فِي غيبته فَإِن كَانَ يعْتَقد أَنه إِذا حلف عَلَيْهِم امْتَنعُوا من الصمود فَحلف ظنا أَنهم مِمَّن يطيعونه فَتبين الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك فَفِي حنثه نزاع بَين الْعلمَاء الْأَظْهر أَنه لَا يَحْنَث كمن رأى امْرَأَة ظَنّهَا أَجْنَبِيَّة فَقَالَ أَنْت طَالِق ثمَّ تبين أَنَّهَا امْرَأَته وَنَحْو ذَلِك من الْمسَائِل الَّتِي يتعارض فِيهَا تعْيين الظَّاهِر وَالْقَصْد فَإِن الصَّحِيح اعْتِبَار الْقَصْد

стр. 525

وَإِذا حلف بِالطَّلَاق الثَّلَاث لَا يسكن هَذِه الدَّار وَقَالَ إِن شَاءَ الله فَلَا حنث عَلَيْهِ إِذا سكن فِيهَا وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الْمَشْهُور من مذْهبه وَقَول فِي مَذْهَب مَالك إِذا قَالَ إِن شَاءَ الله على الْوَجْه الْمُعْتَبر وَإِذا حلف فَقَالَ لَهُ رجل قل إِن شَاءَ الله فَقَالَ حَلَفت وَمضى فَقَالَ مرّة ثَانِيَة إِن شَاءَ الله فَقَالَهَا فَفِيهِ نزاع مَشْهُور فِي مَذْهَب أَحْمد وَغَيره فِي الصَّحِيح مثل هَذَا الإستثناء مثل هَذَا الإستثناء كَمَا ثَبت فِي حَدِيث سُلَيْمَان ﵇ أَنه قَالَ لأطوفن اللَّيْلَة على تسعين امْرَأَة كل أمْرَأَة تَأتي بِفَارِس يُجَاهد فِي سَبِيل الله فَقَالَ لَهُ صَاحبه قل إِن شَاءَ الله فَلم يقل فَلَو قَالَهَا لقاتلوا جَمِيعًا فِي سَبِيل الله فُرْسَانًا أَجْمَعِينَ وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ فِي الْمَدِينَة لَا يختلي خَلاهَا فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس إِلَّا الْإِذْخر فَقَالَ إِلَّا الْإِذْخر وَقَوله ﷺ لَا يَنْقَلِبْنَ أحد إِلَّا بِضَرْب عنق فَقَالَ ابْن مَسْعُود إِلَّا سُهَيْل بن بَيْضَاء فَإِنِّي سمعته يذكر الْإِسْلَام قَالَ فَسكت رَسُول الله ﷺ حَتَّى خفت أَن الْحِجَارَة تنزل عَليّ من السَّمَاء ثمَّ قَالَ إِلَّا سُهَيْل بن بَيْضَاء وَقَالَ ﷺ وَالله لأغزون قُريْشًا وَالله لأغزون قُريْشًا وَالله لأغزون قُريْشًا ثمَّ سكت ثمَّ قَالَ إِن شَاءَ الله ثمَّ لم يغزهم وَفِي الْقُرْآن جمل قد بَين فصل أبعاضها بِكَلَام آخر كَقَوْلِه ﴿وَقَالَت طَائِفَة من أهل الْكتاب آمنُوا بِالَّذِي أنزل على الَّذين آمنُوا وَجه النَّهَار واكفروا آخِره لَعَلَّهُم يرجعُونَ وَلَا تؤمنوا إِلَّا لمن تبع دينكُمْ قل إِن الْهدى هدى الله أَن يُؤْتى أحد مثل مَا أُوتِيتُمْ﴾ الْآيَة ففصل بَين الْكَلَام المحكى عَن أهل الْكتاب وَله نَظَائِر وَالله أعلم وَإِذا حلف على يَمِين وَكَانَ من عَادَته أَن لَا يحلف إِلَّا وَيسْتَثْنى فَحلف يَمِينا وَشك بعد مُدَّة هَل جرى على عَادَته فِي الِاسْتِثْنَاء أم لَا فَالْأَظْهر من قَول الْعلمَاء إجراؤه على عَادَته وإلحاق الْفَرد بالأعم الْأَغْلَب وَإِذا أكره على الْيَمين بِغَيْر حق مثل أَن يكون بَاعه إِلَى أجل ثمَّ بعد

стр. 526

لُزُوم العقد قَالَ لَهُ إِن لم يحلف لي أَنَّك تُعْطِينِي حَقي يَوْم كَذَا وَإِلَّا لزمك الطَّلَاق فَإِن لم تحلف أخذت السّلْعَة مِنْك وَذَلِكَ بعد إِذْ أدّى المُشْتَرِي الكلفة السُّلْطَانِيَّة فَإِن هَذِه الْيَمين لَا تَنْعَقِد وَلَا طَلَاق عَلَيْهِ إِذا لم يُعْط وَلَو قَالَ كنت قد استثنيت فَقلت إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَقَالَ لم تقل شَيْئا فَالْقَوْل قَول الْحَالِف فِي هَذِه الْحَال أَنه اسْتثْنِي لِأَنَّهُ مظلوم والمظلوم لَهُ الِاسْتِثْنَاء وَله التَّعْرِيض وَالْقَوْل قَوْله فِي ذَلِك وَلَو قَالَ إِن خرجت بِغَيْر إذني فَأَنت طَالِق فَهُوَ على كل مرّة لِأَن خرجت فعل وَالْفِعْل نكرَة وَهِي فِي سِيَاق الشَّرْط تعم نَحْو قَوْله تَعَالَى فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَكَذَا إِذا قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي ألفا فَأَنت طَالِق يَقْتَضِي تَعْلِيق الْمُسَمّى على تحقق الشَّرْط فَهُوَ على كل مرّة تعطيه ألفا وَهَذَا الْمُسَمّى مَوْجُود فِي جَمِيع أَفْرَاده فَيَقَع الطَّلَاق بِهِ إِذا وجد فَلَو أَعطَتْهُ مَا ينقص ع ن ألف ثمَّ أَعطَتْهُ الْألف وَقع الطَّلَاق لَكِن الْعُمُوم تَارَة يكون على سَبِيل الْبَدَل وَهُوَ الْعُمُوم الْمُطلق وَهُوَ الَّذِي يُقَال فِيهِ تَعْلِيق الطَّلَاق لَا يَقْتَضِي التّكْرَار وَتارَة تكون على سَبِيل الْجمع وَهُوَ الْعُمُوم على سَبِيل الِاسْتِغْرَاق وَهُوَ يَقْتَضِي التّكْرَار تَعْلِيق الطَّلَاق هَذَا الْجَواب هُوَ الصَّوَاب وَقيل إِنَّه إِذا أذن لَهَا فِي الْخُرُوج انْحَلَّت يَمِينه بِنَاء على القَوْل بِأَن النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي لَا تعم إِلَّا إِذا أكدت ب من تَحْقِيقا أَو تَقْديرا نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا من إِلَه إِلَّا الله﴾ محتجا بقول سيبيوه إِنَّه يجوز أَن تَقول مَا رَأَيْت رجلا بل رجلَيْنِ وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فرق بَين الصيغتين فِي الْجَوَاز فَقَط فَإِن قَوْله مَا رَأَيْت من رجل إِنَّمَا هُوَ نَص فِي الْجِنْس لِأَن حرف من للْجِنْس وَأما نَحْو مَا رَأَيْت رجلا فَهُوَ ظَاهر فِي الْجِنْس يَقْتَضِي الْعُمُوم وَيجوز أَن يُرَاد بِهِ مَعَ القرنية نفي الْجِنْس الْوَاحِد فَيجوز للمتكلم أَن لَا يُرِيد بِكَلَامِهِ ذَلِك كَمَا

стр. 527

يُرِيد بِهِ سَائِر الِاحْتِمَالَات المرجوحة فَإِذا قَالَ إِن خرجت إِلَّا بإذني وَنوى خُرُوجًا وَاحِدًا نَفعه ذَلِك وحملت يَمِينه عَلَيْهِ وَلَو كَانَ السَّبَب يَقْتَضِي ذَلِك مثل أَن تطلب مِنْهُ الْخُرُوج إِلَى لِقَاء الْحجَّاج فَيَقُول إِن خرجت بِغَيْر اذني فَأَنت طَالِق فَهُوَ كَمَا لَو حلف لَا يتغذى إِذا دعى إِلَى غداء فَفِيهِ قَولَانِ هما وَجْهَان فِي مَذْهَب أَحْمد الصَّوَاب أَنه يقْتَصر على ذَلِك الْغَدَاء لِأَنَّهُ الْمَفْهُوم من كَلَام النَّاس عرفا وَالْفرق بَينه وَبَين أَلْفَاظ الشَّارِع أَن الْعبْرَة فِي كَلَام الشَّارِع بِعُمُوم لَفظه لَا بِخُصُوص سَببه ذَلِك أَن هُنَاكَ تعَارض قصد التَّخْصِيص وَقصد التأسيس بالحكم فيرجح التأسيس لِأَن كَلَام الشَّارِع مَنْصُوب لَهُ وَهُوَ مُوجب اللَّفْظ وَهنا لم يعرف أَن غَرَض الْحَالِف تأسيس الْمَنْع من الْفِعْل فَسلمت دلَالَة التَّخْصِيص عَن معَارض فَظهر أَن قَوْله إِن خرجت بِغَيْر إذني مثل قَوْله إِن خرجت إِلَّا أَن آذن لَك هَذَا خُرُوج مُقَيّد وَهَذَا خُرُوج مُطلق كَقَوْلِه لَا أتغذى أَو لَا أخرج وَمَعَ ذَلِك فان تطلق نكرَة وَهَذِه الْأَفْعَال كلهَا للْعُمُوم عِنْد الْإِطْلَاق لِأَنَّهَا نكرَة فِي سِيَاق غير مُوجب فَيحمل عَلَيْهِ إِذا نَوَاه وَكَانَ مَعَ السَّبَب للخصوص على أصح الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا ظَاهر فِي قُلُوب النَّاس فصل وَمن حلفه مخدومه أَنه مَتى رأى أحدا خانه يُعلمهُ فخانه أحد فَإِنَّهُ اطلع عَلَيْهِ استوفى حَقه مِنْهُ أَو عاقبه بِمَا يسْتَحق من غير عدوان وَجب على الَّذِي عرف بالقضية أَن يطلعه وينصحه وَلَو لم يحلفهُ فَكيف إِذا حلفه وبأثم إِذا سكت عَن هَذِه النَّصِيحَة وَمن سحر فَبلغ بِهِ السحر أَن لَا يعلم مَا يَقُول فَلَا طَلَاق لَهُ وَمن كَانَت عِنْده وَدِيعَة فتصرفت فِيهَا زَوجته فَطلب صَاحب الْوَدِيعَة

стр. 528

وديعته فَقَالَ لزوجته أعْطِيه الْوَدِيعَة فَقَالَت تصرفت فِيهَا فَحلف أَنه لَا بُد أَن يُعْطِيهِ الْوَدِيعَة وَإِلَّا كَانَت طَالقا وَلَا يروح إِلَّا بوديعته وَكَانَ قد رأى الْوَدِيعَة فِي الْبَيْت فعجزت الزَّوْجَة عَن إحضارها وَرَاح الرجل وَلم يَأْخُذ الْوَدِيعَة فَإِذا كَانَت الْوَدِيعَة مَعْدُومَة فَلَا حنث عَلَيْهِ لِأَن الْمَحْلُوف عَلَيْهِ مُمْتَنع وَلَا يَحْنَث فِي أصح الْقَوْلَيْنِ وَلِأَنَّهُ اعْتقد وجودهَا فَتبين ضِدّه فَلَا يَحْنَث فِي مثل ذَلِك على الصَّحِيح وَمن رأى معجنة طين فَقَالَ على الطَّلَاق مَا تَكْفِي فكفت فَلَا يعود إِلَى مثل هَذَا الْيَمين فَإِن فِيهَا خلافًا لَكِن الْأَظْهر أَنه لَا يَحْنَث وَإِذا حلف على زَوجته لَا تفعل شَيْئا وَلم تعلم أَنه حلف أَو علمت ونسيت ففعلته فَلَا حنث عَلَيْهِ وَله أَن يصدقها إِن كَانَت صَادِقَة عِنْده وَإِذا حلف لَا يفعل شَيْئا لسَبَب فَزَالَ السَّبَب أَو أكره فعل الْمَحْلُوف عَلَيْهِ لم يَحْنَث وَإِن كَانَ السَّبَب بَاقِيا وَأَرَادَ فعل الْمَحْلُوف فخالع زَوجته خلعا صَحِيحا ثمَّ فعله بعد أَن بَانَتْ بِالْخلْعِ لم يَحْنَث وَإِن كَانَ الْخلْع لأجل الْيَمين فَفِيهِ نزاع مَشْهُور وَالصَّحِيح أَن خلع الْيَمين لَا يَصح كالمحلل لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُود بِهِ الْفرْقَة وَهل يَقع بخلع الْيَمين طَلْقَة رَجْعِيَّة أم لَا يَقع بِهِ شَيْء فِيهِ نزاع مَشْهُور وَالصَّحِيح أَنه لَا يَقع بِهِ شَيْء بِحَال لَكِن إِذا أفتاه مفت بِهِ وَفعله مُعْتَقدًا أَن النِّكَاح قد زَالَ وَأَنه لَا حنث عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يقْصد مُخَالفَة يَمِينه فَلَا حنث عَلَيْهِ وَأكْثر الْعلمَاء يَقُولُونَ إِن يَمِينه بَاقِيَة مِنْهُم مَالك وَأَبُو حنيفَة وَأحمد فِي الْمَشْهُور وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه وَفِي القَوْل الآخر أَن الْيَمين تنْحَل إِذا حصل بَينه وَبَين زَوجته بينونة وَيجوز للمستفتي أَن يستفتى فيمَ ثل هَذِه الْمسَائِل من يفته بِأَن لَا حنث عَلَيْهِ وَلَا يجب على أحد أَن يُطِيع أحد فِي كل مَا يَأْمر بِهِ وَينْهى عَنهُ إِلَّا رَسُول الله ﷺ وَإِذا أفتاه من يجوز

стр. 529

استفتاؤه جَازَ أَن يعْمل بفتواه وَلَو كَانَ ذَلِك القَوْل لَا يُوَافق الْمَذْهَب الَّذِي ينتسب هُوَ إِلَيْهِ وَلَيْسَ بِلَازِم أَن يلزتم قَول إِمَام بِعَيْنِه فِي جَمِيع أيمانه وَمن حلف بالحرام أَن لَا يخرج فُلَانَة من بَيته فَخرجت فمذهب أَحْمد أَنه لَا طَلَاق عَلَيْهِ وَإِن نوى الطَّلَاق بل تُجزئه كَفَّارَة يَمِين فِي قَول وَكَفَّارَة ظِهَار فِي آخر وَكَفَّارَة الْيَمين أظهر وَإِذا اتهمَ زَوجته وَقَالَ أَنْت أخذت الْفضة فَحَلَفت أَنَّهَا مَا أَخَذتهَا فَقَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا ثمَّ وجد أَنَّهَا لم تكن أخذت شَيْئا فَذكر أَنه هُوَ أَخذهَا وَإِن كَانَ قد نوى أَنْت طَالِق إِن كنت أخذتيها فَلَا حنث عَلَيْهِ وَإِن اعْتقد أَنَّهَا أَخَذتهَا فَطلقهَا لأجل ذَلِك ثمَّ تبين أَنَّهَا لم تأخذها فَفِيهِ نزاع الْأَظْهر أَنه لَا يَقع وَكَذَلِكَ لَو نقل عَنْهَا أَنَّهَا فعلت فَاحِشَة فَطلقهَا يَنْوِي أَنَّهَا طَالِق لأجل مَا فعلت فَبَان أَنَّهَا لم تفعل فَلَا حنث وَإِن كَانَ لم ينْو وَلَكِن السَّبَب ذَلِك فَفِيهِ نزاع فَلَا بُد من اعْتِبَار لفظ الْحَالِف وَنِيَّته وَسبب يَمِينه وَإِذا كَانَ الْحَالِف يعْتَقد أَن الْمُخَاطب لَا يفعل الْمَحْلُوف عَلَيْهِ باعتقاده أَنه لَا يُخَالِفهُ إِذا حلف عَلَيْهِ وَلَا يحنثه لكَون الْحَالِف متزوجا بقريبته وَلَا يخْتَار تطليقها وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْبَاب فَحلف عَلَيْهِ وَتبين أَنه كَانَ غالطا فِي اعْتِقَاده فِيهِ وَأَنه يخْتَار أَنه يطلقهَا وَلَا يُبَالِي بِهِ فَفِيهِ نزاع إِذا اعْتقد فِي معِين صفة فَحلف لأجل تِلْكَ الصّفة ثمَّ تبين بِخِلَافِهِ فالأشبه أَنه لَا يَقع طَلَاق كَمَا لَو لَقِي امْرَأَة ظَنّهَا أَجْنَبِيَّة فَقَالَ أَنْت طَالِق ثمَّ تبين أَنَّهَا زَوجته فَفِيهِ نزاع وَالْأَظْهَر لَا طَلَاق عَلَيْهِ إِذْ الِاعْتِبَار بِمَا قَصده وَهُوَ إِنَّمَا قصد مَوْصُوفا لَيْسَ هُوَ هَذَا الْمعِين وَإِذا طَلقهَا طَلْقَة بَائِنَة بِلَا عوض فَفِيهِ نزاع قيل يَقع وَاحِدَة بَائِنَة

стр. 530

وَقيل بل رَجْعِيَّة وَقيل ثَلَاث وَالصَّحِيح أَنه لَا يَقع بِهِ إِلَّا وَاحِدَة والنزاع فِي مَذْهَب أَحْمد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ رَجْعِيَّة وَأَبُو حنيفَة وَاحِدَة بَائِنَة وَإِذا حلف لَا يسكن بِبَيْت أَبِيه فزارهم وحابس عِنْدهم أَيَّامًا لم يَحْنَث لِأَن الزِّيَارَة لَيست سُكْنى بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَطَلَاق السَّكْرَان فِيهِ نزاع لِأَحْمَد وَغَيره وَالْأَشْبَه بِالْكتاب وَالسّنة أَنه لَا يَقع وَثَبت ذَلِك عَن عُثْمَان ﵁ وَلم يثبت عَن صَحَابِيّ خلَافَة وَهُوَ قديم قَول الشَّافِعِي وَبَعض أَصْحَاب أبي حنيفَة وَهُوَ قَول كَبِير من السّلف وَالْفُقَهَاء وَالثَّانِي يَقع وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَزعم طَائِفَة من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَن النزاع إِنَّمَا هُوَ فِي السَّكْرَان الَّذِي قد يفهم ويغلط فَأَما الَّذِي ثمَّ سكره بِحَيْثُ لَا يفهم مَا يَقُول وَلَا مَا يُقَال لَهُ فَلَا يَقع بِهِ قولا وَاحِدًا لِأَن الْأَئِمَّة الْكِبَار جعلُوا النزاع فِي الْجمع فصل إِذا حلف بِالطَّلَاق أَو غَيره أَنه لَا يدْخل دَار فلَان وَلَا يَأْكُل طَعَامه وَلَا يطَأ زَوجته ثمَّ فعل وَاحِدَة من هَذِه الْخِصَال انْحَلَّت يَمِينه وَلم يَحْنَث بعد ذَلِك بِفعل الْبَوَاقِي بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَمن حلف بِالطَّلَاق فَقيل لَهُ استثن فَقَالَ إِن شَاءَ الله فَلَا جنث عَلَيْهِ بِخِلَاف الَّذِي أوقع الطَّلَاق وَقَالَ إِن شَاءَ الله فَإِن ذَلِك لَا يرفعهُ سَوَاء كَانَ قد نوى الِاسْتِثْنَاء قبل فَرَاغه من الْيَمين أَو بعده هَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي دلّ عَلَيْهِ كَلَام الإِمَام أَحْمد وَكثير من السّلف وَسنة الرَّسُول ﷺ أَن يطوف على نِسَائِهِ وَقَوله للْعَبَّاس إِلَّا الْإِذْخر واستثناء سُهَيْل بن بَيْضَاء وَغَيره تدل على أَن الْيَمين تنْحَل بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمُقَارن للْيَمِين
следующие страницы →